وفشا في زمانه تقديم صلاة الفجر على وقتها الذي سماه الشارع؛ تساهلاً منهم وتمادياً في اقتراف الخطأ، وأنفة من الرجوع إلى الحق، وفي ذلك يقول: " غلب على الناس التساهل في أمور دينهم، حتى أنه يسهل على بعضهم ارتكاب المحذور ولا إظهار خلل في نفسه، وقد صلى بالناس سيدنا أبو موسى الأشعري في المسجد النبوي صلاة الفجر، فلما خرج الناس تبين له أن الصلاة قبل طلوع الفجر، فناداهم من بيوتهم وصلى بهم ثانياً، ثم خرجوا ولم يظهر له الفجر فناداهم وصلى بهم ثالثاً. واليوم من صلى هوَّ وأَحدٌ قبل الوقت، شق عليه أن يخبره بذلك؛ لئلا يظهر الخلل من نفسه، وهذا كله من مكائد الشيطان " (١). ونرجو أن يكون المؤلف ﵀ قد أدى ما عليه من واجب النصيحة للمقدمين صلاة الصبح عن وقتها الشرعي في حضرموت في زمانه حين ألَّف هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وحين رأى الناس يؤدون الصلاة على عجل وتطفيف، مدّعين أن صنيعهم هذا من باب التخفيف، خاطبهم بقوله: " انظروا إلى الصلاة التي هي رأس الإسلام، هل يصلونها كما أمر سيد الأنام بقوله: " صَلُّوا كَمَا
стр. 37
رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " (١)؟، أم يصلونها على مُقتضى الهوى والغفلة والتطفيف الذي يسمونه التخفيف، يزيدون بهذه المقالة معصية، هي الكذب على سيد الورى " (٢).
كرمه وزهده
وُصف المؤلف بأنَّه كان كريم الأخلاق، سخياً مِضيافاً (٣)، عاد من جاوة بمائة ألف ريال، وحين وصل إلى حضرموت أفناها في وجوه الخير ولم يبقِ منها شيئًا. ولما أحسّ بِدُنُوِّ أجله جمع ورثته وقال لهم: " لعلكم ترون ما أنا فيه من الظهور، فتظنون أنني خلفت شيئًا من الذهب والفضة، فليس معيَّ شيءٌ من ذلك " (٤). وبعد
стр. 38
وفاته قُسمت تركته، فلم تتجاوز حصة الولد من التركة أربعين ريالاً. (١)
ثناء الناس عليه
قال عنه العلامة عيدروس بن عمر الحبشي: " شيخُنا بل شيخُ الشريعة وإمامُها، وحَبْرُ الطريقة وهُمامُها، الداعي إلى الله بفعلِهِ وحاله ولسانه، المناضلُ عن دينِ الله بسرهِ وإعلانِهِ " (٢). ووصفه أيضاً بأنه: واحد من نقوة السادة العلويين الحضرميين في عصره. (٣)
أما المؤرخ ابن حميد الكندي المعاصر فقد قال فيه: " علَّامة إمام، مقدام همام، باذلٌ قالَه وحالَه ومالَه في إحياء الشريعة المطهرة ومالها من رسوم، وفي الإصلاح ". (٤)
стр. 39
ووصفه العلامة علي بن أحمد الجنيد بالعلامة العارف بالله، الداعي إلى الله، الورع الصادق إلى أن قال: " كان عالماً عابداً كريماً زاهداً في الدنيا، له سيرة حسنة، واقتِفى لطريقة آبائه آل باعلوي، مع كمال الإتباع للشريعة " (١). وقال عنه العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف: " جبلٌ من جبال التقوى، وبحرٌ من بحور العلم " (٢)،
ونقل القاضي علوي السقاف عن ابن عبيد الله السقاف قوله: " مع اعتقادي بتقديم الحبيب عبد الله بن عمر بن يحيى في الفقه وغيره، لم أَتَصور أنَّه بهذه الصورةِ الفريدةِ من الفهم والذكاء والحفظ، فقد اطلَّعت في فتاويه على ما لم أقفْ عليه عند غيرِه " (٣).
وقال عنه السيد عبد الله بن محمد بن حامد السقاف: " من أعلام دين الله، وكُبَّار الشريعة المطهرة، ذوي الهداية والإرشاد والإصلاح الاجتماعي " (٤).
стр. 40
وكتب القاضي علوي السقاف في تصديره لفتاوى المؤلف يُعرِّف بالمؤلف: " من لم يعرفْ الحبيب عبد الله بن عمر بن يحيى فليقرأْ فتاويه هذه، فسيعرفُ منها من هوَّ، فهو الشخصية الفقهية العظيمة التي امتنَّ الله بها على أهل زمانه ومن بعدهم " (١).
قال عنه ابنُه عقيل: " كان يدعوا إلى الله باللُّطف واللِّين، ويُغلظ في المواطن التي لا تُصلح إلا الغلظةُ على المفسدين، وكان محبوباً مقبولاً عند الأنام، قد وضعَ اللهُ له القبولَ والمحبةَ في قلوبِهم، يجدُ جليسُه من الأنس والسرور ما يَنسى به ما هو فيه من الهموم والاشتغالِ بالدنيا، وكان ﵁ حامل لواء الفتيا في زمانه، تحمل إليه الأسئلة من أغلب الأقطار والأقاليم، ويرجع إلى قوله العلماء عند كل مشكل " (٢).
