← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 38162

السيوف البواتر لمن يقدم صلاة الصبح على الفجر الآخر

عبد الله بن عمر الحضرمي

Полный текст (339 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الباب الثالث: - [بيان الفجر من إجماع الأمة ، وأئمة المذهب الشافعي] - في كلام الفقهاء الذي شرحوا به كلام رسول الله ﷺ في بيان الفجر: [بيان الفجر من إجماع الأمة] اعلم أنه قد مرَّ لك نصوص الكتاب في ذلك، ونصوص السنة فيه، وعلى ذلك إجماع الأمة. قال الشيخ محمد [بن عبد الله] بن أبي بكر الريمي ((١) في كتابه «عمدة الأمة في إجماع الأئمة» (٢) الذي جعله قسمين: الأول: في إجماع أئمة المذاهب الأربعة، والثاني: في إجماع مجتهدي الأمة كلهم. قال في القسم الأول: (أجمع الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك وأحمد على: أن أول وقت صلاة الصبح ..

стр. 177

طلوع الفجر الثاني المنتشر ولا ظلمة بعده) ((١) انتهى. وقال في القسم الثاني: (وأجمعوا على أن من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس .. وقتاً للدخول في صلاة الفجر وللخروج منها) انتهى. وقال (٢) في كتاب «رحمة الأمة»: (وأجمعوا على أن أول وقت الصبح .. طلوع الفجر الثاني: وهو الصادق المنتشر ضوءه معترضاً بالأفق ولا ظلمة بعده) ((٣) انتهى. وقولهما: (ولا ظلمة بعده) بينا به: أنه لا يزال يتزايد حتى يتبين به النهار. وقد نقل الإجماع على ذلك

стр. 178

جمع من أئمتنا منهم: الدميري في شرحه على المنهاج، وابن شهبة ((١) في شرحه عليه أيضاً، وابن جحر في «تحفته»، وعبارته: (والصبح يدخل وقتها بالفجر الصادق؛ لأن جبريل صلاها أول يوم .. حين حرُم الفطر على الصائم، وإنما يحرم بالصادق إجماعاً) ((٢) انتهى. وقال في «الإيعاب» (٣) (وبه - أي: طلوع الفجر الصادق - يدخل وقت الصبح إجماعاً) انتهى.

стр. 179

- [بيان الفجر من أئمة المذهب الشافعي] - وقال الإمام الغزالي ((١) في كتاب (السفر) من «الإحياء» ((٢) (وأما الصبح [فيبدو] في الأول مستطيلاً كذنب السرحان، فلا حكم له إلى أن ينقضي زمان، ثم يظهر بياض معترض لا يعسر إدراكه بالعين .. فهو أول الوقت قال ﷺ : «ليس الصبح هكذا: وجمع كفه، وإنما الصبح هكذا: ووضع إحدى سبابتيه على الأخرى وفتحهما وأشار به إلى أنه معترض» (٣). وقد يستدل عليه بالمنازل، وهو تقريب لا

стр. 180

تحقيق فيه، بل الاعتماد على مشاهدة انتشار البياض عرضاً؛ لأن قوماً ظنوا: أن الصبح يطلع قبل الشمس بأربع منازل .. وهذا خطأ؛ فإن ذلك هو الكاذب، والذي ذكره المحققون: بأنه يتقدم على الشمس بمنزلتين، وهذا تقريب، ولكن لا اعتماد عليه، فإن بعض المنازل يطلع معترضاً؛ فينقص زمان طلوعها، وبعضها منتصبة؛ فيطول طلوعها، وتختلف ذلك في البلاد .. اختلافاً يطول ذكره. نعم تصلح المنازل لأن يعلم بها قرب الصبح وبُعده، فأما حقيقة أول وقت الصبح .. فلا يمكن ضبطه بمنزلتين أصلاً، وعلى الجملة فإذا بقيت أربع منازل إلى طلوع قرص الشمس .. فمقدار منزلة ((١) يتيقن أنه الصبح الكاذب، وإذا بقي قريب من منزلتين .. يتحقق طلوع الصبح الصادق .. ويبقى بين الصبحين قدر ثلثي منزلة بالتقريب يشك فيه أنه من الصبح الصادق أو الكاذب، وهو من مبتدأ ظهور البياض وانتشاره قبل اتساع عرضه، فمن وقت الشك ينبغي أن يترك الصائم السحور، ويقدم القائم الوتر عليه، ولا يصلي صلاة الصبح .. حتى تنقضي مدة الشك، فإذا تحقق .. صلى. ولو أراد مريد أن يقدِّر على

стр. 181

التحقيق وقتاً معيناً يشرب فيه متسحراً، أو يقوم عقيبه ((١)، ويصلى الصبح متصلاً به .. لم يقدر على ذلك. فليس معرفة ذلك في قوة البشر أصلاً؛ بل لا بد من مهلة للتوقف والشك، ولا اعتماد إلا على العيان، ولا اعتماد في العيان إلا بأن يصير الضوء منتشراً في العرض، حتى تبدو مبادئ الصفرة. وقد غلط في هذا جمع من الناس كثير؛ يصلون قبل الوقت. ويدل عليه ما روى أبو عيسى الترمذي في جامعه بإسناده، عن طلق بن علي: أن رسول الله ﷺ قال: «كلوا واشربوا، ولا يهيدنكم الساطع المصعد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر»، وهذا صريح في رعاية الحمرة. قال أبو عيسى الترمذي: وفي الباب عن عدي بن حاتم وأبو ذر وسمرة وهو حديث غريب (٢) والعمل على هذا عند أهل العلم. وقال ابن عباس: (كلوا واشربوا ما دام الضوء ساطعاً). قال صاحب «الغريبين»: (أي مستطيلاً)، فإذن لا ينبغي أن يعول إلا على ظهور الصفرة، وكأنها مبادئ الحمرة، وإنما

