← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38189

هل العهد الجديد كلمة الله

منقذ السقار

Полный текст (233 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعند قيامنا بهذا السبر سنجد ملاحظات هامة. أ. تناقضات قصة الرؤية والنبوة المزعومة زعم بولس أنه لقي المسيح بعد ثلاث سنوات من رفعه، حين كان متجهاً إلى دمشق، لكن عند التحقيق في قصة رؤية بولس للمسيح يتبين أنها إحدى كذبات بولس وأوهامه، ودليل لذلك يتضح بالمقارنة بين روايات القصة في العهد الجديد، حيث وردت القصة ثلاث مرات: أولاها في أعمال الرسل (٩/ ٣ - ٢٢)، من رواية لوقا أو كاتب سفر الأعمال، والثانية من كلام بولس في خطبته أمام الشعب (انظر أعمال ٢٢/ ٦ - ١١)، والثالثة أيضاً من رواية بولس أمام الملك أغريباس (انظر أعمال ٢٦/ ١٢ - ١٨)، كما أشار بولس للقصة في مواضع متعددة في رسائله. ولدى دراسة القصة في مواضعها الثلاث يتبين تناقضها في مواضع: ١ - جاء في الرواية الأولى (أعمال ٩) "وأما الرجال المسافرون معه، فوقفوا صامتين يسمعون الصوت، ولا ينظرون أحداً" (أعمال ٩/ ٧)، بينما جاء في الرواية الثانية (أعمال ٢٢): "الذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا، ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني" (أعمال ٢٢/ ٩)، فهل سمع المسافرون الصوت؟ أم لم يسمعوه؟. ٢ - جاء في الرواية الأولى والثانية أن المسيح طلب من بولس أن يذهب إلى دمشق حيث سيخبَر هناك بالتعليمات: "قال له الرب: قم وادخل المدينة فيقال لك: ماذا ينبغي أن تفعل" (أعمال ٩/ ٦)، وفي الثانية: " قلت ماذا أفعل يا رب؟ فقال لي الرب: قم واذهب إلى دمشق وهناك يقال لك عن جميع ما ترتب لك أن تفعل" (أعمال ٢٢/ ١٠). بينما يذكر بولس في الرواية الثالثة (أعمال ٢٦) أن المسيح أخبره بتعليماته بنفسه، فقد قال له: "قم وقف على رجليك، لأني لهذا ظهرت لك، لأنتخبك خادماً وشاهداً

стр. 37

بما رأيت وبما سأظهر لك به، منقذاً إياك من الشعب ومن الأمم الذين أنا الآن أرسلك إليهم ... " (أعمال ٢٦/ ١٦ - ١٨). ٣ - جاء في الرواية الثانية أن المسافرين مع بولس "نظروا النور وارتعبوا" (أعمال ٢٢/ ٩)، لكنه في الرواية الأولى يقول: "ولا ينظرون أحداً" (أعمال ٩/ ٧). ٤ - جاء في الرواية الأولى والثانية أن بولس "وحده سقط على الأرض" (أعمال ٩/ ٤)، بينما المسافرون وقفوا، وفي الرواية الثالثة أن الجميع سقطوا، فقد جاء فيها "سقطنا جميعاً على الأرض" (أعمال ٢٦/ ١٤). ٥ - جاء في الرواية الأولى "أن نوراً أبرق حوله من السماء" (أعمال ٩/ ٣)، ومثله في الرواية الثانية (انظر أعمال ٢٢/ ٦)، غير أن الرواية الثالثة تقول: "أبرق حولي وحول الذاهبين معي" (أعمال ٢٦/ ١٣). فحدث بهذه الأهمية في تاريخ بولس ثم النصرانية لا يجوز أن تقع فيه مثل هذه الاختلافات، يقول العلامة أحمد عبد الوهاب: "إن تقديم شهادتين مثل هاتين (الرواية الأولى والثالثة) أمام محكمة ابتدائية في أي قضية، ولتكن حادثة بسيطة من حوادث السير على الطرق لكفيل برفضهما معاً، فما بالنا إذا كانت القضية تتعلق بعقيدة يتوقف عليها المصير الأبدي للملايين من البشر" (١)، إذ بعد هذه الحادثة أصبح شاول الرسول بولس مؤسس المسيحية الحقيقي. لكن إذا أردنا تحليل الهدف الذي جعل بولس يختلق هذه القصة فإنا نقول: يبدو أن بولس اندفع للنصرانية بسبب يأسه من هزيمة أتباع المسيح، فقد رآهم يثبتون على الحق رغم فنون العذاب الذي صبه عليهم، وهذا الشعور واضح في قول بولس أن

стр. 38

المسيح قال له: "صعب عليك أن ترفس مناخس" (أعمال ٢٦/ ١٤). ويُستغرب هنا كيف ينقل شخص من الكفر والعداوة إلى القديسية والرسالة من غير أن يمر حتى بمرحلة الإيمان، فمن الممكن تصديق التحول من فرط العداوة إلى الإيمان، أما إلى النبوة والرسالة من غير إعداد وتهيئة فلا، ومن المعلوم أن أحداً من الأنبياء لم ينشأ على الكفر، فهم معصومون من ذلك. ولنا أن نتساءل كيف لبولس أن يجزم بأن من رآه في السماء وكلمه كان المسيح وليس غيره، إذ هو لم يلق المسيح طوال حياته. ب. نفاقه وكذبه ومن الأمور التي وقف عليها المحققون في شخصية بولس تلونه ونفاقه واحترافه للكذب في سبيل الوصول لغايته. فهو يهودي فريسي ابن فريسي (انظر أعمال ٢٣/ ٦)، لكنه عندما خاف من الجلد قال: "أيجوز لكم أن تجلدوا إنساناً رومانياً" (أعمال ٢٢/ ٢٥). وبولس يستبيح الكذب والتلون للوصول إلى غايته فيقول: "صرت لليهود كيهودي ... وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس ... وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس ... صرت للكل كل شيء" (كورنثوس (١) ٩/ ٢٠ - ٢١). ويستبح بولس الكذب فيقول: "إن كان صدق الله قد ازداد بكذبي لمجده، فلماذا أدان بعد كخاطئ" (رومية ٣/ ٧). ومن نفاقه وتلونه تزلفه لحكام روما الوثنيين واعتبارهم وسائر الحكام سلاطين موضوعين من قبل الله، ويمضي فيجعل الضرائب والجزية التي يفرضونها حقاً مشروعاً لهم، فيقول: " لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله،

стр. 39

والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة ... فإنكم لأجل هذا توفون الجزية أيضاً، إذ هم خدام الله مواظبون على ذلك بعينه. فأعطوا الجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام " (رومية ١٣/ ١ - ٧). ج. غروره وتمتلئ رسائل بولس بثنائه على نفسه ومن ذلك قوله: "بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح والله الآب الذي أقامه من الأموات" (غلاطية ١/ ١)، وفي رسالة أخرى يقول: "بولس عبد الله ورسول يسوع المسيح ... وإنما أظهر كلمته الخاصة بالكرازة التي أؤتمنت أنا عليها بحسب أمر مخلصنا الله" (تيطس ١/ ١ - ٣). ويظن بولس أن عنده روح الله فيقول: "أظن أني أنا أيضاً عندي روح الله" (كورنثوس (١) ٧/ ٤٠). ويرتفع بنفسه إلى درجة القديسين الذين - كما يرى - سيدينون العالم بما فيهم الملائكة فيقول: "ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟ ... ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة" (كورنثوس (١) ٦/ ٢ - ٣) فهو سيدين الملائكة الذين كان قد ذكر بأن المسيح دونهم بقليل (انظر عبرانيين ٢/ ٩)، ويقول أيضاً مفاخراً بنفسه: "اختارنا الله قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة" (أفسس ١/ ٤). ثم ما يزال يشمخ بنفسه إلى أن يقول: "أحسب أني لم أنقص شيئاً عن فائقي الرسل" (كورنثوث (٢) ١١/ ٥). د. عدم تلقيه الدين والهدي من تلاميذ المسيح ورغم أن بولس لم يلق المسيح فإنه يعتبر نفسه في مرتبة التلاميذ، لا بل يفوقهم "الإنجيل الذي بشرت به، إنه ليس بحسب إنسان، لأني لم أقبله من عند إنسان ولا علمته، بل بإعلان يسوع المسيح ... لم استشر لحماً ولا دماً، ولا صعدت إلى أورشليم إلى

стр. 40

الرسل الذين قبلي، بل انطلقت إلى العربية (شمال جزيرة العرب) ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس" (غلاطية ١/ ١١ - ١٨). ويؤكد بولس على تميزه عن سائر التلاميذ وانفراده عنهم، ويصفهم بالإخوة "الكذبة المدخلين خفية، الذين دخلوا اختلاساً ... الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة، فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا علي بشيء، بل على العكس إذ رأوا أني أؤتمنت على إنجيل الغرلة، كما بطرس على إنجيل الختان" (غلاطية ٢/ ٤ - ٧). وهكذا يؤكد بولس بأن ما يحمله في تبشيره لم يتلقاه عن تلاميذ المسيح، بل هو من الله مباشرة. اعترافات نصرانية بابتداع بولس لما قدمه ويتساءل المحققون لماذا لم يذهب بولس بعد تنصره مباشرة إلى التلاميذ ليتلقى عنهم دين المسيح؟ بل ذهب إلى العربية ومكث بعيداً عن التلاميذ ثلاث سنين، ثم لقي اثنين منهم فقط لمدة خمسة عشر يوماً. (انظر غلاطية ١/ ١٨ - ١٩). تقول دائرة المعارف البريطانية في الإجابة عن هذا السؤال: "إن ارتحاله إليها كان لحاجته إلى جو هادئ صامت يتمكن فيه من تفكير في موقفه الجديد، وإن القضية الأساس عنده هي تفسير الشريعة حسب تجاربه الحديثة". ويقول المؤرخ جيمس ماكينون في كتابه "من المسيح إلى قسطنطين": "إنه ارتحل بعد تحوله الفكري إلى العربية، وكان الغرض المنشود من وراء ذلك - كما يبدو من التبشير- أن يدرس مضمونات عقيدته الجديدة، ثم ذهب بعد ذلك بثلاثة أعوام إلى أورشليم حتى يجتمع ببطرس ويعقوب". ويبرر جيمس ماكينون موقف بولس فيقول: "كان بولس يؤمن أن الله قد وهبه

