والأتعاب الطويلة للرجال والنساء، ونلحظ أن ليس ثمة تناسباً بين الذنب والعقوبة، فقد كان يكفيهم الإخراج من الجنة.
وقد بقيت هذه القصاصات من لدن آدم حتى جاء المسيح الفادي، ثم ماذا؟ هل رفعت هذه العقوبات بموت المسيح؟ هل رفعت عن المؤمنين فقط أم أن شيئاً لم يتغير؟
وهذا هو الصحيح، فما زال الناس يموتون من لدن المسيح، يموت أبرارهم وفجارهم، فلم يبطل حكم الموت فيهم - كما ذكر بولس -: " مخلصنا يسوع الذي أبطل الموت، وأنار الحياة والخلود " (تيموثاوس (٢) ١/ ١٠)، وقوله: " بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع " (رومية ٥/ ١٢).
فالمسيح لم يبطل بصلبه ولا بدعوته أي موت، لا الموت الحقيقي ولا الموت المجازي، إذ مازال الناس في الخطيئة يتسربلون، ثم بعد ذلك يموتون.
وأما الموت الحقيقي فليس في باب العقوبة في شيء، بل هو أمر قد كتب على بني آدم، بَرهم وفاجرهم على السواء، قبل المسيح وبعده، وإلى قيام الساعة، كما كتب الموت على الحيوان والنبات، فما بالهم يموتون؟ وهل موتهم لخطأ جدهم وأصلهم الأول أم ماذا؟!
ثم إن هناك من لا يملك النصارى دليلاً على موتهم، فنجوا من الموت من غير فداء المسيح، وذلك متمثل في أخنوخ وإيليا اللذين رفعا إلى السماء وهما حيين كما في الأسفار المقدسة (انظر التكوين ٥/ ٢٤، والملوك (٢) ٢/ ١١، وعبرانيين ١١/ ٥).
وعليه نستطيع القول بأن ليس ثمة علاقة بين الموت وخطيئة آدم.
وكذلك فإن القصاصات الأخرى ما تزال قائمة، فما زال الرجال يكدون
стр. 177
ويتعبون، وما تزال النساء تتوجع في الولادة ... ويستوي في ذلك النصارى المفديون - حسب العهد الجديد- بدم المسيح وغيرهم.
والعجب من إصرار النصارى بعد وقوع هذه العقوبات على أن الذنب ما زال مستمراً، وأنه لابد من فادٍ بعد هذه العقوبات الشديدة التي نالها أصحابها.
ولابد أن ننوه هنا إلى أن النص التوراتي يحمل القدر الكثير من معاني الظلم لآدم وحواء؛ إذ يجعل وقوعهما في المعصية وهما غير مؤهلين للتمييز بين الخير والشر، فقد أُعطيا هذه القدرة بعد أكلهما من شجرة معرفة الخير من الشر، فقد أذنبا وهما جاهلين حتى بعريهما "فأكل فانفتحت أعينهما، وعلما أنهما عريانان، فخاطا أوراق تين، وصنعا لأنفسهما مآزر"، ومن جهل مثل هذا الأمر البسيط لا يمكنه - بالضرورة - التمييز فيما هو أكبر وأعمق، كمعرفة عاقبة إطاعة الحية التي غرَّته بقولها: " يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر ".
وفي هذا الصدد نسأل سؤالاً لا يجوز إغفاله أو الحيدة عن إجابته: كيف جهل الأنبياء ذلك المعتقد الهام، فلم يذكروه في كتبهم كما لم يذكره المسيح ولم يعرفه تلاميذه من بعده، حتى جاء به بولس وآباء الكنيسة، فكشفوا ما غاب عن الأنبياء والمرسلين.
مسئولية الإنسان عن عمله
ومما يبطل نظرية وراثة الذنب أيضاً النصوص التي تحمل كل إنسان مسئولية عمله.
وقد تعاقَب الأنبياء على التذكير بهذا المعتقد في نصوص كثيرة ذكرتها التوراة والأناجيل.
ومنها ما جاء في التوراة "وكلم الرب موسى وهارون قائلاً: افترزا من بين هذه الجماعة، فإني أفنيهم في لحظة، فخرّا على وجهيهما وقالا: اللهمّ إله أرواح جميع البشر، هل يخطئ رجل واحد فتسخط على كل الجماعة" (العدد ٢٦/ ٢٣)، واستجاب الله لهما فعذب بني قورح فقط دون بقية إسرائيل.
وجاء في سفر المزامير: " الأخ لن يفدي الإنسان فداء، ولا يعطي الله كفارة عنه " (المزمور ٤٩/ ٧).
وأيضاً في التوراة: " لا تموت الآباء لأجل البنين، ولا البنون يموتون لأجل الآباء، بل كل واحد يموت لأجل خطيته " (الأيام (٢) ٢٥/ ٤).
стр. 178
وأيضاً يقول المسيح: " فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله " (متى ١٦/ ٢٧).
وهو عين كلام المسيح: " كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين، لأنك بكلامك تبرر، وبكلامك تدان " (متى ١٢/ ٣٦).
والعجب أنه قد ورد إثبات مسئولية الإنسان عن عمله في كلام بولس الذي ابتدع معتقد وراثة الذنب، ومنها قوله عن الله: " الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله " (رومية ٢/ ٦).
стр. 179
من الفادي ؟
ورغم هذه العقوبات والمخارج فإن النصارى يقولون بلزوم الفداء والقصاص، فلم لا يكون القصاص في آدم وحواء، فيحييهما الله ويصلبهما، أو يصلب بدلاً منهما شيطاناً أو سوى ذلك، فإن ذلك أعدل من صلب المسيح البريء.
يجيب النصارى بأنه لابد في الكفارة أن تكون شيئاً يعدل البشر جميعاً، من غير أن يحمل خطيئتهم الموروثة، وهذه الشروط لا تتوافر في آدم وغيره، بل هي لا تتوفر إلا في المسيح الذي تجسد وتأنس من أجل هذه المهمة العظيمة، فكان أداة خلاصنا ورحمة الله بنا كما قال يوحنا: " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، كي لا يهلك كل من يؤمن، بل تكون له الحياة الأبدية، ولأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص " (يوحنا ٣/ ١٦ - ١٧). (١)
فالمسيح يتميز عن سائر البشر بأنه ولد طاهراً من إصر الخطيئة، ولم يصنعها طوال حياته، فهو وحده الذي يمكن أن يصير فادياً وأن يقبل به الفداء، وكما يقول بطرس: " عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى: بفضة أو ذهب، من سيرتكم الباطلة التي تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حَملٍ بِلاَ عيْب ولا دنس، دم المسيح " (بطرس (١) ١/ ١٨ - ١٩)، ويقول مؤلف رسالة العبرانيين المجهول: "يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار ... بل مجرب في كل شيء مثلنا، بلا خطية" (عبرانيين ٤/ ١٤ - ١٥).
يقول الأب متى المسكين: "عملية الفداء تحتم أن المولود يكون قدوساً بلا أدنى عيب أو خطية، وإلا يُحسب موته عن استحقاق له، وليس باستحقاق آخرين، كما يتطلبه معنى الفداء". (٢)
стр. 180
لكن المسيح لا يمتاز في هذا الباب عن كثيرين من الأبرار والمؤمنين الذين لم يفعلوا خطيئة ولا ذنباً، " كل من يثبت فيه لا يخطئ، كل من يخطئ لم يبصره ولا عرفه .. من يفعل الخطية فهو من إبليس .. كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية " (يوحنا (١) ٣/ ٦ - ٩) فـ "كل من ولد من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه، والشرير لا يمسه" (يوحنا (١) ٥/ ١٨).
ولا يخفى أن كل المؤمنين مولودون من الله "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا: أولاد الله، أي المؤمنين باسمه" (يوحنا ١/ ١٢). أمَا كان صلب أحد هؤلاء الأبرار كفارة عن خطايانا أولى من صلب الإله؟
لكنا نرى أن شرط النصارى في براءة الفادي من الذنب لم يتحقق حتى بالمسيح، رغم أن الشرط وضع وفق مواصفات النصارى له، فالمسيح عندهم جسد أرضي ويكتنفه حلول إلهي، وهم حين يقولون بالصلب فإن أحداً منهم لا يقول بصلب الإله، لكن بصلب الناسوت، والتوراة تقول: "ليس إنسان لا يخطئ" (الملوك (١) ٨/ ٤٦)، فالمصلوب هو الناسوت، وليس من إنسان إلا ويخطئ.
كما أن ناسوت المسيح جاءه من مريم التي هي أيضاً حاملة للخطيئة، فالمسيح بجسده الفادي الحامل للخطيئة وراثة لا يصلح أن يكون فادياً!
ولدفع هذا لم يجد الكاثوليك بُداً من القول بعصمة والدة المسيح، فقد نقل القس الخضري عن الكنيسة الكاثوليكية أنها نعتقد بأنه "ليس مريم وحدها التي حبلت بيسوع بطريقة معصومة من وصمة الخطية الأصلية، بل هي (مريم) أيضاً حُبل بها بنفس الطريقة، ولقد أصبحت هذه العقيدة قاعدة من قواعد الإيمان الكاثوليكي بعد أن أصدر البابا بيوس التاسع في ٨/ ١٢/١٨٥٤ منشوره الخاص بالعصمة البابوية، فهذا المنشور يقرر بأن مريم نجت من وصمة الخطية الأصلية عن طريق نعمة خاصة ..
