← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38188

هل افتدانا المسيح على الصليب

منقذ السقار

Полный текст (228 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يا الله بكثرة رحمتك استجب لي بحق خلاصك .. استجب لي يا رب، لأن رحمتك صالحة، ككثرة مراحمك التفت إليّ"، فيرى - خطأً - أن هذا السائل المستغيث هو المسيح، وهذا فهم خاطئ، إذ السائل هنا يستغيث مستشفعاً بما سبق من صلوات له زمن صحبته للمسيح، ويشفعها بطلب الرحمات من الله الرحيم كثير الرحمات، وهو الحبل الوحيد الذي يتشبث به الغريق، ولو كان خائناً فاجراً. أما المسيح ﵊، فكان في دعائه المستجاب يستشفع بكماله وصلاحه وعبادته لله، ومنه قوله: "اقض لي يا رب كحقي، ومثِّل كمالي الذي فيّ" (المزمور ٧/ ٨). ومثله في المزمور الواحد والأربعين " أما أنا فبكمالي دعمتني، وأقمتني قدامك إلى الأبد، مبارك الرب إله إسرائيل، من الأزل وإلى الأبد، آمين فآمين" (المزمور ٤١/ ١٢). وقد أوضحته المزامير في مواضع، منها قوله: "أذللت بالصوم نفسي، وصلاتي إلى حضني ترجع" (المزمور ٣٥/ ١٣)، وفي المزمور الواحد والتسعين "أرفعه لأنه عرف اسمي، يدعوني فأستجيب له، معه أنا في الضيق، أنقذه وأمجده " (المزمور ٩١/ ١٤). وكذا في المزمور العشرين اعتمد المسيح واتكل على صالح عمله وبره لله " ليستجب لك الرب في يوم الضيق. ليرفعك اسم إله يعقوب، ليرسل لك عوناً من قدسه، ومن صهيون ليعضدك، ليذكر كل تقدماتك، وليستسمن محرقاتك" (المزمور ٢٠/ ٣). سابعاً: المزمور الخامس والثلاثون (نبوءة بعَودِ المؤامرة على أصحابها) وهذا المزمور شاهد آخر يتحدث عن المسيح، فقد اقتبس منه يوحنا في إنجيله، حين قال: "وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي، لكن لكي تتم الكلمة المكتوبة في

стр. 72

ناموسهم: إنهم أبغضوني بلا سبب" (يوحنا ١٥/ ٢٤ - ٢٥)، وهذا الاقتباس من الفقرة التاسعة عشر من المزمور، وفيها: " لأنهم الذين يبغضونني بلا سبب "، فهو متحدث عن المسيح باتفاق النصارى، وبشهادة يوحنا. (١) فهل كان المزمور نبوءة عن المسيح المصلوب، أم كان بشارة بنجاته ﵊؟ يقول المزمور متحدثاً عن دعاء مؤمن محتاج إلى رعاية ربه وحمايته له من أعدائه، فيقول: "خاصِمْ يا رب مخاصِمي، قاتِلْ مقاتلي، أمسك مجناً وترساً، وانهض إلى معونتي، وأشرِع رمحاً، وصُد تلقاء مطارديّ، قل لنفسي: خلاصكِ أنا " (المزمور ٣٥/ ١ - ٣). ويطلب ذلكم الداعي المؤمن من ربه أن يقع عدوه في الشبكة التي نصبها، ويطلب من الله أن يؤيده بالملائكة، فيقول: " ليخز وليخجل الذين يطلبون نفسي، ليرتد إلى الوراء، ويخجل المتفكرون بإساءتي، ليكونوا مثل العصافة قدام الريح، وملاك الرب داحرُهم، ليكن طريقهم ظلاماً وزلقاً، وملاكُ الرب طاردهم، لأنهم بلا سبب أخفوا لي هوة شبكتهم، بلا سبب حفروا لنفسي، لتأته التهلكة وهو لا يعلم، ولتنشب به الشبكة التي أخفاها، وفي التهلكة نفسها ليقع " (المزمور ٣٥/ ٤ - ٨)، لقد طلب الداعي المسكين من الله طُلبة في شأن عدوه، طلب منه أن يقتله بشبكته التي نصبها، أي في ذات المؤامرة التي سعى فيها، فهل استجاب الله لوليه أم خيبه؟ السفر يجيب بوضوح أن الله استجاب له، ويبتهج بخلاص المسيح ونجاته " أما نفسي فتفرح بالرب، وتبتهج بخلاصه، جميع عظامي تقول: يا رب، من مثلك المنقذ المسكين ممن هو أقوى منه؟ والفقير والبائس من سالبه؟ شهود زور يقومون، وعما لم

стр. 73

أعلم يسألونني، يجازونني عن الخير شراً، ثكلاً لنفسي، أما أنا ففي مرضهم كان لباسي مسحاً، أذللت بالصوم نفسي، وصلاتي إلى حضني ترجع" (المزمور ٣٥/ ٩ - ١٣). ويعود المزمور للحديث عن أعدائه الذين عادوا بالخيبة، فيقول: " لا يشمت بي الذين هم أعدائي باطلاً، ولا يتغامز بالعين الذين يبغضونني بلا سبب، لأنهم لا يتكلمون بالسلام، وعلى الهادئين في الأرض يفتكرون بكلام مكر، فغروا عليّ أفواههم، قالوا: هه هه، قد رأت أعيننا، قد رأيتَ يا ربُّ، لا تسكت يا سيد، لا تبتعد عني، استيقظ، وانتبه إلى حكمي يا إلهي وسيدي، إلى دعواي، اقض لي حسب عدلك يا رب. إلهي فلا يشمتوا بي، لا يقولوا في قلوبهم: هه شهوتنا، لا يقولوا: قد ابتلعناه، ليخز وليخجل معاً الفرحون بمصيبتي، ليلبس الخزيَ والخجلَ المتعظمون عليّ، ليهتف ويفرح المبتغون حقي، وليقولوا دائماً: ليتعظم الرب المسرور بسلامة عبده، ولساني يلهج بعدلِك، اليوم كله بحمدك" (المزمور ٣٥/ ١٩ - ٢٨)، لقد كان دعاء حاراً من العبد المؤمن، وهو يطلب من الله العادل أن يخزي أعداءه الذين أبغضوه بلا سبب. وقد استجاب الله له " أما نفسي فتفرح بالرب، وتبتهج بخلاصه، جميع عظامي تقول: يا رب، من مثلك المنقذ المسكينَ ممن هو أقوى منه؟ والفقيرَ والبائس من سالبه؟ ... أما أنا ففي مرضهم كان لباسي مسحاً، أذللت بالصوم نفسي، وصلاتي إلى حضني ترجع" (المزمور ٣٥/ ٩ - ١٣)، لقد شفع له عند ربه صلاته وصيامه ولباسه للمسوح عبادة لله وتذللاً. ثامناً: المزمور الأربعون (نبوءة باستجابة الله دعاء المسيح وفشل للمؤامرة) المزمور الأربعون شاهد آخر بنجاة المسيح وهلاك غيره من المتآمرين عليه، وقد اقتبس الكاتب المجهول للرسالة إلى العبرانيين من هذا المزمور، ليدلل لنا على أنه نبوءة

стр. 74

عن المسيح فقال: " لذلك عند دخوله إلى العالم يقول: ذبيحة وقرباناً لم ترد، ولكن هيأت لي جسداً، بمحرقات وذبائح للخطية لم تسرّ، ثم قلت: ها أنذا أجيء في درج الكتاب مكتوب عني: لأفعل مشيئتك يا الله" (عبرانيين ١٠/ ٥ - ٧). وهو اقتباس من الفقرتين السادسة والسابعة من هذا المزمور، ففيهما يقول كاتب المزمور: "بذبيحة وتقدمة لم تُسر، أذنيّ فتحت، محرقة وذبيحة خطية لم تطلب، حينئذ قلت: ها أنذا جئت، بدرج الكتاب مكتوب عني، أن أفعل مشيئتك يا إلهي" (المزمور ٤٠/ ٦ - ٧). ويؤكده اختيار محرري قاموس الكتاب المقدس لهذا المزمور ضمن المزامير المسيحية، وكذلك قول القس جيمس أنِس بأن هذا المزمور أحد المزامير "التي موضوعها آلام المسيح". (١) فماذا يقول المزمور وقد ثبت أنه يتحدث عن المسيح؟ يبدأ المزمور بالبشارة باستجابة الله للمسيح وإنجائه له من المؤامرة، لأنه توكل على الله، فيقول: "انتظاراً انتظرتُ الرب، فمال إليّ، وسمع صراخي، وأصعدني من جُبِّ الهلاك، من طين الحمأة، وأقام على صخرة رجليّ، ثبّت خطواتي، وجعل في فمي ترنيمة جديدة تسبيحة لإلهنا، كثيرون يرون ويخافون ويتوكلون على الرب، طوبى للرجل الذي جعل الرب مُتكله، ولم يلتفت إلى الغطاريس والمنحرفين إلى الكذب" (المزمور ٤٠/ ١ - ٤). ثم يثني المزمور على الله الذي زادت نعمه وآلاؤه، وفي مقابلها بذل الداعي الأمانة والإخلاص لله والتوبة بين يديه " كثيراً ما جعلتَ أنت أيها الرب إلهي عجائبَك

стр. 75

وأفكارك من جهتنا، لا تقوّم لديك، لأخبرن وأتكلمن بها، زادت عن أن تعد ... بشرت ببر في جماعة عظيمة، هوذا شفتاي لم أمنعهما، أنت يا رب علمت، لم اكتم عدلك في وسط قلبي، تكلمت بأمانتك وخلاصك، لم أُخفِ رحمتك وحقك عن الجماعة العظيمة" (المزمور ٤٠/ ٥ - ١٠). ثم يعود المسيح للتضرع بين يدي الله طالباً أن ينجيه من المؤامرة التي تحيط به، كما يطلب أن تحيق المؤامرة بالمتآمرين عليه، وأن يعودوا بالخزي والخجل حين يرتدون إلى الوراء "أما أنت يا رب، فلا تمنع رأفتك عني، تنصرني رحمتك وحقك دائماً، لأن شروراً لا تحصى قد اكتنفتني، حاقت بي آثامي، ولا أستطيع أن أُبصر، كثُرت أكثر من شعر رأسي (١)، وقلبي قد تركني، ارتض يا رب بأن تنجيني، يا رب إلى معونتي أسرع، ليخز وليخجل معاً الذين يطلبون نفسي لإهلاكها، ليرتد إلى الوراء، وليخز المسرورون بأذيتي، ليستوحش من أجل خزيهم، القائلون لي: هه هه، ليبتهج ويفرح بك جميع طالبيك، ليقل أبداً محبو خلاصك: يتعظم الرب، أما أنا فمسكين وبائس، الرب يهتم بي، عوني ومنقذي أنت، يا إلهي لا تبطئ" (المزمور ٤٠/ ١١ - ١٧). وقد كان كما طلب المسيح، فعادوا بالخزي والخجل، حين ارتدوا إلى الوراء، تلك اللحظة العظيمة التي سجلها يوحنا في إنجيله حين قال: " فلما قال لهم: إني أنا هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض " (يوحنا ١٨/ ٦). لقد طلب من الله أن ينقذه " أنا فمسكين وبائس، الرب يهتم بي، عوني ومنقذي