стр. 41

ميداناً محدداً للعمل، ولا يجوز لرجل أن يتدخل في شئونه مادام روح الله بدورها هادية له". (١) ثالثاً: بولس الرسول كما يرفض المحققون وسم النصارى لبولس بالرسول، إذ ليس له شاهد على دعواه النبوة إلا شهادته لنفسه بأنه رأى المسيح فجعله رسولاً، ومثل هذه الشهادة لا يعتد بها (انظر يوحنا ٥/ ٣١) كما قد رفض المحققون - كما أسلفنا - قصة تجلي المسيح له التي رواها عنه تلميذه لوقا في سفر أعمال الرسل لما فيها من تناقضات تبطل قدسيتها ووقوعها. كما وجد المحققون في أقوال بولس ما يستحيل أن يصدر من نبي ورسول. فمن ذلك إساءته الأدب مع الله في قوله: "لأن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس" (كورنثوس (١) ١/ ٢٥)، فلا يقبل أن يقال بأن لله ضعفاً أو جهالة من أحد، سواء كان رسولاً أو غير رسول، وصدور مثله عن الرسل محال، إذ هم أعرف الناس بربهم العليم القوي المتعال. ومثله يقول بولس: "لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله" (كورنثوس (١) ٢/ ١٠). ويقول مستحلاً المحرمات: "كل الأشياء تحل لي" (كورنثوس (١) ٦/ ١٢). يقول التفسير التطبيقي للكتاب المقدس تعليقاً على هذه الفقرة: "استغلت الكنيسة هذا القول أسوأ استغلال في أوقات كثيرة، فكان بعض المسيحيين يبررون الكثير من

стр. 42

خطاياهم بالقول إن المسيح قد رفع كل خطية، فأصبح لهم الحرية أن يعيشوا كما يشاؤون". (١) وأقول: هل ينتظر من الشوك العنب؟! فإن هذا القول من بولس يتطابق مع ما جاء به من إلغائه الناموس واحتقاره ووصفه له بالعتق والشيخوخة، ومثل هذا الموقف لا يكون من الأنبياء والرسل الذي تأتي دعوتهم لتؤكد على طاعة الله وتدعو إلى السير وفق شريعته، يقول (٢): " فإنه يصير إبطال الوصية السابقة (التوراة وشرائعها المختصة بالكهنوت اللاوي) من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئاً، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله " (عبرانيين ٧/ ١٨ - ١٩). ويقول مبرراً إلغاء نظام الكهنوت التوراتي: " فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طُلب موضع لثانٍ " (عبرانيين ٨/ ٧). ويقول عن الناموس أيضاً: " وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " (عبرانيين ٨/ ١٣)، وهذا كله يناقض ما جاء في سفر إشعيا، وفيه أن الله يقول: " هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي، لا ترجع إليّ فارغة، بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها له" (إشعيا ٥٥/ ١١). ويحكي بولس عن نفسه وضعفه أمام الشهوات بما لا يليق بأحوال الأنبياء، فيقول: "لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أريد، بل ما أبغضه فإياه أفعل .. لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل .. أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني، ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي،

стр. 43

ويحي أنا الإنسان الشقي" (رومية ٧/ ١٥ - ٢٤). وأما المعجزات المذكورة له في الرسائل (أعمال ١٤/ ٣) (انظر قصة شفائه للمقعد في أعمال ١٤/ ٨ - ١١)، وقصة إحيائه أفتيخوس في أعمال ٢٠/ ٩ - ١٢) فلا تصلح دليلاً على نبوته لأن المسيح أخبر بمقدم الكذبة المضلين الذين يصنعون العجائب وحذر من الاغترار بمعجزاتهم (انظر متى ٢٤/ ٤ - ٢٥)، فقد يكون بولس أحد هؤلاء الكذابين الذين يعطون الآيات والعجائب، التي تضل حتى المختارين من التلاميذ. كما أن الأعاجيب - وكما سبق - لا تصلح أكثر من دليل على الإيمان فحسب، إذ كل مؤمن - حسب الإنجيل - يستطيع أن يأتي بإحياء الموتى وشفاء المرضى، بل أكثر من ذلك (انظر متى ١٧/ ٢٠) و (يوحنا ١٤/ ١٢). ويقول يوحنا محذراً من الأنبياء الكذبة: "قد صار الآن أضداد المسيح، منا خرجوا، لكنهم لم يكونوا منا، لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا ... من هو الكذاب إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح، هذا هو ضد المسيح ... احذروا الذين يضلونكم" (يوحنا (١) ٢/ ٢٢). وقد حذر بطرس أيضاً فقال: "كان أيضاً في الشعب أنبياء كذبة، كما سيكون فيكم أيضاً معلمون كذبة، الذين يدسون بدع هلاك ... " (بطرس (٢) ٢/ ١ - ٣). وهكذا كما قال المسيح عن هؤلاء المبطلين: "من ثمارهم تعرفونهم" (متى ٧/ ٥ - ٢٣)، فقد كانت ثمار بولس بدع الهلاك التي أدخلها في المسيحية: ألوهية المسيح، الصلب والفداء، عالمية النصرانية، إلغاء الشريعة. نبوءة المسيح عن بولس لقد كان بولس (معناها كما ذكرنا: "الصغير") هو الذي أخبر عنه المسيح في قوله: "الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد من

стр. 44

الناموس حتى يكون الكل، فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى: أصغر في ملكوت السماوات" (متى ٥/ ١٧ - ١٩)، وقد دعي بولس في الدنيا بالصغير، ولسوف يدعى في الآخرة أصغر جزاء تبديله للناموس والوصايا وتقليله من شأنها ومكانها. رابعاً: موقف التلاميذ من بولس وإذا كان بولس قد أنشأ البدع في النصرانية، وبدل دين المسيح كيفما شاء، فما هو موقف التلاميذ منه، وهل شاركوه التغير والتبديل؟ بداية نذكر بأن بولس لم يتلق شيئاً من النصرانية من المسيح أو تلاميذه، فهو لم يصحبهم بل لم ير منهم سوى بطرس ويعقوب ولمدة خمسة عشر يوماً، وذلك بعد ثلاث سنين من تنصره، ثم عاد مرة أخرى أورشليم، وعرض عليهم ما كان يدعو به بعيداً عنهم يقول بولس: "ثم بعد أربع عشر سنة صعدت أيضاً إلى أورشليم مع برنابا ... وإنما صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم" (غلاطية ٢/ ١ - ٢) فماذا كان ردة فعل التلاميذ؟ يقول بولس وهو ينقل لنا ردود أفعال التلاميذ: "فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا علي بشيء بالعكس، إذ رأوا أني اؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطرس على إنجيل الختان .. أعطوني برنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم، وأما هم للختان ... وهذا عينه ما كنت اعتنيت أن أفعله" (غلاطية ٢/ ٧ - ١٠). إذا كان ما يقوله بولس صحيحاً فإن التلاميذ أبعدوا بولس بعيداً عن اليهود الذين بعث إليهم المسيح وأوصى تلاميذه مرة بعد مرة أن يقوموا بدعوتهم، وأما إرسال برنابا معه فيبدو أنه كان بقصد التوجيه والإصلاح لبولس، وهو يقوم بدعوة الوثنيين الغلف في الغرب.

