← Общие книги

Общие книги · id 38183

التعايش مع غير المسلمين في المجتمع المسلم

منقذ السقار

Полный текст (54 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التعايش مع غير المسلمين في المجتمع المسلم د. منقذ بن محمود السقار

стр. 2

مقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن مما يشهد بالقيمة الحضارية والثقافية لأمة ما، ما تحققه من مبادئ إنسانية زاهية، تتجاوز حدودها لتعم بإنسانيتها الآخرين، ولو خالفوا في الدين والجنس واللغة. وقد اصطفى الله نبينا ﷺ للرسالة، وجعله رحمة إلى الناس أجمعين ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء: ١٠٧)، فكانت رسالة الإسلام أول رسالة عالمية، تجاوزت حدود الزمان والمكان واللغة والجنس «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس عامة» (١). فرسالته ﷺ هي الرسالة التي جعلها الله خاتمة الرسالات المهيمنة عليها، ودعا الناس إلى الإيمان بها، لأنها الحق الذي ارتضاه الله للبشرية ديناً ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (آل عمران: ١٩) ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ (آل عمران: ٨٥). لكن الله ﵎ شاء بمشيئته وحكمته أن يخلق الإنسان كائنا فريداً متميزاً بالاختيار، فقدر سبحانه أن ينقسم الناس إلى مؤمن مصدق، وكافر جاحد ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير﴾ (التغابن: ٢)، ولو شاء الله لألزم الإنسانية دينه فطرة وقهراً، فلا تملك في قبوله حولاً ولا طولاً، لكنه لم يشأ ذلك ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ (هود: ١١٨ - ١١٩). قال ابن كثير عن قول الله ﵎ ﴿ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك﴾: "أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم .. " (٢). إذاً فاختلاف الناس في أديانهم قدر الله وسنته الماضية في خلقه ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ (يوسف: ١٠٣). ولنا أن نتساءل عن مصير أولئك الذين آثروا إرث الأجداد على الهدي المستبان، وقالوا: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾، كيف يتعامل الإسلام مع هؤلاء؟ وكيف يحكم فيهم إذا سكنوا ربوعه وتفيؤوا ظلاله؟ وسنهدف للإجابة عن هذه الأسئلة من خلال دراسة نصوص الكتاب والسنة، وتبصر معانيها بهدي العلماء، فقهاء الأمة، وتطبيقات سلفنا الكرام خلال قرون الإسلام الظافرة التي سادوا فيها الدنيا، والتي كانت في مجملها جواباً عملياً عن هذه الأسئلة، فكانت اجتهاداتهم المشكورة تجسيداً لنظام الإسلام العادل في التعامل مع غير المسلمين.

стр. 3

وما أحرانا اليوم ونحن نشهد النهضة الإسلامية الجديدة التي جسدتها الصحوة المباركة، ما أحرانا أن نبدد مخاوف الآخرين الذين يعيشون داخل العالم الإسلامي، فصحوتنا وعودتنا إلى ديننا لن تؤدي إلى شيء مما يفرقونه ويحذرونه. وهذه المخاوف نبددها باستدعاء التجربة التاريخية الفريدة التي عاشها أجدادهم ضمن المجتمع المسلم طوال قرون رغيدة، حفظت للأحفاد حتى اليوم وجودهم وكينونتهم داخل مجتمعنا وضمن حضارتنا. والموضوع الذي نحن بصدده رسالة نتقدم بها إلى أولئك الذين دأبوا على اتهام الإسلام بالانغلاق، ووصموه بما يكذبه التاريخ، ولا تعشى عن حقائقه الأبصار. إنه لمن العجب أن يوسم الإسلام بالصفة ونقيضها، فلئن اتهمه بعضهم بالعنف؛ فإن آخرين عابوا عليه نزعته التسامحية ورأوها سبب أفول الدولة الإسلامية، يقول الكونت هنري دي كاستري في كتابه "الإسلام": "تطرف المسلمون في المحاسنة؛ لأنها سهلت العصيان للعصاة، ومهدت لبعض الأسر المستقلة في المغرب الخروج على الجماعة في بلاد الأندلس وبلاد المغرب، وانتهى الأمر - مع المحاسنة - إلى انحلال عناصر المملكة العربية، ومن المرجح أن المسلمين لو عاملوا الأندلسيين كما عامل المسيحيون الأمم السكسونية والواندية؛ لأخلدت إلى الإسلام واستقرت عليه" (١). ولِمَ نستبق سطور البحث لنصل إلى نتيجته، لِم لا ندع التاريخ يقول كلمته المنصفة في دورتنا الحضارية الفذة التي قدمها أجدادنا الخالدون في تعاملهم مع الآخرين، مستلهمين أسسها وعظمتها من كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ وشريعة الإسلام الغراء. وتنتظم هذه الدراسة في تمهيد ومبحثين وخاتمة: التمهيد: وفيه أعرّف بأنواع الكافرين في بلاد المسلمين والأحكام العامة لكل منهم. المبحث الأول: وأذكر فيه حقوق غير المسلمين وضماناتهم في المجتمع المسلم، وأعرض لتطبيقات ذلك في التاريخ الإسلامي. المبحث الثاني: وأتناول فيه مسألة الجزية في الإسلام، وأبين الحق في هذه الشرعة والمقصود منها. الخاتمة: وألخص فيها أهم ما توصلت إليه الدراسة من نتائج. وإذ أشكر الله على توفيقه؛ فإني أنسب توفيق هذا العمل إلى أهله، فأشكر السادة العلماء الذين أفدت من كتبهم وعلمهم وسبقهم إلى معالجة هذا الموضوع المهم، وأشرت إليهم في قائمة المراجع اعترافاً بسبقهم وأستاذيتهم، فقد كانت دراساتهم القيمة شمعة أضاءت ومهدت لي الطريق، وكانت سطورهم المباركة الركن الركين الذي قامت على أساساته هذه الدراسة، فلهم مني الشكر والاعتراف بالجميل والسبق. وأسأل اللهَ أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. د. منقذ بن محمود السقار مكة المكرمة - صفر - ١٤٢٧هـ mongiz@maktoob.com

стр. 4

التمهيد قبل الشروع في تبيان حكم الإسلام في غير المسلمين المقيمين في بلاد المسلمين أرى ضرورة التعريف بأنواعهم وتبيان الملامح الرئيسة والأحكام العامة لكل منهم. أ. معنى الكفر الكفر: وصف يشمل كل من كذب الرسول ﵊، في شيء مما جاء به، أو صدقه وامتنع عن الدخول في الإسلام، يقول ابن تيمية: " الكفر يكون بتكذيب الرسول ﷺ فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم" (١). فالمقصود به من سوى المسلمين من أهل الملل والأديان؛ سواء كانت كتابية أو وثنية؛ فإن حكم الكفر يشملهم جميعاً؛ إذ لا فرق - وفق الرؤية الإسلامية - بين من يعبد العجل ومن يعبد المسيح؛ إذ كلاهما عبد غيرَ الله، ووقع في الشرك والكفر الذي توعد المسيح ﵊ فاعله بالنار: ﴿وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصارٍ﴾ (المائدة: ٧٢). ولا يشكلنَّ على القارئ لآيات القرآن ما يجده من خطاب قرآني رقيق مع أهل الكتاب يميزهم به عن غيرهم من إخوانهم من أهل الشرك، فيظن أن نداءه لهم ﴿يا أهل الكتاب﴾ شهادة لهم بالإيمان، من وهِم ذلك فهو جاهل بطريقة القرآن في الخطاب مع غير المسلمين، إذ لم يرد في القرآن: (يا أيها الذين كفروا) إلا في تصوير حالهم في الآخرة، حين يناديهم الله ﴿يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ (التحريم: ٧)، وورد مثله صريحاً في مفاصلة المشركين ﴿قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون﴾ (الكافرون: ١ - ٢)، إذ لم يكن من أدب الإسلام أن يخاطب من استيقن كفره بقوله: (يا كافر). قال الله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسناً﴾ (البقرة: ٨٣). وكذلك فإن نداء القرآن ﴿يا أهل الكتاب﴾ يفيد في غاية مقصده أنهم قوم نزل فيهم كتاب من كتب الله، ولا يفيد إيمانهم، ولا حتى سلامة كتبهم - التي يناديهم باسمها - من التحريف والتبديل، ومن ظن أن هذا الخطاب القرآني يلحقهم بالمؤمنين، فقد جهل أصول الإسلام التي صرحت بكفر أهل الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة﴾ (البينة: ١).

стр. 5

وقد صرحت الآيات القرآنية بكفر اليهود منهم ﴿فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلفٌ بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً * وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً﴾ (المائدة: ١٥٥ - ١٥٦). وقد أكفر الله نصارى أهل الكتاب بقوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (المائدة: ١٧)، وقوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثةٍ وما من إلهٍ إلا إلهٌ واحدٌ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذابٌ أليمٌ﴾ (المائدة: ٧٣). ب. أنواع الكفار الكفار المستعلنون برفض الإسلام وعقائده وأصوله لا فرق بينهم في أحكام الآخرة، فكلهم متوعد بالنار يوم القيامة ﴿وأن للكافرين عذاب النار﴾ (الأنفال: ١٤)، وإن اختلفت بواعث كفرهم. وأما في أحكام الدنيا فالشريعة تفرق بين الكفار بحسب عدائهم للمجتمع المسلم، فلا يستوي فيها أبو طالب وأبو جهل، نعم. كلاهما كفر بدين رسول الله ﷺ ، لكن أحدهما أعلن العداء لدين الحق وحارب الله ورسوله، بينما دافع الآخر عن الحق، وحماه، وذاد عن حياضه؛ وإن لم يؤمن به، فلا سواء في أحكام الدنيا بين هذا وذاك. والكفار بحسب شريعة المجتمع المسلم على أنواع، أجملهم الإمام ابن القيم بقوله: «الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد؛ وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان» (١). فأول أنواعهم؛ الحربي، وهو المقيم في بلاد الكفر المحاربة للمسلمين، ولا تعلق له بمبحثنا إلا إذا دخل بلاد المسلمين بهدنة أو أمان، فإنه لا يصير حينذاك حربياً، بل يكون من أهل النوع الثاني؛ أهل العهد، أي يكون معاهداً أو مستأمناً. والأصل في ألفاظ (الأمان والعهد والذمة) أنها ألفاظ عامة، تشمل أنواع المستأمنين والمعاهدين وغيرهم ممن هم في بلاد الإسلام بعقد ذمة أو هدنة أو أمان، فذمَّة المسلمين وعهودهم وأمانهم ثابتة لكل هذه الأصناف، والأصل في معاملتهم جميعاً قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (المائدة: ١). ورغم ترادف ألفاظ الذمة والهدنة والأمان وغيرها؛ فإن الفقهاء فرقوا بينها من الناحية الاصطلاحية، فخصوا كل واحد منها بنوع من الكفار. فـ (أهل الذمة) هم الكفار المقيمون تحت ولاية المسلمين وفي دولتهم، قال ابن القيم: "ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء [أهل الذمة وأهل الهدنة وأهل الأمان] كلهم في الأصل , وكذلك لفظ الصلح، فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد. وقولهم: هذا في ذمة فلان، أصله من هذا، أي: في عهده وعقده .. ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء (أهل الذمة) عبارة عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، إذ هم