стр. 41
مكانته العلمية
تولَّى المؤلفُ تدريس العلم الشريف، وقد انتفع به كثيرون في بلده وما دخَلها من أقطار العالم، واشتغل بالإفتاء، ومن طالع فتاواه وما كَتب من أجوبة علِم أن الفتوى كانت تُحمل إليه من أرجاءِ حضرموت واليمن وجاوة وغير ها من البلدان.
تلاميذه
من أشهرهم (١) ابنه العلامة عمر وابنه السيد عقيل، والسيد علي بن علوي بن عبد الله بن حسين بن طاهر (٢)، والعلامة عيدروس بن عمر الحبشي (صاحب الغرفة) (٣)، والسيد عيدروس بن أحمد
стр. 42
بن شهاب (١). والعلامة عثمان بن عبد الله بن عقيل بن يحيى (٢). والسيد عبد الرحمن بن علي السقاف (٣)، والسيد علي بن سالم بن الشيخ أبي بكر بن سالم (٤) وغيرهم.
стр. 43
أولاده
محمد (الملقب بالطاهر) وعقيل (١)، وأبو بكر، ومحمد (آخر غير الأول)، وأحمد. وعمر (٢)، وتوفي أبو بكر في حياة
стр. 44
أبيه (١) ومحمد (الطاهر) ليس له عقب (٢).
مؤلفاته
للمؤلف عددٌ من الرسائل المختصرة، والنُّبذ الفقهية اللطيفة، وأطول كتبه الكتاب الذي بين أيدينا، وله أجوبة لأسئلةٍ فقهيةٍ متناثرةٍ، وقد جمع نجلُ المؤلف السيد عقيل معظمَها في مجلدٍ أسماه «الفتاوى الشرعية»، وله جملة من القصائد شعرية بين رثاء وابتهال ومدائح وحماسة وكثيراً ما يستهلها بقوله: يقول ابن هاشم (يعني نفسه)، وقد جمع ابنه عقيل عدداً من تلك القصائد في كراسة كتب
стр. 45
عليها «هذا ما جُمع من الكلام المنظوم للحبيب العلامة عبد الله بن عمر بن يحيى» وهو الذي أشرنا له في هذه الترجمة بـ «ديوان المؤلف».
وله عددٌ من الوصايا والإجازات المتفرقة، ومن طالعَ مؤلفاته وَجدَ بصمة الفقيه العالم بالمذهب، والمفتي المزاول الصريح، وتجد في فتاويه آثار أسفاره، وفي اجازاته ووصاياه تمسكَه بالشريعة المحمدية، والسنة النبوية، وانتمائه للطريقة العلوية.
стр. 46
المطبوع من كتب المؤلف:
١. فتاوى شرعية: جمْعُ ابنه عقيل، طُبِعت بالمطبعة المدنية بالقاهرة سنة ١٣٩١هـ. قدّم لها القاضي علوي بن عبد الله بن حسين السقاف.
٢. سفينة الصلاة: طبعت بمصر مع سفينة النجاة للشيخ سالم بن سُمير وشرحها الدكتور محمد بن عبد الرحمن شميلة الأهدل والشيخ محمد نووي الجاوي.
٣. مناسك الحج والعمرة وآداب الزيارة النبوية: طبعت بمصر سنة ١٣٩١هـ، وأعيد طبعها بدار الفقيه بالإمارات العربية سنة ١٤٢٤هـ. بتحقيق الاستاذ مصطفى بن حامد بن سميط.
٤. تذكرة المؤمنين بفضائل عترة سيد المرسلين: رسالة لطيفة وضعها الشيخ محمد بن سعيد بن محمد بابصيل ضمن كتابه " الدرر النقية في فضائل ذرية خير البرية " (١).
٥. السيوف البواتر لمن يقدم صلاة الصبح على الفجر الآخر: (وهو الذي بين يديك).
стр. 47
كتب ورسائل المؤلف المخطوطة:
١. ديوان شعري: جمع ابنه عقيل توجد نسخة منه في مكتبة الاحقاف للمخطوطات بتريم وتحمل عنوان «الكلام المنظوم للحبيب العلامة عبد الله بن عمر بن يحيى». (مخ: ٢٦٢٣). (١)
٢. أسئلة حول من يذكرون الله قياماً وقعوداً وبأنغام الموسيقى: تقع في ست وأربعين ورقة (مخ: ٢٨٢١).
٣. السيف البتار فيمن يوالي الكفار ويجلب الحوائج إليهم: رسالة تقع في ثلاث أوراق.
٤. خبر أهل الكساء: يقع في ثلاث أوراق.
٥. تذكرة إخواننا الحجاج بسكان سربايا: تقع في ثلاث أوراق (مخ: ٢٨٢١).
стр. 48
٦. مذاكرة ذكّر بها المؤلف بعض من مال إلى بدعة الوهابية: تقع في صفحتين.
٧. إجازة للحبيب الوالد حسين بن عبد الرحمن الجفري: كتبها المؤلف بخط يده سنة ١٢٥٩هـ تقع في أربع أوراق (مخ: ٢٧٠٢).