стр. 45

ثم يسجل بولس في رسائله آراء تلاميذ المسيح والمسيحيين في مبادئه الجديدة ودعوته فيقول: "جميع الذين في آسيا ارتدوا عني" (تيموثاوس (٢) ١/ ١٥)، وقد انفض عنه الجميع، لذا يستنجد بتيموثاوس فيقول: "بادر أن تجيء إلي سريعاً، لأن ديماس قد تركني، إذ أحب العالم الحاضر، وذهب إلى تسالونيكي ... لوقا وحده معي، اسكندر النحاس أظهر لي شروراً كثيرة، ليجازه الرب حسب أعماله، فاحتفظ منه أنت أيضاً، لأنه قاوم أقوالنا جداً، في اجتماعي الأول لم يحضر أحد معي، بل الجميع تركوني، لا يحسب عليهم (١) " (تيموثاوس (٢) ٤/ ٩ - ١٦)، "لما خرجت من مكدونية لم تشاركني كنيسة واحدة في حساب العطاء والأخذ" (فيلبي ٤/ ١٥). ويحذر بولس أنصاره من التلاميذ فيقول: "كونوا متمثلين بي ... لأن كثيرين يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مراراً، والآن أذكرهم أيضاً باكياً وهم أعداء صليب المسيح، الذين نهايتهم الهلاك، الذين إلههم بطونهم، ومجدهم في خزيهم ... " (فيلبي ٣/ ١٧ - ١٩) لقد رفض كثيرون دعواه صلب المسيح، فكان عاقبتهم اتهامات بولس لهم بالغواية وسلوك طريق الهلاك. وفي أنحاء متفرقة من رسائله يتحدث عن أولئك الرافضين لدعوته من غير أن يسميهم، فيقول في بعض ما تمتلئ به رسائله موصياً تيموثاوس: "طلبت إليك أن تمكث في أفسس، إذ كنت أنا ذاهباً إلى مكدونية، لكي توصي قوماً أن لا يعلموا تعليماً آخر، ولا يصغوا إلى خرافات وأنساب لا حد لها، تسبب مباحث دون بنيان الله في الإيمان" (تيموثاوس (١) ١/ ٣ - ٥). ويقول معتبراً نفسه صاحب التعاليم الصحيحة للمسيح الذي لم يلقه: "إن أحد يعلم تعليماً آخر، لا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة، والتعليم الذي هو

стр. 46

حسب التقوى فقد تصلف، وهو لا يفهم شيئاً، بل هو متعلل بمباحثات وممحاكات الكلام التي منها يحصل الحسد والخصام والافتراء والظنون المروجة، ومنازعات أناس فاسدي الذهن عادمي الحق، يظنون أن التقوى تجارة تجذب مثل هؤلاء" (تيموثاوس (١) ٦/ ٣ - ٥)، ويقول مندداً بمخالفيه: "انظروا الكلاب، انظروا فعلة الشر ... " (فيلبي ٣/ ٢). وعلى هذا المنوال تمتلئ رسائله بالهجوم على معارضيه من النصارى، فيتهمهم بسائر أنواع التهم من كفر ونفاق ... (انظر كولوسي ٤/ ١٠ - ١١، فيلبي ٢/ ١٩ - ٣١، تيطس ١/ ٩ - ١٣، تيموثاوس (١) ١/ ٣ - ٧، ٢/ ٢٣، ٦/ ٢٠ - ٣٤) وغيرها. ويقول عن تلاميذ المسيح: "لكن بسبب الإخوة الكذبة، المدخلين خفية، الذين دخلوا اختلاساً ليتجسسوا حريتنا التي لنا في المسيح كي يستعبدونا، الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة .. " (غلاطية ٢/ ٤ - ٥)، ومما يؤكد أن قصده التلاميذ، لا غيرهم، قوله: " الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة". وينال بولس من بعض تلاميذ المسيح الذين يقول عنهم المسيح: "ليس أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم، لتذهبوا وتأتوا بثمر، ويدوم ثمركم" (يوحنا ١٥/ ١٦)، لكن بولس ومدرسته لم تبق لهم ثمراً، ولم تخلد لهم فكراً ولا كتباً، فيما سوى بعض الصفحات القليلة. ويتهم بولس بطرس كبير الحواريين بالرياء فيقول: "لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة، لأنه كان ملوماً ... راءى معه باقي اليهود أيضا، حتى إن برنابا انقاد إلى ريائهم، لكن لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل قلت لبطرس قدام الجميع: إن كنت وأنت يهودي تعيش أممياً لا يهودياً! فلماذا تلزم الأمم أن يتهوّدوا ... " (غلاطية ٢/ ١١ - ١٤).

стр. 47

ويقول مندداً ومحذراً من أولئك الذين تركوا دعوته: "وأما الأقوال الباطلة الدنسة فاجتنبها، الذين ينصرفون إلى أكثر فجور ... الذين منهم هيمينايس وفيليتس الذين زاغا عن الحق" (تيموثاوس (٢) ٢/ ١٦). خامساً: موقف برنابا من بولس وأما موقف برنابا من بولس فهو في غاية الأهمية، إذ لبرنابا علاقة متميزة ببولس، إذ هو الذي قدمه للتلاميذ المتشككين في توبة شاول الذي اضطهد الكنيسة ثم ادعى النصرانية. (انظر أعمال ٩/ ٢٦)، ثم صحبه ست سنوات في رحلته التبشيرية في قبرص وأنطاكية، ثم اختلفا بعد ذلك، وانفصل كل منهما عن الآخر فما سبب الاختلاف؟ يقول سفر أعمال الرسل: "قال بولس لبرنابا: لنرجع ولنفتقد إخوتنا في كل مدينة نادينا فيها بكلمة الرب كيف هم!، فأشار برنابا أن يأخذ معهما أيضاً يوحنا الذي يدعى مرقس، وأما بولس فكان يستحسن أن الذي فارقهما [مرقس] ... لا يأخذانه معهما، فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر، وبرنابا أخذ مرقس وسافر في بحر قبرس" (أعمال ١٥/ ٣٦ - ٣٩). ولكن هل يعقل أن يكون هذا هو السبب في مشاجرة برنابا وبولس؟ يرفض المحققون هذا التبرير، ويرون أن الأمر أكبر من ذلك، فهو كما يقول برنابا يعود إلى ضلالات بولس التي ينشرها في تبشيره، فقد جاء في مقدمة إنجيله: "كانوا عديمي التقوى والإيمان الذين ضلوا بدعوى التبشير بتعاليم المسيح ببث تعاليم أخرى شديدة الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر به الله، مجوزين كل لحم نجس، الذين ضل في عدادهم بولس" (برنابا، المقدمة/٢ - ٧). ويرفض المحققون ما جاء في أعمال الرسل في تحرير سبب الخصام بين برنابا وبولس، ويرونه محاولة لإخفاء السبب الحقيقي، وهو الذي ذكره برنابا في إنجيله.

стр. 48

ويستدلون لرأيهم بأنه لا يعقل أن ينفصل الصديقان ويتشاجران بسبب اختلافهما فيمن يرافقهما، خاصة أن بولس رضي فيما بعد برفقة مرقس، فقد أرسل إلى تيموثاوس يقول له: "خذ مرقس، وأحضره معك، لأنه نافع لي للخدمة" (تيموثاوس (٢) ٣/ ١٠). وهو يوصي أخيراً فيقول: "يسلم عليكم استرخس المأسور معي، ومرقس ابن أخت برنابا الذي أخذتم لأجله وصايا، وإن أتى إليكم فاقبلوه" (كولوسي ٣/ ١٠). ورغم تراجع بولس عن عدم اصطحاب مرقس إلا أننا لم نسمع بتاتاً عن تحسن العلاقة بين بولس وبرنابا. وقد اعترف القس بتر سمث بأن الخلاف بين الرجلين كان خلافاً فكرياً. (١) إذن نستطيع القول بأن تلاميذ المسيح قد عارضوا دعوة بولس وقفوا في وجهها، ودليل ذلك اختفاء ذكرهم عن عالم المسيحية بعد ظهور بولس، فقد اختفت كتاباتهم وحوربت، ولم ينج منها إلا إنجيل برنابا وما ينسب إلى بعض التلاميذ كإنجيل بطرس وإنجيل توما، إضافة إلى رسالة يعقوب المضمنة في رسائل العهد الجديد، والتي تمتلئ بمخالفة بولس وخاصة في مسألة الفداء. كما اختفى ذكر الحواريين والتلاميذ من أعمال الرسل إلا قليلاً، فلا نكاد نعرف شيئاً عن هؤلاء الذين أرسلهم المسيح وعن دعوتهم سوى ما نقل إلينا لوقا عن مقاومة أهل أنطاكية لتبشير بطرس المخالف لبولس، وعن رحلة برنابا مع بولس، ثم اختفاء ذكرهما من رسائل العهد الجديد بعد مشاجرتهما مع بولس. وهكذا فالعهد الجديد وضعه بولس وتلاميذه، وأبعدوا عنه كل ما يعترض نهجه

стр. 49

وأفكاره، وطال هذا الإبعاد تلاميذ المسيح ورسله وحملة دينه إلى أمته. ومما سبق نستطيع القول أن دعوة بولس لم تلق ترحيباً من التلاميذ وأتباعهم الذين واجهوا فكره المنحرف بصرامة لم تمنعه من نشر أفكاره في آسيا بعيداً عن تلاميذ المسيح وأصفيائه الذين كانوا بحق حملة دينه والمبشرين بتعاليمه.

