← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38188

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ السقار

Полный текст (228 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

- وعلى الرغم من أهمية شخصية يهوذا فإن أحداً من أصحاب الأناجيل - سوى متى - لم يذكر شيئاً عن موته، وقد اختار له متَّى ميتة سريعة سبقت حتى موت المسيح، وكأنه بذلك أراد أن يتخلص من الشخصية الغريبة، والتي اختفت منذ تلك الفترة. (انظر متى ٢٧/ ٣ - ٧)، وقارن مع (أعمال ١/ ١٨). وتناقض الروايتين وسكوت بقية الأناجيل يرجع لاختفاء يهوذا عن مسرح الأحداث في تلك الليلة التي قبض عليه فيها بدل المسيح. - وهنا سؤال آخر يطرح نفسه: كيف جهل رؤساء الكهنة شخص المسيح حتى احتاجوا إلى من يدلهم عليه مقابل ثلاثين من الفضة؛ كيف ذلك وهو الذي كان في الهيكل يعلم كل يوم. (انظر: لوقا ٢٢/ ٥٢). - وتذكر الأناجيل أن المسيح في ليلة الصلب تضرع إلى الله يدعوه أن يصرف عنه كأس الموت، فأين كان التلاميذ في تلك اللحظات العصيبة؟ لقد كانوا مع المسيح في البستان، لكنهم كانوا نياماً كما وصفهم لوقا بقوله:" ثم قام من الصلاة، وجاء إلى تلاميذه فوجدهم نياماً من الحزن " (لوقا ٢٢/ ٤٥)، لكن المعهود في البشر أنهم إذا خافوا طار النوم وعزّ. وهو ما يؤكده علماء النفس، ومرده فرز الغدة الكظرية لهرمون الأدرينالين في مجرى الدم، فيتعقب النوم ويطارده، إذاً كيف نام هؤلاء من الخوف!؟ - ومن التنافر في رواية الصلب أيضاً ما جاء في مرقس أن المسيح جاء إلى التلاميذ فوجدهم نياماً فقال: " ناموا الآن واستريحوا. يكفى. قد أتت الساعة. هو ذا ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة، قوموا لنذهب، هوذا الذي يسلمني قد اقترب " (مرقس ١٤/ ٤١) فكيف يتوافق قوله: "ناموا الآن واستريحوا " مع قوله في تمام الجملة: " قوموا لنذهب "؟ وكيف يطلب الهرب وهو يعرف أنه سيؤخذ ويصلب؟

стр. 37

كيف يهرب وهو - كما زعموا - تجسد ليصلب!؟ - ومن التنافر في الرواية الإنجيلية أن إنجيل يوحنا يُظهر الحكم على المسيح، وكأنه حكم إلهي نزل على رئيس الكهنة قيافا، وليس حكماً صادراً من مجمع للظّلَمة. يقول يوحنا: " فقال لهم واحد منهم. وهو قيافا كان رئيساً للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئاً، ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب، ولا نُهلك الأمة كلها، ولم يقل هذا من نفسه، بل إذ كان رئيساً للكهنة في تلك السنة تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة، وليس عن الأمة فقط، بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد " (يوحنا ١١/ ٤٩ - ٥٢). فالنص يصف قيافا بالنبوة، وبأنه عرف بالنبوة أن المسيح يموت عن الشعب، فكيف يصح هذا؟ وهو الذي حكم ظلماً على المسيح بالموت، كيف وهو أحد الظلمة الذين قال لهم المسيح: " ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة " (لوقا ٢٢/ ٥٣). كيف يأمر نبي بقتل نبي، فلو صحت نبوته لكان حكمه ردة، أو يكون قد حكم على غير المسيح. وفي محاولة للتبرير قال يوحنا فم الذهب: " إن روح القدس حرك لسان قيافا، لا قلبه، على أن قيافا لم يخط ضد الإيمان، بل ضد العدل والتقوى ". (١) وما اللسان إلا ترجمان للقلب، وإذا كان روح القدس هو الذي حرك قيافا، فلم كان قيافا خاطئاً ضد العدل والتقوى. وقد تعارض قيافا في فهمه لعموم الفداء وخصوصه، فهو يفهم أن موت المسيح

стр. 38

فداء لبني إسرائيل، بينما يوحنا في رسالته الأولى يقول: " هو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً" (يوحنا (١) ٢/ ٢). - وتذكر الأناجيل أن الجميع وقف ضد المسيح، وليس رؤساء الكهنة فحسب، بل حتى الجماهير كانت تنادي على بيلاطس وتقول: " اصلبه، اصلبه " وترفض إطلاقه، وتود إطلاق المجرم باراباس " كان بيلاطس يطلب أن يطلقه، ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين: إن أطلقت هذا فلست محباً لقيصر، كل من يجعل نفسه ملكاً يقاوم قيصر " (يوحنا ١٩/ ١٢)، ويقول مرقس: "فهيج رؤساء الكهنة الجمع لكي يطلق لهم بالحري باراباس. فصرخوا أيضاً: اصلبه ... فازدادوا جداً صراخاً: اصلبه، فبيلاطس إذ كان يريد أن يعمل للجمع ما يرضيهم .. " (مرقس ١٥/ ١١ - ١٥). فأين الجموع التي شفاها المسيح من البرص والعمى وغيره والتي تعد بالألوف؟ أين أولئك الذين استقبلوه وهو يدخل أورشليم راكباً على الجحش والأتان معاً؟ أين أولئك " الجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق، وآخرون قطعوا أغصاناً من الشجر، وفرشوها في الطريق، والجموع الذين تقدموا، والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين: أوصنّا لابن داود .. ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة: مَن هذا؟ " (متى ٢١/ ٨ - ١٠). أين ذهب هؤلاء؟ بل أين ذهب أصحاب المروءة والشهامة، وهم يرون المسيح يصفع ويضرب على غير ذنب أو جريرة؟ - ذكر مرقس قصة الرجل الذي هرب عرياناً فقال: " تبعه شاب لابساً إزاراً على عريه " (مرقس ١٤/ ٥٢)، ويدل هذا على أن قصة الصلب حصلت في شهور الصيف، ومما يؤيد ذلك أن الفصح عند اليهود - حيث حصلت حادثة الصلب - يكون في شهر نيسان.

стр. 39

لكن يوحنا يذكر ما يفيد أن القصة حصلت في شهور الشتاء، فقد وقف بطرس يوم محاكمة المصلوب، يحتمي من البرد بالنار، يقول يوحنا: " وسمعان بطرس كان واقفاً يصطلي " (يوحنا ١٨/ ٢٥)، فجمع الإنجيليون الصيف والشتاء في يوم واحد. - ثم إن بطرس - الذي يحتل في المسيحية مكاناً بارزاً، وجعلت الأناجيل بيده مفاتيح السماوات والأرض - أنكر المسيح في تلك الليلة ثلاث مرات، وأضاف إلى الإنكار حَلفاً ولعناً، لم تجرؤ أقلام الإنجيليين على بيان ذاك الذي لعنه بطرس، لكن لا يحتاج القارئ إلى كثير فطنة ليدرك أنه كان يلعن المقبوض عليه، ويبرأ منه ومن معرفته، فهل كان يلعن سيده المسيح أم المصلوب الخائن؟ وهذا الحلف واللعن سقوط لا يتفق مع خصوصية بطرس الذي كان ينبغي أن يكون مثالاً للثبات والقوة، فقد قال له المسيح: " ولكني طلبت من أجلك، لكي لا يفنى إيمانك، وأنت متى رجعت، ثبت إخوانك " (لوقا ٢٢/ ٣٢). كما أن الحلف منهي عنه عند النصارى، فكيف حلف بطرس، والمسيح قد علمهم: " لا تحلفوا البتة .. ، بل ليكن كلامكم: نعم نعم، لا لا، وما زاد على ذلك فهو شر " (متى ٥/ ٣٤ - ٣٧). وعليه فبطرس شرير، حلف كاذباً، والتوراة تقول: " .. لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً " (الخروج ٢٠/ ٧)، و " لا تحلف باسمي للكذب، فتدنس اسم إلهك، أنا الرب " (اللاويين ١٩/ ١٢) وخروج بطرس عن هذه الأحكام يجعله ملعوناً " ملعون من لا يقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها" (التثنية ٢٧/ ٢٦). ولا يمكن أن يصدر هذا الحلف واللعن من بطرس، فلا يمكن أن يهون عليه نبيه ومعلمه إلى هذا الحد، ولو فعل ذلك لما كان مستحقاً لاسم الإيمان، فضلاً عن المعجزات والخصائص المذكورة له في الأناجيل، وعليه فإن بطرس كان صادقاً محقاً في

стр. 40

حلفه ولعنه، إذ الملعون هو المصلوب، وهو ليس المسيح، بل غيره، وهو مستحق للإنكار واللعن. - وتُظهر الأناجيل المسيح على الصليب غاية في الضعف والهوان، يستجديهم الماء وهو يرى شماتتهم، ثم يُسمعهم صراخه .... ولا يتطابق هذا مع ما عُرف عن شخصية المسيح القوية، والتي تحدى فيها اليهود بأنهم سيطلبونه ولا يجدونه. (انظر يوحنا ٧/ ٢٣)، أو المسيح الذي دخل الهيكل فطرد الصيارفة (انظر مرقس ١١/ ١٥)، وصام أربعين يوماً قبلُ من غير أن يشكو جوعاً أو عطشاً. (انظر متى ٤/ ٢). فلم كل هذا الجزع، وممن؟ من المسيح الذي يدعون ألوهيته!! كيف يصدر هذا الخور منه وهو القائل لتلاميذه: " لا تضطرب قلوبكم، ولا ترهب، سمعتم أني قلت لكم: أنا أذهب ثم آتي إليكم، لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون، لأني قلت: أمضي إلى الآب " (يوحنا ١٢/ ٢٧ - ٢٨). - ويذكر الإنجيليون قيامه المسيح بعد الموت، وهذه أحد أكثر موضوعات الأناجيل إثارة، لما في رواياتها من تناقض وتنافر. فلم ظهر المسيح لتلاميذه ولم يظهر لأعدائه؛ فهذا أظهر لحجته، وأدعى للإيمان به، كما نتساءل عن موقف الكهنة وقد علموا من الحراس بخروج المسيح من القبر، كيف سكتوا عن ذلك، إن الأناجيل لا تذكر أنهم حركوا ساكناً، وكأن الأمر لا يعنيهم. وأنبه هنا إلى أن إنكار قيامة المسيح قديم، فهاهم أهل باغوس يحدثهم بولس "ولما سمعوا بالقيامة من الأموات كان البعض يستهزئون، والبعض يقولون سنسمع منك عن هذا أيضاً " (أعمال ١٧/ ٣٢). وقد قدم بولس للمحاكمة بسبب هذا القول الغريب الذي يشيعه بين الناس " فلما وقف المشتكون حوله لم يأتوا بعلّة واحدة مما كنت أظن، لكن كان لهم عليه مسائل