стр. 6

مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله" (١)، ومقصوده ﵀ بجريان أحكام الإسلام أي العامة منها المتعلقة بشؤون الدولة والمجتمع ككل، وإلا فإنه لا يعرض لهم في خاصة أمورهم وما تعلق بدينهم من شرائع، كما سيأتي بيانه. قال المرداوي: "لا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين: بذل الجزية والتزام أحكام الملة من جريان أحكام المسلمين عليهم .. يلزم أن يأخذوهم بأحكام المسلمين في ضمان النفس والمال والعرض وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه" (٢). ولقد يعجب المرء وهو يتابع وسائل الإعلام تنفث سمومها حول هذا المصطح (أهل الذمة) حتى تخاله سُبة شنيعة، تطيش عند سماعه عقول كثيرين ممن لم يفهموا المعانى السامية والدقيقة التي تحملها هذه الكلمة، فأهل ذمة المسلمين هم - كما قال سليمان البجيرمي - أهل: "عهدهم وأمانهم وحرمتهم" (٣). و (ذمة الله وذمة رسوله) وصف جميل يشتمل على الكثير من التكريم، وقد أمر به في حق المسلمين الذين عَهِد الله ورسوله بالكف عن دمائهم وأموالهم، قال ﷺ : «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا؛ فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته» (٤) وكذلك فإن من ذمة الله التي يرقبها المسلم ما لا يعطاه إلا المؤمن الذي يصلي الفجر في جماعة، قال ﷺ : «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فيدركه فيكبه في نار جهنم» (٥)، فمن كان هذا حاله فهو في أمان الله وعهده وضمانه؛ فلا ينبغي أن يتعرض له أحد بالإيذاء. وهذا المعنى الرفيق هو ما نريده حين نسمي مواطنينا غير المسلمين (أهل ذمة الله ورسوله)، أي لهم عهد من الله ورسوله بالأمان، فينبغي على كل مسلم رعايته وعدم التعرض لهم بالإيذاء، قال ﷺ : «من قتل معاهَداً له ذمة الله وذمة رسوله , فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين عاماً» (٦). وبالعود إلى أصناف الكفار؛ فإن الصنف الثاني منهم (أهل العهد)، وهم الذين صالحهم إمام المسلمين أو هادنهم، قال ابن القيم: "أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال، لا تجري عليهم

стр. 7

أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، ولكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة" (١). وأما (المستأمن) فهو من يدخل بلاد المسلمين من أهل بلاد الحرب بأمان لغرض ما، لا على وجه الديمومة، قال النووي: "المستأمن هو الحربي الذي دخل دار الإسلام بأمان" (٢). وفصّل ابن القيم أقسام المستأمنين الذين يدخلون بلاد المسلمين لغير الاستيطان فهم على " أقسام: رسل وتجار ومستجيرون، وحكم هؤلاء ألا يهاجروا ولا يقتلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية" (٣)، ويندرج في هؤلاء سفراء الدول المعادية ودبلوماسيهم وصحفييهم ومن في حكمهم. والأصل في الأمان المعطى لهذه الأنواع جميعاً أن يكون من الوالي أو الحاكم المسلم، ولو أعطاه أحد من عامة المسلمين ثبت له، فقد أجارت زينب بنت النبي ﷺ أبا العاص بن الربيع , فأمضاه النبي ﵊ (٤). كما أمضى ﷺ جوار أم هانىء لأحمائها، فقال لها: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانىء, إنما يجير على المسلمين أدناهم» (٥). وعليه فأي مسلم أمَّن حربياً دخل بلاد المسلمين ثبت أمانه - كائناً من كان -، لأن «ذمة المسلمين واحدة, يسعى بها أدناهم, فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين , لا يُقبل منهم صرف ولا عدل» (٦). ويلحق بالمستأمن من كان له شبهة عهد، أو ادعاه ولم يقدر على إقامة الحجة عليه، فيلحق بالمستأمن احتياطاً لاحتمال صدقه، فالخطأ أولى من الجور، قال محمد بن الحسن الشيباني: "لو خرج من دار الحرب كافر مع مسلم، فادعى المسلمُ أسرَه، وادعى الآخر الأمان؛ فالقول قول الحربي" (٧). ومثله لو ادعى الحربي الذي دخل بلاد المسلمين أنه رسول، قال ابن قدامة: "إذا دخل حربي دار الإسلام بغير أمان , وادعى أنه رسول قُبِل منه, ولم يجز التعرض له؛

стр. 8

لقول النبي ﷺ لرسولي مسيلمة: «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما» " (١). وذلك أن العادة جارية بذلك. بل كل ما يشتبه على الحربي أنه أمان أعطاه المسلمون له؛ يصير أماناً له؛ ولو لم يكن كذلك، قال ابن قدامة: "وإن أشار إليه [مسلم] بالأمان فهو آمن .. وإن قال له: قف أو قم أو ألق سلاحك فقال أصحابنا: هو أمان؛ لأن الكافر يعتقده أماناً، فأشبه قوله: لا تخف" (٢). وممن يأمن بأمان المسلمين في بلادهم؛ التجار. قال أحمد: " إذا ركب القوم في البحر، فاستقبلهم فيه تجار مشركون من أرض العدو يريدون بلاد الإسلام لم يعرضوا لهم، ولم يقاتلوهم، وكل من دخل بلاد المسلمين من أهل الحرب بتجارة بويع، ولم يسأل عن شيء" (٣). وهكذا فالكافر إذا دخل بلاد المسلمين بعهد أو أمان، أو أقام بينهم؛ فهو في ذمة المسلمين وعهدهم، والله يقول: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً﴾ (الإسراء: ٣٤).

стр. 9

المبحث الأول: حقوق غير المسلمين في المجتمع المسلم تمتع غير المسلمين - المقيمون في بلاد المسلمين - بسلسلة من الضمانات التي منحها لهم المجتمع المسلم بهدي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ولسوف نعرض لأهم هذه الضمانات، ونوثقها بشهادة التاريخ ونصوص الفقهاء، حراس الشريعة، ورثة النبي ﷺ . أولاً: ضمان حرية المعتقد يعتقد المسلمون أن دينهم هو الحق المبين، وأن ما عداه ديانات إلهية حُرفت ثم نُسخت بالإسلام، أو ضلالات وتخبطات أوجدها البشر جهلاً منهم بحقيقة الدين والمعتقد أو بغياً وهوى، وأن كل ذلك يحيق بأصحابه عذاب النار. وقد أشفق المسلمون على إخوانهم في البشرية من هذا المصير المؤلم، وعملوا جهدهم على استنقاذهم منه ومن دياجير العيش في ظلال الكفر، ولم يدخروا جهداً في استمالة الأمم والشعوب التي اختلطوا بها إلى الإسلام، وذلك بما آتاهم الله من حجة ظاهرة وخلق قويم ودين ميسر تقبله الفطر، ولا تستغلق عن فهم مبادئه العقولُ. ولم يعمد المسلمون طوال تاريخهم الحضاري العظيم إلى إجبار الشعوب أو الأفراد الذين تحت ولايتهم، وذلك تطبيقاً لمجموعة من المبادئ الإسلامية التي رسخت فيهم هذا السلوك: أً. حتمية الخلاف وطبيعته إن التعدّد في المخلوقات وتنوّعها سنة الله في الكون وناموسه الثابت، فطبيعة الوجود في الكون أساسها التّنوّع والتّعدّد. والإنسانية خلقها الله وفق هذه السنة الكونية، فاختلف البشر إلى أجناس مختلفة وطبائع شتى، وكلّ من تجاهل وتجاوز أو رفض هذه السُّنة الماضية لله في خلقه، فقد ناقض الفطرة وأنكر المحسوس. واختلاف البشر في شرائعهم هو أيضاً واقع بمشيئة الله تعالى الكونية ومرتبط بحكمته، يقول الله: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ (المائدة: ٤٨). قال ابن كثير: "هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد" (١).

стр. 10

وقال تعالى: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ (هود: ١١٨ - ١١٩). قال ابن حزم: "وقد نص تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده، ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض به [شرعاً]، وإنما أراده تعالى إرادة كونٍ، كما أراد الكفر وسائر المعاصي" (١)، أي إرادة كونية، إذ لا يقع شيء إلا بعلم الله وقدرته ومشيئته، فلن يعصى الله قهراً. وقال ابن كثير في شرح قول الله: ﴿ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك﴾: "أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم .. قال الحسن البصري: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف" (٢). ولما كان الاختلاف والتّعدّد آية من آيات الله، فإنّ الذي يسعى لإلغاء هذا التّعدّد كلية، فإنما يروم محالاً ويطلب ممتنعاً، لذا كان لابد من الاعتراف بالاختلاف. ب. مهمة المسلمين الدعوة إلى الله لا أسلمة الناس أدرك المسلمون أن هداية الجميع من المحال، وأن أكثر الناس - كما أخبر الله - لا يؤمنون ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ (يوسف: ١٠٣)، وأدركوا أيضاً أن واجب الدعاة هو الدأب في دعوة الآخرين وطلب أسباب هدايتهم. فإن مهمتهم هي البلاغ فحسب، والله هو من يتولى حساب المعرضين في الآخرة، قال الله مخاطباً نبيه ﷺ : ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ (النحل: ٨٢). وقال تعالى: ﴿فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصيرٌ بالعباد﴾ (آل عمران: ٢٠). قال الإمام القرطبي: " فإن تولوا أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان؛ فإنما عليك البلاغ، أي ليس عليك إلا التبليغ، وأما الهداية فإلينا" (٣). قال الشوكاني في سياق شرحه لقول الله تعالى: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ (الرعد: ٤٠): " أي: فليس عليك إلا تبليغ أحكام الرسالة، ولا يلزمك حصول الإجابة منهم لما بلّغته إليهم، ﴿وعلينا الحساب﴾ أي: محاسبتهم بأعمالهم ومجازاتهم عليها، وليس ذلك عليك" (٤). وقال تعالى: ﴿فذكر إنما أنت مذكر - لست عليهم بمسيطر﴾ (الغاشية: ٢١ - ٢٢). ولذلك فإن المسلم لا يشعر بحالة الصراع مع ذاك الذي تنكب الهداية وأعرض عن أسبابها، فإنما حسابه على الله في يوم القيامة، فقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (البقرة: ٢٧٢). وقال له وللأمة من بعده: ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير﴾ (الشورى: ١٥).

стр. 11

ج. التكريم الإلهي للإنسان خلق الله آدم ﵇، وأسجد له ملائكته ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طيناً﴾ (الإسراء: ٦١)، وندبه وذريته من بعده إلى عمارة الأرض بمنهج الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (البقرة: ٣٠). ووفق هذه الغاية كرَّم الله الجنس البشري على سائر مخلوقاته ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً﴾ (الإسراء: ٧٠). وأكد نبينا ﷺ وصحبه من بعده - احترام النفس الإنسانية ومراعاة كرامتها، ففي الخبر أن سهل بن حنيف وقيس بن سعد كانا قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض، أي من الفرس. فقالا: إن النبي ﷺ مرت به جنازة فقام. فقيل له: إنها جنازة يهودي؟! فقال: «أليست نفساً» (١). ومن تكريم الله للجنس البشري ما وهبه من العقل الذي يميز به بين الحق والباطل ﴿وهديناه النجدين﴾ (البلد: ١٠)، وبموجبه وهبه الحرية والإرادة الحرة لاختيار ما يشاء ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً﴾ (الإنسان: ٣) ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾ (يونس: ٩٩). د. لا إكراه في الدين وبناء على ما تقدم فإن الإنسان يختار ما يشاء من المعتقد ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ (البقرة: ٢٥٦)، والله يتولى في الآخرة حسابه ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها﴾ (الكهف: ٢٩). قال ابن كثير: "أي لا تُكرِهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بَيِّن واضح؛ جليٌ دلائلُه وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته؛ دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره؛ فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً" (٢)؛ إذ الفائدة المرجوة من إسلام المدعو هي نجاته وهدايته ودخوله الجنة، وأما ادعاء الإسلام - إكراهاً وقهراً - فإنه لا يحقق شيئاً من ذلك، فهو عند الله كافر، بل هو من المنافقين ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً﴾ (النساء: ١٤٥)، ولا قيمة في أحكام الآخرة لتظاهره بالإسلام، فخسارته للجنة والنجاة هي الخسران العظيم، لذلك يقول الله تعالى: ﴿قل الله أعبد مخلصاً له ديني - فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ (الزمر: ١٤ - ١٥)، ويقول: ﴿وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون - الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون﴾ (الحج: ٦٨ - ٦٩)، فالإيمان - ابتداء - عمل قلبي،

