لذا لما جاءته أمه وإخوته ووقفوا ببابه، أعرض عنهم وأقبل على تلاميذه الذين يسمعون منه كلام الله ويعملون به "فأجاب وقال لهم: أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله، ويعملون بها" (لوقا ٨/ ٢١)، فكلام الله ليس مجرد بشارة يؤمن بها المؤمنون - كما يزعم القائلون بأن إنجيل المسيح هو البشارة بخلاصه -، بل هو عمل ينصاعون إليه وبنفذونه.
وكذا يقول مؤكداً وحي الله إليه فيما يقوله ويبلغ عنه: "الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني" (يوحنا ١٤/ ٢٤).
وهذا الوحي الذي آتاه الله سيحاسب الناس بحسبه يوم القيامة " من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه، الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير، لأني لم أتكلم من نفسي " (يوحنا ١٢/ ٤٨ - ٤٩).
الإقرار بوجود إنجيل المسيح وفقده
ونقل العلامة رحمة الله الهندي في كتابه الماتع إظهار الحق عن بعض علماء النصرانية إقرارهم بوجود إنجيل يسوع قبل ضياعه واختفائه، ومنهم مارش وليكرك وكوب وإيخوهورن وغيرهم، يقول إيخهورن ( Johann Gottfried Eichhorn) : " إنه كان في ابتداء الملة المسيحية في بيان أحوال رسالة المسيح رسالة مختصرة يجوز أن يقال أنها هي الإنجيل الأصلي، والغالب أن هذا الإنجيل كان للمريدين الذين كانوا لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم، ولم يروا أحواله بأعينهم، وكان هذا الإنجيل بمنزلة القلب ".
ويصف الدكتور هارناك هذا الإنجيل فيقول: " والإنجيل الذي قام بتبليغه المسيح إنما كان يتعلق بالأب وحده، ولا يتعلق بالابن، وليس ذلك أمراً متضاداً، كما أنه ليس عقلانية، وإنما هو عرض بسيط ساذج للحقائق التي بينها مؤلفو الأناجيل ". (١)
стр. 107
يا مسلمون أحضروا إنجيل المسيح !!
ولنا أن نتساءل إن كان هذا الإنجيل مما أمرت الكنيسة بإحراقه ضمن الأناجيل الكثيرة التي حرمتها وأمرت بحرقها في مجمع نيقية، لكنا لا نجد لسؤالنا جواباً إلا إنكار وجود هذا الإنجيل، وقد ثبت لدينا وجوده.
فكثيراً ما نسمع مطالبة النصارى للمسلمين أن يظهروا إنجيل المسيح الذي يدعونه، فيجيب العلامة منصور حسين في كتابه الفريد "دعوة الحق بين المسيحية والإسلام": " إنه منذ فجر المسيحية، وبعد رفع المسيح، وقبل الإسلام كان هناك العديد من الأناجيل، قبل المسيحيون أربعاً منها فقط .. والباقي - كما وجدنا - طوردت وأحرقت، والذين طاردوها هم المسيحيون أنفسهم وأحرقوها، وليس المسلمون، وليدلنا سيادته (أي القمّص باسيليوس، وهو أحد المرددين لهذه العبارة) عليها، وحينئذ أدله من بينها على الإنجيل الصحيح، أما أن يحرقها المسيحيون، ثم يطالبون المسلمين ... فهذا غير معقول ". (١)
إذاً قد اختفى إنجيل المسيح، وعهدة إحضاره باقية في ذمة النصارى، لا المسلمين.
стр. 108
تدوين وقانونية العهد الجديد
ويقفز إلى الأذهان أسئلة جديدة: كيف ظهرت الأناجيل بعد اختفاء إنجيل المسيح؟ ومن الذي كتبها؟ وما ظروف كتابتها؟
في الإجابة عن هذه الأسئلة نقول: يقرر عدد من مؤرخي النصرانية انتقال روايات شفاهية، تبلورت فيما بعد بحركة دائبة في كتابة سيرة المسيح لتلبية حاجات الكنيسة المسيحية الناشئة، ونكتفي هنا بنقل ما ذكره يواكيم إرميا في كتابه الذي نشرته الكنيسة المصرية بعنوان " أقوال المسيح غير المدونة في بشائر الأناجيل " فيقول: " ينبغي أن نضع نصب أعيننا حقيقتين أساسيتين عن بشائر الإنجيل وكتابتها: أنه لمدة طويلة، كانت كل التقاليد المعروفة عن المسيح، كلها أقوال شفاهية متناقلة .. واستمرت على هذه الصورة ما يقرب من خمسة وثلاثين عاماً، ولم يتغير الوضع إلا في عهد اضطهاد نيرون للمسيحيين، حينها اجتمع شيوخ الكنيسة وكبارها في خريف عام ٦٤م، ووجدوا أن الكثيرين من أعمدة الكنيسة قد فقدوا .. ولم يجد المجتمعون أمامهم إلا يوحنا الملقب مرقص، زميل الرسول بطرس في الخدمة .. ليسجل كل ما يستطيع أن يتذكره من أحاديث المسيح وتعاليمه، وكتب مرقص بشارته المختصرة التي تحمل اسمه، وهي أقدم قصة كتبت عن حياة المسيح.
والحقيقة الثانية: أن قصة مرقس عن المسيح وأقواله قد دفعت غيره ليحذوا حذوه، وينسجوا على منواله .. وتنشأ بشائر أخرى ... حتى كان هناك عدد لا يستهان به من البشائر ...
ولما رأت الكنيسة أن الأمر جدُّ خطير بدأت في تقصي أسس هذه البشائر الأربعة المعروفة، واعتبرت ما سواها " بشائر أبو كريفية "، طوردت وجمعت وأحرقت حتى اختفت ".
стр. 109
وينبه المحققون إلى أمر هام، وهو أن شيئاً من الأناجيل لم يكن يسمى إنجيلاً في الصدر الأول للنصرانية، إنما سميت " كاروزوتا " أي موعظة، وذلك باللغة السريانيّة في (البشيطا)، وسميت فيما بعد بالأناجيل.
وهذه الكتابات أطلق عليها القديس جوستين في منتصف القرن الثاني اسم " مذكرات الرسل". (١)
يقول مدخل الرهبانية اليسوعية متحدثاً عن تاريخ تدوين العهد الجديد: "ويمكن تأريخ إنجيل مرقس في السنين ٦٥ - ٧٠م .. وأما إنجيل متى وإنجيل لوقا فلا تنعكس فيهما البيئات نفسها، لأنهما وُجها إلى بيئات أخرى، وقد وضعا بعد إنجيل مرقس بخمس عشر إلى عشرين سنة".
وقد بدأت في أواسط القرن الثاني حركة لتجميع كتاب مقدس للنصارى على غرار ما عند اليهود، وقد أثمرت ما بين أيدينا من أسفار العهد الجديد، يقول المدخل الفرنسي للعهد الجديد: " لم يشعر المسيحيون الأولون إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة تدوين أهم ما عمله الرسل وتولي حفظ ما كتبوه ...
ويبدو أن المسيحيين حتى ما يقرب من السنة ١٥٠م تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر إلا قليلاً جداً إلى الشروع في إنشاء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة، وأغلب الظن أنهم جمعوا في بدء أمرهم رسائل بولس، واستعملوها في حياتهم الكنسية، ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقاً بالكتاب المقدس ..
ومع ما كان لتلك النصوص من الشأن فليس هناك قبل القرن الثاني (بطرس (٢) ٣/ ١٦) أي شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة،
стр. 110
ولا يذكر أن لمؤلَف من تلك المؤلفات صفة ما يلزم، فلم يظهر ذلك إلا في النصف الثاني من القرن الثاني ... فيمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة ١٧٠م بمقام الأدب القانوني، وإن لم تستعمل تلك اللفظة حتى ذلك الحين ...
يجدر بالذكر ما جرى بين السنة ١٥٠ والسنة ٢٠٠ إذ حدد على نحو تدريجي أن سفر أعمال الرسل مؤلف قانوني، وقد حصل شيء من الإجماع على رسالة يوحنا الأولى ... هناك عدد كبير من المؤلفات (الحائرة) يذكرها بعض الآباء ذكرهم لأسفار قانونية في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة ..
وهناك أيضاً مؤلفات جرت العادة أن يستشهد بها ذلك الوقت على أنها جزء من الكتاب المقدس، ومن ثم جزء من القانون لم تبق زمناً على تلك الحال، بل أخرجت آخر الأمر من القانون، ذلك ما جرى لمؤلف هرماس وعنوانه الراعي، وللديداكي، ورسالة كليمنس الأولى، ورسالة برنابا ورؤيا بطرس ". (١)
وهذا الذي ذكرته مقدمة العهد الجديد نستطيع أن نجمله بأن حركة تدوين الأناجيل بدأت بعد موت أهم التلاميذ، وأخذت شرعيتها في أواسط القرن الثاني كما ساعد في تكوين قانونية العهد الجديد مرقيون الهرطوقي سنة ١٦٠م حيث دعا لنبذ سلطة العهد القديم، واحتاج لتزويد كنيسته بأسفار مقدسة أخرى، فساهم أتباعه في نشر هذه الأناجيل فقد جمع في عهده إنجيلاً، وراجعه مراجعة دقيقة ليتمشى مع أفكاره، وجمع إليه رسالة بولس إلى أهل غلاطية، وهي رسالة تؤكد إبطال الناموس ونقده، ثم أضاف رسائل بولس إلى أهل كورنثوس وتسالونيكي وأفسس وفيلبي وفليمون.
