← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 38162

السيوف البواتر لمن يقدم صلاة الصبح على الفجر الآخر

عبد الله بن عمر الحضرمي

Полный текст (339 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الفجر حين يطلع الفجر، وأن آخر وقتها حين تطلع الشمس» أخرجه الأربعة ((١) إلا أبا داود، وهذا لفظ الترمذي ((٢) انتهى. وإذا تقرر ما مرّ في الباب الأول عن «القاموس»، و «النجم الوهاج» للدميري، و «حاشية شرح التحرير» للقليوبي، و «القول التمام»، و «مغني» الشربيني أن: الصبح - في لغة العرب -: هو الفجر: وهو البياض المشرب بالحمرة. وعَلِمْتَ هذه الأحاديث الواردة عن أفصح العرب ﷺ .. تحققت أنه ﷺ أراد بقوله: «إنما ذاك بياض النهار» الضوء المعترض المتزايد المبين للنهار المشرب بالحمرة، وكذا قوله: (وأما الثاني الخ)، وقوله: «فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم»، وتبيين ابن شهاب أنه: «لا ينادي حتى يُقال له أصبحت، أصبحت»، وقوله ﷺ : «ووقت الصبح من طلوع الفجر»، وقوله: «وإن أول الفجر حين يطلع الفجر»، وأمره بلالاً بإقامة الفجر حين

стр. 142

انشق الفجر، وقول سهل (بن سعد) (١): (لما نزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا بذلك أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار). كلها تفيد ذلك، لكننا نذكر لكل علامة طرفاً يخصها، زيادة إيضاح وبيان واعتناء بهذا الشأن، الذي اعتنى ببيانه أفضل الإنس والجان ﷺ . الطرف الثاني: -[العلامة الأولى: الاعتراض] - في أن الفجر هو المعترض جنوباً وشمالاً: وفي «المنهج المبين»: (وروى مسلم، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا» وحكى حماد بيده وقال ((٢): (يعني: معترضاً) ((٣). وروى البيهقي مرسلاً، عن محمد بن عبد الرحمن بن

стр. 143

ثوبان أن: رسول الله ﷺ قال: «هما فجران، فأما الفجر الأول: - الذي كأنه ذنب السِّرحان - .. فإنه: لا يحل شيئاً ولا يحرمه، وأما المستطيل: الذي يأخذ بالأفق، فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام» ((١)، ولما ذكر حديث: بيان جبريل ﵇ الأوقات

стр. 144

للنبي ﷺ ((١) عن ابن عباس ((٢) ﵄، قال: (وفي بعض طرق الحديث: «ثم جاء - يعني: جبريل - حين سطع الفجر

стр. 145

للصبح، فقال: قم يا محمد فصل، فصلى بي الصبح» (١). قال في «القاموس»: (سَطَعَ الغُبار: كمَنَع، سُطوعاً، وسَطيعاً، (كأَميراً) (٢)، وهو قليل: ارتفع، وكذا البرقُ، والشعاعُ، والصبحُ) (٣). وفي «الصحاح»: (سطع الغبار والرائحة والصبح، يسطع سطوعاً: إذا ارتفع). وفي «القاموس»:

стр. 146

(المُسْتَطِيرُ السَّاطِعُ: المُنْتَشِرُ) (١). وفيه أيضاً: (انتشر: انبسط .. والنهار: طال وامتد) (٢) انتهى. قال فيه: (طال طُولاً - بالضم -: امْتَدَّ، كاسْتَطالَ). وفيه أيضاً (استطال: امتد وارتفع) (٣) انتهى. وفي «العزيز» للرافعي: (استطار الفجر: إذا انتشر ضوءه). انتهى. فعلم بهذا أن: لفظ الاستطارة، والاستطالة، والسطوع، والانتشار، متى عبر بها الشارع ﷺ أو العلماء في تعريف الفجر الصادق .. فمرادهم: امتداد نوره جنوباً وشمالاً، وارتفاعه إلى ناحية المغرب، وانبساطه في ذلك، وتبين النهار به، فكل لفظ من هذه الألفاظ الأربعة يفيد كل ذلك. وفي «المنهج المبين» أيضاً من راوية البيهقي: (أن النبي ﷺ قال: «لا يغرنكم من سحوركم: أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل، حتى يستطير» يعني: معترضاً) انتهى. ومن كتاب «التلخيص