стр. 50

إبطال نسبة الأناجيل والرسائل إلى الحواريين تعود أسفار العهد الجديد السبعة والعشرون إلى ثمانية مؤلفين تفاوتت مقادير كتاباتهم، ففي حين لم تزد رسالة يهوذا التلميذ عن صفحتين فإن لبولس ما يربو على المائة صفحة. وأيضاً يتفاوت قرب هؤلاء من المسيح، ففي حين أن متى ويوحنا وبطرس ويهوذا ويعقوب من تلاميذه الاثني عشر، فإن لوقا ومرقس لم يلقيا المسيح، فيما لم يتنصر بولس إلا بعد رفع المسيح. والنصارى يعتبرون هؤلاء المؤلفين الثمانية بشراً ملهمين، كتبوا ما أملاه عليهم روح القدس وفق أسلوبهم، وقد ثبت لدينا عدم إلهامية كتبة العهد الجديد فيما سبق. ولكن هل تصح نسبة الكتب إلى هؤلاء الثمانية؟ وبالذات إلى متى ويوحنا وبطرس الذين يفترض أنهم من أخص تلاميذ المسيح؟ أم أن النسبة هي أيضاً محرفة؟ وهل من الممكن أن يصدر هذا الكلام - الذي في العهد الجديد - من حواريي المسيح الذين رباهم طوال سني رسالته، وذكرهم القرآن بالثناء الحسن؟ إن تأمل المحققين في كتابات العهد الجديد، جعلهم يرون أن هذه الأسفار لا يمكن أن تصدر عن تلاميذ المسيح المؤمنين، فاهتموا لذلك بدراسة وتوثيق نسبة هذه الأسفار إليهم. ولسوف لن نتوقف طويلاً مع توثيق نسبة بعض الأسفار، لأن كتبتها ليسوا من تلاميذ المسيح، وعليه فلا يهمنا إن كان كاتب إنجيلي مرقس ولوقا هما مرقس ولوقا أو أياً من النصارى الذين عاشوا في نهاية القرن الميلادي الأول، إذ أي من هؤلاء ليس بمعصوم ولا ملهم ولا يملك ثناء واحداً من المسيح ﵇، ومثله نصنع في رسائل بولس عدو المسيح الذي ادعى الرسالة والعصمة، وهو لم يلق المسيح البتة.

стр. 51

أولاً: إنجيل متى وهو أول إنجيل يطالعك وأنت تقرأ في الكتاب المقدس، ويتكون هذا الإنجيل من ثمانية وعشرين إصحاحاً تحكي عن حياة المسيح ومواعظه من الميلاد وحتى الصعود إلى السماء. وتنسبه الكنيسة إلى الحواري متّى أحد التلاميذ الاثني عشر الذين اصطفاهم المسيح، وتزعم أن هذا الكتاب قد ألهمه من الروح القدس. وترجح المصادر أن متى كتب إنجيله لأهل فلسطين، أي لليهود المتنصرين، وتختلف المصادر اختلافاً كبيراً في تحديد تاريخ كتابته، لكنها تكاد تطبق على أنه كتب بين ٣٧ - ١٠٠م. يقول مدخل الإنجيل في نسخة الرهبانية اليسوعية: "فالكثير من المؤلفين يجعلون تاريخ الإنجيل الأول بين السنة ٨٠ والسنة ٩٠، وربما قبلها بقليل، ولا يمكن الوصول إلى يقين تام في هذا الأمر". ويرجح فنتون مفسر الإنجيل (ص ١١) أنه " كتب في حوالي الفترة من ٨٥ - ١٠٥م "، وهو يقارب ما ذهب إليه البرفسور هارنج حين قال: " إن إنجيل متى ألف بين ٨٠ - ١٠٠م ". (١) وأما لغة كتابة هذا الإنجيل فيميل آباء الكنيسة - تبعاً للأسقف بابياس - إلى أنها العبرانية، ورأى الكثير من المحققين أنه كتب باليونانية. ولعل أهم الشهادات التاريخية لهذا الإنجيل شهادة أسقف هرابوليس الأسقف بابياس ١٥٥م حين قال: " قد كتب متى الأقوال بالعبرانية، ثم ترجمها كل واحد إلى

стр. 52

اليونانية حسب استطاعته " كما يقول ايريناوس أسقف ليون ٢٠٠م في كتابه "الرد على الهراطقة" بأن متى وضع إنجيلاً للعبرانيين كتب بلغتهم. (١) ولما كانت جميع مخطوطات الإنجيل الموجودة يونانية فقد تساءل المحققون عن مترجم الأصل العبراني إلى اليونانية، وفي ذلك أقوال كثيرة لا دليل عليها البتة، وهي - كما يرى الأب متى المسكين - "تخمينات لا يؤيدها برهان"، فقد قيل بأن مترجمه هو متى نفسه، وقيل: بل يوحنا الإنجيلي، وقيل غيرهما. والصحيح ما قاله القديس جيروم (٤٢٠م): " الذي ترجم متى من العبرانية إلى اليونانية غير معروف"، بل لعل مترجمه أكثر من واحد كما قال بابياس. وقد قال نورتن الملقب " بحامي الإنجيل " عن عمل هذا المترجم المجهول: " إن مترجم متى كان حاطب ليل، ما كان يميز بين الرطب واليابس. فما في المتن من الصحيح والغلط ترجمه". (٢) التعريف بمتى فمن هو متى؟ وما صلته بالإنجيل المنسوب إليه؟ وهل يحوي هذا الإنجيل كلمة الله ووحيه؟ في الإجابة عن هذه الأسئلة تناقل المحققون ماذكره علماء النصارى في ترجمة متى، فهو أحد التلاميذ الاثني عشر، وكان يعمل عشاراً في كفر ناحوم، وقد تبع المسيح بعد ذلك. وتذكر المصادر التاريخية أنه رحل إلى الحبشة، وقتل فيها عام ٧٠ م، ولم يرد له

стр. 53

ذكر في العهد الجديد سوى مرتين، أما المرة الأولى فعندما نادى عليه المسيح، وهو في مكان عمله في الجباية (انظر متى ١٠/ ٣). والثانية في سياق تعداد أسماء التلاميذ الاثني عشر. (انظر متى ١٠/ ٣، ولوقا ٦/ ١٥). ويجدر أن نذكر أن مرقس ولوقا يذكران أن العشار الذي لقيه المسيح في محل الجباية هو لاوي بن حلفي (انظر مرقس ٢/ ١٥، ولوقا ٥/ ٢٧) ولم يذكرا اسم متى. وتزعم الكنيسة - بلا دليل- أن لاوي بن حلفي هو اسم آخر لمتى العشار. يقول جون فنتون مفسر إنجيل متى وعميد كلية اللاهوت بلينشفيلد بأنه لا يوجد دليل على أن متى هو اسم التنصير للاوي، ويرى أنه من المحتمل " أنه كانت هناك بعض الصلات بين متى التلميذ والكنيسة التي كتب من أجلها هذا الإنجيل، ولهذا فإن مؤلف هذا الإنجيل نسب عمله إلى مؤسس تلك الكنيسة أو معلمها الذي كان اسمه متى، ويحتمل أن المبشر كاتب الإنجيل قد اغتنم الفرصة التي أعطاه إياها مرقس عند الكلام على دعوة أحد التلاميذ، فربطها بذلك التلميذ الخاص أحد الاثني عشر (متى) الذي وقره باعتباره رسول الكنيسة التي يتبعها ". (١) أدلة الكنيسة على صحة نسبة الإنجيل إلى متى وتؤكد الكنيسة بأن متى هو كاتب الإنجيل، وتستند لأمور ذكرها محررو قاموس الكتاب المقدس، أهمها: " الشواهد والبينات الواضحة من نهج الكتابة بأن المؤلف يهودي متنصر ". وأيضاً " لا يعقل أن إنجيلاً خطيراً كهذا - هو في مقدمة الأناجيل - ينسب إلى شخص مجهول، وبالأحرى أن ينسب إلى أحد تلاميذ المسيح ".

стр. 54

وأيضاً " يذكر بابياس " في القرن الثاني الميلادي أن متى قد جمع أقوال المسيح ". وأخيراً " من المسلم به أن الجابي عادة يحتفظ بالسجلات، لأن هذا من أهم واجباته لتقديم الحسابات، وكذلك فإن هذا الإنجيلي قد احتفظ بأقوال المسيح بكل دقة ". (١) ملاحظات على إنجيل متى: ومن خلال تأمل ما سبق رأى المحققون أنه ليس ثمة دليل حقيقي عند النصارى على صحة نسبة الإنجيل إلى متى، إذ ليس بالضرورة أن يكتب الجابي معلوماته الدينية كما يكتب متعلقات عمله، كما أن كتابة متى لأقوال المسيح لا تفيد صحة نسبة الإنجيل المنسوب إليه اليوم. بل إن الأدلة قامت على أن الكاتب لهذا الإنجيل ليس من تلاميذ المسيح. إذ في الإنجيل أموراً كثيرة تدل على أن كاتبه ليس متى الحواري، ومن هذه الأدلة: - أن متى اعتمد في إنجيله على إنجيل مرقس، فقد نقل من مرقس ٦٠٠ فقرة من فقرات مرقس الستمائة والاثني عشر، كما اعتمد على وثيقة أخرى يسميها المحققون Q. يقول ج ب فيلبس أستاذ علم اللاهوت في الكنيسة الإنجليزية في مقدمته لإنجيل متى: " إن القديس متى كان يقتبس من إنجيل القديس مرقس، وكان ينقحه محاولاً الوصول إلى تصور أحسن وأفضل لله ". ويضيف القس فهيم عزيز في "المدخل إلى الإنجيل" أن اعتماد متى على مرقس حقيقة معروفة لدى جميع الدارسين. فإذا كان متى التلميذ هو كاتب الإنجيل فكيف ينقل عن مرقس الذي كان عمره عشر سنوات أيام دعوة المسيح؟ كيف لأحد التلاميذ