стр. 41

من جهة ديانتهم وعن واحد اسمه يسوع قد مات، وكان بولس يقول: إنه حيّ " (أعمال ٢٥/ ١٨ - ١٩). فلو كان أمر قيامة المسيح معلوماً مشهوراً لما رفضها المؤمنون ولا استهزأ بخبرها المعاصرون. ومما يدل على عدم صحة هذه القصة جهل تلاميذ المسيح بها " لأنهم لم يكونوا بعدُ يعرفون الكتاب، أنه ينبغي أن يقوم من الأموات " (يوحنا ٢٠/ ٩)، وعليه فإن فكرة سرقة الجسد من القبر كان إشاعة قديمة لتبرير القيامة. ومن الأدلة على كذب القيامة: وجود المسيح وظهوره، فوجوده دليل على أنه لم يمت، لأن التوراة تقول: " السحاب يضمحل ويزول، هكذا الذي ينزل إلى الهاوية لا يصعد " (أيوب ٧/ ٩)، والهاوية هي الموت، ولو كان المسيح قد مات لا يرونه بعدُ لأنه قال: " لأني ذاهب إلى أبي، ولا ترونني أيضاً " (يوحنا ١٦/ ١) ويؤكد هذا قوله: "الحق الحق أقول لكم: إنكم لا ترونني حتى يأتي وقت تقولون فيه: مبارك الآتي باسم الرب" (لوقا ١٣/ ٥). وهكذا ومن خلال هذا كله يتبين لنا أن الروايات الإنجيلية أقل بكثير من أن تصلح للاعتبار في مسألة مهمة كهذه، إذ هي عمل بشري ممتلئ بسائر أنواع الضعف البشري من خطأ وغلط واختلاق.

стр. 42

إبطال وقوع صلب المسيح بالدليل التاريخي يدعي النصارى أن المسلمين بقولهم بنجاة المسيح من الصلب ينكرون حقيقة تاريخية أجمع عليها اليهود والنصارى الذين عاصروا صلب المسيح ومن بعدهم. فكيف لنبي الإسلام وأتباعه الذين جاءوا بعد ستة قرون من الحادثة أن ينكروا صلب المسيح؟!! قد يبدو الاعتراض النصراني وجيهاً لأول وهلة، لكن عند التأمل في شهادة الشهود تبين لنا تناقضها وتفكك رواياتهم. ولدى الرجوع إلى التاريخ والتنقيب في رواياته وأخباره عن حقيقة حادثة الصلب، ومَن المصلوب فيها؟ يتبين أمور مهمة: - أن قدماء النصارى كثر منهم منكرو صلب المسيح، وقد ذكر المؤرخون النصارى أسماء فرق مسيحية كثيرة أنكرت الصلب. وهذه الفرق هي: الباسيليديون والكورنثيون والكاربوكرايتون والساطرينوسية والبارديسيانية والسيرنثييون والبارسكاليونية والبولسية والماينسية، والتايتانيسيون والفلنطانيائية والهرمسيون. وبعض هذه الفرق قريبة العهد بالمسيح، إذ يرجع بعضها للقرن الميلادي الأول ففي كتابه "الهرطقات مع دحضها " ذكر القديس الفونسو ماريا دي ليكوري أن من بدع القرن الأول قول فلوري: إن المسيح قوة غير هيولية، وكان يتشح ما شاء من الهيئات، ولذا لما أراد اليهود صلبه؛ أخذ صورة سمعان القروي، وأعطاه صورته، فصلب سمعان، بينما كان يسوع يسخر باليهود، ثم عاد غير منظور، وصعد إلى السماء. (١) ويبدو أن هذا القول استمر في القرن الثاني، حيث يقول المفسر جون فنتون

стр. 43

شارح متى (ص ٤٤٠): " إن إحدى الطوائف الغنوسطية التي عاشت في القرن الثاني قالت بأن سمعان القيرواني قد صلب بدلاً من يسوع". (١) وقد نقل أوريجانوس تقليداً شائعاً في عهده بأن يسوع كانت يستطيع في حياته أن يغير شكله وقتما وكيفما يشاء، ويقول إن هذا كان السبب في ضرورة قبلة يهوذا الخائن؛ وإلا فإن المسيح كان معروفاً لدى عموم أهل أورشليم. (٢) وقد استمر إنكار صلب المسيح، فكان من المنكرين الراهب تيودورس (٥٦٠م) والأسقف يوحنا ابن حاكم قبرص (٦١٠م) وغيرهم. ولعل أهم هذه الفرق المنكرة لصلب المسيح الباسيليديون الذين تعتبرهم الموسوعة الكاثوليكية في نسختها الإنجليزية من أهم الفرق النصرانية في القرن الثاني؛ وقد نقل عنهم سيوس في " عقيدة المسلمين في بعض مسائل النصرانية " والمفسر جورج سايل القول بنجاة المسيح، وأن المصلوب هو سمعان القيرواني، وسماه بعضهم سيمون السيرناي، ولعل الاسمين لواحد. وهذه الفرقة كانت تقول أيضاً ببشرية المسيح، يقول باسيليوس الباسليدي: " إن نفس حادثة القيامة المدعى بها بعد الصلب الموهوم هي من ضمن البراهين الدالة على عدم حصول الصلب على ذات المسيح". ولعل هؤلاء المنكرين لصلب المسيح قديماً هم الذين عناهم جرجي زيدان حين قال: " الخياليون يقولون: إن المسيح لم يصلب، وإنما صلب رجل آخر مكانه ". (٣)

стр. 44

ومن هذه الفرق التي قالت بصلب غير المسيح بدلاً عنه: الكورنثيون والكربوكراتيون والسيرنثيون. يقول جورج سايل: إن السيرنثيين والكربوكراتيين، وهما من أقدم فرق النصارى، قالوا: إن المسيح نفسه لم يصلب ولم يقتل، وإنما صلب واحد من تلاميذه، يشبهه شبهاً تاماً، وهناك الباسيليديون يعتقدون أن شخصاً آخر صلب بدلاً من المسيح. وثمة فِرق نصرانية قالت بأن المسيح نجا من الصلب، وأنه رفع إلى السماء، ومنهم الروسيتية والمرسيونية والفلنطنيائية. وهذه الفرق الثلاث تعتقد ألوهية المسيح، ويرون القول بصلب المسيح وإهانته لا يلائم البنوة والإلهية. (١) كما تناقل علماء النصارى ومحققوهم إنكار صلب المسيح في كتبهم، وأهم من قال بذلك الحواري برنابا في إنجيله. ويقول ارنست دي بوش الألماني في كتابه " الإسلام: أي النصرانية الحقة " ما معناه: إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس، ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح، لا في أصول النصرانية الأصلية. ويقول ملمن في كتابه " تاريخ الديانة النصرانية ": " إن تنفيذ الحكم كان وقت الغلس، وإسدال ثوب الظلام، فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف، وصدقهم القرآن ". (٢) وأخيراً نذكر بما ذكرته دائرة المعارف البريطانية في موضوع روايات الصلب

стр. 45

حيث جعلتها أوضح مثال للتزوير في الأناجيل. (١) وأما الطائفة التي يسميها القس الخضري بالرومانسيين (القرن التاسع عشر) فقد ذكروا أن المسيح "أنزل من على الصليب فاقد الوعي، وعالجه أطباء أسينيون إلى أن استرد قوته وظهر لتلاميذه الذين اعتقدوا أنه مات". (٢) وإذا كان هؤلاء جميعاً من النصارى، يتبين أن لا إجماع عند النصارى على صلب المسيح، فتبطل دعواهم بذلك. ويذكر معرِّب " الإنجيل والصليب " ما يقلل أهمية إجماع النصارى لو صح فيقول: إن العالم المسيحي العظيم الذي أطبق على ترك السبت خطأ ١٩٠٠ سنة، هو الذي أطبق على الصلب. وأما إجماع اليهود فهو أيضاً لا يصح القول به، إذ أن المؤرخ اليهودي يوسيفوس المعاصر للمسيح والذي كتب تاريخه سنة ٧١م أمام طيطوس لم يذكر شيئاً عن قتل المسيح وصلبه.

