ويرفعها، ولنتأمل ما ذكره لوقا في وصف الجموع وحزنهم على المسيح الذي ظنوه مصلوباً " وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان، رجعوا وهم يقرعون صدورهم، وكان جميع معارفه ونساء كن قد تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرن ذلك " (لوقا ٢٣/ ٤٨ - ٤٩).
ولو كان ما يقوله النصارى في الفداء صحيحاً لكان ينبغي أن يحتفلوا بموت المسيح لخلاص البشرية وخلاصهم من الذنب الذي ناءت بحمله البشرية قروناً مديدة.
الخلاص والفداء في الأسفار الكتابية
كما ينبغي حمل النصوص المتحدثة عن المسيح المخلص على المعاني التي أطلقها الكتاب، لا المعاني التي يقررها بولس والكنيسة في مجامعها، فقد تحدث الكتاب المقدس عن عدد من الفادين والمخلصين، وليس في شيء منها المعنى الذي زعمه بولس وأضرابه.
فقد سمت التوراة موسى فادياً، وهو لم يمت كفارة لأحد، "هذا موسى الذي أنكروه قائلين: من أقامك رئيساً وقاضياً، هذا أرسله الله رئيساً وفادياً بيد الملاك الذي ظهر له في العليقة، هذا أخرجهم صانعاً عجائب وآيات في أرض مصر وفي البحر الأحمر، وفي البرية أربعين سنة" (أعمال ٧/ ٣٥)، فالمقصود الخلاص الدنيوي من يد فرعون وجنوده.
وهذا المعنى من معاني الفداء والخلاص معروف في الأسفار التوراتية التي تحدثت عن الفادي من أهوال الدنيا وشدائدها، وهي تذكر نجاة بني إسرائيل من المصائب "أخرجكم الرب بيد شديدة، وفداكم من بيت العبودية من يد فرعون ملك مصر" (التثنية ٧/ ٨)، ومثله في (التثنية ١٣/ ٥).
ومثله في قوله: "اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب، ولا تجعل دم بري في
стр. 212
وسط شعبك إسرائيل، فيغفر لهم " (التثنية ٢١/ ٨ - ٩).
وكذا في سفر المزامير سمى الربَ فادياً "الرب فادي نفوس عبيده، وكل من اتكل عليه لا يعاقب" (المزامير ٣٤/ ٢٢).
وفي نص آخر يؤكد إشعيا هذا المعنى للفداء والخلاص، فيقول: " هكذا قال الرب فادي إسرائيل: قدوسُه للمهان النفس، لمكروه الأمة، لعبد المتسلطين" (إشعيا ٤٩/ ٧)، فأطلق على الله لقب الفادي والمخلص، فالفداء أو الخلاص له معان أوسع من الذبيحة والمعاوضة التي يصر عليها بولس.
ومن هذا النوع من الخلاص ما قام به المخلص أهود "وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب، فأقام لهم الرب مخلّصاً أهود بن جيرا البنياميني" (القضاة ٣/ ١٥).
فهذه النصوص جميعاً تتحدث عن فداء وخلاص أرضي، وهذا الخلاص رحمة من الله وفضل، ولا يحتاج لدم يسفكه الفادي.
ومهمة الخلاص والفداء الذي سيقدمه المسيح لا تختلف عن هذا المعنى، فقد حصر زكريا الكاهن مهمة الفداء المسيحي بالفداء والخلاص الأرضي، فالمسيح القادم سيخلص شعبه من أعدائهم، كما تتابع على البشارة بذلك الأنبياء، ومثلهم زكريا الذي شكر الله على نعمة المسيّا المولود "قائلاً: مبارك الرب إله إسرائيل، لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه، وأقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه، كما تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر، خلاص من أعدائنا ومن أيدي جميع مبغضينا، ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس، القسم الذي حلف لإبراهيم أبينا، أن يعطينا أننا بلا خوف مُنقَذين من أيدي أعدائنا، نعبده بقداسة وبر قدامه جميع أيام حياتنا" (لوقا ١/ ٦٨ - ٧٥).