стр. 55

الاثني عشر أن ينقل عنه؟ هل ينقل الشاهد المعاين للأحداث عن الغائب الذي لم يشهدها!؟ (١) - ثم إن إنجيل متى يذكر متى العشار مرتين، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى أنه الكاتب، فقد ذكر اسمه وسط قائمة التلاميذ الاثني عشر، ولم يجعله أولاً ولا آخراً، ثم لما تحدث عن اتباعه للمسيح استخدم صيغة الغائب، فقال: "وفيما يسوع مجتاز هناك رأى إنساناً جالساً عند مكان الجباية اسمه متى فقال له: اتبعني فقام وتبعه" (متى ٩/ ٩). ولو كان متى هو الكاتب لقال: " قال لي "، " تبعته "، " رآني "، فدل ذلك على أن متى ليس هو كاتب الإنجيل. - ثم إن التمعن في الإنجيل يبين مدى الثقافة التوراتية الواسعة التي جعلت منه أكثر الإنجيليين اهتماماً بالنبوءات التوراتية عن المسيح، وهذا لا يتصور أن يصدر من عامل ضرائب، فهذا الكاتب لن يكون متى العشار. يقول أ. تريكو في شرحه للعهد الجديد (١٩٦٠م): إن الاعتقاد بأن متى هو عشار في كفر ناحوم ناداه عيسى ليتعلم منه، لم يعد مقبولاً، خلافاً لما يزعمه آباء الكنيسة. (٢) منكرو نسبة الإنجيل إلى التلميذ متى وقد أنكر كثير من علماء المسيحية في القديم والحديث صحة نسبة الإنجيل إلى متى، كما أنكره غيرهم، ومنهم المانوي فاوستس في القرن الرابع: " إن الإنجيل المنسوب إلى متى ليس من تصنيفه"،

стр. 56

وكذا يرى القديس وليمس. والأب ديدون في كتابه " حياة المسيح". ويقول ج ب فيلبس في مقدمته لإنجيل متى: " نسب التراث القديم هذه البشارة إلى الحواري متى، ولكن معظم علماء اليوم يرفضون هذا الرأي ". ويقول البرفسور هارنج: إن إنجيل متى ليس من تأليف متى الحواري، بل هو لمؤلف مجهول أخفى شخصيته لغرض ما. وجاء في مقدمة الرهبانية اليسوعية لإنجيل متى: " أما المؤلِّف، فالإنجيل لا يذكر عنه شيئاً وأقدم تقليد كنسي (بابياس أسقف هيرابوليس في النصف الأول من القرن الثاني) ينسبه إلى الرسول متى .. ولكن البحث في الإنجيل لا يثبت ذلك الرأي أو يبطله على وجه حاسم، فلما كنا لا نعرف اسم المؤلف معرفة دقيقة يحسن بنا أن نكتفي ببعض الملامح المرسومة في الإنجيل نفسه ... ". ويقول القس فهيم عزيز في "المدخل إلى الإنجيل" عن كاتب متى المجهول: " لا نستطيع أن نعطيه اسماً، وقد يكون متى الرسول، وقد يكون غيره ". ويقول المفسر جون فنتون في تفسيره لإنجيل متى (ص ١٣٦) عن كاتب متى: " إن ربط شخصيته كمؤلف بهذا التلميذ إنما هي بالتأكيد محض خيال ". (١) وقد طعنت في صحة نسبة الإنجيل أو بعضه إلى متّى فرق مسيحية قديمة، فقد كانت الفرقة الأبيونية ترى البابين الأولين لإنجيل متى إلحاقيين، ومثلها فرقة يونيتيرين، ويرون أن البداية الحقيقية لهذا الإنجيل قوله: " في تلك الأيام جاء يوحنا

стр. 57

المعمداني .. " (متى ٣/ ١) فتكون بداية الإنجيل قصة يوحنا المعمداني كما هو الحال في مرقس ويوحنا. ويدل على ذلك أيضاً أن قوله: " في تلك الأيام " لا يمكن عوده على ما في الإصحاحين السابقين، إذ كان الحديث في آخر الإصحاح الثاني عن قتل هيرودس للأطفال بعد ولادة المسيح، وهو زمن طفولة المسيح والمعمدان الذي يكبره بستة أشهر، بينما الإصحاح الثالث يتحدث عن دعوة المعمدان - أي وهو شاب -، وهذا يعني وجود سقط أو حذف قبل الإصحاح الثالث، أو أنه البداية الحقيقية للإنجيل. (١) من هو الكاتب الحقيقي لإنجيل متى ؟ وإذا لم يكن متى هو كاتب الإنجيل المنسوب إليه، فمن هو كاتب هذا الإنجيل؟ في الإجابة عن السؤال نقول: نتائج الدراسات الغربية التي أكدت أن هذا الإنجيل قد كتبه غير متى التلميذ، ونسبه إليه منذ القرن الثاني، ولربما يكون هذا الكاتب تلميذاً في مدرسة متى. ويحاول كولمان وشراح الترجمة المسكونية تحديد بعض الملامح لهذا الكاتب، فالكاتب - كما يظهر في إنجيله - مسيحي يهودي يربط بين التوراة وحياة المسيح، وهو كما يصفه كولمان: يقطع الحبال التي تربطه باليهودية مع حرصه على الاستمرار في خط العهد القديم، فهو كاتب يهودي يحترم الناموس، ويعتبر بذلك من البعيدين عن مدرسة بولس الذي لا يحترم الناموس، بينما يقول هذا الكاتب " فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس، هكذا يدعى أصغر في ملكوت السماوات " (متى ٥/ ١٩). (٢)

стр. 58

ومما يؤكد براءة متى من كتابة هذا الإنجيل أن كثيراً من الشراح والمحققين يرون - كما سبق بيانه - أن الإنجيل كتب بعد سنة ٧٠ م، وهي السنة التي مات فيها متى. ولو تساءلنا أين الإنجيل الذي كتبه متى كما جاء في شهادة بابياس في القرن الثاني الميلادي؟ وفي الإجابة عن السؤال نقول: ذكر بابياس أن متى كتب وجمع أقوال المسيح، وما نراه في الإنجيل اليوم هو قصة كاملة عن المسيح، وليس جمعاً لأقواله، كما أن عدم صحة نسبة هذا الإنجيل إليه لا تمنع من وجود إنجيل آخر قد كتبه، ولعل من المهم أن نذكر بأن في الأناجيل التي رفضتها الكنيسة إنجيلاً يسمى إنجيل متى، فلعل بابياس عناه بقوله. وغير بعيد عن هذا الذي انتهينا إليه ما ذهب إليه العلامة ماير، حيث انتهى في بحثه إلى أن ما كتبه التلميذ متى هو أقوال المسيح التي ترجمت فيما بعد إلى اليونانية وصيغت وفق النسق التاريخي الموجود بين أيدينا حالياً. (١) وهكذا رأى المحققون أن ثمة أموراً تمنع القول بأن هذا الإنجيل هو كلمة الله ووحيه وهديه، فهو - وكما يقول الشيخ أبو زهرة - إنجيل " مجهول الكاتب، ومختلف في تاريخ كتابته، ولغة الكتابة، ومكانها، وتحديد من كتب له هذا الإنجيل، ثم شخصية المترجم وحاله من صلاح أو غيره وعلم بالدين، واللغتين التي ترجم عنها، والتي ترجم إليها، كل هذا يؤدي إلى فقد حلقات في البحث العلمي". (٢)

стр. 59

ثانياً: إنجيل مرقس ثاني الأناجيل التي تطالعنا في العهد الجديد، وينسب إلى مرقس. فمن هو مرقس؟ وماذا عن كاتب هذا الإنجيل؟ وهل تصح نسبته إلى مؤلفه؟ يتكون إنجيل مرقس من ستة عشر إصحاحاً، تحكي قصة المسيح من لدن تعميده على يد يوحنا المعمداني إلى قيامة المسيح بعد قتله على الصليب. وهو أقصر الأناجيل - ويعتبره النقاد - كما يقول ولس - أصح إنجيل يتحدث عن حياة المسيح، ويكاد يجمع النقاد على أنه أول الأناجيل تأليفاً، وأن إنجيل متى ولوقا قد نقلا عنه. يقول مؤلفو مدخل إلى الكتاب المقدس: "ربما كانت بشارة مرقس هي أقدم البشائر الأربع وقد كتبت فيما بين ٦٥ - ٧٠ ميلادية قبل تدمير هيكل أورشليم، ويبدو أن كلاً من متى ولوقا قد استخدم إنجيل مرقس". (١) يقول العالم الألماني رويس: إنه كان الأصل الذي اقتبس منه إنجيلا متى ولوقا، وهذا الإنجيل هو الوحيد بين الأناجيل المسمى بإنجيل المسيح، إذ أول فقرة فيه " بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (مرقس ١/ ١). (٢) وتزعم المصادر النصرانية أن مرقس كتب إنجيله في روما، ولعله في الإسكندرية، وأن كتابته تمت - على اختلاف في هذه المصادر - بين عام ٣٩ - ٧٥م، وإن رجح أكثرها أن كتابته بين ٤٤ - ٧٥م معتمدين على شهادة المؤرخ ايرينايوس الذي قال: " إن مرقس كتب إنجيل بعد موت بطرس وبولس ".