стр. 182

يحتاج المسافر إلى معرفة الأوقات؛ لأنه قد يبادر بالصلاة قبل الرحيل؛ حتى لا يشق عليه النزول، وقبل النوم حتى يستريح، فإن وطّن نفسه على تأخير الصلاة إلى أن يتيقن .. فيسمح بفوات فضيلة أول الوقت ويتجشم كلفة النزول وكلفة تأخير النوم إلى اليقين .. استغنى عن تعلم علم الأوقات، فإن المشكل أوائل الأوقات لا أوساطها) (١) انتهى. وهذا الكلام من هذا الإمام حجة الإسلام، هو فصل الخطاب في هذا الباب، لمن أراد الصواب، ورضا رب الأرباب، وترك التعصب والهوى، وجانب الكبر والدعوى .. وفيه فوائد جمة، ننبه منها على المهمة، وهي أربع فوائد: الفائدة الأولى: قد عرَّف أول الفجر - هذا الإمام - بأنه: بياض معترض منتشر فيه صفرة، هي مبادئ الحمرة، لا يعسر إدراكه، فقال: (ثم يظهر بياض معترض لا يعسر إدراكه، فهو أول الوقت)، إلى أن قال: (ولا اعتماد إلا على انتشار البياض عرضاً) إلى أن قال: (ولا اعتماد إلا على العيان، ولا اعتماد في العيان إلا بأن يصير الضوء منتشراً

стр. 183

حتى تبدو مبادئ الصفر)، إلى أن قال: (فإذن لا ينبغي أن يعول إلا على ظهور الصفرة، وكأنها مبادئ الحمرة). هذا ما عرَّف به الحجة أول الفجر، واستدل عليه بكلام رسول الله ﷺ الذي ذكره، فلا يشك أحد أنه أراد بهذا تعريف غير أول الوقت؛ لأن كلامه كله في بيان أوائل الأوقات: الصبح، وبقية الصلوات، وقد أكد ذلك بقوله - في آخر كلامه -: (وإنما يحتاج المسافر إلى معرفة الأوقات الخ)، وزاده تأكيداً بقوله: (فإن وطّن نفسه على تأخير الصلاة) الخ، وبان بكلامه ﵁ علامات الفجر التي ذكرناها، وهي أنه البياض المعترض المشرب بالحمرة، المنتشر أي: الذي لا يزال يتزايد، ويلزم من تزايده تبين النهار، فأما المتشرب بالحمرة، فقد مرّ عن الترمذي في (الباب الثاني) في (الطرف الخامس) قوله: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، أنه لا يحرم على الصائم الأكل والشرب؛ حتى يكون الفجر المعترض، وبه يقول عامة أهل العلم) انتهى. فيكفيك في هذه العلامة؛ أن عليها عامة أهل العلم، ومرَّ أيضا فيه، أن العسقلاني، والهيتمي صرحا بذلك واستدلا بما استدل به، ومرّ في (الباب الأول): تصريح الموزعي، ومحمد بن حسن درواز بذلك،

стр. 184

ومرّ فيه عن الدميري، و «القاموس»، و «المغني»، و «القول التمام»، والقليوبي: أن الفجر في اللغة هو البياض الذي فيه حمرة. وأما الزيادة، وتبين النهار، والاعتراض، فقال ((١) في «الوسيط»: (ولا نظر إلى الفجر الكاذب، وهو يبدو مستطيلاً، ثم (يمحق) ((٢) ويبدو الصادق مستطيراً، ثم لا يزال الضوء يزداد، قال ﷺ : «لا يغرنكم الفجر المستطيل، فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير» انتهى. وقال: الشيخ زكريا ((٣) في «شرحه الصغير للبهجة» - في

стр. 185

بيان آخر وقت العشاء -: (والغاية له فجر صدقاً معترض تام، - أي: زائد - يضيء الأفق - أي: نواحي السماء-، إلى أن قال: (وبالصادق - أي: خرج الكاذب -، وهو ما يطلع مستطيلاً، بأعلاه ضوء كذنب السرحان - وهو الذئب - ثم يذهب وتعقبه ظلمة، ثم يطلع الصادق مستطيراً - أي: منتشراً - وهو ما عبر عنه من زيادته بقوله: معترض إلى آخره) ((١) انتهى. وعبارة «شرحه الكبير» عليها مثل هذه، حرفاً بحرف. فعلم أن تزايد ضوء الفجر علامة الصادق، وعدمه علامة الكاذب، وأن الفقهاء كلهم مطبقون على ذلك؛ لوصفهم له بالانتشار، والاستطارة التي هي امتداد نوره جنوباً وشمالاً وغرباً، كما مرّ ذلك عن «القاموس» في (الباب الثاني) في (الطرف الثاني)، وعبارات الفقهاء من جميع المذاهب في مختصراتهم ومبسوطاتهم؛ في وصف الفجر الصادق بالانتشار الذي هو امتداد زيادته في الجهات الثلاث .. لا يمكن حصرها، وعبارة «التحفة» (وهو - أي الفجر -: بياض شعاع الشمس عند قربها من الأفق الشرقي،

