إسحاق لن يموت ولن يذبح، لأنه سيكبر، وستكون له ذرية كما وعده الله "في كلّ ما تقول لك سارة اسمع لقولها، لأنّه بإسحاق يدعى لك نسلٌ" (التكوين ٢١/ ١٢ - ١٣).
فقوله: " خذ ابنك وحيدك " حق، وكلمة " إسحاق " زيادة ولبسٌ للحق بالباطل.
ويشهد للتبديل قوله: " لم تمسك ابنك وحيدك عني " (التكوين ٢٢/ ١٢، ١٦)، ولم يذكر فيه اسم إسحاق.
ومن التحريف أيضاً استبدال المترجمين كلمة الوحيد بالمفضل في بعض التراجم، وهو تحريف ولا ريب لأن النص العبراي استخدم كلمة (يخيداخا) ومعناها: الوحيد، وليس المفضل.
تحريف المترجمين
ولمترجمي الكتاب المقدس نصيبهم من التحريف الذي أضحى سمة لكل أولئك المؤتمنين على الكتاب المقدس، حيث يتلاعب هؤلاء بالنصوص، وهم يقومون بترجمتها، من صور هذا النوع من التحريف الصور التي نعرضها والتي توضح مقدار الحرية التي تعامل بها المترجمون مع النصوص التوراتية، إذ النص العربي يذكر اشتقاقات عربية لا يصح أن تكون في كتاب أصل لغته العبرية. ومن ذلك:
يقول سفر التكوين: " وولدت له قايين، وقالت: اقتنيت رجلاً من عند الرب " (التكوين ٤/ ١)، فكلمة " قايين" كما في قاموس الكتاب المقدس معناها: " حداد " (١)، فالمناسبة معدومة بين الاقتناء أو الشراء، واسم قايين الذي يعني: حداد.
ومثله قوله: " دعي اسمها بابل، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض "
стр. 142
(التكوين ١١/ ٩). وكلمة بابل في اللغة الآكادية " باب ايلو " بمعنى: " باب الرب " كما في قاموس الكتاب المقدس (١)، وعليه فليس من مناسبة بين اسم بابل والبلبلة التي تذكرها التوراة، فالمناسبة التي يزعمها الكاتب غير متحققة.
ومثله حاول كاتب سفر الخروج إيجاد علاقة بين اسم موسى وانتشال ابنة فرعون له من الماء، فقال: " ولما كبر الولد جاءت به [أخته] إلى ابنة فرعون فصار لها ابناً، ودعت اسمه: موسى. وقالت: "إني انتشلته من الماء" (الخروج ٢/ ١٠)، فزعم أن المرأة المصرية - التي لا تعرف العبرانية - سمته بموسى؛ لأنها انتشلته من الماء، وأنها اشتقت اسمه من الكلمة العبرانية (مشا) أي (انتشل).
وهذا الزعم بعبرانية اسم موسى يتشكك به الآباء اليسوعيون في تعليقهم على النص، إذ يقولون: "إن ابنة فرعون لا تتكلم العبرية، في الواقع هذا اسم مصري يعرف بصيغته المختصرة موزس"، ومعناه: ولد أو ابن.
وأما محققو الترجمة العربية المشتركة فيعلقون: "موسى: اسم من أصل مصري، ولكن الكاتب وجد له اشتقاقاً خاصاً به".
ومن صور التحريف الهامة ما صنعه المترجمون المسيحيون للمزمور الثاني والعشرين ليكون نبوءة مزعومة عن المسيح الذي مات على الصليب وقد ثقبت يداه ورجلاه، يقول المزمور: "لأنه قد أحاطت بي كلاب، جماعة من الأشرار اكتنفتني، ثقبوا يديّ ورجليّ" (المزمور ٢٢/ ١٦)، وليس في النص العبراني كلمة: (?????????) ثقبوا، التي تنطق (كأرو)، بل يستخدم كلمة (????????) (كأري) التي تعني كأسد، والنص بتمامه: " ???? ??????????, ?????????: ????? ????????, ????????????; ????????, ????? ?????????".
стр. 143
وقد اعترفت نسخة الرهبانية اليسوعية بالتحريف، وذكرت أن النص المحرف "بحسب الترجمة اللاتينية الشائعة، والكلمة العبرية تعني: (كالأسد)، وهي غامضة"، وهكذا فلغموض كلمة الأسد تلاعبوا بالنص وحوروه إلى "ثقبوا يديّ ورجليّ".
ومن الصور التي أبقاها المترجمون على حالها، فكان فعلهم صحيحاً خالياً من التحريف، قوله: "وقال لابان: هذه الرجمة شاهدة بيني وبينك اليوم، لذلك دعي اسمها جلعيد " (التكوين ٣١/ ٤٨).
وكلمة جلعيد كما يفيد قاموس الكتاب المقدس كلمة عبرانية معناها: " رجمة الشهادة ".
الكتب تتهم بني إسرائيل بالتحريف
ثم ها هي أسفار العهد القديم تتهم القوم بتحريف التوراة، فحين كان بنو إسرائيل في بابل بدأ عزرا الكاتب في كتابة الأسفار الضائعة، والتي غابت عن بني إسرائيل طويلاً، لكن النبي إرميا، - وهو أحد أعظم أنبياء ما قبل السبي - نعى كثيراً على أولئك الأنبياء الكذبة الذين سُبوا إلى بابل، وأخبر بانحرافهم وكذبهم على الله فيما ينسبونه إلى وحي الله، وقد وقع ذلك منه في نصوص عديدة، منها قوله: " قد سمعت ما قالته الأنبياء الذين تنبؤوا باسمي بالكذب قائلين: حلُمتُ، حلُمتُ " (إرميا ٢٣/ ٢٥).
ويقول: " كيف تقولون: نحن حكماء، شريعة الرب معنا حقاً، إنه إلى الكذب، حوَّلها قلم الكتبة الكاذب " (إرميا ٨/ ٨)، فقد حرفت كلمة الله بيد الكتبة الكذبة.