стр. 181
فيجب أن تكون هي معصومة من الخطية الأصلية ومن اللعنة التي لحقت بآدم وبكل نسله، وإلا لوصلت ليسوع عن طريق أمومتها نفس اللعنة ونفس الوصمة". (١)
وعلى كلٍ فالمصلوب - حسب معتقد الكاثوليك والبرتستانت القائلين بالطبيعتين - هو ابن الإنسان، وليس ابن الله، أي الناسوت لا اللاهوت، فالثمن دون الغرض الذي يدفع له، كيف لإنسان أن يعدل البشرية كلها بدمه؟
وقد صدق الأنبا غريغوريوس وهو يرد على الكاثوليك والبرتستانت: "إذا كان للسيد المسيح طبيعتان بعد الاتحاد، فمن المنطقي أن عمل الفداء قام به جسد السيد المسيح، لأنه هو الذي وقع عليه الصلب، وعلى ذلك ففداء المسيح ليست له أي قوة على خلاص الجنس البشري، إذ يكون الذي مات من أجل العالم هو إنسان فقط". (٢)
والمتأمل في نصوص العهد الجديد يراها تنسب إلى المسيح - وحاشاه ﵊ العديد من الذنوب والآثام التي تجعله أحد الخاطئين، فلا يصلح حينئذ لتحقيق الخلاص، لحاجته هو إلى من يخلصه.
فالأسفار الإنجيلية تنسب إلى المسيح العظيم العديد من الرزايا والبلايا، إذ تذكر أنه كان حريصاً على إضلال قومه، محباً لهلاكهم، كما تذكر أنه كان سبّاباً وشريب خمر، وهو بذلك مستوجب لدخول جهنم، ومحروم من دخول الملكوت، وحاشاه ﵊.
فقد اتهمه متى بشرب الخمر "جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب. فيقولون: هوذا إنسان أكول وشريب خمر. محب للعشارين والخطاة" (متى ١١/ ١٩).
стр. 182
فيما نسبت إليه الأناجيل الكثير من السباب والشتائم لليهود والتلاميذ، كما في قوله لتلميذيه: "أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء" (لوقا ٢٤/ ٢٥)، وقوله لبطرس: "اذهب عني يا شيطان " (متى ١٦/ ٢٣).
وكذا شتم الأنبياء وشبههم باللصوص في قوله: " قال لهم يسوع أيضاً: الحق الحق أقول لكم: إني أنا باب الخراف. جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص" (يوحنا ١٠/ ٧ - ٨).
وهذا السباب وغيره يستحق فاعله، بل فاعل ما هو أقل منه نار جهنم، وذلك حسب العهد الجديد، يقول متى: " ومن قال: يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" (متى ٥/ ٢٢)، وقال بولس متوعداً الذين يشتمون والذين يشربون الخمر بالحرمان من دخول الجنة: "ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله" (كورنثوس (١) ٦/ ١٠)، فمن استحق النار - وحاشاه ﵊ هل يصلح ليفدي البشرية كلها؟!
كما يؤكد المسلمون أن صلب المسيح البريء نيابة عن المذنب آدم وأبنائه حاملي الإثم ووارثيه نوع من الظلم لا تقره الشرائع على اختلاف مصادرها، ولو عرضت قضية المسيح على أي محكمة بشرية لصدر حكم ببراءته في دقيقتين فقط. فكيف قبِل النصارى أن ينسبوا إلى الله الرضا عن مثل هذا الظلم، هل يرضى الرب العادل أن يؤخذ البريء بذنب المذنب، وهو قادر على العفو والمغفرة.
ويجيب النصارى بأن ليس في الأمر ظلم، وذلك أن المسيح تطوع بالقيام بهذه المهمة، بل إن نزول لاهوته من السماء وتأنسه كان لتحقيق هذه المهمة العظيمة المتمثلة بخلاص الناس من الإثم والخطيئة.
أما جويل بويد فيتجه اتجاهاً آخر فيرى أن لا ظلم في صلب المسيح، إذ أن المسيح
стр. 183
بتجسده الإنساني قد أصبح خاطئاً متقمصاً شخصية الإنسان المجرم الخاطئ، وعليه فقد استحق قول التوراة: " النفس التي تخطئ هي تموت " (حزقيال ١٨/ ٤). (١)
والقول بتبرع المسيح البريء بالصلب عن الخطاة مردود من وجوه عدة:
- منها أن المسيح لا يحق له أن يرضى عن مثل هذا الصنيع، فهذا من الانتحار لا الفداء. فقاطع يده أو قاتل نفسه مذنب، مع أن ذلك برضاه ووفق إرادته.
- ومنها أن المسيح صدرت منه تصرفات كثيرة تدل على هروبه من اليهود وكراهيته للموت على أيديهم، ولو كان قد جاء لهذه المهمة، فلم هرب منها مراراً، وصدر عنه ما يشعر بجهله بهذه المهمة.
فقد هرب المسيح من طالبيه مراراً، وحرص على النجاة من مكائدهم. (انظر يوحنا ٨/ ٥٩، ١٠/ ٣٩، ١١/ ٥٣).
ولما رأى إصرارهم على قتله لم يسلم نفسه، بل خرج من أورشليم، وقال: " بل ينبغي أن أسير اليوم وما يليه، لأنه لا يمكن أن يهلك بني خارجاً عن أورشليم " (لوقا ١٣/ ٣٣).
لذا اختار الجليل ملاذاً له من مؤامرة اليهود "وكان يسوع يتردد بعد هذا في الجليل، لأنه لم يرد أن يتردد في اليهودية، لأن اليهود كانوا يطلبون أن يقتلوه" (يوحنا ٧/ ١).
وصار المسيح يتخفى حين تجبره الظروف على الظهور "فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه، فلم يكن يسوع يمشي بين اليهود علانية" (يوحنا ١١/ ٥٤).
ولما أحس بالمؤامرة أمر تلاميذه بشراء سيوف ليدفعوا بها عنه. (انظر لوقا ٢٢/ ٣٦ - ٣٨).
стр. 184
ثم هرب إلى البستان، وصلى طويلاً وحزن واكتئب وتصبب عرقه وهو يطلب من الله " إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس " (متى ٢٦/ ٣٩)، لقد طلب من الله أن يصرف عنه كأس الموت.
ثم لما وضع على الصليب - كما زعموا - صرخ: " إيلي إيلي، لم شبقتني، أي: إلهي إلهي، لماذا تركتني؟ " (متى ٢٧/ ٤٦)، فلم يكن راضياً عن صلبه، ولا عالماً بالمهمة التي زعموا أنه جاء لأجلها.
وصراخ المصلوب اليائس على الصليب اعتبرته دراسة صموئيل ريماروس (ت ١٧٧٨م) حجة أساس في نتائجه التي توصل إليها بعد دراسته الموسعة، فاعتبره دالاً على أن المسيح لم يخطر بباله أنه سيصلب، خلافاً لما تقوله الأناجيل. (١)
ومنها: أن المسيح لم يخبر عن هذه المهمة أحداً من تلاميذه، وأن أحداً منهم لم يعرف شيئاً عن ذلك، كما لم تخبر به النبوات على جلالة الحدث وأهميته.
ثم إنه قال قبيل الصلب والفداء المفترض: " أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل، قد أكملته " (يوحنا ١٧/ ٥)، فقد أكمل عمله على الأرض قبل الصلب، فكيف يقال: إنه جاء ليصلب، وقد أكمل عمله الذي لأجله جاء، ولما يصلب بعد.
وأخيراً: هل تقبل محكمة عادلة متحضرة أن تأخذ البريء المتطوع لحمل وزر الخطيئة بذنب المجرم الخاطئ؟ إن أحداً من البشر لا يصنع مثل هذا الخَرق، ومن باب أولى أن يتنزه الله الحكيم عنه.
стр. 185
لم أُرسل المسيح ؟
يحصر النصارى مهمة المسيح المتجسد بالصلب ليتحقق الحب الإلهي للبشر، والمتمثل بالفداء والخلاص من خطيئة أبينا آدم والخطية الموروثة لذريته، كما قال يوحنا: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية " (يوحنا ٣/ ١٦).
وهو " الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين " (رومية ٨/ ٣٢).
ونص يوحنا قول مهم في بيان مهمة المسيح، لكن أحداً لم يذكره غير كاتب يوحنا المجهول، فإما أن يكون القول من عنده كذباً وزوراً، وإما أن نقول بأن الإنجيليين الثلاثة فرطوا أيما تفريط في ذكر أهم مقتضيات إرسال المسيح.
ويكذب هذا النص المهمات التي أطبقت على ذكرها الأناجيل، فإن آدم والخطيئة الأصلية لم يردا على لسان المسيح أبداً، فضلاً عن الزعم بأنه جاء من أجل تكفير هذه الخطيئة، يقول فيلسيان شالي: "ومن الغريب أن هذه الفكرة لا توجد، لا في أعمال الأنبياء، ولا في الأناشيد، ولا في الأناجيل، ولا يشير إليها يسوع بأي إشارة، والقديس بولس هو الذي يؤكد أن الخطيئة قد دخلت العالم بسبب آدم، ثم إن القديس أوغسطين هو الذي أعطى هذا التصور أهمية من الطراز الأول". (١)
ولقد قصر عيسى ﵇ مهمته التي جاء من أجلها بتذكير الناس بالقيامة والحساب وبعثة النبي الخاتم "قد تم الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مرقس ١/ ١٤).