стр. 186

المنتشر ضوءه معترضاً بالأفق - أي نواحي السماء -) انتهى. فأفاد: أن الفجر بياض شعاع الشمس عند قربها من الأفق الشرقي، أي آخر ما يظهر لنا من السماء في الجانب الشرقي. قال القليوبي في «حاشيته على شرح التحرير»: (قوله: (بالأفق - (أي: بنواحيه -: وهو اسم للحد الفصل بين الظاهر والخفي من الفلك) انتهى. وفي «القاموس»: (والفَلَكُ: - مُحَرَّكَةٌ - مَدار النُّجومِ) (١) انتهى، ومن المعلوم لكل إنسان: أن الشمس لا تقف قط، بل لا تزال سائرة؛ فيلزم من ذلك أن شعاعها إذا ظهر لا يزال سائراً مرتفعاً، حتى تظهر. ولذا قال الرملي ((٢) في «النهاية»: (وسمي الثاني صادقاً؛ لأنه

стр. 187

يصدق عن الصبح ويبينه) (١) انتهى. وقال فيها: (والصبح - بضم الصاد وحكي كسرها لغة - أول النهار) (٢) انتهى. فعلم أن الفجر الصادق هو الذي يتبين به النهار، وفي «الأسنى»: (وسمي الأول كاذباً؛ لأنه يضئ ثم يسود ويذهب، والثاني صادقاً؛ لأنه يصدق عن الصبح ويبينه) ((٣) انتهى. وقال فيه: (وصلاة الصبح نهارية؛ لآية: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾.؛ وللأخبار الصحيحة) انتهى. وقال في «منتقى البحرين» (٤) (وسمي الأول كاذباً؛ لأنه يضئ ثم يسود ويذهب، والثاني صادقاً؛ لأنه يصدق الصبح ويبينه). إلى أن قال: (وهو - أي الصبح - في الأصل أول النهار، وسميت الصلاة به لفعلها فيه). إلى أن قال: (وهي صلاة نهارية، أي تقع في النهار؛

стр. 188

لآية: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾، وآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النهار﴾ (١)) انتهى. وقال في «الإيعاب»: (فرع صلاة الصبح نهارية؛ لقوله تعالى: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ﴾ الآية؛ وللأخبار الصحيحة في ذلك، فأول النهار طلوع الفجر الثاني) ((٢) انتهى. وفي «المغنى»: (وهي - أي الصبح - نهارية.) انتهى. ولا يمكن استقصاء عباراتهم في ذلك، وفي ما ذكرناه كفاية، فمن شرع في صلاة الصبح، التي تفعل أول النهار متصلة بظلام الغلس، ثم فرغ منها ولم تظهر زيادة لنور النهار، بل بقي الظلام كما ابتدأها .. فكل هذه العبارات تغلطه وتكذبه، وتعرفه أن صلاته ليست في الوقت، الذي هو أول النهار؛ فصلاته في غير الوقت إجماعاً، وقال في «الإيعاب» و «الإمداد» (٣): (وخرج بالصادقِ الكاذبُ، وهو ما يطلع

стр. 189

مستطيلاً، بأعلاه ضوء كذنب السرحان، ثم يذهب وتعقبه ظلمة، ثم يطلع الفجر الصادق مستطيراً - بالراء -، أي منتشراً ضوءه، معترضاً بنواحي السماء، وسمي الأول: كاذباً؛ لأنه يضئ ثم يسود ويذهب، والثاني: صادقاً؛ لأنه يصدق عن الصبح ويُبَيِّنه) (١) انتهى. فوصفه الفجر بكونه مستطيراً منتشراً بيّن به أنه لا يزال يزيد ضوءه من حين ظهوره، لما مرَّ لك غير مرة، أن الاستطارة والانتشار هي طول ذلك الضوء وامتداده حين يبين النهار؛ ولذا علل تسميته بالصادق بقوله: (بأنه يصدق عن الصبح ويبينه)، كما مرّ عن غيره ذلك أيضاً، ووصفه بكونه معترضاً. قال القليوبي في «حاشيته على المحلي» (٢): (قوله: (معترضاً)، أي في

стр. 190

عرض الأفق من جهة المشرق، فيما بين شماله وجنوبه) ((١) انتهى. وفي «حاشية البرماوي على شرح أبي شجاع» (٢) لابن قاسم الغزي (٣): (قوله: (معترضاً بالأفق) أي فيما بين الجنوب والشمال من جهة المشرق) انتهى. وفي «الإيعاب» - في بيان أوقات الصبح - ما لفظه: (وأوله فضيلة ثم اختيار إلى الإسفار، وهو الإضاءة التامة،

стр. 191

بحيث يعرف الإنسانُ الجالسَ منه قريباً عرفاً) انتهى. وإذا تقرر لك: أن الفجر الصادق هو ضوء شعاع الشمس المعترض، المستمر الزيادة حتى يبين النهار، والمشرب بحمرة، وأن أوله وقت فضيلة ثم اختيار إلى الإسفار، وهو الإضاءة التامة .. علمت أن الإضاءة موجودة من أول الوقت، وأنها لا تزال تتزايد فيه، وأنها في وقت الاختيار أكثر من ذلك، وأن بتمامها يخرج ويدخل وقت الجواز، فلابد من وجود الإضاءة في وقت الفضيلة والاختيار، ولكنها في الأول أنقص منها في الثاني، وفيه أكثر من الأول، لكنها ناقصة لبقاء ظلام في السماء، وبتمامها - وهو عموم الفجر لجميع المرئي من السماء - يدخل وقت الجواز، ويشهد بذلك: أن في «الإيعاب» لما تكلم على قوله ﷺ «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» ((١)، قال المراد بالإسفار كما قال