стр. 111
كيفية اختيار الأناجيل الأربعة
أما الكيفية التي اختارت بها الكنيسة هذه الأناجيل دون غيرها، ومكان الاختيار ... فلا يوجد أي تفصيل عند النصارى عن هذه النقطة سوى ما ذكره المدخل الفرنسي للعهد الجديد: "يبدو أن مقياس نسبة المؤلف إلى الرسل استعمل استعمالاً كبيراً، ففقد رويداً رويداً كل مؤلَف لم تثبت نسبته إلى رسول من الرسل ما كان له من الحظوة ".
ولكن هذا القول إنما يصح لو كانت هذه الأناجيل جميعاً قانونية، ثم بدأ بعضها يفقد بريقه عند التحقيق والتدقيق، بينما حصل العكس في تاريخ الكتاب المقدس، إذ لم يعتبر شيء من هذه الكتب قانونياً، ثم بدأ في الاختيار فيما بعد، ويقول الأب كننغسر بأن الأناجيل التي رفضت هي التي لا تتفق مع الخط الأرثوذكسي. (١)
ويوضح الصورة - بدقة أكثر - الدكتور واين جردوم أستاذ كلية اللاهوت في ترينتي فيقول: "علينا أن نعي أنه ليس من المستحيل أو من المستهجن أن ترتكز الكنيسة على مجموعة من العوامل، منها الدعم الرسولي، والتناغم مع سائر الأسفار الكتابية، وإدراك أغلبية ساحقة من المؤمنين أن كتابة معينة هي موحى بها من الله، لكي تقرر أن كتابة معينة هي حقاً كلمات الله، وتندرج بالتالي ضمن القانون". (٢)
وعليه فهذه الأسفار أضحت مقدسة وفق مجموعة من المعطيات البشرية التي جعلت من كلام البشر كلاماً إلهياً موحى به، وهذا الأمر استدعى مرور عشرات السنين قبل أن تتوافق المسيحية على كتابها الذي تسميه اليوم بالعهد الجديد، فمتى حصل هذا التوافق؟
стр. 112
يجيب فيلسيان شالي أن القرن الرابع شهد الصياغة النهائية للعهد الجديد الذي يتكون من النصوص السائدة بين الكنائس، يقول شالي: "تكون هذا القانون بصورة نهائية في القرن الرابع، وقد اضطروا لتكوينه بجمع الكتابات التي تقرأ في الكنائس الكبرى، والتي اعتبرت متفقة مع الآراء المتوسطة المقبولة من المسيحية في ذلك العهد". (١)
وهذا لا يعني أنه لم يقر شيء من الأسفار قبل ذلك، فإنه من المتفق عليه عند مؤرخي الكنيسة أن الأناجيل الأربعة ورسائل بولس قد أقرت في أواخر القرن الثاني، وكان أول من ذكر الأناجيل الأربعة المؤرخ أرينيوس سنة ٢٠٠م تقريباً، ثم ذكرها كليمنس السكندري، ودافع عنها، واعتبرها واجبة التسليم.
يقول الدكتور دوود ويل في كتابه "أطروحة حول ايرينوس": " نحن على يقين بأن كتابات كل من أكليمنس الرومي , هرماس, أغناطيوس، وبوليكارب، والذين كتبوا بعد التاريخ المفروض لكتبة الأناجيل ليس بها أي ذكر لهذه الكتب الأربعة ".
وأما جوستين (الشهيد) أحد أبرز آباء الكنيسة فقد كتب في منتصف القرن الثاني مستدلاً لألوهية المسيح بأكثر من ثلاثمائة نص من العهد القديم ونحو مائة من الأناجيل المرفوضة، ولم ينقل نصاً واحداً من الأناجيل الأربعة، بل لم يشر إليها البتة، يقول البطريرك الدكتور قايلز في كتابه "السجل المسيحي": " هذه الأسماء متى ومرقس ولوقا ويوحنا لم يذكرها جوستين, ولا أي نص منها نجده في أي من كتاباته".
وأما بقية أسفار العهد الجديد فقد بقيت موضع نزاع بين الكنائس طوال القرن الثالث، وقد قبلت بعض الكتب في الكنائس الشرقية كالرسالة إلى العبرانيين، بينما رفضها أتباع الكنائس الغربية، وقبلوا رؤيا يوحنا اللاهوتي. (٢)
стр. 113
ترتيب الأسفار المقدسة ودلالته
وكما وقع الخلاف في إلهامية بعض الأسفار وقع الخلاف في ترتيب هذه الأسفار في العهد الجديد، وهذا الخلاف مهم، إذ كلٌ رتب الأسفار حسب ما يعتقد لها من قيمة وقداسة وأهمية، فالخلاف في الترتيب خلاف في قيمة الأسفار.
وأقدم قائمة رتبت الأسفار كانت في أواسط القرن الرابع قائمة أثناسيوس ٣٦٧م، وكان ترتيبه كالتالي: الأناجيل ثم أعمال الرسل ثم الرسائل الكاثوليكية ثم رسائل بولس ثم سفر الرؤيا.
ثم أصدر مجمع روما ٣٨٢م ترتيباً آخر، تلا الأناجيل فيه رسائل بولس ثم رؤيا يوحنا ثم الرسائل الكاثوليكية السبعة.
وأما الترتيب الحالي فكان من قرارات مجمع ترنت ١٥٤٦م. (١)
وهكذا تبين لنا من خلال استعراض مسيرة الأناجيل تأليفاً وتقديساً، أن تقديس هذه الكتب عمل بشري لا يستند إلى دليل من هذه الكتب، بل هو قرار اختلفت فيه المجامع حتى أُقر، ولو كان من الوحي لما اختلفت فيه المجامع، ولما احتاج إلى قرار كنسي ليصبح مقدساً ووحياً إلهياً.
стр. 114
الأناجيل غير القانونية
نشطت حركة التأليف في الجيل الأول من النصرانية بشكل واسع، وظهرت أناجيل كثيرة كما تدلنا على ذلك مقدمة إنجيل لوقا " إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً، إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علّمتَ به" (لوقا ١/ ١ - ٤)، لكن هذه الكثرة الكاثرة من الأناجيل التي سطرها تلاميذ المسيح لم يكتب لها القبول فيما بعد من الكنيسة، فاندثرت وأضحت في خبر كان.
أولاً: نظرة تاريخية في الأناجيل غير القانونية
رأينا كيف اعترفت الكنيسة بأربعة أناجيل، وأنها رفضت عدداً كبيراً من الأناجيل والكتب التي ألفها الجيل الأول من المسيحيين، وأوصلها نتشة في كتابه ( Ecce Homo) إلى أربعة وسبعين كتاباً، وعدّدها، فذكر أن منها ما هو منسوب لعيسى وأمه، وللحواريين، ومنها ما هو منسوب للإنجيليين الأربعة، وبعض الباحثين يصل بعدد الأناجيل إلى ما يربو على المائة كتاب، ومنها ما هو منسوب لجماعات مسيحية قديمة كإنجيل المصريين والناصريين.
وقد سميت بعض هذه الكتب أناجيل كإنجيل بطرس واندرياه ويعقوب وميتاه (متى) وإنجيل المصريين لمرقس وبرنابا، وعددت دائرة المعارف الأمريكية أسماء ستة وعشرين إنجيلاً لا تعترف بهم الكنيسة رغم نسبتهم إلى المسيح وكبار حوارييه.
وقد كانت بعض هذه الكتابات والأناجيل متداولة لدى عدد من الفرق المسيحية القديمة، وظلت متداولة إلى القرن الرابع الميلادي.
стр. 115
وفي مجمع نيقية ٣٢٥م أمرت الكنيسة باعتماد الأناجيل الأربعة ورفض ما سواها، من غير أن تقدم مبرراً لرفض تلك الأناجيل سوى مخالفتها لما تم الاتفاق عليه في المجمع، وفي ذلك يقول العالم الألماني تولستوي في مقدمة إنجيله الخاص الذي وضع فيه ما يعتقد صحته: " لا ندري السر في اختيار الكنيسة هذا العدد من الكتب وتفضيلها إياه على غيره، واعتباره مقدساً منزلاً دون سواه مع كون جميع الأشخاص الذين كتبوها في نظرها رجال قديسون ... ويا ليت الكنيسة عند اختيارها لتلك الكتب أوضحت للناس هذا التفضيل ... إن الكنيسة أخطأت خطأ لا يغتفر في اختيارها بعض الكتب ورفضها الأخرى واجتهادها .. ".
وأمرت الكنيسة بحرق جميع هذه الأناجيل لما فيها من مخالفات للعقيدة الكنسية، وصدر قرار من الامبرطور بقتل كل من عنده نسخة من هذه الكتب. (١)
ثانياً: ما وصل إلينا من الأناجيل المحرمة
وهكذا اختفت معظم هذه الأناجيل ولم يصل منها سوى إنجيل برنابا والإنجيل الأغنسطي وإنجيل الطفولية وإنجيل يعقوب، وثلاث قصاصات من إنجيل مريم وبعض شرائح لاتينية وإغريقية وقبطية من إنجيل برثولماوس وإنجيل نيقوديموس، كما عثر أخيراً في نجع حمادي بمصر على مقتطفات من إنجيل بطرس وكتاب أعمال يوحنا وإنجيل الديداكي الذي يعود إلى القرن الأول الميلادي.