ويؤكد وقوع التحريف، ويتهدد بالعقوبة أولئك الذين مازالوا يتحدثون عن كلام الرب الذي حرفوه، فيقول: " وإذا سألك هذا الشعب أو نبي أو كاهن قائلاً: ما وحي الرب؟ فقل لهم: أي وحي؟ إني أرفضكم هو قول الرب، فالنبي أو الكاهن أو
стр. 144
الشعب الذي يقول: وحي الرب أعاقب ذلك الرجل وبيته. هكذا تقولون، الرجل لصاحبه، والرجل لأخيه، بماذا أجاب الرب وماذا تكلم به الرب: أما وحي الرب فلا تذكروه بعد، لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه، إذ قد حرّفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا" (إرمياء ٢٣/ ٣٣ - ٣٦).
ومثله وقع التحريف في سفره " فأخذ إرمياء درجاً آخر، ودفعه لباروخ بن نيريا الكاتب، فكتب فيه عن فم إرميا كل كلام السفر الذي أحرقه يهوياقيم ملك يهوذا بالنار، وزيد عليه أيضاً كلام كثير مثله " (إرميا ٣٦/ ٣٢)، ولم يذكر السفر من الذي زاد على قول إرمياء النبي.
كما تحدث إرميا عن أولئك الذين يدعون النبوة، والرب لم يرسلهم: "قال رب الجنود إله إسرائيل: لا تغشكم أنبياؤكم الذين في وسطكم وعرافوكم، ولا تسمعوا لأحلامهم التي يتحلمونها، لأنهم يتنبؤون لكم باسمي الكذب، أنا لم أرسلهم يقول الرب " (إرميا ٢٩/ ٨ - ٩).
ويواصل إرميا الحديث عن أولئك الذين رآهم يكتبون الكتب وينسبونها إلى الله، فيقول: "وصار في الأرض دَهَش وقشعريرة، الأنبياء يتنبؤون بالكذب، والكهنة تحكم على أيديهم، وشعبي هكذا أحب " (إرميا ٥/ ٣٠ - ٣١). لقد تمالأ الجميع على هذا التحريف، الأنبياء الكذبة والكهنة والشعب اليهودي.
ويقول النبي إشعيا: " ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب، فتصير أعمالهم في الظلمة، ويقولون: من يبصرنا، ومن يعرفنا؟ يالتحريفكم " (إشعيا ٢٩/ ١٥ - ١٦).
وفي حزقيال " القائلون: وحي الرب. والرب لم يرسلهم .. وتكلمتم بعرافة كاذبة قائلين: وحي الرب، وأنا لم أتكلم " (حزقيال ١٣/ ٦ - ٧).
стр. 145
وهكذا تعرض التوراة نوعين من التحريف: تحريف الكتبة الذين يدعون الوحي، وتحريف بني إسرائيل وهم يحرفون كلام الله الذي جاء على لسان أنبيائه.
لقد حصل ما توقعه موسى ﵇ حين قال: " خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم .. لأني عارف أنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون عن الطريق " (التثنية ٣١/ ٢٤ - ٢٩).
اعترافات بوقوع التحريف
ويعترف كبار المراجع النصرانية بوقوع التحريف والزيادة المستمرة حيث تقول لجنة الكتاب المقدس البابوية في مدخلها سنة ١٩٤٨م: " يوجد ازدياد تدريجي في الشرائع الموسوية سببته مناسبات العصور التالية الاجتماعية والدينية ".
ويقول كيرت: " الكتاب المقدس المتداول حالياً لا يحتوي على التوراة والإنجيل المنزلين من الله، ولقد اعترف علماء باحثون باللمسات البشرية في إعداد هذا الكتاب المقدس ".
ويقول جيمس جيستنج: " ومع هذا فإننا نتوقع أن نجد خلال صفحات الكتاب المقدس بعض الأجزاء من التوراة والإنجيل الأصليين، مما يتحتم معه دراسة جادة لكي تجعل مضمون الكتاب المقدس مفهوماً".
ونختم بنقل ما قاله الناقد اليهودي الشهير اسبينوزا عن تحريف الأسفار التوراتية، حيث يقول: "لا يسلِّم معظم المفسرين بوقوع أي تحريف في النص، حتى في الأجزاء الأخرى، ويقررون أن الله بعناية فريدة قد حفظ التوراة كلها من أي ضياع".
ويضيف: "أما اختلاف القراءات فهو في نظرهم علامة على أسرار في غاية العمق، ويتناقشون بشأن النجوم الثمانية والعشرين الموجودة وسط إحدى الفقرات،
стр. 146
بل تبدو أشكال الحروف ذاتها وكأنها تحتوي على أسرار كبيرة، ولست أدري إن كان ذلك ناجماً عن اختلال العقل، وعن نوع من تقوى العجائز المخرفين، أم أنهم قالوا ذلك بدافع الغرور والخبث، حتى نعتقد أنهم وحدهم هم الأمناء على أسرار الله، ولكني أعلم فقط أني لم أجد مطلقاً أي شيء عليه سيما السر في كتبهم، ولم أجد فيها إلا أعمالاً صبيانية ". (١)
стр. 147
تناقضات العهد القديم
التناسق الداخلي شرط لا يختلف العقلاء على لزوم اشتراطه في توثيق نسبة أي كتاب إلى الله ، فالكتاب الذي يكذِّب بعضه بعضاً، لا يمكن اعتباره كتاباً مقدساً، كما لا يمكن اعتبار بقيته مقدساً، إذ وجود الكذب في بعضه يطرح الشك في مصدره الكاذب. ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ (النساء: ٨٢).
ولوجود التناقضات في الكتاب المقدس دلالات كثيرة أهمها: أنه يثبت أن هذه الأسفار بشرية في مصدرها، فقد وقع كُتّابها فيما يقع فيه البشر الضعفاء الذين يتوقع منهم الجهل، ولو كانت هذه الأسفار ملهمة من قبل الله لما خالف كُتابها بعضَهم فيما أوردوه من معلومات تاريخية وغيرها.