стр. 12

فليس بمؤمن من لم ينطو قلبه على الإيمان، وتصريحه بلسانه غيرَ ما يعتقد لا يغير في حقيقة قائله ولا حكمه في أحكام الآخرة. وكذلك لا قيمة في أحكام الدنيا للمكره على الإسلام، فلا تلزمه أحكامه في الدنيا، قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة: "لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من خلفائه؛ أنه أجبر أحداً من أهل الذمة على الإسلام ... وإذا أُكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم؛ لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعاً؛ مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه، وإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام .. ولنا أنه أُكره على ما لا يجوز إكراهه عليه، فلم يثبت حكمه في حقه، كالمسلم إذا أكره على الكفر، والدليل على تحريم الإكراه قول الله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ (البقرة: ٢٥٦) " (١). وبمثله قال الفقيه الحنبلي ابن قدامة: "وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم؛ لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعاً" (٢). وهذا ما حصل بالفعل زمن الحاكم بأمر الله الذي يصفه الدكتور ترتون بالخبل والجنون، وقد كان من خبله أن أكره كثيرين من أهل الذمة على الإسلام، فسمح لهم الخليفة الظاهر بالعودة إلى دينهم، فارتد منهم كثير سنة ٤١٨هـ (٣). ولما أُجبر على التظاهر بالإسلام موسى بن ميمون فر إلى مصر، وعاد إلى دينه، ولم يعتبره القاضي عبد الرحمن البيساني مرتداً، بل قال: "رجل يكرَه على الإسلام، لا يصح إسلامه شرعاً"، وعلق عليها ترتون بقوله: "وهذه عبارة تنطوي على التسامح الجميل" (٤). وقد امتثل سلفنا هدي الله ، فلم يلزموا أحداً بالإسلام إكراهاً، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب قال لعجوز نصرانية: أسلمي تسلمي، إن الله بعث محمداً بالحق. فلم تقبل العجوز نصحه، وقالت: أنا عجوز كبيرة، والموت أقرب إليّ! فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا: ﴿لا إكراه في الدين﴾ (البقرة: ٢٥٦) (٥). ومثله صنع مع مملوكه أسبق، فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده عن أسبق قال كنت في دينهم مملوكاً نصرانياً لعمر بن الخطاب، فكان يعرض علي الإسلام، فآبى، فيقول: ﴿لا إكراه في الدين﴾ ويقول: (يا أسبق، لو أسلمتَ لاستعنّا بك على بعض أمور المسلمين) (٦). وفي الأثرين الأخيرين المنقولين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ما يدل على إحكام الآية، ورد على من زعم أن آية ﴿لا إكراه في الدين﴾ نزلت في وقت ضعف

стр. 13

المسلمين (١)، وأنها منسوخة، إذ النسخ يتضمن رفع حكم شرعي ثبت بدليل شرعي، فلا يصح هذا الرفع والنسخ إلا بدليل معتبر شرعاً، وكما يقول الشاطبي: "إن الأحكام إذا ثبتت على المكلف، فادعاء النسخ فيها لا يكون إلا بأمر محقق، لأن ثبوتها على المكلف أولاً محقق، فرفعها بعد العلم بثبوتها لا يكون إلا بمعلوم محقق .. فلا ينبغي قبول تلك الدعوى فيه إلا مع قاطع بالنسخ، بحيث لا يمكن الجمع بين الدليلين، ولا دعوى الإحكام فيهما. وهكذا يقال في سائر الأحكام، مكية كانت أو مدنية" (٢). ونقل السيوطي عن ابن الحصار الأنصاري قوله: "إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله ﷺ ، أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت آية كذا" .. ولا يعتمد في النسخ قول عوامّ المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح، ولا معارضة بيّنة" (٣). شهادات التاريخ في كيفية انتشار الإسلام لقد فقه المسلمون مبدأ عدم الإكراه على الدين ووعوه، فتركوا لرعاياهم من غير المسلمين حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر التعبدية، ولم يأمروا أحداً باعتناق الإسلام قسراً وكرهاً، ولن ننقل في هذا شهادات المسلمين؛ إذ لن تقنع الذين مازالوا يهرفون بما لا يعرفون، ويصرون على أن انتشار الإسلام في الأرض في غمضة من الزمان كان بسيف القوة؛ لا الحجة والبرهان، فلهؤلاء نسوق بعض أقوال المؤرخين المنصفين من غير المسلمين: يقول المؤرخ الإنجليزي توماس آرنولد في كتابه "الدعوة إلى الإسلام": "لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي، ولو اختار الخلفاء تنفيذ إِحدى الخطتين لاكتسحوا المسيحية بتلك السهولة التي أقصى بها فرديناند وإِيزابلا دين الإِسلام من أسبانيا" (٤). ويقول: "نستطيع أن نحكم بحق أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح" (٥). وينقل شهادة مهمة للبطريك النسطوري يشوع ياف الثالث (عيشو يابه) في رسالته إلى سمعان مطران ريفارشير ورئيس أساقفة فارس ينوح فيها على دخول شعب خراسان في الإسلام، ويقول: «أين أبناءك؛ أيها الأب الذي ثكل أبناءه؟ أين أهل مرو

стр. 14

العظماء، الذين على الرغم من أنهم لم يشهدوا سيفًا ولا نارًا ولا تعذيبًا .. واحسرتاه على هذه الآلاف المؤلفة التي تحمل اسم المسيحية .. فلماذا إذاً هجر شعبك من أهل مرو عقيدتهم من أجل هؤلاء العرب؟ ولماذا حدث ذلك أيضًا في وقت لم يرغمهم فيه العرب!؟» (١). وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه: "العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام" (٢). بل على عكس ما يشيعه الغربيون عن إجبار الناس على اعتناق الإسلام فإن المؤرخين الغربيين ينقلون باستغراب بعض الحوادث المشينة في تاريخنا عن كراهية بعض الأمراء دخول الناس في الإسلام، لكنها على كل حال تنقض ما يزعمه المفترون على الإسلام، تقول المؤرخة زيغرد: "لقد عسّر المنتصرون على الشعوب المغلوبة دخول الإسلام حتى لا يقللوا من دخلهم من الضرائب التي كان يدفعها من لم يدخل في الإسلام" (٣). ويقول ول ديورانت في سياق حديثه عن الخليفة عمر بن عبد العزيز: "وبينما كان أسلافه من خلفاء الأمويين لا يشجعون غير المسلمين في بلاد الدولة على اعتناق الإسلام، حتى لا تقل الضرائب المفروضة عليهم، فإن عمر قد شجع المسيحيين، واليهود، والزرادشتيين على اعتناقه، ولما شكا إليه عماله القائمون على شؤون المال من هذه السياسة التي ستفقر بيت المال أجابهم بقولهِ: (والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا، حتى نكون أنا وأنت حراثين نأكل من كسب أيدينا) " (٤). ويبين لنا توماس أرنولد أن خراج مصر كان على عهد عثمان اثنا عشر مليون دينار، فنقص على عهد معاوية حتى بلغ خمسة ملايين، ومثله كان في خراسان، فلم يسقط بعض الأمراء الجزية عمن أسلم من أهل الذمة، ولهذا السبب عزل عمر بن عبد العزيز واليه على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي، وكتب: "إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً" (٥). لقد كان انتشار الإسلام السريع في العالم القديم حدثاً مدوياً، تجاوز ما عرفته البشرية من زحف بطيء للأديان، لكن لا حيرة في تفسير هذه الظاهرة عند أحرار الفكر من غير المسلمين، لنستمع إليهم وهم يتحدثون بحقائق التاريخ عن السر في تقبل الشعوب للإسلام وإقبالها عليه.

стр. 15

وينقل الخربوطلي عن المستشرق دوزي في كتابه "نظرات في تاريخ الإسلام" قوله: "إن تسامح ومعاملة المسلمين الطيبة لأهل الذمة أدى إلى إقبالهم على الإسلام، وأنهم رأوا فيه اليسر والبساطة مما لم يألفوه في دياناتهم السابقة " (١). ويقول غوستاف لوبون: " إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن، فقد ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم .. فإذا حدث أن انتحل بعض الشعوب النصرانية الإسلام واتخذ العربية لغة له؛ فذلك لما كان يتصف به العرب الغالبون من ضروب العدل الذي لم يكن للناس عهد بمثله، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى" (٢). ويقول: "وما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحاتهم وفي سهولة اقتناع كثير من الأمم بدينهم ولغتهم .. والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل العرب، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم" (٣). ويوافقه المؤرخ ول ديورانت فيقول: "وعلى الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون، أو بسبب هذه الخطة اعتنق الدين الجديدَ معظمُ المسيحيين وجميع الزرادشتيين والوثنيين إلا عدداً قليلاً منهم .. واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلدان الممتدة من الصين وأندنوسيا إلى مراكش والأندلس، وتملَك خيالهم، وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث آمالاً تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها" (٤). ويضيف السير توماس أرنولد إلى التسامح سبباً آخر أخذ بنواصي الناس إلى الإسلام، وهو الإعجاب بحضارة الإسلام ومدنيته وآدابه: «وقد بلغ من تأثير الإِسلام في نفوس معظم الذين تحولوا إليه من مسيحي أسبانيا مبلغاً عظيماً، حتى سحرهم بهذه المدنية الباهرة، واستهوى أفئدتهم بشعره، وفلسفته، وفنه الذي استولى على عقولهم وبهر خيالهم .. أضف إِلى ذلك أن علوم المسيحيين وآدابهم لا بد أن تكون بدت فقيرة ضئيلة إذا ما قيست بعلوم المسلمين وآدابهم التي لا يبعد أن تكون دراستها في حد ذاتها، باعثاً على الدخول في دينهم. هذا إِلى أن الإِسلام في أسبانيا استطاع أن يثير في نفوس الأتقياء الجمال الذي ينشده الورعون والمتحمسون من جماعة إخوان الصفا» (٥). وثمة أسباب لا تتعلق بالإسلام نفسه دعت الناس إلى اعتناق الإسلام، فقد اختار