واستمر في دعوته قائلاً: "إنه ينبغي لي أن أُبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله،
стр. 186
لأني لهذا قد أُرسلت" (لوقا ٤/ ٤٣).
ومن مهماته إتمام الناموس، لذا تجده يقول: " لا تظنوا أني أتيت لأنقض الناموس، أو الأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأكمل " (متى ٥/ ١٧).
وأعظم مهماته ﵇ الدعوة لتوحيد الله " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته، أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل، قد أكملته " (يوحنا ١٧/ ٣ - ٤).
ونص يوحنا السالف (يوحنا ٣/ ١٦) معارض أيضاً بسؤال المسيح الله أن يجيز عنه كأس الصلب، فلو كانت تلك مهمته لما جاز سؤاله بإجازة الكأس عنه.
وأما قول بولس في (رومية ٨/ ٣٢) فهو لا يشعر برضا المسيح، بل ناطق بظلم وقسوة لا يصح أن ينسبا إلى الله، ويرِد عليه ما يرِد على نص يوحنا.
وقد زعم يوحنا أن محبة الله للبشرية هي سبب صلب المسيح فداء عن العالمين. فماذا عن محبة الله للمسيح الذي لم يشفق عليه، وأسلمه لأشنع قتلة وإهانة. فكان كما وصفه بولس: " لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين" (رومية ٨/ ٣٢).
أفما كان له نصيب في هذا الحب؟ ولم يصر النصارى على الحب الممزوج بالدماء؟ هل أرسل الله خالق الكون العظيم ابنه الوحيد إلى هذه البشرية التي لا تساوي في مجموعها كوكباً من الكواكب المتناهية في الصغر، لكي يعاني موتاً وحشياً قاسياً على أعواد الصليب، لترضية النقمة الإلهية - المزعومة - على البشر، ولكي يستطيع أن يغفر للبشرية ذنبها، على شرط أن تعلن البشرية اعترافها بهذا العمل الهمجي؟ هل هذا ما يريد منا النصارى تصوره!
يقول رتشارد هوكنز (١٥٨٥م) وهو يلاحظ ما يكتنف صلب البريء من
стр. 187
القسوة والظلم: "فليحسبه البعض جهالة أو جنوناً أو ثورة غضب ... أو مهما كان فإنا نحسبه حكمة وتعزية ". (١)
ثم إن كان خطأ آدم قد احتاج لتجسد إله وصلبه من أجل أن يُغفر، فكم تحتاج معاصي بنيه من آلهة تصلب؟ إن جريمة قتل المسيح التي يدعيها النصارى أعظم وأكبر من معصية آدم، وأعظم منها ما نسبه القوم إلى أنبيائهم من القبائح التي لا تصدر إلا عن حثالة البشر.
يقول فولتير: " إذا كانت المسيحية تعتبرنا خطاة حتى قبل أن نولد، وتجعل من خطيئة آدم سجناً للبريء والمذنب. فما ذنب المسيح كي يصلب أو يقتل؟ وكيف يتم الخلاص من خطيئة بارتكاب خطيئة أكبر؟ ". (٢)
ولنا أن نتساءل: لم كان طريق الخلاص عبر إهلاك اليهود وتسليط الشيطان عليهم وإغراء العداوة بين اليهود والنصارى قروناً طويلة. إن الحكمة تفرض أن يكون الفداء بأن يطلب المسيح من تلاميذه أن يقتلوه، ويجنب اليهود معثرة الشيطان، ويقع الفداء.
وهكذا أسئلة كثيرة تلح تبحث عن الإجابة، وما من مجيب!
стр. 188
من الذي خلص بصلب المسيح ؟
حار المحققون في فهم نصوص الفداء المتناقضة، كما حاروا في فهم ما يريده النصارى من الغفران، هل الغفران خاص بالنصارى أم أنه عام لكل البشر، وهل هو خاص بذنب آدم الموروث أم أنه عام في جميع الخطايا؟
كما تبقى في ذمة النصارى أسئلة تحير الإجابة عنها، إن كان من إجابة.
منها: لماذا تأخر صلب المسيح طوال هذه القرون؟ هل كان ثمة حيرة في البحث عن الحل فكان سبباً في التأخير. لماذا لم يصلب المسيح بعد ذنب آدم مباشرة؟ أو لماذا لم يتأخر الصلب إلى نهاية الدنيا بعد أن يذنب جميع الناس ليكون الصلب تكفيراً لذنوب هؤلاء جميعاً.
ثم ما هو مصير أولئك الذين ماتوا قبل الصلب، ماتوا وقد تسربلوا بالخطيئة؟ أين كان مصيرهم إلى أن جاء المسيح فخلصهم؟ لماذا تأخر خلاصهم؟
والسؤال الأهم تحديد من الذين يشملهم الخلاص؟ هل هو لكل الناس أم للمؤمنين فقط؟ وهل هو خلاص من جميع الخطايا أم من خطيئة آدم فقط؟
لعل الإجابة عن هذين السؤالين من أصعب النقاط التي تواجه الفكر المسيحي، فالكنيسة تقول: " آمنوا بأن المسيح صلب لخلاصكم فتخلصون، لأن صلبه فداء لكل خطايا البشر وتكفير لها".
ولنتأمل في إجابة النصارى عن هذه الأسئلة التي طرحناها.
يقول أوغسطينوس بأن الإنسان وارث للخطيئة، غير مفدي إلا إذا آمن بالمسيح، ودلالة الإيمان التعميد، فمن عمد فدي ونجا، ومن لم يُعمد لا ينجو، ولو كان طفلاً، فإن الأطفال الذين ماتوا قبل التعميد يقول عنهم توماس الأكويني في كتابه: " The Summa
стр. 189
Theologica": " سوف لا يتمتعون برؤية ملكوت الرب ".
ولا ندري كيف يبرر أوغسطينوس والأكويني وسائر النصارى تعذيب هؤلاء الأطفال وحرمانهم من الملكوت، لا بذنب أذنبوه، بل بخطيئة أورثوها من غير حول لهم ولا قوة، ثم قصر آباؤهم فلم يعمدوهم.
وأما الذين ماتوا قبل المسيح فإن أوغسطينوس يرى في كتابه " On Original Sin" بأنهم أيضاً لا ينجون إلا بالإيمان بالمسيح. (١)
ولم يبين أوغسطينوس كيف يتسنى لهؤلاء الإيمان بالمسيح وقد ماتوا، ولعله أراد ما قاله بطرس عن أن المسيح " ذهب فكرز للأرواح التي في السجن، إذ عصت قديماً، حين كانت أناة الله تنتظر مرة في أيام نوح ... " (بطرس (١) ٣/ ١٩)، ومراده ما يقوله النصارى بدخول المسيح إلى الجحيم وإخراجه أرواح الناجين من الجحيم.
هل لغير الإسرائيليين خلاص ؟
إن المتأمل في سيرة المسيح وأقواله يرى بوضوح أن دعوة المسيح كانت لبني إسرائيل، وأنه خلال سني دعوته نهى تلاميذه عن دعوة غيرهم، وعليه فالخلاص أيضاً يجب أن يكون خاصاً بهم، وهو ما نقرأه جلياً في قصة المرأة الكنعانية التي قالت له: " ارحمني يا سيد يا ابن داود. ابنتي مجنونة جداً، فلم يجبها بكلمة واحدة، فتقدم إليه تلاميذه، وطلبوا إليه قائلين: اصرفها لأنها تصيح وراءنا، فأجاب وقال: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، فأتت وسجدت له قائلة: يا سيد أعني، فأجاب وقال: ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب" (متى ١٥/ ٢٢ - ٢٦)، فالمسيح لم يبادر إلى شفاء ابنة المرأة الكنعانية، وهو قادر عليه، وعلل سبب توقفه عن شفاء الابنة
стр. 190
المريضة، بأنها ليست من خراف بيت إسرائيل التي أرسل لها، فامتنع أول مرة عن شفائها، لأنها ليست من شعبه، فمن كان هذا فعله فكيف يقال بأنه قدم روحه بالفداء عن البشرية جمعاء؟
ويوضح عبد الأحد داود - في كتابه الإنجيل والصليب - هذا المعنى بقوله: " فها أنذا أقول لهؤلاء المسيحيين الذين يبلغ عددهم الملايين، وهم ليسوا من الإسرائيليين: انظروا، إن مسيحكم لم يعرفكم قطعاً، ولم ينقل عنه أنه قال عنكم حرفاً واحداً، بل إنه سمى غير الإسرائيليين كلاباً ... أتعلمون ماذا أنتم حسب شريعة موسى؟ إن الذين لم يختتنوا إنما يعدون ملوثين (نجساً) ".
ويقول أيضاً في تعليقه على قصة المرأة الكنعانية: " المسيح لم يكن ليفدي أحداً بحياته، بل لم يكن يسمح بتقديم قلامة من أظفاره هدية للعالم، فضلاً عن أنه لم يتعهد للروس والإنجليز والأمريكيين بالنجاة، لأنه لم يعرفهم ... ". (١)
فكما كانت رسالته خاصة في بني إسرائيل، فإن خلاصه خاص ببني إسرائيل، بدليل اشتراطهم الإيمان به لحصول الخلاص، وهو أمر لا دليل عليه، حيث إن صلب المسيح وموته لا علاقة له بإيمان هؤلاء أو كفرهم، فالصلب قد تم من أجل الخطايا برمتها، كما ذكرت النصوص ذلك غير مرة. (انظر يوحنا ٣/ ١٦ - ١٧، ويوحنا (١) ٢/ ٢ .. ).