стр. 192

الشافعي وأحمد: ظهور الفجر الذي به يتحقق طلوعه، فالتأخير إليه أفضل من التعجيل عند ظن طلوعه، ويتأكد ذلك في الليالي المقمرة؛ إذ لا يتحقق فيها الفجر إلا بالاستظهار ((١) في الإسفار ((٢) انتهى. فقد جعل ابن حجر - تبعاً للشافعي وأحمد - (الإسفارَ) في الحديث ظهورَ الفجر الذي يتحقق به الناظر إليه أنه الفجر، بعد أن كان يظنه قبل زيادة ذلك الضوء؛ الذي يحصل به اليقين، وقرر أن: فضيلة أول الوقت حاصلة لمن صلى بعد ذلك الظهور، بل هو أفضل ممن صلى قبله بالظن، فبان بذلك أن كمال الفضيلة أول الوقت لا بد فيها من أمرين: الأول: إيقاعها أول الوقت. الثاني: أن يكون ذلك بعد زيادة ضوء

стр. 193

الفجر، زيادة يحصل بها يقينه بعد ظنه؛ ولذا لما تكلم ابن حجر، في «شرح المشكاة» على هذا الحديث قال: (أي أَخِّروا صلاة الفجر - وهي الصبح - إلى أن تَتَحققوا طلوع الفجر، ولا تُبادروا بها عند ظن طلوعه، فإن ذلك أعظم لأجوركم، إذ الصلاة بعد تيقن دخول الوقت .. أفضل منها عند ظنه، وإنما حملوه على ذلك - كما مرّ -؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة، التي لا تقبل تأويلاً: أنه ﷺ كان يصلي الصبح بعيد طلوع الفجر، وينصرف منها تارة قبل الإسفار الذي يعرف به الرجل وجه جليسه، وتارة عند أول مبادئ الإسفار، بحسب تطويله وتقصيره) انتهى. وليس مراد ابن حجر بقوله في «الإيعاب»: (ويتأكد ذلك الخ) .. تأخير الصلاة، عن وقت الفضيلة في الليالي المقمرة، إلى وقت الاختيار، بل مراده إيقاعها في وقت الفضيلة، لكن بعد إضاءة يتيقن بها دخول الوقت؛ لأنه كالشافعي وأحمد يتكلمون في الجمع بين أحاديث الإسفار والتغليس، ولا يحصل الجمع بينها إلا بتفسير الإسفار في تلك الأحاديث، بإضاءة يتيقن بها الوقت، ولا يتحقق ذلك، إلا بزيادة ضوء الفجر على ضوء ظهوره، مع بقاء وقت الفضيلة، إذ الإسفار في اللغةِ هو الإضاءةُ، ولو

стр. 194

أرادوا بالإسفار هنا وقت الاختيار، لكانوا موافقين للمخالف بالعمل بأحاديث الإسفار، والترك لأحاديث التغليس، وليس الأمر كذلك. الفائدة الثانية: [ من كلام الإمام الغزالي المتقدم ذكره]: مما يستفاد من كلام الغزالي ﵁: أن حصة الفجر لا تزيد على المنزلتين تقريباً، فيستدل على قربه ببقائهما قبل طلوع الشمس، لقوله: (والذي ذكره المحققون: بأنه يتقدم على الشمس بمنزلتين، وهذا تقريب، إلى أن قال: (وإذا بقي قريب من منزلتين يتحقق طلوع الصبح الصادق). ويأتي في الباب الرابع عن اليافعي، و «الشامل» و «اليواقيت» والقليوبي وغيرهم مثل ذلك. الفائدة الثالثة: [ من كلام الإمام الغزالي المتقدم ذكره]:أن الفجر الكاذب يطلع إذا بقي من طلوع الشمس أربع منازل، وأن منزلة منه لا شك أنها من الليل، وقدْر ثلثي منزلة يشك فيه، هل هو من الصادق أو الكاذب؟ وترْك ذكر ثلثها الأول، إما لكونه لا شك أنه من الليل، فهو ملحق بالمنزلة قبله، أو لما كان التقدير بالمنازل للفجرين أمراً تقريباً .. كان الشك في الثلث أقل منه في الثلثين فلا يلتفت إليه، ويكون الورع فيه من الوسوسة، وكون الأصل بقاء الليل، وأن ما

стр. 195

كان مشتبها، ينسحب عليه حكم أصله، ما لم يخرجه عنه دليل، وأن تحقيق آخر جزء من الليل، وأول جزء من الفجر، ليس في قوة البشر إدراكه، كما قال: (ولو أراد مريد الخ) وصرّح بذلك [كثيرٌ] (١) من الفقهاء أيضاً، وأن المحققين لم يقل أحد منهم: بزيادة حصة الفجر على منزلتين، وأن بعضهم صرّح بأنها منزلة ونصف كما يأتي، وبعضهم أنه يحتاط بتأخير الصلاة عنها قليلاً، وأن [الذين] (٢) قدروها بالساعات والدرج .. قدروها بأقل من منزلتين - كما يأتي أيضاً - يبين لك: أن قدر ثلثي المنزلة من الليل الذي يحرم فيه صلاة الصبح، ويحل تأخير السحور والوتر إليه، لكن الورع تقديمهما عليه، ولما كانت الصلاة تحرم وهما يحلان، والورع تقديمهما؛ أتى الشيخ بـ (ينبغي)، التي تصلح للطلب الجازم وغيره، وبذلك يرد قول مؤلف تلك «الرسالة»: (أن من تحقق طلوعه قبل المنزلتين في قدر الثلثين .. لا يرد) ((٣). واستدلاله لذلك بقول سيدنا