стр. 16

الكثيرون ترك أديانهم بسبب رجال الدين في هذه الملل، فقد رأى الناس منهم ما قوَّض تعلقهم بأديانهم، إضافة إلى ما لمسوه من قصور في شرائعهم التي عجزت عن تلبية حاجات معتنقيها الروحية، فأسلمتهم للإسلام طوعاً، ففي حديث السير أرنولد عن انتشار الإسلام بين المسيحيين، وبخاصة أهل مصر؛ يرى أن سبب ذلك هو فساد رجال الدين، وتخليهم عن واجبهم الروحي، فيتحدث أرنولد عن تسامح صلاح الدين الأيوبي مع أهل مصر وتخفيفه للضرائب عليهم، ثم يقول: "وفي عهد خلفاء صلاح الدين نعموا بمثل هذا التسامح والرعاية، قرابة قرن من الزمان، لم يكن هناك ما يشكون منه إلا ما اتصف به كهنتهم أنفسهم من الفساد والانحطاط، فقد فشت السيمونية بينهم، فبيعت مناصب القسيسين الذين اتصفوا بالجهل والرذيلة، على حين حيل بين الذين طلبوا التعيين وبين هذا المنصب المقدس بعجزهم عن أداء الأموال المطلوبة في احتقار وازدراء، مع أنهم كانوا من الجديرين بشغل هذا المنصب، وكان من أثر ذلك أن أهمل تثقيف الناس روحياً وخلقياً إهمالاً تاماً، وبلغت الحياة المسيحية درجة محزنة من الانحلال» (١). ومثل هذا حصل في بلاد النوبة (السودان)، حيث «يظهر أن النوبيين قد انساقوا من المسيحية إلى الإِسلام بالتدريج وفي بطء شديد، وكانت الحياة الروحية في كنيستهم قد انحدرت إلى أقصى دركات الانحطاط. ولما وجد المسيحيون أن لا أمل في قيام حركة للإِصلاح في مجتمعهم؛ وأنهم قد فقدوا الاتصال بكنائسهم التي تقع فيما وراء حدودهم؛ لم يكن من الطبيعي إلا أن ينشدوا ما يشفي غلتهم ويسد رمقهم الروحي في الدين الإسلامي الذي حمل أتباعه بين هؤلاء الدليل على قوة حيويته وقتاً طويلاً» (٢). ويقول روبرتسون في كتابه "تاريخ شارلكن": "لكنا لا نعلم للإسلام مجمعاً دينياً، ولا رسلاً وراء الجيوش، ولا رهبنة بعد الفتح، فلم يُكرَه أحد عليه بالسيف ولا باللسان، بل دخل القلوب عن شوق واختيار، وكان نتيجة ما أودع في القرآن من مواهب التأثير والأخذ بالأسباب" (٣). إن ما سقناه يذب دعاوى الناعقين بانتشار الإسلام بالسيف والغلبة، وينكأ جروحاً عميقة عن انتشار أديان أخرى ما فتئ بعض قادتها يطعنون في الإسلام، وكأني بهم لم يطلعوا على حقائق التاريخ التي تحدثنا أن الملك شارلمان خيَّر قبائل الألمان بين المعمودية (رمز الدخول في النصرانية) والسيف، فتعمد آلاف المقهورين خوفاً ووجلاً

стр. 17

، فقد "استخدم لذلك وسائل عنيفة جداً، فكان يضطر الألوف للدخول في مياه المعمودية تخلصاً من الموت الشنيع" (١). وأما محاكم التفتيش فقد خيرت يهود أسبانيا بين التنصر والنفي، ولم يظفر الهنود الحمر بفرصة النفي، فقد احتل كولمبوس بلادهم، وكان «هدفه المتعهد به هو تحويل الكفار الهنود إلى إيماننا المقدس»، ولَما لم يستجيبوا له تعرضوا للاستعباد والإبادة، ففي مكسيكو «جرى إحراق السكان المحليين الذين لم يتحولوا إلى المسيحية»، وسوغ مثل هذا الفعل مرسومٌ بابوي صدر عام ١٤٩٣م، وحكم القاضي إينسيسكو عام ١٥٠٩ بأن من حق الملك الأستيلاء على أموال الهنود الكفار وأرضهم، وأن يستعبدهم ويقتلهم كما فعل النبي يشوع بأهل كنعان (٢) أي وفقاً للكتاب المقدس (٣).

стр. 18

ثانياً: ضمان سلامة دور العبادة وإذا لم يجبر الإسلام من تحت ولايته على الدخول فيه؛ فإنه يكون بذلك قد ترك للناس حرية البقاء على أديانهم، وأول مقتضياته الإعراض عن ممارسة الآخرين لعباداتهم والسماح بها، وضمان سلامة دور العبادة. وهذا - بالفعل - ما ضمنه المسلمون في عهودهم التي أعطوها للأمم التي دخلت في ولايتهم أو عهدهم، فقد كتب النبي ﷺ لأهل نجران أماناً شمل سلامة كنائسهم وعدم التدخل في شؤونهم وعباداتهم، وأعطاهم على ذلك ذمة الله ورسوله، يقول ابن سعد: "وكتب رسول الله ﷺ لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم: أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانهم، وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته" (١). ووفق هذا الهدي السمح سار الخلفاء الراشدون من بعده ﷺ ، فقد ضمن الخليفة عمر بن الخطاب نحوه في العهدة العمرية التي كتبها لأهل القدس، وفيها: "بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أن لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم .. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين " (٢). ولما خاف عمر بن الخطاب ﵁ من انتقاض عهده لأهل القدس لم يصل في كنيسة القمامة (٣) حين أتاها، وجلس في صحنها، فلما حان وقت الصلاة قال للبترك: أريد الصلاة. فقال له البترك: صل موضعك. فامتنع عمر ﵁ وصلى على الدرجة التي على باب الكنيسة منفرداً، فلما قضى صلاته قال للبترك: (لو صليتُ داخل الكنيسة أخذها المسلمون بعدي، وقالوا: هنا صلى عمر). وكتب لهم أن لا يجمع على الدرجة للصلاة، ولا يؤذن عليها، ثم قال للبترك: أرني موضعاً أبني فيه مسجداً فقال: على الصخرة التي كلم الله عليها يعقوب، ووجد عليها دماً كثيراً، فشرع في إزالته" (٤). وقد نقل هذه الحادثة بإعجاب المستشرق درمنغم في كتابه " The live of Mohamet" فقال: "وفاض القرآن والحديث بالتوجيهات إلى التسامح، ولقد طبق الفاتحون المسلمون الأولون هذه التوجيهات بدقة، عندما دخل عمر القدس أصدر أمره للمسلمين أن لا يسببوا أي إزعاج للمسيحيين أو لكنائسهم، وعندما دعاه البطريق للصلاة في كنيسة

стр. 19

القيامة امتنع، وعلل امتناعه بخشيته أن يتخذ المسلمون من صلاته في الكنيسة سابقة، فيغلبوا النصارى على الكنيسة"، ومثله فعل ب سميث في كتابه: "محمد والمحمدية" (١). وبمثل كتاب عمر لأهل أورشليم كتب ﵁ لأهل اللُد في فلسطين. وبمثله أيضاً كتب عياض بن غنم ﵁ لأهل الرقة، ولأسقف الرها (٢). وحين فتح خالد بن الوليد دمشق كتب لأهلها: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله وذمة رسول الله ﷺ والخلفاء والمؤمنين" (٣). وتضمن كتابه ﵁ لأهل عانات عدم التعرض لهم في ممارسة شعائرهم وإظهارها: "ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم" (٤). وفي عهد التابعين أكد أمراء المسلمين وفقهاؤهم على ضمان دور العبادة لمواطنيهم من غير المسلمين، فكتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى عماله: "لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار" (٥). وحين أخل بعض حكام المسلمين بهذه الحقوق؛ اعتبر المسلمون ذلك ظلماً محرماً، وأمر أئمة العدل بإزالته، وسعوا في إبطاله، ومن ذلك أن الوليد بن عبد الملك أخذ كنيسة يوحنا من النصارى قهراً، وأدخلها في المسجد، فاعتبر المسلمون ذلك من الغصب المحرم، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة؛ شكا إليه النصارى ذلك، فكتب إلى عامله يأمره برد ما زاد في المسجد عليهم، فاسترضاهم المسلمون، وصالحوهم، فرضوا (٦). كما شكا النصارى إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز في شأن كنيسة أخرى في دمشق أقطعها بعض أمراء بني أمية لبني نصر، فردها إليهم (٧). وفي القرن الهجري الرابع وقعت فتنة بين المسلمين والنصارى فهدم المسلمون ونهبوا أربع كنائس «فرفع النصارى الأمر إلى المقتدر فوقَّع لهم ببنيان هذه الكنائس» (٨). وفي سرده لأحداث سنة ٧٦٧هـ ذكر ابن كثير أن الأفرنج دخلوا الإسكندرية، وففعلوا بأهلها الأفاعيل «وعاثوا في أهلها فساداً، يقتلون الرجال، ويأخذون الأموال ويأسرون النساء والأطفال .. وقد أسروا خلقاً كثيراً يقاومون [أي يزيدون على] الأربعة آلاف، وأخذوا من الأموال ذهباً وحريراً وبهاراً وغير ذلك ما لا يحدُّ ولا يوصف ..

стр. 20

فسمع للأسارى [وهم في سفن الإفرنج] من العويل والبكاء والشكوى والجأر إلى الله والاستغاثة به وبالمسلمين ما قطع الاكباد، وذرفت له العيون وأصم الاسماع، فإنا لله وإنا إليه راجعون». وأما هذا الحدث الجلل فقد صدرت مراسيم إلى نائب السلطان في الشام «بمسك النصارى من الشام جملة واحدة، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم لعمارة ما خرب من الإسكندرية، ولعمارة مراكب تغزو الفرنج، فأهانوا النصارى وطلبوا من بيوتهم بعنف وخافوا أن يقتلوا، ولم يفهموا ما يراد بهم، فهربوا كل مهرب». فماهو موقف العلماء وما هو حكم الشريعة في مثل هذا؟ الإفرنج يعتدون على المسلمين في الإسكندرية، والمسلمون يأخذون ربع أموال النصارى ويهينونهم، فهل هذا جائز في شريعة الإسلام؟ يقول ابن كثير: «ولم تكن هذه الحركة شرعية، ولا يجوز اعتمادها شرعاً»، ثم يحكي عن زيارته لنائب السلطان، وأنه قال له: «هذا لا يجوز اعتماده في النصارى .. هذا مما لا يسوغ شرعاً، ولا يجوز لاحد أن يفتي بهذا، ومتى كانوا باقين على الذمة يؤدون إلينا الجزية ملتزمين بالذلة والصغار، وأحكام الملة قائمة، لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد - الفرد - فوق ما يبذلونه من الجزية»، ثم ذكر ورود الأمر من السلطان برد الأموال لنساء النصارى دون الرجال، فعقب عليه ابن كثير بما يدل على فرحه المنقوص لعدم إرجاع الكل، فقال: «وإن كان الجميع [أي ما أُخذ من الرجال والنساء] ظلماً، ولكن الأخذ من النساء أفحش وأبلغ في الظلم» (١). لقد كان التاريخ خير شاهد على التزام المسلمين بالجملة بالمحافظة على دور عبادة أهل الكتاب المبادئ، ويمكننا الاطلاع على شهادته بتقليب بعض الصفحات التي سجلها مؤرخو الغرب والشرق عن سماحة المسلمين مع مواطنيهم، وبخاصة فيما يتعلق بسلامة دور العبادة ومن فيها. يقول ول ديورانت: "لقد كان أهل الذمة: المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم" (٢). وينقل ترتون وأرنولد شهادة مهمة للبطريك النسطوري يشوع ياف الثالث (عيشو يابه)، سجلها في رسالته إلى سمعان مطران ريفارشير ورئيس أساقفة فارس: " وإِن العرب الذين منحهم الله سلطان الدنيا .. ومع ذلك فهم لا يحاربون العقيدة المسيحية، بل على العكس، يعطفون على ديننا، ويكرمون قسسنا وقديسي الرب، ويجودن بالفضل على الكنائس والأديار" (٣).

