← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38189

هل العهد الجديد كلمة الله

منقذ السقار

Полный текст (233 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

من كتب إنجيل يوحنا ؟ وإذا لم يكن يوحنا هو كاتب الإنجيل، فمن هو الكاتب الحقيقي؟ يجيب القس فهيم عزيز في مدخله إلى الإنجيل: " هذا السؤال صعب، والجواب عنه يتطلب دراسة واسعة غالباً ما تنتهي بالعبارة: لا يعلم إلا الله وحده من الذي كتب هذا الإنجيل ". وحاول البعض الإجابة عن السؤال من خلال تحديد صفات كاتب الإنجيل دون ذكر اسم معين، يقول جرانت: " كان نصرانياً، وبجانب ذلك كان هيلينياً، ومن المحتمل أن لا يكون يهودياً، ولكنه شرقي أو إغريقي، ونلمس هذا من عدم وجود دموع في عينيه علامة على الحزن عندما كتب عن هدم مدينة لليهود ". وجاء في مدخل الإنجيل أن بعض النقاد " يترك اسم المؤلف، ويصفونه بأنه مسيحي كتب باليونانية في أواخر القرن الأول في كنائس آسيا ". وقال جون مارش مفسر إنجيل يوحنا في تفسيره (ص ٨١): " ومن المحتمل أنه خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن الأول الميلادي قام شخص يدعى يوحنا، من الممكن أن يكون يوحنا مرقس خلافاً لما هو شائع من أنه يوحنا بن زبدي .. وقد تجمعت لديه معلومات وفيرة عن يسوع، ومن المحتمل أنه كان على دراية بواحد أو أكثر من الأناجيل المتشابهة، فقام حينئذ بتسجيل جديد لقصة يسوع، اختص بها طائفته الخاصة التي كان تعتبر نفسها عالمية, كما كانت متأثرة بوجود تلاميذ يوحنا المعمدان". وقال الناقد برطشنيدر ( Bretschneider) ( ت ١٨٤٨): " إن هذا الإنجيل كله، وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه، بل صنفها أحد في ابتداء القرن الثاني، ونسبه إلى يوحنا ليعتبره الناس ". ويوافقه استادلن، ويرى أن الكاتب " طالب من طلبة المدرسة الإسكندرية ".

стр. 72

وقال يوسف الخوري في " تحفة الجيل " بأن كاتب الإنجيل هو تلميذ يوحنا المسمى بروكلوس. وقال بعض المحققين ومنهم جيمس ماكينون، واستيريتر في كتابه " الأناجيل الأربعة " بأن يوحنا المقصود هو تلميذ آخر من تلاميذ المسيح، وهو (يوحنا الأرشد)، وأن أرينيوس الذي نسب إنجيل يوحنا إلى ابن زبدي قد اختلط عليه أمر التلميذين. وذكر جورج إيلتون في كتابه " شهادة إنجيل يوحنا " أن كاتب هذا الإنجيل أحد ثلاثة: تلميذ ليوحنا الرسول أو يوحنا الشيخ (وليس الرسول) أو معلم كبير في أفسس مجهول الهوية. لكن ذلك لم يفت في عضد إيلتون الذي ما زال يعتبر إنجيل يوحنا مقدساً، لأنه " مهما كانت النظريات حول كاتب هذا الإنجيل، فإن ما يتضح لنا جلياً بأن كاتبه كان لديه فكرة الرسول، فإذا كتبه أحد تلاميذه فإنه بلا مراء كان مشبعاً بروحه .. ". كما ذهب بعض المحققين إلى وجود أكثر من كاتب للإنجيل، منهم كولمان حين قال: " إن كل شيء يدفع إلى الاعتقاد بأن النص المنشور حالياً ينتمي إلى أكثر من مؤلف واحد، فيحتمل أن الإنجيل بشكله الذي نملكه اليوم قد نشر بواسطة تلاميذ المؤلف، وأنهم قد أضافوا إليه "، ومثله يقول المدخل لإنجيل يوحنا. (١) ومن هذا كله ثبت أن إنجيل يوحنا لم يكتبه يوحنا الحواري، ولا يعرف كاتبه الحقيقي، ولا يصح بحال أن ننسب العصمة والقداسة لكاتب مجهول لا نعرف من يكون.

стр. 73

وعند غض الطرف عن مجهولية الكاتب واستحالة القول بعصمته عندئذ، فإن ثمة مشكلات تثار في وجه هذا الإنجيل نبه المحققون إليها منها: اختلاف هذا الإنجيل عن باقي الأناجيل الثلاثة رغم أن موضوع الأناجيل الأربعة هو تاريخ وسيرة المسيح ﵇. إذ تتشابه قصة المسيح في الأناجيل الثلاثة، بينما يظهر الإنجيل الرابع غريباً بينها. فمثلاً: هو الإنجيل الوحيد الذي تظهر فيه نصوص تأليه المسيح، بل هو كتب لإثبات ذلك كما يقول المفسر يوسف الخوري: " إن يوحنا صنف إنجيله في آخر حياته بطلب من أساقفة كنائس آسيا وغيرها، والسبب: أنه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح ". ولما لم يكن في الأناجيل الثلاثة ما يدفع أقوال هذه الطوائف، أنشأ يوحنا إنجيله، وهذا المعنى يؤكده جرجس زوين، فيذكر عن أساقفة آسيا أنهم اجتمعوا " والتمسوا منه أن يكتب عن المسيح، وينادي بإنجيل مما لم يكتبه الإنجيليون الآخرون ". يقول الأب روغيه في كتابه "المدخل إلى الإنجيل":" إنه عالم آخر، فهو يختلف عن بقية الأناجيل في اختيار الموضوعات والخطب والأسلوب والجغرافيا والتاريخ، بل والرؤيا اللاهوتية ". وهذه المغايرة أوصلته إلى تقديم صورة للمسيح مغايرة تماماً عما في الأناجيل الثلاثة والتي يسميها البعض: " المتشابهة " أو " الإزائية ". لذا تقول دائرة المعارف الأمريكية: " من الصعب الجمع بين هذا الإنجيل والأناجيل الثلاثة، بمعنى أن لو قدرنا أنها صحيحة لتحتم أن يكون هذا الإنجيل كاذباً ". يقول السير آرثر فندلاي في كتابه "الكون المنشور" معبراً عن هذا الاختلاف:

стр. 74

" إن إنجيل يوحنا ليس له قيمة تستحق الذكر في سرد الحوادث الأكيدة، ويظهر أن محتوياته لعب فيها خيال الكاتب دوراً بعيداً ". (١) ومن المشكلات التي تواجه هذا الإنجيل أيضاً أن أيدي المحرفين نالت هذا الإنجيل، فأضافت فيه رواية المرأة الزانية (انظر يوحنا ٨/ ١ - ١١) والتي يقول عنها مدخل الرهبانية اليسوعية إلى هذا الإنجيل: " هناك إجماع على أنها من مرجع مجهول فأدخلت في زمن لاحق". وقد حذفت هذه القصة من النسخة الإنجليزية القياسية المراجعة ( R. S. V) لاعتبارها عبارة دخيلة على الإنجيل. (٢) كما أن كثيراً من المحققين يعتقدون بأن الإصحاح الأخير ليس من تأليف مؤلف الإنجيل، يقول كرونيس: " إن هذا الإنجيل كان عشرين باباً فألحقت كنيسة أفسس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا ". (٣) وهذا ما يعترف به كاتبو مقدمة الرهبانية اليسوعية، إذ اعتبرت الإصحاح العشرين خاتمة للإنجيل، واعتبرت الإصحاح الأخير ملحقاً بالإنجيل، وعنه تقول: "يظهر هذا الفصل الأخير، الوارد بعد خاتمة ٢٠/ ٣٠ - ٣١ بمظهر الملحق، ولا تزال مسألة مصدره موضوع نقاش .. وقد يكون هذا الفصل تكملة أضافها بعض تلاميذ يوحنا".

стр. 75

وهكذا نصل مع القارئ الكريم إلى نتيجة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وهي أن نسبة الأناجيل الأربعة إلى تلاميذ المسيح مسالة "تثير صعوبات من كل الأنواع، أما اليوم فإنه ينظر إلى الأناجيل جملة، كما لو أنها كتب مجهولة المؤلف". (١) وهذه هي الحقيقة. خامساً: رسائل العهد الجديد يلحق بالأناجيل الأربعة عدد من الرسائل وهي: (سفر أعمال الرسل - رسائل بولس الأربع عشر - رسالة يعقوب - رسالتا بطرس - رسائل يوحنا الثلاث - رسالة يهوذا - رؤيا يوحنا اللاهوتي). أولاً: أعمال الرسل ويتكون هذا السفر من ثمان وعشرين إصحاحاً، تتحدث عن الأعمال التي قام بها الحواريون والرسل الذي نزل عليهم روح القدس يوم الخمسين (انظر ٢/ ١ - ٤)، من دعوة ومعجزات، كما يتحدث بإسهاب عن شاول ودعوته ورحلاته وقصة تنصره وبعض معجزاته. وينسب هذا السفر إلى لوقا مؤلف الإنجيل الثالث حيث جاء في افتتاحيته: " الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله .... " (أعمال ١/ ١). ولكن هذه الدعوى يشكل ويمنع من التسليم بها تناقض إنجيل لوقا مع سفر الأعمال في مسألة الصعود إلى السماء إذ يفهم من إنجيل لوقا أن صعود المسيح للسماء كان في يوم القيامة (لوقا ٢٤/ ١٣ - ٥١) وفي أعمال الرسل يتحدث عن ظهور المسيح