стр. 49
وفاته
يقول عنه ابنه عقيل: كان عظيم المحبة لمولاه، عظيم الشوق للقائه، وكثيراً ما يتمثل هذين البيتين:
جزى اللهُ هذا الموتَ خيراً فإنَّه ... أَبَرُّ بِنَا من والدينا وأَرأَفُ
يُعَجِّل تخليصَ النفوسِ من الأذى ... ويُلحِقُها بالدارِ التي هي أَشرفُ
وكان يقول لأبنائه وقد بلغت منه الأوجاع مبلغاً عظيماً: " ما أحب البقاء في الدنيا إلا للصلاة وخصوصاً صلاة الليل، وللدعوة إلى الله تعالى، ولتعليمكم " (١). وقد تزامنت وفاتُه مع ظروف سياسيةٍ حرجةٍ، وأيام عصيبة مرَّ بها وادي حضرموت فيما عُرف بالثورة الكبرى على يافع، وما صاحب هذه الثورة المسلحة من نشاطٍ محمومٍ في أوساط القيادة العلوية المؤازرة لآل كثير ودولتهم، وكان المؤلف من بين تلك القيادات التي تتابع الأحداث باحتراق وقلق، حتى قيل أنه تكلم ليلة وفاته بكلام بشَّر فيه بانتصار الثورة (٢). من فرط اهتمامه
стр. 50
بهذه الأحداث، ويروي ابن عُبيد الله السقاف: أن وفاتَه كانت إثرَ وفاة ولَد له شديدُ الأسرِ حديدُ الفهم، يَعرف مواقع رضاء أبيه، ويفعل ما يحبه من غير إشارة، يُدعى أبو بكر (١)، ويرى البعض أن مرض موته كان من ثوران أثر السم الذي دسه له أهل الطرائق الهنود في حيدر أباد (٢)، وعلى أي حال فيُفيد كلام ابنه عقيل أن المؤلف كان يعاني من ألوان من الأمراض، وظل ﵀ صابراً محتسباً حتى توفاه الله بقرية المَسِيلَة سنة ١٢٦٥هـ (٣) شهر جمادى الأولى بعد مضي ثلث الليل ليلة الاثنين، ولكن في أي يوم من أيام شهر جمادى الأولى؟
стр. 51
تَجزم المصادر التي كُتبت حديثاً وترجمت للمؤلف أنها ليلة العشرين (١)، لكن الذي كتبه ابنُ المؤلف (٢)، ودونه معاصره المؤرخ ابن حميد (٣)، وما هو مكتوب على شاهدة قبره، أنه تُوفي ليلة اثنتين وعشرين. وحَدَسِي أن منشأ خطئهم متابعة لخطأ مطبعي وقع في كتاب «عقد اليواقيت» المطبوع، حين حُذفت كلمةُ (لِاثنين) من عبارة نسخة «عقد اليواقيت» المخطوطة: (ووفاته بعد مضي ثلث الليل ليلة الاثنين لِاثنين وعشرين خلت من جمادى الأولى)، بدليل بقاء (الواو) في النسخة المطبوعة ذاتها، إذ جاء فيها: (ووفاته بعد مضي ثلث الليل ليلة الاثنين وعشرين خلت من جمادى الأولى) (٤) ولعل الناسخ استشكلَ تكرار كلمةِ (الاثنين) فتوهَّم زيادتها. وربما
стр. 52
اشتبه عليهم يوم وفاته بيوم ولادته التي كانت في ٢٠ جمادى الأولى أيضاً. ونخلص هنا إلى أن وفاته كانت في ٢٢ جمادى الأولى سنة ١٢٦٥هـ الموافق ١٦ إبريل ١٨٤٩م.
وقد صلى عليه خالُه عبد الله بن حسين بن طاهر ودفن بمسقط رأسه قرية (المَسِيلَة) وقبره معروف فيها (١). وعن جنازته يقول ابن عبيد الله: " شهد جنازته جمع من رجالات حضرموت وكان يوماً مشهوداً انصرف المشيعون عن مدفنه واجتمعوا في بيته، فأنشدهم بعض الحداة قصيدة الإمام الحداد التي مطلعها:
تفيض عيوني بالدموع السواكب ... ومالي لا أبكي على خير ذاهب
فلا تسأل عن العبرات وتصاعد الزفرات حتى لقد كادت تُحمل جنائز! " (٢).
стр. 53
بعض ملامح الأوضاع السياسية والفكرية لعصر المؤلف
عاش المؤلفُ في عصر يُعرف في حضرموت بعصر العبادلة السبعة ويُعد ابن يحيى أحدهم، وأهم الملامح السياسية لهذا العصر ما شهده العالم الإسلامي من تراجع وانحطاط، فضعفت الخلافة الإسلامية العثمانية، وقصَّرت في النهوض بواجبها تجاه الإسلام والمسلمين، وبقي حكمها شَكلياً في الكثير من الأقطار الإسلامية، وشجعت هذه الظروف الدول الأوربية على غزو العالم الإسلامي، فكان الغزو الفرنسي لمصر بقيادة نابليون بونابرت سنة ١٢١٣هـ، والذي صاحبه من غزو عقدي فكري، ثم توالى الغزاة الأوربيون على العالم العربي والإسلامي الفرنسيون والبريطانيون والهولنديون، وسقطت مدينة عدن في يد المحتل البريطاني سنة ١٢٥٣هـ. كما شهد هذا العصر ثورات عقدية وعلمية، منها الثورة العلمية والتكنولوجية في مصر في عهد محمد علي باشا، وما بثته من معارف في مجالات العلوم المختلفة، ومنها علم الميقات والفلك، وما رافقها من مظاهر التأثر بالغزو الأوربي الفكري واتساع ثقافة التغريب (١)، وبزوغ حركات
стр. 54
فكرية تحررية وأصولية مثل التي قادها الإمام الشوكاني في اليمن، وحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، التي وصلت طلائعها إلى حضرموت عامي ١٢٢٤هـ و ١٢٢٦هـ.