ولعل أهم ما وجد في نجع حمادي مائة وأربعة عشر قولاً منسوباً للمسيح في إنجيل توما الذي يختلف أسلوبه عن الأناجيل الأربعة، إذ لم يسرد قصة المسيح، بل نقل أقواله، ويرجع المحقق كويستر هذا الإنجيل إلى منتصف القرن الأول الميلادي، وأرجعه كيسيبل إلى ١٤٠م.
стр. 116
وعثر أيضاً على إنجيل " الحقيقة " والذي اعتبره ايرينوس (١٨٠م) إنجيلاً مزوراً. (١)
كما ثمة كتابات تنازع في قدسيتها الآباء الأوائل، واعتبرها بعضهم قانونية، ثم رأت الكنيسة حذفها فيما بعد من القائمة القانونية، مثل سفر الراعي لهرماس، فهذ السفر "متنازع عليه، ولا يمكن وضعه ضمن الأسفار المعترف بها، مع أن البعض يعتبرونه لا غنى عنه، سيما عند من يريدون تعلم مبادئ الإيمان". (٢)
ثالثاً: الأدلة التاريخية على وجود هذه الأناجيل
وللتأكيد على وجود هذه الأناجيل في القرن الأول وحتى قبل كتابة الإنجيليين الأربعة لأناجيلهم نتذكر ما سطره لوقا في مقدمته " إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا .. رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمتَ به " (لوقا ١/ ١ - ٤)، فقد كان بين يديه مجموعة كبيرة من الأناجيل، لا يعلم عددها إلا الله.
وقد استشهد كل من أكليمنس الرومي (٩٧م) وبوليكارب (١١٢م) بأقوال للمسيح في صيغ مستقلة غير موجودة في الأناجيل الأربعة.
وقد جمع فابري سيوس ما تبقى من هذه الأناجيل، وطبعها في ثلاثة مجلدات. (٣)
стр. 117
ملاحظات
وبادئ ذي بدء فإن المحققين سجلوا حول هذه الأناجيل ملاحظات.
- أن ثمة كتب كثيرة ظهرت في القرن الأول، وكلها منسوبة للمسيح وحوارييه.
- أن هذه الأناجيل تخالف عقائد مجمع نيقية، وبعضها كان خاصاً بفرق مسيحية موحدة.
- أن الكنيسة حين حرمت هذه الأناجيل، لم تقدم أدلة على صحة القرار الذي اتخذته، فهذه الأناجيل كما يرى فيلسيان شالي لا تختلف عن الأناجيل المعتبرة: "إن هناك نتيجة مسلماً بها، وليس فيها أي مجال للمماراة: هي أن الكتب العائدة للكنيسة لا تختلف إطلاقاً عن الأدبيات المسيحية الأخرى، وليس هناك من فاصل مطلق أو تمييز أساسي بين الأناجيل والرسائل والرؤى الكنسية، وبين الأناجيل الأخرى والرسائل الأخرى والرؤى الأخرى". (١)
- أنه كما لا يحق لرجال الكنيسة إعطاء صفة القانونية للأناجيل الأربعة، فإنه لا يحق لهم إبطال صحة هذه الأناجيل واعتبارها أبوكريفا (مزيفة، خفية).
стр. 118
إنجيل برنابا
كثيراً ما يتردد على الألسنة ذكر هذا الإنجيل المثير، والذي ينسب إلى أحد أخص تلاميذ المسيح، وهو برنابا.
وهذا الإنجيل يخالف سائر الأناجيل الأربعة في أمور جوهرية، منها نقضه لدعوى ألوهية المسيح، وتأكيده نجاة المسيح من الصلب، وتنديده ببولس، ورفضه لتبشيره، وكذا تصريحه ببشارة عيسى ﵇ بالنبي محمد ﷺ في مرات عديدة.
من هو برنابا ؟
برنابا هو أحد حواريي المسيح، واسمه يوسف بن لاوي بن إبراهيم، يهودي من سبط لاوي من قبرص، باع حقله وجاء ووضعه عند أرجل تلاميذ المسيح. (انظر أعمال ٤/ ٣٦ - ٣٧)، عرف بصلاحه وتقواه، ويسميه سفر الأعمال " يوسف الذي دعي من الرسل برنابا " (أعمال ٤/ ٣٦).
ولما ادعى بولس أنه رأى المسيح وعاد إلى أورشليم يتقرب إلى التلاميذ تولى برنابا تقديمه إلى التلاميذ (انظر أعمال ٩/ ٢٧)، وقد ذهب برنابا للدعوة في أنطاكية وكان داعية ناجحاً "ووعظ الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم القلب، لأنه كان رجلاً صالحاً وممتلئاً في الروح القدس والإيمان، فانضم إلى الرب جمع غفير " (أعمال ١١/ ٢٢ - ٢٤).
ثم خرج إلى طرسوس ودعا فيها مع شاول (بولس) سنة كاملة. (انظر أعمال ١١/ ٢٥ - ٢٦)، ثم تشاجر مع بولس وافترقا. (انظر أعمال ١٥/ ٢٩) وبعد هذا الشجار اختفى ذكر برنابا من العهد الجديد.
وذكر المؤرخون أن وفاته كانت سنة ٦١م في قبرص، حيث قتله الوثنيون رجماً
стр. 119
بالحجارة ودفنه ابن أخته مرقس الإنجيلي. (١)
ثبوت وجود رسائل وإنجيل منسوب لبرنابا
وتنسب المصادر التاريخية إلى برنابا إنجيلاً ورسالة وكتاباً عن رحلات وتعاليم الرسل، وقد عثر العالم الألماني تشندروف (١٨٥٩ م) على رسالة برنابا ضمن المخطوطة السينائية التي عثر عليها، مما يشير إلى اعتبارها رسالة مقدسة فترة من الزمن.
لكن أياً من رسائله وكتاباته لم تعتبرها الكنيسة كتباً مقدسة، وهنا نعجب كيف اعتبرت رسائل بولس ولوقا اللذين لم يريا المسيح؟ ولم تعتبر أقوال برنابا الذي سبقهم بالإيمان وبصحبة المسيح !!
وقد صدر عام ٣٦٦م أمر من البابا دماسس بعدم مطالعة إنجيل برنابا، ومثله مجلس الكنائس الغربية عام ٣٨٢م، كما صدر مثله عن البابا أنوسنت ٤٦٥م، كما وقد حرّم البابا جلاسيوس الأول عام ٤٩٢م مطالعة بعض الأناجيل، فكان منها إنجيل برنابا. (٢)
العثور على نسخة من إنجيل برنابا
واختفى ذكر إنجيل برنابا قروناً طويلة حتى عثر الراهب الإيطالي فرامينو في أواخر القرن السادس عشر على نسخة منه في مكتبة البابا سكتس الخامس في الفاتيكان، فأخفاها، وخرج بها ثم أسلم، وانقطع ذكر هذه النسخة.
وفي عام ١٧٠٩م عثر كريمر أحد مستشاري ملك روسيا على النسخة الوحيدة
стр. 120
الموجودة اليوم من إنجيل برنابا والتي استقرت عام ١٧٣٨م في البلاط الملكي في فيينا، وتقع في ٢٢٥ صحيفة سميكة مجلة بصحيفتين ومكتوبة بالإيطالية.
وقد ترجمت إلى العربية في مطلع هذا القرن على يد الأستاذ خليل سعادة، وقدم للترجمة بمقدمة نستعين بها في معرفة أصول هذه النسخة، وقد ذكر وجود ترجمة أسبانية تناقلها عدد من المستشرقين في أوائل القرن الثامن عشر، وانتهت إلى يد الدكتور هوايت الذي ذكر بأنها مترجمة عن نسخة البلاط الملكي الإيطالية، وأن مترجمها للأسبانية مسلم يدعى مصطفى العرندي، واختفت هذه النسخة المترجمة عند الدكتور هوايت.
فمن هو كاتب نسخة البلاط الملكي الوحيدة؟ ومن هو كاتب الإنجيل؟
وصف المخطوطة الوحيدة للإنجيل
أما بخصوص النسخة الوحيدة فإنها كما يصفها خليل سعادة مجلدة بصحيفتين عليهما نقوش ذهبية .. ويرى المحققون أن ناسخ هذه المخطوطة من أهالي البندقية في القرن ١٥ - ١٦ أو أوائل القرن السابع عشر، وأنه أخذها من نسخة توسكانية أو بلغة البندقية، وتطرقت إليها اصطلاحات توسكانية.
ويذهب الكاتبان " لو تسدال " و " لو راواغ " إلى أن النسخ تم عام ١٥٧٥م تقريباً، وأنه من المحتمل أن يكون الناسخ فرامينو الراهب.
ويوجد على هوامش النسخة ألفاظ وجمل عربية، بعضها صحيح العبارة، وبعضها ركيك لا يتصور سعادة أن " يفعله كاتب عربي تحت الشمس ".
ويرجح سعادة أن الكاتب لهذه الهوامش واحد، وأنه عربي، وأن الناسخ بدل وغيّر في النسخة، فنتج هذا الاضطراب في العبارات العربية، ويجزم سعادة أن هذه النسخة نسخة منقولة عن أصل آخر لها.
стр. 121
موقف المسلمين من إنجيل برنابا وعلاقتهم بتأليفه
وبخصوص كاتب الإنجيل، أراد النصارى إلصاق هذا الإنجيل بالمسلمين، من غير أن يكون لديهم دليل واحد يثبت ذلك، أو يحدد اسم هذا المسلم الألمعي العارف باليهودية وكتبها.