والإصرار على نجاة المؤمنين فقط يجعل تجسد الإله وصلبه نوعاً من العبث، فهو لم يؤد الدور الذي بعث من أجله، إذ عدد المؤمنين بمسألة الفداء أقل بكثير من المنكرين له.
ويرِد هنا سؤال يدل على ضبابية فكرة الخلاص وتأرجحها بين اليهود والأمميين: ما معنى قول بولس وهو يخاطب نصارى أهل كورنثوس فيقول: " إنه يتضايق لأجل
стр. 191
خلاصهم " (كورنثوس (٢) ١/ ٦)، فهل حرموا من النجاة لأنهم ليسوا يهوداً، وإذا كان الخلاص غير خاص باليهود فمم يخاف بولس ويحذر، والمفروض أن أهل كورنثوس قد خلصوا ونجوا، فمم يخاف بولس عليهم؟.
стр. 192
نقض الناموس وإبطاله
إن أبرز ما يلحظه الدارس لعقيدة الفداء اقترانها ببولس منذ نشأتها، وقد أراد بولس منها أن تكون ذريعة لإلغاء وإبطال الشريعة والناموس، حيث جعل الخلاص بالإيمان فحسب، من غير حاجة للعمل الصالح، فأضحى الفداء ليس مجرد خلاص من الذنوب، بل هو خلاص حتى من العمل الصالح.
وقد أكثر بولس (١) من التجريح للشريعة الموسوية التي كان المسيح ﵇ يعظمها ويلتزم بأحكامها، ومن ذلك قوله عن نظام الكهنوت التوراتي: " فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئاً، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله " (عبرانيين ٧/ ١٨ - ١٩).
ويواصل كاتب رسالة العبرانيين التجني على التوراة والناموس، فيصف ناموس الكهنوت - الذي أتى عيسى ﵇ لإكماله وغيره من شرائع التوراة - بالعتق والشيخوخة والتهافت، فيقول: "وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " (عبرانيين ٨/ ١٣).
ويقول عنه: " فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب، لما طُلب موضعٌ لثانٍ " (عبرانيين ٨/ ٧).
ويتجنى بولس على شريعة الله فيعتبرها سبباً للخطيئة، فيقول: " لم أعرف خطيئة إلا بالناموس، فإني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس: لا تشته، ولكن الخطية - وهي متخذة فرصة - بالوصية أنشأت فيَّ كل شهوة، لأن بدون الناموس الخطية ميتة .. لما جاءت الوصية عاشت الخطيئة، فمتُّ أنا" (رومية ٧/ ٧ - ٩).
стр. 193
ويسمي بولس الشريعة الإلهية المنزلة على الأنبياء لعنة فيقول: " المسيح افتدانا من لعنة الناموس" (غلاطية ٣/ ١٣).
ويبرر تسميته أوامر الله وشريعته باللعنة، بأنها سبب حلول اللعنة عند عدم الامتثال لأوامره ﵎ " لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة، لأنه مكتوب: ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في الكتاب الناموس ليعمل به، ولكن إن ليس أحد يتبرر بالناموس عند الله " (غلاطية ٣/ ١٠ - ١١).
ويعلن عن عدم الحاجة إلى هذا الناموس بعد صلب المسيح: " قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان، ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب " (غلاطية ٣/ ٢٤ - ٢٥).
ويؤكد إبطال الناموس فيقول: " سلامنا الذي جعل الاثنين واحد ... مبطلاً بجسده ناموس الوصايا " (أفسس ٢/ ١٤ - ١٥)، فقد بطل الناموس لأن "الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس، بل بإيمان يسوع، لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما " (غلاطية ٢/ ١٦).
يقول الأب متى المسكين: "فبموته ألغى الناموس، وبإلغاء الناموس أُلغيت الخطية، وبإلغاء الخطية أُلغي الموت، وبإلغاء الموت أُلغيت الهاوية .. فلم يعد بعد موته خطية". (١)
وأما أولئك الذين يصرون على العمل بالناموس والنجاة من خلال التزام أوامر الله، فيرى بولس - الذي لم يتشرف برؤية المسيح - أنهم يسيئون للمسيح المخلص " قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس " (غلاطية ٥/ ٤)، لأنه " إن كان
стр. 194
بالناموس بر، فالمسيح إذا مات بلا سبب " (غلاطية ٢/ ٢١)، " أبناموس الأعمال، كلا، بل بناموس الإيمان، إذاً نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان، بدون أعمال الناموس " (رومية ٣/ ٢٧ - ٢٨).
وينعي بولس على اليهود الذين يطلبون البر عن طريق الإيمان، من غير أن يدركوه كما أدركته الأمم التي آمنت ولم تعمل بأحكام الناموس " إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر، البر الذي بالإيمان، ولكن إسرائيل وهو يسعى في أثر ناموس البر، لم يدرك ناموس البر، لأنه فعل ذلك ليس بالإيمان، بل كأنه بأعمال الناموس، فإنهم اصطدموا بحجر الصدمة " (رومية ٩/ ٣٠ - ٣١).
ويقول أيضاً: " الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة، لا بمقتضى أعمالنا، بل بمقتضى القصد والنعمة التي أعطيت لنا في المسيح يسوع، الذي أبطل الموت، وأنار الحياة والخلود " (تيموثاوس (٢) ١/ ٩ - ١٠).
ويواصل: " ظهر لطف فخلصنا الله وإحسانه، لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس " (تيطس ٣/ ٤ - ٥).
ولذلك فإن بولس يرى أن لا حاجة إلى الشريعة والناموس، ويعلن إباحته لكل المحرمات من الأطعمة مخالفاً التوراة وأحكامها (انظر التثنية ١٤/ ١ - ٢٤)، فيقول: "أنا عالم ومتيقن في الرب يسوع أن لا شيء نجس في حد ذاته، ولكنه يكون نجساً لمن يعتبره نجساً " (رومية ١٤/ ١٤)، ويقول: "كل شيء طاهر للأطهار، وما من شيء طاهر للأنجاس" (تيطس ١/ ١٥)، "لأن كل خليقة الله جيدة، ولا يرفض شيء إذا أخذ مع الشكر" (تيموثاوس (١) ٤/ ٤)، وكذا فالمسيح بدمه المسفوح "محا الصك الذي علينا في الفرائض .. فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كولوسي ٢/ ١٤ - ١٦).
стр. 195
وهكذا وفي نصوص كثيرة أكد بولس أن لا فائدة من العمل الصالح والشريعة في تحصيل النجاة، وأن البر إنما يتحقق بالإيمان وحده.
وقد كان لهذه النصوص البولسية صدى كبير في النصرانية ونظرتها للشريعة.
فيقول لوثر أحد مؤسسي المذهب البروتستانتي: " إن الإنجيل لا يطلب منا الأعمال لأجل تبريرنا، بل بعكس ذلك، إنه يرفض أعمالنا ... إنه لكي تظهر فينا قوة التبرير يلزم أن تعظم آثامنا جداً، وأن تكثر عددها "، وهذا المعنى يستوحيه المصلح الإنجيلي الشهير من رسالة بولس إلى أهل رومية: "وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية، ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً" (رومية ٥/ ٢٠).
ويقول في تعليقه على يوحنا ٣/ ١٦: " أما أنا فأقول لكم إذا كان الطريق المؤدي إلى السماء ضيقاً وجب على من رام الدخول فيه أن يكون نحيلاً رقيقاً ... فإذا ما سرت فيه حاملاً أعدالاً مملوءة أعمالاً صالحة، فدونك أن تلقيها عنك قبل دخولك فيه، وإلا لامتنع عليك الدخول بالباب الضيق .. إن الذين نراهم حاملين الأعمال الصالحة هم أشبه بالسلاحف، فإنهم أجانب عن الكتاب المقدس. وأصحاب القديس يعقوب الرسول، فمثل هؤلاء لا يدخلون أبداً ".
ويقول: " إن السيد المسيح كي يعتق الإنسان من حفظ الشريعة الإلهية قد تممها هو بنفسه باسمه، ولا يبقى على الإنسان بعد ذلك إلا أن يتخذ لنفسه، وينسب إلى ذاته تتميم هذه الشريعة بواسطة الإيمان، ونتيجة هذا التعليم هو أن لا لزوم لحفظ الشريعة، ولا للأعمال الصالحة ".
ويقول الإصلاحي الشهير ملانكثون في كتابه " الأماكن اللاهوتية ": " إن كنت سارقاً أو زانياً أو فاسقاً لا تهتم بذلك، عليك فقط أن لا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة، وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك قبل أن تخطئ بزمن مديد ".
стр. 196
ويقول القس لبيب ميخائيل: " الأعمال الصالحة حينما تؤدى بقصد الخلاص من عقاب الخطيئة تعتبر إهانة كبرى لذات الله، إذ أنها دليل على اعتقاد من يقوم بها، بأن في قدرته إزالة الإساءة التي أحدثتها الخطيئة في قلب الله عن طريق عمل الصالحات ... وكأن قلب الله لا يتحرك بالحنان إلا بأعمال الإنسان، وياله من فكر شرير ومهين ". (١)
وهذا كله مستقى من بولس حين قال: " الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس .. لأنه بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما .. لأنه إن كان الناموس بر، فالمسيح إذاً مات بلا سبب " (غلاطية ٢/ ١٦ - ٢١).