стр. 147

[الحبير] (١) في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» للشيخ ابن جحر العسقلاني ((٢) قوله: (أنه ﷺ قال: «لا يغرنكم الفجر المستطيل، فكلوا، واشربوا، حتى يطلع الفجر المستطير» أخرجه الترمذي بلفظ: «لا يغرنكم عن سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق». وهو في «صحيح مسلم» بألفاظ منها «لا يغرنكم عن سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير» ((٣)، وفي «الصحيحين» [قوله ﷺ ] «أن الفجر: ليس هو الذي يقول هكذا: وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذي يقول هكذا: ووضع المسبحة على المسبحة ومدّ

стр. 148

يديه» (١)، زاد البخاري: (عن يمينه وشماله) وله ألفاظ. وروى الدارقطني من حديث عبد الرحمن بن [عايش] ((٢) [أنه قال] (٣): «الفجر: فجران: فأما المستطيل في السماء .. فلا يمنعن السحور، ولا تحل فيه الصلاة، فإذا اعترض .. فقد حرم الطعام، وحلت الصلاة» ((٤) انتهى. وقال الحافظ المنذري ((٥) في «مختصره لسنن

стр. 149

أبي داود») عن بلال ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «له لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا: ومد يده عرضاً» (١)) انتهى. وفي «سنن البيهقي الكبرى») عن شداد مولى [عياض] ((٢) قال: (جاء بلال إلى النبي ﷺ وهو يتسحر - فقال: «لا تؤذن حتى

стр. 150

ترى الفجر»، ثم جاءه من الغد فقال: «لا تؤذن حتى يطلع الفجر»، ثم جاءه من الغد، فقال: «لا تؤذن حتى ترى الفجر هكذا: وجمع يديه ثم فرق بينهما» (١) انتهى. تنبيهات الأول: لا تعارض هاتان الروايتان، وغيرهما، ما مرّ أن: بلالاً يؤذن بليل. لحمل ذلك على أن أذاني الصبح كانا مناوبة، بين بلال وابن أم مكتوم، فتكلم ﷺ بحسب الواقع في كل نوبة. الثاني: لا تعارض بين وصفه ﷺ : الفجرين بالاستطالة، والاستطارة؛ لأنه إذا وُصف بهما الكاذب أراد: طوله، وارتفاعه المتناهي الذي لا

стр. 151

يتزايد؛ ولذا قال فيه: كذنب السرحان». وبالنسبة إلى محله في الطول: وهو طول السماء الذي هو بين المشرق والمغرب، ودقته في عرضها وهو: الجنوب والشمال، وبعده: وهو ارتفاعه عن الأفق الشرقي. وإذا وصف بهما الصادق أراد: طوله في الجنوب والشمال [الغير متناهي] (١)، وارتفاعه في جانب المغرب [الغير متناهي] (٢). الثالث: جمعه كفه الشريفة ﷺ ؛ أشار بذلك إلى: طول الكاذب، ودقة عرضه، وتنكيسه لها؛ أشار به إلى: أنه ينزل إلى الأفق الشرقي، ووضعه المسبحة على المسبحة؛ أشار به إلى: اعتراض الصادق؛ ولذا جاء في بعض الروايات - كما في «فتح الباري» (٣) و «القسطلاني»: (أنه فرق بينهما بعد جمعهما) وتبين ذلك زيادة البخاري المارة. (٤)

стр. 152

الطرف الثالث: -[العلامة الثانية: التزايد] - في تزايد الفجر الصادق: قال في «المنهج المبين» (باب: الفجر: فجران: ودخول وقت الصبح بالآخر منهما ما روى البيهقي ((١)

стр. 153

وغيره ((١) وقال روينا موصولاً، ومرسلاً، وإرساله أصح: أن رسول الله ﷺ قال: «الفجر فجران: فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان، فلا يحل الصلاة، ولا يحرم الطعام. وأما الذي يذهب مستطيلاً في الأفق فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام» (٢). ومرّ في (الطرف الثاني) في الحديث الثاني منه قوله ﷺ في بيان الصادق: «وأما المستطيل الذي يأخذ بالأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام» انتهى. فقوله ﷺ في هذين الحديثين: (يَذْهَبُ) و (يَأْخُذُ) بلفظ المضارع الدال على: التجدد، والتكرار بين به: أن الفجر الصادق يتزايد بتجدد استطالته المتكررة، حتى يعم السماء ويبَين النهار، بخلاف الكاذب؛ ولذا يصفه بالاستطالة من غير ذكر الأخذ والذهاب؛ لكونها متناهية.