стр. 21

ويتحدث السير أرنولد عن فتح مصر وما قدمه المسلمون للأقباط: «وقد جلب الفتح الإِسلامي إِلى هؤلاء القبط حياة تقوم على الحرية الدينية التي لم ينعموا بها قبل ذلك بقرن من الزمان، وقد تركهم عمرو أحراراً على أن يدفعوا الجزية، وكفل لهم الحرية في إِقامة شعائرهم الدينية، وخلصهم بذلك من هذا التدخل المستمر الذي أنُّوا من عبئه الثقيل في ظل الحكم الروماني، ولم يضع عمرو يده على شيء من ممتلكات الكنائس، ولم يرتكب عملاً من أعمال السلب والنهب .. وليس هناك شاهد من الشواهد يدل على أن ارتدادهم عن دينهم القديم ودُخولهم في الإِسلام على نطاق واسع كان راجعاً إِلى اضطهاد أو ضغط يقوم على عدم التسامح من جانب حكامهم الحديثين، بل لقد تحول كثير من هؤلاء القبط إِلى الإِسلام قبل أن يتم الفتح» (١). ويقول المفكر الأسباني بلاسكوا أبانيز في كتابه "ظلال الكنيسة" (ص ٦٤) متحدثاً عن الفتح الإسلامي للأندلس: "لقد أحسنت أسبانيا استقبال أولئك الرجال الذين قدموا إليها من القارة الإفريقية، وأسلمتهم القرى أزمتها بغير مقاومة ولا عداء، فما هو إلا أن تقترب كوكبة من فرسان العرب من إحدى القرى؛ حتى تفتح لها الأبواب وتتلقاها بالترحاب .. كانت غزوة تمدين، ولم تكن غزوة فتح وقهر .. ولم يتخل أبناء تلك الحضارة زمناً عن فضيلة حرية الضمير، وهي الدعامة التي تقوم عليها كل عظمة حقة للشعوب، فقبلوا في المدن التي ملكوها كنائس النصارى وبِيَع اليهود، ولم يخشَ المسجدُ معابدَ الأديان التي سبقته، فعرف لها حقها، واستقر إلى جانبها، غير حاسد لها، ولا راغب في السيادة عليها" (٢). وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه: " المسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها؛ سمح لهم جميعاً دون أي عائق يمنعهم بممارسة شعائر دينهم، وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى، أو ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال؟ ومتى؟ " (٣).

стр. 22

ثالثاً: حرية ممارسة العبادة ولم يتوقف المسلمون عند المحافظة على دور العبادة وضمان سلامتها، بل طالب الفقهاء المسلمون بتأمين حقوق رعاياهم في العبادة وضمان عدم إشغالهم في أوقاتها، فقرروا أنه "يحرم إحضار يهودي في سبته، وتحريمه باق بالنسبة إليه، فيستثنى شرعاً من عمل في إجازة، لحديث النسائي والترمذي وصححه: «وأنتم يهود عليكم خاصة ألا تعدوا في السبت» (١). وصوناً لاختيار غير المسلم في فعل ما هو جائز في دينه؛ فإن أمان الذمي في المجتمع المسلم يسري على كل ماله، ولو كان محرَّماً أو مهدر القيمة عند المسلمين وفي شريعتهم، وفي هذا الصدد ينقل الطحاوي إجماع المسلمين على حرية أهل الذمة في أكل الخنازير والخمر وغيره مما يحل في دينهم، فيقول: "وأجمعوا على أنه ليس للإمام منع أهل الذمة من شرب الخمر وأكل لحم الخنازير واتخاذ المساكن التي صالحوا عليها، إذا كان مِصراً ليس فيه أهل إسلام (أي في بلادهم التي هم فيها الكثرة) " (٢). وقال الإمام مالك: "إذا زنى أهل الذمة أو شربوا الخمر فلا يعرض لهم الإمام؛ إلا أن يظهروا ذلك في ديار المسلمين ويُدخلوا عليهم الضرر؛ فيمنعهم السلطان من الإضرار بالمسلمين" (٣). وقال فقيه الأندلس أبو الوليد الباجي: " إن أهل الذمة يقرون على دينهم ويكونون من دينهم على ما كانوا عليه، لا يمنعون من شيءٍ منه في باطن أمرهم، وإنما يمنعون من إظهاره في المحافل والأسواق" (٤). وهذا الذي قرره الفقهاء في زمن عز الدولة الإسلامية وتمكنها؛ امتثله أمراء المسلمين وحكامهم بقدر التزامهم بتعاليم دينهم، فعاش مواطنونا؛ غير المسلمين في كنف الدولة الإسلامية، وهم يتمتعون بحرية العبادة وإقامة شعائرهم الدينية، يقول ول ديورانت: "وكان اليهود في بلاد الشرق الأدنى قد رحبوا بالعرب الذين حرروهم من ظلم حكامهم السابقين .. وأصبحوا يتمتعون بكامل الحرية في حياتهم وممارسة شعائر دينهم .. وكان المسيحيون أحراراً في الاحتفال بأعيادهم علناً، والحجاج المسيحيون يأتون أفواجاً آمنين لزيارة الأضرحة المسيحية في فلسطين .. وأصبح المسيحيون الخارجون على كنيسة الدولة البيزنطية، الذين كانوا يلقون صوراً من الاضطهاد على يد بطاركة القسطنطينية وأورشليم والاسكندرية وإنطاكيا، أصبح هؤلاء الآن أحراراً آمنين تحت حكم المسلمين" (٥). وينقل معرب "حضارة العرب" قول روبرتسن في كتابه "تاريخ شارلكن": "إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان

стр. 23

الأخرى، وإنهم مع امتشاقهم الحسام نشراً لدينهم، تركوا مَن لم يرغبوا فيه أحراراً في التمسك بتعاليمهم الدينية". وينقل أيضاً عن الراهب ميشود في كتابه "رحلة دينية في الشرق" (ص ٢٩) قوله: "ومن المؤسف أن تقتبس الشعوب النصرانية من المسلمين التسامح، الذي هو آية الإحسان بين الأمم واحترام عقائد الآخرين وعدم فرض أي معتقد عليهم بالقوة" (١). وأما المؤرخ الإنجليزي السير توماس أرنولد، فيقول: " لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة " (٢). يقول المؤرخ الإسباني الدكتور إغناسيو أولاغي في كتابه المثير للجدل "العرب لم يغزوا إسبانيا": "فخلال النصف الأول من القرن التاسع كانت أقلية مسيحية مهمة تعيش في قرطبة وتمارس عبادتها بحرية كاملة". ويستشهد بقول القس إيِلُوج: "نعيش بينهم دون أنْ نتعرض إلى أيّ مضايقات فيما يتعلق بمعتقدنا" (٣). ويقول الدكتور فيليب حِتّى: "وقد رحب سكان البلاد الساميون في سوريا وفلسطين والحاميون في مصر بالعرب، واعتبروهم أقرب نسباً إليهم من حكامهم الأغراب الطغاة، وفضلاً عن ذلك فالجزية التي فرضها الفاتحون كانت أقل من التي جباها سابقوهم؛ في حين سمح للمغلوبين على أمرهم بممارسة دينهم بحرية أوسع وطمأنينة أكبر" (٤). ولم يتدخل المسلمون في الشؤون التفصيلية لمواطنيهم من أهل الذمة، ولم يجبروهم على التحاكم أمام المسلمين وإن طلبوا منهم الانصياع للأحكام العامة للشريعة المتعلقة بسلامة المجتمع وأمنه، ونقل العيني عن الزهري قوله: "مضت السنة أن يرد أهل الذمة في حقوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إلى أهل دينهم؛ إلا أن يأتوا راغبين في حكمنا، فنحكم بينهم بكتاب الله تعالى" (٥). كما نقل عن ابن القاسم قوله: " إن تحاكم أهل الذمة إلى حاكم المسلمين ورضي الخصمان به جميعاً؛ فلا يحكم بينهما إلا برضا من أساقفهما، فإن كره ذلك أساقفهم فلا يحكم بينهم، وكذلك إن رضي الأساقفة ولم يرض الخصمان أو أحدهما لم يحكم بينهما" (٦).

стр. 24

وقد سجل المؤرخون هذا البُعد الجميل في تسامح المسلمين، وأنهم تركهم لمواطنيهم حق التحاكم إلى شرائعهم وبواسطة قسسهم ورجال دينهم، يقول آدم متز: "ولما كان الشرع الإسلامي خاصاً بالمسلمين، فقد خلَّت الدولة الإسلامية بين أهل الملل الأخرى وبين محاكمهم الخاصة بهم، والذي نعلمه من أمر هذه المحاكم أنها كانت محاكم كنسية، وكان رؤساء المحاكم الروحيون يقومون فيها مقام كبار القضاة أيضاً، وقد كتبوا كثيراً من كتب القانون، ولم تقتصر أحكامهم على مسائل الزواج، بل كانت تشمل إلى جانب ذلك مسائل الميراث وأكثر المنازعات التي تخص المسيحيين وحدهم مما لا شأن للدولة به" (١). ويقول أيضاً: "أما في الأندلس، فعندنا من مصدر جدير بالثقة أن النصارى كانوا يفصلون في خصوماتهم بأنفسهم، وأنهم لم يكونوا يلجؤون للقاضي إلا في مسائل القتل" (٢). وأما الدكتور فيليب حتِّى فيقول: "وقد تمتع أهل الذمة في هذا الوضع بقسط وافر من الحرية لقاء تأديتهم الجزية والخراج، وكانوا يرجعون في قضاياهم المدنية والجزائية إلى رؤسائهم الروحيين؛ إلا إذا كانت القضية تمس مسلماً" (٣). لكن مما ينبغي ذكره هنا أن الكثيرين من أهل الذمة رغبوا في التحاكم إلى التشريع الإسلامي، ورغبوا أن تكون مواريثهم حسب ما قررته الشريعة الإسلامية (٤)، متذرعين بنقصان تشريعاتهم الدينية وعدم شموليتها وعجزها عن تحقيق المطالب الحياتية للمؤمنين بها، وهذا ما حدا بالجاثليق تيموثاوس في حوالي سنة (٢٠٠هـ، ٨٠٠م) إلى تأليف كتاب عن الأحكام القضائية المسيحية، وفرض على من يتحاكم إلى محاكم المسلمين طائعاً أن يتوب ويتصدق ويقوم على المسح والرماد (٥).

стр. 25

رابعاً: حسن العشرة والمعاملة الحسنة أمر الله في القرآن الكريم المسلمين ببر مخالفيهم في الدين، الذين لم يتعرضوا لهم بالأذى والقتال، وذلك ما ينطبق على مواطنينا من اهل الأديان وكذلك أهل سائر البلدان غير المسلمة، فكل هؤلاء يصدق فيهم قول الله: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ (الممتحنة: ٨). قال الطبري: "عنى بذلك لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم .. وقوله: ﴿إن الله يحب المقسطين﴾ يقول: إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم" (١). والبر أعلى أنواع المعاملة، فقد أمر الله به في باب التعامل مع الوالدين، وقد وضحه رسول الله ﷺ بقوله: «البر حسن الخلق» (٢). ويعدد الإمام القرافي صوراً للبر يرى أن الآية تأمر المسلم بها، وتحكم من خلالها علاقته مع غير المسلمين ممن لم يحاربهم في الدين ولا الأرض، فيقول: " ولين القول على سبيل اللطف لهم والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة (٣)، واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته، لطفاً منا بهم، لا خوفاً وتعظيماً، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، نصيحتهم في جميع أمور دينهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم .. وكل خير يحسُن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله، ومن العدو أن يفعله مع عدوه، فإن ذلك من مكارم الأخلاق .. نعاملهم - بعد ذلك بما تقدم ذكره - امتثالاً لأمر ربنا وأمر نبينا ﷺ " (٤). وقد تجلى حسن الخلق عند المسلمين في تعاملهم مع غيرهم في كثير من تشريعات الإسلام التي أبدعت الكثير من المواقف الفياضة بمشاعر الإنسانية والرفق. فقد أوجب الإسلام حسن العشرة وصلة الرحم حتى مع الاختلاف في الدين، فقد أمر الله بحسن الصحبة للوالدين؛ وإن بذلا الجهد في رد ابنهما عن التوحيد إلى الشرك، فإن ذلك لا يقطع حقهما في بره وحسن صحبته: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما

стр. 26

ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ (لقمان: ١٥). قال ابن كثير: " إن حرصا عليك كل الحرص، على أن تتابعهما على دينهما؛ فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك أن تصاحبهما في الدنيا ﴿معروفاً﴾ أي محسناً إليهما" (١). وقد جاءت أسماء بنت الصديق إلى رسول الله ﷺ تقول: يا رسول الله، قدمت عليّ أُمّي وهي راغبة، أفأَصِلُ أُمي؟ فأجابها الرحمة المهداة: «صِلِي أُمَّك» (٢). قال الخطابي: "فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة، ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة؛ وإن كان الولد مسلماً" (٣). قال محمد بن الحسن: "يجب على الولد المسلم نفقة أبويه الذميين لقوله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ (لقمان: ١٥)، وليس من المصاحبة بالمعروف أن يتقلب في نعم الله، ويدعهما يموتان جوعاً، والنوازل والأجداد والجدات من قبل الأب والأم بمنزلة الأبوين في ذلك، استحقاقهم باعتبار الولاد بمنزلة استحقاق الأبوين" (٤). وفي مثل آخر لصلة الرحم - وإن كانت كافرة - يقول عبد الله بن مروان: قلت لمجاهد: إن لي قرابة مشركة، ولي عليه دين، أفأتركه له؟ قال: نعم. وصِله (٥). ويمتد البر وصلة الرحم بالمسلم حتى تبلغ الرحم البعيدة التي مرت عليها المئات من السنين، فها هو ﷺ يوصي أصحابه بأهل مصر خيراً، براً وصلة لرحم قديمة تعود إلى إبراهيم ﵊، حيث قال ﷺ : «إنكم ستفتحون مصر .. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذِمة ورحِماً» (٦). قال النووي: " وأما الذمة فهي الحرمة والحق , وهي هنا بمعنى الذمام، وأما الرحم فلكون هاجر أم إسماعيل منهم" (٧). ومن البر وصلة الأرحام عيادة المريض، فقد عاد النبي ﷺ عمه أبا طالب في مرضه (٨)، وعاد أيضاً جاراً له من اليهود في مرضه، فقعد عند رأسه (٩).

стр. 27

ومن صور البر التي تهدف إلى كسب القلوب واستلال الشحناء؛ الهدية، وقد أهدى النبي ﷺ إلى مخالفيه في الدين، من ذلك ما رواه ابن زنجويه أن رسول الله أهدى إلى أبي سفيان تمر عجوة، وهو بمكة، وكتب إليه يستهديه أدماً، فأهدى إليه أبو سفيان (١). وقبِل ﷺ في خيبر هدية زينب بنت الحارث اليهودية، لكنها هدية غدر لا مودة، فقد أهدت له شاة مشوية دست له فيها السم (٢). وفي مرة أخرى دعا يهودي النبي ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة، فأجابه ﷺ (٣). كما قبِل النبي ﷺ هدايا الملوك إليه، فقِبل هدية المقوقس، وهدية ملك أيلة أكيدر، وهدية كسرى (٤). قال ابن قدامة: "ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب لأن النبي ﷺ قبل هدية المقوقس صاحب مصر" (٥). وأهدى النبيُّ ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ حُلّةً ثمينة، فأهداها عمر ﵁ أخيه بمكة كان يومئذ مشركاً (٦). قال النووي: " وفي هذا دليل لجواز صلة الأقارب الكفار , والإحسان إليهم, وجواز الهدية إلى الكفار" (٧). ويروي البخاري في الأدب المفرد عن مجاهد أنه سمع عبد الله بن عمرو ﵁ يقول لغلام له يسلخ شاة: يا غلام إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي. فقال رجل من القوم: اليهودي أصلحك الله!؟ فقال: سمعت النبي ﷺ يوصي بالجار، حتى خشينا أنه سيورثه (٨). وحين تحدث الفقهاء عن حقوق الضيف رأوا وجوبها لكل ضيف، سواء كان مسلماً أم غير مسلم، قال أبو يعلى: "وتجب الضيافة على المسلمين للمسلمين والكفار لعموم الخبر، وقد نص عليه أحمد في رواية حنبل، وقد سأله إن أضاف الرجل ضيفان من أهل الكفر؟ فقال: قال ﷺ : «ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم»، دل على أن المسلم والمشرك مضاف .. يعم المسلم والكافر" (٩). ومن حق الضيافة إكرام الضيف على قدر الاستطاعة، وقد صنعه النبي ﷺ لما

стр. 28

جاءه عدي بن حاتم، يقول عدي: "أتيتُ رسولَ الله ﷺ وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئتُ بغير أمان ولا كتاب، فلما دُفعتُ إليه أخذ بيدي .. حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها" (١). ومن أعظم أنواع البر وصوره؛ دعاءُ النبي ﷺ لغير المسلمين، وهو بعض رحمته ﷺ للعالمين، ومنه دعاؤه لقبيلة دوس، وقد قدم عليه الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا: يا رسول الله إن دوساً قد كفرت وأبت؛ فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس - أي ستهلك بدعائه عليها - فقال ﷺ : «اللهم اهد دوساً، وائت بهم» (٢). ولما قيل له ﷺ في موطن آخر: يا رسول الله، ادع على المشركين .. قال: «إنّي لم أبعث لعّاناً، وإنّما بعثت رحمةً» (٣).

стр. 29

خامساً: العدل في معاملتهم ورفع الظلم عنهم بعث الله نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (١)، وهو كما يرى ابن عبد البر «حديث مدني صحيح، ويدخل في هذا المعنى الصلاح والخير كله، والدين والفضل والمروءة والإحسان والعدل؛ فبذلك بعث ليتممه ﷺ » (٢). وإن من أهم المُثل ومكارم الأخلاق التي جاء محمد ﷺ لحمايتها وتتميمها؛ العدل، وهو غاية قريبة ميسورة إذا كان الأمر متعلقاً بإخوة الدين أو النسب، وغيرها مما يتعاطف له البشر. لكن صدق هذه الخُلة إنما يظهر إذا تباينت الأديان وتعارضت المصالح، وهو ما يعنينا في هذا المبحث، فما هو حكم الإسلام في العدل مع غير المسلمين، وهل حقق المسلمون ما دعاهم إليه دينهم أم خالفوه؟ لقد أمر القرآن الكريم بالعدل، وخصَّ - بمزيد تأكيده - على العدل مع المخالفين الذين قد يظلمهم المرء بسبب الاختلاف والنفرة، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (المائدة: ٨). قال القرطبي: "ودلت الآية أيضاً على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يُقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المُثلة بهم غير جائزة، وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا، وغمّونا بذلك؛ فليس لنا أن نقتلهم بمثله قصداً لإيصال الغم والحزن إليهم" (٣). وقال البيضاوي: "لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمُثلة وقذف وقتل نساء وصِبية ونقض عهد، تشفياً مما في قلوبكم ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ أي: العدل أقرب للتقوى " (٤). وتمضي الآيات القرآنية لترسم للمؤمنين طريقة التعامل مع أعدائهم من الكافرين الذين يحاربونهم في دينهم ويصدونهم عن قبلتهم، فتأمر بالعدل مرة أخرى، وتحذر من الاعتداء الذي قد يستدعيه الشنآن ﴿ولا يجرمنكم شنآن قومٍ أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا

стр. 30

الله إن الله شديد العقاب﴾ (المائدة: ٢). وأعلم الله تعالى المؤمنين بمحبته للذين يعدلون في معاملتهم مع مخالفيهم في الدين الذين لم يتعرضوا لهم بالأذى والقتال، فقال: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين﴾ (الممتحنة: ٨). فالعدل مع الآخرين موجب لمحبة الله. وحذر النبي ﷺ من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم، وجعل نفسه الشريفة خصماً للمعتدي عليهم، فقال: «من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة» (١). وأكد أن ظلم غير المسلم موجب لانتقام الله الذي يقبل شكاته ودعوته على ظالمه المسلم، فقال ﷺ : «اتقوا دعوة المظلوم - وإن كان كافرًا - فإنه ليس دونها حجاب» (٢). ولمزيد التأكيد يوصي رسول الله ﷺ المسلمين بعدم التعرض للمستضعفين من غير المسلمين بالظلم والتسلط، فيقول: «لعلكم تقاتلون قوماً فتظهرون عليهم، فيتقوكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم، فيصالحونكم على صلح، فلا تصيبوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يصلح لكم» (٣). لذا لما سأل رجل ابن عباس فقال: إنا نمر بأهل الذمة، فنصيب من الشعير أو الشيء؟ فقال الحبر ترجمان القرآن: (لا يحل لكم من ذمتكم إلا ما صالحتموهم عليه) (٤). ولما كتب النبي كتاب صلحه لأهل نجران قال فيه: «ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه، ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين» (٥). أما منتهى الظلم وأشنعه، فهو قتل النفس بغير حق، لهذا جاء فيه أشد الوعيد وأعظمه، يقول ﷺ : «من قتل معاهَداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً» (٦). قال ابن حجر: "المراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم" (٧). ومن الطريف أن الخوارج الذين استباحوا دماء المسلمين وأوغلوا فيها توقفوا عن قتل أهل الذمة خشية نقض عهدهم. قال ابن حجر: "الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة فقالوا: نفي لهم بعهدهم" (٨).

стр. 31

وقال ﷺ : «أيما رجل أمّن رجلاً على دمه، ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتول كافراً» (١). قال ابن القيم: " المستأمن يحرم قتله، وتضمن نفسه، ويقطع بسرقة ماله" (٢). ويقول القرطبي: "الذمي محقون الدم على التأبيد، والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقِق ذلك: أنّ المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنّما يحرم بحرمة مالكه" (٣). وقد ذهب جمع من العلماء على أن المسلم يقتل بقتله النفس المعصومة من غير المسلمين، وتأولوا الحديث الوارد في النهي عن ذلك. ويروي عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي أن رجلاً مسلماً قتل رجلاً من أهل الذمة من أهل الحيرة على عهد عمر، فأقاد منه عمر (٤). ويروي الشافعي في مسنده أن رجلاً من المسلمين أُخذ على عهد علي ﵁ وقد قتل رجلاً من أهل الذمة، فحكم عليه بالقصاص، فجاء أخوه، واختار الدية بدلاً عن القود، فقال له علي ﵁: "لعلهم فرقوك أو فزّعوك أو هددوك؟ " فقال: لا، بل قد أخذت الدية، ولا أظن أخي يعود إلي بقتل هذا الرجل، فأطلق علي القاتل، وقال: "أنت أعلم، من كانت له ذمتنا، فدمه كدمنا، وديته كديتنا" (٥). ويحدث ميمون بن مهران أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض أمرائه في مسلم قتل ذميّاً، فأمره أن يدفعه إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه. يقول ميمون: فدفع إليه، فضرب عنقه، وأنا أنظر (٦). ولئن اختلف الفقهاء في مسألة قتل المسلم بالذمي؛ فإنهم لم يختلفوا في عظم الجناية وشناعة الفعل، كما لم يختلفوا في وجوب العدل مع مخالفيهم في الدين ووجوب كف الأذى والظلم عنهم. قال ﷺ : «إن الله لم يُحِلَّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضَرْبَ نسائهم، ولا أكلَ ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم» (٧). ويرى ابن عابدين في حاشية الدر المختار وجوب " كف الأذى عن الذمي، وتحرم غيبته كالمسلم" (٨). ويفسر ابن عابدين ذلك بقوله: "لأنه بعقد الذمة وجب له ما لنا، فإذا حرمت غيبة المسلم حرمت غيبته، بل قالوا: إن ظلم الذمي أشد" (٩).