стр. 60

ويرى الناقد اليهودي سبينوزا أن هذا الإنجيل كتب مرتين إحداهما قبل عام ١٨٠م والثانية بعده. وأما لغة هذا الإنجيل، فالمصادر تتفق على أنها اليونانية. وأقدم ذكر لهذا الإنجيل ورد على لسان المؤرخ بابياس (١٤٠م) حين قال: " إن مرقس ألف إنجيله من ذكريات نقلها إليه بطرس ". (١) من هو مرقس ؟ وتناقل المحققون ما رددته المصادر النصرانية في ترجمة مرقس، والتي يجمعها ما جاء في قاموس الكتاب المقدس عنه، فهو الملقب بمرقس، واسمه يوحنا، وقد رافق مرقس برنابا وبولس في رحلتهما، ثم فارقهما، ثم عاد لمرافقة بولس. ويتفق المترجمون له على أنه كان مترجماً لبطرس الذي له علاقة بهذا الإنجيل. ويذكر المؤرخ يوسيبوس أنه - أي مرقس - أول من نادى برسالة الإنجيل في الإسكندرية، وأنه قتل فيها. قال بطرس قرماج في كتابه " مروج الأخبار في تراجم الأبرار " عن مرقس: "كان ينكر ألوهية المسيح ". (٢)

стр. 61

ملاحظات على إنجيل مرقس وقد توقف المحققون ملياً مع هذا الإنجيل وكاتبه، وكانت لهم ملاحظات: - أن مرقس ليس من تلاميذ المسيح، بل هو من تلاميذ بولس وبطرس. يقول المفسر دنيس نينهام في تفسيره لإنجيل مرقس (ص ٣٩): " لم يوجد أحد بهذا الاسم عرف أنه كان على صلة وثيقة، وعلاقة خاصة بيسوع، أو كانت له شهرة خاصة في الكنيسة الأولى ". وثمة دليل قوي في هذا الصدد وهو شهادة المؤرخ الكنسي بابياس (١٤٠م) حين قال: "اعتاد الشيخ يوحنا أن يقول: إذ أصبح مرقس ترجماناً لبطرس دون بكل تدقيق كل ما تذكره، ولم يكن مع هذا بنفس الترتيب المضبوط ما رواه من أقوال وأفعال يسوع المسيح، وذلك لأنه لم يسمع من السيد المسيح فضلاً عن أنه لم يرافقه، ولكن بالتبعية كما قلت، التحق ببطرس الذي أخذ يصوغ تعاليم يسوع المسيح لتوائم حاجة المستمعين، وليس بعمل رواية وثيقة الصلة بيسوع وعن يسوع لأحاديثه ". ويقول المفسر دنيس نينهام في تفسيره (ص ٣٩): " من غير المؤكد صحة القول المأثور الذي يحدد مرقس كاتب الإنجيل بأنه يوحنا مرقس المذكور في أعمال الرسل (١٢/ ١٢، ٢٥) ... أو أنه مرقس المذكور في رسالة بطرس الأولى (٥/ ١٣) .. أو أنه مرقس المذكور في رسائل بولس ... لقد كان من عادة الكنيسة الأولى أن تفترض جميع الأحداث التي ترتبط باسم فرد ورد ذكره في العهد الجديد، إنما ترجع جميعها إلى شخص واحد له هذا الاسم، ولكن عندما نتذكر أن اسم مرقس كان أكثر الأسماء اللاتينية شيوعاً في الإمبراطورية الرومانية، فعندئذ نتحقق من مقدار الشك في تحديد الشخصية في هذه الحالة ". (١)

стр. 62

- وأهم مسألة شغلت الباحثين بخصوص هذا الإنجيل خاتمته، فإن خاتمة هذا الإنجيل (١٦/ ٩ - ٢٠) غير موجودة في المخطوطات القديمة المهمة كمخطوطة الفاتيكان والمخطوطة السينائية. ويقول وليم باركلي: إن النهاية المشهورة - علاوة على عدم وجودها في النسخ الأصلية القديمة - فإن أسلوبها اللغوي يختلف عن بقية الإنجيل. ونقل رحمة الله الهندي عن القديس جيروم في القرن الخامس أنه ذكر بأن الآباء الأوائل كانوا يشكون في هذه الخاتمة. وقد اعتبرتها النسخة الإنجليزية القياسية المراجعة ( R S V) فقرات غير موثوق فيها، فحذفتها من طبعتها الصادرة عام ١٩٥١م. أما مقدمة الإنجيل في نسخة الرهبانية اليسوعية فتقول: "من المسلم به على العموم أن الخاتمة كما هي الآن (١٦/ ٩ - ٢٠) قد أضيفت لتخفيف ما في نهاية الكتاب من توقف فجائي في الآية ٨". وعن الخاتمة الموجودة يقول الأب كسينجر: " لابد أنه قد حدث حذف للآيات الأخيرة عند الاستقبال الرسمي (النشر للعامة) لكتاب مرقس في الجماعة التي ضمنته. وبعد أن جرت بين الأيدي الكتابات المتشابهة لمتى ولوقا ويوحنا، تم توليف خاتمة محترمة لمرقس بالعناصر من هنا ومن هناك لدى المبشرين الآخرين .. وذلك يسمح بتكوين فكرة عن الحرية التي كانوا يعالجون بها الأناجيل ".

стр. 63

ويعلق موريس بوكاي قائلاً: " ياله من اعتراف صريح بوجود التغييرات التي قام بها البشر على النصوص المقدسة". (١) ثالثاً: إنجيل لوقا هو ثالث الأناجيل وأطولها، ويتكون من أربعة وعشرين إصحاحاً يتحدث الإصحاحان الأولان عن النبي يحيى وولادة المسيح، ثم تكمل بقية الإصحاحات سيرة المسيح إلى القيامة بعد الصلب. وأما كتابة هذا الإنجيل فتختلف المصادر في تحديد زمنها بين ٥٣ - ٨٠ م، وقد اعتمد الكاتب في مصادره على مرقس، فنقل عنه ثلاثمائة وخمسين من فقراته التي بلغت ستمائة وإحدى وستين فقرة، كما نقل عن متى أو عن مصدر آخر مشترك بينه وبين متى. (٢) من هو لوقا ؟ وتنسب الكنيسة هذا الإنجيل إلى القديس لوقا، ولا تذكر المصادر النصرانية الكثير عن ترجمته، لكنها تتفق على أنه لم يكن من تلاميذ المسيح كما يتضح من مقدمته إذ يقول: " إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة " (لوقا ١/ ١ - ٢). وتتفق المصادر أيضاً في أنه لم يكن يهودياً، وأنه رفيق بولس المذكور في كولوسي ٤/ ١٤ وغيرها، وأنه كتب إنجيله من أجل صديقه ثاوفيلس " أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحة الكلام الذي علِّمت به " (لوقا ١/ ٣ - ٤).

стр. 64

وتختلف المصادر في تحديد شخصية ثاوفيلس، فقال بعضهم: كان من كبار الموظفين الرومان. وقال آخرون: من اليونان. وقال آخرون: بل كان مصرياً من أهل الإسكندرية، وتكاد المصادر تتفق على أنه كتب له باليونانية. وأما لوقا، فقيل بأنه كان رومانياً. وقيل إنطاكياً، وقيل غير ذلك. وعن مهنته، قيل بأنه كان طبيباً، وقيل: كان مصوراً، لكنه على أي حال مثقف وهو كاتب قصص ماهر. (١) ملاحظات على إنجيل لوقا ويلحظ المحققون على إنجيل لوقا ملاحظات، أهمها: ١ - أن مقدمته تتحدث عن رسالة طابعها شخصي، وأنها تعتمد على اجتهاده لا على إلهام وحي، وكان قد لاحظ ذلك أيضاً عدد من محققي النصرانية، فأنكروا إلهامية هذا الإنجيل، منهم مستر كدل في كتابه " رسالة الإلهام " ومثله واتسن، ونسب هذا القول إلى القدماء من العلماء، وقال القديس أغسطينوس: " إني لم أكن أؤمن بالإنجيل لو لم تسلمني إياه الكنيسة المقدسة". ٢ - شك كثير من الباحثين في الإصحاحين الأولين من هذا الإنجيل، بل إن هذا الشك كما ذكر جيروم يمتد إلى الآباء الأوائل للكنيسة، وكذلك فرقة المرقيونية فليس في نسختها هذان الإصحاحان. ويؤكد المحققون بأن لوقا لم يكتب هذين الإصحاحين، لأنه يقول في أعمال الرسل " الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع " (أعمال ١/ ١) أي

стр. 65

معجزاته، بدليل تكملة النص " ما ابتدأ يسوع يعلم به إلى اليوم الذي ارتفع فيه " (أعمال ١/ ٢)، والإصحاحان الأولان إنما يتكلمان عن ولادة المسيح، لا عن أعماله. ونقل العالم الكاثوليكي توماس وارد في كتابه ( Errata to the Protestant Bible) عن جيروم قوله: بأن بعض العلماء المتقدمين كانوا يشكون أيضاً في الباب الثاني والعشرين من هذا الإنجيل. (١) وهكذا نرى للإنجيل أربعة من الكتاب تناوبوا في كتابة فقراته وإصحاحاته. ٣ - إن الغموض يلف شخصيته، فهو غير معروف البلد ولا المهنة ولا الجهة التي كتب لها إنجيله تحديداً، ولا تاريخ الكتابة و .... المعروف فقط أنه من تلاميذ بولس، وأنه لم يلق المسيح، فكيف يصح الاحتجاج بمن هذا حاله وكيف يجعل كلامه مقدساً؟ رابعاً: إنجيل يوحنا رابع الأناجيل إنجيل يوحنا، وهو أكثر الأناجيل إثارة وأهمية، إذ أن هذا الإنجيل كتب لإثبات لاهوت المسيح. ويتكون هذا الإنجيل من واحد وعشرين إصحاحاً تتحدث عن المسيح بنمط مختلف عن الأناجيل الثلاثة، ويرى المحققون أن كتابته جرت بين ٦٨ - ٩٨م، وقيل بعد ذلك، وتنسب الكنيسة هذا الإنجيل إلى يوحنا الصياد. ولغة هذا الإنجيل - باتفاق - هي اليونانية، واختلف في مكان كتابته، والأغلب أنه في تركيا - وتحديداً في أفسس أو أنطاكيا -، وقيل الإسكندرية. من هو يوحنا الصياد ؟ يوحنا بن زبدي الصياد، وهو صياد سمك جليلي، تبع وأخوه يعقوب المسيح،