يقول الأب متى المسكين: "الخلاص الذي يتكلم عنه زكريا الكاهن ليس هو
стр. 213
الخلاص الروحي، بل الخلاص من الأعداء الظاهرين المستولين على البلاد، كذلك الفداء .. فتصور الخلاص الذي رآه زكريا بأنه على مستوى القرن الضارب هو تصوير قديم يناسب ما قبل الصليب، لذلك يبقى سر الخلاص إلى آخر لحظة في العهد القديم منحجباً .. فالخلاص هو خلاص سياسي بمعنى التحرر من عبودية الرومان والوقوع تحت ظلم حكومتهم وعدائهم، وهذا هو الذي كان يقصده زكريا من قوله السابق". (١)
وهكذا فزكريا يتنبأ عن المسيح الفادي الذي تكلم عنه الأنبياء القديسون منذ الدهر، المسيح الذي يخلص شعبه من أعدائهم، كما حلف الرب لإبراهيم، ولم ينسب زكريا إلى الأنبياء معرفة الخلاص المسيحي، فهم لا يعرفون عنه شيئاً.
وما قلناه في حق الأنبياء يقوله القس سمعان كلهون عن معاصري المسيح من اليهود "فإنهم انتظروه مسيحاً، لكنهم توقعوا منه خلاصاً زمنياً فقط". (٢)
وهنا يحسن أن نتوقف مع الأب المسكين الذي رفض تصور زكريا للفداء ولوظيفة المسيا القادم، وأشار إلى ضعف هذا التصور وقصوره وخطئه وسذاجته حين قال: "تصوير قديم يناسب ما قبل الصليب"، وكأني بالأب المسكين لم يتنبه إلى أن هذا المفهوم الذي فهمه زكريا ونسبه إلى الأنبياء، إنما يستمده من كلام الروح القدس ووحيه، فالنص في مقدمته صريح في ذلك "وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس، وتنبأ قائلاً: مبارك الرب إله إسرائيل ... " (لوقا ١/ ٦٧)، فهل كان المعنى المسيحي للفداء والخلاص محجوباً عن الروح القدس كما هو محجوب عن الأنبياء؟
стр. 214
ثم شرع زكريا بالحديث عن ابنه المعمدان مبيناً دوره في هداية قومه إلى طريق الخلاص، فقال: "وأنت أيها الصبي، نبيَّ العلي تدعى، لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعدّ طرقه، لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم، بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المشرق من العلاء، ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، لكي يهدي أقدامنا في طريق السلام " (لوقا ١/ ٧٦ - ٧٩)، فليس المقصود بالفداء والخلاص ما يذكره النصارى عن الخلاص من الدينونة بدم المسيح، بل الفداء والتطهير والخلاص من مكر الأعداء وتسلطهم، ويكون بالتوبة والعمل الصالح.
وعلى هذا النحو سمى التلميذان المسيحَ فادياً، فقالا: " كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه. ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل " (لوقا ٢٤/ ٢٠ - ٢١)، أي كنا نرجو أن يكون خلاص بني إسرائيل من أعدائهم على يديه، لكنهم صلبوه وقتلوه.
ومن هذا الباب قول لوقا: «لأن ابن الإنسان قد جاء، لكي يطلب، ويخلص ما قد هلك» (لوقا ١٩/ ١٠)، وهو قول يتعلق به النصارى القائلون بأن المسيح جاء ليخلصنا بدمه المسفوح على خشبات الصليب، لكن النص يتحدث عن خلاص وقع لزكا رئيس العشارين في أريحا حين تاب وتعهد بدفع نصف أمواله للمساكين ورد المظالم إلى أهلها «فقال له يسوع: اليوم حصل خلاص لهذا البيت؛ إذ هو أيضًا ابن إبراهيم، لأن ابن الإنسان قد جاء، لكي يطلب، ويخلص ما قد هلك» (لوقا ١٩/ ٩ - ١٠)، فالمسيح خلَّص زكا حين أرشده إلى التوبة والإيمان والعمل الصالح، وهو خلاص جاء به أنبياء الله أجمعين، ولا يشير النص ـ من قريب أو بعيد ـ إلى الخلاص الذي يتحدث عنه النصارى بدم المسيح المذبوح.