стр. 55
الفصل الثاني: التعريف بالكتاب الذي بين أيدينا
عنوان الكتاب
(السِّيُوفُ البَواتِرُ لِمَنْ يُقَدِّمُ صَلَاةَ الصُّبْحِ عَلَى الفَجْرِ الآخِرِ)
توثيق اسم الكتاب
ذكره العلامة عبد الله بن محمد السقاف أن عنوانه «السيوف البواتر على من يقدم الصبح على الفجر الآخر» (١) وقد اعتمدتُ حروف العنوان الذي كتبه المؤلف بخط يده في المخطوطة (أ)، وهو: (السِّيُوفُ البَواتِرُ لِمَنْ يُقَدِّمُ صَلَاةَ الصُّبْحِ عَلَى الفَجْرِ الآخِرِ)، وهو العنوان نفسه بحروفه في مخطوطات التحقيق (ب) و (ج) و (د).
نسبته إلى المؤلف
ذكره العلامة عبد الله بن محمد بن حامد السقاف في صدر مؤلفات المؤلف فقال: (مؤلفاته: أعرف منها «السيوف البواتر على
стр. 56
من يقدم الصبح على الفجر الآخر») (١). وذكره غيره (٢)، ولم أجد من ينسبه لغير المؤلف.
سبب تأليفه
حين يقترب وقتُ بزوغ الفجر في سماء تريم، كان مؤذنو مساجد تريم يُرهفون السمع لسماع أذان مسجد آل أبي علوي (عمدة المؤذنين في الفجر) في ذلك الزمان، فالمسجد يقع في الحافة الشرقية للمدينة، وموقعه هذا يؤهلُ مؤذنَه؛ لأن يراقب العلامة الشرعية لدخول وقت الفجر، فأضواء المدينة الخافتة خلفه، والأفق أمامَه، والمكان مرتفع، والمنارة شاهقة، يرقى مؤذن مسجد آل أبي علوي المئذنة يرقب الفجر، حتى إذا استبان له؛ رفع الأذان، وتبعَه من خلفه من المؤذنين، حتى يَهُزُّ أذانهم أرجاء المدينة الصغيرة وقت السحر، فتُصلي المدينة وتصوم على العلامة الشرعية لدخول وقت صلاة الفجر:
стр. 57
ألا وهي رؤية الفجر الصادق (١)، كان هذا في زمان قبل هذا الزمان الذي نحن بصدده، وهو القرن الثالث العشر الهجري، حين خفت نجم الشرع الواضح، وسلك الناس ملاوي التنطع والمشقة، ووَلَجو مواقيت الصلاة من غير بابها، فأتوا صلاة الفجر من باب النجوم والمنازل، فكيف كانت المراقبة؟ في آخر الليل يأتي نائب المسجد إلى المسجد، ويقف في صحنه ينظر وسط السماء يرقب النجوم والمنازل، ويرى اعتدالها، فإذا تحقق له ما كان ينظره؛ أذِن للمؤذن أن يرفع الأذان وفقاً لرؤيته النجومية (٢)، فيُحِل لأهل البلدة صلاة الصبح، ويُحرم على صوّامهم الطعام والنكاح، وقد لقي هؤلاء النواب والمؤذنون من يساندهم من العلماء ويصوب عملهم، وأشهر من انبرى لذلك العلامة عبد الله بن حسين بلفقيه باعلوي، الذي ألف في ذلك رسالة أسماها «السيف البتار لمن يقول بأفضلية تأخير صلاة الصبح إلى الإسفار» وصف فيها هؤلاء النواب والمؤذنين بأنهم
стр. 58
مؤذنين ثقاة (١)، عارفين بأوائل الأوقات، يَندُر خطاؤهم على مرّ السنين، وقد تلقّوا علمهم عن السابقين من الأئمة العارفين، وقد أقرَّهم على معرفتهم بوقت الصبح جميعُ أهل تريم، وتريم مدينة الإسلام المشهورة من قديم بالعلم والتعليم والعلماء (٢)، كما وصف أئمة هذه المساجد بأنهم من العلماء الراسخين، والمأمومين بأنهم من المبادرين بالصلاة في أول وقتها؛ رغبة في رضوان رب العالمين.