ووقوع الخطأ من أحد المتناقضين من كُتَّاب التوراة في قضايا بسيطة يسهل حفظها والتمكن منها يشير إلى إمكانية بل تحقق وقوع مثله في المسائل اللاهوتية والغيبية التي تحتاج إلى مزيد من العناية والتدقيق.
وهذه التناقضات التي نسوقها، معظمها توصلنا إليه من خلال دراسة أجزاء تم إعادة كتابتها ثانية من قبل كتاب الأسفار، ولو كتبت بقية الأجزاء ثانية لوقفنا على تناقضات تطال كل صفحة من صفحات هذا الكتاب الذي يدعي البعض أنه مقدس.
والتناقضات التوراتية كثيرة، ومنها ما هو متعلق بأصول المعتقد، ومنها ما هو متعلق بصفات الله ، فالأسفار التوراتية تصف الله بالصفة ونقيضها.
فتذكر التوراة أن الله " إله الدهر الرب خالق أطراف الأرض، لا يكل ولا يعيا " (إشعيا ٤٠/ ٢٨)، وهو حق ولا ريب، لكنه يناقض ما ورد في مواضع أخرى زعمت
стр. 148
أن الله يحتاج للاستراحة التي لا غناء للمتعب عنها بعد طول العمل والعناء، فبعد أن خلق الله السماوات والأرض تزعم الأسفار - كذباً - أنه استراح، فتقول: " فرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح " (التكوين ٢/ ١)، ونحوه في سفر الخروج " في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض، وفي اليوم السابع استراح وتنفّس" (الخروج ٣١/ ١٧).
وتحدثنا التوراة عن الله العظيم العليم، فتذكر أنه ليس كمثل البشر وضعفهم، فهو لا يندم ولا يكذب، فتقول: " ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم، هل يقول ولا يفعل، أو يتكلم ولا يفي؟ " (العدد ٢٣/ ١٩)، فالندم صفة الإنسان الجهول بعواقب الأمور "نصيح إسرائيل لا يكذب ولا يندم، لأنه ليس إنساناً ليندم" (صموئيل (١) ١٥/ ٢٩).
ولكن التوراة تناقض ذلك فتنسب إلى الله الندم على أمور صنعها، ومن ذلك ندمه على اختيار شاول لملك بني إسرائيل، حيث يقول: " ندمت على أني جعلت شاول ملكاً، لأنه رجع من ورائي، ولم يقم كلامي " (صموئيل (١) ١٥/ ١٠)، فهل الله يندم أم لا؟.
وتذكر التوراة أن الله لا يرى " حقاً أنت إله محتجب، يا إله إسرائيل " (إشعيا ٤٥/ ١٥)، والإنسان لا يقدر على رؤيته، فقد قال الله لموسى: " لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش " (الخروج ٣٣/ ١٩ - ٢٠).
لكن الأسفار التوراتية تذكر كثيرين رأوا الله، منهم شيوخ بني إسرائيل " لما صعد موسى وهارون وناراب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل رأوا إله إسرائيل" (الخروج ٢٤/ ٩)، ومنهم يعقوب فقد رآه حين صارعه " فدعا يعقوب اسم المكان: " فينئيل " قائلاً: لأني نظرت الله وجهاً لوجه، ونجيت نفسي " (التكوين ٣٢/ ٣٠).
стр. 149
وقد يزعم البعض أن الذين رأوا الله رأوه حال تجسده، ولم يروه على هيئته وفي صورة مجده، ويرون أن المنفي رؤيته هو الله في مجده، وهذا التفريق لا دليل عليه، وتدحضه النصوص التي تحدثت عن أناس رأوا الله في صورة مجده.
منهم إشعيا حيث يقول: "في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالساً على كرسي عال ومرتفع، وأذياله تملأ الهيكل، السرافيم واقفون فوقه، لكل واحد ستة أجنحة، باثنين يغطي وجهه، وباثنين يغطي رجليه، وباثنين يطير .. فقلت: ويل لي، إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين، وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين، لأن عينيّ قد رأتا الملك رب الجنود. فطار إليّ واحد من السرافيم، وبيده جمرة قد أخذها بملقط من على المذبح، ومس بها فمي، وقال: إن هذه قد مست شفتيك فانتزع إثمك وكفر عن خطيتك" (إشعيا ٦/ ١ - ٧)، فقد رأى الله على عرشه وحوله الملائكة، وخاف على نفسه الموت، لأنه رأى الله الذي توعدت النصوص من يراه بالموت.
ومثله ما جاء في سفر الملوك عن رؤية النبي ميخا لله، حيث يقول: "قد رأيت الرب جالساً على كرسيه، وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره ... " (الملوك (١) ٢٢/ ١٩). فميخا حسب النص يرى الله في السماء على كرسيه، وهو بين ملائكته، فهو ليس متجسداً ...
وموسى طلب رؤية الله في مجده، ويذكر سفر الخروج أنه رآه بالفعل، لكنه لم ير وجهه "فقال: أرني مجدك ... قال: لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش. وقال الرب: هوذا عندي مكان، فتقف على الصخرة. ويكون متى اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة، وأسترك بيدي حتى اجتاز. ثم ارفع يدي فتنظر ورائي، وأما وجهي فلا يرى" (الخروج ٣٣/ ١٨ - ٢٣) فتفيد القصة أن وجه الله، أي الحقيقي لا يرى، ومن رآه يموت، لكن جسده الحقيقي رئي من قبل موسى، فقد مر من أمام الصخرة فرآه.
стр. 150
ومن تناقضات التوراة ترددها في وصف الله بالقدرة التامة تارة، وبالعجز تارة أخرى، فقد وصفه سفر طوبيا بوصف حق حين قال: "لا إله قادر على كل شيء سواه" (طوبيا ١٣/ ٤)، ومثله في (أيوب ٤٢/ ٢).