وبعد قراءة سعادة للإنجيل رجح - من غير أن يقدم أدلة شافية - أن كاتبه " يهودي أندلسي اعتنق الدين الإسلامي بعد تنصره واطلاعه على أناجيل النصارى، وعندي (أي سعادة) أن هذا الحل هو أقرب إلى الصواب من غيره ".
واستند في زعمه إلى أمور:
١) أن للكاتب إلماماً عجيباً بأسفار العهد القديم " لاتكاد تجد له مثيلاً بين طوائف النصارى إلا في أفراد قليلين من الأخصائيين ... والمعروف أن كثيرين من يهود الأندلس كانوا يتضلعون بالعربية .. فيكون مثلهم في الاطلاع على القرآن والأحاديث النبوية ".
٢) أن الإنجيل يؤكد على أهمية الختان وغيره من الأحكام التوراتية، وفيه من الكلام الجارح ما يستحيل صدوره من نصراني، كما يتضمن تقاليد تلمودية يتعذر على غير اليهودي معرفتها.
ويتضمن أيضاً أساطير وقصص عربية مما يتناقله العامة في البيئة العربية، فدل ذلك على أنه يعيش في البيئة العربية.
٣) أن هذا الإنجيل يوافق القرآن والسنة في مواضع عدة أهمها إنكار ألوهية المسيح أو أنه ابن الله، وإنكار صلب المسيح، والقول بصلب يهوذا، وكذا يصرح الإنجيل، كما يؤكد على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق، ويذكر أن محمداً ﷺ هو المسيّا المنتظر في بضعة عشر موضعاً.
стр. 122
٤) أن هذا الإنجيل يباين الأناجيل الأربعة بما فيه من أدب راقٍ ومسائل فلسفية وعلمية.
واستدل لذلك بما في الإنجيل من مباحث فلسفية تشبه فلسفة أرسطو طاليس التي كانت شائعة في القرون الوسطى، كما يحوي الإنجيل تشبيهات واستعارات أدبية تشبه ما نقل عن الشاعر دانتي في العصور الوسطى.
والنتيجة: أن النصارى لا يعترفون بصحة نسبة الإنجيل إلى برنابا، ويؤكدون أنه منحول، وأن كاتبه مسلم في القرون الوسطى.
وقد صدرت في ذلك كتابات نصرانية أكدت أن الإنجيل مزور مستدلة بما سبق وبأمور أخرى أقل أهمية مثل مخالفة الإنجيل لبعض حقائق الجغرافيا والتاريخ، وأيضاً أنه حوى أموراً تكذبه بها الأناجيل الأربعة ومنها قوله: " أن الله اعتبر الكذب في سبيل الحمد فضيلة " (برنابا ١٦١/ ٦٠)، ومنها أن قوله بصلب يهوذا بدلاً عن المسيح فكرة غير ناضجة، لأن الله لو أراد إنقاذ المسيح لأنقذه بمعجزة، وليس عن طريق الغش والخداع الذي يلجأ إليه الضعفاء.
موقف المسلمين من إنجيل برنابا
على الرغم من موافقة إنجيل برنابا لمعتقدات المسلمين في الجملة، فإن أحداً من المسلمين لا يعتبره الإنجيل الذي أنزله الله على المسيح ..
ولم يلجأ المسلمون إلى الاستشهاد بهذا الإنجيل إلا نادراً، وكان استشهادهم به أقرب إلى الاستئناس منه إلى الاستدلال، فالمسلمون لا يرون في هذا الإنجيل إنجيل المسيح، لكنه أقرب إلى طبيعة دعوة المسيح وتلاميذه من سائر الأناجيل.
ورفض المسلمون نسبة هذا الإنجيل إلى المسلمين، فلقد وُجد في بيئة مسيحية صرفة كما سبق بيانه، وقد سبق ذكره قبل الإسلام بقرون عدة، مما يدل على براءة
стр. 123
المسلمين منه.
وأما التعليقات العربية الموجود على نسخته الإيطالية فهي من عمل الناسخ عن الأصل أو قارئ للنسخة لا يجيد العربية، ولعله فرامينو الراهب الذي أسلم، وتكون حينذاك هذه النسخة هي التي عثر عليها في مكتبة البابا.
ثم من ذا المسلم الذي سيؤلف هذا الإنجيل، ولا يستشهد به هو ولا من بعده في مناظرة النصارى؟ وكيف له أن يوصله إلى مكتبة البابا بالفاتيكان؟ فجهل المسلمين به وعدم استشهادهم به دليل براءتهم منه.
وأما تصريحه باسم النبي ﷺ واعتباره دليلاً على أنه من وضع المسلمين، وأن المؤلف المنتحل - كما يقول سعادة - "بالغ وجاوز في الغرض، ولو أشار من غير تصريح باسم النبي لكان ذلك أبلغ".
فهذا نراه دليلاً على صحة نسبة الإنجيل إلى التلميذ برنابا وبراءة المسلمين منه، إذ لا يمكن أن يفوت كاتب الإنجيل - وهو الذي يصفه سعادة بالذكاء البارع - مثل هذه الأمر، فلو كان منتحلاً لأشار للنبي ولم يصرح باسمه، فتصريح صاحب الإنجيل باسمه ﷺ مع ذكائه وبراعته دليل أصالته.
وأما تكذيب الإنجيل لألوهية المسيح، وتشنيعه الشديد على من ترك الختان فهو دليل على نصرانية كاتبه لا يهوديته، إذ ترك الختان ليس من دين المسيح، بل هو من تغيير بولس بعد المسيح، ومثله القول بألوهية المسيح.
وقد كتب برنابا إنجيله ليكشف ما صنعه بولس كما جاء في مقدمته " إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائماً مجوزين
стр. 124
كل لحم نجس، الذين ضل في عدادهم أيضاً بولس الذي لا أتكلم معه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته ... " (برنابا: مقدمة /٢ - ٨).
مخالفة الإنجيل لمعتقدات المسلمين
ومما يدل على براءة المسلمين من هذا الإنجيل اختلافه في طريقة صياغته وأسلوبه عن طريقة العرب وأسلوبهم، فليس في المسلمين من يذكر الله ولا يثني عليه. أو يذكر الأنبياء ولا يصلي عليهم.
كما يخالف إنجيل برنابا المعتقدات الإسلامية في مسائل منها قوله بأن الجحيم للخطاة السبعة: المتكبر والحسود والطماع والزاني والكسلان والنَهِم والغضِب المستشيط. (انظر برنابا ١٣٥/ ٤ - ٤٤) وقد ترك ذنوباً أكبر كالشرك والقتل، كما أن الكسِل والنهِم لا يستحقان النار.
ومثله قوله: " دعوا الخوف للذي لم يقطع غرلته، لأنه محروم من الفردوس " (برنابا ٢٣/ ١٧)، فمثل هذا لا يوافقه عليه مسلم.
ومثله تسمية الله " العجيب " (برنابا ٢١٦/ ٣)، وهو ليس من أسماء الله الحسنى، وأسماء الله عند المسلمين توقيفية، لا يجوز لأحد أن يزيد عليها.
وكذا قوله عن الله: " إن الله روح " (برنابا ٨٢/ ٦) والأرواح عندنا مخلوقة.
ويتحدث عن الله، فيصفه أنه " المبارَك " (برنابا ٧١/ ١٦)، ولا يمكن لمسلم أن يقول عن الله ذلك، إذ هو الذي يبارِك، ومن ذا الذي يبارك الله جل وعلا!!! فتبارك الله أحسن الخالقين.
ومما يرد أيضاً انتحال مسلم لإنجيل برنابا قوله: " أقول لكم إذاً: إن السماوات تسع " (برنابا ١٠٥/ ٣)، ولا يقول بهذا مسلم قرأ القرآن.
стр. 125
وأيضاً يذكر برنابا تسميات للملائكة لم يقل بها المسلمون، وفي ذلك ذكر اسم رفائيل وأوريل في قوله: " أمر جبريل وميخائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم ... فجاء الملائكة الأطهار " (برنابا ٢١٥/ ٤ - ٥).
ثم قد ورد اسم الرسول " محمد " خمس عشرة مرة في إنجيل برنابا، ولم يرد اسمه " أحمد " مرة واحدة، ولو كان الكاتب مسلماً لعمد إلى كتابته - ولو مرة واحدة ليحقق التوافق الحرفي مع ما جاء في سورة الصف ﴿ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (الصف: ٦).
ثم لو كان كاتبه مسلماً لكتب معجزة كلام المسيح في المهد التي ذكرها القرآن وأغفلتها الأناجيل، وغير ذلك من المسائل التي تثور في وجه من يقول بانتحال مسلم لهذا الإنجيل.
وحين يدفع المسلمون القول بأن إنجيل برنابا منحول، ليس لجزمهم بصحة نسبة الإنجيل إلى برنابا، بل لجزمهم بأن هذا الإنجيل لا يقل حاله بحال من الأحوال عن سائر أسفار العهد القديم والجديد.
ويوافق المسلمون النصارى في اعتراضهم على هذا الإنجيل، ودعواهم بأنه لم يصل بطريق موثق، وأنه لا يعلم أصله، لكن الحال الذي ينكرونه في إنجيل برنابا هو حال كل صحيفة من صحائف الكتاب المقدس.
بل إن لإنجيل برنابا مزية على سائر الأناجيل، فقد صرح فيه الكاتب أنه برنابا، ويقول عن نفسه في سائر صفحات الإنجيل: فقال لي برنابا، وقلت للمسيح .... ، بينما لا تجد مثله في سائر الأناجيل (انظر متى ٩/ ٩) و (يوحنا ٢١/ ٢٤).