стр. 76

أنت، يا إلهي لا تبطئ .. ارتض يا رب بأن تنجيني، يا رب إلى معونتي أسرع ". فلم تبطئ عنه معية الله " فمال إليّ، وسمع صراخي، وأصعدني من جُبِّ الهلاك، من طين الحمأة، وأقام على صخرة رجليّ، ثبّت خطواتي". كما سمع الله دعاءه بحق أعدائه، فعادوا بالخزي والخجل " ليخز وليخجل معاً الذين يطلبون نفسي لإهلاكها، ليرتد إلى الوراء، وليخز المسرورون بأذيتي". تاسعاً: المزمور الواحد والأربعون (نبوءة بنجاة المسيح من مؤامرة تلميذه في يوم الضيق) المزمور الواحد والأربعون هو أيضاً أحد الأسفار التي تحدثت عن نجاة المسيح وخيانة يهوذا له، وقد اقتبس منه يوحنا في ثنايا حديثه عن يهوذا فقال متنبئاً بخيانته: "إن علمتم هذا فطوباكم إن عملتموه، لست أقول عن جميعكم، أنا أعلم الذين اخترتهم، لكن ليتم الكتاب، الذي يأكل معي الخبز رفع عليّ عقبه" (يوحنا ١٣/ ١٧ - ١٨). فقد اقتبس يوحنا من المزمور الواحد والأربعين الفقرة التاسعة وفيها: "رجل سلامتي الذي وثقت به آكل خبزي رفع عليّ عقبه"، فالمزمور نبوءة عن المسيح بدليل قول المسيح: "لكن ليتم الكتاب". (١) ودعونا نتأمل المزمور من أوله، حيث يتنبأ المزمور بنجاة المسيح في يوم ضيقه، فإن الرب حفظه ولم يسلمه لمرام أعدائه، فيقول: "طوبى للذي ينظر إلى المسكين، في يوم الشر ينجيه الرب، الرب يحفظه ويحييه، يغتبط في الأرض، ولا يسلمه إلى مرام أعدائه، الرب يعضده وهو على فراش الضعف" (المزمور ٤١/ ١ - ٣).

стр. 77

ثم يتحدث المزمور عن أعداء المسيح، وعن الخائن الذي وثق به، فيقول: "أعدائي يتقاولون عليّ بشر، متى يموت ويبيد اسمه، وإن دخل ليراني يتكلم بالكذب، قلبه يجمع لنفسه إثماً، يخرج في الخارج يتكلم، كل مبغضيّ يتناجون معاً عليّ، عليّ تفكروا بأذيتي، يقولون: أمر رديء قد انسكب عليه، حيث اضطجع لا يعود يقوم، أيضاً رجل سلامتي الذي وثقت به، آكل خبزي، رفع عليّ عقبه" (المزمور ٤١/ ٥ - ٩)، لقد كان تلميذه يهوذا، رجل سلامته أحد المتآمرين عليه. لكن كمال المسيح وحسن طاعته لله نجياه من كيد عدوه، وأبطل مؤامرة يهوذا، فيقول المزمور: " أما أنت يا رب فارحمني، وأقمني فأجازيهم، بهذا علمت أنك سررت بي، إنه لم يهتف عليّ عدوّي، أما أنا فبكمالي دعمتني، وأقمتني قدامك إلى الأبد، مبارك الرب إله إسرائيل، من الأزل وإلى الأبد، آمين فآمين" (المزمور ٤١/ ١٠ - ١٣)، لقد سُر به ربه، ولم يهتف عليه عدوه، بل بكماله وصلاحه كتبت له النجاة. عاشراً: المزمور الرابع والثلاثون (نبوءة بسلامة عظام المسيح ونجاته من المؤامرة التي تميت الشرير) وهذا المزمور أيضاً متحدث عن المسيح ﵊، وقد أحال عليه كتاب الأناجيل، واعتبروه نبوءة عن المسيح، ففي الفقرة العشرين منه يقول: " يحفظ جميع عظامه، واحدٌ منها لا ينكسر"، وهي العبارة التي اقتبسها يوحنا، واعتبرها نبوءة عن المسيح، فقال: "لأن هذا كان ليتم الكتاب القائل: عظم منه لا يكسر" (يوحنا ١٩/ ٣٦). فبماذا تنبأ المزمور، هل كان يتحدث عن المسيح المصلوب الذي لم يستجب الله دعاءه، أم عن المسيح الناجي الذي لا يكسر منه عظم، فيما تحيق المؤامرة بأعدائه الأشرار، يقول المزمور متحدثاً عن دعاء المسيح الطويل في البستان، وعن استجابة الله

стр. 78

له، وعن المدد الذي أمده من الملائكة: "طلبت إلى الرب فاستجاب لي، ومن كل مخاوفي أنقذني، نظروا إليه واستناروا، ووجوههم لم تخجل، هذا المسكين صرخ، والرب استمعه، ومن كل ضيقاته خلصه، ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم، ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب، طوبى للرجل المتوكل عليه، اتقوا الرب يا قديسيه، لأنه ليس عوز لمتقيه، الأشبال احتاجت وجاعت، وأما طالبو الرب فلا يعوزهم شيء من الخير" (المزمور ٣٤/ ١ - ١٠). ويمضي السفر مؤكداً استجابة الله للمسيح، وسلامة جسده، وينتقل للحديث عن أعدائه الذين يصب عليهم غضبه، فيقول: "عينا الرب نحو الصديقين، وأذناه إلى صراخهم، وجه الرب ضد عاملي الشر، ليقطع من الأرض ذكرهم، أولئك صرخوا، والرب سمع، ومن كل شدائدهم أنقذهم، قريب هو الرب من المنكسري القلوب ويخلص المنسحقي الروح، كثيرة هي بلايا الصدّيق، ومن جميعها ينجيه الرب، يحفظ جميع عظامه، واحد منها لا ينكسر، الشر يميت الشرير، ومبغضو الصدّيق يعاقبون، الرب فادي نفوس عبيده، وكل من اتكل عليه لا يعاقب" (المزمور ٣٤/ ١٥ - ٢٢)، فلقد مات الشرير بشره، فيما سلمت جميع عظام المسيح من أن تكسر، وهو ما لم يتحقق في المصلوب الذي كسرت المسامير - ولا ريب - بعض عظام يديه ورجليه " ثقبوا يدي ورجلي " (المزمور ٢٢/ ١٦)، فالمسيح الناجي هو فقط من حقق هذه النبوءة، وهو الذي لم يكسر منه عظم واحد. لقد أنقذ الله المسيح من كل الشدائد، لأنه اتكل عليه "عينا الرب نحو الصديقين، وأذناه إلى صراخهم، أولئك صرخوا، والرب سمع، ومن كل شدائدهم أنقذهم، قريب هو الرب من المنكسري القلوب ويخلص المنسحقي الروح، كثيرة هي بلايا الصدّيق، ومن جميعها ينجيه الرب، يحفظ جميع عظامه، واحد منها لا ينكسر .. وكل من اتكل عليه لا يعاقب" (المزمور ٣٤/ ١٥ - ٢٢).

стр. 79

وعاقب الله مبغضي المسيح، وقطع من الأرض ذكرهم، وأماتهم بشرِّهم الذي صنعوه " وجه الرب ضد عاملي الشر، ليقطع من الأرض ذكرهم .. الشر يميت الشرير، ومبغضو الصدّيق يعاقبون" (المزمور ٣٤/ ١٦ - ٢١). حادي عشر: المزمور الواحد والتسعون (نبوءة عن إنجاء الملائكة للمسيح) ويتقدم الشيطان إلى المسيح يختبره ويذكره بنبوءة المزامير عنه، "وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوب: إنه يوصي ملائكته بك، فعلى أياديهم يحملونك، لكي لا تصدم بحجر رجلك، قال له يسوع: مكتوب أيضاً: لا تجرب الرب إلهك" (متى ٤/ ٦ - ٧)، فالمسيح هو الذي يوصي فيه اللهُ ملائكتَه، فيحملونه، ولا يمسه سوء، حتى الحجر لا يصيبه بسوء، لأن الملائكة حملته. وهذه النبوءة التي أقرها المسيح ووافق على استحقاقه لها، اقتبسها الشيطان من المزمور الواحد والتسعين، من الفقرة الحادية عشرة، حيث جاء فيها: " لأنه يوصي ملائكته بك، ليحفظوك في كل طرقك، على الأيدي يحملونك، لئلا تصدم بحجر رجلك "، فهي نبوءة عن المسيح، فمتى تحققت هذه النبوءة؟ يقول أنطونيوس فكري: «هذا المزمور نرى فيه عناية الله وحمايته لأولاده المؤمنين به. وقيل أن كلمات هذا المزمور موجهة للسيد المسيح نفسه في آلامه، خصوصًا أن إبليس في تجربته للسيد استخدم آية من هذا المزمور "لأنه يوصي ملائكته بك .. " وإبليس لم يكمل المزمور لأن فيه نبوة ضده وهذا ما صنعه السيد المسيح إذ داسه فعلاً بقدميه " تطأ الأفعى وملك الحيات، وتسحق الأسد والتنين"» (١). المزمور يتحدث عن المسيح المتكِل على الله والذي ينجيه من مؤامرة الصياد، ويستجيب له، ويرفعه للسماء، من غير أن يمسه شر أو أذى، وقبل أن يتمكن أعداؤه منه تحمله الملائكة، ويعطى حياة طويلة، بدلاً من الضيق، يقول المزمور: " إلهي فاتكل عليه، لأنه ينجيك من فخ الصياد، ومن الوباء الخطر، بخوافيه يظللُك، وتحت أجنحته تحتمي، ترس ومجن حقه، لا تخشى من خوف الليل، ولا من سهم يطير ... لأنك قلت: يا رب، أنت ملجأي، جعلتَ العليَّ مسكنك، لا يلاقيك شر، ولا تدنو ضربة من خيمتك، لأنه يوصي ملائكته بك ليحفظوك في كل طرقك، على الأيدي