стр. 46

أما تلك السطور القليلة التي تحدثت عن قتل المسيح وصلبه في كتابه، فهي إلحاقات نصرانية كما جزم بذلك المحققون وقالوا: بأنها ترجع للقرن السادس عشر، وأنها لم تكن في النسخ القديمة. (١) ولو صح أنها أصلية فإن الخلاف بيننا وبين النصارى ومن وافقهم قائم في تحقيق شخصية المصلوب، وليس في وقوع حادثة الصلب. ﴿وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه﴾ (النساء: ١٥٧)، وهذا حال اليهود والنصارى فيه. ولكن قد يقال: إن المؤرخ الوثني تاسيتوس كتب عام ١١٧م كتاباً تحدث فيه عن المسيح المصلوب. وعند دراسة ما كتبه تاسيتوس، يتبين ضعف الاحتجاج بكلامه، إذ هو ينقل إشاعات ترددت هنا وهناك، ويشبه كلامه أقوال النصارى في محمد ﷺ في القرون الوسطى. ومما يدل على ضعف مصادره وتخبطه، ما ذكرته دائرة المعارف البريطانية، من أنه ذكراً أموراً مضحكة، فقد جعل حادثة الصلب حادثة أممية، مع أنها لا تعدو أن تكون شأناً محلياً خاصاً باليهود، ولا علاقة لروما بذلك. ومن الجهل الفاضح عند هذا المؤرخ، أنه كان يتحدث عن اليهود - ومقصده: النصارى. فذكر أن كلوديوس طردهم من رومية، لأنهم كانوا يحدثون شغباً وقلاقل يحرضهم عليها " السامي " أو " الحسن " ويريد بذلك المسيح. ومن الأمور المضحكة التي ذكرها تاسيتوس قوله عن اليهود والنصارى بأن لهم

стр. 47

إلهاً، رأسه رأس حمار، وهذا هو مدى علمه بالقوم وخبرته. كما قد شكك المؤرخون بصحة نسبة العبارة إلى تاسيتوس، ومنهم العلامة أندريسن وصاحبا كتابي " ملخص تاريخ الدين " و " شهود تاريخ يسوع ". وقد تحدث أندريسن أن العبارة التي يحتج بها النصارى على صلب المسيح في كلامه مغايِرة لما في النسخ القديمة التي تحدثت عن CHRESTIANOS بمعنى الطيبين، فأبدلها النصارى، وحوروها إلى: CHRISTIANOS بمعنى المسيحيين. وقد كانت الكلمة الأولى (الطيبين) تطلق على عُبّاد إله المصريين "أوزيريس"، وقد هاجر بعضهم من مصر، وعاشوا في روما، وقد مقتهم أهلها، وسموهم: اليهود، لأنهم لم يميزوا بينهم وبين اليهود المهاجرين من الإسكندرية، فلما حصل حريق روما؛ ألصقوه بهم بسبب الكراهية، واضطهدوهم في عهد نيرون. وقد ظن بعض النصارى أن تاسيتوس يريد مسيحهم الذي صلبوه، فحرف العبارة، وهو يظن أنه يصححها. ويرى العلامة أندريسن أن هذا التفسير هو الصحيح. وإلا كان هذا المؤرخ لا يعرف الفرق بين اليهود والنصارى، ويجهل أن ليس ثمة علاقة بين المسيح وروما. (١) وهكذا فإن التاريخ أيضاً ناطق بالحقيقة، مُثبت لما ذكره القرآن عن نجاة المسيح وصلب غيره.

стр. 48

إبطال صلب المسيح بنبوءات التوراة تحتل النبوءات في الفكر المسيحي مكانة سامقة، جعلت بعض النصارى يشترطون لصحة النبوة أن يسبقها نبوءة. وحادثة صلب المسيح - كما يعتبرها النصارى - أحد أهم أحداث المعمورة، فكان لابد وأن يتحدث عنها الأنبياء في أسفارهم، وأن يذكرها المسيح لتلاميذه. فهل أخبرت الأنبياء بصلب المسيح وقيامته؟ وهل أخبر المسيح تلاميذه بذلك؟ والإجابة النصرانية عن هذه التساؤلات: نعم، وأن ذلك في مواضع كثيرة من الأناجيل والرسائل والأسفار التوراتية. ولعل من نافلة القول أن نذكر بأن النصارى يعتبرون أسفار التوراة جزءً مقدساً كتابهم المقدس، كيف لا والأناجيل ما فتئت تحيل إلى هذه الأسفار، تستمد منها تنبؤاتها المستقبلية، التي تحققت في شخص المسيح في حياته أو حين صلبه. وللأسفار التوراتية دور عظيم في قصة صلب المسيح، فقد أكثر الإنجيليون في سردهم للقصة من الإحالة إلى أسفار التوراة؛ التي يرونها تتنبأ بالمسيح المصلوب، وكانت نصف هذه الإحالات إلى المزامير المنسوبة لداود وغيره. وقد أكد عيسى ﵇ لتلاميذه ضرورة أن تتحقق فيه النبوءات التوراتية بقوله: "لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير" (لوقا ٢٤/ ٤٤)، وقد قال لهم: " فتشوا الكتب ... وهي التي تشهد لي " (يوحنا ٥/ ٣٩). يقول جوش مكدويل: "هناك تسع وعشرون نبوءة في العهد القديم تتحدث عن خيانة المسيح (أي خيانة يهوذا للمسيح) ومحاكمته وموته ودفنه ... وتحققت كلها حرفياً

стр. 49

في أربع وعشرين ساعة من الزمان". (١) وبعض هذه النبوءات استشهد بها الإنجيليون في سياق روايتهم لقصة صلب المسيح، ومجموع هذه النبوءات أربع عشرة نبوءة، ذكر متى منها ستاً، ومرقس أربعاً، ولوقا اثنتين، بينما ذكر منها يوحنا سبع نبوءات. ونخلص من هذا إلى أهمية النبوءات التوراتية المتعلقة بصلب المسيح. ويبالغ النصارى في التركيز على أهمية وكثرة النبوءات التوراتية المتحدثة والمشيرة إلى المسيح، فيقول القمّص سرجيوس في كتابه " هل تنبأت التوراة عن المسيح ": " فالمسيح ساطع في كل الكتاب المقدس في إشراق دائم، وليس كالشمس التي تغيب عن نصف الأرض ليلاً، إذ ليس في التوراة أو كتب الأنبياء جزء تغرب عنه شمس المسيح، بل يشع اسمه، وشخصه، وصفاته، وأعماله، وظروفه، وأحواله في التوراة، وكتب الأنبياء، وفي ثنايا سطورها نجد المسيح في كل جملة، وفي كل إصحاح، وفي كل سفر من أسفارها. وما حروفها وكلماتها إلا خطوط أو ظلال لصورة المسيح المجيدة ... فنحن المسيحيين لا نهتم أين نفتح التوراة وكتب الأنبياء لنجد الكلام عن المسيح ... " (٢)، ورغم ما في الكلام من مبالغة، فإننا نستشف منه أهمية النصوص التوارتية في الدلالة على المسيح. ولسفر المزامير وموضوع الصلب شأن خاص، يصفه سرجيوس فيقول: " أما سفر المزامير فكان الهالة، التي أحاطت بكوكب يسوع، فتكلم حتى عن إحساساته العميقة، وآلامه المبرحة، ناهيك عن صفاته وألقابه، أكثر من أي نبي آخر، ويمكننا

стр. 50

القول، أن سفر المزامير هو سفر "مسِيّا" الخاص، بدليل أن الاقتباسات التي اقتبسها كتبة العهد القديم من سفر المزامير هذا بلغت نصف الاقتباسات المأخوذة من العهد القديم كله ". ويؤكد عبد الفادي القاهراني أهمية المزامير في كتابه " رب المجد " بقوله: " لم يوجد كتاب مليء بالإشارات والرموز والنبوءات عن المسيح أكثر من كتاب المزامير هذا، وعليه فأهميته في نظر اللاهوتيين تفوق الوصف ". (١) وقد ارتضى العلامة منصور حسين في كتابه الفريد "دعوة الحق بين المسيحية والإسلام" محاكمة النصارى في هذه المسألة إلى أسفار التوراة، ذلك بأنه ليس من المقبول أن يتصور أحد أن اليهود يغيرون كتبهم لتتمشى مع معتقدات النصارى، لذا فقد قبل هذه الكتب لتكون معياراً للكشف عن الحقيقة في هذه المسألة. وقبل أن نشرع في تلخيص دراسة الأستاذ منصور، فإنه يحسن التنبيه إلى نقاط الاختلاف والاتفاق بين المسلمين والنصارى في مسألة الصلب. النصارى يقولون بصلب المسيح، بينما يقول المسلمون بأنه لم يصلب، وأنه قد شُبه غيرُ المسيح به، ولا ينفون وقوع صلب لغيره. كما لا يمانع المسلمون أن يكون الله تعالى قد أنبأ المسيح بتعرضه للبلاء والامتحان وأن أحد تلاميذه سيسلمه لأعدائه "ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر، وفيما هم يأكلون قال: الحق أقول لكم: إن واحداً منكم يسلمني، فحزنوا جداً، وابتدأ كل واحد منهم يقول له: هل أنا هو يا رب؟ فأجاب وقال: الذي يغمس يده معي في الصحفة هو

стр. 51

يسلمني، إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه، ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان، كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد" (متى ٢٦/ ٢٠ - ٢٤). وقد تألم المسيح لذلك الخبر وارتاع، فقام يطلب من الله ويدعوه أن يصرف هذه المؤامرة عنه، دعا الله بلجاجة وحرارة أن ينجيه منها، زقضى الليل كله على هذه الحال، ويصور لنا متى حال المسيح وشدة ضراعته لله، فيقول: "جاء معهم يسوع إلى ضيعة يقال لها جثسيماني، فقال للتلاميذ: اجلسوا ههنا حتى أمضي وأصلّي هناك، ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي، وابتدأ يحزن ويكتئب، فقال لهم: نفسي حزينة جداً حتى الموت، امكثوا ههنا واسهروا معي، ثم تقدم قليلاً وخرّ على وجهه، وكان يصلّي قائلاً: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت، ثم جاء إلى التلاميذ فوجدهم نياماً .. فمضى أيضاً ثانية، وصلّى قائلاً: يا أبتاه إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس، إلا إن أشربها، فلتكن مشيئتك، ثم جاء فوجدهم أيضاً نياماً، إذ كانت أعينهم ثقيلة، فتركهم، ومضى أيضاً، وصلّى ثالثة قائلاً ذلك الكلام بعينه" (متى ٢٦/ ٣٦ - ٤٠). ويصف لوقا المشهد، فيقول: "وإذ كان في جهاد؛ كان يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض " (لوقا ٢٢/ ٤٤). فالمسلمون مصدقون بلجوء المسيح إلى الله ودعائه إياه في تلك الليلة العصيبة، إذ هو حال الصالحين جميعاً حين يتعرضون للأهوال والشدائد، فلا يجدون ناصراً يلجؤون إليه إلا الله العظيم. وقد أجاب الله دعاء عبده المسيح فصرف عنه كأس الموت، كما قال بولس: "الذي في أيام جسده، إذ قدّم بصراخ شديد ودموع طلباتٍ وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسُمع له من أجل تقواه" (عبرانيين ٥/ ٧)، فقد سمع الله لعبده