عقيدة الفداء والوثنيات السابقة
سؤال يطرح نفسه: من أين أتى بولس بهذه العقيدة؟ هل هي من إبداعاته الذاتية أم أنه استقاها من مصادر قديمة؟ وإن كان كذلك فما هي هذه المصادر؟ وما مقدار استفادة بولس منها؟
стр. 215
الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها سطرها الأستاذ محمد طاهر التنير في كتابه الماتع "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية"، وعنه ننقل الكثير من صور التشابه التي نذكرها.
وراثة الذنب
مسألة وراثة الذنب مسألة معروفة في الفكر اليهودي قبل المسيحية بقرون عدة، وقد وردت عدة نصوص تتحدث عنها وتؤكدها، منها " صانع الإحسان لألوف، ومجازي ذنب الآباء في حضن بنيهم بعدهم، الإله العظيم الجبار رب الجنود اسمه " (إرميا ٣٢/ ١٨).
ومثله ما جاء في سفر التثنية: " لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر " (التثنية ٢٣/ ٢).
وجاء في سفر العدد " الرب طويل الروح كثير الإحسان يغفر الذنب والسيئة، ولكنه لا يبرئ، بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع " (العدد ١٤/ ١٨ - ١٩).
وفي سفر الخروج " غافر الإثم والمعصية والخطيئة، ولكنه لن يبرئ إبراء، مفتقد إثم الآباء في الأبناء، وفي أبناء الأبناء في الجيل الثالث والرابع " (الخروج ٣٤/ ٧).
ومثله ما نسبوه إلى دواد أنه قال: " هأنذا بالإثم صورت، وبالخطيئة حبلت بي أمي " (المزمور ٥١/ ٥). (١)
وقد تحدث إرميا عن احتجاج بني إسرائيل على هذا الظلم (انظر إرميا ١٦/ ١٠ - ١٣).
стр. 216
وقد ناقش النبي حزقيال - كما جاء في سفره - بني إسرائيل في مسألة وراثة الذنب " أنتم تقولون: لماذا لا يحمل الابن من إثم الأب؟!
ها كل النفوس هي لي ... النفس التي تخطئ تموت، الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون ... " (حزقيال ١٨/ ٤ - ٣٢).
فقد أقرت هذه النصوص التوراتية عقيدة وراثة الذنب والتضامن في الخطيئة، غير أن أحداً منها لم يكن يتحدث عن الخطيئة الأصلية لآدم، والتي يتعلق النصارى بها، لكن أصل الفكرة وارد في الفكر اليهودي الذي نشأ فيه بولس ثم نقله للنصرانية وسطره في رسائله.
فمن أين جاء اليهود بفكرة وراثة الذنب؟ هل هو من صناعتهم، أم أنه منقول عن غيرهم؟
والصحيح هو أن فكرة وراثة الذنب منقولة عن الأمم الوثنية التي جاورت اليهود وانتشر فيها هذا الفكر، وهذا الذي عابه عليهم الكتاب المقدس " وصاروا باطلاً وراء الأمم الذين حولهم، والذين أمرهم الرب أن لا يعملوا مثلهم ... فغضب الرب جداً على إسرائيل ونحاهم من أمامه " (الملوك (٢) ١٧/ ٩ - ١٨).
ومن أقدم القائلين بوراثة الذنب، الهنود الوثنيون، وقد نقل المؤرخ هورينور وليمس أن من تضراعاتهم: "إني مذنب، ومرتكب الخطيئة، وطبيعتي شريرة، وحملتني أمي بالإثم، فخلصني يا ذا العين الحندقوقية، يا مخلص الخاطئين، يا مزيل الآثام والذنوب ". (١)
стр. 217
فكرة الفادي في الوثنيات القديمة
سرى في كثير من الوثنيات السابقة على المسيحية فكرة الفادي والمخلص الذي يفدي شعبه أو قومه، وكانت الأمم البدائية القديمة تضحي بطفل محبوب، لاسترضاء السماء، وفي تطور لاحق أضحى الفداء بواسطة مجرم حكم عليه بالموت، وعند البابليين كان الضحية يلبس أثواباً ملكية، لكي يمثل بها ابن الملك، ثم يجلد ويشنق.