стр. 80

يحملونك، لئلا تصدم بحجر رجلك، على الأسد والصل تطأ، الشبل والثعبان تدوس، لأنه تعلق بي أنجيه، أرفعه لأنه عرف اسمي، يدعوني فأستجيب له، معه أنا في الضيق، أنقذه وأمجده، من طول الأيام أشبعه، وأريه خلاصي " (المزمور ٩١/ ٢ - ١٦). وفي المزمور السابع والخمسين " أصرخ إلى الله العلي، إلى الله المحامي عني، يرسل من السماء ويخلصني، عيّر الذي يتهممني ... هيأوا شبكة لخطواتي، انحنت نفسي، حفروا قدامي حفرة، سقطوا في وسطها " (المزمور ٥٧/ ٢ - ٦). وهكذا فالمزمور الواحد والتسعون نبوءة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، واضحة في استجابة الله للمسيح، ورفعه للسماء على يد الملائكة قبل أن تصيبه يد أعدائه بأدنى شر، فلم يضرب ولم يبصق في وجهه، ولم يصلب، ولم يمت، عليه صلوات الله وسلامه. ثاني عشر: المزمور التاسع بعد المائة (نبوءة عن محاكمة يهوذا وصلبه) وفيه: " يا إله تسبيحي، لا تسكت؛ لأنه قد انفتح علّى فم الشرير، وفم الغش. تكلموا معي بلسان كذب. بكلام بغض، أحاطوا بي، وقاتلوني بلا سبب. بدل محبتي يخاصمونني. أما أنا فصلاة. وضعوا علّي شراً بدل خير، وبُغضاً بدل حبي. فأقم أنت عليه شريراً، وليقف شيطان عن يمينه. إذا حوكم فليخرج مذنباً، وصلاته فلتكن خطية. لتكن أيامه قليلة، ووظيفته ليأخذها آخر. ليكن بنوه أيتاماً، وامرأته أرملة. لِيَتِهْ بنَوُه تَيَهَاناً ويستعطوا. ويلتمسوا خبزاً من خِربهم. ليصطد المرابي كل ما له، ولينهب الغرباء تعبه. لا يكن له باسط رحمة، ولا يكن مُتَرَأّفُ على يتاماه. لتنقرض ذريته. في الجيل القادم ليمح اسمهم. ليذكر إثم آبائه لدى الرب، ولا تمح خطية أمه. لتكن أمام الرب دائماً. وليقرض من الأرض ذِكرهم. من أجل أنه لم

стр. 81

يذكر أن يصنع رحمة، بل طرد إنساناً مسكيناً وفقيراً، والمنسحق القلب ليميته. وأحب اللعنة، فأتته، ولم يسر بالبركة، فتباعدت عنه، ولبس اللعنة مثل ثوبه فدخلت، كمياه في حشاه، وكزيت في عظامه. لتكن له كثوب يتعطف به، وكمنطقة يتمنطق بها دائماً. هذه أجرة مبغضي من عند الرب، وأجرة المتكلمين شراً على نفسي. أما أنت يا رب السيد فاصنع معي من أجل اسمك. لأن رحمتك طيبة نجني، فإني فقير، ومسكين أنا، وقلبي مجروح في داخلي. كظل عند ميله ذهبت. انتفضتُ كجرادة. ركبتاي ارتعشتا من الصوم، ولحمي هزل عن سمن. وأنا صرت عاراً عندهم. ينظرون إليّ وينغضون رؤوسهم. أعني يا رب، إلهي. خلصني حسب رحمتك. وليعلموا أن هذه هي يدك، أنت يا رب فعلت هذا، أما هم فيَلعنون. وأما أنت فتُبارك. قاموا وخزوا. أما عبدك فيفرح، ليلبس خصمائي خجلاً وليتعطفوا بخزيهم كالرداء. أحمد الرب جداً بفمي، وفي وسط كثيرين أسبحه، لأنه يقوم عن يمين المسكين، ليخلصه من القاضين على نفسه" (المزمور ١٠٩/ ١ - ٣١) وهذا المزمور أيضاً يراه النصارى على علاقة بقصة الصلب، وأن المقصود في بعضه يهوذا، وهو قوله: " ووظيفته ليأخذها آخر، ليكن بنوه أيتاماً، وامرأته أرملة .. ويلتمسوا خبزاً من خربهم " وقد أحال عليه كاتب "أعمال الرسل" وهو يتحدث على لسان بطرس، حين قال متحدثاً عن يهوذا: "لأنه مكتوب في سفر المزامير: لتصر داره خراباً، ولا يكن فيها ساكن، وليأخذ وظيفته آخر " (أعمال ١/ ٢٠). (١)

стр. 82

فيهوذا هو الذي أخذ وظيفته آخر، حين انتخب الحواريون بدلاً منه - تنفيذاً لهذا الأمر - يوسف ومتياس، وأقرعوا بينهما، فوقعت القرعة على متياس، فحسبوه مكملاً للأحد عشر رسولاً. (انظر أعمال ١/ ٢٣ - ٢٦). إذاً فالنص في هذا المزمور متحدث عن يهوذا ولا ريب، وهذا صحيح، فهو يتحدث عن محاكمته " وإذا حوكم فليخرج مذنباً "، فمتى حوكم يهوذا إذا لم يكن هو المصلوب؟ والنص يتحدث عن محاكمته، وعن نتيجة محاكمته " لتكن أيامه قليلة، ووظيفته ليأخذها آخر ". كما يتحدث المزمور عن وقوفه على الصليب، وعن يمينه شيطان (وحسب نسخة الرهبانية اليسوعية: "وليقف متهم عن يمينه")، إنه ذاك الذي كان يستهزأ به، (لوقا ٢٣/ ٣٩ - ٤٣)، فمتى وقف شيطان (متهم) عن يمين يهوذا، ومتى حوكم إن لم يكن ذلك في تلك الواقعة التي تجلى فيها غضب الله عليه؟ ووقوفه هذا هو العار الذي باء به وهو معلق على الصليب يستهزئ به المارة ويبصقون عليه ويضربونه" وأنا صرت عاراً عندهم. ينظرون إليّ وينغضون رؤوسهم". ويصف المزمور استغاثات المصلوب على الصليب، وهو يستمطر رحمات الله " فاصنع معي من أجل اسمك، لأن رحمتك طيبة نجني .. خلصني حسب رحمتك، وليعلموا أن هذه هي يدك"، إذ لا يملك وسيلة للنجاة إلا أن يستغيث برحمة الله التي يلوذ بها الفاجر والتقي، فجعل يصرخ على الصليب: "إلهي إلهي، لماذا تركتني" (متى ٢٧/ ٤٦). ويتحدث المزمور عن ثوب اللعنة الذي لبسه يهوذا على الصليب " ولبس اللعنة مثل ثوبه فدخلت، كمياه في حشاه، وكزيت في عظامه. لتكن له كثوب يتعطف به، وكمنطقة يتمنطق بها دائماً، هذه أجرة مبغضيّ من عند الرب، وأجرة المتكلمين شراً على

стр. 83

نفسي"، لقد كانت اللعنة أجرته على عمله، فقد علق على الصليب، وكل معلق ملعون، كما في سفر التثنية "وإذا كان على إنسان خطية حقها الموت، فقتل، وعلقته على خشبة، فلا تبت جثته على الخشبة، بل تدفنه في ذلك اليوم، لأن المعلّق ملعون من الله" (التثنية ٢١/ ٢٢ - ٢٣). إن هذا المزمور نبوءة واضحة عن يهوذا الملعون المصلوب بجوار متهم أو شيطان، وهو الذي حوكم بدلاً عن المسيح، فحسب في المحاكمة مذنباً، وقد صدق جامع تفسير أعمال الرسل في قوله: "الروح القدس بفم داود قد تنبأ عن يهوذا في المزمورين ٦٩ و ١٠٩". (١) ثالث عشر: المزمور الثامن عشر بعد المائة (نبوءة بنجاة المسيح من الموت) وكذا يؤمن النصارى أن المزمور الثامن عشر بعد المائة نبوءة عن المسيح ﵇، إذ يتحدث المزمور في آخره عن الحجر الذي رفضه البناؤون، فيقول: "الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا ... مبارك الآتي باسم الرب"، وقد اعتبره بطرس نبوءة عن المسيح المصلوب متناسياً ما جاء في مقدمة المزمور عن هذا الحجر العظيم، يقول بطرس: "فليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه الله من الأموات، بذاك وقف هذا أمامكم صحيحاً، هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون الذي صار رأس الزاوية " (أعمال ٤/ ١٠ - ١١). يقول الأب متى المسكين: "أما المزمور ١١٨ فهو أغنى المزامير في وصف رسالة

стр. 84

المسيح الخلاصية". (١) وينقل تادرس يعقوب ملطي في شرحه لإنجيل متى عن القديس كيرلس قوله: «المخلّص هو الحجر المختار، وقد رذَله هؤلاء الذين كان يجب عليهم بناء مجمع اليهود، وقد صار رأس الزاوية. يشبِّهه الكتاب المقدّس بحجر زاوية، لأنه يجمع الشعبين معًا: إسرائيل والأمم في إيمان واحد وحب واحد (أف٢: ١٥)» (٢). يقول المزمور متحدثاً عن الحجر الذي رفضه البناؤون: "من الضيق دعوت الرب فأجابني، من الرحب، الرب لي فلا أخاف، ماذا يصنع بي الإنسان، الرب لي بين معينيّ، وأنا سأَرى بأعدائي، الاحتماء بالرب خير من التوكل على إنسان، الاحتماء بالرب خير من التوكل على الرؤساء" (المزمور ١١٨/ ٥ - ٩)، لقد توكل المسيح على الرب، الذي أجابه من الضيق وأعانه. ثم يتحدث المزمور عن أعداء المسيح ومؤامرتهم عليه، ويترنم بانطفاء نارهم وإبادتهم، وفشل مؤامرتهم، فيقول: " كل الأمم أحاطوا بي، باسم الرب أبيدهم، أحاطوا بي واكتنفوني، باسم الرب أبيدهم، أحاطوا بي مثل النحل، انطفأوا كنار الشوك، باسم الرب أبيدهم، دَحَرَتني دحوراً لأسقط، أما الرب فعضدني، قوتي وترنمي الرب، وقد صار لي خلاصاً" (المزمور ١١٨/ ١٠ - ١٥). لقد خلصه الله من الموت ولم يسلمه إليه، لذا فهو يبتهج ويفرح باستجابة الله له وبخلاصه من الموت " صوت ترنم وخلاص في خيام الصديقين، يمين الرب صانعة ببأس، يمين الرب مرتفعة، يمين الرب صانعة ببأس، لا أموت، بل أحيا، وأحدث بأعمال الرب، تأديباً أدبني الرب، وإلى الموت لم يسلمني، افتحوا لي أبواب البر، ادخل فيها، واحمد الرب، هذا الباب للرب، الصديقون يدخلون فيه، أحمدك لأنك استجبت لي، وصرت لي خلاصاً، الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح فيه، آه يا رب خلّص، آه يا رب أنقذ، مبارك الآتي باسم الرب" (المزمور ١١٨/ ١٥ - ٢٦)، فالمزمور كما رأيتَ شهادة أخرى بنجاة المسيح وخلاصه من يد أعدائه.