стр. 76

بعد القيامة " أربعين يوماً " (أعمال ١/ ٣). وهذا الاختلاف يكذب الرأي القائل بأن كاتب الإنجيل والسفر واحد. ثانياً: رسائل بولس وتنسب هذه الرسائل إلى القديس بولس، وتمتلئ بعبارات تدل على أنه كاتبها، وهذه الرسائل أربع عشرة رسالة. وتصطبغ الرسائل أيضاً بالصبغة الشخصية لبولس، فهي ليست لاهوتية الطابع، بل رسائل شخصية لها ديباجة وخاتمة ... وليس ثمة إجماع على صحة نسبة هذه الرسائل إلى بولس، بل إن بعض المحققين يميل إلى أن أربع رسائل منسوبة إليه كتبت بيد بعض تلاميذه بعد وفاته بعشرين سنة كما ذكرت دائرة المعارف البريطانية. ويشكك أريجانوس في شرحه لإنجيل يوحنا بجميع رسائل بولس المرسلة إلى الكنائس فيقول: "إن بولس ما كتب شيئاً إلى جميع الكنائس، والذي كتبه هو سطران أو أربعة سطور ". أما الرسالة إلى العبرانيين خصوصاً فكان النزاع حولها أشد، فحين تنسبها الكنيسة الشرقية إلى بولس فإن لوثر يقول بأنها من وضع أبلوس، بينما يقول ترتوليان في القرن الميلادي الثاني: "إنها من وضع برنابا"، ويقول راجوس (من علماء البروتستانت): " إن فريقاً من علماء البروتستانت يعتقدون كذب الرسالة العبرانية ... ". (١)

стр. 77

أما مدخل الرهبانية اليسوعية فيقول: "لا شك أن الأدلة التي تنقض صحة نسبة الرسالة إلى بولس هي كثيرة .. فللمرء أن يعتقد أن الرسالة من إنشاء واحد من أصحاب بولس، أما الاهتداء إلى اسم الكاتب على نحو أفضل فلا سبيل إلى طلبه .. فلابد آخر الأمر من التسليم بأننا نجهل اسم الكاتب". ويقول مؤلفو "المدخل إلى الكتاب المقدس": " نحن ببساطة لا نعرف الكاتب، فبالرغم من أن الرسالة تحمل تحيات حارة في ختامها؛ لكنها لا تحمل عنواناً في مقدمتها ... إلا أن الاتجاه العام هو افتراض أن بولس هو الذي كتبها .. قد يكون الكاتب هو برنابا اللاوي (أعمال ٤/ ٣٦) الذي لابد كان يعرف كل شيء عن الكهنة وعملهم، واحتمال ثالث أن يكون لوقا هو الكاتب لتشابه الأسلوب بين العبرانيين وإنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل. هناك رابع هو أبولس الذي كان يعرف تيموثاوس معرفة جيدة (١٣/ ٢٣) كما أن (أعمال ١٨/ ٢٤) يخبرنا أن أبولس كان (فصيحاً ومقتدراً في الكتب) ... ومن كتب هذه الرسالة لابد أن يكون كذلك، وهناك أيضاً عدد آخر من التخمينات، وفي النهاية علينا أن نقول أن لا أحد يعلم من هو كاتب هذه الرسالة". (١) وهذا الجواب الأخير سبق إلى الإقرار به العالم أريجانوس حين قال: "أما من كتب الرسالة يقيناً فالله يعلم، يقول بعض من سبقونا: إن أكليمنس أسقف روما كتب الرسالة، والآخرون: إن كاتبها هو لوقا". (٢) وأما نسبتها إلى بولس فهو - كما تقول الموسوعة البريطانية - أمر لا يكاد يوجد أحد اليوم يدافع عنه. ثالثاً: الرسائل الكاثوليكية ورؤيا يوحنا اللاهوتي وهذه الرسائل سبع رسائل ثلاث منها ليوحنا، وثنتان لبطرس، وواحدة لكل من يهوذا ويعقوب، ثم رؤيا يوحنا اللاهوتي.

стр. 78

وعرف المحققون بأصحاب هذه الرسائل وهم من التلاميذ الاثني عشر. فبطرس هو صياد سمك في كفر ناحوم، ويعرف بسمعان، ويرجح محررو قاموس الكتاب المقدس أنه كان من تلاميذ يوحنا المعمدان قبل أن يصحب المسيح، ويتقدم على سائر تلاميذه، وقد دعا في أنطاكية وغيرها، ثم قتل في روما في منتصف القرن الميلادي الأول. ويذكر بطرس قرماج في " مروج الأخبار " أن بطرس ومرقس ينكران ألوهية المسيح. وأما يعقوب فهو ابن زبدي الصياد - أخو يوحنا الإنجيلي - من المقربين للمسيح، وقد تولى رئاسة مجمع أورشليم سنة ٣٤م، وقد كانت وفاته قتلاً على يد أغريباس الأول عام ٤٤م على الأرجح، وقال آخرون: قتله اليهود حين طرحوه من جناح الهيكل، ورموه بالحجارة سنة ٦٢م. وأما يهوذا فلا تقدم المصادر عنه تعريفاً سوى أن تذكر أنه اختلف فيه هل هو يهوذا أخو يعقوب الصغير أي أنه ابن زبدي، أم أنه الحواري الذي يدعى لباوس الملقب تداوس؟ بل البعض يذكر أنه يهوذا آخر غيرهما؟ (١) وهذه الرسائل تعليمية في محتوياتها، شخصية في طريقة تدبيجها، تحوي في مقدمتها اسم مؤلفها غالباً. ورغم ذلك فإن نسبة هذه الرسائل كانت محل جدل طويل في قرون النصرانية

стр. 79

الأولى، وينطبق على أكثرها ما ذكرناه في رسالة العبرانيين، حيث تأخر الاعتراف إلى أواسط القرن الرابع الميلادي برسالة بطرس الثانية ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة ورسالتي يعقوب ويهوذا، ورؤيا يوحنا اللاهوتي الذي كان موضع جدل كبير قبل إقراره. إذ يحوي هذا السفر رؤيا منامية غريبة هدفها تقرير ألوهية المسيح، وإثبات سلطانه في السماء، وخضوع الملائكة له، إضافة إلى بعض التنبؤات المستقبلية التي صيغت بشكل رمزي وغامض. وهذه الرؤيا رآها يوحنا في منامه وهي مسطرة في سبعة وعشرين صفحة !! ومثل هذا يستغرب في المنامات ولا يعهد. وقد شكك آباء الكنيسة الأوائل كثيراً في هذا السفر. يقول الأسقف كيس ٢١٢م: " إن سفر الرؤيا من تصنيف كيرنثوس الملحد ". وأما ديونيسيوس رئيس مدرسة الاسكندرية عام ٢٥٠م فينقل في كتابه "المواعيد" عن بعض السابقين له بأنهم درسوا سفر الرؤيا إصحاحاً إصحاحاً، ووجدوه "بلا معنى وعديم البراهين، قائلين بأنه عنوان مزور .. ليس من تصنيف يوحنا .. لم يكتبه أي واحد من الرسل أو القديسين، أو أي واحد من رجال الكنيسة، بل إن كيرنثوس مؤلف الشيعة التي تدعى الكرنثيين، إذ أراد أن يدعم قصته الخيالية؛ نسبها إلى يوحنا"، وذلك أن كيرنثوس كان يقول بالملك الأرضي للمسيح، وهو ما يتفق مع فكرة السفر عن أحداث آخر الزمان. لكن المؤلف الكبير لم يقنع بما توصل إليه السابقون، فأمعن في دراسة السفر، وتوصل إلى ان "السفر من كتابة شخص يدعى يوحنا .. رجل قديس ملهم بالروح

стр. 80

القدس، ولكنني لا أصدق بأنه هو الرسول ابن زبدي، كاتب إنجيل يوحنا والرسائل الجامعة .. وفي اعتقادي كان هناك كثيرون بنفس اسم الرسول يوحنا". (١) يقول لوثر: "إن هذا السفر لا يعلّم عن المسيح، ولا يشير إليه بوضوح، ولا يتضح فيه أنه من وحي الروح القدس". وأما خلفه المصلح زونجلي فقد قال: "ليس لنا شأن بسفر الرؤيا، لأنه ليس سفراً كتابياً، فليس فيه طعم كتابات يوحنا .. وفي وسعي أن أرفضه". ويعقب المفسر باركلي فيكتب: "وقد اشترك مع لوثر وزونجلي كثيرون". كما نقل عن بعض المفسرين قولهم: "إن عدد الألغاز الموجودة في سفر الرؤيا يساوي عدد كلماته، وقال آخر: إن دراسة الرؤيا تصيب الإنسان بالخبل، أو إن الذي يحاول القيام بها مخبول". (٢) ويقول مدخل الرهبانية اليسوعية لهذا السفر: " لا يأتينا سفر يوحنا بشيء من الإيضاح عن كاتبه، لقد أطلق على نفسه اسم يوحنا، ولقب نبي، ولم يذكر قط أنه أحد الاثني عشر. هناك تقليد على شيء من الثبوت، وقد عثر على بعض آثاره منذ القرن الثاني، وورد فيه أن كاتب الرؤيا هو الرسول يوحنا .. بيد أنه ليس في التقليد القديم إجماع على ذلك، وقد بقي المصدر الرسولي لسفر الرؤيا عرضة للشك ... إن آراء المفسرين في عصرنا متشعبة، ففيهم من يؤكد أن الاختلاف في الإنشاء والبيئة والتفكير اللاهوتي تجعل نسبة الرؤيا والإنجيل الرابع إلى كاتب واحد أمراً عسيراً. ويخالفهم مفسرون آخرون في الرأي ... ويرون أن سفر الرؤيا والإنجيل يرتبطان