وعند اليهود خصص يوم للكفارة يضع فيه كاهن اليهود يده على جدي حي، ويعترف فوق رأسه بجميع ما ارتكب بنو إسرائيل من مظالم، فإذا حمل الخطايا أطلقه في البرية.
ومعلوم أيضاً ما يعطيه الفكر اليهودي للبكر من أهمية خاصة، إذ تقول التوراة: " قدس لي كل بكر، كل فاتح رحم من بني إسرائيل من الناس والبهائم إنه لي " (الخروج ١٣/ ٢)، والمسيح هو بكر الخلائق، وأليقها بأن يكون البكر المذبوح. (١)
موت الإله الفادي
وأما فكرة موت الإله فهي عقيدة وثنية يونانية، حيث كان اليونانيون يقولون بموت بعض الآلهة، لكن اليونان كانوا يحتفظون بآلهة أخرى تسيّر دفة الكون، بينما النصارى حين قالوا بموت الإله لم يحتفظوا بهذا البديل، ولم يخبرنا أولئك الذين يعتقدون بأن الله هو المسيح من الذي كان يسير الكون ويرعى شئونه خلال الأيام التي مات فيها الإله. أي الأيام الثلاثة التي قضاها في القبر.
стр. 218
والفداء عن طريق أحد الآلهة أو ابن الله أيضاً موجودة في الوثنيات القديمة، وقد ذكر السير آرثر فندلاي في كتابه " صخرة الحق " أسماء ستة عشر شخصاً اعتبرتهم الأمم آلهة سعوا في خلاص هذه الأمم. منهم: أوزوريس في مصر ١٧٠٠ ق. م، وبعل في بابل ١٢٠٠ق. م، وأنيس في فرجيا ١١٧٠ ق. م، وناموس في سوريا ١١٦٠ ق. م، وديوس فيوس في اليونان ١١٠٠ ق. م، وكرشنا في الهند ١٠٠٠ ق. م، وأندرا في التبت ٧٢٥ ق. م، وبوذا في الصين ٥٦٠ ق. م، وبرومثيوس في اليونان ٥٤٧ ق. م، ومترا (متراس) في فارس ٤٠٠ ق. م. (١)
ولدى البحث والدراسة في معتقدات هذه الأمم الوثنية نجد تشابهاً كبيراً مع ما يقوله النصارى في المسيح المخلص.
فأما بوذا المخلص عند الهنود والصينيين فلعله أكثر الصور تطابقاً مع مخلص النصارى، ولعل مرد هذا التشابه إلى تأخره التاريخي فكان تطوير النصارى لذلك المعتقد محدوداً.
والبوذيون - كما نقل المؤرخون - يسمون بوذا المسيح المولود الوحيد، ومخلص العالم، ويقولون: إنه إنسان كامل وإله كامل تجسد بالناسوت، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم حتى لا يعاقبوا عليها.
وجاء في أحد الترنيمات البوذية عن بوذا " عانيت الاضطهاد والامتهان والسجن والموت والقتل بصبر وحب عظيم لجلب السعادة للناس، وسامحت المسيئين إليك ".
ويذكر مكس مولر في كتابه " تاريخ الآداب السنسكريتية " أن " البوذيون يزعمون أن بوذا قال: دعوا الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع عليّ، كي يخلص العالم ".
стр. 219
ويرى البوذيون أن الإنسان شرير بطبعه، ولا حيلة في إصلاحه إلا بمخلص ومنقذ إلهي.