وأما عن أخطاء الإنجيل التاريخية أو ذكره تسمية "جبل طابور" (برنابا ٤٢/ ٢٠) وهي تسمية غير معهودة أيام المسيح، فهذا لا يختلف أبداً عن ذكر حبرون في عهد
стр. 126
موسى، وقد سميت بعده (انظر التكوين ١٣/ ١٨).
ولعل هذه التسمية الجديدة - إن صحت جدتها - من عمل الناسخ وتدخله في النص.
ثم إن أسلوب الكاتب ومعلومات الإنجيل يؤكدان بأن الكاتب ضليع في علوم الكتاب المقدس، متصف بعمق واسع يليق ببرنابا داعية النصرانية في الجيل الأول، فليس بمستغرب أن يكون قد كتب إنجيلاً، ومنع قراءته دليل وجوده بل واشتهاره.
وأما مخالفة الإنجيل للحقائق التاريخية فلكونه عملاً بشرياً، ولا حرج في ذلك، إذ أن النصارى ينسبون مثل هذه المخالفات إلى أسفار الوحي.
وقول برنابا: " الكذب فضيلة " لا يختلف كثيراً عن قول بولس عن نفسه بأنه روماني كذباً (انظر أعمال ٢٣/ ٢٥)، ثم قوله: " فإنه إن كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده " (رومية ٣/ ٧)، فصدور هذا الاعتراض من النصارى لا يقبل.
وأما التشابه بين أقوال الشاعر دانتي وإنجيل برنابا فهو لا يعني جزماً بأن كاتب الإنجيل كان بعد دانتي، بل قد يكون دانتي هو المستفيد من برنابا.
ثم إن التشابه لا يعني بالضرورة نقل اللاحق عن السابق دائماً، وإلا لزم أن نقول بأن أسفار التوراة التشريعية منقولة عن قوانين حمورابي للتشابه الكبير بينهما.
وأخيراً، فإنه لو كان كاتب الإنجيل في العصور الوسطى لما وقع بتلك الأخطاء في الإحالة إلى أسفار التوراة، ولكان أيضاً قد اهتم بالتنديد بالأناجيل الأخرى، ولكنه لم يصنع لسبب بسيط، وهو أنه كتب إنجيله قبل انتشار هذه الأناجيل.
ولو كان الإنجيل منحولاً لندد مؤلفه بالتثليث وكتب في إبطاله، لكنه لم يتحدث عنه، فدل ذلك على أن زمن الكتابة سابق على دعوى التثليث التي ظهرت في القرن الميلادي الرابع.
стр. 127
وهكذا نرى أن إنجيل برنابا لا يختلف من ناحية الإسناد كثيراً عن الأناجيل الأربعة، لكنه الإنجيل الوحيد الذي صرح فيه كاتبه باسمه وبأنه شاهد لما يكتب، وأما متنه فكان أكثر اتساقاً من جميع الأناجيل، متميزاً بترابطه وجمال أسلوبه ومعرفته الكبيرة بالعهد القديم وأسفاره، وهو ما يليق حقاً بداعية النصرانية في الصدر الأول: برنابا.
وقد كانت مضامين هذا الإنجيل متفقة إلى حد بعيد مع ما يعهد في رسالات الله إلى أنبيائه، وحُقَّ لتولاند ١٧١٨م في كتابه " الناصري " أن يقول عند ظهور هذا الإنجيل: " أقول على النصرانية السلام ". وكذا قوله: " إن مد النصرانية قد وقف من ذلك اليوم .. إن المسيحية ستتلاشى تدريجياً حتى تنمحي من الوجود ". (١)
стр. 128
أغلاط الأناجيل
وكأي جهد بشري معرض للخطأ، فإن الأناجيل كذلك تمتلئ بالأغلاط التي يكذبها التاريخ والواقع، وثبوت الغلط في الكتاب يحيل قداسته، ويحيل دعوى إلهامه إلى سراب.
والأغلاط في الأناجيل كثيرة، وهي على أنواع فمنها ما تشهد عليه الأسفار المقدسة بالخطأ أو الكذب، ومنها ما يشهد عليه العقل، ومنها ما يشهد عليه التاريخ والواقع.
أولاً: الأغلاط بشهادة الكتب المقدسة
أين هذه النصوص من تعظيم الله ورسله!
يتحدث سفر الرؤيا، رؤيا يوحنا اللاهوتي عن رؤيته للأقنوم الثاني لله، أي الله الابن، وهو جالس على عرشه على صورة خروف له سبعة قرون وسبع أعين، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، يقول يوحنا: " ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة، وفي وسط الشيوخ خروف قائم، كأنه مذبوح له، سبعة قرون وسبع أعين، هي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض" (الرؤيا ٥/ ٦ - ٨).
ويمضي النص فيقول متحدثاً عن القائمين أمامه: " هم أمام عرش الله، ويخدمونه نهاراً وليلاً في هيكله، والجالس على العرش يحل فوقهم. لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد، ولا تقع عليهم الشمس ولا شيء من الحرّ، لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم، ويقتادهم إلى ينابيع ماء حيّة، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم ... " (الرؤيا ٧/ ١٥ - ١٨).
ويفصح النص عن ماهية الجالس على العرش على صورة الخروف، إنه الله الابن،
стр. 129
الأقنوم الثاني للإله الواحد المتعدد الأقانيم، فيقول: "هؤلاء سيحاربون الخروف، والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك، والذين معه مدعوون ومختارون ومؤمنون" (الرؤيا ١٧/ ١٤).
ويمضي نص يوحنا ليذكر أن الجموع التي كانت أمام العرش كانت تصرخ بخلاص الله والخروف "الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش وأمام الخروف ومتسربلين بثياب بيض، وفي أيديهم سعف النخل، وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين: الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف. وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش والشيوخ والحيوانات الأربعة وخرّوا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله قائلين: آمين " (الرؤيا ٧/ ٩ - ١٢)، فهل الرب محتاج للخلاص؟ وممن؟ ومن الذي سيخلصه؟ أولا توجد طريقة أفضل للرمز على الإله المعبود؟
ويتحدث العهد الجديد عن جهالة لله وضعف، ولكن جهالته أكثر حكمة من الناس، وكذا ضعفه أقوى من الناس، وذلك في قول بولس: "لأن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس" (كورنثوس (١) ١/ ٢٥).
وأنبه إلى أن التراجم الحديثة عمدت إلى تخفيف المعنى الصحيح للنص الذي لم يتحدث عن كلمة (جهالة)، بل تحدث عن (ىùٌïي) أي (حماقة)، لذا ترجمته النسخة الكاثوليكية: " لأن الحماقة من الله أكثر حكمة من الناس، والضعف من الله أوفر قوة من الناس"، ولا يقبل بحال أن يقال عن الله العظيم أن له ضعفاً أو جهالة أو حماقة، بل هو القوي العزيز الحكيم العليم.
ويتحدث بولس عن سلطان للروح على الله وقدرة على معرفة غيوبه ومكنوناته، فيقول: "لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله" (كورنثوس (١) ٢/ ١٠).
وينال بولس - أو بصورة أدق الكاتب المجهول للرسالة إلى العبرانيين - من ناموس الله وكتابه وشريعته، ويحتقره ويصفه بالعتق والشيخوخة، ومثل هذا الموقف لا يكون في كتب الله وما يوحيه إلى الأنبياء والرسل الذين تأتي دعوتهم لتؤكد على تعظيم كتبه ووحيه، يقول بولس: " فإنه يصير إبطال الوصية السابقة (التوراة وشرائعها) من
стр. 130
أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئاً، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله " (عبرانيين ٧/ ١٨ - ١٩).
ويقول عن التوراة التي أنزلها الله على موسى: " وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " (عبرانيين ٨/ ١٣).
ويقول: " فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طُلب موضع لثانٍ" (عبرانيين ٨/ ٧).
ويقول بولس ضارباً عرض الحائط بشرائع التوراة التي تحرم بعض الأطعمة (انظر اللاويين ١١/ ١ - ٤٧)، ويعتبرها من خرافات اليهودية ووصايا المرتدين " لا يصغون إلى خرافات يهودية ووصايا أناس مرتدين عن الحق، كل شيء طاهر للطاهرين، وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهراً " (تيطس ١/ ١٤ - ١٥).
هذا ما يقوله بولس والكاتب المجهول للرسالة إلى العبرانيين عن ناموس الله الذي تصفه المزامير فتقول: "ناموس الرب كامل يرد النفس، شهادات الرب صادقة تصيّر الجاهل حكيماً، وصايا الرب مستقيمة تفرّح القلب، أمر الرب طاهر ينير العينين" (المزمور ١٩/ ٧ - ٨).
وينسب العهد الجديد إلى المسيح سباب إخوانه من الأنبياء وتشبيههم باللصوص والسراق، واتهامهم بعدم الحرص على هداية أقوامهم، فيقول يوحنا: " قال لهم يسوع أيضاً: الحق الحق أقول لكم: إني أنا باب الخراف. جميع الذين أتوا قبلي هم سراق ولصوص. ولكن الخراف لم تسمع لهم ... السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك.
وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة، وليكون لهم أفضل. أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف. وأما الذي هو أجير وليس راعياً الذي ليست الخراف له، فيرى الذئب مقبلاً ويترك الخراف ويهرب، فيخطف الذئب الخراف ويبددها" (يوحنا ١٠/ ٧ - ١٢).