стр. 81

بتعليم الرسول عن يد كتبة ينتمون إلى بيئات يوحنا في أفسس"، ويقول المفسر وليم باركلي في مقدمة تفسيره للسفر: "وليس من المحتمل أن يكون الكاتب رسولاً، فلو أنه كان رسولاً لوضع تنبيره على هذه الحقيقة أكثر من تنبيره على أنه نبي، ثم إنه يتكلم عن الرسل كأغراب عليه .. فإن هذا أسلوب شخص يؤرخ لفترة خدمة الرسل، بل إن عنوان السفر يوحي بهذه الفكرة، فهو "رؤيا يوحنا اللاهوتي" ولعل لقب "اللاهوتي" أي عالم اللاهوت قد أضيف إلى اسم يوحنا الكاتب ليميزه عن يوحنا الرسول. ويقول يوسابيوس أبو التاريخ الكنسي: "يحتمل أن يكون يوحنا الثاني هو الذي رأى الرؤيا المنسوبة إلى يوحنا، أن كان أحد لا يميل أن يصدق بأن يوحنا الأول [التلميذ] هو الذي رآها". (١) وهكذا فالسفر لا دليل يثبت كتابة يوحنا له، وغاية ما يمكن قوله أنه كتب على يد كتبة مجهولين تربوا على يد يوحنا في أفسس. ومما نقله المحققون في تكذيب نسبة الرسائل الكاثوليكية أو بعضها على الأقل تكذيب هورن لها، واحتج بعدم وجودها في الترجمة السريانية القديمة. ويقول يوسابيوس: "قبل الجميع دون جدال أسفارنا المعروفة الآن ما خلا الرسالة إلى العبرانيين ورسالة يعقوب ورسالة يهوذا ورسالة بطرس الثانية وسفر الرؤيا ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة، فقد قبلها الجمهور، ولكن البعض شكّ فيها .. وأما رسالتا يوحنا فهما خطابان شخصيان يصعب برهنة صدق قانونيتهما". (٢) ويقول عن رسالة يعقوب: " الرسالة متنازع عليها، أو على الأقل أن الكثيرين

стр. 82

من الأقدمين لم يذكروها في كتاباتهم، كما هو الحال في أمر الرسالة التي تحمل اسم يهوذا، ومع ذلك فنحن نعلم أن هاتين الرسالتين قرئتا علناً مع سائر الأسفار في كنائس كثيرة جداً". (١) وعن رسالة يهوذا يقول المحقق كروتيس في كتابه " تاريخ البيبل ": " هذه الرسالة رسالة يهوذا الأسقف الذي كان خامس عشر من أساقفة أورشليم في عهد سلطنة أيد دين "، فجعل هذا المحقق رسالة يهوذا من عمل أسقف عاش في القرن الثاني الميلادي. كما لا تسلم الكنيسة السريانية حتى الآن بصحة الرسالة الثانية لبطرس، والثانية والثالثة ليوحنا، ويقول اسكالجر: من كتب الرسالة الثانية لبطرس فقد ضيع وقته. (٢) وعن كاتب رسالة بطرس الثانية تقول مقدمة الرسالة في نسخة الرهبانية اليسوعية: "لا يزال الرأي القائل أن كاتب الرسالة هو سمعان بطرس موضوعاً للنقاش، يثير كثيراً من المتاعب، فلا يحسن من جهة أن يُجعل شأن كبير للإشارات التي أخبر فيها الكاتب عن حياته، والتي قال فيها أنه الرسول بطرس [أي كان المؤلف المجهول يكذب وهو يزعم أنه بطرس الرسول]، فإنها تعود إلى الفن الأدبي المعروف بالوصايا ... لا يبدو أن الكاتب ينتمي إلى الجيل المسيحي الأول ... ولما كان لا يسوغ الإفراط في تأخير تاريخ رسالة مشبعة على هذا النحو بالتقاليد اليهودية المسيحية يسوغ اقتراح نحو السنة ١٢٥م تاريخاً لإنشاء الرسالة، وهو تاريخ ينفي عنها نسبتها المباشرة إلى بطرس". ويقول التفسير التطبيقي عنها: "لسنا على يقين من تاريخ كتابة هذه الرسالة أو

стр. 83

لمن كتبت، كما أن كاتبها محل جدل كثير، وبسبب ذلك كانت [رسالة] بطرس الثانية آخر سفر يضم إلى الأسفار القانونية للعهد الجديد". (١) ويقول أبو التاريخ الكنسي يوسابيوس: "علمنا بأن رسالته الثانية الموجودة بين أيدينا الآن ليست ضمن الأسفار القانونية، ولكنها مع ذلك إذ اتضحت نافعة للكثيرين، فقد استُعملت مع باقي الأسفار .. فالذي أعرفه هو أن رسالة واحدة فقط قانونية ومعترف بها من الشيوخ الأقدمين". (٢) وعن قانونيتها تقول مقدمة الرسالة في نسخة الرهبانية اليسوعية: "إن كلاً من هذه الرسالة وسفر الرؤيا كان في العهد الجديد، السفر الذي لقي أكثر المصاعب ليُعترف به، فقد دخلت دخولاً بطيئاً إلى مجمل الكنائس .. ولم يعترف بها في معظم الكنائس إلا في القرن الخامس، واعترف بها في سورية في القرن السادس". ونختم بقول المفسر الدكتور وليم باركلي أستاذ العهد الجديد بجامعة كلاسكو: "أما مارتن لوثر فقد رفض أن يعطي هذا السفر [الرؤيا] مكاناً في العهد الجديد، وأضافه إلى أسفار أخرى هي رسائل يعقوب ويهوذا وبطرس الثانية والعبرانيين، واقترح أن يضيف هذه في نهاية العهد الجديد". (٣)

стр. 84

مصادر الأناجيل المسيحية عندما يتحدث النصارى عن إلهامية الأناجيل والرسائل يفهم منه أن ما كتبه الإنجيليون كان وحي الله الذي صاغه بعض البشر بعباراتهم وأساليبهم بعد أن ألهمهم روح القدس ما كانوا يكتبونه. ولما ثبت لنا وللمحققين من قبل براءة روح القدس من هذه الأناجيل وجهالة أصحابها، وبطلان دعوى الإلهام المزعومة تساءل المحققون عن مصدر هذه الأناجيل وعن علاقة مواد بعضها ببعض، وهل من سبيل لمعرفة المصادر التي لجأ إليها الكاتبون الذين نسميهم متى ويوحنا ومرقس ولوقا، مجازاً ومجاراة للعرف السائد فحسب؟ منذ القرن الخامس الميلادي حاول النصارى من خلال النظر في التشابه فيما بين الأناجيل معرفة مصادر هذه الأناجيل، وسجلت أول محاولة على يد القديس أوغسطين الذي قال بأن مرقس اقتبس من إنجيل متى ولخصه، وأما لوقا فاستعمل في كتابته الإنجيلين. وبقي رأي أوغسطين سائداً حتى نهاية القرن التاسع عشر، حيث أظهرت الدراسات الحديثة نظريات أخرى مخالفة لنظرية أوغسطين وأكثر دقة منها. (١) وقد لاحظ المحققون وجود تشابه كبير بين الأناجيل الثلاثة، ورأوا أن هؤلاء الإنجيليين نقل بعضهم من بعض، وقبل أن نذكر أهم هذه النظريات، لنقف على مدى التقارب بين الأناجيل الثلاثة التي يسميها البعض الإزائية أو المشتركة (متى ومرقس ولوقا) نتأمل الجدول التالي الذي تورده مقدمة الرهبانية اليسوعية للعهد الجديد، وأما إنجيل يوحنا فهو إنجيل مختلف تماماً عن هذه الأناجيل الثلاثة.