وبَعْدَ أن سطَّر العلامة عبد الله بن حسين بلفقيه تزكية المؤذنين وشيوخهم، وأئمة المساجد والمأمومين والبلد، أفتى قائلاً: "فيجب الأخذ بأذانهم "، لكن العلامة عيدروس بن أحمد بن شهاب: وهو من أهل تريم تعقَّب رسالة بلفقيه هذه، وكتب رسالة معارضة، عَنْوَنَها «القول الصادق في بيان الفجر الصادق المعترض وإدحاض كلام المعترض»، ووصف أولئك المؤذنين قائلاً: " ليس لهم بمعرفة الوقت عرفان، وإن أحدَهم يؤذن حين يأمره نائب المسجد، بعد أن ينظر وسط السماء، يرى اعتدال النجوم والمنازل، وهذا النائب يتمسك
стр. 59
بشيء موهوم، ويُقلدُ بعضَ من يدّعي معرفة النجوم والتقويم، فكان التهور والتوغل في تقديم دخول وقت صلاة الصبح قبل طلوع الفجر الصادق بزمان، استعجالاً من الشيطان ليوقعهم في البطلان، وقد عمت هذه البلية بأهل تريم وطار شررها وأَضحت عادة راسخة ولأحكام الشريعة ناسخة وباينوا في هذا سائر الأقاليم وخالفوا الكتاب والسنة وقول كل ذي علم عليم " (١). لكن رسالة ابن شهاب رغم قوة حجتها لم تفلح في رد المخالفين، فحمل ابن شهاب رسالته ورسالة بلفقيه وعرضهما على شيخه العلامة عبد الله بن عمر بن يحيى فأجابه لما أراد وفي ذلك يقول ابن يحيى: " فألف بعضُهم - يقصد بلفقيه - رسالة في الانتصار لذلك الخطأ والزلل - أي تقديم صلاة الصبح وأذانِها على وقتِها المشروع -، وأكثر فيها من تمويه تصويبه ذلك العمل، وترويجِه على من يجهل، فعارضه آخر - يقصد ابن شهاب - برسالة بيَّن فيها الحق كالهالة، نافياً غبار تلك الجهالة، ثم عرض الرسالتين عليّ، وطلب منِّى أن أنصرَ الحق بما
стр. 60
لديَّ، فبادرتُ إلى تأليف هذه «الرسالةِ»، في هذا الشأنِ حذراً من الكتمان الذي وعد الله مرتكبَه بالنيران " (١).
موضوعات الكتاب ونظام ترتيبه
الكتابُ رسالةٌ شرعية ميقاتية في وقت صلاة الفجر، جمع فيها المؤلفُ ما جاء عن الفجر في القرآن والسنة وكتب الفقه والمواقيت، فتناول الفجر من حيث كونِه ميقاتاً شرعياً وظاهرة فلكية، بدأها في (الباب الأول) بتلمُّس مصطلح (الفجر) وعلامات الفجر التي يُعرف بها في القرآن، فذهب يغُوص في تفسير الآيات التي جاء فيها ذكرُ الفجر، واستعان في ذلك بالتفاسير، كتفسير البيضاوي، وأبي السعود، والنيسابوري، والشربيني وكُتبِ أحكام القرآن مثل التي للموزعي ودرواز والأحمدي، واسترشد بمعاجم اللغة مثل: قاموس الفيروزبادي، وبعلم المعاني والبديع مثل: شرح البديعية، وبما جاء عن الفجر وعلاماته في شعر العرب، وكتب الفقه، وخلُص مما عرضه إلى أن علامات الصادق التي تميز بها عن الكاذب:
стр. 61
الاعتراض، ومخالطة بياضه لحمرة، وتزايد ضوئه الذي يتبين به النهار.
وفي (الباب الثاني): انتقل المؤلف إلى المصدر الثاني من مصادر التشريع (السنة النبوية)؛ للتعرُّف على علامات الفجر، لكنه نادراً ما يذهب مباشرة إلى كتب الحديث المسندة كالصحاح والسنن والمسانيد، وينقُل غالباً عن الكتب التي جمعت الأحاديث من أمهات الحديث المذكورة ورتبتَها على أبواب الفقه وشروح الأحاديث، مثل كتاب «المنهج المبين في أدلة المجتهدين» لعبد الوهاب الشعراني، و «تيسير الوصول إلى جامع الأصول» لعبد الرحمن بن علي الشيباني الديبعي، و «الدر النثير في تلخيص نهاية ابن الأثير» لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، و «التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» للحافظ ابن حجر العسقلاني، و «مختصر سنن الترمذي» للحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ومن «سنن البيهقي الكبرى» لأحمد بن الحسين البيهقي و «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لحافظ ابن حجر العسقلاني و «إرشاد الساري شرح صحيح البخاري» لأحمد بن محمد القسطلاني «وشرح مشكاة
стр. 62
المصابيح» لابن حجر الهيتمي وغيرها من المصادر الحديثية، وقد استعان «بقاموس» الفيروزأبادي وغيره في فهم مدلولِ هذه الأحاديث، ومن عادة المؤلف في عامة أبواب الكتاب أن يفتتح الباب بنقل نصوصِ الشرع وأقوال العلماء، ثم يُعقِّب عليها بكلام يضعه تحت عنوان: (تنبيهات) أو (فوائد) أو يصدره بقوله: (فعُلم) وكأنه يلخصُ بعبارته ما قالوه، حتى إذا ما لَمَّهُ وأَحكمَ زَبْرَهُ أَلقَاهُ على «الرسالة» التي يحاول في هذا الكتاب نقض العبارات التي لا يرى صوابَها عبارةً عبارة.