وهذا المعتقد الصحيح تنقضه التوراة في مواطن كثيرة، نسبت إلى الله العجز كما مرّ معنا في غلبة يعقوب عليه في المصارعة (انظر: التكوين ٣٢/ ٢٤ - ٣٢)، كما عجز عن طرد الكنعانيين الذين كانوا يمتلكون مركبات حديدية، إذ تقول الأسفار: "وكان الرب مع يهوذا، فملك الجبل، ولم يطرد سكان الوادي، لأن لهم مركبات من حديد " (القضاة ١/ ١٩).
وتتحدث التوراة عن رحمة الله وحلمه، فتقول: " الرب حنان رحوم بطيء عن الغضب، وعظيم النعمة " (المزمور ١٤٥/ ٨)، ثم تنقضه حين تذكر ما حصل مع أهل بيت شمس الذين رأوا التابوت فقتلهم جميعاً، وكانوا أكثر من خمسين ألف رجل "وضرب الرب من أهل بيت شمس، لأنهم رأوا تابوت الرب، وضرب من الشعب سبعين رجلاً وخمسين ألف رجل" (صموئيل (١) ٦/ ١٩) فهل يستحق هذا الفعل هذه العقوبة؟ والله حنان رحوم بطيء الغضب!
وأيضاً تصف التوراة بصر الله ومعرفته بما يصنعه عباده، فتقول: " عينا الرب محيطتان بكل الأرض" (الأيام (٢) ١٦/ ٩)، وتؤكده في سفر الأمثال " عينا الرب في كل مكان يترقبان الصالحين والطالحين " (الأمثال ١٥/ ٣)، وتقول: "الرب إله عليم" (صموئيل (١) ٢/ ٣).
ولكن في سفر التكوين تنقضه، فتجعله جاهلاً ببعض صنائع عباده، إذ لما اختبأ آدم في الجنة بحث عنه الإله " فدعا الربُ الإلهُ آدمَ وقال له: أين أنت؟ " (التكوين ٣/ ٩)، ثم لم يعرف أن آدم أكل من الشجرة وصار عارفاً للخير من الشر، وأنه قد
стр. 151
أدرك سوءة العري، فقال له: " من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ " (التكوين ٣/ ١١).
وكذا لما بدأ أهل بابل ببناء مدينتهم وبرجهم، أراد الرب - تعالى عن ذلك - أن يعرف ماذا يصنعون " فنزل الرب لينظر المدينة والبرج الذي كان يبتنيه بنو آدم ... وقال الرب هوذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه" (التكوين ١١/ ٥ - ٦)، فكأنه خشي من اجتماع بني آدم وما يمكن أن ينتج عنه، فقال: "هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض، فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفّوا عن بنيان المدينة" (التكوين ١١/ ٧).
- ومن التناقض أيضاً تناقض الأسفار في مسألة وراثة الذنب، ففي سفر الخروج ذكر أن الرب "مفتقد إثم الآباء في الأبناء، وفي أبناء الأبناء، في الجيل الثالث والرابع " (التثنية ٣٤/ ٧) فالأبناء يعاقبون بجريرة آبائهم. وفي سفر حزقيال كذب ذلك فقال: " الابن لا يحمل من إثم أبيه، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون" (حزقيال ١٨/ ٢٠).
- وفي سفر حزقيال ينعي الرب على بني إسرائيل أنهم تركوا شريعتهم وعملوا بشرائع الأمم المجاورة، فيقول: " أنا الرب الذي لم تسلكوا في فرائضه، ولم تعملوا بأحكامه، بل عملتم حسب أحكام الأمم الذين حولكم " (حزقيال ١١/ ١٢)، ولكنه ينقضه السفر نفسه، حين يذكر أنهم لم يعملوا بشرائع الله ولا بشرائع الأمم الذين حولهم، فيقول: " لم تسلكوا في فرائضي، ولم تعملوا حسب أحكامي، ولا عملتم حسب أحكام الأمم التي حواليكم " (حزقيال ٥/ ٧)، فهل عملوا وفق أحكام الأمم المجاورة أم لم يعملوا؟
- ويتناقض الكتاب في مسألة عودة بني إسرائيل إلى مصر، ففي بعض المواضع يخبر الكتاب بأن الله توعدهم بإرجوعهم إلى أرض ذلتهم، إلى مصر فقال لهم: "لأن أفرايم كثّر مذابح للخطية؛ صارت له المذابح للخطية .. الآن يذكر إثمهم، ويعاقب خطيتهم، إنهم إلى مصر يرجعون" (هوشع ٨/ ١١ - ١٣)، ويؤكد على هذه العقوبة في الإصحاح التالي بقوله: "لا يسكنون في أرض الرب، بل يرجع أفرايم إلى مصر، ويأكلون النجس في أشور" (هوشع ٩/ ٣).
لكن الكتاب في موضع آخر من نفس السفر يذكر الكتاب أن بني إسرائيل ارتدوا عن عبادة الله وعبدوا البعليم رغم إنعام الرب عليهم وعلى سبط أفرايم خصوصاً، ولذلك عاقبهم بقوله: "وأنا درّجت أفرايم ممسكاً إياهم بأذرعهم، فلم يعرفوا أني شفيتهم .. لا يرجع إلى أرض مصر، بل أشور هو ملكه، لأنهم أبوا أن يرجعوا، يثور السيف في مدنهم، ويتلف عصيّها، ويأكلهم من أجل آرائهم" (هوشع ١١/ ٥ - ٦)، فعقوبتهم - حسب هذه الفقرة - هي عدم إرجاعهم إلى مصر خلافاً للنصين السابقين، لذا يثور السؤال: أيهما هو العقوبة الحقيقية التي توعد الله بها بني إسرائيل؟ العودة إلى مصر أم الحرمان منها؟
стр. 152
- ومن التناقضات الغريبة ما ورد في آخر سفر صموئيل الأول وأول سفر صموئيل الثاني، حيث يتحدث السفران عن نهايتين مختلفتين للملك شاول، فيقول السفر الأول بموته منتحراً بسيفه، فقد جاء فيه: "فقال شاول لحامل سلاحه: استل سيفك واطعنّي به، لئلا يأتي هؤلاء الغلف ويطعنوني ويقبحوني، فلم يشأ حامل سلاحه، لأنه خاف جداً، فأخذ شاول السيف، وسقط عليه، ولما رأى حامل سلاحه أنه قد مات شاول، سقط هو أيضاً على سيفه ومات معه" (صموئيل (١) ٣١/ ٤ - ٥).