стр. 85

المحتوى ... مرقس ... متى ... لوقا عدد جمل كل إنجيل ... ٦٦١ ... ١٠٦٨ ... ١١٦٠ جمل مشتركة بين الأناجيل الثلاثة ... ٣٣٠ ... ٣٣٠ ... ٣٣٠ جمل مشتركة بين متى ومرقس ... ١٧٨ ... ١٧٨ ... - جمل مشتركة بين مرقس ولوقا ... ١٠٠ ... - ... ١٠٠ جمل مشتركة بين متى ولوقا ... - ... ٢٣٠ ... ٢٣٠ جمل مستقلة لكل منهم ... ٥٣ ... ٣٣٠ ... ٥٠٠ وأول نظريات المصادر قدمها هوتزمان ١٨٦٠م، وأفادت هذه النظرية أن متى ولوقا تأثرا بمرقس خلافاً للمشهور حينذاك، كما تأثر متى ولوقا أيضاً بوثيقة مشتركة أخرى غير معروفة في العصور الحديثة، كما كان لكل من متى ولوقا مصدر خاص نقل عنه كل منهما ما انفرد به. وقول هوتزمان بأن مرقس أصل لمتى ولوقا، تقول عنه دائرة المعارف البريطانية: " يكاد يكون مسلماً به ". وأما إنجيل مرقس فالسائد عنه ما يقوله ابن البطريق: " كتب بطرس رئيس الحواريين إنجيل مرقس عن مرقس في مدينة رومية، ونسبه إلى مرقس "، ولا يخفى غرابة هذا القول، إذ كيف ينقل بطرس الحواري عن مرقس الذي لا دليل على لقياه المسيح؟! وأما القول بأن مرقس أخذ عن بطرس إنجيله بعد أن رافقه في أسفاره فهو قول ممكن، لو ثبت نسبة الإنجيل إليه وكان قد رافق بطرس الحواري حقاً كما ذكر المؤرخ الأسقف بابياس ت ١٣٠م حين قال: " إن مرقس كان ترجماناً لبطرس، قد كتب بالقدر الكافي من الدقة التي سمحت بها ذاكرته ما قيل عن أعمال يسوع وأقواله دون مراعاة لنظام، لأن مرقس لم يكن قد سمع يسوع، ولا كان تابعاً شخصياً له، لكنه في

стр. 86

مرحلة متأخرة - كما قلت أنا من قبل - قد تبع بطرس ". لكن الدراسات الأحدث والأعمق قام بها الأبوان بينوا وبومارا الأستاذان بمعهد الكتاب المقدس بالقدس ١٩٧٢ - ١٩٧٣م تذكر أن النص الإنجيلي مر بمراحل وتطورات مثيرة، يقول الأبوان: " إن بعض قراء هذا الكتاب سيندهشون أو سينزعجون عندما يعلمون أن كلمة المسيح تلك، أو أن ذلك الرمز أو ذلك الخبر عن مصيره، لم تكن ملفوظة كما نقرأها نحن، بل إنها قد نقحت، ثم كيفت من الذين نقلوها إلينا، أما بالنسبة إلى الذين لم يألفوا هذا النوع من البحث العلمي فيمكن أن يكون هذا مصدراً للدهشة، بل للفضيحة ". ويذكر الأبوان أن الأناجيل مرت في تدوينها بمرحلتين، حيث وجدت أربع مصادر نقل عنها الإنجيليون بصورة متشابكة، فتكونت كتب وسيطة تمثل الكتابات الأولية للإنجيليين، وفي المرحلة الثانية ظهرت الكتابات النهائية للأناجيل الأربعة بعد أن اعتمد كل منهم وبصورة متشابكة أيضاً على كتابات بعض في المرحلة الأولى أو الأولية. والمصادر الأولية كما يرى بينوا وبومارا هي: - الوثيقة (أ) ونبعت من أوساط يهودية مسيحية، وألهمت متى ومرقس. - الوثيقة (ب) هي المادة التفسيرية للوثيقة (أ)، واستخدمتها الكنائس المسيحية ذات الأصول الوثنية، وألهمت جميع المبشرين ما عدا متى. - الوثيقة (ج) وألهمت مرقس ولوقا ويوحنا. - الوثيقة (ق) تكون معظم المصادر الشائعة بين متى ولوقا. ولم تؤد أية وثيقة من هذه الوثائق الأساسية إلى تحرير النصوص النهائية التي في

стр. 87

حوزتنا، فبينها وبين التحرير النهائي توجد تآليف وسيطة خاصة بكل إنجيل". (١) وهذا الذي نقلناه من حديث النصارى عن المصادر تقره مقدمة العهد الجديد للرهبانية اليسوعية - ورغم الخلاف الواقع في بعض أجزائه واحتمالية أن تظهر نظريات أخرى - فإن مجرد البحث في موضوع هذه المصادر ينقض الادعاء القائل بإلهامية الأناجيل وصلتها بالروح القدس، أو حتى التلاميذ. وأما تلك الوثائق المجهولة التي نقل عنها كتبة الأناجيل فهي حلقة أخرى من سلسلة المجاهيل التي تكتنف الأناجيل وكتابها وسني تدوينها .....

стр. 88

المصادر الوثنية القديمة للعهد الجديد كما كانت الوثنيات القديمة مرجعاً مهماً للإنجيليين وهم يصوغون قصتهم عن المسيح، خاصة تلك الأجزاء التي لم يشهدوها، كتلك المتعلقة بولادة المسيح أو صلبه المزعوم ومحاكمته. فقد نقل المحققون عن علماء تاريخ الديانات أوجه شبه كثيرة التقت فيها روايات الأناجيل مع أقوال الوثنيات البدائية - التي سبقت وجود المسيحية بقرون طويلة - عن آلهتهم المتجسدة. أولاً: التشابه بين الوثنيات وأسفار العهد الجديد فيما يخص ولادة الآلهة ظهور النجوم عند ولادة الآلهة تحدث متى عن ولادة المسيح فقال: " ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له .. فلما سمعوا من الملك ذهبوا وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم، حتى جاء ووقف حيث كان الصبي .. وأتوا إلى البيت، ورأوا الصبي مع مريم أمه، فخروا وسجدوا له، ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهباً ولباناً ومُراً " (متى ٢/ ١ - ١١). تتشابه قصة متى مع ما يقوله البوذيون في بوذا. يقول بنصون في كتابه " الملاك المسيح ": "لقد جاء في كتب البوذيين المقدسة عندهم أنه قد بشرت السماوات بولادة بوذا بنجم ظهر مشرقاً في الأفق، ويدعونه في هذه الكتب المذكورة " نجم المسيح " ومثل هذا نقله المؤرخ بيال. وأما المؤرخ ثورنتن في كتابه " تاريخ الصينيين "، فينقل أنه عند ولادة " يو " المولود

стр. 89

من عذراء ظهر نجم في السماء دل عليه، ومثله حصل عند ولادة الحكيم الصيني لاوتز. يقول القس جيكي في كتابه " حياة المسيح ": " وعم الاعتقاد في الحوادث الخارقة للعادة، وخصوصاً حين ولادة أو موت أحد الرجال العظام، وكان يشار إلى ذلك بظهور نجم أو مذنب أو اتصالات بين الأجرام السماوية". (١) هدايا للآلهة المولودة ويتحدث متى في سياق قصة المجوس السابقة عن هدايا المجوس للمولود " وأتوا إلى البيت، ورأوا الصبي مع مريم أمه، فخروا وسجدوا له، ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهباً ولباناً ومُراً" (متى ٢/ ١٠ - ١١). وهو أمر اشتهر أيضاً عند الوثنيات السابقة، فها هو كرشنا لما ولد، وعرف الرعاة أمر ولادته أعطوه هدايا من خشب وصندل وطيب. ومثله فعل الرجال الحكماء عند ولادة بوذا، وأما مسرا مخلص العجم فقد أعطاه حكماء المجوس هدايا من الذهب والطيب والحنظل، وهو ما فعله المجوس أيضاً عند ولادة سقراط ٤٦٩ق. م، فقد أتى ثلاثة منهم من المشرق، وأهدوه ذهباً وطيباً ومأكولاً مُراً. الفرح السماوي بولادة الإله ويذكر لوقا في حديثه عن ميلاد المسيح أن الملائكة فرحت ورنمت سروراً بمجيئه " وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم، وإذا ملاك الرب وقف بهم، ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفاً عظيماً، فقال لهم الملاك: لا تخافوا. فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب ... وظهر بغتة مع الملاك جمهور

стр. 90

من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة " (لوقا ٢/ ٨ - ١٤). وهذا الذي ذكره لوقا سبقت إليه الوثنيات القديمة، فقد جاء في كتاب " فشنو بورانا ": "كانت العذراء ديفاكي حبلى بحامي العالم، مجدها الآلهة، ويوم ولادتها عمت المسرّات، وأضاء الكون بالأنوار، وترنمت آلهة السماء، ورتلت الأرواح لما ولد عون الجميع ... ، شرعت الغيوم ترتل بألحان مطربة، وأمطرت أزهاراً ". ويقول البوذيون مثل ذلك كما نقل المؤرخ " فو نبهنك ": " وصارت الأرواح التي أحاطت بالعذراء مايا وابنها المخلص تسبح وتبارك وتنشد: لك المجد أيتها الملكة، فافرحي وتهللي، لأن الولد الذي وضعتيه قدوس ". وقريباً من هذا يقول المصريون في ولادة " أوزوريس "، والصينيون في " كونفوشيوس " كما نقل ذلك السرجون فرنسيس دافس وبونويك في كتابه " اعتقاد المصريين ". مكان ولادة الآلهة ويذكر لوقا أن المسيح ولد في مذود (انظر لوقا ٢/ ١٦)، ومثله تذكر الوثنيات، فكرشنا كما ذكروا ولد في غار، ووضع بعد ولادته في حظيرة غنم ربّاه فيها أحد الرعاة الأمناء، وهوتسي ابن السماء عند الصينيين، تركته أمه وهو صغير، فأحاطت به البقر والغنم، وحمته من كل سوء. ثانياً: تشابه قصة الصلب الإنجيلية مع قصص الوثنيات القديمة وبولس عندما ادعى صلب المسيح فداء للخطيئة فإنه إنما يكرر عقيدة قديمة، تناقلتها الوثنيات قبل المسيح بزمن طويل، وقد نسج الإنجيليون أحداث صلب المسيح، على نحو ما قرره بولس، وعلى صورة ما ورد عن الأمم الوثنية القديمة، حتى أضحت