وفي (الباب الثالث) نقل المؤلف توضيحات الأئمة والفقهاء والميقاتيين في مسألة الفجر، واعتنى بكلام الإمام الغزالي في «الإحياء» في مسألة الفجر، فأسهب في تقليب عبارات الغزالي؛ لأنه يعلم مكانة الغزالي و «إحيائه» في مجتمع حضرموت وأوساطه العلمية.
ثم غاص المؤلف في بعض تفاصيل (ظاهر الفجر)، ودليلُه في ذلك ما جاء في كتب علم الميقات، مثل: كتاب «اليواقيت في علم المواقيت» لإبراهيم بن علي الأصبحي و «الشامل في أدلة القبلة
стр. 63
وحساب الروم والمنازل» لمحفوظ بن عبد الرحمن باعباد الحضرمي و «سراج التوحيد الباهج النور في تمجيد صانع الوجود مقلب الدهور» لعبد الله بن أسعد اليافعي، وختم (الباب الثالث) بفَصْلٍ مُقتضب في بيان أوقات صلاة الصبح الأربع: (الفضيلة، والاختيار، والجواز، والكراهة) رَبَطَ فيه بين ما قرره الفقهاء وما قدَّره أهل الميقات، ثم ختم كلامه كما في الأبواب السابقة بالتنويه بأخطاء «الرسالة» التي يرد عليها، وفي (الباب الرابع) بيان الفجر من علم الفلك، أورد فيه ما جاء في كتب الفلك والميقات مثل كتاب «الهداية من الضلالة في معرفة الوقت والقبلة بغير آلة» لأحمد ابن سلامة القليوبي، و «نصب الشرك في علم الفلك» لعثمان بن أبي بكر العمودي، و «اليواقيت في علم المواقيت» لإبراهيم بن علي الأصبحي، و «سلم العروج إلى معرفة المنازل والبروج» لمحمد بن عبد الرحمن بن عفالق الإحسائي، و «شرح المختصر» لمحمد بن محمد بن الحطاب الرعيني المكي، و «وسيلة الطلاب لمعرفة القبلة وأوقات الصلاة لأولي الألباب» لشاد بن متاك السواحلي، وما جاء في مؤلفات الميقاتيين الحضارم مثل «رسالة علي بن عبد الرحيم بن قاضي في
стр. 64
الهلال» و «منظومة عمر بن سقاف الصافي في الفلك» و «مؤلف» بارجاء فيه، ورسالة «عبد الله بن محمد بن قطنة في مسألة الهلال» عن الساعة الفلكية والزمانية وأجزائهما وما تَسعُهُ من القراءة، ثم فَصَّلَ فيما قدروه لحصة الفجر وما ضبطوها به من المنازل والساعات وحركة القمر، ولتطبيق ما قدره الفلكيون والموقتون لحصة الفجر أَفْرَدَ في ختام هذا الباب فصلاً في بيان حصة الفجر في القطر الحضرمي، قام المؤلف بحساب حصة الفجر في القطر الحضرمي وقت الاعتدال والطول والقصر ثم ذهب يُقدِّر حصة فجر حضرموت، وفق ما رآه من جداول لمواقيت الصلاة في حضرموت ومكة، وضعها مختصون في هذا العلم مثل رضوان أفندي وغيره، وختم الكتاب بـ (فصل) تطرَّق فيه لمسائل ثلاث وثيقة الصلة بمسألة الفجر:
(المسألة الأولى): في مراتب معرفة دخول الوقت من علم وإخبار واجتهاد وحساب. و (المسألة الثانية): في شروط المخبر بالوقت عن علم أو اجتهاد، وختم الكتاب (بمسألة ثالثة) بيَّن فيها الحكم الشرعي في الذين يُقدمون صلاتهم على الفجر مع زعمهم طلوعه وليس كذلك، وختم هذه المسألة والكتاب بتحذير شديد يقول فيه:
стр. 65
" إن المقدمين لصلاة الفجر من أهل جهتنا آثمون بصلاتهم، لا تنعقد منهم فرضاً ولا نفلاً ".
منهج المؤلف وأسلوبه في الكتاب
تناول المؤلف الموضوع بشيء من التدرج والانسيابية مع الاستدلال والتبويب والتنظيم، وهذه ميزة قلَّما نجدها في المؤلفات الحضرمية في عصر المؤلف، ويتضح هذا الفرق جلياً حينما نقارن بين الرسائل الثلاث التي كتبت في هذا الموضوع، وبين رسالة ابن شهاب «القول الصادق» ورسالة بلفقيه «السيف البتار» وكتاب ابن يحيى «السيوف البواتر»، ولعل هذا ثمرة الاطلاع الواسع للمؤلف، فقد قسم رسالته إلى أبواب وفصول ومسائل بدأ بالفجر في القرآن فالسنة فالفقه فالفلك، وفي داخل هذه التبويبات تناول المواضيع بعرض منظم، يبدؤه بعرض النصوص من مصادرها، حتى إذا ما فرغ من عرضها بدأ يفكك عبارتها باستخدام الآلات اللغوية، والقواعد المنطقية، وتوضيحات الشّراح والمُحشِّين، حتى إذا ما أَخَذَ الموضوع حقه من الشرح والتوضيح، حَزَمَ ما خلُص إليه من نتائج بوضعها خلف عبارة: (فعلم) أو (فوائد) و (تنبيهات) يخاطب
стр. 66
بها المقدمين لصلاة الفجر من أهل حضرموت، وصاحب «الرسالة» التي يتعقبها. ولا يُسلّم المؤلف بقَول السابقين في بعض المسائل بل ينقدها ويرُدّ بعضها، مثل تقديرهم الدقيقة الزمانية بالقراءة وغيرها.