стр. 131
ومن المحال أن يسطر الله في وحيه مثل هذه الإساءات لمقامه العظيم، وكذا لكتبه ورسله.
ضياع نقط بل حروف من الناموس
ينسب الإنجيليون في محاولة منهم لتوثيق العهد القديم، ينسبون إلى المسيح أنه قال: "ولكن زوال السماء والأرض أيسر من أن تسقط نقطة واحدة من الناموس" (لوقا ١٦/ ١٧)، وفي متى أن قال: " فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (متى ٥/ ١٨)، فهل كان هذا الكلام حقاً أم ضاعت كلمات، بل سطور وأسفار كاملة، فيما لم تزل السماوات والأرض.
وقد ذكرت أمثلة كثيرة لتلك المفقودات في الحلقة الأولى من هذه السلسلة، سلسلة الهدى والنور، وأكتفي هنا بعرض ثلاث نماذج فقط، تاركاً للقارئ الكريم أن ينظر في تحقق هذا النص، طالباً منه أن يرى في عدم تحققه دليلاً على أنه ليس من كلام الله ووحيه أو قول المسيح نبيه، بل هو بعض إضافات كتبها أولئك الكُتاب، ونسبوها زوراً وبهتاناً إلى وحي الله.
فمن شواهد النقص وضياع النقط والحروف من الكتاب ما جاء في سفر الأيام "وبنو عزرة يثر ومرد وعافر ويالون ******، وحبلت بمريم وشماي ويشبح أبي اشتموع" (الأيام (١) ٤/ ١٧)، ولم يذكر السفر بقية أبناء عزرة، ولا تلك التي حبلت بمريم وأخواتها، واكتفى طابعو الكتاب بوضع خمسة نجوم للتنبيه على وجود سقط في النص. ولرؤية المزيد من نجوم الكتاب المقدس انظر (الأيام (٢) ٣٦/ ٢٣)، و (عزرا ١/ ٣)، و (عزرا ٦/ ٥ - ٦)، و (صموئيل (٢) ٥/ ٨)، و (حزقيال ٢٢/ ٤٣)، و (الملوك (٢) ٥/ ٦)، (زكريا ٦/ ١٥)، وغيرها مما يطول المقام بذكره.
стр. 132
ويمتد السقط والضياع في الكتاب ليشمل أسفاراً تحوي الآلاف من النقاط والحروف، كسفر حروب الرب المذكور في سفر العدد، حيث يقول: "لذلك يقال في كتاب حروب الرب واهب في سوفة وأودية أرنون" (العدد ٢١/ ١٤)، وهو سفر مفقود.
وكذا فقدت آلاف الحروف والنقاط المكونة لسفر أخبار النبي ناثان النبي وسفر أخبار أخيا الشيلوني الضائع وسفر رؤى يعدو، وقد ذكروا في سفر الأيام، في قوله: " هي مكتوبة في أخبار ناثان النبي وفي نبوّة أخيا الشيلوني وفي رؤى يعدو الرائي " (الأيام (٢) ٩/ ٢٩).
ولرؤية المزيد من الأسفار المفقودة انظر (يشوع ١٠/ ١٣)، و (صموئيل (٢) ١/ ١٨)، و (الأيام (١) ٢٩/ ٢٩)، و (الأيام (٢) ١٢/ ١٥)، و (الملوك (١) ٤/ ٣٢ - ١٣)، وغيرها مما يطول المقام بذكره.
وهذه الشهادات جميعاً تشهد بضياع كلمات وحروف من الناموس، فيما تشهد السماوات والأرض وبقاؤهما ببراءة المسيح مما نسبه إليه الإنجيليون من الغلط والوعد الكاذب في هذا النص.
زكريا المقتول هو ابن يهوياداع وليس ابن برخيا
فمن الأغلاط التي تشهد لها الأسفار المقدسة عند النصارى بالخطأ ما جاء في متى في قوله أن المسيح قال: " كل دم زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح " (متى ٢٣/ ٣٥).
وقد غلط متى، إذ المقتول بين الهيكل والمذبح هو زكريا بن يهوياداع، فقد جاء في سفر الأيام " ولبس روح الله زكريا بن يهوياداع الكاهن فوقف فوق الشعب .. ففتنوا عليه، ورجموه بحجارة بأمر الملك في دار بيت الرب " (الأيام (٢) ٢٤/ ٢٠ - ٢١).
стр. 133
وأما زكريا بن برخيا فهو آخر عاش أيام سبي بابل، وهو من الأنبياء الصغار، وينسب إليه السفر الذي في التوراة، ويقول عنه قاموس الكتاب المقدس " ويذكر التقليد اليهودي أن زكريا هذا طالت أيامه، وعاش في بلاده، ودفن بجانب حجي الذي كان زميلاً له ". (١)
كما يجدر أن ننبه هنا إلى أن لوقا قد نقل قول المسيح الذي ذكره متى، ولكنه لم يخطئ كما أخطأ متى، فقد قال: " من دم هابيل إلى دم زكريا الذي أهلك بين المذبح والبيت " (لوقا ١١/ ٥١).
إحالة متى الخاطئة إلى سفر إرمياء
وفي نبوءة أوردها متى أخطأ وهو ينقل عن التوراة، يقول متى: " لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ .. فطرح الفضة في الهيكل وانصرف .. فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا: لا يحل أن نلقيها في الخزانة، لأنها ثمن دم، فتشاوروا، واشتروا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء .. حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي: وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل، وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب " (متى ٢٧/ ٣ - ١٠).
فإحالته إلى سفر إرميا غير صحيحة، إذ لا يوجد شيء من ذلك في إرميا، والصحيح أنه في سفر زكريا: " فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنوني به، فأخذت الثلاثين من الفضة، وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب " (زكريا ١١/ ١٢ - ١٤).
ويجدر أن ننبه هنا أن القصة في سفر زكريا لا علاقة لها بيهوذا ولا المسيح، إذ
стр. 134
الثمن الذي يطلبه زكريا ثمن كريم، أجرة كهانته، في حين أن الثمن الذي قبضه يهوذا ثمن خيانة ولؤم.
والحق أن الإحالة ليست إلى سفر زكريا ولا إرميا، بل هي بالحقيقة إحالة إلى رسالة غير قانونية تنسب إلى النبي إرمياء، فقد نقل آدم كلارك في تفسيره للكتاب المقدس عن العلامة جيروم قوله: "إن اليهود من فرقة الناصريين أظهروا له هذه النبوءة في نسخة عبرية لسفر إرميا مشكوك فيها (أبوكريفا) ". ويضيف كلارك: لكن من الراجح أنهم أدخلوا هذه النبوءة في سفر إرميا فقط لموافقة الاقتباس الموجود في متى.
وأما القس سمعان كلهون فيرجح أن الأصل لم يحدد اسم النبي الذي اقتبست منه الإحالة، وأنه كان فيه " تم ما قيل بالنبي "، كما ورد في الترجمة السريانية. (١)
أصحاب داود لم يأكلوا خبز التقدمة في عهد الكاهن أخيمالك
وأخطأ كاتب إنجيل مرقس مرتين وهو يتحدث عما فعله داود عندما جاع فأكل من خبز التقدمة الذي لا يجوز أكله إلا للكهنة فقال: " أما قرأتم قط ما فعله داود حين احتاج وجاع هو والذين معه، كيف دخل بيت الله في أيام أبياثار رئيس الكهنة، وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل إلا للكهنة، وأعطى الذين معه" (مرقس ٢/ ٢٥ - ٢٦).
وقوله: " الذين كانوا معه " خطأ ولا محالة، لأن داود كان حين ذهب إلى رئيس الكهنة كان وحيداً فاراً من وجه شاول، كما في سفر صموئيل وفيه " فجاء داود إلى نوب إلى أخيمالك الكاهن، فاضطرب أخيمالك عند لقاء داود، وقال له: لماذا أنت وحدك وليس معك أحد ... يوجد خبز مقدس ... " (صموئيل (١) ٢١/ ١ - ٤).
والخطأ الثاني الذي وقع فيه مرقس حينما سمى رئيس الكهنة أبياثار، وفي
стр. 135
صموئيل أن رئيس الكهنة يومذاك هو أبوه، أخيمالك الذي قتله شاول، لأنه أعطى الخبز المقدس لداود. (انظر صموئيل (١) ٢٢/ ٢٠ - ٢٣).
وينبه محررو قاموس الكتاب المقدس إلى أن أبياثار هرب بعدها إلى داود مع صادوق رئيس الكهنة بعد مقتل أبيه أخيمالك.
وقد اعترف بهذا الغلط توماس وارد في كتابه ( Errata to the Protestant Bible) ، وقال نقلاً عن مستر جوويل أنه كتب: غلط مرقس، فكتب أبياثار موضع أخيمالك. (١)
الثناء على يهوذا الخائن
وفي أثناء حديث الإنجيليين عن التلاميذ فإنهم يذكرون الاثني عشر بخير، وينسون أن فيهم يهوذا الخائن، ولربما ذكروا حوادث حصلت بعد موته، فذكروه فيها.
ومن ذلك قول متى أن المسيح قال لتلاميذه الإثني عشر: " الحق أقول لكم: إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده، تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر " (متى ١٩/ ٢٨).
ولم يستثنِ متى يهوذا الخائن الذي يقول عنه ناقلاً عن المسيح: " ويل لذلك الرجل .. خيراً لذلك الرجل لو لم يولد " (متى ٢٦/ ٢٤)، وقد تنبه لوقا لخطأ متى، فلم يقع فيه، ولم يذكر عدد الكراسي. (انظر: لوقا ٢٢/ ٢٨ - ٢٩).