стр. 91

قصة الصلب في الأناجيل قصة منحولة من عقائد الأمم الوثنية، ولعل أوضحها شبهاً بقصة المسيح أسطورة إله بابل " بعل". صور التشابه بين قصة صلب بعل البابلي وصلب المسيح نقل المؤرخ "فندلاي" وغيره مقارنة بين ما قيل عن بعل قبل المسيحية، وما قيل عن المسيح في المسيحية. ويوضح ذلك الجدول التالي: محاكمة عيسى ﵇ ... محاكمة بعل ١ - أخذ عيسى أسيراً. ... ١ - أخذ بعل أسيراً. ٢ - وكذلك حوكم عيسى. ... ٢ - حوكم بعل علناً. ٣ - اعتُدي على عيسى بعد المحاكمة. ... ٣ - جرح بعل بعد المحاكمة. ٤ - اقتيد عيسى لصلبه على الجبل. ... ٤ - اقتيد بعل لتنفيذ الحكم على الجبل. ٥ - وكان مع عيسى قاتل اسمه: "باراباس" محكوم عليه بالإعدام، ورَشح بيلاطس عيسى ليعفو عنه كالعادة كل عام. ولكن اليهود طلبوا العفو عن "باراباس" وإعدام عيسى. ... ٥ - كان مع بعل مذنب حكم عليه بالإعدام وجرت العادة أن يعفى كل عام عن شخص حكم عليه بالموت. وقد طلب الشعب إعدام بعل، والعفو عن المذنب الآخر. ٦ - عقب تنفيذ الحكم على عيسى زلزلت الأرض وغامت السماء. ... ٦ - بعد تنفيذ الحكم على بعل عم الظلام وانطلق الرعد، واضطرب الناس. ٧ - وحرس الجنود مقبرة عيسى حتى لا يسرق حواريوه جثمانه. ... ٧ - حُرس بعل في قبره حتى لا يسرق أتباعه جثمانه ٨ - مريم المجدلية، ومريم أخرى جلستا عند مقبرة عيسى تنتحبان عليه. ... ٨ - الأمهات جلست حول مقبرة بعل يبكينه. ٩ - قام عيسى من مقبرته في يوم أحد، وفي مطلع الربيع أيضاً، وصعد إلى السماء. ... ٩ - قام بعل من الموت وعاد للحياة مع مطلع الربيع وصعد إلى السماء.

стр. 92

وقد انتقلت هذه الأسطورة البابلية فيما يبدو عن طريق الأسرى اليهود الذين عادوا من بابل. ومما يؤكد وصول هذه القصة إلى الفكر اليهودي ثم المسيحي أن التوراة ذكرت ما يدل على شهرة مثل هذه القصة ففي سفر حزقيال " فجاء بي إلى مدخل باب بيت الرب - الذي من جهة الشمال - وإذا هناك نسوة جالسات يبكين على تموز " (حزقيال ٨/ ١٤)، وتموز هو الإله البابلي الذي قتل لأجل خلاص البشر، ثم قام من بين الموتى. موت الآلهة على الصليب ويصف الهنود أشكالاً متعددة لموت كرشنا أهمها أنه مات معلقاً بشجرة سُمر بها بحربة. وتصوره كتبهم مصلوباً وعلى رأسه إكليل من الذهب، يقول المؤرخ دوان في كتابه " خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها من الديانات الأخرى: " إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة فداء عن الخطيئة قديم العهد جداً عند الهنود والوثنيين. وكذلك اعتقد أهل النيبال بمعبودهم أندرا، ويصورونه وقد سفك دمه بالصلب، وثقب بالمسامير كي يخلص البشر من ذنوبهم كما وصف ذلك المؤرخ هيجين في كتابه: "الانكلوسكسنس". دماء الآلهة المسفوحة وليست مسألة المخلص فقط هي التي نقلها بولس عن الوثنيات، فقد تحدث أيضاً عن دم المسيح المسفوح فقال: " يسوع الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه " (رومية ٣/ ٢٥)، ويقول: "ونحن الآن متبررون بدمه " (رومية ٥/ ٩)، " أليست هي شركة دم المسيح " (كورنثوس (١) ١٠/ ١٦).

стр. 93

ويقول: " أنعم بها علينا في المحبوب الذي فيه لنا الفداء، بدمه غفران الخطايا " (أفسس ١/ ٧). وفي موضع آخر يتحدث عن ذبح المسيح: " لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا " (كورنثوس (١) ٥/ ٧)، ومثل هذه النصوص تكثر في رسائل بولس وغيرها من الرسائل. لكن النصارى يتغافلون عن مسألة هامة هي أن المسيح لم يذبح، فالأناجيل تتحدث عن موت المسيح صلباً لا ذبحاً، الموت صلباً لا يريق الدماء، ولم يرد في الأناجيل أن المسيح نزلت منه الدماء سوى ما قاله يوحنا، وجعله بعد وفاة المسيح حيث قال: " وأما يسوع فلما جاؤوا إليه لم يكسروا ساقيه، لأنهم رأوه قد مات، لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة، وللوقت خرج دم وماء " (يوحنا ١٩/ ٢٣ - ٢٤). وهو ليس ذبحاً بكل حال. يقول ولز: " إنه لزام علينا أن نتذكر أن الموت صلباً لا يكاد يهرق من الدم أكثر مما يريقه الشنق، فتصوير يسوع في صورة المراق دمه من أجل البشرية إنما هو في الحقيقة من أشد العبارات بُعداً عن الدقة ". ولكن هذه النظرة إلى الله، بأنه لا يرضى إلا بأن يسيل الدم نظرة قديمة موجودة عند اليهود وعند الوثنيين قبلهم، ففي التوراة تجد ذلك واضحاً في مثل قولها: " بنى نوح مذبحاً لله .. وأصعد محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا، وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان " (تكوين ٨/ ٢٠ - ٢١). ومثله في محبة المحرقة وذبائحها والتنسم برائحتها قول العهد القديم: " وبنى داود هناك مذبحاً للرب، وأصعد محرقات وذبائح سلامة، ودعا الرب، فأجابه بنار من السماء على مذبحة المحرقة " (الأيام (١) ٢١/ ٢٦).

стр. 94

وهكذا فإن التصور اليهودي للإله مشبع برائحة الدم يقول ارثر ويجال: " نحن لا نقدر أطول من ذلك قبول المبدأ اللاهوتي المفزع الذي من أجل بعض البواعث الغامضة وجوب تضحية استرضائية، إن هذا انتهاك إما لتصوراتنا عن الله بأنه الكلي القدرة، وإلا ما نتصوره عنه ككلي المحبة". ويرى المحققون أن ادعاء إهراق دم المسيح مأخوذ من الديانة المثرائية حيث كانوا يذبحون العجل ويأخذون دمه، فيتلطخ به الآثم، ليولد من جديد بعد أن سال عليه دم العجل الفدية. (١) غرائب ترافق موت الآلهة وتتشابه كثير من تفاصيل قصة الصلب مع تفاصيل واردة في قصص وثنية مشابهة. فقد ذكر متى أحداثاً غريبة عدة، صاحبت موت المسيح حيث يقول: " وفي الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض، إلى الساعة التاسعة ... ، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت ... " (متى ٢٧/ ٤٥ - ٥٣). وهذا نقله النصارى من الوثنيات القديمة، فقد نقل العلامة التنير في كتابه الرائع "العقائد الوثنية في الديانة النصرانية" عن عدد من المؤرخين الغربيين إجماعهم على انتشار هذه الغرائب حال موت المخلصين لهذه الأمم. من ذلك: أن الهنود يقولون: " لما مات "كرشنا" مخلصهم على الصليب، حدثت في الكون مصائب جمة، وعلامات متنوعة، وأحاطت بالقمر دائرة سوداء، وأظلمت الشمس عند منتصف النهار، وأمطرت السماء ناراً ورماداً .. ".

стр. 95

ويقول عباد بروسيوس: " إنه لما صلب على جبل قوقاس، اهتزت الكائنات، وزلزلت الأرض .. ". والاعتقاد بحدوث أحداث سماوية عظيمة عند موت أحد العظماء أو ولادته، معروف عند الرومان واليونان. كما ينقل المؤرخ "كنون فرار" في كتابه "حياة المسيح"، والمؤرخ جيبون في تاريخه أن عدداً من الشعراء والمؤرخين الوثنيين كان يقول: " لما قتل المخلص اسكولابيوس، أظلمت الشمس، واختبأت الطيور في أوكارها ... لأن شافي أمراضهم وأوجاعهم فارق هذه الدنيا ". والقول بظلمة الشمس عند موت أحد المخلصين قيل عند مقتل هيركلوس وبيوس وكوتز لكوتل وكيبير ينوس إله الرومان، وعليه، فهو أسطورة قديمة تداولتها الأمم، ونقلها أصحاب الأناجيل من تلك الوثنيات. وقد كان عباد الشمس يقدمون الضحايا لها، خاصة عند حدوث الكسوف الشمسي، فإذا زال الكسوف اعتقدوا أنه بسبب فداء أحد زعمائهم، حيث خلصهم وحمل عنهم العذاب، ومنه أخذ متى قوله: " ومن الساعة السادسة، كانت ظلمة على الأرض إلى الساعة التاسعة " (متى ٢٧/ ٤٥). (١) قيام الآلهة من الأموات ومن أوجه الشبه بين الوثنيات القديمة والنصرانية القول بقيامة الآلهة من الأموات، فقد أجمعت الأناجيل على قيامة عيسى من الموت، ولكن هذا قد سبقهم إليه