стр. 52

المسيح وأجابه في سؤله "وأنا علمتُ أنك في كل حين تسمع لي" (يوحنا ١١/ ٤٠). وهكذا فالمسلمون لا ينفون جملة ما ترويه الأناجيل من وقوع تلك الأحداث التي صاحبت الصلب أو سبقته، كإخبار المسيح تلاميذه عن المؤامرة التي سيتعرض لها، ثم لجوؤه في البستان إلى الله القادر طالباً من الله أن ينجيه من الموت، وكذا فالمسلمون يصدقون بأن الجموع حضرت للقبض عليه، وأن ثمة من أُخذ من ساحة البستان، وأن المأخوذ حوكم، وصلب، ثم دفن. فالخلاف إنما هو في حقيقة المأخوذ والمصلوب، فيرى المسلمون أنه يهوذا الخائن، وأن لحظة الخلاص هي تلك التي أراد الجند أن يلقوا القبض فيها على المسيح، فسقطوا على الأرض، سقطت الجموع الغفيرة، وتدافع الجند، ووقعت المشاعل من أيديهم، ثم نهضوا ليجدوا دليلهم يهوذا الأسخريوطي وحيداً في الساحة، فأخذوه، وقد ألقى الله عليه شبه المسيح، لينال جزاء خيانته لسيده. وهذه اللحظة العظيمة الخالدة سجلها يوحنا حين قال: " فأخذ يهوذا الجند وخداماً من عند رؤساء الكهنة والفريسيين، وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح، فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه، وقال لهم: من تطلبون؟ أجابوه: يسوع الناصري، قال لهم يسوع: أنا هو، وكان يهوذا مسلمه أيضاً واقفاً معهم، فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض" (يوحنا ١٨/ ٤ - ٦)، فكانت لحظة سقوطهم هي لحظة الخلاص الخالدة التي تاهت عنها عيون الملايين من النصارى ممن ظن أن المأخوذ بعدها هو المسيح. وأما المسيح فقد نزلت ملائكة الله وصعدت به إلى السماء، " وظهر له ملاك من السماء يقويه" (لوقا ٢٢/ ٤٤) لينجو من المؤامرة بحماية الله العظيم، وأعطي بذلك حياة طويلة تمتد إلى قبيل قيام الساعة حيث ينزل إلى الأرض ﵇.

стр. 53

فماذا تراه تقول المزامير والأسفار عن هذا الحدث العظيم الذي لا يصح أن تغفله الكتب؟ هل تراها تحدثت عنه؟ ولو أجبنا بالإثبات، فماذا تُراها تقول؟ هل تحدثت عن المسيح المصلوب كما يؤمن النصارى، أم تحدثت عن نجاة المسيح وصلب الخائن الأسخريوطي، كما يعتقد المسلمون؟ دعونا نتجرد ونبحث عن الجواب الصحيح في سفر المزامير الذي فاقت أهميته عند اللاهوتيين جميع الأسفار. ولسوف نستعرض في هذه العجالة ثلاث عشر مزموراً فقط، من نبوءات المزامير، نختصرها مع بعض التصرف من الدراسة الرائعة للأستاذ منصور حسين في كتابه الماتع "دعوة الحق بين المسيحية والإسلام"، والتي شملت ستة وثلاثين مزموراً. والمزامير التي اختارها للدراسة، يجمعها أنها مما يعتبره النصارى نبوءات تحدثت عن المسيح المصلوب. أولاً: المزمور الثاني (نبوءة عن المؤامرة الفاشلة لصلب المسيح) وفيه: " لماذا ارتجت الأمم، وتفكر الشعوب في الباطل، قام ملوك الأرض، وتآمر الرؤساء معاً على الرب، وعلى مسيحه، قائلين: لنقطع قيودها ولنطرح عنا رُبُطهما. الساكن في السماوات يضحك، الرب يستهزئ بهم، حينئذ يتكلم عليهم بغضبه، ويرجفهم بغيظه " (المزمور ٢/ ١ - ٥). والمزمور الثاني يراه العلماء النصارى نبوءة بالمسيح الموعود. يقول د. هاني رزق

стр. 54

في كتابه "يسوع المسيح ناسوته وألوهيته " عن هذا المزمور: " وقد تحققت هذه النبوءة في أحداث العهد الجديد، إن هذه النبوءة تشير إلى تآمر وقيام ملوك ورؤساء الشعب على يسوع المسيح لقتله وقطعه من الشعب، وهذا ما تحقق في أحداث العهد الجديد في فترتين، في زمان وجود يسوع المسيح له المجد في العالم " ويقصد تآمر هيرودس في طفولة المسيح، ثم تأمر رؤساء الكهنة لصلب المسيح. ووافقه "فخري عطية" في كتابه "دراسات في سفر المزامير" و"حبيب سعيد" في "من وحي القيثارة " وويفل كوبر في كتابه "مسيا عمله الفدائي" ويسّى منصور في كتابه "الصليب في جميع الأديان "، فيرى هؤلاء جميعاً أن المزمور نبوءة بالمسيح المصلوب. (١) وقولهم بأن النص نبوءة بالمسيح تصديق لما ورد في سفر أعمال الرسل: " فلما سمعوا رفعوا بنفس واحدة صوتاً إلى الله وقالوا: أيها السيد، أنت هو الإله صانع السماء والأرض والبحر وكل ما فيها. القائل بفم داود فتاك: لماذا ارتجّت الأمم وتفكر الشعوب بالباطل. قامت ملوك الأرض، واجتمع الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه. لأنه بالحقيقة اجتمع على فتاك القدوس الذي مسحته هيرودس وبيلاطس البنطي مع أمم وشعوب إسرائيل، ليفعلوا كل ما سبقت فعيّنت يدك ومشورتك أن يكون " (أعمال ٤/ ٢٤ - ٣١). ولا نرى مانعاً في موافقتهم بأن المزمور نبوءة عن المسيح، فالمزمور يتحدث عن مؤامرات اليهود عليه، وهذا لا خلاف عليه بين المسلمين والنصارى، وإنما الخلاف:

стр. 55

هل نجحوا أم لا؟ فبماذا يجيب النص؟ يجيب المزمور بأن الله ضحك منهم واستهزأ بهم، وأنه حينئذ، أي في تلك اللحظة أرجف المتآمرين بغيظه وغضبه. فهل يكون ذلك دليل نجاحهم في صلب المسيح، أم أن الرب يضحك لنجاة عبده المسيح من بين أيديهم، ووقوعهم في شر أعمالهم؟ ويفسر المزمور السابع والثلاثون سبب ضحك الرب واستهزائه، فيقول: "الشرير يتفكر ضد الصدّيق، ويحرق عليه أسنانه، الرب يضحك به، لأنه رأى أن يومه آت، الأشرار قد سلّوا السيف، ومدوا قوسهم لرمي المسكين والفقير، لقتل المستقيمِ طريقُهم، سيفهم يدخل في قلبهم، وقسيّهم تنكسر" (المزمور ٣٧/ ١٢ - ١٥)، لقد ضحك الرب لفشل المؤامرة، وعودها على أصحابها، فقد وقعوا في الحفرة التي حفروها للمسيح الذي نجاه الله بقوته. ثانياً: المزمور السابع (نبوءة عن عود المؤامرة على أصحابها) وفيه نقرأ: " يا رب، إلهي عليك توكلت، خلصني من كل الذين يطردونني، ونجني لئلا يفترس كأسد نفسي، هاشماً إياها، ولا منقذ. يا رب، إلهي، إن كنتُ قد فعلت هذا، إن وجد ظلم في يدي، إن كافأت مسالمي شراً، وسلبت مضايقي بلا سبب، فليطارد عدو نفسي، وليدركها، وليدس إلى الأرض حياتي، وليحط إلى التراب مجدي، سلاه. قم يا رب بغضبك، ارتفع على سخط مضايقي، وانتبه لي. بالحق أوحيت، ومجمع القبائل يحيط بك، فعد فوقها إلى العلا، الرب يدين الشعوب، اقض لي يا رب

стр. 56

كحقي، ومثل كمالي الذي فيّ، لينته شر الأشرار، وثبت الصديق، فإن فاحص القلوب والكلى: الله البار، ترسي عند الله مخلص مستقيمي القلوب. الله قاض عادل، وإله يسخط كل يوم، إن لم يرجع يحدد سيفه: مد قوسه وهيأها، وسدد نحوه آلة الموت، يجعل سهامه ملتهبة. هو ذا يمخض بالإثم، حمل تعباً، وولد كذباً، كرى جُبّاً حفره، فسقط في الهوة التي صنع، يرجع تعبه على رأسه، وعلى هامته يهبط ظلمه. أحمد الرب حسب بره، وأرنم لاسم الرب العلي" (المزمور ٧/ ١ - ١٧). ولكن هل المزمور نبوءة تتعلق بالمسيح، والجواب نعم، فعلى قول الترنم في هذا المزمور: " اقض لي يا رب كحقي، ومثل كمالي الذي فيّ" يعلق القديس جيروم فيقول: "لا يقدر داود أن يذكر هذه الكلمات عن نفسه، إنما هي بالحقيقة تخص المخلص الكامل الذي لم يخطئ قط". (١) فهو يرى أن هذا المزمور نبوءة عن المسيح. ويؤكد ذلك فخري عطية في كتاب " دراسات في المزامير " فيقول عن هذا المزمور: " واضح أنه من مزامير البقية، إذ يشير إلى زمن ضد المسيح، وفيه نسمع صوت البقية، ومرة أخرى نجد روح المسيح ينطق على فم داود بالأقوال التي تعبر عن مشاعر تلك البقية المتألمة، في أيام الضيق العظيمة". (٢) والربط واضح وبيّن بين دعاء المزمور المستقبلي " يا رب، إلهي، عليك توكلت، خلصني من كل الذين يطردونني ونجني .... " وبين دعاء المسيح ليلة أن جاءوا للقبض عليه "إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس".