стр. 196

الغزالي: (وهو مبتدأ ظهور البياض وانتشاره، قبل اتساع عرضه) انتهى. لا يصح دليلاً لذلك؛ لأن الغزالي صرح: بأن قدر ثلثي المنزلة بالتقريب مشكوك فيه لم يتبين له أنه من حصة الصادق قط، ولم يقل به أحد من المحققين. وإذا شك فيه هذا الإمام، ولم يقل به أحد من المحققين، فكيف يتحقق أنه من حصة الفجر .. عالم أو مؤذن من أهل القرن الثالث عشر؟!، كلا لا يخطر ذلك ببال، بل معنى قوله: (وهو مبتدأ ظهور البياض الخ): أنه البياض الناشئ عن نزول الكاذب إلى ناحية المشرق واتساع أسفله قليلاً حينئذ بعد أن كان الاتساع بأعلاه، - كما يأتي - عن «اليواقيت» ((١) و «التحفة»

стр. 197

واليافعي (١) ذلك - وقُربه من رؤوس الجبال فبسبب ما ذكر؛ يرى فيه بعض انتشار، ولذا يكون الاغترار به أكثر، ويشهد لهذا قوله: (قبل اتساع عرضه)، إذ اتساع العرض هو العلامة الفارقة بين الفجرين، بعد ملاقاة بياضيهما (٢) - كما يأتي عمن ذكرا - ومعناه: أنه مبتدأ ظهور بياض الصادق وانتشاره، الذي ليس في قوة البشر إدراكه والوقوف عليه، فلا يتعلق به حكم كما في الزوال وغيره، ويشهد له قوله بعده: (ولو أراد مريد الخ). أو أن في الكلام حذف،

стр. 198

تقديره: وهو أوان ظهوره الخ ((١). وهذا شائع في كلامهم فيتعين حمل كلامه على أحد هذه المعاني، حتى لا يتنافى كلامه، ولا يخالف ما نقله عن المحققين. الفائدة الرابعة: بين بقوله: (لأن قوماً ظنوا الخ) وقوله: (وقد غلط في هذا جمع كثير يصلون قبل الوقت). أن الغلط في الفجر قد فشا كثيراً في زمنه، فما بالك بزماننا، الذي كثر فيه الجهل، حتى صار الجهل بواضحات الدين، وبعض ضرورياته .. فاشياً في أعيانه، فكيف بالخفيات، وما يقع فيه الغرر بنص الصادق المصدوق ﷺ ، وقال الشيخ إبراهيم الأصبحي في كتابه «اليواقيت في علم المواقيت» (فصل: فإذا أردت معرفة طلوع الفجرين، فانظر إلى الشمس من أين تطلع، فاعرف الموضع الذي تقوم فيه، فإذا كان آخر الليل فانظر إلى تلك الناحية، التي طلعت منها الشمس بالأمس، فإذا بقي من الليل مقدار ساعتين على التقريب، ابتدأ بياض مما يلي المشرق، الذي شرقت منه الشمس

стр. 199

بالأمس، مرتفع في ربع السماء كأنه عمود ((١)، وربما لم ير ذلك؛ إذا كان الجو نقياً في الشتاء، وأبين ما يرى ذلك، إذا كان الجو كدراً في الصيف، ولا يرى إذا كان قمراً، فإذا رأيت ذلك فهو الفجر الأول الذي يحل فيه الطعام والشراب والنكاح، ثم ينحدر إلى ناحية المشرق مما يلي مطلع الشمس مقدار قامتين، وهو مع ذلك مستطيل قائم أعلاه دقيق وأسفله واسع، كأنه ذنب سرحان - كما جاء في الخبر -، وتحته سواد الليل في أسفل السماء، فبينما هو كذلك، إذ بدأ بياض يشبه الغبار أو الخطوط البيض، من تحت ذلك السواد، فإذا رأيته قد غشي السواد وغيَّره .. فذلك هو الفجر الثاني، ثم لا يلبث أن يختلط في البياض الأول، ويعترض في أسفل السماء، فإذا رأيته كذلك، فقد حرم الطعام والشراب والنكاح وحلت الصلاة، وقد ذكر بعض الناس: أن الفجر الأول يذهب [بعد] طلوعه، ويعود مكانه ليل، وأنكر ذلك أبو جعفر البصري، وقال: هذا شيء لم أره قط! فيما رصدت الفجر