стр. 96

الهنود، حيث قالوا في كرشنا: "هوذا كرشنا صاعد إلى وطنه في السماوات "، وكذا يقول عُبّاد بوذا بأنه حزن عليه بعد موته أهل السماوات والأرض " حتى إن مهاويو (الإله العظيم) حزن ونادى: قم أيها المحب المقدس فقام كام (أي بوذا) حياً، وبُدلت الأحزان والأتراح بالأفراح، وهاجت السماء، ونادت فرِحة: عاد الإله الذي ظُن أنه مات وفُقد .. "، ومثله يعتقده الصينيون في إلههم (لأوكيون)، والمجوس في (زرادشت). ويقول عابدو (سكولابيوس) في القصيدة التي حكت عن حياته " أيها الطفل القادر على شفاء الأمم في السنين القادمة حينما يهبُّ مَن في القبور .... وأنت من المسكن المظلم ستقوم ظافراً وتصير إلهاً " وعن تموز يقول البابليون: "ثقوا أيها القديسون برجوع إلهكم، واتكلوا على ربكم الذي قام من الأموات ". ومثل هذا الاعتقاد، سرى في كثير من الوثنيات قبل المسيحية، فقد قيل بقيام أوزوريس، وحورس، ومتراس، وباخوس، وهرقل، وكوتز لكوتل، ويلدور، وغيرهم، فكل هؤلاء قال عُبّادهم بقيامتهم من الموت. ولعل أهم هؤلاء أوزوريس معبود المصريين القريب من مهد المسيحية، وقد انتشرت أسطورته في القرن الثالث قبل الميلاد. ويقول المؤرخ مهامي: " إن محور التعليم الديني عند الوثنيين في مصر في القرون الخالية هو الإيمان بقيام الإله ". (١) قيامة وعودة الآلهة من الموت للحساب والجزاء يتحدث النصارى عن دينونة المسيح للبشر يقول يوحنا عن المسيح: " وقد أعطاه السلطان لأن يدين لأنه ابن إنسان " (يوحنا ٥/ ٢٧).

стр. 97

وهو أيضاً معتقد وثني، فقد تحدث المؤرخون عن قول المصريين بقيامة مخلصهم بعد الموت، وأنه سيكون ديان الأموات يوم القيامة. ويذكر هؤلاء في أساطيرهم أن أوزوريس حكم بالعدل، فاحتال عليه أخوه وقتله، ووزع أجزاء جسمه على محافظات مصر، فذهبت أرملته أيزيس، فجمعت أوصاله من هنا وهناك، وهي تملأ الدنيا نحيباً وبكاءً، فانبعث نور إلى السماء، والتحمت أوصال الجسد الميت، وقام إلى السماء يمسك بميزان العدل والرحمة. وكذلك اعتقد الهنود في معبودهم كرشنا أنه مخلص وفادي. يقول القس جورج كوكس: "يصفون كرشنا بالبطل الوديع المملوء لاهوتاً، لأنه قدم شخصه ذبيحة .. ويعتقدون أن عمله لا يقدر عليه أحد". ويقول المؤرخ دوان: " يعتقد الهنود بأن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو، والذي لا ابتداء ولا انتهاء له - على رأيهم - تحرك حنواً كي يخلص الأرض من ثقل حملها، فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه "، ومثله يقوله العلامة هوك. (١) ثالثاً: التشابه في فكرة الفادي بين الوثنيات القديمة والنصرانية وكذلك سرت في الوثنيات فكرة الفادي والمخلص الذي يفدي شعبه أو قومه، وكانت الأمم البدائية تضحي بطفل محبوب، لاسترضاء من تسميهم آلهة السماء، وفي تطور لاحق أضحى الفداء بواسطة مجرم حكم عليه بالموت، وعند البابليين كان الضحية يلبس أثواباً ملكية - كتلك التي ألبسها الإنجيليون للمسيح في قصة الصلب -، لكي يمثل بها ابن الملك، ثم يجلد ويشنق.

стр. 98

وعند اليهود خصص يوم للكفارة يضع فيه كاهن اليهود يده على جدي حي، ويعترف فوق رأسه بجميع ما ارتكب بنو إسرائيل من مظالم، فإذا حمل الخطايا أطلقه في البرية. وأما فكرة موت الإله فهي عقيدة وثنية حيث كان العقل اليوناني يحكم بموت بعض الآلهة. والفداء عن طريق أحد الآلهة أو ابن الله أيضاً موجودة في الوثنيات القديمة كما وقد ذكر السير آرثر فندلاي في كتابه " صخرة الحق " أسماء ستة عشر شخصاً اعتبرتهم الأمم آلهة سعوا في خلاص هذه الأمم. منهم: أوزوريس في مصر ١٧٠٠ ق. م، وبعل في بابل ١٢٠٠ق. م، وأنيس في فرجيا ١١٧٠ ق. م، وناموس في سوريا ١١٦٠ ق. م، وديوس فيوس في اليونان ١١٠٠ ق. م، وكرشنا في الهند ١٠٠٠ ق. م، وأندرا في التبت ٧٢٥ ق. م، وبوذا في الصين ٥٦٠ ق. م، وبرومثيوس في اليونان ٥٤٧ ق. م، ومترا (متراس) في فارس ٤٠٠ ق. م. (١) ولدى البحث والدراسة في معتقدات هذه الأمم الوثنية نجد تشابهاً كبيراً مع ما يقوله النصارى في المسيح المخلص. فأما بوذا المخلص عند الصينيين فلعله أكثر الصور تطابقاً مع تخلص النصارى، ولعل مرد هذا التشابه إلى تأخره التاريخي، فكان تطوير النصارى لذلك المعتقد ضئيلاً. والبوذيون كما نقل المؤرخون يسمون بوذا المسيح المولود الوحيد، ومخلص العالم، ويقولون: إنه إنسان كامل وإله كامل تجسد بالناسوت، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر ويخلصهم من ذنوبهم حتى لا يعاقبوا عليها.

стр. 99

وجاء في أحد الترنيمات البوذية عن بوذا: " عانيتَ الاضطهاد والامتهان والسجن والموت والقتل بصبر وحب عظيم لجلب السعادة للناس، وسامحتَ المسيئين إليك ". ويذكر مكس مولر في كتابه " تاريخ الآداب السنسكريتية " فيقول: " البوذيون يزعمون أن بوذا قال: دعوا الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع عليّ، كي يخلص العالم ". ويرى البوذيون أن الإنسان شرير بطبعه، ولا حيلة في إصلاحه إلا بمخلص ومنقذ إلهي. وكذلك فإن المصريين يعتبرون أوزوريس إلهاً ويقول المؤرخ بونويك في كتابه " عقيدة المصريين": يعد المصريون أوزوريس أحد مخلصي الناس، وأنه بسبب جده لعمل الصلاح يلاقي اضطهاداً، وبمقاومته للخطايا يقهر ويقتل ". ويوافقه العلامة دوان في كتابه " خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها من الديانات الأخرى". لذا يقول آرثر ويجال:" إن هذه العقيدة دخيلة من مصدر وثني، وهي حقاً من آثار الوثنية في الإيمان ". (١) نزول الآلهة إلى الجحيم من أجل تخليص الأموات من الجحيم وتشابهت العقائد النصرانية مع الوثنيات القديمة مرة أخرى عندما قال النصارى بأن المسيح نزل إلى الجحيم لإخراج الأرواح المعذبة فيها من العذاب، ففي أعمال الرسل " سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح، أنه لم تترك نفسه في الهاوية، ولا رأى

стр. 100

جسده فساداً " (أعمال ٢/ ٣١)، ويقول بطرس: " ذهب ليكرز للأرواح التي في السجن " (بطرس (١) ٣/ ١٩). يقول القديس يوحنا فم الذهب ٣٤٧م: " لا ينكر نزول المسيح إلى الجحيم إلا الكافر ". ويقول القديس كليمنس السكندري: " قد بشر يسوع في الإنجيل أهل الجحيم كما بشر به وعلمه لأهل الأرض، كي يؤمنوا به ويخلصوا " وبمثله قال أوريجانوس وغيره من علماء النصارى. وهذا المعتقد وثني قديم قال به عابدو كرشنا، فقالوا بنزوله إلى الجحيم لتخليص الأرواح التي في السجن، وقاله عابدو زرادشت وأدونيس وهرقل وعطارد وكوتز لكوتل وغيرهم. ولما وصل النصارى إلى أمريكا الوسطى، وجدوا فيها أدياناً شتى، فخفّ القسس لدعوتهم للمسيحية، فأدهشهم بعد دراستهم لهذه الأديان أن لها شعائر تشبه شعائر المسيحية، وخاصة في مسائل الخطيئة والخلاص. (١) رابعاً: تشابهات أُخر بين الوثنيات القديمة وأسفار العهد الجديد وثمة تشابهات أُخر بين الوثنيات وأسفار المسيحية - في غير الولادة والصلب والفداء -، منها ما ذكره متى عن تجربة إبليس للمسيح أربعين يوماً، " فلم يأكل حتى جاع أخيراً" (متى ٤/ ١ - ١٢)، وهو ما ينقل مثله عن بوذا في الصين وزرادشت عند المجوس وغيرهم من الآلهة المتجسدة عند الأمم الوثنية. وقد جاء في كتاب " حياة بوذا الصيامية " لمونكيور كونري: " الكائن العظيم بوذا