стр. 66

كما أن والدته سالومة كانت من القريبات إلى المسيح، ويرجح محررو القاموس بأنها أخت مريم والدة المسيح، وقد عاش حتى أواخر القرن الميلادي الأول، ويذهب المؤرخ ايرنيموس إلى أنه عاش إلى سنة ٩٨م، وتذكر الكنيسة أنه كتب إنجيله في أفسس قبيل وفاته. (١) أدلة النصارى على نسبة الإنجيل إلى يوحنا وتستدل الكنيسة لتصحيح نسبة هذا الإنجيل بأدلة ذكرها محررو قاموس الكتاب المقدس وهي: " (١) كان كاتب الإنجيل يهودياً فلسطينياً، ويظهر هذا من معرفته الدقيقة التفصيلية لجغرافية فلسطين، والأماكن المتعددة في أورشليم وتاريخ وعادات اليهود ... ويظهر من الأسلوب اليوناني للإنجيل بعض التأثيرات السامية. (٢) كان الكاتب واحداً من تلاميذ المسيح، ويظهر هذا من استخدامه المتكلم الجمع .. وفي ذكر كثير من التفاصيل الخاصة بعمل المسيح ومشاعر تلاميذه ... ويتضح من يوحنا (٢١/ ٢٤) أن كاتب هذا الإنجيل كان واحداً من تلاميذ المسيح. (٣) كان كاتب الإنجيل هو التلميذ الذي كان المسيح يحبه .. وكان هذا التلميذ هو يوحنا نفسه". (٢) ويتحدث مؤلف الإنجيل عن سبب تأليفه له فيقول: " أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون - إذا آمنتم - حياة باسمه " (يوحنا ٢٠/ ٣١) ".

стр. 67

ويوضح محررو قاموس الكتاب المقدس فيقولون: " كان الداعي الآخر إلى كتابة الإنجيل الرابع تثبيت الكنيسة الأولى في الإيمان بحقيقة لاهوت المسيح وناسوته، ودحض البدع المضلة التي كان فسادها آنذاك قد تسرب إلى الكنيسة، كبدع الدوكينيين والغنوصيين والكيرنثيين والأبيونيين ... ولهذا كانت غايته إثبات لاهوت المسيح ". وقد لقي هذا الإنجيل معارضة شديدة للإقرار بقانونيته، فاندفع د. بوست في قاموس الكتاب المقدس يدافع عنه ويقول: " وقد أنكر بعض الكفار قانونية هذا الإنجيل لكراهتهم تعليمه الروحي، ولا سيما تصريحه الواضح بلاهوت المسيح، غير أن الشهادة بصحته كافية. فإن بطرس يشير إلى آية منه (بطرس (٢) ١/ ١٤، يوحنا ٢١/ ١٨) وأغناطيوس وبوليكرس يقتطفان من روحه وفحواه، وكذلك الرسالة إلى ديوكينتس وباسيلوس وجوستينوس الشهيد وتايناس، وهذه الشواهد يرجع زمانها إلى منتصف القرن الثاني. وبناءً على هذه الشهادات، وعلى نفس كتابه الذي يوافق ما نعلمه من سيرة يوحنا نحكم بأنه من قلمه، وإلا فكاتبه من المكر والغش على جانب عظيم، وهذا الأمر يعسر تصديقه، لأن الذي يقصد أن يغش العالم لا يكون روحياً". (١) إنكار صحة نسبة الإنجيل إلى يوحنا وتوجهت جهود المحققين لدراسة نسبة الإنجيل إلى يوحنا، ومعرفة الكاتب الحقيقي له، فقد أنكر المحققون نسبة الإنجيل إلى يوحنا الحواري، واستندوا في ذلك

стр. 68

إلى أمور منها: ١ - أن ثمة إنكار قديماً لصحة نسبته إلى يوحنا، وقد جاء هذا الإنكار على لسان عدد من الفرق النصرانية القديمة، منها فرقة ألوجين (ألوجي) في القرن الثاني، يقول صاحب كتاب (رب المجد): "وجد منكرو لاهوت المسيح أن بشارة يوحنا هي عقبة كؤود، وحجر عثرة في سبيلهم، ففي الأجيال الأولى رفض الهراطقة يوحنا ". وتقول دائرة المعارف البريطانية: " هناك شهادة إيجابية في حق أولئك الذين ينتقدون إنجيل يوحنا، وهي أنه كانت هناك في آسيا الصغرى طائفة من المسيحيين ترفض الاعتراف بكونه تأليف يوحنا، وذلك في نحو ١٦٥م، وكانت تعزوه إلى كيرنثوس (الملحد)، ولا شك أن عزوها هذا كان خاطئاً. لكن السؤال عن هذه الطبقة المسيحية البالغة في كثرة عددها إلى أن رآه القديس أييفانيوس جديرة بالحديث الطويل عنها في (٣٧٤ - ٣٧٧م) وأسماها " ألوجي " (أي معارضة الإنجيل ذي الكلمة). لئن كانت أصلية إنجيل يوحنا فوق كل شبهة، فهل كانت مثل هذه الطبقة لتتخذ نحوه أمثال هذه النظريات في مثل هذا العصر، ومثل هذا البلد؟ لا وكلا ". ومما يؤكد خطأ نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا أن جوستين الشهيد في منتصف القرن الثاني تحدث عن يوحنا، ولم يذكر أن له إنجيلاً، واقتبس فيلمو - ١٦٥م - من إنجيل يوحنا، ولم ينسبه إليه. وقد أُنكر نسبة الإنجيل إلى يوحنا أمام أرينيوس تلميذ بوليكارب الذي كان تلميذاً ليوحنا، فلم ينكر أرينيوس على المنكرين، ويبعد كل البعد أن يكون قد سمع من بوليكارب بوجود إنجيل ليوحنا، ثم لا يدافع عنه. (١)

стр. 69

وقد استمر إنكار المحققين نسبة هذا الإنجيل عصوراً متلاحقة، فجاءت الشهادات تلو الشهادات تنكر نسبته إلى يوحنا. منها ما جاء في دائرة المعارف الفرنسية: " ينسب إلى يوحنا هذا الإنجيل وثلاثة أسفار أخرى من العهد الجديد، ولكن البحوث الحديثة في مسائل الأديان لا تسلم بصحة هذه النسبة". ويقول القس الهندي بركة الله في كتابه "لواء الصليب وتزوير الحقائق": " الحق أن العلماء باتوا لا يعترفون دونما بحث وتمحيص بالنظرية القائلة بأن مؤلف الإنجيل الرابع كان القديس يوحنا بن زبدي الرسول، ونرى النقاد بصورة عامة على خلاف هذه النظرية ". وتقول دائرة المعارف البريطانية: " أما إنجيل يوحنا، فإنه لا مرية ولا شك كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة حواريين لبعضهما، وهما القديسان متى ويوحنا .... وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهدهم، وليربطوا ولو بأوهى رابطة ذلك الرجل الفلسفي الذي ألّف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليلي، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى، لخبطهم على غير هدى ". (١) وعند تفحص الإنجيل أيضاً تجد ما يمتنع معه نسبته الإنجيل إلى الحواري يوحنا، فالإنجيل يظهر بأسلوب غنوصي يتحدث عن نظرية الفيض المعروفة عند فيلون الإسكندراني. ولا يمكن لصائد السمك يوحنا أن يكتبه، خاصة أن يوحنا عامي كما وصفه

стр. 70

سفر أعمال الرسل " فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا " (أعمال ٤/ ١٣). وأما ما جاء في خاتمة الإنجيل مما استدل به القائلون بأن يوحنا هو كاتب الإنجيل وهو قوله: "هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا، وكتب هذا، ونعلم أن شهادته حق " (يوحنا ٢١/ ٢٤). فهذه الفقرة كما يقول المحققون دليل على عدم صحة نسبة الإنجيل إلى يوحنا، إذ هي تتحدث عن يوحنا بصيغة الغائب. ويرى ويست أن هذه الفقرة كانت في الحاشية، وأضيفت فيما بعد للمتن، وربما تكون من كلمات شيوخ أفسس. ويؤيده بشب غور بدليل عدم وجودها في المخطوطة السينائية. وأما مقدمة الرهبانية اليسوعية فتقول عنها وعن الفقرة التي بعدها: "تشكلان إضافة يعترف بها جميع المفسرين". ويرى العلامة برنت هلمين استرتير في كتابه " الأناجيل الأربعة " أن الزيادات في متن يوحنا وآخره كان الغرض منها " حث الناس على الاعتراف في شأن المؤلف بتلك النظرية التي كان ينكرها بعض الناس في ذلك العصر". (١) ثم إن بعض المؤرخين ومنهم تشارلز الفريد، وروبرت إيزلز وغيرهما قالوا بأن يوحنا مات مشنوقاً سنة ٤٤م على يد أغريباس الأول، وعليه فليس هو مؤلف هذا الإنجيل، إذ أن هذا الإنجيل قد كتب في نهاية القرن الميلادي الأول أو أوائل الثاني. (٢)