وهكذا كانت عقيدة الخلاص البولسية سبيلاً لإلغاء الشريعة والتحلل من التزاماتها.
الخلاص والأعمال عند المسيح وتلاميذه
وإذا كان بولس ولوثر لا يريان للأعمال والناموس أثراً في تبرير الإنسان وفدائه؛ فإن نصوصاً كثيرة تشهد بغرابة هذه الفكرة عن المسيح وأتباعه، إذ الأعمال حسب تعليمهم هي الطريق إلى ملكوت الله الأخروية.
ومن ذلك أن المسيح أمر بالتزام الشريعة "خاطب يسوع الجموع وتلاميذه قائلاً: على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا، لأنهم يقولون ولا يفعلون" (متى ٢٣/ ١ - ٣).
وفي شأن الناموس وتعظيمه قال: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأكمّل، فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء
стр. 197
والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (متى ٥/ ١٧ - ١٨)، فهو مخالف لبولس الذي زعم أن المسيح أبطل الناموس بجسده المعلق على الصليب.
هذا ولم يذكر المسيح في نصائحه لأتباعه شيئاً عن الخلاص بغير عمل، فقد جاءه رجل: "وقال له: أيها المعلم الصالح: أية صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟
فقال له: لماذا تدعوني صالحاً، ليس أحد صالح إلا واحد، وهو الله، ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. قال له: أية الوصايا؟ فقال يسوع: لا تقتل. لا تزن. لا تسرق. لا تشهد بالزور ... " (متى ١٩/ ١٦ - ٢٠)، فلم يطلب منه المسيح الإيمان فقط، بل طالبه بالعمل بما جاء في وصايا موسى ﵇ (انظر الخروج ٢٠/ ١ - ٧).
وفي مرة أخرى قال المسيح لتلاميذه: " فإني أقول لكم: إن لم يزد بِركم على الكتبة والفريسيين، فلن تدخلوا ملكوت السماوات" (متى ٥/ ٢٠)، فلئن كان بطرس ويوحنا محجوبين عن الملكوت إلا بعمل صالح يشفع لهما، فماذا عن مصير أولئك الذين تبعوا بولس وأبطلوا الناموس.
ويشرح العلامة ديدات النص، فيقول: " أي لا جنة لكم حتى تكونوا أفضل من اليهود. وكيف تكونون أفضل من اليهود، وأنتم لا تتبعون الناموس والوصايا؟ ".
وفي موضع آخر يقول المسيح، وهو ينبه إلى أهمية الكلام وخطر اللسان، فيقول: " أقول لكم: إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين، لأنك بكلامك تتبرر، وبكلامك تدان" (متى ١٣/ ٣٦ - ٣٧).
والذين يعملون الصالحات هم فقط الذين ينجون يوم القيامة من الدينونة، فيما يحمل الذين عملوا السيئات إلى الجحيم، من غير أن يكون لهم خلاص بالمسيح أو غيره،
стр. 198
"تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة" (يوحنا ٥/ ٢٨ - ٢٩).
وأكد المسيح على أهمية العمل الصالح والبر، فقال للتلاميذ: " ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب، يدخل ملكوت السموات. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة، فحينئذ أصرّح لهم: إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (متى ٧/ ٢٠ - ٢١)، فهؤلاء الذين يصنعون المعجزات والقوات باسم المسيح، سيتنكر لهم ويتخلى عنهم يوم القيامة، لما ارتكبوه من الموبقات، أي لمخالفتهم ناموس الله وشريعته.
وأيضاً، فإن المسيح طلب من تلاميذه - بعد القيامة - أن يكرزوا ويدعوا الناس للتوبة من ذنوبهم ليحصلوا على غفران الخطايا، فقد أمر كل واحد منهم "أن يُكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم " (لوقا ٢٤/ ٤٧)، ولو كان الخلاص متحققاً بالإيمان لكانت الدعوة إلى التوبة ضرباً من ضروب العبث وإضاعة الأوقات والتنكر للهبات.
وقد ضرب المسيح ﵇ لتلاميذه مثلاً، بيّن فيه حال العامل بالناموس فقال لهم: "لماذا تدعونني: يا رب يا رب، وأنتم لا تفعلون ما أقوله؟ كل من يأتي إلي، ويسمع كلامي، ويعمل به، أريكم من يشبه؟
يشبه إنساناً بنى بيتاً وحفر وعمق، ووضع الأساس على الصخر، فلما حدث سيل صدم النهر ذلك البيت، فلم يقدر أن يزعزعه، لأنه كان مؤسساً على الصخر.
وأما الذي يسمع ولا يعمل، فيشبه إنساناً بنى بيته على الأرض، ومن دون أساس، فصدمه النهر حالاً، وكان خراب ذلك البيت عظيماً " (لوقا ٦/ ٤٦ - ٤٩).
стр. 199
والمسيح ﵇ لم يعلم شيئاً عن رفع الشريعة ونسخها بدمه كما زعم بولس، لذا نراه وعبر أقواله وأفعاله يؤكد على العمل بالناموس في مستقبل الأيام، فها هو يحذر تلاميذه مما سيصيبهم حين ظهور رجسة الخراب التي أخبر عنها دانيال، ويشفق عليهم أن تكون في سبت أو شتاء، حيث يصعب الهرب في الشتاء، ويمتنع ديانة في السبت، الذي كان يحترمه المسيح، كما أمر بذلك ناموس موسى، يقول: "فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس، ليفهم القارئ، فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال ... وصلّوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت، لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن" (متى ٢٤/ ١٥ - ٢١).
وكذا النسوة اللاتي تبعن جنازة المصلوب لم يعرفن شيئاً عن رفع الشريعة ونسخها بموت المسيح، فقد استرحن في السبت معظمات للوصية التوراتية "فرجعن وأعددن حنوطاً وأطياباً، وفي السبت استرحن حسب الوصية" (لوقا ٢٣/ ٥٦)، فما بال النصارى اليوم يعملون بالسبت ولا يحترمونه، كما يصنع اليهود!
لقد أدرك المسيح والنسوة أن العمل يوم السبت خرق للشريعة الأبدية التي أمر الله بها في التوراة، فقد جاء فيها " أما اليوم السابع ففيه سبت عطلة مقدّس للرب، كل من صنع عملاً في يوم السبت يقتل قتلاً، فيحفظ بنو إسرائيل السبت، ليصنعوا السبت في أجيالهم عهداً أبدياً، هو بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد" (الخروج ٣١/ ١٥ - ١٧).
وليس عهد السبت العهد الأبدي الوحيد الذي هجره النصارى مما ألزمتهم به شريعة الله، بل الختان أيضاً، فقد جاء في سفر التكوين "يختن ختاناً وليد بيتك والمبتاع بفضتك، فيكون عهدي في لحمكم عهداً أبدياً، وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته، فتقطع تلك النفس من شعبها، إنه قد نكث عهدي" (التكوين ١٧/ ١٣ - ١٤)، ويشاركهم في هذه الشريعة النازل في أرضهم، المشارك في فصحهم من الأمم.
стр. 200
(انظر الخروج ١٢/ ٤٨) إن الذين لا يختتنون من نصارى اليوم قد نكثوا عهد الله الأبدي، وتبطلوا عن شرعه وهديه.
أما يخشى هؤلاء المتبطلون عن ناموسه أن تصيبهم لعنة من الله، فإنه " ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس، ليعمل بها " (التثنية ٢٧/ ٢٦).
ولو تأملنا الحوار الذي جري قبل وأثناء مجمع أورشليم الأول الذي اجتمع فيه التلاميذ للمباحثة حول إسقاط شريعة الختان وغيرها من الشرائع اليهودية، لو تأملنا ذلك لعرفنا بأن إبطال الشرائع الموسوية كان اجتهاداً من المجمع لكسب الأمم إلى المسيحية، ولم يكن بأمر المسيح ﵇، فقد بقي قوم من المؤمنين يدعون إلى إقامة هذه الشرائع بعد رفع المسيح بزمن، ولو كان قد بلغهم عنه إبطال الشريعة بدمه لاحتج به بعض المجتمعين في مجمع أورشليم، الذي انعقد بسبب إصرار بعض التلاميذ على التزام الأممين بالشريعة الموسوية "وانحدر قوم من اليهودية، وجعلوا يعلمون الإخوة أنه إن لم تختتنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا .. ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من مذهب الفريسيين وقالوا: إنه ينبغي أن يختنوا ويوصَوا بأن يحفظوا ناموس موسى، فاجتمع الرسل والمشايخ لينظروا في هذا الأمر" (أعمال ١٥/ ١ - ٦).