وكذلك فإن المصريين يعتبرون أوزوريس إلهاً، ويقول المؤرخ بونويك في كتابه " عقيدة المصريين": "يعد المصريون أوزوريس أحد مخلصي الناس، وأنه بسبب جده لعمل الصلاح يلاقي اضطهاداً، وبمقاومته للخطايا يقهر ويقتل ".
ويوافقه العلامة دوان في كتابه " خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها من الديانات الأخرى". (١)
كما تحدث المؤرخون عن قول المصريين بقيامة مخلصهم بعد الموت، وأنه سيكون ديان الأموات يوم القيامة، فإنهم يذكرون في أساطيرهم أن أوزوريس حكم بالعدل، فاحتال عليه أخوه وقتله، ووزع أجزاء جسمه على محافظات مصر، فذهبت أرملته أيزيس فجمعت أوصاله من هنا وهناك، وهي تملأ الدنيا نحيباً وبكاءً، فانبعث نور إلى السماء، والتحمت أوصال الجسد الميت، وقام إلى السماء يمسك بميزان العدل والرحمة. (٢)
وكذلك اعتقد الهنود في معبودهم كرشنا أنه مخلص وفادي. يقول القس جورج كوكس: "يصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتاً، لأنه قدم شخصه ذبيحة "، ويعتقدون أن عمله لا يقدر عليه أحد.
ويقول المؤرخ دوان في كتابه " خرافات التوراة والإنجيل": "يعتقد الهنود بأن
стр. 220
كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو، والذي لا ابتداء ولا انتهاء له - وفق رأيهم - تحرك حنواً كي يخلص الأرض من ثقل حملها، فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه "، ومثله يقوله العلامة هوك.
ويصف الهنود أشكالاً متعددة لموت كرشنا أهمها أنه مات معلقاً بشجرة سُمِّر بها بحربة. وتصوره كتبهم مصلوباً، وعلى رأسه إكليل من الذهب، ويقول دوان: " إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة فداء عن الخطيئة قديم العهد جداً عند الهنود والوثنيين.
وكذلك اعتقد أهل النيبال بمعبودهم أندرا، ويصورونه وقد سفك دمه بالصلب، وثقب بالمسامير، كي يخلص البشر من ذنوبهم كما وصف ذلك المؤرخ هيجين في كتابه: "الانكلو سكسنس". (١)
وحتى لا نطيل نكتفي بهذه الصور التي اعتقد أصحابها بسفك دم الآلهة قرباناً وفداء عن الخطايا ومثلها في الوثنيات القديمة كثير، ونختم بنقل قول فيلسيان شالي: "تتشابه المسيحية مع الأديان السابقة تشابها غريباً .. ولد المسيح من عذراء كما ولد بيرسي من دانا، وهو ينجو بأعجوبة من أعدائه مثل ديونيزوس وهوروس، ويموت ثم يبعث مثل أوزوريس أو آدونيس أو ديونيزوس زاغروس، وفي بداية الربيع مثل آتيس ومثل تموز، وتجد بعض تفاصيل عذابه صورة لها في بلاد بابل، فهو يعبد كمنقذ أو مخلص مثل مثرا .. ويمكن أن تشعر بعض النفوس المسيحية بالحرج إذا قرأت هذه المتشابات وعرفتها، وكانت ضيقة العقل، تمتلئ زهواً وغروراً؛ لأنها كانت تؤمن بأن لديانتها سمة فريدة، وعلى العكس فإن النفوس الأوسع قلوباً يمكنها أن تسعد
стр. 221
بملاحظة أن دينها أو إيمانها هو حصيلة تأليف لمعطيات ماض بعيد جداً". (١)
الدم المسفوح سبيل الكفارة
وليست مسألة المخلص فقط هي التي نقلها بولس عن الوثنيات، فقد تحدث أيضاً عن دم المسيح المسفوح فقال: " يسوع الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه " (رومية ٣/ ٢٥)، ويقول: " ونحن الآن متبررون بدمه " (رومية ٥/ ٩)، ويواصل: " أليست هي شركة دم المسيح " (كورنثوس (١) ١٠/ ١٦).