стр. 200

تقريباً من خمسين سنة، بل ينحدر طالباً للأفق بقدر قامتين ويطلع المعترض من أسفل الأفق، فيلتقيان في السواد ويصيران فجراً واحداً، وهذا القائل وَهِمَ في قوله، أو نقله تقليداً لمن لا يعرف الفجر بالمشاهدة، أو يكون رأى اختلاف الفجر في الفصول فزعم أنه يذهب وليس كذلك، وربما نظر من لا يعرف الفجر إلى البياض الأول؛ وقت انحداره إلى المشرق قبل أن يطلع البياض الذي في السماء؛ فيصلي، ولا يسقط عنه الفرض، وليس كل الناس عارفين بالفجر، ولا بأوقات الصلاة، وهو شرط فيجب عليهم أن يتعلموا) انتهى. وقد نقل ابن حجر في «تحفته» ((١) كلام الأصبحي فقال: (نقل الأصبحي إبراهيم: أن بعضهم ذكر أنه يذهب بعد طلوعه، ويعود مكانه ليل، وهذا البعض كثير من أئمتنا - كما مرّ -، وأن أبا جعفر البصري بعد أن عرَّفه بأنه: عند بقاء نحو ساعتين من الليل، يطلع مستطيلاً إلى نحو ربع السماء، كأنه عمود، وربما لم يُرَ إذا كان الجو نقياً شتاءً، وأبين ما يكون إذا كان الجو كدراً صيفاً، أعلاه دقيق وأسفله واسع، أي ولا ينافي هذا ما قدمته: أن أعلاه أضوء؛ لأن ذلك عند أول الطلوع،

стр. 201

وهذا عند مزيد قربه من الصادق، وتحته سواد، ثم يظهر ضوء يغشى ذلك كله، ثم يعترض، رده بأنه رصده نحو خمسين سنة، فلم يره غاب، وإنما ينحدر ليلتقي مع المعترض في السواد، ويصيران فجراً واحداً) انتهى. ثم قال في «التحفة» جامعاً بين كلام القائلين بذهاب الكاذب، والقائلين بعدمه بقوله: (أنه يختلف باختلاف النظر، لاختلافه باختلاف الفصول والكيفيات العارضة لمحله، فقد يدق في بعض ذلك حتى لا يكاد يرى أصلاً، فهو عذر من عبر بأنه يغيب وتعقبه ظلمة) انتهى. وقال عبد الله بن أسعد اليافعي في كتابه «سراج التوحيد الباهج النور، في تمجيد صانع الوجود مقلب الدهور» ما لفظه: (قال العلماء في الفرق بينهما - أي الفجرين -: أن الفجر الأول الكاذب: دقيق طويل، منتصب في السماء كالعمود، والفجر الصادق الثاني: عريض منير معترض في الأفق، وقال بعض المعتنين بمعرفتهما والتمييز بينهما)، وساق جميع ما مرّ عن «اليواقيت» و «التحفة»، وكذلك ذكر جميع ذلك الشيخ محفوظ بن عبد الرحمن الحضرمي ((١)، في كتابه «الشامل في أدلة القبلة وحساب الروم

стр. 202

والمنازل» ((١)، فيستفاد من كلام «اليواقيت» و «التحفة» و «السراج» و «الشامل» .. فوائد كثيرة نذكر منها: [الفائدة] الأولى: أن معرفة الفجرين ليوم، يحتاج إلى معرفة محل طلوع الشمس في اليوم الذي قبله؛ لأن الكاذب يظهر محاذياً له، والصادق يظهر منه. [الفائدة] الثانية: أن الكاذب يطلع إذا بقي من الليل الشرعي سدسه، لقول «اليواقيت»: (إذا بقي من الليل مقدار ساعتين تقريباً)، وقول «التحفة»: (نحو ساعتين)، وكذا في «السراج» و «الشامل»: (إذ المراد بالليل الشرعي وبالساعتين الساعة الزمنية)، ولما مرّ عن «الإحياء»: (أنه يطلع إذا بقي من طلوع الشمس أربع منازل تقريباً)، وفي «القول التمام»: (والفجر الكاذب يطلع دائماً في السدس الأخير من الليل) انتهى، وفي «شرح الأذكار» لابن علان (٢): (والكاذب

стр. 203

يطلع وقد بقي من الليل سبعه) وفي «المغني»: (يدخل سبع الليل الآخر بطلوع الفجر الأول)، ولا خلاف؛ لما مرّ أن ذلك على التقريب، ولما مرّ عن «التحفة» من اختلاف ذلك باختلاف الفصول والكيفيات، والصادق يطلع بعد مضي السدس الأخير. [الفائدة] الثالثة: أن محل ظهور الكاذب ربع السماء الشرقي، وفوقه وتحته ويمينه وشماله ظلمة الليل، والصادق محل ظهوره أسفله ولا ليل تحته. [الفائدة] الرابعة: أن الكاذب لا يغير ظلمة الليل، إلا في المحل الذي هو فيه، وكلما نزل جهة المشرق رجعت ظلمة في المحل الذي نزل عنه، والصادق يغير ظلمة الليل من جميع الجهات، ولا ظلمة بعده. [الفائدة] الخامسة: أن الكاذب سيره إلى جهة المشرق (قط) (١)، والصادق سيره إلى جهة الغرب والشمال والجنوب.