وهنا وقفة لابد منها، إذ النصارى يزعمون أن شرائع الناموس مرفوعة عنهم، وأنها خاصة ببني إسرائيل، فهذا ما يقوله بولس ومن تابعه في مجمع أورشليم، إنهم بذلك يخالفون المسيح مرة أخرى، حيث يقول في نص التثليث الشهير: " فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن وروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (متى ٢٨/ ١٨ - ٢٠)، فلئن كان المسيح أمرهم بتبشير الأمم وتنصيرهم؛ فإنه أمرهم أن ينقلوا إليهم جميع الوصايا التي أوصى بها تلاميذه، جميعها من غير أن يستثني منها وصية واحدة، فبماذا أوصى تلاميذه؟
стр. 201
لقد أوصاهم بحفظ الناموس والشريعة "على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون، فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه؛ فاحفظوه وافعلوه" (متى ٢٣/ ١ - ٣)، لكنهم يثبتون مرة أخرى أنهم بولسيون وليسوا مسيحيين.
ويلاحظ أدولف هرنك أن رسائل التلاميذ خلت من معتقد الخلاص بالفداء، بل إنها جعلت الخلاص بالأعمال كما جاء في رسالة يعقوب " ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد: إنّ له إيماناً، ولكن ليس له أعمال، هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟ ... الإيمان أيضاً إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته .. الإيمان بدون أعمال ميت " (يعقوب ٢/ ١٤ - ٢٠). (١)
ويقول: " كونوا عاملين بالكلمة، لا سامعين فقط، خادعين نفوسكم " (يعقوب ١/ ٢٢)، ويقول: " الديانة الطاهرة النقية عند الله الآب هي هذه: افتقاد اليتامى والأرامل في ضيقتهم، وحفظ الإنسان نفسه بلا دنس من العالم " (يعقوب ١/ ٢٧).
ويقول بطرس كبير الحواريين: " بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه. بل في كل أمة، الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده" (أعمال ١٠/ ٣٤).
وأما يوحنا فيقول: "كل من يفعل الخطية يفعل التعدي أيضاً، والخطية هي التعدي، وتعلمون أن ذاك أُظهر لكي يرفع خطايانا، وليس فيه خطية، كل من يثبت فيه لا يخطئ، كل من يخطئ لم يبصره ولا عرفه، أيها الأولاد لا يضلّكم أحد، من يفعل البر فهو بار، كما أن ذاك بار، من يفعل الخطية فهو من إبليس، لأن إبليس من البدء يخطئ، لأجل هذا أُظهر ابن الله، لكي ينقض أعمال إبليس، كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية، لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله، بهذا أولاد
стр. 202
الله ظاهرون، وأولاد إبليس، كل من لا يفعل البر فليس من الله ... " (يوحنا (١) ٣/ ٤ - ١٠).
ويقول: "لنا ثقة من نحو الله، ومهما سألنا؛ ننال منه، لأننا نحفظ وصاياه ونعمل الأعمال المرضية أمامه، وهذه هي وصيته أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح، ونحب بعضنا بعضا، كما أعطانا وصية، ومن يحفظ وصاياه يثبت فيه، وهو فيه" (يوحنا (١) ٣/ ٢١ - ٤٢) ومثل هذا كثير في أقوال المسيح والحواريين.
والعجب أن بولس نفسه الذي أعلن نقض الناموس وعدم فائدة الأعمال لتحقيق التبرير، وأن الخلاص إنما يكون بالإيمان، هو ذاته أكد على أهمية العمل الصالح في مناسبات أخرى، ويعتبره سبب الخلاص وباب الحياة الأبدية، منها قوله: " إن الذي يزرعه الإنسان، إياه يحصد أيضاً ... فلا تفشل في عمل الخير لأننا سنحصده في وقته" (غلاطية ٦/ ٧).
ويقول: " بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون " (رومية ٢/ ١٣).
وفي رسالته إلى تيموثاوس يقول بولس: " أوصي الأغنياء ... وأن يصنعوا صلاحاً، وأن يكونوا أغنياء في أعمال صالحة، وأن يكونوا أسخياء في العطاء، كرماء في التوزيع، مدخرين لأنفسهم أساساً حسناً للمستقبل، لكي يمسكوا بالحياة الأبدية " (تيموثاوس (١) ٦/ ١٧ - ١٩).
ويقول: "كل واحد سيأخذ أجرته حسب تعبه" (كورنثوس (١) ٣/ ٨).
وأخيراً، فإن بولس بتنقصه السالف للناموس وإبطاله له مستحق للوعيد الشديد الذي جعله المسيح لمثل هذا الفعل وذلك في قوله: " لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض، بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس، حتى يكون الكل،
стр. 203
فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى، وعلم الناس هكذا يدعى: أصغر في ملكوت السماوات " (متى ٥/ ١٧ - ١٩)، فلئن كان ناقض إحدى الوصايا الصغرى يدعى أصغر في ملكوت الله، فماذا عساه يدعى من نقض وأبطل كل الناموس؟!
الدينونة دليل بطلان عقيدة الخلاص
وتتحدث النصوص المقدسة عند النصارى عن الدينونة والجزاء الأخروي الذي يصير إليه العصاة والمذنبون من النصارى وغيرهم، وهو مبطل لمعتقدات كافة الفرق النصرانية في الفداء، وهو مبطل لما زعموه من نسخ الشريعة بصلب المسيح.
فالنصارى يتحدثون في أناجيلهم عن الدينونة التي يعطيها الله يومئذ للمسيح، ففي يوحنا " وقد أعطاه السلطان لأن يدين، لأنه ابن إنسان " (يوحنا ٥/ ٢٧).
كما تتحدث النصوص - المقدسة عندهم - أيضاً عن وعيد في النار لبعض البشر، فدل ذلك على أنهم غير ناجين خلافاً لقول الكثيرين من البروتستانت " متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة والقديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده ... ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته .. " (متى ٢٥/ ٣١ - ٤٢).
ومثله قوله: " يرسل ابن الإنسان ملائكته، فيجمعون في ملكوته جميع المعاثر، وفاعلي الإثم، ويطرحونهم في أتون النار " (متى ١٣/ ٤١ - ٤٢).
ومثله أيضاً قول متى: " وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له، لا في هذا العالم ولا في الآتي " (متى ١٢/ ٣٢).
ومثله تهديد يوحنا المعمدان لبني إسرائيل من الاتكال على النسب من غير توبة وعمل صالح، إذ يقول: " يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي،
стр. 204
فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة، ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم: لنا إبراهيم أباً " (متى ٣/ ٧ - ٩).
ويقول المسيح لهم: " أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم " (متى ٢٣/ ٣٣)، فلم يحدثهم عن الفداء البروتستنتي الذي سيخلصون به من الدينونة.
بل توعدهم بجهنم فقال: " خير لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يلقى جسدك كله في جهنم " (متى ٥/ ٢٩).
ومثله ما جاء في سفر حزقيال من وعيد الله للذين لا يتوبون من بني إسرائيل أو غيرهم فقال: "توبوا، وارجعوا عن أصنامكم وعن كل رجاساتكم ... لأن كل إنسان من بيت إسرائيل أو من الغرباء ... إذا ارتد عني ... أجعل وجهي ضد ذلك الإنسان، وأجعله آية ومثلاً واستأصله " (حزقيال ١٤/ ٦ - ٨).
وقد خاطب المسيح تلاميذه: " فإني أقول لكم: إنكم إن لم يزد بِركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات، قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم، وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلاً، يكون مستوجب الحكم (١)، ومن قال لأخيه: رقا، يكون مستوجب المجمع، ومن قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم" (متى ٥/ ٢٠ - ٢٣).
وقال بولس متوعداً الممتلئين من كل إثم وشرّ، المشحونين حسداً وقتلاً: "الذين إذ عرفوا حكم الله، إن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت" (رومية ١/ ٣٢)، إن القتل أو الرجم هو عقوبتهم التي استوجبوها بسبب ذنوبهم وشرورهم، ولن
стр. 205
يرفعها عنهم صلب المسيح ﵇.
ويضيف بولس مبشراً هؤلاء العصاة بدينونة الله العادلة التي تتنظرهم جزاء فجورهم: "ونحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه، أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه، وأنت تفعلها، أنك تنجو من دينونة الله" (رومية ٢/ ٢ - ٣).
فلو كان الناس كلهم ينجون بالفداء كما قال البرتستانت، لما كان لهذه النصوص معنى.
ثم إن كان الفداء عاماً لكل البشر ولكل الخطايا، فإن هذا الفداء يشمل الإباحيين الذين يرتكبون الموبقات ويملؤون الأرض بالفساد، وتكون عقيدة الفداء والخلاص سُلماً للرذيلة ودعوة للتحلل والفساد باسم الدين.
ثم القول بفداء الجميع يجعل ضمن الناجين أعداء الأنبياء كالفراعنة والجبابرة وعتاة المجرمين، بل ويشمل اليهود الذي تآمروا على المسيح، ويهوذا الأسخريوطي، التلميذ الخائن الذي كان حاله أفضل من حال كثيرين من الخطاة - اليوم - الذين يتوقعون الخلاص بدم المسيح رغم آثامهم وذنوبهم، لقد مات يهوذا نادماً تائباً، وعبَّر عن توبته بردِّ ثمن الخيانة، وعن ندمه بقتل تلك النفس الخبيثة التي مارست الخطيئة.
وهنا نتساءل لماذا لا يقول أحد بخلاص يهوذا بدم المسيح المصلوب، بل نعجب لماذا تركه المسيح ينتحر؟ ولماذا لم يخبره بأن خلاصه قريب جداً، وأن لا داعي للانتحار، بل لماذا قال عنه: "كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد" (مرقس ١٤/ ١٢) أوليس له حظ في هذا الخلاص كغيره من المليارات المؤمنة بالمسيح، والتي ما فتئت ترتكب الموبقات، لكنها واثقة من الخلاص " لأنه هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا ٣/ ١٦).