стр. 85

وذات الصورة تتكرر في سائر إصحاحات سفر المزامير الذي يعتبره القمّص سرجيوس سفر مسيّا الخاص، ونختم منه باقتباس من المزمور الأربعين بعد المائة، وفيه: "أنقذني يا رب من أهل الشر، من رجل الظلم احفظني. الذين يتفكرون بشرور في قلوبهم، اليوم كله يجتمعون للقتال، سنّوا ألسنتهم كحية، حمة الأفعوان تحت شفاههم. سلاه. احفظني يا رب من يدي الشرير، من رجل الظلم أنقذني، الذين تفكروا في تعثير خطواتي. أخفى لي المستكبرون فخاً وحبالاً، مدوا شبكة بجانب الطريق، وضعوا لي أشراكاً. سلاه، قلت للرب: أنت إلهي، أصغ يا رب إلى صوت تضرعاتي ... لا تعط يا رب شهوات الشرير، لا تنجح مقاصده" (المزمور ١٤٠/ ١ - ٨). خلاصة نبوءات المزامير ويخلص الأستاذ العلامة منصور حسين في دراسته الرائعة إلى نتيجة واضحة بينة، ويسطرها في قوله: " مِن جماع ما تقدم لا نخلص إلا بأن المزامير تنبأت بحق بأن الله مخلص مسيحه، يستجيبه من سماء قدسه، يرفعه من أبواب الموت، يرفعه فوق القائمين عليه، يرسل من العُلا فيأخذه. أما يهوذا الإسخريوطي الذي حفر له هذه الحفرة، وأتى على رأس الجمع من جنود وخدام ليقبضوا عليه، على المسيح سيده، فإنه في الحفرة نفسها يقع، وبعمل يديه يعلق، رجع تعبه على رأسه، وعلى هامته هبط ظُلمه، صار عاراً عند البشر، فقبض عليه هو بدلاً من المسيح، وحوكم هو، وصلب بدلاً منه. وهكذا تستقيم النبوءة في المزامير، وهكذا تتجلى النبوءة في المزامير، في أسطع وأروع وأسمى ما تكون النبوءة، ليست آية نحرفها، أو كلمة نُحوّر معناها، بل صورة كاملة، عشرات الآيات، عشرات المزامير، كلها تنطق بصورة واحدة متكاملة، تتكرر كثيراً، ولكن أبداً لا تتغير.

стр. 86

هذه الحقيقة هي تلك التي نطق بها القرآن، واعتقدها المسلمون ... ولمن يريد أن يزيد يقيناً، فها هي المزامير كلها في الكتاب المقدس، الذي يؤمن به المسيحيون، ويتداولونه، وإليها فليرجع، ولن يزيده هذا إلا يقيناً وتقديراً لهذه الحقيقة التي انتهينا إليها .. ". وإذا أراد القارئ المزيد من اليقين فليقرأ ما جاء في سفر الأمثال: " الأشرار يكونون كفارة لخطايا الأبرار " (الأمثال ٢١/ ١٨)، وليتأمل بمزيد عناية قوله: " بر الكامل يقوم طريقه، أما الشرير فيسقط بشره، بر المستقيمين ينجيهم، وأما الغادرون فيؤخذون بفسادهم، الصديق ينجو من الضيق، ويأتي الشرير مكانه " (الأمثال ١١/ ٥ - ٨). ولا يفوتنا في خاتمة هذا المبحث أن نذكر أن الاحتجاج بنبوءات المزامير على نجاة المسيح قديم، بل يرجع للمسيح - إن صح ما في إنجيل برنابا -، فقد جاء فيه أن المسيح قال: " إن واحداً منكم سيسلمني، فأباع كالخروف، ولكن ويل له، لأنه سيتم ما قاله داود أبونا عنه، أنه سيسقط في الهوة التي أعدها للآخرين" (برنابا ٢١٣/ ٢٤ - ٢٦). وإذا قلنا: إن المزامير بشرت بنجاته، فللنصارى أن يقولوا: كيف لم يعرف المسيح ذلك من العهد القديم؛ لم قال عن نفسه بأنه سيصلب كما في الأناجيل؟ والإجابة عن هذا التساؤل لا تلزمنا نحن المسلمين الذين لا نعتد بما جاء في هذه الكتب، إلا ما قام على صدقه وتوثيقه دليل من ديننا. ثم القصة هي امتحان للمسيح ﵇، كما كان الأمر بالذبح امتحاناً لإبراهيم وابنه الوحيد، ولو عرف المسيح نتيجة الامتحان مقدماً لما كان له أي معنى، كما لو عرفها إبراهيم، فلذلك خفيت عليه، وليس لقصور فهمه أو إدراكه، حاشاه، ولكن لتتحقق إرادة الله بامتحانه، ونجاحه في الامتحان. ثم لا يمكن القطع بأن المسيح لم يعرف المعنى الصحيح الذي تدل عليه النبوءات،

стр. 87

بل قد يكون المسيح عرف ذلك، فلجأ إلى الله يتضرع إليه ويسأله صرف هذه الكأس، لأنه عرف أن الله يستجيب دعاءه وتضرعه، بينما لو وافقنا الرواية الإنجيلية بأن المسيح علم أنه سيصلب ثم صلب، فما فائدة تضرعه ودعائه، ولم كان جزعه يأسه وصراخه على الصليب "لماذا تركتني"؟ كما ثمة أمر آخر يجدر التنبه له، وهو أن فهم النبوءات لا يعني يقيناً معرفة الساعة، وتحديد اليوم الذي سيسعى أعداؤه فيه للقبض عليه، فهذا قد يكون سبب خفاء وقت تحقق هذه النبوءات على المسيح ﵊. هل ما جاء في سفر إشعيا نبوءة عن صلب المسيح ؟ لكن النصارى يرون أن ثمة نبوءة في غير المزامير قد وردت عن صلب المسيح، ألا وهي ما جاء في إشعيا ٥٢ و ٥٣، وفيه: " هو ذا عبدي يعقل، ويتعالى، ويرتقي ويتسامى جداً، كما اندهش منه كثيرون، كان منظره كذا مفسدة أكثر من الرجل، وصورته أكثر من بني آدم، هكذا ينضح أمماً كثيرين، من أجله يسد ملوكُُ أفواههم، لأنهم قد أبصروا ما لم يخبروا به، وما لم يسمعوه فهموه. من صدق خبرنا، ولمن استعلنت ذراع الرب، نبت قدامه كفرخ، وكعرق من أرض يابسة، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه، محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع، ومختبر الحزن، وكمستَّر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به. لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها، ونحن حسبناه مصلوباً، مضروباً من الله ومذلولاً، وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحبره شفينا، كلنا كغنم ضللنا، مِلْنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا، ظلم أما هو فتذلل، ولم يفتح فاه، كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها، فلم يفتح فاه.

стр. 88

من الضغطة، ومن الدينونة أُخذ، وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء، أنه ضُرب من أجل ذنب شعبي، وجعل مع الأشرار قبره، ومع غني عند موته، على أنه لم يعمل ظلماً، ولم يكن في فمه غش. أما الرب فسُر بأن يسحقه بالحزن، أن جعل نفسه ذبيحة إثم، يرى نسلاً تطول أيامه، ومسرة الرب بيده تنحج، من تعب نفسه يرى ويشبع، وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين، وآثامهم هو يحملها، لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء، يقسم غنيمة من أجل أنه سكب للموت نفسه، وأحصي مع أثمةٍ، وهو حمل خطية كثيرين، وشفع في المذنبين " (إشعيا ٥٢/ ١٣ - ٥٣/ ١٢). ويربط النصارى بين هذا السفر وبين ما جاء في مرقس " فتم الكتاب القائل: وأحصي مع أثمة " (مرقس ١٥/ ٢٨)، ومقصوده كما لا يخفى ما جاء في إشعيا " سكب للموت نفسه، وأحصي مع أثمة " ومثله في سفر أعمال الرسل. (انظر أعمال ٨/ ٢٢ - ٢٣). والنص ولا ريب قد تعرض للكثير من التلاعب والتحوير، وتجزم بهذا التلاعب عندما تلحظ غموض عباراته، وحين تقارن نص إشعيا مع ما جاء في أعمال الرسل، وهو ينقل عنه، وفيه " وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأه، فكان هذا: مثل شاة سيق إلى الذبح، ومثل خروف صامت أمام الذي يجزه، هكذا لم يفتح فاه، في تواضعه انتزع قضاؤه، وجيله من يخبر به، لأن حياته تنتزع من الأرض " (أعمال ٨/ ٣٢ - ٣٣)، فثمة فروق بين ما جاء في إشعياء وما نقله عنه أعمال الرسل. فالنعجة في سفر إشعيا تحولت في أعمال الرسل إلى خروف، و "من الضغطة، ومن الدينونة أُخذ" أضحت: "في تواضعه انتزع قضاؤه". لكن الفارق الأكبر بين السفرين نجده في قول إشعيا: "وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء"، فيما يقول سفر الأعمال: " وجيله من يخبر به، لأن حياته

стр. 89

تنتزع من الأرض". كما أن النص الكاثوليكي للسفر يزيد عبارة أسقطتها الطبعات البروتسنتية لما فيها من إبهام، ففي نسخة الشرق الأوسط الكاثوليكية "من الضيق والقضاء أُخذ، ومن يصف مولده، إنه قد انقطع من أرض الأحياء"، فقوله: "ومن يصف مولده" نص موجود في الترجمة السبعينية واللاتينية، وتسقطه النسخ التي اعتمدت النص العبراني فقط. أما نسخة الرهبانية اليسوعية فقد حورت النص ليتلائم مع السياق الذي تريده، فجعلته "بالإكراه والقضاء أُخذ، فمن يفكر في مصيره، قد انقطع من أرض الأحياء"، فأضحى النص فيها متحدثاً عن صلب المسيح بدلاً من مولده! كما أضحى انتزاع حياته بالإكراه، لا مجرد ابتلاء وضيق! - وجاء في خاتمة القصة في سفر أعمال الرسل في نسخة الشرق الأوسط البرتستنتية، والأخرى الكاثوليكية أن فيلبُس مر مع العبد الحبشي على ماء " فقال الخصي: هوذا ماء، ماذا يمنع أن أعتمد؟ فقال فيلبس: إن كنت تؤمن من كل قلبك يجوز، فأجاب وقال: أنا أُومن أن يسوع المسيح هو ابن الله، فأمر أن تقف المركبة، فنزلا كلاهما إلى الماء ... " (أعمال ٨/ ٣٦ - ٣٨)، وهذا الحوار الذي جرى بعد رؤيتهما للماء لم تذكره نسخة شهود يهوه المسماة ترجمة العالم الجديد، كما حذفته نسخة الرهبانية اليسوعية الكاثوليكية، والنص فيها: "فقال الخصي: هذا ماء، فما يمنع أن أعتمد؟ ثم أمر بأن تقف المركبة، ونزلا كلاهما في الماء". وهذه الفروق وذلك التلاعب يدلنا على مدى الحرية التي تعامل بها القديسون أو المترجمون للنصوص الكتابية. لكن التحريف الأكبر الذي صنعه النصارى لنص إشعيا هو اجتثاثه من سياقه