مصادر الكتاب
تميز الكتاب بكثرة مصادره، إذ تجاوزت المصادر التي نص المصنف على أخذه المباشر منها ما يقارب المائة مصدراً، يغلب عليها العنوان الفقهي والميقاتي والفلكي، من بينها كتب مفقودة لمؤلفين حضارم مغمورين وجداول مندثرة، وقد أَلْحقنا الكتاب بقائمة المراجع التي نقل منها المؤلف.
تقييم الكتاب
يُعَد الكتاب مرجعاً للباحثين في مجال المواقيت من الميقاتيين والفقهاء، وهو خلاصة فقهية مركزة للمختصين في علم الفلك الذين ينقصهم الإلمام بالقواعد والأصول الشرعية التي يجب مراعاتها عند الحساب النظري لمواقيت الصلاة والقبلة وغيرها من الموقتات الشرعية، إذ يصعب على الفلكي الوقوف على مسائل المواقيت
стр. 67
الشرعية وأحكامها المتناثرة في كتب الفقه من مختصرات ومطولات وشروح وحواشي وفتاويات ورسائل، ويندُر أن تجدَ كتاباً جمع ما جاء في ميقات صلاة بعينها من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة وكتب الفقه والميقات والفلك، وما جاء في قواعد الاخبار الشرعية وشروط المخبر بدخول الوقت وغير ذلك مما يتصل بها.
ومما يؤخذ على الكتاب أن المؤلف عالج فيه مسألة الفجر برأي الفقيه الذي يرى المرجع المراقبة والعلامة الشرعية، إلا أنَّه لم يذكر جهودَه في رصد الفجر، ومتى كان يدخل وقت الفجر في حضرموت على ضوء المراقبة الشرعية (١)، ومال المؤلف ﵀ في ختام
стр. 68
عرضه الفقهي الجهيد إلى قول نظري تقريبي، مفاده أن الفجر يدخل إذا بقي ثمن الليل الأخير؛ لأن هذا القول - كما يقول - قال به أكثر من نقل عنهم من ميقاتي عصره، وهو بهذه النتيجة ينقل الناس من متابعة النجوم في السماء لمعرفة دخول وقت صلاة الفجر إلى متابعة الساعة لمعرفة الوقت الذي يبدأ فيه ثمن الليل الأخير، الذي قيل أن الفجر يطلع حين يبتدئ هذا الثمن، والساعة والنجم ليسا علامة شرعية لوقت الفجر، بل رؤية الفجر الصادق هو القول العملي التحقيقي للفصل بين المتنازعين في الفجر من أهل الدرجات والساعات والنجوم.
стр. 69
وقد أورد المؤلف أدلة من السنة والآثار التي جاءت تؤيد ما ذهب إليه، إلا أنه اكتفى بتخريجها دون نقل الحكم على صحتها.
رسالة بلفقيه التي يرد عليها الكتاب الذي بين أيدينا
مؤلفها هو: العلامة عبد الله بن حسين بن عبد الله بن علوي بن عبد الله بلفقيه العلوي الحضرمي التريمي (١١٩٨ هـ- ١٢٦٦ هـ) الفقيه، الصوفي، الشاعر، عاش في تريم وتربى وتتلمذ على مشاهير علماء حضرموت في عصره، رحل إلى الحجاز واليمن، وأخذ عن الشيخ عمر بن عبد الكريم بن عبد الرسول العطَّار المكي، والشيخ الزمزمي في الحجاز. (١)
علاقة المؤلف ابن يحيى بمؤلف «الرسالة» بلفقيه
العلامة عبد الله بن حسين بلفقيه من معاصري المؤلف يكبُره بنحو إحدى عشر سنة، وقد أخذا من مشرب واحد واتفقا في أغلب
стр. 70
شيوخِهما ومَنْ أخذ عنهما، عاش المؤلف العلامة (ابن يحيى) في قرية قريبة من مدينة (تريم) التي يقطنها (بلفقيه)، ويمكننا أن نلْتمس خصائص كلا العلَمين في كلام مَن كتب عنهما، فهذا تلميذهما العلامة عيدروس بن عمر الحبشي يصفَهما، فيقول عن (بلفقيه) بأن: مفسر محدث صوفي فقيه متضلع في سائر العلوم (١)، بينما وصف المؤلف (ابن يحيى) بأنه: شيخ الشريعة وإمامها، المناضل عن دين الله بسره وإعلانه، الداعي إلى الله بفعله وحاله ولسانه، حبر الطريقة العلوية وهمامها. (٢). ونجد العلامة عبد الرحمن بن محمد المشهور يصف بلفقيه: بالعلامة النحرير عديم المشاكل والنظير، ويصف المؤلف بأنه كثير الاطلاع، جيد الفهم ذو عزم ويقين (٣). وتحدث العلامة ابن عبيد الله السقاف بصراحته المعهودة عن بلفقيه وقرينه ابن يحيى وعن ما يقع بينهما مما يقع غالباً بين الأقران فيقول: " أهل تريم وفي مقدمتهم الجليل عبد الله بن حسين بلفقيه مخالفاً للسيد عبد الله
стр. 71
بن عمر بن يحيى على خط مستقيم حتى لو قال أحدهم: (تمرة) لقال الآخر (جمرة)، وما نظن بهما إلا الحق، غير أن الهوى يصور الشيء في عين صاحبه بغير ما هو عليه، وكلٌ يؤخذ من كلامه ويترك، وكان عبد الله بن أحمد باسودان يفضل بلفقيه من سعة العلم وغزارة المادة " (١). ويروي السيد علوي بن عبد الله بن شهاب عن من قبله: أن أفقه العبادلة عبد الله بن حسين بلفقيه يليه عبد الله بن عمر بن يحيى يليه عبد الله بن أبي بكر عيديد. (٢)
على أي حال فقد كان لهذا التماس الفقهي والتفاعل العلمي نتاجه وعَبَقُه الخالد النافع لمن جاء بعدهم من طلبة العلم والباحثين، وسيظل ما كتبوا شاهداً على ثراء فقهي وعلمي شهده الوطن الحضرمي في عصر من عصور الاستعمار والتمزق عاشه الوطن العربي والإسلامي.