стр. 57

ثم يطلب الداعي من الله عوناً؛ أن يرفعه إلى فوق، في لحظة ضيقه " فعد فوقها إلى العلا "، ويشير إلى حصول ذلك في لحظة الإحاطة به " ومجمع القبائل يحيط بك، فعد فوقها إلى العلا ". ثم يذكر المزمور بأن الله " قاض عادل " فهل من العدل أن يصلب المسيح أم يهوذا؟ ثم يدعو الداعي في المزمور الله أن يثبت الصديق، وأن ينتهي شر الأشرار، ويؤكد لجوءه إلى الله، مخلص القلوب المستقيمة. ثم يتحدث المزمور عن خيانة يهوذا. وقد جاء " مد قوسه وهيأها، وسدد نحوه آلة الموت " (القُبلة الآثمة) " ويجعل سهامه ملتهبة ". ولكن حصل أمر عظيم، لقد انقلب السحر على الساحر، " هو ذا يمخض بالإثم، حمل تعباً، وولد كذباً، كَرَى جُبّاً، حفره فسقط في الهوة التي صنع، يرجع تعبه على رأسه، وعلى هامته يهبط ظلمه " لقد ذاق يهوذا ما كان حفره لسيده المسيح، ونجا المسيح من مجمع القبائل إلى العلا. لقد تحقق في يهوذا سنة الله وعادته في عقوبة الخائنين " من يحفر حفرة يسقط فيها، ومن يدحرج حجراً يرجع عليه" (الأمثال ٢٦/ ٢٧). وفي موضع آخر: "الشرير تأخذه آثامه، وبحبال خطيته يمسك، إنه يموت من عدم الأدب، وبفرط حمقه يتهور" (الأمثال ٥/ ٢٢ - ٢٣). وفي سفر الجامعة: "من يحفر هوة يقع فيها، ومن ينقض جداراً تلدغه حية" (الجامعة ١٠/ ٨). وهذا ما أسفر عنه المزمور التاسع بوضوح حين قال: " لأنك أقمت حقي ودعواي، جلست على الكرسي قاضياً عادلاً، انتهرت الأمم، أهلكت الشرير ..

стр. 58

تورطت الأمم في الحفرة التي عملوها، في الشبكة التي أخفوها انتشبت أرجلهم، معروف هو الرب قضاءً أمضى: الشرير يعلق بعمل يده " (المزمور ٩/ ٤ - ١٦)، فهل تراه علق يهوذا بشرِّ يديه أم نجا من قانون الله وقضائه، وأفلت من الشبكة التي نصبها للمسيح؟ ثم ينتهي المزمور بحمد الله على هذه العاقبة " أحمد الرب حسب بره، وأرنم لاسم الرب العلي " وهكذا نرى في هذا المزمور صورة واضحة لما حصل في ذلك اليوم، حيث نجى الله نبيه، وأهلك يهوذا. ولا مخرج للنصارى إزاء هذا النص إلا إنكاره، أو التسليم له، والقول بأن المسيح له ظلم، وله إثم، وأنه ذاق ما كان يستحقه، وأن الله عادل؛ بقضائه قتل المسيح، وأن ذلك أعدل وأفضل من القول بنجاته؛ وصلبِ يهوذا الظالم الآثم، جزاءً لفعله وخيانته، وإلا فعليهم الرجوع إلى معتقد المسلمين؛ بأن النص نبوءة عن يهوذا الخائن. ثالثاً: المزمور العشرون (نبوءة باستجابة الله وتخليصه للمسيح وسقوط أعدائه) وفيه: " ليستجب لك الرب في يوم الضيق. ليرفعك اسم إله يعقوب، ليرسل لك عوناً من قدسه، ومن صهيون ليعضدك، ليذكر كل تقدماتك، وليستسمن محرقاتك، سلاه، ليعطك حسب قلبك، ويتمم كل رأيك، نترنم بخلاصك، وباسم إلهنا نرفع رايتنا، ليكمل الرب كل سؤلك. الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه، يستجيبه من سماء قدسه، بجبروت خلاص يمينه، هؤلاء بالمركبات وهؤلاء بالخيل، أما نحن: فاسم الرب إلهنا نذكره. هم جثوا وسقطوا، أما نحن فقمنا وانتصبنا، يارب خلص، ليستجيب لنا الملك في يوم دعائنا" (المزمور ٢٠/ ١ - ٩).

стр. 59

يقول هاني رزق في كتابه " يسوع المسيح في ناسوته ولاهوته ": " تنبأ داود النبي (١٠٥٦ ق. م)، و (حبقوق النبي ٧٢٦ ق. م)، بأن الرب هو المسيح المخلص، نبوءة داود النبي، مزمور ٢٠/ ٦ " الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه .... ". وفي كتاب " دراسات في سفر المزامير" يؤكد فخري عطية هذا، ويقول عن الفقرة السادسة من هذا المزمور: " في هذا العدد تعبير يشير في الكتب النبوية إلى ربنا يسوع المسيح نفسه، تعبير يستخدمه الشعب الأرضي عن المخلص العتيد ". (١) وتقول كنيسة السيدة العذراء بالفجالة في تفسيرها لسفر المزامير: "ويرى عدد من آباء اليهود أن هذا المزمور خاص بالمسيا، وهكذا رأى عدد من آباء الكنيسة (أثناسيوس وأغسطينيوس) أنه نبوءة عن آلام المسيح وانتصاره". (٢) وتخلص الكنيسة إلى القول: "خلاص المسيح كان بقيامته" أي من الموت، وهذا بالضبط ما قاله البابا أثناسيوس الذي يرى أن هذا المزمور نبوءة عن المسيح المصلوب. (٣) وهكذا فالسفر حديث ونبوءة عن المسيح، فهل تراه يتحدث عن المسيح المصلوب أو المسيح الناجي؟ القراءة المتأنية لهذا المزمور ترينا أن داود صاحب المزمور يدعو الله طالباً أن

стр. 60

يستجيب لوليه الضعيف، داود يدعو الله أن ينجي المسيح، وأن يرفعه للسماء لما صنع من بر وخير (تقدمات ومحرقات)، ويبتهل صاحب المزمور طالباً النجاة له "في يوم الضيق"، "في يوم دعائنا"، وليس من يوم مرّ على المسيح أضيق من ذلك اليوم الذي دعا فيه طويلاً، طالباً من الله أن يصرف عنه هذا الكأس " وإذ كان في جهاد؛ كان يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض " (لوقا ٢٢/ ٤٤). ويطلب داود من الله إجابة دعاء المسكين وإعطاءه ملتمس شفتيه وسؤله وكل مراده " ليعطك حسب قلبك، ويتمم كل رأيك ... ليكمل الرب كل سؤلك". وهذا العون والنجاء يطلبه له داود لما سبق وتقدم به المسيح من أعمال صالحة " ليذكر كل تقدماتك، وليستسمن محرقاتك". وينص المزمور على اسم المسيح، وأن الله خلصه من الموت في فقرة ظاهرة لا تخفى حتى على أعمى، فقد عرف داود نتيجة دعائه " الآن عرفت أن الرب مخلص مسيحه، يستجيبه من سماء قدسه بجبروت خلاص "، فالمزمور يذكر المسيح بالاسم، ويتحدث عن خلاصه، أن الله رفعه، وأنه أرسل له ملائكة يحفظونه " ليرفعك اسم إله يعقوب، ليرسل لك عوناً من قدسه". ويبتهج المزمور لهذه النهاية السعيدة "نترنم بخلاصك، وباسم إلهنا نرفع رايتنا". ويربط القمّص تادرس يعقوب ملطي بين هذه الفقرة المتحدثة عن رفع الراية ونجاة المسيح، فرفع الراية عادة قديمة سادت في الشرق عند حدوث جريمة قتل ومطالبة أهل القتيل بالثأر، فإذا عفا هؤلاء عن القاتل؛ فإنه يخرج إلى الناس فرحًا لإعلان خبر نجاته وإعلان «هذا النبأ السار بخلاص من كان يُطلَب قتله؛ بحمل مَنْ تمتّع بالعفو راية فوق رأسه، ويصرخ داعيًا المدينة كلها كي تأتي وترى الإنسان الذي باسمه تمتع بالحرية وعُتِق من حكم الموت»، فرفع الراية كان علامة لنجاة من كان يظن أنه سيموت، وقوله: «وباسم إلهنا نرفع رايتنا» (١) إشارة إلى رفع راية المسيح؛ راية نجاته من القتل، وهو الذي كان يظن أن القتل قدره ونهايته. ويتحدث المزمور أيضاً عن تلك اللحظة العظيمة، لحظة الخلاص التي نجا فيها المسيح " هم جثوا وسقطوا، أما نحن فقمنا وانتصبنا "، فهو يتحدث عن لحظة وقوع الجند كما في يوحنا " فلما قال لهم: إني أنا هو؛ رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض " (يوحنا ١٨/ ٦). وهذه اللحظة العظيمة، لحظة الخلاص يسجلها أيضاً المزمور التاسع، فهي إحدى آيات الله وأعاجيبه في خلقه، "أحمد الرب بكل قلبي، أحدث بجميع عجائبك،

стр. 61

افرح وابتهج بك، أرنم لاسمك أيها العلي، عند رجوع أعدائي إلى خلف يسقطون، ويهلكون من قدام وجهك، لأنك أقمت حقي ودعواي، جلست على الكرسي قاضياً عادلاً، انتهرت الأمم، أهلكت الشرير، محوت اسمهم إلى الدهر والأبد" (المزمور ٩/ ١ - ٥). فالقاضي العادل أهلك الشرير، عندما رجع المبطلون إلى خلف وسقطوا، لتتحقق الأعجوبة وينجو العبد البار، فيحمد الله لأنه " رافعي من أبواب الموت" (المزمور ٩/ ١٣)، لقد انتشله من فم الموت، ونجاه. كما سجل المزمور السابع والعشرون هذه اللحظة العظيمة فقال: "عندما اقترب إليّ الأشرار ليأكلوا لحمي، مضايقي وأعدائي عثروا وسقطوا ... لأنه يخبئني في مظلته في يوم الشر، يسترني بستر خيمته" (المزمور ٢٧/ ٢ - ٥). فدلالة هذا المزمور على نجاة المسيح أوضح من الشمس في رابعة النهار. رابعاً: المزمور الحادي والعشرون (نبوءة بفشل المؤامرة وإجابة طلب المسيح) وفيه: " يا رب، بقوتك يفرح الملك، وبخلاصك، كيف لا يبتهج جداً؟ شهوة قلبه أعطيته، وملتمس شفتيه لم تمنعه، سلاه. لأنك تتقدمه ببركات خير، وضعت على رأسه تاجاً من إبريز حياة، سألكَ فأعطيته، طول الأيام إلى الدهر والأبد عظيم، مجده بخلاصك، جلالاً وبهاء تضع عليه، لأنك جعلته بركات إلى الأبد، تفرحه ابتهاجاً أمامك، لأن الملك يتوكل على الرب، وبنعمة العلي لا يتزعزع. تصيب يدك جميع أعدائك، يمينك تصيب كل مبغضيك، تجعلهم مثل تنور نار في زمان حضورك، الرب بسخطه يبتلعهم، وتأكلهم النار، تبيد ثمرهم من الأرض،