стр. 32

قال القرافي: "عقد الذمة يوجب حقوقاً علينا لهم، لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عِرْض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك؛ فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﷺ وذمة دين الإسلام" (١). وشواهد عدل المسلمين مع أهل ذمتهم كثيرة، منها العدل معهم في خصومتهم مع الخلفاء والأمراء، ومنه خصومة الخليفة علي بن أبي طالب ﵁ مع يهودي في درعه التي فقدها ثم وجدها عند يهودي، فاحتكما إلى شريح القاضي، فحكم بها لليهودي، فأسلم اليهودي وقال: "أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء! أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه، فيقضي لي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت من بعيرك الأورق". فقال علي ﵁: أما إذ أسلمت فهي لك (٢). ومنه أيضاً قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر وابنه، وقد اقتص الخليفة للقبطي في مظلمته، وقال مقولته التي أضحت مثلاً: "يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ " (٣). ولما كان ابن رواحة ﵁ يخرص ليهود خيبر حاولوا رشوته فأبى، وقال: (وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي). فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قد أخذنا، فاخرجوا عنا (٤). ومن عجيب الأخبار، أخبار عدل الخلفاء مع أهل ذمة الله ورسوله والمؤمنين؛ أن عمير بن سعد ﵁ ترك ولاية حمص لإساءته إلى ذمي، فقد قال للخليفة مستعتباً عن الرجوع إلى الإمارة: (إن ذلك لسيء، لا عملت لك، ولا لأحد بعدك، والله ما سلِمت، بل لم أسلم، قلت لنصراني: أخزاك الله، فهذا ما عرضتني به يا عمر، وإن أشقى أيامي يوماً خلفت معك يا عمر)، ولم يجد الخليفة بُداً من قبول هذه الاستقالة، فتقبلها على مضض وهو يقول: (وددت أن لي رجلاً مثل عمير بن سعد استعين به على أعمال المسلمين) (٥). وفي تاريخ دمشق أن عميراً ﵁ قال للخليفة عمر: " فما يؤمنني أن يكون محمد ﷺ خصمي يوم القيامة، ومن خاصمه خصمه" (٦). ولما ولي أمير العدل عمر بن عبد العزيز أمر مناديه أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي يشكو الأمير العباس بن الوليد بن عبد الملك في ضيعة له أقطعها الوليد لحفيده العباس، فحكم له الخليفة بالضيعة، فردها عليه (٧).

стр. 33

وفي أحيان أخرى لم يأخذ المسلمون العدل من خصومهم، بل عفوا وتجاوزوا كما جرى زمن معاوية بن أبي سفيان حين نقض أهل بعلبك عهدهم مع المسلمين، وفي أيدي المسلمين رهائن من الروم، فامتنع المسلمون من قتلهم، ورأوا جميعاً تخلية سبيلهم، وقالوا: "وفاء بغدر خير من غدر بغدر". قال هشام: وهو قول العلماء، الأوزاعي وغيره (١). ولم يخلُ تاريخنا - على وضاءته - من بعض المظالم التي وقعت لغير المسلمين، وقد وقع مثلها للمسلمين من قبل بعض أمراء الجور وغيرهم، فمثل هذا لا يخلو منه مجتمع ما، لكنه لم يكن في تاريخنا ممنهجاً، ولم يزعم فاعلوه أن الدين أمرهم به، ولم يرض به فقهاء الإسلام، بل استنكروه، ورأوا فيها جوراً وخروجاً عن رسوم الشريعة، ومنه أن هشام بن حكيم بن حزام ﵁ مرّ على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية، فقال هشام: أشهد لسمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا». قال: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين، فدخل عليه، فحدثه، فأمر بهم فخُلوا (٢). ولما خاف الخليفة الوليد بن يزيد من نصارى قبرص؛ أجلاهم من بلادهم، فاستفظع المسلمون ذلك، واعتبروه من الظلم والإخلاف لعهد الذمة، يقول إسماعيل بن عياش: "فاستفظع ذلك المسلمون، واستعظمه الفقهاء، فلما ولي يزيد بن الوليد ردهم إلى قبرص، فاستحسن المسلمون ذلك من فعله، ورأوه عدلاً" (٣). كما حطَّ الخليفة عمر بن عبد العزيز عن أهل قبرص ألف دينار زادها عبد الملك عما في عهد معاوية ﵁ لهم، ثم ردها عليهم هشام بن عبد الملك، فلما كانت خلافة أبي جعفر المنصور أسقطها عنهم، وقال: "نحن أحق من أنصفهم، ولم نتكثر بظلمهم" (٤). ومثله صنع الأوزاعي فقيه الشام حين أجلى الأمير صالح بن علي بن عبد الله بن عباس أهل ذمة من جبل لبنان، فكتب إليه الأوزاعي: "فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يُخرَجوا من ديارهم وأموالهم؟ وحكم الله تعالى: ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (النجم: ٣٨)، وهو أحق ما وقف عنده واقتدي به، وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله ﷺ فإنه قال: «من ظلم ذميًا أو كلَّفه فوق طاقته فأنا حجيجه» ... فإنهم ليسوا بعبيد، فتكونَ في حِلٍ من تحويلهم من بلد إلى بلد، ولكنهم أحرار أهلُ ذمة" (٥). كما وقعت بين المسلمين ومواطنيهم فتن قليلة ما كان لها أن تشوه صفحة التعايش الجميل الذي أرساه الإسلام طوال قرون متعاقبة، فمثل هذه الوقائع القليلة حصلت بين المسلمين أنفسهم، لكن آدم متز ينبهنا إلى براءة المسلمين في كثير مما وقع من فتن بينهم وبين مواطنيهم من أهل الذمة، إذ «أكثر الفتن التي وقعت بين النصارى

стр. 34

والمسلمين بمصر نشأت عن تجبر المتصرفين الأقباط» (١)، والمتصرفون الذين يعنيهم آدم متز هم نصارى أوكل إليهم المسلمون رعاية شؤون أهل دينهم من النصارى، فأساؤوا التصرف، وكانوا سبباً للوقيعة بين المسلمين والنصارى في «أكثر الفتن». ويمضي متز ليقول بتعجب بالغ بأن المسلمين نالهم الأذى من بعض هؤلاء المسؤولين من أهل الذمة: «من الأمور التي نعجب لها كثرة عدد العمال [أي المسؤولين] والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الإسلامية، فكان النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام، والشكوى من تحكيم أهل الذمة في أبشار المسلمين وأموالهم شكوى قديمة ... وكانت الحركات التي يقصد بها مقاومة النصارى موجهة أولاً إلى محاربة تسلط أهل الذمة على المسلمين» (٢). وحتى نستفيد من إخفاقات التعايش في تاريخنا فإنه ينبغي علينا الوقوف بصدق مع أسباب تلك المشكلات ومسبباتها؛ فإن التاريخ كثيراً ما يعيد نفسه، والعاقل يتعظ من غيره، ولا يقبل أن يكون عبرة لغيره. عندما اجتاح التتار بلاد المسلمين سنة ٦٥٨هـ فعل هولاكو الأفاعيل ببغداد وحلب وغيرها من مدائن المسلمين، ثم دخلوا دمشق فعاثوا فيها، وسلموها إلى أمير منهم نصراني يدعى (إبل سيان)، فركن إليه نصارى دمشق، وأحدثوا خيانة جرت إلى ويلات يذكرها ابن كثير في تاريخه: «فاجتمع به أساقفتهم وقسوسهم، فعظمهم جداً، وزار كنائسهم، فصارت لهم دولة وصولة بسببه، وذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو وأخذوا معهم هدايا وتحفاً، وقدموا من عنده ومعهم أمان فرمان من جهته، ودخلوا من باب توما، ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس، هم ينادون بشعارهم، ويقولون: ظهر الدين الصحيح؛ دين المسيح، ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أواني فيها خمر، لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمراً، وقماقم ملآنة خمراً يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أن يقوم لصليبهم، ودخلوا من درب الحجر، فوقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان، ورشوا عنده خمراً، وكذلك على باب مسجد درب الحجر الصغير والكبير .. فوقف خطيبهم إلى دكة دكان في عطفة السوق، فمدح دين النصارى، وذم دين الإسلام وأهله، ثم دخلوا بعد ذلك إلى كنيسة مريم وكانت عامرة، ولكن هذا سبب خرابها»، ثم يحكي ابن كثير عن شكوى المسلمين للوالي (إبل سيان) ما فعله النصارى، فأهانهم وطردهم. وما هي إلا شهور معدودات حتى انتصر المسلمون في عين جالوت، فجرى منهم ما لا يحسن ذكره من الانتقام «وفرح المؤمنون بنصر الله فرحاً شديداً، وأيد الله الإسلام وأهله تأييداً، وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين، وظهر دين الله وهم كارهون، فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب، فانتهبوا ما فيها، وأحرقوها، وألقوا النار فيما حولها، فاحترق دور كثيرة للنصارى،

стр. 35

وملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، وأُحرق بعض كنيسة اليعاقبة»، وهكذا فإن ما وقع من أحداث مؤسفة كان ردة فعل من المسلمين لما حصل قبل من النصارى، ولم يكن موقفاً دينياً، سببه اختلاف الأديان؛ بدليل ما يقوله ابن كثير في تتمة الخبر: «وهمت طائفة بنهب اليهود، فقيل لهم: إنه لم يكن منهم من الطغيان كما كان من عبدة الصلبان» (١). وفي أحداث سنة ٧٤٠هـ يحكي ابن كثير عن حريق كبير وقع في دمشق أتى على سوقها ومئذنة مسجدها والكثير من المساكن والمدارس، وسببه «أن جماعة من رؤس النصارى اجتمعوا في كنيستهم وجمعوا من بينهم مالاً جزيلاً، فدفعوه إلى راهبين قدما عليها من بلاد الروم، يحسنان صنعة النفط .. ولما تحقق نائب السلطنة أن هذا من فعلهم؛ أمر بمسك رؤوس النصارى، فأمسك منهم نحواً من ستين رجلاً، فأخذوا بالمصادرات والضرب والعقوبات وأنواع المثلات، ثم بعد ذلك صلب منهم أزيد من عشرة على الجمال» (٢) ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولا يرتضي الإنصاف أن نقارن أمثال تلك المشكلات العارضة بملابساتها الظرفية مع ما يحكيه تاريخ النصارى في معاملتهم لإخوانهم في الدين والمعتقد حين خالفوهم في بعض القضايا، ومن ذلك ما حكاه المؤرخ النصراني ساويرس ابن المقفع، فقد ذكر بأن هرقل أوصى جيشه فقال: «إن قال أحد: إن مجمع خليقدونية حق؛ فخلوه، ومن قال: إنه ضلال وكذب؛ أغرقوه في البحر .. ثم إن هرقل أقام أساقفة في بلاد مصر كلها إلى أنصنا، وكان يبلي أهل مصر بلايا صعبة، وكمثل الذئب الخاطف كان يأكل القطيع الناطق ولا يشبع» (٣) وحكى ابن المقفع صورة من هذا العذاب بما تعرض له الأب مينا أخو البابا بنيامين، فقد "نزل عليه بلايا عظيمة، وأشعل في جنبيه المشاعل؛ حتى خرج شحم كِلاه من جنبه، وقلع أضراسه وأسنانه باللكم لاعترافه بالأمانة"، وذلك كله قبل إغراقه في البحر (٤). وبمثل هذه الفظائع تحدث التاريخ عن قرار المجمع الكاثوليكي المقدس عام ١٥٦٨م بإعدام جميع سكان هولندا، ولم يستثنِ القرار من الثلاثة ملايين الساكنين في هولندا إلا بعض الموافقين للكنيسة، والذين ذكرهم القرار بأسمائهم (٥). وكان هذا المجمع قد أصدر قراراً عام (١٤٨٦م) باسم البابا أنوسنت الثاني يبيح اغتصاب الهراطقة المسيحيين وقتلهم (٦). وقد تم تنفيذ مجازر تشيب لهولها الوِلدان، كمذبحة قرية بيزيريس (١٢٠٩م)، حيث عزم البابا أنوسنت على تطهير جنوب فرنسا من الهراطقة، ولما كان سكان القرية مزيجاً بين الكاثوليك والكاثريين، ولم يمكن للقائد التفريق بينهم؛ فقد اقترح رئيس الدير