ويقول: " أنعم بها علينا في المحبوب الذي فيه لنا الفداء، بدمه غفران الخطايا " (أفسس ١/ ٧).
وفي موضع آخر يتحدث عن ذبح المسيح الفادي " لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا " (كورنثوس (١) ٥/ ٧).
ومثل هذه النصوص تكثر في رسائل بولس، وهي فكرة جِدُ غريبة، فإن المسيح لم يذبح، فالأناجيل تتحدث عن موت المسيح صلباً، لا ذبحاً، والموت صلباً لا يريق الدماء، ولم يرد في الأناجيل أن المسيح نزلت منه الدماء سوى ما قاله يوحنا، وجعله بعد وفاة المسيح حيث قال: " وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه، لأنهم رأوه قد مات، لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة، وللوقت خرج دم وماء " (يوحنا ١٩/ ٢٣ - ٢٤). وهو ليس ذبحاً بكل حال.
يقول المحقق ولز: " إنه لزام علينا أن نتذكر أن الموت صلباً لا يكاد يهرق من الدم أكثر مما يريقه الشنق، فتصوير يسوع في صورة المراق دمه من أجل البشرية إنما هو في
стр. 222
الحقيقة من أشد العبارات بعداً عن الدقة ". (١)
والنظرة إلى الله بأنه لا يرضى إلا بأن يسيل دم الكفارة أو الضحية نظرة قديمة موجودة عند اليهود وعند الوثنيين قبلهم، ففي التوراة تجد ذلك واضحاً في مثل قولها: " بنى نوح مذبحاً لله .. وأصعد محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا، وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان " (التكوين ٨/ ٢٠ - ٢١).
وكذا صنع داود " وبنى داود هناك مذبحاً للرب، وأصعد محرقات وذبائح سلامة، ودعا الرب، فأجابه بنار من السماء على مذبحة المحرقة " (الأيام (١) ٢١/ ٢٦).
وهكذا فإن التصور اليهودي للإله مشبع برائحة الدم، وهي تصور الإله ساخطاً لا يرضيه إلا الدم والمحرقات، وحينها فقط يتنسم رائحة الرضا، ويرضى عن عباده، يقول آرثر ويجال: "نحن لا نقدر أطول من ذلك قبول المبدأ اللاهوتي المفزع الذي من أجل بعض البواعث الغامضة وجوب تضحية استرضائية، إن هذا انتهاك إما لتصوراتنا عن الله بأنه الكلي القدرة، وإلا ما نتصوره عنه ككلي المحبة ". (٢)
ويرى كامل سعفان أيضاً " أن ادعاء إهراق دم المسيح مأخوذ من الديانة المثراسية حيث كانوا يذبحون العجل، ويأخذون دمه، فيتلطخ به الآثم، ليولد من جديد، بعد أن سال عليه دم العجل الفدية. (٣)
نزول الآلهة إلى الجحيم لتخليص الموتى
وتشابهت العقائد النصرانية مع الوثنيات القديمة مرة أخرى عندما زعم
стр. 223
النصارى أن المسيح نزل إلى الجحيم لإخراج الأرواح المعذبة فيها وتخليصها من العذاب، ففي أعمال الرسل يقول بطرس: "سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه، ولم تترك نفسه في الهاوية (١)، ولا رأى جسده فساداً " (أعمال ٢/ ٣١)، ويقول بطرس في رسالته عن المسيح: " ذهب ليكرز للأرواح التي في السجن " (بطرس (١) ٣/ ١٩).
وقد أضحت هذه الفكرة الغريبة معتقداً نصرانياً يقول عنه القديس يوحنا فم الذهب ٣٤٧م: "لا ينكر نزول المسيح إلى الجحيم إلا الكافر ".
ويقول القديس أكليمندس السكندري: " قد بشر يسوع في الإنجيل أهل الجحيم، كما بشر به وعلمه لأهل الأرض، كي يؤمنوا به ويخلصوا "، وبمثله قال أوريجانوس وغيره من علماء النصارى.