ولكن لو ألقى القارئ ببصره إلى الصفحة التالية فإنه واجد أن شاول مات بيد رجل من العماليق وأن داود قتله انتقاماً لشاول مسيح الرب، حيث يقول السفر الثاني: "فقال الغلام الذي أخبره: اتفق أني كنت في جبل جلبوع، وإذا شاول يتوكأ على رمحه، وإذا بالمركبات والفرسان يشدّون وراءه، فالتفت إلى ورائه، فرآني، ودعاني فقلت: ها أنذا، فقال لي: من أنت؟ فقلت له: عماليقي أنا. فقال لي: قف عليّ واقتلني، لأنه قد اعتراني الدوار، لأن كل نفسي بعد فيّ. فوقفت عليه، وقتلته، لأني علمت أنه لا يعيش بعد سقوطه، وأخذت الإكليل الذي على رأسه والسوار الذي على ذراعه، وأتيت بهما إلى سيدي ههنا" (صموئيل (٢) ١/ ٦ - ١٠)، فهل قتل شاول نفسه أم قتله الرجل العماليقي؟ وما سبب ورود الطريقتين معاً في الكتاب؟
يجيب محققو الرهبانية اليسوعية: "تقليد آخر في موت شاول .. وهي مزيج من عناصر مختلفة".
- وأياً كانت طريقة موت شاول فإن الله قتله نتيجة لأخطائه، والتي منها أنه لجأ إلى العرّافة ولم يسأل الله "فمات شاول بخيانته التي بها خان الرب، من أجل كلام الرب الذي لم يحفظه، وأيضاً لأجل طلبه إلى الجان للسؤال، ولم يسأل من الرب، فأماته" (الأيام (١) ١٠/ ١٣).
стр. 153
لكن سفر صموئيل يبرئ ساحة شاول من أحد هذه الآثام، فقد سأل شاولُ اللهَ قبل أن يلجأ للعرافة يقول السفر: " فسأل شاول من الرب، فلم يجبه الرب، لا بالأحلام ولا بالأوريم ولا بالأنبياء، فقال شاول لعبيده: فتشوا لي على امرأة صاحبة جان " (صموئيل (١) ٢٨/ ٦ - ٧)، فأي السفرين يصدق القارئ الكريم؟ هل سأل شاول الله أم لم يسأله قبل أن يسأل العرافة؟
- وليس خبر موت شاول بأعجب من خبر موت جليات الجتي الفلسطيني، فقد أماته الكتاب المقدس مرتين: أولاهما في أيام شاول على يد داود كما في سفر صموئيل الأول " وفيما هو يكلمهم إذا برجل مبارز، اسمه جليات الفلسطيني، من جتّ صاعد من صفوف الفلسطينيين " ثم يمضي السفر فيبين كيف قتله داود ﵇ " فركض داود، ووقف على الفلسطيني، وأخذ سيفه، واخترطه من غمده، وقتله، وقطع به رأسه، فلما رأى الفلسطينيون أن جبارهم قد مات، هربوا " (صموئيل (١) ١٧/ ٢٣ - ٥١).
أما سفر صموئيل الثاني فيذكر أن الذي قتل جليات هو ألحانان بن يعري، وذلك زمن حكم داود " ثم كانت أيضاً حرب في جوب مع الفلسطينيين، فألحانان بن يعري أرجيم البيت لحمي قتل جليات الجتّي " (صموئيل (٢) ٢١/ ١٩)، فأيهما قَتل جليات، داود أم ألحانان؟
يحاول كاتب سفر الأيام حل هذه المعضلة، فيقول: " وكانت أيضاً حرب مع الفلسطينيين، فقتل ألحانان بن ياعور لحمي أخا جليات الجتّي" (الأيام (١) ٢٠/ ٥)، فالمقتول على يد داود هو جليات، والمقتول على يد ألحانان هو أخوه، وما جاء في صموئيل الثاني خطأ غير مقصود، وسببه كما نقل القس صموئيل عن بعض العلماء أنه "حدث هذا الخلط عند إعادة كتابة سفر صموئيل للتشابه في العبرية بين كلمة (???)، وهي أداة المفعول به، والكلمة (?????) التي تعني أخا، وبهذا يكون الحانان قتل أخا
стр. 154
جليات الفلسطيني الذي قتله داود". (١)
ويوافق على الإقرار بهذا الخطأ القس منيس عبد النور، ومحققو الترجمة العربية المشتركة الذين أصلحوا الخلل، وزادوا كلمة (أخا) في سفر صموئيل، ليغدو النص عندهم: " فقتل ألحانان بن يائير الذي من بيت لحم أخا جليات الجتي"، فلهم من قراء الكتاب المقدس الكثير من الشكر على هذا التصحيح الذي تأخر عشرين قرناً، ونرجو منهم تنبيه بقية طابعي نسخ الكتاب المقدس ليقوموا بمثل هذا التصحيح في نسخهم وتراجمهم العالمية التي ما تزال تضل قراءها وتذكر لهم أن جليات قتل مرتين.!
لكن علماء الكتاب المقدس لن يرضيهم مثل هذا الحل على بساطته، فلجؤوا إلى حلول متناقضة زادت المسالة تعقيداً، تنقلها إلينا موسوعة دائرة المعارف الكتابية، فتقول: " وهناك جملة افتراضات لحل هذه المسألة:
- افتراض وجود جبارين باسم جليات، أحدهما قتله داود، والثاني قتله ألحانان.