وهذا الخطأ وقع به بولس وهو يتحدث عن قيامة المسيح والتي يفترض أنها بعد وفاة يهوذا بأيام وقبل انتخاب البديل عنه ميتاس (انظر أعمال ١/ ٢٦)، فقال بولس: " قام في اليوم الثالث حسب الكتب، وأنه ظهر لصفا ثم للاثني عشر، وبعد ذلك ظهر لأكثر من خمسمائة أخ " (كورنثوس (١) ١٥/ ٤ - ٦).
стр. 136
وقد تنبه للخطأ كاتب مرقس وهو يروي ذات القصة، فقال: " ثم ظهر للأحد عشر .. " (مرقس ١٦/ ١٤).
ولن يفوتنا هنا التذكير أن المسيح ظهر أول مرة لعشرة من التلاميذ فقط، إذ لم يكن معهم توما الذي غاب عن اللقاء الأول، يقول يوحنا: "أما توما أحد الاثني عشر الذي يقال له التوأم، فلم يكن معهم حين جاء يسوع" (يوحنا ٢٠/ ١٩ - ٢٥).
مدة مكث المسيح في بطن الأرض ليست ثلاثة أيام وثلاث ليال
ومن الأغلاط ما ذكره متى عن مكث ابن الإنسان (المسيح) في بطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال، حيث يقول: " أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين: يا معلّم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي، لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال" (متى ١٢/ ٣٨ - ٤٠).
ومن المعلوم في الأناجيل أن المسيح صلب يوم الجمعة، ودفن ليلة السبت، وخرج من قبره قبل فجر الأحد، أي لم يمكث في القبر سوى ليلة السبت ويوم السبت وليلة الأحد. وهو ما يعدل ليلتين ويوم، وليس ثلاثة أيام وثلاث ليال، كما أخبر متى.
وقد اعترف بالسي وشلز أن متى قد غلط، وزعم أنه أخطأ في فهم كلام المسيح، فهذا التفسير بالبقاء ثلاثة أيام وثلاث ليال في الأرض كان من جانبه، وأما مقصود المسيح فهو: " أن أهل نينوي كما آمنوا بسماع الوعظ وما طلبوا معجزة، كذلك فليرضَ الناس مني بسماع الوعظ".
وأما يوحنا فم الذهب فيحاول في تفسيره تحوير النص فيقول: إن الثلاثة أيام والثلاثة ليال تحسب من يوم الخميس حين أكل المسيح العشاء مع التلاميذ وتحول
стр. 137
الطعام إلى جسده، فبطن الأرض مجاز عن بطونهم. (١) وهو قول ممجوج واضح التكلف.
وأما الأب متى المسكين فاجتهد في إبقاء المسيح في بطن الأرض هذه المدة، فاعتبر ما أدركه المسيح من دقائق قبل غروب شمس يوم الجمعة يوماً أولاً وليلة أولى، كما اعتبر فجر الأحد يوماً كاملاًَ (٢)، مع أن المسيح لم يكن في القبر أول الفجر، كما يقول لوقا " في أول الأسبوع، أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهنّ أناس، فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر، فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع" (لوقا ٢٤/ ١ - ٣) أي لم يدرك شيئا من النهار، ومع ذلك اعتبره الأب المسكين يوماً كاملاً، ولا غرابة فقد جعل دقائق ما قبل الغروب يوماً كاملاً وليلة كاملة.
وأما تفسير بالسي وشلز فهو اعتذار لا يقبل، لأنه قد جاء مثل هذا القول عند غير متى، ففي يوحنا قال لهم: " انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه "، فلم يفهم اليهود كلامه، وظنوه يتحدث عن هيكل سليمان "وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده، فلما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال هذا" (يوحنا ٢/ ١٩ - ٢٤)، ولكنه قد قام في اليوم الثاني، وبعد مضي ليلتين فقط.
وقال لوقا: " إنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة، ويصلب، وفي اليوم الثالث يقوم " (لوقا ٢٤/ ٧)، وفي مرقس " ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم " (مرقس ١٠/ ٣٤)، وقيامته هي القيامة من الموت، وقد قام في اليوم الثاني من الموت المزعوم.
стр. 138
ثانياً: أغلاط بشهادة الواقع
العودة القريبة للمسيح والنهاية السريعة للدنيا
وثمة نصوص أخرى كثيرة غلط فيها الإنجيليون بشهادة الواقع والتاريخ، ومن مثل ذلك ما جاء في إنجيل متى عن القيامة القريبة التي تقترن بعودة المسيح القريبة، والتي حددها المسيح كما يزعمون بأنها قبيل انقضاء جيله، وعليه طلب إلى تلاميذه أن لا يذهبوا للدعوة في مدن السامريين فإن القيامة دون ذلك.
وقد قارب مجموع النصوص التي تحدثت عن عودة المسيح والقيامة العشرة، أهمها: " فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله، الحق أقول لكم: إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته " (متى ١٦/ ٢٧ - ٢٨).
ويقول أيضاً: " متى طردوكم في هذه المدينة فاهربوا إلى الأخرى. فإني الحق أقول لكم: لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان " (متى ١٠/ ٢٣).
ويعلق الأب متى المسكين على هذه الفقرة بقوله: "شرحُ هذه الآية أخذ من العلماء كل مأخذ، وأعلنوا أن حل هذه المعضلة غائب تماماً من أمام عيونهم، لأنه لا يوجد لها حل". (١)
وفي سفر الرؤيا يقول: " ها أنا آتي سريعاً " (الرؤيا ٣/ ١١).
ويقول يعقوب: " أيها الإخوة .. فتأنوا أنتم، وثبتوا قلوبكم، لأن مجيء الرب قد اقترب" (يعقوب ٥/ ٨).
ويقول بطرس: "وإنما نهاية كل شيء قد اقتربت " (بطرس (١) ٤/ ٧).
стр. 139
وتحدث متى عما يرافق عودة المسيح من أحداث " وفيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين: قل لنا متى يكون هذا؟ وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر؟ ".
يقول متى المسكين: "ومع السؤال بخصوص خراب الهيكل أضافوا: ما هي علامة مجيء الإنسان، لأنهم كانوا متأكدين تماماً أنه بخراب الهيكل ينتهي العالم، ويجيء ابن الإنسان، وتكمل الدينونة، ويبدأ ملكوت الله". (١)
فأجاب المسيح تلاميذه عن سؤالهم الأول فذكر لهم علامات قيامة رجسة الخراب في الهيكل، ثم شرع في الإجابة عن السؤال الثاني المتعلق بمجيئه وانقضاء الدهر، فقال: " وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوءه، والنجوم تسقط من السماء، وقوات السموات تتزعزع. وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض، ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كثير ... الحق أقول لكم: لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله (٢)، السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول " (متى ٢٤/ ٣ - ٣٥)، و (انظر مرقس ١٣/ ٢٤ - ٣١).
وفي لوقا: "وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم، وتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم، وعلى الأرض كرب أمم بحيرة، البحر والأمواج تضج، والناس يغشى عليهم من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة، لأن قوات
стр. 140
السموات تتزعزع، وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتياً في سحابة بقوة ومجد كثير .. الحق أقول لكم: إنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون الكل، السماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول" (لوقا ٢١/ ٢٤ - ٣٣).
يقول الأب متى المسكين: "وقد اتفق جميع العلماء أن هذه الآية تخص خراب أورشليم والهيكل، الأمر الذي تم بالفعل في جيله". (١)
وقد سيطرت فكرة العودة السريعة والقيامة القريبة على كُتاب الرسائل، ومنهم بولس الذي يقول: " نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور " (كورنثوس (١) ١٠/ ١١).
وفي رسالته إلى تسالونيكي يتحدث عن الكيفية التي سيلاقي بها المسيح بعد قيام المؤمنين بالمسيح من الأموات، يقول: " إننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب، لا نسبق الراقدين، لأن الرب نفسه بهتاف، بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء، والأموات في المسيح سيقومون أولاً، ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعاً معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء، وهكذا نكون كل حين مع الرب" (تسالونيكي (١) ٤/ ١٥ - ١٧).
ويؤكد إيمانه بهذه الفكرة في قوله: " هو ذا سر أقوله لكم: لا نرقد كلنا (أي لن نموت كلنا)، ولكننا كلنا نتغير في لحظة، في طرفة عين، عند البوق الأخير فإنه سيبوق، فيقام الأموات عديمي فساد، ونحن نتغير " (كورنثوس (١) ١٥/ ٥١ - ٥٢).
وعلى هذا النص الأخير تعلق الرهبانية اليسوعية، فتقول: " يتكلم بولس بكلام إنسان يتوقع أن يكون حياً عند مجيء المسيح".
стр. 141
ويقول معجم اللاهوت الكتابي: " يبدو أن المؤمنين، في فجر الكنيسة، وقد لبسوا نور الفصح والعنصرة، قد ظنوا أن المسيح سيأتي من فوره .. لا يقول بولس أبداً بأن المجيء الثاني المجيد سيأتي بعد حقبة طويلة من الزمن، بل بالعكس يداعبه الأمل بأن يكون إذ ذاك حياً يرزق (تسالونيكي (١) ٤/ ١٧) ". (١)
ويقول يوحنا: " أيها الأولاد، هي الساعة الأخيرة، وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون، من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة" (يوحنا (١) ٢/ ١٨).