стр. 204

[الفائدة] السادسة: أن الكاذب لا يتزايد مع سيره، بل مع ابتدائه يتسع أعلاه قليلاً، ومع انتهائه يتسع أسفله قليلاً، والصادق يتزايد ضوءه ويتسع اتساعاً يعم السماء كلها، لكن مع ابتدائه يكون اتساعه جنوباً وشمالاً أكثر منه غرباً. الفائدة السابعة: مرّ عن «اليواقيت»: أن الكاذب ينحدر إلى المشرق، فإذا بقي بينه وبينه قدر قامتين .. ابتدأ ظهور الصادق من المشرق، وبينهما سواد الليل في قدر القامتين، وهو كذلك في «السراج» و «الشامل» لكن قدرا ذلك بقامة، ولا تخالف، إذ كل ذلك على التقريب، وهذا لا يشاهده الناظر إلا إذا لم يكن بينه وبين المشرق حائل من جبل وغيره، فإن كان هناك حائل فالمشاهد ضوء الكاذب فقط، وأما ما تحته من سواد الليل ومحل ابتداء الصادق فلا يرى. وبسبب عدم رؤيتهما مع نزول الكاذب إلى جهة المشرق، واتساع أسفله عند ذلك، ورؤيته فوق الجبال ونحوها .. يكثر الغرر به، فيظن أنه الصادق وليس كذلك، فليحذر من ذلك غاية الحذر، ولذا قال في «اليواقيت» - محذراً من ذلك -: وربما نظر من لا يعرف الفجر إلى آخر عبارته المارة.

стр. 205

فصل: في بيان أوقات الصبح اعلم: أن للصبح - غير وقت الضرورة والحرمة - أربعة أوقات: الأول: وقت فضيلة: وهو أول الوقت وذلك، ما يسع منه أربع ركعات معتدلات، وما يتعلق بالصلاة من الواجبات والمندوبات بالفعل الوسط، وقد قربه في «اليواقيت» بقوله: (فصل: ثم يدخل وقت الصبح بطلوع الفجر المعترض، فيستديم وقت الرضوان (١) منه بقدر طلوع نصف منزلة الإسفار) انتهى. وسيأتي عن «اليواقيت» أيضاً وغيره، ومرّ عن الغزالي: أن حصة الفجر منزلتان تقريباً. وقد جعل وقت الفضيلة نصف أولى المنزلتين الأُول (٢)، ونبه بإضافته منزلة

стр. 206

الإسفار بقوله: (نصف منزلة الإسفار)، على أن الإضاءة لا بد من وجودها في هذا الوقت، غير أنها أنقص منها في وقت الاختيار. الثاني: وقت الاختيار: وهو ما بعد الزمن الذي يسع ما مرّ، إلى الإضاءة التامة، كما مرّ عن «الإيعاب»، وقرب ذلك في «اليواقيت» بقوله - بعد العبارة المارة في وقت الفضيلة -: (ويدخل وقت العفو ((١) مستديماً إلى أن يستكمل منزل الإسفار طلوعه) انتهى. فأفاد: أن النصف الثاني من أولى منزلتي الفجر وقت الاختيار. فعلم بهذا: أن نصف وقت الصبح الأول ينقسم قسمين: أولهما فضيلة، وثانيهما: اختيار، وإن قدر كل واحد منهما تقريباً عند اعتدال الليل والنهار؛ ست درج ونصف إلا أربع دقائق ونحو ربع دقيقة.

стр. 207

الثالث: وقت الجواز: وهو ما بعد الإضاءة التامة إلى الحمرة التي قبل الشمس، وقربه في «اليواقيت» بقوله: - بعد العبارة المارة في وقت الاختيار ما لفظه -: (ثم يذهب الوقتان من الصبح: وقت الرضوان، ووقت العفو، ويدخل وقت الجواز) ((١) انتهى. وبهذا تبين: أن وقت الجواز يدخل بطلوع المنزلة الثانية من منزلتي الفجر، ويبقى إلى طلوع الحمرة التي قبل الشمس. الرابع: وقت الكراهة: وابتداؤه من ظهور الحمرة التي قبل الشمس، لا الصفرة، كما بين ذلك في «الأسنى» (٢) وقال في «الغرر البهية» (٣): (ووقت جواز بلا كراهة، إلى الحمرة التي قبل طلوع الشمس، ووقت جواز بكراهة إلى الطلوع) انتهى. وقال في «منتقى البحرين»: (ووقت

стр. 208

الفضيلة: أوله والجواز إلى حمرة قبيلة - أي قبيل طلوع الشمس -، ثم من الحمرة وقت كراهة) انتهى. وقال في «الأسنى» ثم الجواز بلا كراهة إلى الحمرة التي قبل طلوع الشمس إلى أن قال: (ثم الكراهة) انتهى. و (قال) (١) في «شرح التحرير»: (ووقت الجواز بلا كراهة إلى الحمرة التي قبل طلوع الشمس) ((٢) انتهى. وقال الرملي في «النهاية»: (ثم جواز بلا كراهة، إلى الحمرة التي قبل طلوعها-أي الشمس - ثم جواز مع الكراهة) انتهى. وعبارة «شرح الحلبي المكي» مع متنه للشيخ علوان الحموي (٣): (وفي الجواز بلا كراهة، إلى احمرار المشرق قبيل الطلوع، ومع الكراهة منه إلى الطلوع) انتهى.

стр. 209

فهذه العبارات، وغيرها مما تركناه مما هو بمعناها .. تعرفك أن وقت الكراهة للصبح، هو من حين تظهر الحمرة التي قبل الشمس، إلى أن تطلع، وأنه أضيق أوقات الصبح الأربعة؛ لأن الحمرة المذكورة، لا تطلع إلا بعد مضي نحو ثلثي المنزلة الثانية، وأن من توهم أنها الحمرة التي تطلع مع الفجر .. فقد غلط غلطاً فاحشاً وخالف الكتاب والسنة والإجماع وأئمة المذهب، إذ الأولى مجرد تشريب، والثانية حمرة ظاهرة، والأولى في أول المنزلة الأولى من منزلتي الفجر، والثانية في آخر منزلته الثانية، فتدبر هذا، ولا تغتر بما أكثر به صاحب تلك «الرسالة»، من (نسبته) (١) مخالفيه، إلى إيقاعهم الصلاة والسحور مع الحمرة المكروهة معها الصلاة، المبطل للصوم معها الأكل

стр. 210

والشرب (١)، فإنه مجرد تحامل وهذيان، إذ لا يظن ذلك بالجهال من المسلمين، فكيف بأهل العلم وطلبته المتقين؟!.