стр. 101

جرد نفسه في الزهد لدرجة عدم الأكل والتنفس أيضاً .. فأتى الأمير مارا (أي أمير الشياطين) وقصد تجربة بوذا .. ". (١) وقد وصلت المعطيات المشتركة بين كرشنا والمسيح إلى ستة وأربعين تشابهاً، وبين المسيح وبوذا إلى ثمانية وأربعين تشابهاً. (٢) وقد أقر رجال الكنيسة بهذه الأمثلة للتشابه، وكانوا يدعون أن أسفار الفيدا الهندية قد أخذت عن الأناجيل، لكن العلماء المحققين أثبتوا أن هذه الأسفار موجودة قبل التوراة والأناجيل بمئات السنين، وممن أكد ذلك لجنة الدراسات للآثار الهندية المكونة من علماء إنجليز وفرنسيين. (٣) تفسير النصارى لهذا التشابه الغريب بين الوثنيات والنصرانية فكيف يفسر النصارى هذا التطابق بين معتقداتهم والوثنيات القديمة والذي جعل من النصرانية نسخة معدلة عن هذه الأديان؟ زعم الكثيرون أن هذه الأديان نقلت هذا الفكر عن النصرانية، لكن ذلك اصطدم بكون هذه الديانات كانت قبل المسيحية بقرون طويلة، والمخطوطات والأحافير التي سجلت عقائدها كانت أقدم من ظهور المسيحية وأناجيلها. لذا كان لا بد من الاعتراف بانتحال كتاب العهد الجديد لأساطير الوثنيات

стр. 102

السابقة أو الهروب إلى عالم الأسرار والظلام، حيث يختفي دليل العقل وتسيطر الخرافة، ومنه قول الأب جيمس تد المحاضر في جامعة " اكسفورد" عن هذا التشابه: " سر لاهوتي فوق عقول البشر، وليس من الممكن تفسيره حسب تفسير وتصور هؤلاء البشر. (١) صدق الله إذ يقول عن النصارى: ﴿ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل﴾ (التوبة:٣٠)، وقد نهاهم الله عن مشابهة المشركين فقال: ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحقّ ولا تتّبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيراً وضلّوا عن سواء السّبيل﴾ (المائدة: ٧٧).

стр. 103

إنجيل المسيح ﵇ - وإذا كانت هذه الأناجيل والرسائل من صنع البشر وتأليفهم، وإذا كان أصحابها لم يدعوا لأنفسهم أنهم يسجلون كلمة الله، فكيف أضحت هذه الكتابات مقدسة وإلهية؟ وأين الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، والذي يؤمن به المسلمون؟ الإنجيل الصحيح: إنجيل المسيح تساءل المحققون طويلاً عن إنجيل المسيح الذي أنزله الله على عيسى، ذلكم الإنجيل الذي يؤمن به المسلمون والذي تذكره الأناجيل كثيراً. لكن الإجابة النصرانية هي صمت مطبق وتجاهل لوجود هذا الإنجيل، فنقطة البدء عندهم للإنجيل أو العهد الجديد تبدأ من الحواريين وهم يسطرون الرسائل والأناجيل. لكن رسائل بولس التي ألفت في النصف الثاني من القرن الأول تتحدث في نصوص كثيرة عن إنجيل المسيح، ولا تذكر شيئاً عن الأناجيل الأربعة التي لم يكن مرقس - أول الإنجيليين - قد خط شيئاً منها، إذ أن بولس - وله أربعة عشر رسالة في العهد الجديد - قتل سنة ٦٢م، بينما ألف مرقس أول الأناجيل عام ٦٥م، ثم تتابعت العشرات من الأناجيل بعد ذلك، وهي تشير أيضاً إلى إنجيل المسيح ﵇ أو إنجيل الله. نصوص تتحدث عن إنجيل المسيح تحدث بولس ثم الإنجيليون عن إنجيل المسيح في نصوص كثيرة منها: قول بولس: " إني أعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعاً عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر .. يوجد قوم يريدون أن يحولوا إنجيل المسيح .. " (غلاطية ١/ ٦ - ٨)، فهو يتحدث عن إنجيل حقيقي يتركه الناس إلى إنجيل آخر مزور.

стр. 104

ومثله قول بولس: " بل نتحمل كل شيء، لئلا نجعل عائقاً لإنجيل المسيح .. أمر الرب أن الذين ينادون بالإنجيل، من الإنجيل يعيشون " (كورنثوس (١) ٩/ ١٢ - ١٤). ويقول متوعداً: " الذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع، الذين سيعاقبون بهلاك أبدي " (تسالونيكي (٢) ١/ ٨ - ٩). وفي الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل حديث عن إنجيل حقيقي، ففي أعمال الرسل أن بطرس قام وقال: " أيها الرجال الإخوة: أنتم تعلمون أنه منذ أيام قديمة اختار الله بيننا أنه بفمي يسمع الأمم كلمة الإنجيل، ويؤمنون " (أعمال ١٥/ ٧). وعندما سكبت المرأة الطيب عند قدمي المسيح ﵇ قال: " الحق أقول لكم: حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم يخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها " (متى ٢٦/ ١٣)، وهو بالطبع لا يقصد إنجيل متى الذي ألفه متى بعد القصة بسنوات طويلة. ويقول مرقس: " من يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها " (مرقس ٨/ ٣٥). والملاحظ أن هذه النصوص تتحدث عن إنجيل واحد، وليس الأناجيل الأربعة أو السبعين التي رفضتها الكنيسة، وتسمي النصوص هذا الإنجيل، إنجيل الله، وإنجيل المسيح. كما أطلقت النصوص اسماً آخر على وحي الله الذي أوتيه المسيح، وهو (كلمة الله)، فالجموع ازدحمت عليه عند شاطئ البحيرة لتسمع منه الإنجيل الذي ينزل عليه من الله "وإذ كان الجمع يزدحم عليه ليسمع كلمة الله" (لوقا ٥/ ١). وحين دخل كفر ناحوم " اجتمع كثيرون، حتى لم يعد يسع ولا ما حول الباب، فكان يخاطبهم بالكلمة" (مرقس ٢/ ٢)، وبحسب نسخة الرهبانية اليسوعية: "فألقى إليهم كلمة الله". إن ذلك الكلام الإلهي الذي كان يفوه به المسيح ﵇ وتزدحم

стр. 105

الجموع لسماعه هو ما يؤمن به المسلمون، إنه كلمة الله التي نزلت على المسيح، المسماة في القرآن بالإنجيل. وقد تهرب عموم النصارى من الإقرار بوجود إنجيل حقيقي هو إنجيل المسيح، فقالوا: لم ينزل على المسيح شيء، بل الإنجيل هو أقواله الشخصية، وقد سطرها الإنجيليون، وهذا بالطبع متسق مع قولهم بألوهية المسيح، إذ لا يليق بالإله أن يؤتى كتاباً، فهذا حال الأنبياء. لكن يردُّ هذه الدعوى ذكر النصوص التي تحدثت عن وحي الله إلى المسيح، منها قوله: " أنا أتكلم بما رأيت عند أبي " (يوحنا ٨/ ٣٨). وكذا قوله مثبتاً نزول الوحي عليه، بما أسماه وصية الله التي أعطاه الله إياها: "لأني لم أتكلم من نفسي، لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية: ماذا أقول وبماذا أتكلم، وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية. فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب، هكذا أتكلم" (يوحنا ١٢/ ٤٩ - ٥٠)، ومثله قوله: " أتكلم بهذا كما علمني أبي " (يوحنا ٨/ ٢٨) .. ويسمي يوحنا المعمدان ﵇ كلام الله الذي سيؤتاه المسيح (الشهادة)، ويتنبأ بإعراض الكثيرين من بني إسرائيل عنها، فيقول: "الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع، وما رآه وسمعه به يشهد، وشهادته ليس أحد يقبلها، ومن قبل شهادته فقد ختم أن الله صادق، لأن الذي أرسله اللهُ يتكلم بكلام الله" (يوحنا ٣/ ٣١ - ٣٤). ويثبت في مواضع أُخر أنه يوحى إليه كسائر الأنبياء، وأن التلاميذ آمنوا به كرسول، وصدقوا أن ما يقوله لهم إنما هو بوحي من الله، فيقول: " وقد حفظوا كلامك، والآن علموا أن كل ما أعطيتني هو من عندك، لأن الكلام الذي أعطيتني قد أعطيتهم، وهم قبلوا وعلموا يقيناً أني خرجت من عندك، وآمنوا أنك أنت أرسلتني" (يوحنا ١٧/ ٦ - ٨).