стр. 62

وذريتهم من بين بني آدم، لأنهم نصبوا عليك شراً، تفكروا بمكيدة لم يستطيعوها، لأنك تجعلهم يتولون، تفوق السهم على أوتارك تلقاء وجوههم، ارتفع يا رب بقوتك، نُرنم وتُنغّم بجبروتك " (المزمور ٢١/ ١ - ٣). يقول فخري عطية في كتابه "دراسات في سفر المزامير": " إن المسيح هو المقصود بهذا المزمور" ووافقه كتاب " تأملات في المزامير " لآباء الكنيسة الصادر عن كنيسة مار جرجس باسبورتنج. (١) ويعتبر القمص ملطي هذا المزمور من المزامير التي تنبأت عن المسيح، وينقل عن العلماء قولهم: "هذا المزمور مسياني، يعلم الترجوم والتلمود بأن الملك المذكور في هذا المزمور هو المسيّا"، ويعلق القمص ملطي بالقول: "بعض أجزاء من هذا المزمور (مثل عدد ٤) لا يمكن أن تنطبق حرفياً إلا على المسيا". (٢) وقولهم صحيح، فقد حكى المزمور العشرون عن دعاء المسيح وعن استجابة الله له، ويحكي هذا المزمور (الواحد والعشرون) عن فرحه بهذه الاستجابة " يا رب بقوتك يفرح الملِك، وبخلاصك كيف لا يبتهج جداً ... نُرنم وننغّم بجبروتك ". وينص المزمور أن الله أعطاه ما سأله وتمناه " شهوة قلبه أعطيته، وملتمس شفتيه لم تمنعه .. سألك فأعطيته "، وقد كان المسيح يطلب من الله بشفتيه النجاة من المؤامرة " إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس " (متى ٢٦/ ٣٩)، لقد كان يخاف الموت، ويطلب من الله أن يصرفه عنه، وقد استجاب الله له كما في رسالة العبرانيين "الذي في أيام

стр. 63

جسده، إذ قدّم بصراخ شديد ودموع طلباتٍ وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسُمع له من أجل تقواه" (عبرانيين ٥/ ٧) (١)، لقد كان المسيح متيقناً من استجابة الله له، فالله لا يرده أبداً "وقال: أيها الآب أشكرك، لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي" (يوحنا ١١/ ٤٠) فقد سمع الله له وأجاب دعاءه. ويذكر المزمور أن الله أعطاه حياة جديدة طويلة إلى قبيل قيام الساعة " حياةً سألَكَ فأعطيتَه، طول الأيام، إلى الدهر، والأبد"، كما وضع عليه إكليل حياة، وهو غير إكليل الشوك الذي وضع على المصلوب، يقول المزمور: "وضعت على رأسه تاجاً من إبريز حياة". ويحكي المزمور عن أعداء المسيح الذين تآمروا عليه وفكروا في " مكيدة لم يستطيعوها " فهم لم يلحقوا الأذى به، فقد فشلت المؤامرة، لأنه رُفع " ارتفع يا رب بقوتك ". وأما هؤلاء الأعداء: فترجع مكيدتهم عليهم " تصيب يدك جميع أعدائك، يمينك تصيب كل مبغضيك .. الرب بسخطه يبتلعهم، وتأكلهم النار، تبيد ثمرهم من الأرض، وذريتهم من بين بني آدم .. تفوق السهام على أوتارك تلقاء وجوههم "، فهل يقول أحد بعد ذا كله بأن المصلوب هو المسيح. خامساً: المزمور الثاني والعشرون (نبوءة بصلب الدودة العار، لا المسيح العظيم) وفيه: " إلهي إلهي لماذا تركتني بعيداً عن خلاصي؟ عن كلام زفيري؟ إلهي في

стр. 64

النهار أدعو فلا تستجيب، في الليل أدعو فلا هدوّ لي، وأنتَ القدوس الجالس بين تسبيحات إسرائيل، عليك اتكل آباؤنا، اتكلوا فنجيتهم، إليك صرخوا فنجوا، عليك اتكلوا فلم يَخزَوْا. أما أنا فدودة لا إنسان، عارُُ عند البشر، ومحتقرُ الشعب، كل الذين يرونني يستهزئون بي، يفغرون الشفاه، ويُنغضون الرأس قائلين: اتكل على الرب فلينجه، لينقذه، لأنه سُرّ به. لأنك أنت جذبتني من البطن، جعلتني مطمئناً على ثديي أمي، عليك ألقيت من الرحم، من بطن أمي، أنت إلهي، لا تتباعد عني لأن الضيق قريب، لأنه لا معين، أحاطت بي ثيران كثيرة، أقوياء باشان اكتنفتني، فغروا علىّ أفواههم، كأسد مفترس مزمجر، كالماء انسكبتُ، انفصلتْ كل عظامي، صار قلبي كالشمع، قد ذاب في وسط أمعائي، يبستْ مثل شَقفَة قوتي، ولصق لساني بحنكي، وإلى تراب الموت تضعني، لأنه قد أحاطت بي كلاب، جماعة من الأشرار اكتنفتني، ثقبوا يدي ورجلي، أُحصى كل عظامي، وهم ينظرون ويتفرسون فّي، يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون" (المزمور ٢٢/ ١ - ١٨). ويُجمع النصارى على أن هذا المزمور بنوءة عن المسيح، فقد اقتبس منه كُتّاب الأناجيل في سياق روايات الصلب، يقول متى: " ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها، لكي يتم ما قيل بالنبي: اقتسموا ثيابي بينهم، وعلى لباسي ألقوا قرعة " (متى ٢٧/ ٣٥) (١)، ومثله في (يوحنا ١٩/ ٢٤). والاقتباس من هذا المزمور في قوله: " يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون ". كما أن الرواية التي في المزمور توافق رواية الصلب في صراخ المصلوب: " إلهي إلهي لماذا تركتني " (متى ٢٧/ ٤٦)، (مرقس ١٥/ ٣٤). ويوافق نص المزمور ما جاء في الأناجيل في بيان حال المصلوب " كان المجتازون

стр. 65

يجدفون عليه، وهم يهزون رؤوسهم قائلين: يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام، خلص نفسك، إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب، قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده " (متى ٢٧/ ٣٩ - ٤٣). فهذا يشبه ما جاء في هذا المزمور " محتقر الشعب، كل الذين يرونني يستهزئون بي .. وينغضون الرأس قائلين: اتكل على الرب، فلينجه". كما يوافق النص الأناجيلَ كرّة أخرى في قوله: " جماعة من الأشرار اكتنفتني، ثقبوا يدي ورجلي، أحصي على عظامي "، فهي عبارة تدل على أخذ المصلوب يوم سُمرت يداه ورجلاه على الصليب. لهذا كله كان إجماع النصارى على أن هذا المزمور نبوءة عن حادثة الصلب، خاصة أن داود لم يمت مصلوباً، فهو إذن يتحدث عن غيره. والحق أن المزمور نبوءة عن المصلوب، لكنه ليس عيسى ﵇، بل هو الخائن يهوذا الأسخريوطي، فنراه وهو جزع، يائس، يصرخ: " إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ "، بينما المسيح ﵇ يخبرنا أن الله يستجيب له دوماً "وأنا علمتُ أنك في كل حين تسمع لي" (يوحنا ١١/ ٤٠)، ويؤكده كاتب رسالة العبرانيين بقوله: "الذي في أيام جسده، إذ قدّم بصراخ شديد ودموع طلباتٍ وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسُمع له من أجل تقواه" (عبرانيين ٥/ ٧). المزمور نبوءة عن المصلوب اليائس الذي يدعو فلا يستجاب له "إلهي، في النهار أدعو فلا تستجيب، في الليل أدعو فلا هُدوّ لي .. عليَك اتكل آباؤنا فنجيتَهم، عليك صرخوا فنجوا، عليك اتكلوا فلم يخزوا. أما أنا فدودة لا إنسان ... ". لقد وصف المزمور المصلوب بأنه " دودة لا إنسان، عارُُ عند البشر، محتقَرُ الشعب " فمَن هو هذا اليائس الموصوف بأنه دودة، وأنه عار عند البشر، وأنه محتقر، وأنه لا يستجاب له؟

стр. 66

إنه يهوذا، حيث جعلتْه خستهُ وخيانتهُ كالدودة الحقيرة، وأصبح عاراً على البشر، كلَّ البشر، المسلمين واليهود والنصارى، بل وحتى البوذيين وغيرهم، لأنه خائن، والخيانة خسة وعار عند كل أحد، يحتقره الشعب، ولا يستجيب الله دعاءه. والعجب لمن يصر على أن النبوءة عن المسيح، إذ كيف يوصف المسيح بالدودة والعار، وهو مجد وفخر للبشر؛ بل العار هو يهوذا. ونلحظ أن النص يصف المصلوب بالدودة لمكانته عند الله، ويتضح هذا لمن تأمل المقابلة التي يجريها النص بين الآباء المقبولين عند الله، الذين يدعون الله فيستجيب لهم، وفي مقابل هؤلاء يقول المصلوب: "أما أنا فدودة لا إنسان ... "، فهو دودة محتقرة عند الله الذي لا يستجيب دعاءه، ولا يقبله كما قبِل آباءه من قبل. يقول أنطونيوس فكري: «نرى المرنم يقول في ثقة أن الآباء حين إتكلوا على الله خلصهم، أما هو فدودة حقيرة، وحالته ميئوس منها، وأن الله قد تركه. وهنا فالمرنم يتكلم بلسان المسيح الذي صار مهانًا ومحتقر الشعب» (١). كما لا يفوتنا التنبيه على أن النص وصف المصلوب بالعار، ليس فقط عند جلاديه وأعدائه، بل عند البشر جميعاً، في كل أجيالهم، وجميع مِللهم، ولا يمكن أن يكون المسيح كذلك، بل تفخر البشرية أن فيها مثل هذا الرجل العظيم الذي اصطفاه الله برسالته ووحيه. كما نلحظ أن كلمة "عار" تلحق بالشخص نفسه، لا الصلب الواقع عليه، فهو العار، وهو الدودة، وحاشا للمسيح العظيم أن يكون دودة أو عاراً، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. لقد مجد الله المسيح فلم يكن عاراً، بل كان فخراً وعزاً، وإن تاهت عنه عيون البعض، فرأوا مجده عاراً، ونجاته خزياً، لقد غفلوا عن النبوءة القائلة: "استجب لي يا إله برّي، في الضيق رحبت لي، تراءف عليّ واسمع صلاتي، يا بني البشر، حتى متى يكون مجدي عاراً؟ حتى متى تحبون الباطل، وتبتغون الكذب؟ سلاه، فاعلموا أن الرب قد ميّز تقيّه، الرب يسمع عندما أدعوه" (المزمور ٤/ ١ - ٣)، فخلاصه عليه