стр. 206
مصادر عقيدة الفداء والخلاص
في مجمع نيقية المنعقد في سنة ٣٢٥م تقررت عقيدة الفداء والخلاص، حين صدر عنه الأمانة التي يؤمن بها سائر النصارى، وفيها: " الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وتألم ومات، وقام أيضاً في اليوم الثالث "، فمن أين استقى المجتمعون هذه العقيدة المهمة من عقائد النصرانية؟
دور بولس في نشأة فكرة الفداء في النصرانية
لعلنا لا نجاوز الحقيقة إذا قلنا بأن بولس هو الأب الحقيقي لقصة الفداء والخلاص في النصرانية، حيث تظهر بجلاء ووضوح في كلماته كما قد بينا بعضه من قبل، وأوضحها قوله: " ولكن الله بين محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا، فبالأولى كثيراً، ونحن متبررون الآن بدمه، نخلص به من الغضب، لأنه - وإن كنا ونحن أعداء - قد صولحنا مع الله بموت ابنه .. من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع ... لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، الذي هو مثال الآتي .. لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولى كثيراً نعمة الله، والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين ... " (رومية ٥/ ٨ - ١٥).
وقد صرح بولس بأهمية فكرة الفداء عنده إذ قال: " لأني لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوباً " (كورنثوس (١) ٢/ ٢).
ويقول في ذلك الأب بولس إلياس الخوري: " مما لا ريب فيه أن الفكرة الأساسية التي ملكت على بولس مشاعره، فعبر عنها في رسائله بأساليب مختلفة هي
стр. 207
فكرة رفق الله بالبشر، وهذا الرفق بهم هو ما حمله على إقالتهم من عثارهم، فأرسل إليهم ابنه الوحيد، ليفتديهم على الصليب ... وهذه الفكرة عينها هي التي هيمنت على إنجيل لوقا ".
ويقول ارنست دي بوش في كتابه " الإسلام: أي النصرانية الحقة ": إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه، من الذين لم يروا المسيح، لا من أصول النصرانية الأصلية ". (١)
ففكرة الفداء والخلاص بدعة بولسية لم يقلها المسيح، ولم يعرفها الحواريون، فنصوص الأناجيل التي تحدثت عن الفداء نصوص لا يفهم منها خالي الذهن تلك العقيدة التي فهمها النصارى.
وعقيدة بهذه الأهمية ما كان المسيح ليضِنّ على البشر ببيانها وتوضيحها، إذ يزعمون أن مصير البشرية يتعلق بالإيمان بها، فقد تعلق بها هلاك البشر ونجاتهم.
ويحاول النصارى التأكيد على ورود هذا المعتقد على لسان المسيح وتلاميذه، ويتعلقون ببعض نصوص الإنجيليين، ومن هذه النصوص: قول متى: " فستلد ابناً، وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" (متى ١/ ٢١)، ومثله: " إنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب " (لوقا ٢/ ١١)، ومثله " لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته لجميع الشعوب " (لوقا ٢/ ٣٠)، و " كما أن ابن الإنسان لم يأت ليُخدم، بل ليَخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (متى ٢٠/ ٢٨)، و"هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا " (متى ٢٦/ ٢٨)،
стр. 208
و" لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك " (لوقا ١٩/ ١٠).
ولعل أوضح نصوص الأناجيل ما كتبه يوحنا: " لأنه هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية، لأنه لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم " (يوحنا ٣/ ١٦ - ١٧).
وأول ملاحظة نذكرها أن أغلب هذه النصوص هي من قول التلاميذ، ولم ينسبوها إلى المسيح.
ثم هذه النصوص جميعاً قد كتبت بعد أن دوّن بولس رسائله، فأول الإنجيليين تأليفاً هو مرقس، وقد دوّن إنجيله بعد وفاة بولس سنة ٦٧م.
ولا ريب أن في هذه النصوص - رغم عدم قطعية دلالتها على عقيدة النصارى - صدىً لما كان قد خطه بولس في رسائله.
وهذه النصوص خلت من الحديث عن الخطيئة الأولى الموروثة وخطايا العالم اللاحقة والماضية، وأين فيها الحديث عن الحرية المسلوبة، والإرادة ... وعليه فإن خالي الذهن لا يمكن أن يتوصل إلى معتقد النصارى من خلال هذه النصوص.
وقد مال إلى تبسيط معاني تلك النصوص - التي يحتج بها النصارى على الفداء والكفارة - منكرو معتقد الكفارة والفداء من النصارى أنفسهم - كما ذكرت دائرة المعارف البريطانية -، ومنهم الفرقة السوزينية، والمؤرخ كوائليس تيسي، وايبي لارد. (١)
فمثلاً قول المسيح: " ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك "
стр. 209
(لوقا ١٩/ ١٠) لم يكن في سياق الحديث عن الخلاص بدم المسيح المصلوب، بل جاء في سياق الحديث عن الخلاص بالعمل الصالح الذي أمر به المسيح، فقد ورد هذا القول في سياق قصة التلميذ زكا الذي أعطى نصف أمواله للفقراء، فنجا بسبب ذلك "فقال له يسوع: اليوم حصل خلاص لهذا البيت، إذ هو أيضاً ابن إبراهيم، لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلّص ما قد هلك" (لوقا ١٩/ ١٠).
وأما شهادة المعمدان بأن المسيح هو " حمل الله الذي يرفع خطية العالم" (يوحنا ١/ ٢٩) فهو قول مهم، لكن لم يفهم منه قائله (المعمدان) ما تفهمه الكنيسة اليوم، يقول القس سمعان كلهون: "ولعل يوحنا لم يفهم شهادته كما نقدر نحن الآن أن نفهمها بواسطة كل النور المندفع عليها من العهد الجديد، وخصوصاً الرسالة إلى العبرانيين، ولكنه رأى وأراد أن يرى الآخرون في المسيح الطريق المعينة من الله بحياته وموته للتكفير عن جميع معاصي كل تائب مؤمن". (١)
ولئن كانت الفكرة تائهة عند الإنجيلين فهي كذلك عند بقية تلاميذ المسيح وحوارييه الذين لا تجد لديهم بقصة الفداء خبراً، فلم ترد عنهم نصوص تبيين علمهم بهذه المسألة، وهذا لا ريب دال على كونها من صنع بولس وتأليفه، وأن المسيح لم يخبر بها، ولم يعلمها أصلاً.
وفي ذلك يقول شارل جنيبر: " إن موت عيسى في نظر الإثني عشر ليس بالتضحية التكفيرية ".
والحواريون لم يعلموا أصلاً بأن المسيح سيصلب، فضلاً عن أن يكونوا قد فهموا أنه سيصلب فداء لخطايا الناس، وكما قال مرقس: " كان يعلم تلاميذه، ويقول لهم:
стр. 210
إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه، وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث، وأما هم فلم يفهموا القول، وخافوا أن يسألوه " (مرقس ٩/ ٣٠ - ٣٢).
يقول الأب متى المسكين: "بالرغم من وضوح تنبؤ المسيح الدقيق عن كيفية موته .. والتلميح إلى محاكمة الأمم له ووصف جميعه آلامه، ثم الصلب والموت والقيامة، لكن لم يستطع التلاميذ على وجه الإطلاق أن يفهموا شيئاً من كل ذلك، لأن كل آمالهم كانت في ملكه السعيد الآتي وكيف سيجلسون معه في عرشه". (١)
ومن هؤلاء التلاميذ التلميذان المنطلقان إلى عمواس، فقد جهلا مسألة الفداء والأبعاد التكفيرية لصلب المسيح، وهذا بينه واضح لمن رأى جوابهما للمسيح الذي ظهر لهما متنكراً وسألهما: "ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين"، فأخبره التلميذان بأنهما حزينان على المسيح الذي "أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه، ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك " (لوقا ٢٤/ ١٧ - ٢١). لقد جهل التلميذان موضوع الخلاص بموت المسيح، فهما يبحثان عن خلاص آخر، وهو الخلاص الذي يأتي به النبي الذي تنتظره بنو إسرائيل.
يقول القس الخضري: "وكلمة (يفدي) هنا لا تعني ما نفهمه نحن حالياً: أي فداء الخاطئ من خطاياه، بل تعني أن ينقذ أو يحرر ". (٢)
وأيضاً جهلت الجموع التي شهدت الصلب أن ذلك الصلب يكفر الخطيئة
стр. 211
ويرفعها، ولنتأمل ما ذكره لوقا في وصف الجموع وحزنهم على المسيح الذي ظنوه مصلوباً " وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان، رجعوا وهم يقرعون صدورهم، وكان جميع معارفه ونساء كن قد تبعنه من الجليل واقفين من بعيد ينظرن ذلك " (لوقا ٢٣/ ٤٨ - ٤٩).
ولو كان ما يقوله النصارى في الفداء صحيحاً لكان ينبغي أن يحتفلوا بموت المسيح لخلاص البشرية وخلاصهم من الذنب الذي ناءت بحمله البشرية قروناً مديدة.