- أو افتراض أن "جليات" كان لقباً لطائفة من الجبابرة.
- الزعم بأن كلمة "أخ" سقطت من سفر صموئيل.
- الزعم بأن كاتب سفر الأخبار أضاف كلمة "أخ" لحل المشكلة.
- يزعم ايوالد وكنيدي أن القصة كانت أصلاً عن ألحانان، ثم نسبت إلى داود، أما من قتله داود فجبار مجهول الاسم [وإليه يميل محققو الرهبانية اليسوعية، وأن اسم جوليات قد أضيف على سفر صموئيل].
- ذكر جيروم والترجوم العبري - بناء على تقليد قديم - أن داود وألحانان اسمان لشخص واحد". (٢)
وهكذا تختلف الحلول وتتضارب، إلا أنها - على كل حال - تتفق في الشهادة على أن هذا التناقض ليس من كلام الله.
وقبل أن نغادر خبر مقتل جليات، فإنه يلزمنا أن ننبه إلى خطأ تاريخي وقع به كاتب سفر صموئيل حين قال: "أخذ داود رأس الفلسطيني، وأتى به إلى أورشليم،
стр. 155
ووضع أدواته في خيمته" (صموئيل (١) ١٧/ ٥٤)، إذ أن أورشليم لم تكن من مدن اليهود زمن قتل جليات، وقد كان الملك شاول حينذاك مقيماً في جبعة شاول (انظر صموئيل (١) ١٤/ ٢)، ثم افتتح داود أورشليم في السنة الثامنة من ملكه، وجعلها عاصمة لملكه (انظر صموئيل (٢) ٥/ ٥ - ٧)، وهكذا فإن من الخطأ البيِّن ذكر السفر ذهاب داود إلى أورشليم عاصمة اليبوسيين حينذاك، وقد أقر بهذا الغلط الآباء اليسوعيون فقالوا: "هذه الآية إضافة، إذ لم تفتح أورشليم إلا في وقت لاحق".
- وتناقض الكتاب في مسألة قتل شاول وجليات لن يكون أشد غرابة مما جاء به سفر الأمثال، إذ يوصي في فقرة واحدة بوصيتين متناقضتين، في أولاهما يدعو لعدم مقابلة الجاهل حسب حماقته، ثم يعود ليدعو إلى مقابلة الجاهل حسب حماقته، ليترك للقارئ دهشاً لا يدري بأي الوصيتين يعمل، يقول السفر: " لا تجاوب الجاهل حسب حماقته، لئلا تعدله أنت، جاوب الجاهل حسب حماقته لئلا يكون حكيماً في عيني نفسه" (الأمثال ٢٦/ ٤ - ٥)، فكيف يقابل أولئك الذين يهتدون بهدي الكتاب حماقة الجاهل؟
- ومن التناقضات التي وقع فيها كُتَّاب التوراة أنه جاء في سفر الملوك أن الله وعد داود فقال: "ويكون لداود ونسله وبيته وكرسيه سلام إلى الأبد" (الملوك (١) ٢/ ٣٣).
لكن في سفر صموئيل ما ينقض ذلك تماماً، فقد قال له الله: " والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد، لأنك احتقرتني، وأخذت امرأة أوريا الحثي" (صموئيل (٢) ١٢/ ١٠)، فهل وُعِد بالسيف الأبدي أم بالسلام الأبدي، فالسيف والسلام ضدان لا يجتمعان.
- ومن التناقضات أنه جاء في سفر التكوين في الإصحاح السادس أن البهائم التي نجت مع نوح اثنين اثنين، من كل ما يدب على الأرض "فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك. ومن كل حيّ من كل ذي جسد اثنين، من كلّ تدخل
стр. 156
إلى الفلك لاستبقائها معك، تكون ذكراً وأنثى، من الطيور كأجناسها، ومن البهائم كأجناسها، ومن كل دبابات الأرض كأجناسها. اثنين من كلّ تدخل إليك لاستبقائها" (التكوين ٦/ ٢٠ - ٢١).
ثم نقض ذلك في الإصحاح السابع فقال: " وقال الرب لنوح: ادخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك ... من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة، ذكراً وأنثى .. ومن طيور السماء أيضاً سبعة سبعة ذكراً وأنثى، لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض" (التكوين ٧/ ٢ - ٣)، فما هو الذي أمر بحمله نوح من طيور السماء، هل أمر بحمل زوجين، أم سبع أزواج؟!
ومن تناقضات العهد القديم التناقض في وصف أشياء محسوسة محددة، أو أخبار تاريخية معينة ذكرت في أكثر من موضع في أسفار التوراة، ولم يتنبه الكتبة الملهمون إلى تناقضهم مع نصوص سابقة:
- ومنه أنه جاء في سفر الأيام وصف دقيق للمذبح النحاسي الذي صنعه سليمان، ومما جاء في وصفه أنه " يسع ثلاثة آلاف بث " (الأيام (٢) ٤/ ٥).
وكان سفر الملوك قد أورد وصفاً دقيقاً للمذبح يتطابق مع ما جاء في سفر الأيام غير أن سعة المذبح تختلف بنسبة ٣٣% إذ جاء فيه " يسع ألفي بث " (الملوك (١) ٧/ ٢٦). فهل نسي الروح القدس ما كان أملاه أم ماذا سبب هذا التفاوت بين الرقمين؟
- ويذكر سفر الملوك أن لسليمان أربعين ألف إصطبل لخيوله، فيقول: "وكان لسليمان أربعون ألف مذود لخيل مركباته، واثنا عشر ألف فارس " (الملوك (١) ٤/ ٢٦).
وهذا الرقم كبير جداً، خاصة مع صغر أورشليم زمن سليمان ﵇، وهو على كل حال مناقض لما جاء في سفر الأيام، وفيه " كان لسليمان أربعة ألاف مذود خيل ومركبات، واثنا عشر ألف فارس " (الأيام (٢) ٩/ ٢٥).