стр. 211

الباب الرابع -[بيان الفجر من علم الفلك] - فيما ضبط به الموقتون حصة الفجر، وقدروها به ولنقدم قبل الخوض في ذلك مقدمة توطئة لذلك، قال القليوبي في «الهداية من الضلالة، في معرفة الوقت والقبلة بغير آلة». (١): (والساعة، لغة: (القطعة) (٢) من الزمان، ومنه الساعة (الغنيمة) (٣)، واصطلاحاً: إما مستوية: وهي التي تسمى الفلكية، وهي زمان مقداره خمسة عشر درجة أبداً، ويستعملها الحُسّاب غالباً، وجملة الليل والنهار بها أربعة وعشرون ساعة، كل واحدة منها اثنا عشر ساعة إن استويا، وإلا فما زاد في أحدهما نقص من ساعات الآخر). إلى أن قال: (وإما زمانية، وهي التي يستعملها الفقهاء). إلى أن قال: (وهي زمانٌ، مقداره نصف سدس النهار أو الليل أبداً،

стр. 212

وجملة الليل والنهار بها أربع وعشرون ساعة أيضاً، وكل بها اثنتا عشرة ساعة). إلى أن قال: (فعلم أن مقاديرها تزيد وتنقص دون أعدادها، عكس الأولى) انتهى. فأفاد: أن أهل الحساب لا يستعملون غالباً إلا الساعة المستوية؛ لضبطها بعدم الزيادة والنقص، بخلاف الزمانية، وافهم أن الدرجة لا تزيد ولا تنقص أيضاً، وهو كذلك ويلزم من عدد الساعات المستوية، وعدد درجها المذكورين: أن الليل والنهار ثلاثمائة وستون درجة؛ لأنك إذا قسمت ذلك على أربع وعشرين ساعة .. خص الواحدة خمسة عشر درجة، وإن قسمت ذلك على البروج الاثني عشر .. خص البرج ثلاثون درجة، وإن قسمته على المنازل الثمان والعشرون .. خص المنزلة ثلاثة عشر درجة إلا سُبع درجة (١)، هذا عند الاعتدال في القسمة على البروج والمنازل، وعند الزيادة والنقص يزداد من أحدهما في الآخر وينقص بقدرها، وإذا كان المقسم واحداً - أعني الثلاث المائة والستين الدرجة وهو دور الفلك في اليوم والليلة - على الساعات والبروج والمنازل كما ذكرنا، - باتفاق أهل الفلك كما يعرف ذلك من

стр. 213

يطالع كتبهم ويحققها .. لزم استواء درجات الثلاثة في المقدار، وأنها لا تفاوت فيها، وقد قسموا الدرجة المذكورة ستين دقيقة ((١)، واختلفوا فيما تَسَعُه الدقيقة من القول، فقال بعضهم: سورة الإخلاص بالبسملة قراءة متوسطة. وقال: بعضهم سبحان الله مستعجلاً. وهذا خلاف كبير فيه تفاوت كثير، إذ حروف (سبحان الله) ثمن حروف (سورة) (٢) الإخلاص، ويزيد ذلك اشتراط التوسط في قراءة (الإخلاص) والعجلة في (سبحان الله)، وما ذكره مؤلف تلك «الرسالة» (٣): أن التقدير بالإخلاص لدقيقة درج البروج والمنازل، و (سبحان الله) لدقيقة درج الساعة المستوية .. خطأ صريح، بل التقدير بها لدقيقة كل من الثلاثة، إذ المقسم عليهما - كما مرّ - واحد (٤). قال

стр. 214

الشيخ عثمان بن أبي بكر العمودي (١) في «نصب الشرك»: (فائدة أخرى: قال الفقيه عبد الرحمن مخرمة: الساعة المستوية خمسة عشر درجة، وكل درجة ستون دقيقة، وكل دقيقة مقدار قولك: (سبحان الله) مستعجلاً. من غير إمهال. وقال عبد الله بن عمر مخرمة ((٢): الدرجة ستون دقيقة، واشتهر بين أهل هذا الفن أنها قدر، ﴿قُلْ هُوَ

стр. 215

اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مع البسملة، مرة واحدة قراءة متوسطة بين الترتيل والإسراع، وبمثل قوله قال الفيومي) (١) انتهى. وفيه - محيلاً على ما ذكره هنا - قوله: (وقد سبق معرفة قدر الدقيقة، وما فيه من الخلاف) انتهى. ومن قوله: (واشتهر) الخ، هي عبارة الشيخ محمد الحطاب (٢)، التي نقلها مؤلف تلك «الرسالة» (٣)، ولم يقيدها الحطاب بما قيدها به، بل هي ظاهرة أن ذلك ضبط لدرجة الثلاثة، ولما ذكر الشيخ عبد الرحمن بن عمر العمودي في كتابه «حسن النجوى»: (٤) (سن الجلوس بعد دفن الميت عند قبره، قدر نحر
следующие страницы →