стр. 154

وفي «التلخيص [الحبير] (١) للعسقلاني»: (أن الزهري روى في كتاب (معرفة وقت الصبح) أنه ﷺ ((٢) قال: «ليس الفجر الذي يسطع في السماء، ولكن الفجر الذي يتبين على وجوه الرجال» انتهى. أي: تَتَبِينُ به وجوه الرجال لظهور ضوئه عليها. وفي «سنن البيهقي الكبرى» (٣) عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (الفجر: فجران: فجر يطلع بليل، يحل فيه الطعام والشراب ولا تحل فيه الصلاة وفجر تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام والشراب: وهو الذي ينتشر على رؤوس الجبال) ((٤). وفي «تيسير

стр. 155

الأصول» ((١): في الحديث الذي رواه أبو المنهال عن أبي برزة ﵁ الذي بين فيه: أوقات صلاة رسول الله ﷺ فقال فيه في الصبح: «وكان ينفتل ((٢) من صلاة الغداة حين يعرف المرء جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة». أخرجه الخمسة ((٣) [إلا الترمذي] ((٤) انتهى.

стр. 156

قال القسطلاني في شرح هذا الحديث: (وقدرها - أي: قراءته ﷺ بما ذكر في رواية الطبراني بالحاقة ونحوها) (١) انتهى. فقوله: «حين يعرف المرء جليسه» أي: بسبب زيادة ضوء الفجر، مع أنه كان مع ابتدأ الصلاة لا يعرفه لقلتها، وتقدير الطبراني للقراءة في تلك الصلاة (بالحاقة) ونحوها، ووصف العلماء صلاته ﷺ كما في الأحاديث الصحيحة بالتمام، مع التخفيف، وبالتغليس بالصبح، يبين أن: من صلى الصبح صلاة خفيفة تامة، قرأ فيها القدر المذكور أو طفف الصلاة، لكن بعد زعمه طلوع الفجر، مضى قدر الصلاة التامة المذكورة، وركعتي الفجر، والأذان، والإقامة، ولم تظهر الزيادة المذكورة التي يتبين بها وجه الجليس بعد أن كان لا يتبين .. فصلاته قبل الوقت حقيقة؛ لأن الزمن الذي يسع هذا المقدر يستغرق وقت فضيلة الصبح أو معظمه - كما يأتي بيانه - فإذا مضى ولم يظهر لضوء الفجر

стр. 157

زيادة يعرف بها الإنسان ما قرب منه، بعد أن كان لا يَعْرِفُهُ؛ من ظلمة الليل، بان كذب من زعم طلوع الفجر وأنه غلس بالصلاة عملاً بالسنة؛ لتكذيب السنة له بهذه الأحاديث والتي مرت في الطرفين قبل هذا، إذ يلزم من اعتراض الفجر وارتفاعه .. زيادة النور وقلة الظلمة، ويلزم من ذلك اتضاح ما لم يكن واضحاً قبل ذلك، ولا يزال يزداد النور ويزداد الاتضاح حتى يتبين النهار؛ ولذا لما طوَّل سيدنا أبو بكر ﵁ القراءة في الصبح فقرأ في الركعتين البقرة .. استغرقت صلاته معظم وقت الصبح حتى قال له سيدنا عمر ﵁: (كادت الشمس أن تطلع)، كما يأتي وأتى في الحديث بلفظ «كان يَنْفتِل» ليدل به على: أن هذا هو الأكثر من أحواله ﷺ ، كما نبه على ذلك القسطلاني. وبالجملة فإذا ظهر الفجر .. فلا بد من زيادة الضوء والنور كل حين إلى أن يتبين النهار، لا ينكر ذلك أحد. الطرف الرابع: -[العلامة الثالثة: تبين النهار بعده] - في تبين النهار بتلك الزيادة: فأدلة الطرف الذي قبل هذا أدلة لذلك؛ لأن هذا فرع ذاك، وكذلك الأدلة التي في الطرف الأول، والثاني أدلة