стр. 36

أرنود قتل جميع سكان القرية، قائلاً: «اقتلوهم جميعاً لأن الرب يعرف جماعته» (١)، فقتل ما يربو على ٢٠ ألفاً، وأوصلته بعض التقديرات إلى مائة ألف. لكن مذبحة سان بارثليمبو عام ١٥٧٢م في باريس كانت أكبر منها، فقد راح ضحيتها سبعون ألف برتستنتي بمباركة من الكنيسة الكاثوليكية (٢). وحتى لا أطيل على قارئي الكريم فإني أختصر بنقل مقالة البابا إنوسنت الثالث، فهي تجسد روح تلك الفترة: «إن أي إنسان سوف يحاول بناء رأي شخصي عن الرب يتعارض مع عقيدة الكنيسة ينبغي حرقه من دون شفقة» (٣). وبالعود إلى المجتمع المسلم وعلاقته بغير المسلمين المقيمين فيه؛ فإن العلماء والخلفاء المسلمون ما زالوا يتواصون بحقوق أهل الذمة، كلٌ يحذر أن تخفر ذمة الله وذمة نبيه ﷺ وهو شاهد، لأجل ذلك حرصوا على تفقد أحوالهم ومعرفة أمورهم، ومن ذلك أن وفداً من أهل الذمة جاء إلى عمر، قال عمر للوفد: (لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى وبأمور لها ما ينتقضون بكم؟) فقالوا: ما نعلم إلا وفاء وحسن ملكة (٤). ويرسل عمر كتاباً إلى عامله أبي عبيدة، فيقول موصياً بأهل الذمة: "وامنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم، وأكل أموالهم إلا بحلها، ووفِ لهم بشرطهم الذي شرطت لهم في جميع ما أعطيتهم" (٥). ولما جاءه مال الجباية سأل ﵁ عن مصدره مخافة العنت والمشقة على أهل الذمة، ففي الأثر عنه ﵁ "أنه أتي بمال كثير، أحسبه قال: من الجزية. فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس؟ قالوا: لا، والله ما أخذنا إلا عفواً صفواً. قال: بلا سوط ولا نوط؟ قالوا: نعم. قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني " (٦). ولما جاء عمر ﵁ الشام تلقاه المقلسون من أهل أذرعات بالسيوف والريحان يلعبون بين يديه. فكره عمر لعبهم، وأمر بمنعهم. فقال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين هذه سُنتهم، وإنك إن منعتهم منها يروا أن في نفسك نقضاً لعهدهم. فقال عمر: دعوهم. وفي رواية ابن زنجويه أنه قال: (دعوهم، عمرُ وآلُ عمر في طاعة أبي عبيدة) (٧) فقد كره ﵁ مساءتهم، وأن يظنوا به النقض، فأذعن لقول أبي عبيدة. ولما تدانى الأجل به ﵁ لم يفُته أن يوصي المسلمين برعاية أهل الذمة الذين قتله واحد منهم (أبو لؤلؤة المجوسي)، فقال: (أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيراً، وأن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتلوا من ورائهم، وألا يكلفوا فوق طاقتهم) (٨) فكأنهم ﵁ خشي أن يؤدي مقتله على يد واحد منهم إلى إجحاف في حق إخوانه من أهل الذمة. وكتب إلى واليه في مصر: "واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك، فإنه قال ﵎ في كتابه: ﴿واجعلنا للمتقين إماماً﴾ (الفرقان: ٧٤) يريد [أي من

стр. 37

المؤمن] أن يُقتدى به، وأن معك أهل ذمة وعهد، وقد أوصى رسول الله ﷺ بهم، وأوصى بالقبط فقال: «استوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً»، ورحِمُهم أن أم إسماعيل منهم، وقد قال ﷺ : «من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته؛ فأنا خصمه يوم القيامة» احذر يا عمرو أن يكون رسول الله ﷺ لك خصماً، فإنه من خاصمه خَصَمه" (١). وكتب علي بن أبي طالب ﵁ بلسان الوجِل من ربه إلى عماله على الخراج: "إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة، شتاءً ولا صيفاً، ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحداً منهم سوطاً واحداً في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عَرَضاً في شيء من الخراج، فإنا إنما أمرنا الله أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتُك" (٢). ولما فتح المسلمون دمشق ولي قسم منازلها بين المسلمين سبرة بن فاتك الأسدي، فكان ينزل الرومي في العلو، وينزل المسلم في السفل؛ لأنْ لا يضر المسلم بالذمي (٣). ويدخل فقيه عصره أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة على الخليفة هارون الرشيد يذكره برعاية أهل الذمة وتفقد أحوالهم، ويستميل قلبه بذكر قرابته من رسول الله ﷺ صاحب ذمتهم، فيقول: "وقد ينبغي يا أمير المؤمنين - أيدك الله - أن تتقدم بالرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد ﷺ ، والتفقد لهم حتى لا يظلموا، ولا يؤذوا، ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم" (٤). وقد شهد المؤرخون بسمو حضارتنا في هذا الباب، فقد اعترف بريادتنا له نصارى حمص حين كتبوا إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁: " لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم"، ثم أغلقوا أبواب المدينة في وجه الروم إخوانهم في العقيدة (٥). وتنقل المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها الماتع " شمس العرب تسطع على الغرب" شهادة مهمة من بطريك بيت المقدس، فتقول: " فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: إنهم يمتازون بالعدل، ولا يظلموننا البتة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف" (٦).

стр. 38

سادساً: التكافل الاجتماعي لعل من أهم الضمانات التي يقدمها الإسلام لغير المسلمين - الذين يقيمون في المجتمع المسلم - كفالتهم ضمن نظام التكافل الإسلامي. فإن الله بعث نبيه ﷺ رحمة للعالمين ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء: ١٠٧)، وقد أمر ﷺ المسلمين أن يتصفوا بصفة الرحمة، في تعاملهم فيما بينهم ومع غيرهم، بل وحتى مع الحيوان، فقال ﷺ : «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» (١)، وكلمة الناس لفظة عامة تشمل كل أحد، دون اعتبار لجنس أو دين. قال ابن بطال: "فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق , فيدخل المؤمن والكافر والبهائم والمملوك منها وغير المملوك" (٢). ومن صور رحمة المسلمين بالحيوان ما يحكيه لنا الأنبا ايسذورس عن رحمة عمرو بن العاص بحمامة بنت عشها على فسطاطه بين المقطم وحصن بابليون، فلما أراد الجند التوجه للإسكندرية وشرعوا في هدم الخيام لحظوا الحمامة وعشها، فقال عمرو: "لقد احتمت بجوارنا، حرام علينا أن نخون بها، وقد استجارت وتحصنت بِحمانا، اتركوا فسطاطي منصوبة لها إلى أن يطير فراخها"، وترك عمرو رجلاً يحرس الحمامة وفراخها، ثم لما رجع من الاسكندرية بنى في محله مدينة الفسطاط (٣). وحث الإسلام أيضاً المؤمنين وألزمهم بالإحسان والبر في معاملة من لا يعتدي على المسلمين، فقال ﵎: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ (البقرة: ١٩٥). وقد جعل الإسلام دفع الزكاة إلى مستحقيها من المسلمين وغيرهم ركناً من أركان الإسلام، فقال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ (التوبة: ٦٠) قال القرطبي: " ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة .. وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب" (٤). ويقول السرخسي: "لنا أن المقصود سد خلة المحتاج ودفع حاجته بفعل هو قربة من المؤدي، وهذا المقصود حاصل بالصرف إلى أهل الذمة، فإن التصديق عليهم قربة

стр. 39

بدليل التطوعات، لأنّا لم ننه عن المبرة لمن لا يقاتلنا، قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ (الممتحنة: ٨) " (١). ولئن كان الخلاف بين الفقهاء قوياً في بر أهل الذمة من أموال الزكاة المفروضة، فإنهم أجازوا دفع الكفارة الواجبة إلى أهل الذمة، بل قدمهم الكاساني فيها حتى على المسلم، لأنها "وجبت لدفع المسكنة، والمسكنة موجودة في الكفرة، فيجوز صرف الصدقة إليهم، كما يجوز صرفها إلى المسلم، بل أولى، لأن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الإسلام ويحملهم عليه" (٢). وأمر القرآن الكريم ورغَّب بالصدقة على غير المسلمين، فقد روى أبو عبيد أن بعض المسلمين كان لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، يريدوهم أن يسلموا، فنزلت: ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾ (البقرة: ٢٧٢) (٣). وقد جاء في مراسيل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تجري عليهم " (٤). وعليه قد أجاز فقهاء الشريعة التصدق على أهل الذمة، يقول أبي رزين: كنت مع سفيان بن سلمة، فمر عليه أسارى من المشركين، فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً﴾ (الإنسان: ٨). يقول أبو عزيز بن عمير: كنت في الأسارى يوم بدر، فقال رسول الله ﷺ : «استوصوا بالأسارى خيراً»، وكنت في نفر من الأنصار، وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني الخبز، بوصية رسول الله ﷺ إياهم (٥). كما أجاز الفقهاء الوقف لهم، واعتبروه من وجوه البر التي يحبها الله، يقول محمد بن الحسن الشيباني: "ويصح [الوقف] على أهل الذمة؛ لأنهم يملكون ملكاً محترماً، وتجوز الصدقة عليهم .. وإذا جازت الصدقة عليهم جاز الوقف عليهم كالمسلمين، وروي أن صفية زوج النبي ﷺ وقفت على أخ لها يهودي، ولأن من جاز أن يقف عليه الذمي جاز أن يقف المسلم عليه كالمسلم، ولو وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين من أهل الذمة وغيرهم؛ صح" (٦). وهذا كما رأينا بعض البر والعدل الذي حثَّ عليه القرآن الكريم، حين ذكر أهل الذمة المسالمين الذين لا يعتدون على المسلمين، فقال: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب

стр. 40

المقسطين﴾ (الممتحنة: ٨). ويفصل الإمام القرافي في شرحه للبر والعدل المأمور به في معاملة غير المسلمين، فيقول: "وأما ما أمر به من برِّهم من غيرمودة باطنية، فالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم .. وصون أموالهم، وعيالهم، وأعراضهم، وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم لجميع حقوقهم ... " (١). ويقول القرشي المالكي في شرحه على مختصر خليل: "دفع الضرر وكشف الأذى عن المسلمين أو ما في حكمهم من أهل الذمة من فروض الكفايات، من إطعام جائع وستر عورة، حيث لم تفِ الصدقات ولا بيت المال بذلك" (٢). ووفق هذا الهدي سلك أصحاب النبي ﷺ من بعده، فكتب خالد بن الوليد ﵁ لنصارى الحيرة: "وجعلتُ لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله" (٣). وروى ابن زنجويه بإسناده أن عمر بن الخطاب رأى شيخاً كبيراً من أهل الجزية يسأل الناس فقال: (ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير) (٤). وفي رواية أن عمر أخذ بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: (انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ (التوبة: ٦٠) والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب)، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه (٥). وكان مما أمر به ﵁: "من لم يطق الجزية خففوا عنه، ومن عجز فأعينوه" (٦). ومر ﵁ في الجابية على مجذومين من أهل الذمة، فأمر أن يعطوا من صدقات المسلمين، وأن يجرى عليهم القوت من بيت المال (٧). وكتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى واليه عدي بن أرطأة: "وانظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب؛ فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه" (٨). وقد سجل هذه الرعاية الفريدة المستشرق بارتولد في كتابه "الحضارة الإسلامية"،
следующие страницы →