الخلاص والفداء في الأسفار الكتابية
كما ينبغي حمل النصوص المتحدثة عن المسيح المخلص على المعاني التي أطلقها الكتاب، لا المعاني التي يقررها بولس والكنيسة في مجامعها، فقد تحدث الكتاب المقدس عن عدد من الفادين والمخلصين، وليس في شيء منها المعنى الذي زعمه بولس وأضرابه.
فقد سمت التوراة موسى فادياً، وهو لم يمت كفارة لأحد، "هذا موسى الذي أنكروه قائلين: من أقامك رئيساً وقاضياً، هذا أرسله الله رئيساً وفادياً بيد الملاك الذي ظهر له في العليقة، هذا أخرجهم صانعاً عجائب وآيات في أرض مصر وفي البحر الأحمر، وفي البرية أربعين سنة" (أعمال ٧/ ٣٥)، فالمقصود الخلاص الدنيوي من يد فرعون وجنوده.
وهذا المعنى من معاني الفداء والخلاص معروف في الأسفار التوراتية التي تحدثت عن الفادي من أهوال الدنيا وشدائدها، وهي تذكر نجاة بني إسرائيل من المصائب "أخرجكم الرب بيد شديدة، وفداكم من بيت العبودية من يد فرعون ملك مصر" (التثنية ٧/ ٨)، ومثله في (التثنية ١٣/ ٥).
ومثله في قوله: "اغفر لشعبك إسرائيل الذي فديت يا رب، ولا تجعل دم بري في
стр. 212
وسط شعبك إسرائيل، فيغفر لهم " (التثنية ٢١/ ٨ - ٩).
وكذا في سفر المزامير سمى الربَ فادياً "الرب فادي نفوس عبيده، وكل من اتكل عليه لا يعاقب" (المزامير ٣٤/ ٢٢).
وفي نص آخر يؤكد إشعيا هذا المعنى للفداء والخلاص، فيقول: " هكذا قال الرب فادي إسرائيل: قدوسُه للمهان النفس، لمكروه الأمة، لعبد المتسلطين" (إشعيا ٤٩/ ٧)، فأطلق على الله لقب الفادي والمخلص، فالفداء أو الخلاص له معان أوسع من الذبيحة والمعاوضة التي يصر عليها بولس.
ومن هذا النوع من الخلاص ما قام به المخلص أهود "وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب، فأقام لهم الرب مخلّصاً أهود بن جيرا البنياميني" (القضاة ٣/ ١٥).
فهذه النصوص جميعاً تتحدث عن فداء وخلاص أرضي، وهذا الخلاص رحمة من الله وفضل، ولا يحتاج لدم يسفكه الفادي.
ومهمة الخلاص والفداء الذي سيقدمه المسيح لا تختلف عن هذا المعنى، فقد حصر زكريا الكاهن مهمة الفداء المسيحي بالفداء والخلاص الأرضي، فالمسيح القادم سيخلص شعبه من أعدائهم، كما تتابع على البشارة بذلك الأنبياء، ومثلهم زكريا الذي شكر الله على نعمة المسيّا المولود "قائلاً: مبارك الرب إله إسرائيل، لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه، وأقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه، كما تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر، خلاص من أعدائنا ومن أيدي جميع مبغضينا، ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس، القسم الذي حلف لإبراهيم أبينا، أن يعطينا أننا بلا خوف مُنقَذين من أيدي أعدائنا، نعبده بقداسة وبر قدامه جميع أيام حياتنا" (لوقا ١/ ٦٨ - ٧٥).
يقول الأب متى المسكين: "الخلاص الذي يتكلم عنه زكريا الكاهن ليس هو
стр. 213
الخلاص الروحي، بل الخلاص من الأعداء الظاهرين المستولين على البلاد، كذلك الفداء .. فتصور الخلاص الذي رآه زكريا بأنه على مستوى القرن الضارب هو تصوير قديم يناسب ما قبل الصليب، لذلك يبقى سر الخلاص إلى آخر لحظة في العهد القديم منحجباً .. فالخلاص هو خلاص سياسي بمعنى التحرر من عبودية الرومان والوقوع تحت ظلم حكومتهم وعدائهم، وهذا هو الذي كان يقصده زكريا من قوله السابق". (١)
وهكذا فزكريا يتنبأ عن المسيح الفادي الذي تكلم عنه الأنبياء القديسون منذ الدهر، المسيح الذي يخلص شعبه من أعدائهم، كما حلف الرب لإبراهيم، ولم ينسب زكريا إلى الأنبياء معرفة الخلاص المسيحي، فهم لا يعرفون عنه شيئاً.
وما قلناه في حق الأنبياء يقوله القس سمعان كلهون عن معاصري المسيح من اليهود "فإنهم انتظروه مسيحاً، لكنهم توقعوا منه خلاصاً زمنياً فقط". (٢)
وهنا يحسن أن نتوقف مع الأب المسكين الذي رفض تصور زكريا للفداء ولوظيفة المسيا القادم، وأشار إلى ضعف هذا التصور وقصوره وخطئه وسذاجته حين قال: "تصوير قديم يناسب ما قبل الصليب"، وكأني بالأب المسكين لم يتنبه إلى أن هذا المفهوم الذي فهمه زكريا ونسبه إلى الأنبياء، إنما يستمده من كلام الروح القدس ووحيه، فالنص في مقدمته صريح في ذلك "وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس، وتنبأ قائلاً: مبارك الرب إله إسرائيل ... " (لوقا ١/ ٦٧)، فهل كان المعنى المسيحي للفداء والخلاص محجوباً عن الروح القدس كما هو محجوب عن الأنبياء؟
стр. 214
ثم شرع زكريا بالحديث عن ابنه المعمدان مبيناً دوره في هداية قومه إلى طريق الخلاص، فقال: "وأنت أيها الصبي، نبيَّ العلي تدعى، لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعدّ طرقه، لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم، بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المشرق من العلاء، ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، لكي يهدي أقدامنا في طريق السلام " (لوقا ١/ ٧٦ - ٧٩)، فليس المقصود بالفداء والخلاص ما يذكره النصارى عن الخلاص من الدينونة بدم المسيح، بل الفداء والتطهير والخلاص من مكر الأعداء وتسلطهم، ويكون بالتوبة والعمل الصالح.
وعلى هذا النحو سمى التلميذان المسيحَ فادياً، فقالا: " كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه. ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل " (لوقا ٢٤/ ٢٠ - ٢١)، أي كنا نرجو أن يكون خلاص بني إسرائيل من أعدائهم على يديه، لكنهم صلبوه وقتلوه.
ومن هذا الباب قول لوقا: «لأن ابن الإنسان قد جاء، لكي يطلب، ويخلص ما قد هلك» (لوقا ١٩/ ١٠)، وهو قول يتعلق به النصارى القائلون بأن المسيح جاء ليخلصنا بدمه المسفوح على خشبات الصليب، لكن النص يتحدث عن خلاص وقع لزكا رئيس العشارين في أريحا حين تاب وتعهد بدفع نصف أمواله للمساكين ورد المظالم إلى أهلها «فقال له يسوع: اليوم حصل خلاص لهذا البيت؛ إذ هو أيضًا ابن إبراهيم، لأن ابن الإنسان قد جاء، لكي يطلب، ويخلص ما قد هلك» (لوقا ١٩/ ٩ - ١٠)، فالمسيح خلَّص زكا حين أرشده إلى التوبة والإيمان والعمل الصالح، وهو خلاص جاء به أنبياء الله أجمعين، ولا يشير النص ـ من قريب أو بعيد ـ إلى الخلاص الذي يتحدث عنه النصارى بدم المسيح المذبوح.
عقيدة الفداء والوثنيات السابقة
سؤال يطرح نفسه: من أين أتى بولس بهذه العقيدة؟ هل هي من إبداعاته الذاتية أم أنه استقاها من مصادر قديمة؟ وإن كان كذلك فما هي هذه المصادر؟ وما مقدار استفادة بولس منها؟
стр. 215
الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها سطرها الأستاذ محمد طاهر التنير في كتابه الماتع "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية"، وعنه ننقل الكثير من صور التشابه التي نذكرها.
وراثة الذنب
مسألة وراثة الذنب مسألة معروفة في الفكر اليهودي قبل المسيحية بقرون عدة، وقد وردت عدة نصوص تتحدث عنها وتؤكدها، منها " صانع الإحسان لألوف، ومجازي ذنب الآباء في حضن بنيهم بعدهم، الإله العظيم الجبار رب الجنود اسمه " (إرميا ٣٢/ ١٨).
ومثله ما جاء في سفر التثنية: " لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر " (التثنية ٢٣/ ٢).
وجاء في سفر العدد " الرب طويل الروح كثير الإحسان يغفر الذنب والسيئة، ولكنه لا يبرئ، بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع " (العدد ١٤/ ١٨ - ١٩).
وفي سفر الخروج " غافر الإثم والمعصية والخطيئة، ولكنه لن يبرئ إبراء، مفتقد إثم الآباء في الأبناء، وفي أبناء الأبناء في الجيل الثالث والرابع " (الخروج ٣٤/ ٧).
ومثله ما نسبوه إلى دواد أنه قال: " هأنذا بالإثم صورت، وبالخطيئة حبلت بي أمي " (المزمور ٥١/ ٥). (١)
وقد تحدث إرميا عن احتجاج بني إسرائيل على هذا الظلم (انظر إرميا ١٦/ ١٠ - ١٣).