стр. 90

الذي كان يتحدث عن عودة بني إسرائيل من السبي وفداء الله لهم وخلاصهم من ذلهم، فالقصة التوراتية لا تبدأ من حيث يبدأ النصارى "هوذا عبدي يعقل ويتسامى"، فإن الابتداء بها بتر للنص وإخراج له عن سياقه ومعناه الطبيعي، حيث يقول: "هكذا قال السيد الرب: إلى مصر نزل شعبي أولاً ليتغرب هناك، ثم ظلمه آشور بلا سبب، فالآن ماذا لي هنا، يقول الرب: حتى أُخذ شعبي مجاناً ... صوت مراقبيك يرفعون صوتهم، يترنمون معاً، لأنهم يبصرون عيناً لعين عند رجوع الرب إلى صهيون، شيدي ترنمي معاً يا خِرب أورشليم، لأن الرب قد عزى شعبه، فدى أورشليم، قد شمر الرب عن ذراع قدسه أمام عيون كل الأمم، فترى كل أطراف الأرض خلاص إلهنا، اعتزلوا اعتزلوا، اخرجوا من هناك لا تمسوا نجساً، اخرجوا من وسطها (في نسخة كتاب الحياة التفسيرية: اخرجوا من وسط بابل)، تطهروا يا حاملي آنية الرب، لأنكم لا تخرجون بالعجلة، ولا تذهبون هاربين، لأن الرب سائر أمامكم، وإله اسرائيل يجمع ساقتكم، هوذا عبدي يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً ... " (إشعيا ٥٢/ ٣ - ١٣). وبعد انتهاء النبوءة - المدعاة عن المسيح - عاد النص للحديث عن عزاء أمة بني إسرائيل بعد عذابها الطويل في بابل، قيقول مخاطباً أورشليم: "ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد، أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض، لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل. قال الرب: أوسعي مكان خيمتك، ولتبسط شقق مساكنك، لا تمسكي، أطيلي أطنابك، وشددي أوتادك، لأنك تمتدين إلى اليمين وإلى اليسار ويرث نسلك أمماً، ويعمر مدناً خربة، لا تخافي لأنك لا تخزين، ولا تخجلي لأنك لا تستحين، فإنك تنسين خزي صباك، وعار ترملك لا تذكرينه بعد، لأن بعلك هو صانعك، رب الجنود اسمه" (إشعيا ٥٤/ ١ - ٥). لذا حق للمحققين أن يروا ما ورد في إشعيا نصاً حُور لفظاً ومعنىً لينطبق على

стр. 91

المسيح، ودليل ذلك أن المسيح لم يخبر أن ما جاء في إشعيا نبوءة عنه المسيح، فالمسيح لم يشر إلى هذه النبوءة من قريب أو بعيد. والمسلمون لا يرون في هذا النص أي نبوءة عن المسيح، ويستغربون ويستنكرون ربط النصارى بين نص إشعيا وقصة الصلب في الأناجيل، فنص إشعيا يتحدث وفي أكثر من موضع عن عبد، فيما يقول النصارى بألوهية المسيح، فكيف يجمعون بين عبوديته لله وألوهيته في وقت واحد. وهذا العبد قبيح في منظره، مخذول محتقر لا يعتد به، فهو ليس المسيح على أي حال " هو ذا عبدي ... كان منظره كذا مفسدة أكثر من الرجل، وصورته أكثر من بني آدم .. لا صورة له ولا جمال، فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه، محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع، ومختبر الحزن، وكمستّر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به"، أفهذه صورة المسيح عندهم؟. والنص أيضاً يتحدث عن الذي " لم يفتح فاه، كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها، فلم يفتح فاه "، بينما المسيح تكلم مراراً وتكراراً، فقد تكلم طويلاً في البستان، وهو يناجي، طالباً من الله أن يعبر عنه هذه الكأس ... ثم نطق فقال لبيلاطس أثناء محاكمته: " أنت تقول: إني ملك، لهذا قد ولدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم، لأشهد للحق، كل من هو في الحق يسمع صوتي " (يوحنا ١٨/ ٣٧). وكان قد قال له قبل: " مملكتي ليست في هذا العالم، لو كانت مملكتي في هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هذا " (يوحنا ١٨/ ٣٦). كما تكلم في المحاكمة لما لطمه أحد الخدم فأجابه المسيح: " إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردي، وإن حسناً فلماذا تضربني؟ " (يوحنا ١٨/ ٢٢).

стр. 92

فإن أصر النصارى بعد ذلك على أن النبوءة تنطبق على المسيح، فقد قالوا إذاً بأن المسيح تكلم وهو مغلق الفم!!! كما يذكر نص إشعيا شجاعة وتماسكاً لا تتناسب وصراخ المصلوب، وجزعه، وقنوطه، فالمصلوب لم يظهر كشاة أمام جازيها صامتة، "وهكذا لم يفتح فاه "، بل كان يصرخ على الصليب: "إلهي إلهي، لماذا تركتني؟ " (متى ٢٧/ ٤٦). والنص متحدث عن صاحب نسل وولد، فيقول: " يرى نسلاً تطول أيامه "، وقد سُرّ الرب بعذابه وبالعاهات التي تصيبه " وأما الرب فسُرّ بأن يسحقه بالحزن "، والنص في النسخة الكاثوليكية يفسر الحزن بالعاهات، فيقول: "والرب رضي أن يسحقه بالعاهات"، وفي نسخة الرهبانية اليسوعية: "والرب رضي أن يسحق ذاك الذي أمرضه"، فهل يسَرُّ الله لأحزان عبده البار، المسيح ﵊، وهل كان المسيح مصاباً بعاهة من العاهات أو مرض من الأمراض؟ ويرى الأستاذ محمد الأفندي (١) أن لا علاقة بين هذا الإصحاح في إشعيا، وبين حادثة الصلب، فالإصحاح يتحدث عن قصة بني إسرائيل، وذلهم في بابل بسبب معاصيهم ومعاصي سلفهم، فحاق بهم عقوبة الله التي عمّت صالحيهم وفجارهم، ثم أنعم الله عليهم بالعود من بابل مرة أخرى إلى فلسطين، وهذا المعنى هو ما كان يتحدث عنه السياق التوراتي في سفر إشعيا. وقوله: " هو ذا عبدي .. كما اندهش منك كثيرون كان منظره كذا مفسدًا أكثر من الرجل، وصورته أكثر من بني آدم " فالمقصود بالعبد شعب إسرائيل. وقد عُهد في التوراة إطلاق لفظ الفرد، والمراد الشعب كما في إشعيا: "يقول

стр. 93

الرب، خالقك يا يعقوب، وجابلك يا إسرائيل ... وإذا اجتزت في المياه فأنا معك، وفي الأنهار فلا تغمرك، لأني أنا الرب إلهك، قدوس إسرائيل، مخلصك، جعلت مصر فديتك " (إشعيا ٤٣/ ١ - ٣)، وفي سفر ميخا: " إني أجمع جميعك يا يعقوب" (ميخا ٢/ ١٢)، ومثله في مواضع كثيرة، منها (إشعيا ٤١/ ٨) و (ميخا ١/ ٥)، والمقصود من ذلك كله شعب إسرائيل. وفي إشعيا ٥٢ و ٥٣ يتنبأ النبي عن غربة بني إسرائيل ويصف ذلتهم، ثم يتحدث عن عودة أبنائهم من أرض السبي "نبت قدامَه كفرخ، وكعرق في أرض يابسة " فقد عادوا للأرض المقدسة، ونبتوا فيها، من جديد، كما في سفر النبي إرمياء "وأجعل عيني عليهم للخير، وأرجعهم إلى هذه الأرض، وأبنيهم ولا أهدمهم، وأغرسهم، ولا أقلعهم" (إرمياء ٢٤/ ٦)، وقوله: "وأفرح بهم لأحسن إليهم، وأغرسهم في هذه الأرض بالأمانة بكل قلبي وبكل نفسي" (إرمياء ٣٢/ ٤١). (وانظر إرمياء ٣١/ ٢٧ - ٢٨). وقد تغيرت صورتهم بسبب الذل فكان الشعب " محتقر مخذول .. الرب وضع عليه إثم جميعنا " ويفسره قول إرميا وقد شاهد الأسر البابلي: " آباؤنا أخطؤوا، وليسوا بموجودين، ونحن نحمل آثامهم، عبيد حكموا علينا، ليس من يخلص من أيديهم، جلودنا اسودت من جري نيران الجوع " (المراثي ٥/ ٧ - ١٠). وقوله: " ظلِم أما هو فتذلل " كقول سفر إشعيا عن اضطهاد بني إسرائيل على يد الآشوريين: "نزل شعبي أولاً ليتغرب هناك، ثم ظلمه آشور بلا سبب " (إشعيا ٥٢/ ٤)، وكقوله: "إن بني إسرائيل وبني يهوذا معاً مظلومون " (إرميا ٥٠/ ٣٣). وأما قوله: " كشاة تساق إلى الذبح .... " فهو حديث ذبح ملك بابل لبني إسرائيل، وقد ساقهم كما تساق الشياه إلى الذبح، كما في قوله: " أنزلهم كخراف للذبح، وككباش مع أعتدة " (إرميا ٥١/ ٤٠) فمات أكثرهم جوعاً، ونحوه قوله عنهم: "وأنا

стр. 94

كخروف داجن يساق إلى الذبح ولم أعلم أنهم فكروا عليّ أفكاراً قائلين: لنهلك الشجرة بثمرها، ونقطعه من أرض الأحياء، فلا يذكر بعد اسمه" (إرميا ١١/ ١٩). وقوله: " وجعل مع الأشرار قبره، ومع غني عند موته " إشارة إلى أن دفنهم في بابل كان مع الوثنيين، ولا يمكن للنصارى حمله على المسيح المدفون - حسب كتابهم - وحده في بستان، في قبر جديد، لم يدفن فيه معه لا شرير ولا غني. وقوله: " أحصي مع أثمة " هو أيضاً يحكى عن وجود بني إسرائيل مع الوثنيين في بابل، ولا يصح أن يقال: الأثمة هما اللصان، إذ قد وعد أحدهما الفردوس، فكيف يوصف بعد ذلك بالآثم؟! وقوله: "فسَّر أن يسحقه بالحَزَن، أن جعل نفسه ذبيحة إثم، يرى نسلاً تطول أيامه"، وفي النسخة الكاثوليكية يتضح المعنى أكثر: "والرب رضي أن يسحقه بالعاهات، فإنه إذا جعل نفسه ذبيحة إثم يرى ذرية، وتطول أيامه"، وفي الترجمة التفسيرية المسماة كتاب الحياة: "فقد سُر الله أن يسحقه بالحزن، وحين يقدم نفسه ذبيحة إثم فإنه يرى نسله وتطول أيامه"، فالنص كما هو واضح ليس حديثاً عن المسيح الفادي، بل هو إشارة إلى تكفير الله خطايا بني إسرائيل بسبب توبتهم، حيث يرفع الله عنهم الاضطهادات، ويعيدهم إلى وطنهم، حيث تطول أيامهم ويعيشون ويتوالدون في فلسطين بعد السبي وآلامه وعاهاته وبلاياه. وقوله: " على أنه لم يعمل ظلماً، ولم يكن في فمه غش" حديث عن طهر أولئك الذين يعودون من السبي الذين عنهم "يقول الرب: لأني أصفح عن إثمهم، ولا أذكر خطيتهم بعد" (إرمياء ٣١/ ٣٤)، كما قال عنهم: "وأرد سبي يهوذا وسبي إسرائيل وأبنيهم كالأول، وأطهرهم من كل إثمهم الذي أخطؤوا به إليّ، وأغفر كل ذنوبهم التي أخطؤوا بها إليّ والتي عصوا بها عليّ" (إرمياء ٣٣/ ٧ - ٨).