تقول الرهبانية اليسوعية تعليقاً على هذا النص: "تلميح إلى الساعة الأخيرة من التاريخ، كان المسيحيون الأوائل ومنهم يوحنا، على يقين من أن تلك الساعة قريبة، ولكنهم كانوا يعتقدون بأن مجيء الرب في المجد سيسبقه قيام كائن مفسد، هو المسيح الدجال".
فهذه الأقوال وسواها تدل على أن وقوع القيامة وعودة المسيح قبلها، سيحصل في زمن الجيل الأول، لكن شيئاً من ذلك لم يحصل، وقد مرت قرون طويلة متطاولة دون تحققه، فدل ذلك على أن هذه النبوءات من الغلط الذي وقع به الإنجيليون.
ويبدو أن المسيح أبلغ أصحابه بنزوله من السماء قبيل يوم القيامة، وذكر لهم بعضاً من الأمور التي تحدث قبله، وطرأ الغلط والتحريف من قولهم بأن ذلك سيكون في زمن الجيل الأول.
ويحاول المفسر الأب متى المسكين تفسير ما جاء في (متى ١٦/ ٢٧ - ٢٨) عن مجيء المسيح قبل أن يذوق بعض التلاميذ الموت، فيرى أن المقصود بالتلاميذ: "بطرس
стр. 142
ويعقوب ويوحنا الذين أخذهم المسيح وصعد جبل التجلي ". (١) أي أن تفسير هذه النصوص هو تجليه على الجبل بعد ستة أيام (انظر متى ١٧/ ١ - ٢)، فهل كان المسيح يخبر تلاميذه عن أمر سيحصل قبل أن ينتهي الجيل، ومقصده ما سيحصل بعد أسبوع !!!
وأيضاً فإن كلام المفسر مردود بنص متى الذي يتحدث عن إتيان للمسيح للدينونة فوق السحاب يرافقه مجد الله، "فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله" (متى ١٦/ ٢٧) وشيء من هذا لم يكن في يوم التجلي.
ثم ماذا عن النصوص التي قالها بولس وغيره بعد القيامة؟ وأين العلامات التي رافقت مجيء المسيح.
معجزات المؤمنين
ومن النصوص أيضاً التي تثبت شهادة الواقع خطأ الإنجيليين فيها، لأن المسيح لا يكذب، ولا يمكن أن يقول ما نسب إليه فيها، إذ هو من الخطأ البيّن.
من ذلك ما جاء في خاتمة مرقس، ففيها أن المسيح ظهر لتلاميذه بعد الصلب وقال لهم: "وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيّات، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى، فيبرؤون " (مرقس ١٦/ ١٧ - ١٨).
وقريباً من هذا المعنى يقول مرقس بأن المسيح قال لتلاميذه: " ليكن لكم إيمان بالله، لأني الحق أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر، ولا يشك في قلبه بل يؤمن، إن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له " (مرقس ١١/ ٢٢ - ٢٣).
стр. 143
وفي إنجيل متى: " وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه " (متى ٢١/ ٢٢).
وحين تقدم رجل إلى المسيح يرجوه أن يشفي ابنه من الصرع، ويقول: "لكن إن كنت تستطيع شيئاً، فتحنن علينا، وأعنّا. فقال له يسوع: إن كنت تستطيع أن تؤمن، كل شيء مستطاع للمؤمن، فللوقت صرخ أبو الولد بدموع، وقال: أؤمن يا سيد، فأعِن عدم إيماني" (مرقس ٩/ ٢٣)، لقد أفهمه المسيح أن صنع المعجزات - كل المعجزات - يقدر عليه المؤمنون، وعليه طلب منه الإيمان ليشفي ابنه، فتعهد الرجل بالإيمان، وشفى له المسيح ابنه، لأنه لم يصر بعدُ في عداد المؤمنين.
وينقل يوحنا على لسان المسيح أنه قال: " الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي، فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً، ويعمل أعظم منها" (يوحنا ١٤/ ١٢)، فكل مؤمن يستطيع صنع المعجزات الباهرة التي صنعها المسيح من إحياء للموتى وشفاء للمرضى، والتجربة خير برهان!
ومن تشكك في نجاح هذه التجربة فليقرأ هذه السطور للأب متى المسكين، حيث يقول: "أعطني رُكباً منحنية وقلوباً صادقة في إيمانها بوعد المسيح، وسوف ترى كيف أن العمي يبصرون، والصم يسمعون، والشُّل والعرج يمشون ويجرون ويرقصون، وكل أنواع الأمراض تشفى، حتى المستعصية، من سرطان وسُل وتليف كبدي وفشل كلوي وأمراض القلب، فالمسيح هو هو، أمس واليوم وإلى الأبد". (١)
أما أولئك الذي يعجزون عن فعل المعجزات ممن يؤمن بقدسية هذا النص، فهؤلاء لا إيمان لهم، إذ يحكى متى عن تقدم التلاميذ إلى يسوع على انفراد ليسألوه عن سبب إخفاقهم في شفاء المصروع فأجابهم: " لعدم إيمانكم، فالحق الحق أقول لكم: لو
стр. 144
كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل: انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم " (متى ١٧/ ٢٠).
وعليه فكل مؤمن نصراني يستطيع إحياء الموتى وشفاء المرضى وإخراج الشياطين ... ، وإن لم يصنع ذلك فليس بمؤمن.
ويبالغ يوحنا في عرضه للمعجزات التي يتوارثها النصارى عن المسيح، إذ يقول في نص آخر بأن المسيح قال لليهود: " الحق الحق أقول لكم إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد " وفهم اليهود منه موتاً حقيقياً فقالوا: " ألعلك أعظم من أنبياء إبراهيم الذي مات، والأنبياء ماتوا " فلم يتهمهم بسوء الفهم بل قال لهم: " إن كنت أمجد نفسي فليس مجدي شيئاً، أبي هو الذي يمجدني" (يوحنا ٨/ ٥١ - ٥٤).
إذاً هذه النصوص تتحدث عن معجزات يصنعها المؤمنون، فهل يتحقق شيء منها في حياة أولئك الذين يدعون الإيمان بالمسيح؟
هل حقق آباء الكنيسة فضلاً عن بقية المؤمنين أمثال معجزة المسيح أو أفضل منها؟ هل أحيوا موتى؟ هل شفوا مرضى؟ هل أتقنوا لغات عدة وصاروا يتكلمون بألسنة مختلفة؟ أم هم غير مؤمنين فلم تقع منهم هذه المعجزات وأمثالها؟
ولو كانت هذه النصوص حقاً من أقوال المسيح لما مات بابوات الكنيسة، ولما رأينا القسس والمبشرين يجتهدون في تعلم اللغات للتبشير ثم قد ينجحون وقد لا ينجحون، ولو كان حقاً لما مات البابا اسكندر السادس ولا غيره من النصارى مسموماً!!
وفي مناظرة ديدات لكبير قساوسة السويد ستانلي شوبرج وقف واحد من الجمهور، وقرأ على القس شوبرج نص مرقس (١٦/ ١٦ - ١٨)، وطلب إليه إن كان مؤمناً أن يشرب زجاجة سُم رفعها الرجل بيده قائلاً: " اشرب هذا السائل السام
стр. 145
المميت ولا تمت، لأن عندك إيمان بألوهية يسوع، وعندك إيمان بصدق ".
فتغير وجه شوبرج، وتلعثم في القول، وقال: " إننا لو شربنا شيئاً ساماً لا نموت. إن هذا أمر غريب، أنا مؤمن بالله وبالروح القدس كحقيقة، الروح القدس يخبرنا ماذا سيحدث لنا. لقد قالت لي زوجتي منذ ثلاثين يوماً: يا استانلي كن حذراً، إن شخصاً ما سيغتالك بالسم ... أنا أرى الشيطان بداخلك (للسائل)، أنا لا أريد أن أقوم باستعراض ... ". ثم حمل السمّ وصبه في حوض الزرع.
التعويض السريع في الدنيا
ومن الأمور التي ذكرتها الأناجيل أيضاً، ويكذبها واقع الناس ما جاء في مرقس أن بطرس قال للمسيح: " ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فأجاب يسوع وقال: أقول لكم: ليس أحد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلي ولأجل الإنجيل، إلا ويأخذ مائة ضعف الآن في هذا الزمان بيوتاً وإخوة وأخوات وأمهات وأولاداً وحقولاً، مع اضطهادات، وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية " (مرقس ١٠/ ٢٨ - ٣٠) ومثله في متى: " يأخذ مائة ضعف ويرث الحياة الأبدية " (متى ١٩/ ٢٩)، وفي لوقا: " يأخذ في هذا الزمان أضعافاً كثيرة " (لوقا ١٨/ ٢٩ - ٣٠).
وحار المحققون في فهم كيفية الحصول على هذا التعويض، كيف يمكن للإنسان أن يصبح عنده أمهات وآباء كثر ... وإذا فُهم أن الآباء والإخوة والأمهات أمور مجازية، فكيف يفهم تعويض الحقول والزوجات؟ ومتى رأينا ذلك لأحد أولئك الذين يهجرون أوطانهم للتبشير، فيتركون أمهاتهم وأخواتهم وأموالهم، متى أعطوا جزاء في الدنيا مائة ضعف.
والنص واضح الدلالة أنه يتحدث عن جزاء دنيوي " مع اضطهادات "، وستحصل " في هذا الزمان " ثم وعد بالحياة الأبدية في الآخرة.