стр. 157
ويحاول القس استانلي شوبرج كبير قساوسة السويد إزالة هذا التناقض في مناظرته مع العلامة ديدات، فيقول في محاولة يائسة منه تدعو للضحك: " إن هذا يبرهن على بركة الله، في البداية كان عند سليمان أربعة آلاف مذود، زادت إلى أربعين ألف مذود بانتهاء العام ". (١)
- وتتحدث الأسفار عن غنائم داود التي غنمها من ملك صوبة، فيقول سفر صموئيل: "وضرب داود هدد عزر بن رحوب ملك صوبة حين ذهب ليرد سلطته عند نهر الفرات، فأخذ داود منه ألفاً وسبع مائة فارس، وعشرين ألف راجل، وعرقب داود جميع خيل المركبات، وأبقى منها مائة مركبة" (صموئيل (٢) ٨/ ٣ - ٤)، فقد أخذ منه ١٧٠٠ فارس، سوى ما أخذه من راجلته.
وهذه الأرقام لا تتفق مع الأرقام التي ذكرها سفر الأيام، حين جعل الفرسان المأسورين ٧٠٠٠ فارس، عدا ما أخذه من راجلته، فقال: "وضرب داودُ هدر عزر ملك صوبة في حماة حين ذهب ليقيم سلطته عند نهر الفرات، وأخذ داود منه ألف مركبة وسبعة آلاف فارس، وعشرين ألف راجل، وعرقب داود كل خيل المركبات، وأبقى منها مائة مركبة" (الأيام (١) ١٨/ ٣ - ٤).
ويتحدث السفران عن حاشية داود بعد تملكه على جميع إسرائيل، فيتفقان في مجمل الأسماء ويختلفان في اسمين، فيقول كاتب سفر صموئيل: "وصادوق بن أخيطوب وأخيمالك بن أبياثار كاهنين، وسرايا كاتباً" (صموئيل (٢) ٨/ ١٧)، في حين أن كاتب سفر الأيام يستبدل اسمين (أخيمالك الكاهن بأبيمالك، وسرايا الكاتب بشوشا الكاتب)، فيقول: "وصادوق بن أخيطوب وأبيمالك بن أبياثار كاهنين، وشوشا كاتباً" (الأيام (١) ١٨/ ١٦). (٢)
كما نلحظ بين السفرين جملة من الاختلافات التي ترجع إلى اختلاف النساخ، ومنها اسم ملك حماة (هدد عزر - هدر عزر)، واسم مدينتيه (باطح وبيروثاي - طبحة وخون)، وتحديد جنس القتلى الثمانية عشر ألفاً (أرام - أدوم).
- ويقص سفر صموئيل عن حرب أرام مع بني إسرائيل، فيقول: " وقتل داود من أرام سبعمائة مركبة، وأربعين ألف فارس " (صموئيل (٢) ١٠/ ١٨).
ثم أعادت الأسفار ذكر حرب إسرائيل مع أرام فقال كاتب سفر الأيام: " وهرب أرام من أمام إسرائيل، وقتل داود من أرام سبعة آلاف مركبة وأربعين ألف راجل " (الأيام (١) ١٩/ ١٨).
стр. 158
وبين السفرين تناقض واضح في نقطتين:
الأولى: كم عدد المراكب التي قتلها جيش إسرائيل هل ٧٠٠ أم ٧٠٠٠، ولم يوضح لنا السفر كيف تقتل المراكب؟ ولعله أراد من فيها.
الثانية: هل كان القتلى من الفرسان أم المشاة؟ فكيف لم يفرق الملهِم بين الفرسان والمشاة؟
- ويتحدث سفر صموئيل عن أن داود قد أمره الرب بإحصاء بني إسرائيل، فيقول: " عاد فحمي غضب الرب على إسرائيل، فأهاج عليهم داود قائلاً: امض وأحصِ إسرائيل ويهوذا "، ففعل داود " فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى الملك، فكان إسرائيل ثمانمائة ألف رجل ذي بأس مستل السيف (٨٠٠ ألف)، ورجال يهوذا خمسمائة ألف رجل " (٥٠٠ ألف).
ثم إن داود ندم على إحصائه بني إسرائيل، وقال للرب: " لقد أخطأت جداً في ما فعلت، والآن يا رب أزل إثم عبدك "، وهذا الندم عجيب، إذ هو قد امتثل لأمر الله، وصنع تماماً كما أمره.
ثم أمر اللهُ النبيَّ جاد أن يبلغ داودَ عقوبةَ الله له، فالله يخيره بين أمور " أتأتي عليك سبع سني جوع في أرضك؟ أم تهرب ثلاثة أشهر أمام أعدائك وهم يتبعونك؟ أم يكون ثلاثة أيام وباء في أرضك؟ فالآن اعرف، وانظر ماذا أرد جواباً على مرسلي " (صموئيل (٢) ٢٤/ ١ - ١٣).
ويختلف سفر الأيام عن سفر صموئيل في رواية القصة ذاتها، فيقول: "ووقف الشيطان ضد إسرائيل وأغوى داود ليحصي إسرائيل .... فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود، فكان كل إسرائيل ألف ألف ومائة ألف رجل (مليون ومائة ألف) مستلّي السيف، ويهوذا أربع مئة وسبعين ألف رجل مستلّي السيف (٤٧٠ ألف) ... وقبح في
стр. 159
عيني الله هذا الأمر، فضرب إسرائيل.
فقال داود لله: لقد أخطأت جداً حيث عملت هذا الأمر، والآن أزل إثم عبدك، لأني سفهت جداً. فكلم الرب جاد رائي داود، وقال: اذهب، وكلم داود قائلاً: هكذا قال الرب: ثلاثة أنا عارض عليك، فاختر لنفسك واحداً منها فأفعله بك ... إما ثلاث سنين جوع، أو ثلاثة أشهر هلاك أمام مضايقيك، وسيف أعدائك يدركك، أو ثلاثة أيام يكون فيها سيف الرب ووبأ في الأرض .. فانظر الآن ماذا أرد جواباً لمرسلي" (الأيام (١) ٢١/ ١ - ١٢).