стр. 95

وأما قوله: " عبدي البار بمعرفته يبرر كثيرون، وآثامهم هو يحملها " يتحدث كيف شمل البؤس بررة بني إسرائيل وعصاتهم، كما قال الله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ (الأنفال: ١٢٥). وإكراماً لهؤلاء البررة من بني إسرائيل، طهرهم الله من ذنبهم، ورفع عنهم هذه العقوبة، كما في إرميا: " في تلك الأيام يطلب إثم إسرائيل فلا يكون، وخطية يهوذا فلا توجد، لأني أغفر لمن أبقيه" (إرميا ٥٠/ ٢٠)، فقد حملوا خطيئة آبائهم، ثم غفرت ذنوبهم. سوف يبدأ عهد جديد لا تضرس فيه أسنان الأبناء بحصرم آبائهم، ولا يعاقبون ثانية بجريرتهم، فقد تحملوا من آثامهم ما يكفي "في تلك الأيام لا يقولون بعد: الآباء أكلوا حصرماً، وأسنان الأبناء ضرست، بل كل واحد يموت بذنبه، كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه، ها أيام تأتي يقول الرب، وأقطع مع بيت اسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً" (إرميا ٣١/ ٢٩ - ٣١). (١) وهكذا فالإصحاح يتحدث عن شعب إسرائيل، وسبيه، وذلته، ثم نجاته. وهذا هو مفهوم النص عند اليهود وهم أصحاب الكتاب الأصليين، بل هو رأي كثير من المفسرين المسيحيين، كما نقل القس الخضري حين قال: "إن عدداً لا بأس به من المفسرين يتردد كثيراً في نسب هذه النصوص إلى المسيح ظناً منهم بأن النبي يتكلم عن إسرائيل كله كشخص محتقر مخذول ومطرود". (٢)

стр. 96

إبطال صلب المسيح بنبوءات وأخبار الأناجيل والرسائل هل تنبأ المسيح بصلبه ؟ تتحدث الأناجيل الأربعة عن صلب المسيح، كخاتمة لوجوده على الأرض، ولكن: هل تنبأ المسيح بأنه سيصلب؟ وهل عرف بذلك تلاميذه؟ لا تخطئ عين الناظر في الأناجيل أن ترى أن الإنجيليين نقلوا عن المسيح تنبؤه بتعرضه لمؤامرة تودي به إلى الموت والصلب، فهل تصح هذه الأقوال في نسبتها إلى السيد المسيح؟ الحقيقة أن خبر تنبؤ المسيح بقتله أو صلبه (انظر متى ١٧/ ٢٢ و٢٠/ ١٦، ٢٦/ ٢، ٢٦/ ٢٣)، قول دخيل على الأناجيل، ملحق بها، والأدلة على ذلك تتضح باستقراء عدد من الملاحظات التي يقوي بعضها بعضاً: - أن العبارة في إنجيل متى والتي يخبر فيها المسيح عن مؤامرة يتعرض لها ابن الإنسان وتودي به إلى الموت وردت بلا مقدمة، ولا مناسبة، ولا تعليق عليها من قبل الحواريين، حتى وكأنها تتحدث عن حدث عادي، فلئن صحت، دل ذلك على أن ابن الإنسان المصلوب المسلّم لأيدي الخطاة، هو غير المسيح. - تتحدث المواضع الأربعة - التي ذكرت تنبؤه بالموت - عن تسليم ابن الإنسان، وقتله أو صلبه، ولا تنص على عيسى، لكن اللفظ - وإن تبادر في الذهن إلى المسيح - فإنه يصح أن يطلق على غيره، بدليل أنهم سألوه عن ابن الإنسان مَن هو بقولهم: "كيف تقول أنت: إنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان؟ من هو هذا ابن الإنسان؟ " (يوحنا ١٢/ ٣٤) ولو كان هذا اللقب بالمسيح خاصاً لما كان في سؤالهم وجه.

стр. 97

- يقترن وصف الأناجيل الثلاثة لردة فعل التلاميذ حيال هذا الخبر بكثير من الغرابة، ففي متى (٢٦/ ١ - ٢) لم يذكر لهم حساً ولا خبراً، بيد أنه في (متى ٢٦/ ٢٣) ذكر بأنهم " حزنوا جداً"، ويفهم منه أنهم فهموا مراده فحزنوا، لكن مرقس يقول: " وأما هم فلم يفهموا القول، وخافوا أن يسألوه " (مرقس ٩/ ٣٢)، ويؤكد لوقا هذا بقوله: " وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئاً، وكان هذا الأمر مخفياً عنهم، ولم يعلموا ما قيل ". - وإضافة إلى تناقض النصوص، فإن في خوف التلاميذ من المسيح وترددهم في سؤاله ما يدعو للعجب، فقد عرف ﵊ بدماثة خلقه، وبتحببه لهم، حتى إنه غسل أرجلهم، وكثيراً ما كانوا يسألوه، فِلمْ لم يسألونه في هذا الأمر الخطير؟ - ذكر الإنجيليون الثلاثة الذين ذكروا الخبر بأن المسيح سيقوم في اليوم الثالث (انظر متى ١٧/ ٢٣، مرقس ٩/ ٣٢، لوقا ١٨/ ٣٣)، وهذا لم يحصل، بل مكث ما لا يزيد بحال عن ليلتين ويوم. - ومما يدل على عدم صحة التنبؤ بالصلب والقتل: فرار التلاميذ، وفيهم بطرس الذي قال له المسيح: "طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك، وأنت متى رجعت ثبت إخوتك، فقال له: يا رب، إني مستعد أن أمضي معك، حتى إلى السجن، وإلى الموت " (لوقا ٢٢/ ٣٢ - ٣٤)، فدل هذا على معرفتهم بأن المأخوذ غيره، كما قد عرفوا ذلك فهربوا، وقد قال عنهم المسيح: "الذين أعطيتني حفظتهم، ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك " (يوحنا ١٧/ ١٢). ثم بعد ذلك ولأن أمر المصلوب لا يهمهم وقد عرفوا بنجاة سيدهم لم يهتموا بمتابعة المصلوب وهو على الصليب، أو في أثناء المحاكمة، إلا ما جاء عن بطرس ويوحنا وبعض النسوة.

стр. 98

كما تذكر الأناجيل دليلاً آخر يشهد على عدم صحة هذه النبوءات المتنبئة بصلب المسيح، بل تدلل على أن المسيح تنبأ بنجاته، وأن التلاميذ فهموا منه ذلك قول مرقس أن المسيح قال لتلاميذه: " كلكم تشكون فيَّ في هذه الليلة " (مرقس ١٤/ ٢٧). هذا ولا تذكر الأناجيل شيئاً عن شك التلاميذ، سوى ما ذكرته عن بطرس الذي أنكر المأخوذ ثلاث مرات ليلة المحاكمة، وأما الآخرون فصمت مطبق، فكيف شك التلاميذ؟ لقد شك التلاميذ في المسيح وهم يرون المأخوذ من البستان (يهوذا) وقد قبض عليه، وظنوه المسيح، فوقعوا فيما حذرهم منه المسيح، وهو الشك فيه، لقد كان أخبرهم بنجاته من المؤامرة ثم يرون أنه قد أخذ ولم ينجو. ويوضح العلامة أحمد عبد الوهاب هذه المسألة، فيقول بأن الشك هو تراجع داخل النفس، ويستشهد لتفسيره بما جاء في غير الترجمة العربية، فالنص في التراجم الأخرى تعريبه هكذا: " كلكم ترتدون عن عقيدتكم وتزلون ". ويفرق بين الإنكار والشك، فالشك عمل قلبي، والإنكار: قد ينكر الإنسان بلسانه ما يعتقده في قلبه، والذي وقع من التلاميذ شك لا إنكار. فلقد آمن التلاميذ بالمسيح، وصدقوه فيما تنبأ به، فإذا رأوا ما اعتبروه مخالفاً لنبوءاته، فسوف يحصل منهم الشك، والردة عن العقيدة. ويورد الأستاذ أحمد عبد الوهاب احتمالين: الأول: أن يكون المسيح قد تنبأ لتلاميذه بأن مؤامرة ستدبر ضده، وستُحدث له ألماً ومعاناة، إلا أنها ستفشل، وسينقذه الله من القتل، كما في قوله: " ستطلبونني ولا تجدونني ". وهذا الذي حصل ولم يشاهده التلاميذ، بل هم قد رأوا ما حسبوه وظنوه

стр. 99

نقيضَه، فقد رأوا المسيح مأخوذاً مصلوباً، فوقعوا في الشك فيه، لأن كلامه لم يتحقق، وهذا هو الصحيح. والآخر: أن المسيح تنبأ بأن المؤامرة ستنتهي بقتله، وليس هناك ما يدعو للشك والارتياب حسب هذه الصورة، سواء تحقق قوله أم لم يتحقق، إذ تحققه تصديق لقوله، وتخلُفه إكرام من الله له وحفظ ورعاية. وهذا الفرض خاطئ، ويدحضه العود إلى لحظة القبض على المسيح، حيث نجد أن التلاميذ جميعاً قد هربوا، وتركوا المسيح وحده. ويبدو هنا شكهم واضحاً، لقد حصل أمام التلاميذ ما لم يتوقعوه - فيما يظهر لهم -، أي ما لم يتنبأ به المسيح. فلئن كان أخبرهم بأن سيُقبض عليه وسيقتل، فليس ثمة ما يثير الشك، وإن كان الاحتمال الأول بأنه سينجو، وأن المؤامرة ستفشل، ولكنهم يجدونه - فيما يظهر لهم - قد قبض عليه، ولم تتحقق نبوءته، فحينئذ وقعوا في الشك. (١) إذاً فلقد تحقق الشك، حين حسبوا المسيح هو المأخوذ والمصلوب، وقد كان أخبرهم بنجاته، كما قد سمعوا منه مراراً، كما سيأتي تفصيله. وأما سيء الذكر في الأناجيل - بطرس-، فإنه الوحيد من بين التلاميذ الذي ذكر أصحاب الأناجيل شكه، ويتمثل شكه عند النصارى في تنكره للمسيح، قبل أن يصيح الديك صباح تلك الليلة مرة أو مرتين على خلاف بين متى ومرقس. لكن أحمد عبد الوهاب يفرق مرة أخرى بين الشك والإنكار، فما حصل من بطرس في القصة الإنجيلية هو إنكار، وليس بشك، فقد ينكر الإنسان بلسانه ما يعتقده

стр. 100

بقلبه، لكن ما وقع فيه بطرس كان شكاً كذاك الذي وقع فيه التلاميذ، لقد سمع من المسيح تنبأه بنجاته، فإذا به يصحو من نومه في البستان، ويراه مأخوذاً، كما خيل له، فوقع منه الشك في المسيح، ثم الإنكار له في مجمع الظلمة. ولو فرضنا جدلاً أن المسيح تنبأ بصلبه وقتله، فإن ذلك لا يمنع بالضرورة أن يصرف الله قضاءه عن المسيح، فينجيه، ولذا فإن المسيح كان يناجي الله طالباً منه صرف كأس الموت عنه، فدعاؤه الطويل في البستان دليل على يقينه بإمكانية النجاة، وإلا كان دعاؤه نوعاً من العبث وإضاعة الوقت فيما لا طائل من ورائه. ولو تأملنا في قصة الملك حزقيا لرأينا شاهداً مطابقاً لما بين يدينا، يقول سفر إشعيا: "في تلك الأيام مرض حزقيا للموت، فجاء إليه إشعياء بن آموص النبي، وقال له: هكذا يقول الرب: أوص بيتك، لأنك تموت ولا تعيش". لكن الملك حزقيا لم ييأس " فوجه حزقيا وجهه إلى الحائط، وصلى إلى الرب، وقال: آه يا رب، اذكر كيف سرتُ أمامك بالأمانة وبقلب سليم، وفعلتُ الحسن في عينيك، وبكى حزقيا بكاء عظيماً". ولم يخيبه ربه، بل استجاب لتضرعه ودعائه " فصار قول الرب إلى إشعياء قائلاً: اذهب وقل لحزقيا: هكذا يقول الرب إله داود أبيك: قد سمعت صلاتك، قد رأيت دموعك، ها أنذا أضيف إلى أيامك خمس عشرة سنة، ومن يد ملك أشور أنقذك وهذه المدينة، وأحامي عن هذه المدينة" (إشعيا ٣٨/ ١ - ٦)، فقد رفع الله حكمه المقدر في حق حزقيا بحكم آخر، فقد قبِل تضرعه واستغاثته، وقبوله تعالى دعاء عبده البار المسيح من باب أولى. ومثله في الوعيد الذي توعده الله للملك اخآب ثم عفوه عنه لتضرعه واتضاعه بين يدي ربه. (انظر الملوك (١) ٢١/ ١٩ - ٢٩).