стр. 158

لهذا أيضاً ومن ذلك قوله ﷺ في الحديث الذي أخرجه الشيخان عن عدي بن حاتم ﵁: «إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل» انتهى. أي: البياض الذي يتبين به النهار؛ لإزالته سواد الليل. ومن ذلك قول سهل بن سعد الساعدي ﵄ من روايتهما أيضاً- (فعلموا بذلك أنه: إنما يعني بذلك الليل والنهار) انتهى. فعلموا أي أصحاب رسول الله ﷺ أنه - أي: الحق سبحانه - إنما يعني بذلك - أي: بالخيطين الأبيض والأسود -: الليل والنهار - أي: تبين النهار بإقباله بزيادة النور الطارد لظلمة الليل الهاربة منه. الطرف الخامس: -[العلامة الرابعة: الحمرة] - في أن أول الفجر مشرَّب بحمرة: قال الحافظ بن حجر في «التلخيص» - المار- عند ذكره بيان الفجر الصادق: (وروى أبو داود، والترمذي، والدارقطني من حديث قيس بن طلق بن علي عن أبيه أنه ﷺ قال: (كلوا واشربوا ولا يهيدنكم ((١) - وفي لفظ - ولا

стр. 159

يغرنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر) انتهى. وفي لفظ الترمذي في «سننه»: (باب: ما جاء في بيان الفجر حدثنا هناد (بنا) (١) ملازم بن عمرو حدثني عبد الله بن النعمان عن قيس بن طلق قال: حدثني أبي طلق بن علي: أن رسول الله ﷺ قال: «كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر». قال وفي الباب عن [عدي] ((٢) بن حاتم وأبي ذر وسمرة، قال أبو عيسى: (حديث طلق بن علي: (حديث حسن غريب). والعمل على هذا عند أهل العلم أنه: لا يحرم على الصائم الأكل والشرب حتى يكون الفجر الأحمر المعترض، وبه يقول عامة أهل العلم). انتهى لفظ «سنن الترمذي» بحروفه ((٣).

стр. 160

وفي «التحفة» ابن حجر الهيتمي ((١) - بعد كلام يتعلق بالفجرين - ما لفظه (فالحاصل أنه أي: الكاذب: نور يبرزه الله من ذلك الشعاع - (أي: شعاع الشمس) ((٢) - أو يخلقه حينئذ علامة على قرب الصبح، ومخالفاً له في الشكل، ليحصل التمييز، وتتضح العلامة العارضة من المعلم عليه المقصود، فتأمل ذلك فإنه غريب مهم، وفي حديث عند أحمد: «ليس الفجر الأبيض المستطيل في الأفق

стр. 161

ولكن الأحمر المعترض» (١). وفيه شاهد لما ذكرته آخراً) انتهى ((٢). فحديث أحمد هذا موافق لحديث طلق في: أن العلامة الفارقة بين الفجرين، كون الصادق مشرباً بالحمرة والكاذب خالياً عنها. وتأمل استشهاد ابن حجر به لتلك العلامة فقوله: (وفيه أي: حديث أحمد) وقوله: (شاهد لما ذكرته آخراً) أي: دليل لقولي ومخالفاً له في الشكل أي: المثل والشبه، فهما وإن اتفقا في البياض .. فقد اختلفا في: أن الأول: مستطيل خال عن الحمرة، والثاني: معترض مشرب بالحمرة؛ ولذا قال: ليحصل التمييز، وتتضح العلامة العارضة من المعلم عليه المقصود، إذ العلامة هي: الكاذب، والمعلم عليه هو: الصادق. فاستشهاد العسقلاني بحديث طلق على بيان الفجر الصادق، وتبويب الترمذي له بباب: ما جاء في بيان الفجر، وذكره: أن عليه

стр. 162

عمل أهل العلم، وبه يقول عامتهم، واستشهاد ابن حجر الهيتمي بحديث أحمد الموافق له في المعنى على الفرق بين العلامة والمُعلم عليه المارين .. يبين لك: أن كون أول الفجر الصادق بياضاً مشرباً بالحمرة .. أمر اتفق عليه العلماء. وقد مرَّ في (الباب الأول) ما يبين ذلك من الآيات، وكلام الفقهاء، واللغويين. ويأتي في (الباب الثالث) عن الغزالي التصريح بذلك. فالعجب كل العجب لمؤلف تلك «الرسالة» إذ خالف من ذُكر، فقال - ما معناه -: أن استدلال الناهين لأهل بلدة عن تقديم الصلاة على الفجر الأحمر المذكور في حديث الترمذي .. ترويج للباطل، واستدلال بما لا يصلح دليلاً (١). وقد علمت مما مرَّ أن: ذلك هو الحق، وخلافه هو الباطل باتفاق عامة أهل العلم. تنبيهات: الأول: عبر ﷺ في تحذيره الصائمين والمصلين، عن الأخذ بالأذان الأول، وبياض الفجر الكاذب، بقوله: «لا يغرنكم» وقوله: «لا