وهذا المعتقد وثني قديم قال به عابدو كرشنا، فقالوا بنزوله إلى الجحيم لتخليص الأرواح التي في السجن، وقاله عابدو زرادشت وأدونيس وهرقل وعطارد وكوتز لكوتل وغيرهم.
ولما وصل النصارى إلى أمريكا الوسطى، وجدوا فيها أدياناً شتى، فخفّ القسس لدعوتهم للمسيحية، فأدهشهم بعد دراستهم لهذه الأديان أن لها شعائراً تشبه
стр. 224
شعائر المسيحية، وخاصة في مسائل الخطيئة والخلاص. (١)
فكيف يفسر النصارى هذا التطابق بين معتقداتهم والوثنيات القديمة والذي جعل من النصرانية نسخة معدلة عن هذه الأديان؟
يقول الأب جيمس تد المحاضر في جامعة أكسفورد: " سر لاهوتي فوق عقول البشر، وليس من الممكن تفسيره حسب تفسير وتصور هؤلاء البشر". (٢)
وقد صدق الله ﵎، فأخبر أن ذلك الذي يقوله النصارى إنما هو مضاهاة لأقوال الأمم الوثنية وانتحال للساقط من أفكارهم ﴿ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنّى يؤفكون﴾ (التوبة: ٣٠)، وهو ما حذرهم الله من الوقوع فيه ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحقّ ولا تتّبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيراً وضلّوا عن سواء السّبيل﴾ (المائدة: ٧٧).
стр. 225
خاتمة
وبعد: وصلنا في نهاية مطافنا إلى إجابة سؤالنا الرابع في سلسلتنا، سلسلة الهدى والنور، حيث أجبنا بموضوعية ومنهجية علمية محايدة عن سؤالنا في هذه الحلقة: هل افتدانا المسيح على الصليب؟
لقد كشفت لنا الدراسة الموثقة عن جملة حقائق لا يسع الباحث عن الحقيقة إلا أن ينحني لها، فقد ثبت لدينا نجاة المسيح ﵇ من الصلب كما أنبأنا بذلك أسفار العهد القديم، وكما وعد المسيح أتباعه في العهد الجديد، ورأينا مكر الله يحيق بالتلميذ الخائن الذي خان سيده، فانتشبت أرجله في الشبكة التي أخفاها، ووقع في الحفرة التي حفرها.
ورأينا ما يثبت صحة ما توصلنا إليه، فقد سجلته الدلائل المتناثرة في زوايا الكتاب المقدس، ورأينا ظلاله في تاريخ النصرانية، حيث تواصل إنكار النصارى لهذا الصلب المزعوم عبر تاريخ النصرانية القديم.
كما ثبت لدينا عند دراسة فلسفة الفداء والكفارة أن البشر بريئون مما صنعه آدم في القديم، وأن خطيئته لا تتجاوزه إلى غيره.
ووضح لنا بالأدلة المتكاثرة أن ما يزعمه النصارى من توارث الخطيئة الأولى ولزوم الفداء بكائن إلهي، إنما هو هراء تمجه العقول وتزدريه الفطر، وهو ظلم يتنزه الله عنه، وقد نقله بولس والمجتمعون بعده في مجمع نيقية من قصص الوثنيات السابقة للنصرانية.
ولا يسعني وأنا أشكر القارئ الكريم على قراءته لهذه السطور إلا أن أتوجه إليه بدعوة مخلصة لقراءة الحلقة التالية من حلقات سلسلة الهدى والنور، وهي بعنوان: هل بشر الكتاب المقدس بمحمد ﷺ ؟
стр. 226
المصادر والمراجع
* القرآن الكريم.
* الكتاب المقدس. طبعة: دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (النسخة البرتستانتية).
* الكتاب المقدس. طبعة: دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (النسخة الأرثوذكسية الكاثوليكية).
* الكتاب المقدس. طبعة: الرهبانية اليسوعية (نسخة كاثوليكية أصدرها الآباء اليسوعيون). توزيع جمعيات الكتاب المقدس في المشرق. بيروت.