стр. 101

ومثله أيضاً رفع الله العقوبة التي قررها على بني إسرائيل بعد اتضاع الملك داود له وبنائه لمذبح للرب (انظر صموئيل (٢) ٢٤/ ١١ - ٢٥). لقد تضرع المسيح ودعا طويلاً في البستان، وطلب من الله أن يصرف كأس الموت والصلب عنه، فهل كان المسيح يجهل أنه سيصلب؟ وإذا كان يعلم أنه سيصلب فما فائدة هذا الدعاء والتضرع؟ أقول: إن قيام المسيح بالدعاء والتضرع لله في البستان دليل على ثقته بأن الله سيستجيب له. وهل يليق أن يقال بأن الله رد المسيح خائباً بعد هذا التضرع والدعاء، فمثل هذا لا يحصل إلا مع عصاة العباد الذين لا يستحقون رحمة الله ومحبته. فاستجابة الله للأنبياء والصالحين حال دعائهم أمر مشهود، فقد وعد رسله بالنجاة؛ كما في رسالة يعقوب " صلاة الإيمان تشفي المريض، والرب يقيمه ... طلبة البار تقتدر كثيراً في فعلها، كان إيليا إنساناً تحت الآلام، ومثلنا صلى صلاة أن لا تمطر، فلم تمطر على الأرض ثلاث سنين وستة أشهر، ثم صلى أيضاً، فأعطت السماء مطراً، وأخرجت الأرض ثمرها " (يعقوب ٥/ ١٥ - ١٨). وقد استجاب الله لإبراهيم لما أمره بذبح ابنه، فامتثل لأمر الله، فأنجى الله ابنه واستجاب له طلبه. ويؤكد العلامة ديدات على قرينة وحدة أفعال الله، لإبطال صلب المسيح والحكم بنجاته، فقد نجى الله النبي دانيال، وإبراهيم، والفتية الثلاثة الذين ألقوا في النار. أما نجاة إبراهيم، فقد ذكرت في قوله تعالى: ﴿قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين - قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم - فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين﴾ (الأنبياء: ٦٨ - ٧٠).

стр. 102

وأما دانيال، فقد ألقاه الملك في جُبَّ مع الأُسود، وختم الجب بخاتمه، ثم لما فتحه ناداه: "يا دانيال عبد الله الحي، هل إلهك الذي تعبده دائماً قدِر على أن ينجيك من الأسود؟ فتكلم دانيال مع الملك: يا أيها الملك، عش إلى الأبد، إلهي أرسل ملاكه، وسد أفواه الأسود، فلم تضرني، لأني وجدت بريئاً قدامه وقدامك أيضاً .. فأمر الملك، فأحضروا أولئك الرجال الذين اشتكوا على دانيال، وطرحوهم في جب الأسود، هم وأولادهم، ولم يصلوا إلى أسفل الجب حتى بطشت بهم الأُسود، وسحقت كل عظامهم " (دانيال ٦/ ١٥ - ٢٤). وأما الفتية الثلاثة فقد أُلقوا في النار، ولكن " لم تكن للنار قوة على أجسامهم، وشعرة من رؤوسهم لم تحترق، وسراويلهم لم تتغير، ورائحة النار لم تأت عليهم " (دانيال ٣/ ٢٧). ومما يؤكد استجابة الله للمسيح: ظهور ملاك له ليقويه (انظر لوقا ٢٢/ ٤٣) فهل كان ذلك الملاك يضحك عليه ويهزأ به، أم يعينه فينجيه؟ وهذا الأخير هو ما يليق بعدل الله ورحمته، فقد استجاب الله للمسيح فأنجاه، وصلب يهوذا الخائن، فهذا أليق بعدل الله وكرمه من القول بعدم استجابته للمسيح، وصلبه وتسليمه إلى مرام أعدائه ومبغضيه. لقد حفظ الله مسيحه، وأمكنه من النجاة ويسّر له سُبلها، كما يسرها لكثيرين دونه في الفضل والمكانة، منهم بطرس الذي دخل ملاك الرب إلى سجنه، وحطم سلاسله وهو نائم، وأمره بالخروج. (انظر أعمال ١٢/ ٧). وكذلك زعم لوقا أن بولس نجا من السجن بأعجوبة، فقد تزلزلت الأرض، وتصدع السجن، وتحطمت القيود. وانفتحت الأبواب، فهرب وصاحبه سِيلا من سجنهما. (انظر أعمال ١٦/ ٢٦).

стр. 103

كما أن توراة القوم تتحدث عن معونة الله لعدد من القديسين رفعوا إلى السماء، منهم: أخنوخ " وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه " (التكوين ٥/ ٢٤). ومثله النبي إيليا "وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار، وخيل من نار، ففصلت بينهما، فصعد إيليا من العاصفة إلى السماء " (الملوك (٢) ٢/ ١١). فِلمَ أمكن هذا لبطرس وبولس وغيرهما، ولم يمكن للمسيح، وهو أولى منهم برعاية الله وحفظه؟! وهكذا، ومن خلال هذه الأمثلة، نرى أن رعاية الله التي أحاطت بالمؤمنين من قبل قد أحاطت بالمسيح، وأنجته من يدي أعدائه، فتحقق ما كان قد تنبأ به بقوله: " والذي أرسلني هو معي، ولم يتركني الأب وحدي، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " (يوحنا ٨/ ٩). تنبوءات العهد الجديد بنجاة المسيح إن خبر تنبؤ المسيح بقتله وصلبه - كما يذكر الإنجيليون - معارَض بنصوص كثيرة، أخبر المسيح تلاميذه فيها بنجاته، بل أعلنها على ملأ اليهود، وتحداهم، وأخبر بأنه غلبهم، وغلب العالم. وقد تجاهل النصارى هذه الروايات، ولم يلتفتوا إلى الأناجيل وهي تنقل - على استحياء - عن المسيح شهادته بنجاته في نصوص عديدة: - ومنها قوله حسب ما جاء في يوحنا: " فأرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خداماً ليمسكوه، فقال لهم يسوع: أنا معكم زماناً يسيراً بعد، ثم أمضي إلى الذي أرسلني، ستطلبونني ولا تجدونني، وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا " فمتى حقق المسيح هذه النبوءة؟ متى بحث عنه اليهود فلم يجدوه؟ إنه ولا ريب يوم جاءوا للقبض عليه، فنجاه الله وأخذه إلى المكان الذي لا يقدرون عليه، إلى السماوات العلا.

стр. 104

وقد فهم منه اليهود أنه أراد نجاته منهم " فقال اليهود فيما بينهم: إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده نحن؟ ألعله مزمع أن يذهب إلى شتات اليونانيين، ويعلم اليونانيين؟ ما هذا القول الذي قال: ستطلبونني ولا تجدونني، وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا؟ " (يوحنا ٧/ ٣٢ - ٣٦). - ومرة أخرى، جاهر المسيح بنجاته منهم قائلاً: " أعلم من أين أتيت، وإلى أين أذهب، وأما أنتم، فلا تعلمون من أين آتي، ولا إلى أين أذهب ... قال لهم يسوع أيضاً: أنا أمضي، وستطلبونني وتموتون في خطيتكم، حيث أمضى أنا، لا تقدرون أنتم أن تأتوا. فقال اليهود: ألعله يقتل نفسه حتى يقول: حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا. فقال لهم: أنتم من أسفل، أما أنا فمن فوق، أنتم من هذا العالم ... فقال لهم يسوع: متى رفعتم ابن الإنسان، فحينئذ تفهمون إني أنا هو، ولست أفعل شيئاً من نفسي، بل أتكلم بهذا كما علمني أبي، والذي أرسلني هو معي، ولم يتركني الأب وحدي، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " (يوحنا ٨/ ٢١ - ٢٩). - ثم مرة أخرى، لما أعطى يهوذا اللقمة قال لتلاميذه: " يا أولادي أنا معكم زماناً قليلاً بعد، ستطلبونني، وكما قلت لليهود: حيث أذهب أنا، لا تقدرون أنتم أن تأتوا، أقول لكم أنتم الآن ... قال له سمعان بطرس: يا سيد، إلى أين تذهب، أجابه يسوع: حيث أذهب لا تقدر الآن أن تتبعني، ولكنك ستتبعني أخيراً " (يوحنا ١٣/ ٣٢ - ٣٦)، ولا يمكن أن يكون مقصوده الموت، فإنه مقدور لكل أحد. - ومنها أيضاً قول المصلوب (يهوذا) وهو في المحاكمة: " من الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله " (لوقا ٢٢/ ٦٩) فقد رأى يهوذا نجاة المسيح بما رآه أو سمعه من المسيح عن نجاته، وما شاهده من نجاة المسيح لحظة ألقي الشبه عليه، وهو يخبر أنه في تلك اللحظة، المسيح في السماء، وقد رفع بقوة الله.