стр. 72
استعراض رسالة بلفقيه الموسومة «السيف البتار لمن يقول بأفضلية تأخير صلاة الصبح إلى الإسفار»
تقع هذه «الرسالة» ضمن فتاوى مؤلفها العلامة عبد الله بن حسين بلفقيه، الموسومة «إتحاف الفقيه» جمعها وخطها بيده ابنه محي الدين، وهي مخطوطة تقع في سبع ورق من القطع الكبير من الصفحة رقم (١٦) في الفتاوى إلى صفحة رقم (٢٩)، وصفحة المخطوطة تتكون من ٣٩ سطراً، وفي السطر نحو ١٥ كلمة تقريباً. ولم أعثر على تأريخ تأليفها، ويقتضي كلام ابن شهاب في رسالة (القول الصادق) والمؤلف ابن يحيى في الكتاب الذي بين أيدينا أن تأليفها كان قبل رسالة ابن شهاب التي ألفت في رمضان سنة١٢٦٠هـ.
موضوعات رسالة بلفقيه: تتكون «الرسالة» من مقدمة بيَّن فيها مواقيت الصلاة مع التفصيل في دخول وقت صلاة الصبح، وفضل المبادرة بالصلوات في أول أوقاتها وذم تأخيرها عنه. ثم وضّح مقصدين في وقت صلاة الصبح، المقصد الأول: نقل فيه من كتب المذهب الشافعي أوقات صلاة الصبح. والمقصد الثاني: أورد فيه أقوال العلماء في الاستدلال بالعلامات التي يستدل بها على دخول
стр. 73
الوقت، مثل: المنازل والساعات والمناكِيب، ثم أضاف ملاحق لوجوب الأخذ بأذان الثقة وجواز الدخول في الصلاة بغلبة الظن. وختم «الرسالة» بتحذير من يتجرأ على الفتوى بغير علم ويستدرك على السابقين الذين وصفهم بالأئمة المجتهدين. (١)
стр. 74
التعريف بابن شهاب مؤلف «القول الصادق في بيان الفجر الصادق المعترض وإدحاضِ كلامَ المعترض»
هو العلامة عيدروس بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عيدروس بن علي بن محمد شهاب الدين الأخير بن عبد الرحمن القاضي بن أحمد بن شهاب الدين الأكبر العلوي التريمي الحضرمي، ولد بتريم وتوفي بمكة المكرمة سنة تسعين ومائتين وألف للهجرة، من شيوخه: عمه العلامة عبد الله بن علي بن شهاب (أحد العبادلة السبعة) والعلامة عبد الله بن حسين بن طاهر (١) والعلامة طاهر بن حسين بن طاهر، والعلامة عبد الله بن عمر بن يحيى (مؤلف الكتاب)، والعلامة
стр. 75
عبد الله بن أحمد باسَودان، والعلامة محمد بن عبد الله باسَودان (١). أما عن مؤلفاته: فلم أعثر على مؤلف له غير «الرسالة» المشار إليها، وله كتاب لا يزال مخطوطاً بعنوان «قرة العين في قواعد العشرة بين الزوجين»، وصفه السيد علي العطاس بأنه: المُجِد العلامة المجتهد ومقنع الطالب والمنتقد. ووصفه السيد عمر بن علوي الكاف بأنه: سيد فاضل وعالم عامل، وورع زاهد محب للفقراء والمساكين ناشر لدعوة الإسلام. (٢)
ويكِّن ابن شهاب للمؤلف (ابن يحي) احترماً ووداً ويبدو ذلك جلياً في قول (ابن شهاب) عن (ابن يحيى): سيدي وشيخي الإمام الحافظ المحقق ذو المقام الأسنى، وابن شهاب هذا كان قريبا من (المدرسة الطاهرية) متأثراً بها.