стр. 163

يهدينكم» قال في «القاموس»: (غَرَّهُ غَرّاً وغُرُوراً و (غِرَّةً) (١) - بالكسر - فهو مَغْرُورٌ و (غَرِرٌ) (٢): خَدَعَهُ وأَطْمَعَهُ بالباطِلِ) (٣) انتهى. وقال في مادة خَدَعَ: (خَدَعَهُ: كمَنَعَهُ خَدْعاً ويُكْسَرُ، خَتَلَهُ وأرادَ به المكروهَ من حيثُ لا يَعْلَمُ ((٤) انتهى. وقال في مادة (هَادَ): (هَادَهُ الشَّيءُ يَهِيدُهُ هَيْداً وهَاداً: أَفْزَعَهُ إلى أن قال: وأزالَهُ وصَرَفَهُ وأَزْعَجَهُ وزَجَرَهُ) (٥) انتهى. فمعنى لا يغرنكم: لا يخدعكم ويطمعكم بالباطل ويوقعكم من حيث لا تعلمون فيما يكرهه الله سبحانه ورسوله ﷺ : من تقديم الصلاة على وقتها، والإمساك عن المفطرات قبل وقته، أذان من يؤذن قبل

стр. 164

الفجر الصادق، (أو) (١) رؤية بياض الكاذب، ومعنى لا يهيدنكم: لا يزلَّكم عن الحق الذي أتيتكم به، من إيقاع الصلاة بعد طلوع الفجر الصادق، وإمساك الصائم عنده، ما ذكر، ولا يصرفكم ولا يزجركم عنه، ولا يزعجكم؛ فتقدموهما على وقتهما من غير تأن وتأمل للعلامة الفارقة بين الفجرين. وأكد ﷺ التحذير من ذلك الغرر والانخداع، والانزعاج، الناشئ من اشتباه الفجرين، بنون التوكيد الثقيلة، وفي ذلك إيماء إلى علم من أعلام نبوته ﷺ وهو: أن كثيراً من أمته يغرهم ويخدعهم ويزعجهم ما ذكر. ويؤيده إكثاره ﷺ في بيان وقت الصبح زيادة على غيره من الأوقات. الثاني: في تعبيره ﷺ بهذين اللفظين، وتأكيده ذلك بالنون .. إرشاد لأمته إلى مزيد التثبت في هذا الوقت، والتأني فيه، وترك العجلة قبل تحقق علامات الفجر المارة، وأن أوله يخفى على كثير من الناس حتى من العارفين بعلامات الفجرين فيقعون في الغلط. ولذا قال: البيهقي في «سننه الكبرى»: (باب إعادة صلاة من افتتحها - أي الصبح -

стр. 165

قبل طلوع الفجر - إلى أن قال: عن أنس بن مالك أن أبا موسى الأشعري ﵁ صلى بهم الصبح بليل، فأعاد بهم الصلاة، ثم صلى بهم، فأعاد بهم ثلاث مرات، وروى في ذلك عن ابن عمر ﵄ ((١). انتهى كلام البيهقي. وقوله ورُوى في ذلك عن

стр. 166

ابن عمر أي: رُوي عنه إعادته صلاة الصبح الواقعة قبل طلوع الفجر الآخر، فإذا كان وَقَع الغلط في الفجر من هذين الصحابيين الجليلين، وخفي عليهما مع كمال معرفتهما بعلاماته، وتلقيهما لها منه ﷺ .. فكيف يستبعد خفاه على عالم من أهل زماننا، أو جملة من علمائه، وكيف لا يتأدبون بآداب أصحاب النبي ﷺ ، ويَرجعون عن غلطهم، ويعيدون صلاتهم، ويبينون لمن اقتدى بهم ذلك. الثالث: مرّ في التنبيه الأول: أن معنى لا يغرنكم: لا يخدعكم، ولا يطمعكم بالباطل، ويوقعكم من حيث لا تعلمون فيما يكرهه الله سبحانه ورسوله ﷺ ، فالمؤذن المرصد لأذان الفجر الصادق، ومن يخبر الناس به، إذا وقع أذان الأول وإخبار الثاني قبل طلوع