стр. 105

- ومن النصوص التي تحدثت أيضاً عن نجاة المسيح قوله: "هو ذا تأتي ساعة وقد أتت الآن، تتفرقون فيها، كل واحد إلى خاصته، وتتركونني وحدي، وأنا لست وحدي، لأن الآب معي، قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام، في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يوحنا ١٦/ ٣٢ - ٣٣)، وهكذا كان، فقد هربوا جميعاً وتركوه، لكن الله معه، لذا يطلب منهم أن يثقوا أنه غلب العالم، وأن يثقوا أنه في سلام، فأين هذا من القول بصفع المسيح وصلبه وضربه؟ - ومن النصوص الدالة أيضاً على نجاة المسيح قول يوحنا: " من عند الله خرج، وإلى الله يمضي" (يوحنا ١٣/ ٣) ولو كان المقصود الموت، فكل الناس إلى الله تمضي، والقول بأن مضيه إنما يكون بعد الدفن ثلاثاً، يحتاج لدليل يثبت ذلك. - ومن النصوص الدالة أيضاً على نجاة المسيح ما جاء في متى " فقال لهم يسوع: هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا مادام العريس معهم؛ ولكن ستأتي أيام، حين يرفع العريس عنهم، فحينئذ يصومون " (متى ٩/ ١٥)، ومقصده رفعه للسماء. - ومن ذلك أيضاً: أن في أقوال بولس ما يجعل حادثة الصلب قضية غير مسلم أنها حصلت للمسيح، ويُرى ذلك بالإمعان في هذه الأقوال، يقول بولس: "أما نحن فنكرز بالمسيح مصلوباً، شكاً لليهود، وجهالة للأمم " (كورنثوس (١) ١/ ٢٣). - ويشهد الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين بنجاة المسيح من الصلب، حين قال في وصف ملكي صادق: " لأن ملكي صادق هذا ملك ساليم، كاهن الله العلي .. بلا أب، وبلا أم، بلا نسب، لا بداءة أيام له، ولا نهاية حياة، بل هو مشبه بابن الله، هذا يبقى إلى الأبد " (عبرانيين ٧/ ١ - ٣) فيفهم من قوله هذا، أن ليس للمسيح نهاية أرضية سابقة، كما هو الحال في ملكي صادق! - لكن يبقى أظهر أدلة نجاة المسيح ما قاله كاتب رسالة العبرانيين عن المسيح:

стр. 106

" الذي في أيام جسده، إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه" (عبرانيين ٥/ ٧). فهذا النص، شهادة ناطقة، بأن الله استجاب للمسيح تضرعه في تلك الليلة التي قضاها في بستان جثماني، وصرف عنه ما كان يحذره ويخافه من الصلب والبلاء، وهذا ما تيقنه المسيح من ربه " أيها الآب أشكرك، لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي" (يوحنا ١١/ ٤٠ - ٤١). وقد رأى المحققون في هذه النصوص نبوءات تتكامل لتؤكد حقيقة واضحة تفيد بنجاة المسيح ﵇ من يد أعدائه، وأنه سيرفع للسماء، فهو المكان الذي لا يقدرون عليه، ولا يمكن أن يكون مقصده من هذه الأقوال الموت، فإن ذلك أمر يطيقه كل أحد، كما أن أحداً لا يتحدى أعداءه بأنه سيموت وهم لن يستطيعوه. لقد كان المسيح يتحدى أعداءه وهو يقول: " هو ذا بيتكم، يترك لكم خراباً، لأني أقول لكم: إنكم لا ترونني من الآن، حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب " (متى ٢٣/ ٢٨ - ٢٩). تنبوءات الأناجيل المرفوضة عند الكنيسة بنجاة المسيح ومما يؤكد ما ذهب إليه علماؤنا من نجاة المسيح وصلب غيره: ما جاء في إنجيل برنابا، وما وجد في مخطوطات نجع حمادي في مصر؛ حيث كشف بعد الحرب العالمية الثانية عن ثلاثة وخمسين نصاً، تقع في ألف ومائة وثلاثة وخمسين صفحة، ومن هذه النصوص ما تحدث عن نجاة المسيح، وأنه لم يصلب. (١) ولم يرد في هذه المخطوطات أيُّ ذِكْرٍ لمحاكمة المسيح وصلبه، بل جاء في رؤيا

стр. 107

بطرس على لسان بطرس: "رأيته يبدو كأنهم يمسكون به، وقلت: ما هذا الذي أراه يا سيد؟ هل هو أنت حقاً من يأخذون؟ .. أم أنهم يدقون قدميّ ويديّ شخص آخر؟ .. قال لي المخلص: .. من يُدخلون المسامير في يديه وقدميه هو البديل، فهم يضعون الذي بقي في شبهة في العار! انظر إليّ، وانظر إليه ". وفي مخطوطة أخرى من هذه المخطوطات وهي كتاب " سيت الأكبر " جاء على لسان المسيح "كان شخص آخر، هو الذي شرب المرارة والخل، لم أكن أنا ... كان آخر الذي حمل الصليب فوق كتفيه، كان آخر هو الذي وضعوا تاج الشوك على رأسه. وكنت أنا مبتهجاً في العُلا .. أضحك لجهلهم ". وفي مخطوطة " مقالة القيامة " ما يدل على أن المسيح مات موتاً طبيعياً، وأن روحه المقدسة لا يمكن أن تموت. (١) وفي أعمال يوحنا وهو أيضاً من أسفار الأبوكريفا أن المسيح قال: "لست أنا يسوع المعلق على الصليب". (٢) أما إنجيل برنابا، فيذكر قصة مقاربة لتلك القصة الموجودة في الأناجيل، فيذكر أن المسيح دعا وتضرع في البستان، وأنه كان معه تلاميذه الأحد عشر، وأن يهوذا جاء مع الجند ليدلهم على مكان المسيح، مقابل ثلاثين من الفضة، وأن التلاميذ كانوا نياماً، وأنهم هربوا لما استيقظوا ورأوا الجند. وكذا يذكر برنابا أن المأخوذ (يهوذا) قد أخذ إلى رئيس الكهنة الذي سأله إن كان هو المسيح، وعرضه على الوالي الذي كان يريد إطلاق سراحه، لقناعته ببراءة

стр. 108

المقبوض عليه، لكن الجموع رفضت ذلك. وثمة نقاط صغيرة كثيرة أخرى تتشابه فيها رواية برنابا والروايات الإنجيلية، لكن رواية برنابا تفترق في نقاط، أهمها: - أن المقبوض عليه هو يهوذا، الذي ألقي عليه شبه المسيح. - أن المسيح أخرجته الملائكة سالماً، وصعدت به إلى السماء، وأنه عاد بعد ذلك واجتمع بتلاميذه، وأخبرهم بحقيقة ما حصل، وبأنه نجا، وأن الذي دفنوه وصلبوه وسرقوه هو يهوذا الأسخريوطي. - أن الجسد المصلوب قد سرقه بعض التلاميذ من القبر، وأشاعوا قيامة المسيح من القبر، ثم يختم بذكر صعوده إلى السماء، بعد وداعه لأمه وتلاميذه. ومما ذكره برنابا في قصته: " فاعلم يا برنابا أنه لأجل هذا يجب عليّ التحفظ، وسيبيعني أحد تلاميذي بثلاثين قطعة نقود، وعليه فأنا على يقين من أن من يبيعني يقتل باسمي، لأن الله يصعدني في الأرض، وسيغير منظر الخائن، حتى يظنه كل أحد إياي، ومع ذلك لما يموت شر ميتة؛ أمكث في ذلك العار زمناً طويلاً في العالم، ولكن متى جاء محمد رسول الله المقدس، تزال عني هذه الوصمة، وسيفعل الله هذا، لأني اعترفت بحقيقة مسيّا، الذي سيعطيني هذا الجزاء، أي أن أعرف أني حي، وأني بريء من وصمة تلك الميتة. فأجاب من يكتب (أي برنابا): يا معلم. قل لي من هو ذلك التعيس؟ لأني وددت لو أُميته خنقاً. أجابه يسوع: صه، فإن الله هكذا يريد، فهو لا يقدر أن يفعل غير ذلك، ولكني متى حلت هذه النازلة بأمي، فقل لها الحق، لكي تتعزى ... وخرج يسوع من البيت، ومال إلى البستان ليصلي، فجثا على ركبتيه مائة مرة

стр. 109

معفراً وجهه كعادته في الصلاة ... ولما دنت الجنود مع يهوذا في المحل الذي كان فيه يسوع سُمع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفاً، وكان الأحد عشر نياماً، فلما رأى الله الخطر على عبده، أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه، ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد". ثم يمضي برنابا هو يصور ما حصل ليهوذا الخائن، فيقول: "ودخل يهوذا إلى الغرفة، دخل يهوذا مندفعاً أمام جميع من كانوا معه إلى الحجرة التي كان فيها عيسى، ثم رفع منها إلى السماء، بينما كان التلاميذ نياماً، على أن الله العظيم القادر على كل شيء، تصرف تصرفاً عجيباً، فحول يهوذا إلى صورة عيسى وهيئته وصوته وأسلوب حديثه تماماً، حتى اعتقدنا أنه عيسى، ولما استيقظنا من النوم كان يدور ليعرف مكان المعلم، أما نحن فعجبنا للأمر، فقلنا له: إنك أنت معلمنا ومولانا، هل نسيتنا؟ فضحك يهوذا، وقال: إنكم لحمقى، ألا تعرفونني؟ أنا يهوذا الأسخريوطي، وفي هذه اللحظة دخل الجنود، ووضعوا أيديهم على يهوذا، فقد كان صورة طبق الأصل لعيسى. ولما سمعنا نحن قول يهوذا، ورأينا كتائب الجنود هربنا واختفينا، كان يوحنا يلتف بقماش من التيل، فاستيقظ وهرب، ولما أمسك أحد الجنود بقطعة القماش، تركها له، وفر هارباً عاري الجسد، إذ كان الله قد سمع دعوة عيسى، وبالفعل نجا التلاميذ الأحد عشر من كل شر" (برنابا ٢١٤/ ١ - ٢١٦/ ١٣). ثم لما رجع يسوع ﵇ من السماء لوداع أمه " وبخ كثيرين من الذين اعتقدوا أنه مات، وقام قائلاً: أتحسبونني أنا والله كاذبين، لأن الله وهبني أن أعيش حتى قبيل انقضاء العالم، كما قد قلت لكم، الحق أقول لكم: إني لم أمت، بل يهوذا الخائن.

стр. 110

احذروا، لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم ... وبعد أن انطلق يسوع تفرق التلاميذ في أنحاء إسرائيل والعالم المختلفة. أما الحق المكروه في الشيطان فقد اضطهده الباطل كما هي الحال دائماً، فإن فريقاً من الأشرار المدعين أنهم تلاميذ بشّروا بأن يسوع مات ولن يقوم، وآخرون بشروا بأنه مات بالحقيقة ثم قام، وآخرون بشروا ولا يزالون يبشرون بأن يسوع هو ابن الله، وقد خدع في عدادهم بولس. أما نحن فإنما نبشر - بما كتبت - الذين يخافون الله، ليخلصوا في اليوم الأخير لدينونة الله" (برنابا ٢٢١/ ١٥ - ٢٢٢/ ٦). وهكذا نرى الحقيقة بادية وضوح الشمس في رابعة النهار، نطقت بها النبوات نبياً بعد نبي في جلاء ووضوح عجيب. ويتساءل المرء: لِمَ لَمْ يتوصل النصارى إلى هذه الحقيقة الجلية؟ وفي الإجابة عن هذا السؤال يرى منصور حسين أن الطريقة الخاطئة والمغلوطة التي يفكر بها النصارى، هي التي حجبت شمس الحقيقة عنهم. وكمثال لطريقتهم في التفكير، ينقل عن الدكتور ر. أ. ترى في كتابه " كيف تدرس الكتاب المقدس ". فقد وضع الدكتور النصراني شروطاً ينبغي أن يتحلى بها قارئ الكتاب المقدس، ليحصل على أكبر قدر من الفائدة فمن هذه الشروط: أن يكون القارئ مولوداً ولادة ثانية (مسيحياً)، وأن يكون محباً للكتاب المقدس، وعنده استعداد للكد والجد في دراسته .... ويتوقف منصور حسين مع شرطين مهمين: أولهما: أن يكون عند الدارس " إرادة مسلَّمة تسليماً كاملاً .... ". وثانيهما: " أن ندرسه باعتباره كلمة الله ".
следующие страницы →