стр. 67

السلام هو المجد الذي لم يؤمن به النصارى، واعتبروه ﵇ لعنة وعاراً، لكنه كذب وباطل، فقد سمع الله دعاء تقيه ومسيحه. كما لا يقبل بحال أن يوصف المسيح بأنه دودة، والعجب من أولئك الذين يدعون ألوهيته كيف يستسيغون تسميته بدودة، بل الدودة هو الخائن الحقير، يهوذا. وأما وصف المصلوب بأنه " محتقر الشعب" فهو وصف ينطبق على المصلوب، وكلمة "الشعب" تشير إلى اليهود وأولئك الذين حضروا الصلب، وكانوا يحتقرون المصلوب. سادساً: المزمور التاسع والستون (نبوءة عن يهوذا المصلوب، صاحب الحماقات والذنوب) وهذا المزمور نبوءة أخرى تتناول حادثة الصلب، وهو نبوءة متحدثة عن حادثة الصلب، فقد اقتبس منه كُتّاب الأناجيل، ورأوا فيه نبوءة عن المصلوب، تحققت - حسب رأيهم - في المسيح حين صلب، يقول يوحنا: " بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل، فلكي يتم الكتاب قال: أنا عطشان، وكان إناء موضوعاً مملوءاً خلاً، فملأوا إسفنجة من الخل، ووضعوها على زوفا، وقدموها إلى فمه، فلما أخذ يسوع الخل قال: قد أكمل" (يوحنا ١٩/ ٢٨ - ٣٠)، أي كملت النبوءات والكتب، ومقصده ما جاء في الفقرة الحادية والعشرين من هذا المزمور، وفيها: "ويجعلون في طعامي علقماً، وفي عطشي يسقونني خَلاًّ ".

стр. 68

وأيضاً استشهد فيه بطرس في خطبته عن يهوذا، فقال: "لأنه مكتوب في سفر المزامير: لتصر داره خراباً، ولا يكن فيها ساكن، وليأخذ وظيفته آخر " (أعمال ١/ ٢٠). فقول بطرس عن يهوذا: "لتصر داره خراباً، ولا يكن فيها ساكن " اقتبسه بطرس من الفقرة الخامسة والعشرين في هذا المزمور: "لتصر دارهم خراباً، وفي خيامهم لا يكن ساكن" (المزمور ٦٩/ ٢٥). يقول جامع تفسير أعمال الرسل من كتابات الآباء: "الروح القدس بفم داود قد تنبأ عن يهوذا في المزمورين ٦٩ و ١٠٩". (١) فالمزمور نبوءة عن المصلوب بشهادة يوحنا، وهو في نفس الوقت نبوءة عن يهوذا الخائن بشهادة بطرس والمفسرين، أليس في هذا ما يستحق وقفة عند المؤمنين بصدق شهادة العهد القديم؟ من هو صاحب الحماقات والذنوب الذي سقي الخل في عطشه؟ من تراه يكون: المسيح البار أم يهوذا الخائن؟ السفر التوراتي وحده كفيل بالإجابة عن السؤال، وفيه يهتف المصلوب ويصرخ بيأس يرجو رحمة الله الذي لم يستجب له، فيقول: "خلصني يا الله، لأن المياه قد دخلت إلى نفسي، غرقت في حمأة عميقة وليس مقر، دخلت إلى أعماق المياه، والسيل غمرني، تعبت من صراخي، يبس حلقي، كلّت عيناي من انتظار إلهي، أكثر من شعر رأسي الذين يبغضونني بلا سبب، اعتزّ مستهلكيّ أعدائي ظلماً، حينئذ رددت الذي لم أخطفه .... ".

стр. 69

ويذكرنا المزمور بصراخ المصلوب اليائس "إلهي إلهي لماذا تركتني"، وقد يبس حلقه، وكلّت عيناه، وما من مجيب. ويعجب المصلوب لحال أولئك الذين أبغضوه وعلقوه بلا سبب، فقد جاء ليدلهم على المسيح، فإذا به يؤخذ بدلاً عنه، من غير أن يصنع سبباً واحداً يستحق بغضهم له وصلبهم إياه. لكنه يعلم أن سبب ما حاق به هو حماقته وذنوبه والعار، عار الخيانة الذي غطاه، فيقول: " يا الله، أنت عرفت حماقتي، وذنوبي عنك لم تخف، غطى الخجل وجهي، صرت أجنبياً عند إخوتي، وغريباً عند بني أمي ... أنت عرفت عاري وخزيي وخجلي .. قدامك جميع مضايقي، العار قد كسر قلبي فمرضت، انتظرت رقة فلم تكن، ومعزين فلم أجد، ويجعلون في طعامي علقماً، وفي عطشي يسقونني خَلاًّ" (المزمور ٦٩/ ٥ - ٢١)، فمن هو صاحب الحماقة والذنوب والعار والخزي والخجل، من هو ذاك الذي كسر العار قلبه، إنه ذاك الذي سقوه الخل وهو على الصليب، هل يعقل أن نقول: إنه المسيح؟ لا وألف لا، إنه يهوذا الخائن. لكن المصلوب البائس لا ييأس، فيواصل الصراخ والاستجداء طالباً من الله الخلاص، مستعيناً فقط برحمة الله التي تسع كل شيء، ولكن بلا فائدة "لأن غيرة بيتك أكلتني، وتعييرات معيّريك وقعت عليّ، وأبكيت بصوم نفسي، فصار ذلك عاراً عليّ، جعلت لباسي مسحاً، وصرت لهم مثلاً، يتكلم فيّ، الجالسون في الباب وأغاني شرّابي المسكر. أما أنا فلك صلاتي يا رب في وقت رضا، يا الله بكثرة رحمتك استجب لي بحق خلاصك، نجني من الطين، فلا أغرق نجني من مبغضيّ، ومن أعماق المياه، لا يغمرني سيل المياه، ولا يبتلعني العمق، ولا تطبق الهاوية عليّ فاها، استجب لي يا رب، لأن

стр. 70

رحمتك صالحة، ككثرة مراحمك التفت إليّ، ولا تحجب وجهك عن عبدك، لأن لي ضيقاً، استجب لي سريعاً، اقترب إلى نفسي، فكها، بسبب أعدائي افدني" (المزمور ٦٩/ ٩ - ١٨). وتأتيه نتيجة دعائه وخيانته، إذ يقول السفر: "لتصر مائدتهم قدامَهم فخاً، وللآمنين شركاً، لتظلم عيونهم عن البصر، وقلقل متونهم دائماً، صبّ عليهم سخطك، وليدركهم حمو غضبك، لتصر دارهم خراباً، وفي خيامهم لا يكن ساكن، لأن الذي ضربته أنت هم طردوه، وبوجع الذين جرحتهم يتحدثون، اجعل إثماً على إثمهم، ولا يدخلوا في برِّك، ليُمحَوا من سفر الأحياء، ومع الصديقين لا يكتبوا" (المزمور ٦٩/ ٢٢ - ٢٨). فمن تراه يكون هذا الهالك الذي صارت مائدته فخاً وشركاً للآمنين، لكن عميت عيونهم عن البصر، فلم تبصر الصديق، وهو ينجو، لقد باء الخائن بالإثم، وأصبحت داره خراباً، ومحي اسمه من سفر الأحياء، فمات ولم يستجب له، كما حذف من قائمة الصديقين، فكتب مع الأشرار الهالكين، فمن تراه يكون؟ إنه يستحيل أن يكون السيد المسيح. ثم يعود المزمور ليحدثنا عن المسيح الذي نجاه الله، فيقول عن نفسه: " أما أنا فمسكين وكئيب، خلاصك يا الله فليرفعني، أُسبح اسم الله بتسبيح، وأعظمه بحمد، فيستطاب عند الرب أكثر من ثور بقر ذي قرون وأظلاف، يرى ذلك الودعاء، فيفرحون، وتحيا قلوبكم يا طالبي الله، لأن الرب سامع للمساكين، ولا يحتقر أسراه" (المزمور ٦٩/ ٢٩ - ٣٣)، لقد سمع الله دعاءه، وخلاص الله رفعه وإنجاؤه، ففرح بنجاته المؤمنون، فالرب يسمع دعاء المساكين، لذا فهو يستحق المزيد من الحمد والتسبيح. وقد يشكل على القارئ الكريم قوله: " أما أنا فلك صلاتي يا رب في وقت رضا،