стр. 167

الصادق يكونان خادعين لمن اعتمدهما، (مروِّجين) (١) عليه الباطل، موقعين له فيما يكرهه الله ورسوله ﷺ ، بنص هذه الأحاديث المبتدأة بـ «لا يغرنكم»، وقد علم ما جاء عن الله تعالى ورسوله ﷺ : من الزجر، والوعيد الشديد، لمن خدع مسلماً، أو روج عليه الباطل، وغشه به، أو أوقعه فيما يكره، حتى أجمع العلماء على: أنه من الكبائر، وهو في أمور الدين أشد وأعظم، والمؤلف في تأييد هذا الأمر الشنيع .. أشد خطراً وإثماً؛ لاعتماد الناس على كلامه، وبقائه بعده، ولا عذر لهم في قولهم: ما أردنا إلا الحق حسب ما علمنا، خصوصاً بعد نهي العلماء لهم ولغيرهم عن ذلك، وتأليفهم في إنكاره،

стр. 168

إذ لا عذر للجاهل المقصِّر في التعلّم .. فكيف من بلغه الحق .. فأعرض عنه وصمم ((١). الرابع: في قوله ﷺ في الفجر الكاذب: «فإنه لا يحرّم الطعام ولا يحلّ الصلاة» .. تنبيه تام، وتحذير بليغ للمؤذن للفجر، والمخبر به، بكونهما محرمين، محللين؛ لأنهما إن أصابا الوقت .. فقد وافقا الله فيما حرمه وحلله؛ فهما من الدعاة للحق، فيرجى لهما الفضل العظيم، الذي وعد الله به الدعاة إليه الدالين عليه. وإن [أخطأا] (٢) الوقت .. فقد خالفا الله سبحانه؛ إِذْ حرّما ما أحله، وأحلا ما حرمه؛ فيستحقان ما جاء من الوعيد والعذاب الشديد الذي وعد الله به من دعا إلى الضلال، ونهى عن المعروف، وأمر بالمنكر، وقضى به؛ لما مرّ من عدم عذرهما، وهذا من أعظم الكبائر وأشدها، والتصنيف في نصرته أعظم وأشد؛ لما مرَّ.

стр. 169

الخامس: أكثر مؤلف تلك «الرسالة» من نقل ما جاء عن النبي ﷺ ، والصحابة، وأئمة المذهب: من ندب تعجيل الصلاة أول وقتها، ومبادرته ﷺ بصلاة الفجر، وتغليسه بها (١)، كما مرّ من حديث أبي برزة: «أنه كان ينفتل منها حين يعرف المرء جليسه»، وكحديث عائشة ﵂: (أن نساء المؤمنين ينصرفن من الصلاة معه ﷺ متلفعات بمروطهن (٢) لا يعرفن من الغلس ((٣) ((٤)، وكحديث

стр. 170

أنس ﵁: (أن بين سحوره ﷺ وقيامه لصلاة الصبح قدر خمسين آية) ((١)، وجميع ذلك دليل لندب تعجيل الصلاة أول وقتها بعد تحقق دخوله، وليس فيه تعريف لعلامات الفجر الذي يتبين بها أوله، وكل ما أسلفناهُ فيهِ تعريفٌ لعلاماتهِ - كما مر-؛ ولذا تجد علماء الحديث، والفقه يستدلون بما ذكرناه على: بيان الفجر، وتحقيقه، وبما ذكرهُ على تعجيل الصلاة بعد التحقق، فإذا رأى الإنسان ابتداء اعتراض البياض المشرب بالحمرة الذي لا يزال يتزايد .. فهو أول الوقت، فيندب له حينئذ الاشتغال بالصلاة، فإن صلى الصبح ولم ير لزيادة النور أثراً زائداً على ما اعتقده أول الوقت حين شرع في