стр. 71

من كتب إنجيل يوحنا ؟ وإذا لم يكن يوحنا هو كاتب الإنجيل، فمن هو الكاتب الحقيقي؟ يجيب القس فهيم عزيز في مدخله إلى الإنجيل: " هذا السؤال صعب، والجواب عنه يتطلب دراسة واسعة غالباً ما تنتهي بالعبارة: لا يعلم إلا الله وحده من الذي كتب هذا الإنجيل ". وحاول البعض الإجابة عن السؤال من خلال تحديد صفات كاتب الإنجيل دون ذكر اسم معين، يقول جرانت: " كان نصرانياً، وبجانب ذلك كان هيلينياً، ومن المحتمل أن لا يكون يهودياً، ولكنه شرقي أو إغريقي، ونلمس هذا من عدم وجود دموع في عينيه علامة على الحزن عندما كتب عن هدم مدينة لليهود ". وجاء في مدخل الإنجيل أن بعض النقاد " يترك اسم المؤلف، ويصفونه بأنه مسيحي كتب باليونانية في أواخر القرن الأول في كنائس آسيا ". وقال جون مارش مفسر إنجيل يوحنا في تفسيره (ص ٨١): " ومن المحتمل أنه خلال السنوات العشر الأخيرة من القرن الأول الميلادي قام شخص يدعى يوحنا، من الممكن أن يكون يوحنا مرقس خلافاً لما هو شائع من أنه يوحنا بن زبدي .. وقد تجمعت لديه معلومات وفيرة عن يسوع، ومن المحتمل أنه كان على دراية بواحد أو أكثر من الأناجيل المتشابهة، فقام حينئذ بتسجيل جديد لقصة يسوع، اختص بها طائفته الخاصة التي كان تعتبر نفسها عالمية, كما كانت متأثرة بوجود تلاميذ يوحنا المعمدان". وقال الناقد برطشنيدر ( Bretschneider) ( ت ١٨٤٨): " إن هذا الإنجيل كله، وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه، بل صنفها أحد في ابتداء القرن الثاني، ونسبه إلى يوحنا ليعتبره الناس ". ويوافقه استادلن، ويرى أن الكاتب " طالب من طلبة المدرسة الإسكندرية ".

стр. 72

وقال يوسف الخوري في " تحفة الجيل " بأن كاتب الإنجيل هو تلميذ يوحنا المسمى بروكلوس. وقال بعض المحققين ومنهم جيمس ماكينون، واستيريتر في كتابه " الأناجيل الأربعة " بأن يوحنا المقصود هو تلميذ آخر من تلاميذ المسيح، وهو (يوحنا الأرشد)، وأن أرينيوس الذي نسب إنجيل يوحنا إلى ابن زبدي قد اختلط عليه أمر التلميذين. وذكر جورج إيلتون في كتابه " شهادة إنجيل يوحنا " أن كاتب هذا الإنجيل أحد ثلاثة: تلميذ ليوحنا الرسول أو يوحنا الشيخ (وليس الرسول) أو معلم كبير في أفسس مجهول الهوية. لكن ذلك لم يفت في عضد إيلتون الذي ما زال يعتبر إنجيل يوحنا مقدساً، لأنه " مهما كانت النظريات حول كاتب هذا الإنجيل، فإن ما يتضح لنا جلياً بأن كاتبه كان لديه فكرة الرسول، فإذا كتبه أحد تلاميذه فإنه بلا مراء كان مشبعاً بروحه .. ". كما ذهب بعض المحققين إلى وجود أكثر من كاتب للإنجيل، منهم كولمان حين قال: " إن كل شيء يدفع إلى الاعتقاد بأن النص المنشور حالياً ينتمي إلى أكثر من مؤلف واحد، فيحتمل أن الإنجيل بشكله الذي نملكه اليوم قد نشر بواسطة تلاميذ المؤلف، وأنهم قد أضافوا إليه "، ومثله يقول المدخل لإنجيل يوحنا. (١) ومن هذا كله ثبت أن إنجيل يوحنا لم يكتبه يوحنا الحواري، ولا يعرف كاتبه الحقيقي، ولا يصح بحال أن ننسب العصمة والقداسة لكاتب مجهول لا نعرف من يكون.

стр. 73

وعند غض الطرف عن مجهولية الكاتب واستحالة القول بعصمته عندئذ، فإن ثمة مشكلات تثار في وجه هذا الإنجيل نبه المحققون إليها منها: اختلاف هذا الإنجيل عن باقي الأناجيل الثلاثة رغم أن موضوع الأناجيل الأربعة هو تاريخ وسيرة المسيح ﵇. إذ تتشابه قصة المسيح في الأناجيل الثلاثة، بينما يظهر الإنجيل الرابع غريباً بينها. فمثلاً: هو الإنجيل الوحيد الذي تظهر فيه نصوص تأليه المسيح، بل هو كتب لإثبات ذلك كما يقول المفسر يوسف الخوري: " إن يوحنا صنف إنجيله في آخر حياته بطلب من أساقفة كنائس آسيا وغيرها، والسبب: أنه كانت هناك طوائف تنكر لاهوت المسيح ". ولما لم يكن في الأناجيل الثلاثة ما يدفع أقوال هذه الطوائف، أنشأ يوحنا إنجيله، وهذا المعنى يؤكده جرجس زوين، فيذكر عن أساقفة آسيا أنهم اجتمعوا " والتمسوا منه أن يكتب عن المسيح، وينادي بإنجيل مما لم يكتبه الإنجيليون الآخرون ". يقول الأب روغيه في كتابه "المدخل إلى الإنجيل":" إنه عالم آخر، فهو يختلف عن بقية الأناجيل في اختيار الموضوعات والخطب والأسلوب والجغرافيا والتاريخ، بل والرؤيا اللاهوتية ". وهذه المغايرة أوصلته إلى تقديم صورة للمسيح مغايرة تماماً عما في الأناجيل الثلاثة والتي يسميها البعض: " المتشابهة " أو " الإزائية ". لذا تقول دائرة المعارف الأمريكية: " من الصعب الجمع بين هذا الإنجيل والأناجيل الثلاثة، بمعنى أن لو قدرنا أنها صحيحة لتحتم أن يكون هذا الإنجيل كاذباً ". يقول السير آرثر فندلاي في كتابه "الكون المنشور" معبراً عن هذا الاختلاف:

стр. 74

" إن إنجيل يوحنا ليس له قيمة تستحق الذكر في سرد الحوادث الأكيدة، ويظهر أن محتوياته لعب فيها خيال الكاتب دوراً بعيداً ". (١) ومن المشكلات التي تواجه هذا الإنجيل أيضاً أن أيدي المحرفين نالت هذا الإنجيل، فأضافت فيه رواية المرأة الزانية (انظر يوحنا ٨/ ١ - ١١) والتي يقول عنها مدخل الرهبانية اليسوعية إلى هذا الإنجيل: " هناك إجماع على أنها من مرجع مجهول فأدخلت في زمن لاحق". وقد حذفت هذه القصة من النسخة الإنجليزية القياسية المراجعة ( R. S. V) لاعتبارها عبارة دخيلة على الإنجيل. (٢) كما أن كثيراً من المحققين يعتقدون بأن الإصحاح الأخير ليس من تأليف مؤلف الإنجيل، يقول كرونيس: " إن هذا الإنجيل كان عشرين باباً فألحقت كنيسة أفسس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا ". (٣) وهذا ما يعترف به كاتبو مقدمة الرهبانية اليسوعية، إذ اعتبرت الإصحاح العشرين خاتمة للإنجيل، واعتبرت الإصحاح الأخير ملحقاً بالإنجيل، وعنه تقول: "يظهر هذا الفصل الأخير، الوارد بعد خاتمة ٢٠/ ٣٠ - ٣١ بمظهر الملحق، ولا تزال مسألة مصدره موضوع نقاش .. وقد يكون هذا الفصل تكملة أضافها بعض تلاميذ يوحنا".

стр. 75

وهكذا نصل مع القارئ الكريم إلى نتيجة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وهي أن نسبة الأناجيل الأربعة إلى تلاميذ المسيح مسالة "تثير صعوبات من كل الأنواع، أما اليوم فإنه ينظر إلى الأناجيل جملة، كما لو أنها كتب مجهولة المؤلف". (١) وهذه هي الحقيقة. خامساً: رسائل العهد الجديد يلحق بالأناجيل الأربعة عدد من الرسائل وهي: (سفر أعمال الرسل - رسائل بولس الأربع عشر - رسالة يعقوب - رسالتا بطرس - رسائل يوحنا الثلاث - رسالة يهوذا - رؤيا يوحنا اللاهوتي). أولاً: أعمال الرسل ويتكون هذا السفر من ثمان وعشرين إصحاحاً، تتحدث عن الأعمال التي قام بها الحواريون والرسل الذي نزل عليهم روح القدس يوم الخمسين (انظر ٢/ ١ - ٤)، من دعوة ومعجزات، كما يتحدث بإسهاب عن شاول ودعوته ورحلاته وقصة تنصره وبعض معجزاته. وينسب هذا السفر إلى لوقا مؤلف الإنجيل الثالث حيث جاء في افتتاحيته: " الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله .... " (أعمال ١/ ١). ولكن هذه الدعوى يشكل ويمنع من التسليم بها تناقض إنجيل لوقا مع سفر الأعمال في مسألة الصعود إلى السماء إذ يفهم من إنجيل لوقا أن صعود المسيح للسماء كان في يوم القيامة (لوقا ٢٤/ ١٣ - ٥١) وفي أعمال الرسل يتحدث عن ظهور المسيح
следующие страницы →