стр. 71

يا الله بكثرة رحمتك استجب لي بحق خلاصك .. استجب لي يا رب، لأن رحمتك صالحة، ككثرة مراحمك التفت إليّ"، فيرى - خطأً - أن هذا السائل المستغيث هو المسيح، وهذا فهم خاطئ، إذ السائل هنا يستغيث مستشفعاً بما سبق من صلوات له زمن صحبته للمسيح، ويشفعها بطلب الرحمات من الله الرحيم كثير الرحمات، وهو الحبل الوحيد الذي يتشبث به الغريق، ولو كان خائناً فاجراً. أما المسيح ﵊، فكان في دعائه المستجاب يستشفع بكماله وصلاحه وعبادته لله، ومنه قوله: "اقض لي يا رب كحقي، ومثِّل كمالي الذي فيّ" (المزمور ٧/ ٨). ومثله في المزمور الواحد والأربعين " أما أنا فبكمالي دعمتني، وأقمتني قدامك إلى الأبد، مبارك الرب إله إسرائيل، من الأزل وإلى الأبد، آمين فآمين" (المزمور ٤١/ ١٢). وقد أوضحته المزامير في مواضع، منها قوله: "أذللت بالصوم نفسي، وصلاتي إلى حضني ترجع" (المزمور ٣٥/ ١٣)، وفي المزمور الواحد والتسعين "أرفعه لأنه عرف اسمي، يدعوني فأستجيب له، معه أنا في الضيق، أنقذه وأمجده " (المزمور ٩١/ ١٤). وكذا في المزمور العشرين اعتمد المسيح واتكل على صالح عمله وبره لله " ليستجب لك الرب في يوم الضيق. ليرفعك اسم إله يعقوب، ليرسل لك عوناً من قدسه، ومن صهيون ليعضدك، ليذكر كل تقدماتك، وليستسمن محرقاتك" (المزمور ٢٠/ ٣). سابعاً: المزمور الخامس والثلاثون (نبوءة بعَودِ المؤامرة على أصحابها) وهذا المزمور شاهد آخر يتحدث عن المسيح، فقد اقتبس منه يوحنا في إنجيله، حين قال: "وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي، لكن لكي تتم الكلمة المكتوبة في

стр. 72

ناموسهم: إنهم أبغضوني بلا سبب" (يوحنا ١٥/ ٢٤ - ٢٥)، وهذا الاقتباس من الفقرة التاسعة عشر من المزمور، وفيها: " لأنهم الذين يبغضونني بلا سبب "، فهو متحدث عن المسيح باتفاق النصارى، وبشهادة يوحنا. (١) فهل كان المزمور نبوءة عن المسيح المصلوب، أم كان بشارة بنجاته ﵊؟ يقول المزمور متحدثاً عن دعاء مؤمن محتاج إلى رعاية ربه وحمايته له من أعدائه، فيقول: "خاصِمْ يا رب مخاصِمي، قاتِلْ مقاتلي، أمسك مجناً وترساً، وانهض إلى معونتي، وأشرِع رمحاً، وصُد تلقاء مطارديّ، قل لنفسي: خلاصكِ أنا " (المزمور ٣٥/ ١ - ٣). ويطلب ذلكم الداعي المؤمن من ربه أن يقع عدوه في الشبكة التي نصبها، ويطلب من الله أن يؤيده بالملائكة، فيقول: " ليخز وليخجل الذين يطلبون نفسي، ليرتد إلى الوراء، ويخجل المتفكرون بإساءتي، ليكونوا مثل العصافة قدام الريح، وملاك الرب داحرُهم، ليكن طريقهم ظلاماً وزلقاً، وملاكُ الرب طاردهم، لأنهم بلا سبب أخفوا لي هوة شبكتهم، بلا سبب حفروا لنفسي، لتأته التهلكة وهو لا يعلم، ولتنشب به الشبكة التي أخفاها، وفي التهلكة نفسها ليقع " (المزمور ٣٥/ ٤ - ٨)، لقد طلب الداعي المسكين من الله طُلبة في شأن عدوه، طلب منه أن يقتله بشبكته التي نصبها، أي في ذات المؤامرة التي سعى فيها، فهل استجاب الله لوليه أم خيبه؟ السفر يجيب بوضوح أن الله استجاب له، ويبتهج بخلاص المسيح ونجاته " أما نفسي فتفرح بالرب، وتبتهج بخلاصه، جميع عظامي تقول: يا رب، من مثلك المنقذ المسكين ممن هو أقوى منه؟ والفقير والبائس من سالبه؟ شهود زور يقومون، وعما لم

стр. 73

أعلم يسألونني، يجازونني عن الخير شراً، ثكلاً لنفسي، أما أنا ففي مرضهم كان لباسي مسحاً، أذللت بالصوم نفسي، وصلاتي إلى حضني ترجع" (المزمور ٣٥/ ٩ - ١٣). ويعود المزمور للحديث عن أعدائه الذين عادوا بالخيبة، فيقول: " لا يشمت بي الذين هم أعدائي باطلاً، ولا يتغامز بالعين الذين يبغضونني بلا سبب، لأنهم لا يتكلمون بالسلام، وعلى الهادئين في الأرض يفتكرون بكلام مكر، فغروا عليّ أفواههم، قالوا: هه هه، قد رأت أعيننا، قد رأيتَ يا ربُّ، لا تسكت يا سيد، لا تبتعد عني، استيقظ، وانتبه إلى حكمي يا إلهي وسيدي، إلى دعواي، اقض لي حسب عدلك يا رب. إلهي فلا يشمتوا بي، لا يقولوا في قلوبهم: هه شهوتنا، لا يقولوا: قد ابتلعناه، ليخز وليخجل معاً الفرحون بمصيبتي، ليلبس الخزيَ والخجلَ المتعظمون عليّ، ليهتف ويفرح المبتغون حقي، وليقولوا دائماً: ليتعظم الرب المسرور بسلامة عبده، ولساني يلهج بعدلِك، اليوم كله بحمدك" (المزمور ٣٥/ ١٩ - ٢٨)، لقد كان دعاء حاراً من العبد المؤمن، وهو يطلب من الله العادل أن يخزي أعداءه الذين أبغضوه بلا سبب. وقد استجاب الله له " أما نفسي فتفرح بالرب، وتبتهج بخلاصه، جميع عظامي تقول: يا رب، من مثلك المنقذ المسكينَ ممن هو أقوى منه؟ والفقيرَ والبائس من سالبه؟ ... أما أنا ففي مرضهم كان لباسي مسحاً، أذللت بالصوم نفسي، وصلاتي إلى حضني ترجع" (المزمور ٣٥/ ٩ - ١٣)، لقد شفع له عند ربه صلاته وصيامه ولباسه للمسوح عبادة لله وتذللاً. ثامناً: المزمور الأربعون (نبوءة باستجابة الله دعاء المسيح وفشل للمؤامرة) المزمور الأربعون شاهد آخر بنجاة المسيح وهلاك غيره من المتآمرين عليه، وقد اقتبس الكاتب المجهول للرسالة إلى العبرانيين من هذا المزمور، ليدلل لنا على أنه نبوءة

стр. 74

عن المسيح فقال: " لذلك عند دخوله إلى العالم يقول: ذبيحة وقرباناً لم ترد، ولكن هيأت لي جسداً، بمحرقات وذبائح للخطية لم تسرّ، ثم قلت: ها أنذا أجيء في درج الكتاب مكتوب عني: لأفعل مشيئتك يا الله" (عبرانيين ١٠/ ٥ - ٧). وهو اقتباس من الفقرتين السادسة والسابعة من هذا المزمور، ففيهما يقول كاتب المزمور: "بذبيحة وتقدمة لم تُسر، أذنيّ فتحت، محرقة وذبيحة خطية لم تطلب، حينئذ قلت: ها أنذا جئت، بدرج الكتاب مكتوب عني، أن أفعل مشيئتك يا إلهي" (المزمور ٤٠/ ٦ - ٧). ويؤكده اختيار محرري قاموس الكتاب المقدس لهذا المزمور ضمن المزامير المسيحية، وكذلك قول القس جيمس أنِس بأن هذا المزمور أحد المزامير "التي موضوعها آلام المسيح". (١) فماذا يقول المزمور وقد ثبت أنه يتحدث عن المسيح؟ يبدأ المزمور بالبشارة باستجابة الله للمسيح وإنجائه له من المؤامرة، لأنه توكل على الله، فيقول: "انتظاراً انتظرتُ الرب، فمال إليّ، وسمع صراخي، وأصعدني من جُبِّ الهلاك، من طين الحمأة، وأقام على صخرة رجليّ، ثبّت خطواتي، وجعل في فمي ترنيمة جديدة تسبيحة لإلهنا، كثيرون يرون ويخافون ويتوكلون على الرب، طوبى للرجل الذي جعل الرب مُتكله، ولم يلتفت إلى الغطاريس والمنحرفين إلى الكذب" (المزمور ٤٠/ ١ - ٤). ثم يثني المزمور على الله الذي زادت نعمه وآلاؤه، وفي مقابلها بذل الداعي الأمانة والإخلاص لله والتوبة بين يديه " كثيراً ما جعلتَ أنت أيها الرب إلهي عجائبَك

стр. 75

وأفكارك من جهتنا، لا تقوّم لديك، لأخبرن وأتكلمن بها، زادت عن أن تعد ... بشرت ببر في جماعة عظيمة، هوذا شفتاي لم أمنعهما، أنت يا رب علمت، لم اكتم عدلك في وسط قلبي، تكلمت بأمانتك وخلاصك، لم أُخفِ رحمتك وحقك عن الجماعة العظيمة" (المزمور ٤٠/ ٥ - ١٠). ثم يعود المسيح للتضرع بين يدي الله طالباً أن ينجيه من المؤامرة التي تحيط به، كما يطلب أن تحيق المؤامرة بالمتآمرين عليه، وأن يعودوا بالخزي والخجل حين يرتدون إلى الوراء "أما أنت يا رب، فلا تمنع رأفتك عني، تنصرني رحمتك وحقك دائماً، لأن شروراً لا تحصى قد اكتنفتني، حاقت بي آثامي، ولا أستطيع أن أُبصر، كثُرت أكثر من شعر رأسي (١)، وقلبي قد تركني، ارتض يا رب بأن تنجيني، يا رب إلى معونتي أسرع، ليخز وليخجل معاً الذين يطلبون نفسي لإهلاكها، ليرتد إلى الوراء، وليخز المسرورون بأذيتي، ليستوحش من أجل خزيهم، القائلون لي: هه هه، ليبتهج ويفرح بك جميع طالبيك، ليقل أبداً محبو خلاصك: يتعظم الرب، أما أنا فمسكين وبائس، الرب يهتم بي، عوني ومنقذي أنت، يا إلهي لا تبطئ" (المزمور ٤٠/ ١١ - ١٧). وقد كان كما طلب المسيح، فعادوا بالخزي والخجل، حين ارتدوا إلى الوراء، تلك اللحظة العظيمة التي سجلها يوحنا في إنجيله حين قال: " فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض " (يوحنا ١٨/ ٦). لقد طلب من الله أن ينقذه " أنا فمسكين وبائس، الرب يهتم بي، عوني ومنقذي
следующие страницы →