стр. 171

الصلاة .. فصلاته باطلة؛ بشهادة ما مرّ لك في هذا الباب والذي قبله، إذ التغليس المراد به في هذه الأحاديث ونحوها كما قال السيوطي ((١) في «الدر النثير») الغَلسُ: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح. وغلَّسَ تَغْلِيساً: أتى في ذلك الوقت) انتهى. ولما ذكر في «مشكاة المصابيح» ((٢) الحديث الذي أخرجه الشيخان عن سيدنا جابر بن عبد الله ﵄ لما سئل عن وقت صلاة النبي ﷺ فقال في بيان صلاته ﷺ الصبح: (والصبح بغلس) ((٣). قال ابن حجر

стр. 172

الهيثمي في شرحه ما لفظه: وكان يصلي الصبح بغلس أي: في وقت ظلمة آخر الليل المختلطة بضوء الصباح، وذلك بعيد طلوع الفجر) انتهى. وقد مرّ لك غير مرة: أن ضوء الصباح هو البياض المشرب بالحمرة، المعترض المتزايد كل حين، فمن اعتقد طلوعه وصلى لم يرَ زيادة انتشاره ونوره بعد صلاته .. فشروعه في الصلاة واقع قبل طلوعه لا محالة؛ لأن ضوء الفجر يطلب ظلمة الليل طلباً حثيثاً، كما مرّ في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ وقول النبي ﷺ (فيه) (١) (يأخذ) و (يذهب) (٢) أي: دائم السير والزيادة وقوله:) الذي تتبين به وجوه الرجال (((٣) وقد علمت الكلام الذي مرّ عن «سنن الترمذي» على حديث طلق بن علي واتفاق عامة أهل العلم على: أنه لا يحرِّم الطعام والشراب على الصائم إلا الفجر الأحمر

стр. 173

المعترض. واسمع الآن إلى كلامه في التغليس لتعرف به صحة ما قلنا، قال ﵀: باب ما جاء في التغليس بالفجر: (حدثنا قتيبة عن مالك بن أنس وأنا (١) الأنصاري نا (٢) معن نا مالك عن يحيى بن سعيد عن عائشة ﵂ قالت: «إن كان رسول الله ﷺ ليصلي الصبح، فينصرف النساء، قال الأنصاري: فيمر النساء متلففات بمروطهن، لا يعرفن من الغلس» ((٣)، وقال قتيبة: (متلفعات) ((٤). وفي الباب عن ابن عمر وأنس وقيلة بنت مخرمة قال أبو عيسى: (حديث عائشة حديث حسن صحيح، وهو الذي اختاره غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول: الشافعي، وأحمد، وإسحاق

стр. 174

فيستحبون التغليس بصلاة الفجر.) (١) انتهى. فالترمذي قال في الباب السابق في (الطرف الخامس) بعد إيراده حديث طلق ((٢): أن عليه عامة أهل العلم. وذكر في هذا الباب: أن التغليس: هو الذي اختاره غير واحد من أهل العلم: من الصحابة، ومن ذكره بعدهم. فعلم بهذا: أن (الذين) (٣) اختاروا التغليس بعض عامة أهل العلم القائلين: أن الفجر هو الأحمر؛ فيلزم أن التغليس: هو أن يدخل في الصلاة بعد ذلك. وفي «شرح المشكاة» لابن حجر الهيثمي. [تعليقاً] على قول سيدتنا عائشة ﵂ في هذا الحديث: «ما يعرفن من الغلس» ما لفظه: (من أجل الغلس، أي: شدة الظلام الذي هو من بقايا ما قبل الفجر، وفي مداومته ﷺ على ذلك كما تقتضيه (كان)؛ نظراً للعرف في استعمالها في مثل ذلك دليل على أن السنة في الصبح .. المبادرة بها عقب تحقيق طلوع الفجر.) انتهى. فانظر إلى تفسير (الغلس) بما ذكره .. تعلم به: أن بقايا الظلام ليست ككل الظلام،

стр. 175

وإلا لساوى الكل البعض، وذلك محال، فلا بد من فارق، وهو اختلاط ضوء الصباح بها كما مرّ، ويلزم منه نقص البقية عن الكل، وظهور أثره وتزايده، وانظر إلى تفسيره المبادرة بقوله: (عقب تحقق طلوع الفجر) تعلم به: أن متابعته ﷺ في هذه الصلاة متوقفة على أمرين: أحدهما: تحقق طلوع الفجر، وذلك لا يكون إلا بوجود علاماته التي مرّ بيانه ﷺ لها. الثاني: المبادرة بالصلاة بعد ذلك.