стр. 106

لذا لما جاءته أمه وإخوته ووقفوا ببابه، أعرض عنهم وأقبل على تلاميذه الذين يسمعون منه كلام الله ويعملون به "فأجاب وقال لهم: أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله، ويعملون بها" (لوقا ٨/ ٢١)، فكلام الله ليس مجرد بشارة يؤمن بها المؤمنون - كما يزعم القائلون بأن إنجيل المسيح هو البشارة بخلاصه -، بل هو عمل ينصاعون إليه وبنفذونه. وكذا يقول مؤكداً وحي الله إليه فيما يقوله ويبلغ عنه: "الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني" (يوحنا ١٤/ ٢٤). وهذا الوحي الذي آتاه الله سيحاسب الناس بحسبه يوم القيامة " من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه، الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير، لأني لم أتكلم من نفسي " (يوحنا ١٢/ ٤٨ - ٤٩). الإقرار بوجود إنجيل المسيح وفقده ونقل العلامة رحمة الله الهندي في كتابه الماتع إظهار الحق عن بعض علماء النصرانية إقرارهم بوجود إنجيل يسوع قبل ضياعه واختفائه، ومنهم مارش وليكرك وكوب وإيخوهورن وغيرهم، يقول إيخهورن ( Johann Gottfried Eichhorn) : " إنه كان في ابتداء الملة المسيحية في بيان أحوال رسالة المسيح رسالة مختصرة يجوز أن يقال أنها هي الإنجيل الأصلي، والغالب أن هذا الإنجيل كان للمريدين الذين كانوا لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم، ولم يروا أحواله بأعينهم، وكان هذا الإنجيل بمنزلة القلب ". ويصف الدكتور هارناك هذا الإنجيل فيقول: " والإنجيل الذي قام بتبليغه المسيح إنما كان يتعلق بالأب وحده، ولا يتعلق بالابن، وليس ذلك أمراً متضاداً، كما أنه ليس عقلانية، وإنما هو عرض بسيط ساذج للحقائق التي بينها مؤلفو الأناجيل ". (١)

стр. 107

يا مسلمون أحضروا إنجيل المسيح !! ولنا أن نتساءل إن كان هذا الإنجيل مما أمرت الكنيسة بإحراقه ضمن الأناجيل الكثيرة التي حرمتها وأمرت بحرقها في مجمع نيقية، لكنا لا نجد لسؤالنا جواباً إلا إنكار وجود هذا الإنجيل، وقد ثبت لدينا وجوده. فكثيراً ما نسمع مطالبة النصارى للمسلمين أن يظهروا إنجيل المسيح الذي يدعونه، فيجيب العلامة منصور حسين في كتابه الفريد "دعوة الحق بين المسيحية والإسلام": " إنه منذ فجر المسيحية، وبعد رفع المسيح، وقبل الإسلام كان هناك العديد من الأناجيل، قبل المسيحيون أربعاً منها فقط .. والباقي - كما وجدنا - طوردت وأحرقت، والذين طاردوها هم المسيحيون أنفسهم وأحرقوها، وليس المسلمون، وليدلنا سيادته (أي القمّص باسيليوس، وهو أحد المرددين لهذه العبارة) عليها، وحينئذ أدله من بينها على الإنجيل الصحيح، أما أن يحرقها المسيحيون، ثم يطالبون المسلمين ... فهذا غير معقول ". (١) إذاً قد اختفى إنجيل المسيح، وعهدة إحضاره باقية في ذمة النصارى، لا المسلمين.

стр. 108

تدوين وقانونية العهد الجديد ويقفز إلى الأذهان أسئلة جديدة: كيف ظهرت الأناجيل بعد اختفاء إنجيل المسيح؟ ومن الذي كتبها؟ وما ظروف كتابتها؟ في الإجابة عن هذه الأسئلة نقول: يقرر عدد من مؤرخي النصرانية انتقال روايات شفاهية، تبلورت فيما بعد بحركة دائبة في كتابة سيرة المسيح لتلبية حاجات الكنيسة المسيحية الناشئة، ونكتفي هنا بنقل ما ذكره يواكيم إرميا في كتابه الذي نشرته الكنيسة المصرية بعنوان " أقوال المسيح غير المدونة في بشائر الأناجيل " فيقول: " ينبغي أن نضع نصب أعيننا حقيقتين أساسيتين عن بشائر الإنجيل وكتابتها: أنه لمدة طويلة، كانت كل التقاليد المعروفة عن المسيح، كلها أقوال شفاهية متناقلة .. واستمرت على هذه الصورة ما يقرب من خمسة وثلاثين عاماً، ولم يتغير الوضع إلا في عهد اضطهاد نيرون للمسيحيين، حينها اجتمع شيوخ الكنيسة وكبارها في خريف عام ٦٤م، ووجدوا أن الكثيرين من أعمدة الكنيسة قد فقدوا .. ولم يجد المجتمعون أمامهم إلا يوحنا الملقب مرقص، زميل الرسول بطرس في الخدمة .. ليسجل كل ما يستطيع أن يتذكره من أحاديث المسيح وتعاليمه، وكتب مرقص بشارته المختصرة التي تحمل اسمه، وهي أقدم قصة كتبت عن حياة المسيح. والحقيقة الثانية: أن قصة مرقس عن المسيح وأقواله قد دفعت غيره ليحذوا حذوه، وينسجوا على منواله .. وتنشأ بشائر أخرى ... حتى كان هناك عدد لا يستهان به من البشائر ... ولما رأت الكنيسة أن الأمر جدُّ خطير بدأت في تقصي أسس هذه البشائر الأربعة المعروفة، واعتبرت ما سواها " بشائر أبو كريفية "، طوردت وجمعت وأحرقت حتى اختفت ".

стр. 109

وينبه المحققون إلى أمر هام، وهو أن شيئاً من الأناجيل لم يكن يسمى إنجيلاً في الصدر الأول للنصرانية، إنما سميت " كاروزوتا " أي موعظة، وذلك باللغة السريانيّة في (البشيطا)، وسميت فيما بعد بالأناجيل. وهذه الكتابات أطلق عليها القديس جوستين في منتصف القرن الثاني اسم " مذكرات الرسل". (١) يقول مدخل الرهبانية اليسوعية متحدثاً عن تاريخ تدوين العهد الجديد: "ويمكن تأريخ إنجيل مرقس في السنين ٦٥ - ٧٠م .. وأما إنجيل متى وإنجيل لوقا فلا تنعكس فيهما البيئات نفسها، لأنهما وُجها إلى بيئات أخرى، وقد وضعا بعد إنجيل مرقس بخمس عشر إلى عشرين سنة". وقد بدأت في أواسط القرن الثاني حركة لتجميع كتاب مقدس للنصارى على غرار ما عند اليهود، وقد أثمرت ما بين أيدينا من أسفار العهد الجديد، يقول المدخل الفرنسي للعهد الجديد: " لم يشعر المسيحيون الأولون إلا بعد وفاة آخر الرسل بضرورة تدوين أهم ما عمله الرسل وتولي حفظ ما كتبوه ... ويبدو أن المسيحيين حتى ما يقرب من السنة ١٥٠م تدرجوا من حيث لم يشعروا بالأمر إلا قليلاً جداً إلى الشروع في إنشاء مجموعة جديدة من الأسفار المقدسة، وأغلب الظن أنهم جمعوا في بدء أمرهم رسائل بولس، واستعملوها في حياتهم الكنسية، ولم تكن غايتهم قط أن يؤلفوا ملحقاً بالكتاب المقدس .. ومع ما كان لتلك النصوص من الشأن فليس هناك قبل القرن الثاني (بطرس (٢) ٣/ ١٦) أي شهادة تثبت أن الناس عرفوا مجموعة من النصوص الإنجيلية المكتوبة،

стр. 110

ولا يذكر أن لمؤلَف من تلك المؤلفات صفة ما يلزم، فلم يظهر ذلك إلا في النصف الثاني من القرن الثاني ... فيمكن القول أن الأناجيل الأربعة حظيت نحو السنة ١٧٠م بمقام الأدب القانوني، وإن لم تستعمل تلك اللفظة حتى ذلك الحين ... يجدر بالذكر ما جرى بين السنة ١٥٠ والسنة ٢٠٠ إذ حدد على نحو تدريجي أن سفر أعمال الرسل مؤلف قانوني، وقد حصل شيء من الإجماع على رسالة يوحنا الأولى ... هناك عدد كبير من المؤلفات (الحائرة) يذكرها بعض الآباء ذكرهم لأسفار قانونية في حين أن غيرهم ينظر إليها نظرته إلى مطالعة مفيدة .. وهناك أيضاً مؤلفات جرت العادة أن يستشهد بها ذلك الوقت على أنها جزء من الكتاب المقدس، ومن ثم جزء من القانون لم تبق زمناً على تلك الحال، بل أخرجت آخر الأمر من القانون، ذلك ما جرى لمؤلف هرماس وعنوانه الراعي، وللديداكي، ورسالة كليمنس الأولى، ورسالة برنابا ورؤيا بطرس ". (١) وهذا الذي ذكرته مقدمة العهد الجديد نستطيع أن نجمله بأن حركة تدوين الأناجيل بدأت بعد موت أهم التلاميذ، وأخذت شرعيتها في أواسط القرن الثاني كما ساعد في تكوين قانونية العهد الجديد مرقيون الهرطوقي سنة ١٦٠م حيث دعا لنبذ سلطة العهد القديم، واحتاج لتزويد كنيسته بأسفار مقدسة أخرى، فساهم أتباعه في نشر هذه الأناجيل فقد جمع في عهده إنجيلاً، وراجعه مراجعة دقيقة ليتمشى مع أفكاره، وجمع إليه رسالة بولس إلى أهل غلاطية، وهي رسالة تؤكد إبطال الناموس ونقده، ثم أضاف رسائل بولس إلى أهل كورنثوس وتسالونيكي وأفسس وفيلبي وفليمون.
следующие страницы →