* الترجمة العربية المشتركة، (أصدرها علماء ولاهوتيون كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت)، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، (الطبعة الرابعة للعهد القديم، الطبعة الثلاثون للعهد الجديد).
* الكتاب المقدس. (الأسفار المقدسة العبرانية، الأسفار المقدسة اليونانية). ترجمة العالم الجديد.
* إنجيل برنابا. ترجمة: خليل سعادة. ط. دار الوثائق. الكويت، ١٤٠٦ هـ.
* الإنجيل بحسب القديس متى (دراسة وتفسير وشرح)، الأب متى المسكين، ط١، مطبعة دير القديس أنبا مقار، ١٩٩١م.
* الإنجيل والصليب. عبد الأحد داود. القاهرة، ١٣٥١هـ.
* براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح. محمد حسن عبد الرحمن. ط١. دار الكتاب الحديث، ١٤٠٩هـ.
* التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، مجموعة من العلماء اللاهوتيين.
* خديعة الشيطان. أحمد ديدات. ترجمة: رياض أحمد باهبري. بيت الحكمة. ط٢. القاهرة. ١٤١٣هـ
стр. 227
* الخطيئة الأولى بين اليهودية والمسيحية والإسلام. أميمة أحمد الشاهين الجلاهمة. دار زهراء الشرق. القاهرة.
* دراسة عن التوراة والإنجيل. كامل سعفان. دار الفضيلة. القاهرة.
* دعوة الحق بين المسيحية والإسلام. منصور حسين عبد العزيز. ط٢. مكتبة علاء الدين. الإسكندرية، ١٩٧٢م.
* دين الله في كتب أنبيائه. محمد توفيق صدقي أفندي. ط١. دار المنار، ١٣٣٠هـ.
* شرح بشارة لوقا، القس الدكتور إبراهيم سعيد، ط٤، دار الثقافة المسيحية، ١٩٨٦م.
* العقائد المسيحية بين القران والعقل. هاشم جودة. ط٢. المركز العربي للنشر والتوزيع.
* العقائد الوثنية في الديانة النصرانية. محمد طاهر التنير. محمد المجذوب. دار الشواف، ١٩٩٢م.
* عقيدة الصلب والفداء. محمد رشيد رضا. الفتح للإعلام العربي، ١٤١١هـ.
* الغفران بين الإسلام والمسيحية. إبراهيم خليل أحمد. ط١. دار المنار. القاهرة. ١٤٠٩هـ.
* الفارق بين الخالق والمخلوق. عبد الرحمن البغدادي. ضبط وتعليق: عصام فارس الحرستاني. ط١. مكتبة دار عمار. عمان، ١٤٠٩هـ.
* قصة موت المسيح وقيامته في ميزان النقد العلمي والكتب المقدسة. محمد أبو الغيط الفرت. ط١. در الطباعة المحمدية، ١٤١٠هـ.
* ما هي النصرانية. محمد تقي العثماني. رابطة العالم الإسلامي. مكة المكرمة، ١٩٨٤م.
стр. 228
* محاضرات في مقارنة الأديان. إبراهيم خليل أحمد. ط٢. دار المنار. القاهرة، ١٤١٢هـ.
* المسيح بين الحقائق والأوهام. محمد وصفي. دار الفضيلة.
* المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل. عبد الكريم الخطيب. ط١. دار الكتب الحديثة، ١٩٦٥م.
* المسيح في مصادر العقائد المسيحية. أحمد عبد الوهاب. ط٢. مكتبة وهبة. القاهرة، ١٤٠٨هـ.
* مسيحية بلا مسيح. كامل سعفان. دار الفضيلة، ١٩٩٤م.
* المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح. علاء أبو بكر. ط١. مكتبة وهبة. القاهرة، ١٤١٨هـ.
* كتاب المزامير، القمّص تادرس يعقوب ملطي، نشر: كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج
* معاول الهدم والتدمير في النصرانية والتبشير. إبراهيم الجبهان. ط٤. عالم الكتب للنشر والتوزيع. الرياض، ١٩٨١م.