стр. 176

الباب الثالث: - [بيان الفجر من إجماع الأمة ، وأئمة المذهب الشافعي] - في كلام الفقهاء الذي شرحوا به كلام رسول الله ﷺ في بيان الفجر: [بيان الفجر من إجماع الأمة] اعلم أنه قد مرَّ لك نصوص الكتاب في ذلك، ونصوص السنة فيه، وعلى ذلك إجماع الأمة. قال الشيخ محمد [بن عبد الله] بن أبي بكر الريمي ((١) في كتابه «عمدة الأمة في إجماع الأئمة» (٢) الذي جعله قسمين: الأول: في إجماع أئمة المذاهب الأربعة، والثاني: في إجماع مجتهدي الأمة كلهم. قال في القسم الأول: (أجمع الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك وأحمد على: أن أول وقت صلاة الصبح ..

стр. 177

طلوع الفجر الثاني المنتشر ولا ظلمة بعده) ((١) انتهى. وقال في القسم الثاني: (وأجمعوا على أن من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس .. وقتاً للدخول في صلاة الفجر وللخروج منها) انتهى. وقال (٢) في كتاب «رحمة الأمة»: (وأجمعوا على أن أول وقت الصبح .. طلوع الفجر الثاني: وهو الصادق المنتشر ضوءه معترضاً بالأفق ولا ظلمة بعده) ((٣) انتهى. وقولهما: (ولا ظلمة بعده) بينا به: أنه لا يزال يتزايد حتى يتبين به النهار. وقد نقل الإجماع على ذلك

стр. 178

جمع من أئمتنا منهم: الدميري في شرحه على المنهاج، وابن شهبة ((١) في شرحه عليه أيضاً، وابن جحر في «تحفته»، وعبارته: (والصبح يدخل وقتها بالفجر الصادق؛ لأن جبريل صلاها أول يوم .. حين حرُم الفطر على الصائم، وإنما يحرم بالصادق إجماعاً) ((٢) انتهى. وقال في «الإيعاب» (٣) (وبه - أي: طلوع الفجر الصادق - يدخل وقت الصبح إجماعاً) انتهى.

стр. 179

- [بيان الفجر من أئمة المذهب الشافعي] - وقال الإمام الغزالي ((١) في كتاب (السفر) من «الإحياء» ((٢) (وأما الصبح [فيبدو] في الأول مستطيلاً كذنب السرحان، فلا حكم له إلى أن ينقضي زمان، ثم يظهر بياض معترض لا يعسر إدراكه بالعين .. فهو أول الوقت قال ﷺ : «ليس الصبح هكذا: وجمع كفه، وإنما الصبح هكذا: ووضع إحدى سبابتيه على الأخرى وفتحهما وأشار به إلى أنه معترض» (٣). وقد يستدل عليه بالمنازل، وهو تقريب لا

стр. 180

تحقيق فيه، بل الاعتماد على مشاهدة انتشار البياض عرضاً؛ لأن قوماً ظنوا: أن الصبح يطلع قبل الشمس بأربع منازل .. وهذا خطأ؛ فإن ذلك هو الكاذب، والذي ذكره المحققون: بأنه يتقدم على الشمس بمنزلتين، وهذا تقريب، ولكن لا اعتماد عليه، فإن بعض المنازل يطلع معترضاً؛ فينقص زمان طلوعها، وبعضها منتصبة؛ فيطول طلوعها، وتختلف ذلك في البلاد .. اختلافاً يطول ذكره. نعم تصلح المنازل لأن يعلم بها قرب الصبح وبُعده، فأما حقيقة أول وقت الصبح .. فلا يمكن ضبطه بمنزلتين أصلاً، وعلى الجملة فإذا بقيت أربع منازل إلى طلوع قرص الشمس .. فمقدار منزلة ((١) يتيقن أنه الصبح الكاذب، وإذا بقي قريب من منزلتين .. يتحقق طلوع الصبح الصادق .. ويبقى بين الصبحين قدر ثلثي منزلة بالتقريب يشك فيه أنه من الصبح الصادق أو الكاذب، وهو من مبتدأ ظهور البياض وانتشاره قبل اتساع عرضه، فمن وقت الشك ينبغي أن يترك الصائم السحور، ويقدم القائم الوتر عليه، ولا يصلي صلاة الصبح .. حتى تنقضي مدة الشك، فإذا تحقق .. صلى. ولو أراد مريد أن يقدِّر على
следующие страницы →