فقد تناقض النصان في أمور:
١) من الذي أمر بإحصاء بني إسرائيل الرب أم الشيطان؟ وكما يقول العلامة ديدات: " فإن الشيطان والرب ليسا مصطلحين مترادفين في أي الديانات ". (١)
٢) أعداد بني إسرائيل، ففي سفر صموئيل كان رجال إسرائيل ٨٠٠٠٠٠، وفي الأيام أضحوا ١.١٠٠٠٠٠، وفي سفر صموئيل كان رجال يهوذا ٥٠٠٠٠٠ رجل، فجعلهم سفر الأيام ٤٧٠٠٠٠ رجل، فأي السفرين أرقامه صحيحة؟ ومن المخطئ، هل هو الروح القدس أم الكتبة الملهمون؟
٣) وهل كانت العقوبة التي خير داود ثلاث سنين جوع أم سبع سنين.
وتعلق نسخة الرهبانية اليسوعية على أرقام القتلى المهولة بقولها: "من الواضح أن الأرقام مبالغ فيها كما في كثير من الأرقام المماثلة في العهد القديم، وقد زيد عليها أيضاً في سفري الأخبار".
- وتتحدث الأسفار عن مكان موت ودفن نبي الله هارون، فتقول: "وبنو
стр. 160
إسرائيل ارتحلوا من آبار بني يعقان إلى موسير، هناك مات هارون، وهناك دفن" (التثنية ١٠/ ٦).
وفي موضع آخر تذكر مكاناً آخر تزعم أن هارون مات فيه، فتقول: "كما مات هارون أخوك في جبل هور " (التثنية ٣٢/ ٥٠).
وتحاول دائرة المعارف الكتابية الجمع بين المكانين وإزالة التناقض بين النصين، فتقول عن مسيروت: " ويسمى أيضاً موسير، وهناك مات هارون وهناك دفن ... فلابد أنها كانت قريبة من جبل هور، حيث إن هارون مات في جبل هور ". (١)
والصحيح أن جبل هور بعيد عن موسير (مسيروت)، فقد مرّ بنو إسرائيل في طريقهم إلى أدوم بمسيروت، وارتحلوا عنها، فمروا بستة منازل قبل أن يصلوا إلى جبل هور، يقول سفر العدد: " ثم ارتحلوا من مسيروت، ونزلوا في بني يعقان، ثم ارتحلوا من بني يعقان، ونزلوا في حور الجدجاد .. ونزلوا في يطبات .. ونزلوا في عبرونة .. ونزلوا في عصيون جابر ... ونزلوا في برية صين وهي قادش، ثم ارتحلوا من قادش، ونزلوا في جبل هور في طرف أرض أدوم، فصعد هارون الكاهن إلى جبل هور حسب قول الرب، ومات هناك " (العدد ٣٣/ ٣١ - ٣٨)، وعليه فجبل هور بعيد عن موسير بمقدار ستة منازل، ففي أيهما مات هارون ودُفن؟
- ويذكر كل من سفري عزرا ونحميا قائمة طويلة بأعداد العائدين من السبي، (انظر عزرا ٢/ ١ - ٦٤، ونحميا ٧/ ٦ - ٦٦)، ويتفقان في كثير من الأرقام التي يذكرانها، ويختلفان أيضاً في كثير منها، وفيما يلي بعض هذه الأرقام، نضعها في جدول ليسهل على القارئ الكريم المقابلة بينهما:
стр. 161
أسماء القبائل ... سفر عزرا ... سفر نحميا ... أسماء القبائل ... سفر عزرا ... سفر نحميا
بنو فرعوش ... ٢١٧٢ ... ٢١٧٢ ... بنو بيصاي ... ٣٢٣ ... ٣٢٤
بنو شفطيا ... ٣٧٢ ... ٣٧٢ ... بنو حشوم ... ٢٢٣ ... ٣٢٨
بنو آرح ... ٧٧٥ ... ٦٥٢ ... بنو أريحا ... ٣٤٥ ... ٣٤٥
بنو فحث موآب ... ٢٨١٢ ... ٢٨١٨ ... بنو بيت لحم ... ١٢٣ ... (معاً) ... ١٨٨
بنو عيلام ... ١٢٥٤ ... ١٢٥٤ ... رجال نطوفة ... ٥٦
بنو عيلام الآخر ... ١٢٥٤ ... ١٢٥٤ ... رجال عناثوث ... ١٢٨ ... ١٢٨
بنو زكاي ... ٧٦٠ ... ٧٦٠ ... بنو عزموت ... ٤٢ ... ٤٢
بنو باني (بنوي) ... ٦٤٢ ... ٦٤٨ ... بنو حاريم ... ٣٢٠ ... ٣٢٠
بنو باباي ... ٦٢٣ ... ٦٢٨ ... بنو آطير ... ٩٨ ... ٩٨
بنو عرجد (عزجد) ... ١٢٢٢ ... ٢٣٢٢ ... بيت ايل وعاي ... ٢٢٣ ... ١٢٣
بنو ادونيقام ... ٦٦٦ ... ٦٦٧ ... رجال مخماس ... ١٢٢ ... ١٢٢
بنو بغواي ... ٢٠٥٦ ... ٢٠٦٧ ... بنو نبو الأخرى ... ٥٢ ... ٥٢
بنو عادين ... ٤٥٤ ... ٦٥٥ ... بنو سناءة ... ٣٦٣٠ ... ٣٩٣٠
بنو الرامة وجبع ... ٦٢١ ... ٦٢١ ... بنو يشوع وقدميئيل ... ٧٤ ... ٧٤
بنو يورة (حاريف) ... ١١٢ ... ١١٢ ... بنو جبّار (جبعون) ... ٩٥ ... ٩٥
جميع النثينيم وبني عبيد سليمان ... ٣٩٢ ... ٣٩٢ ... بنو لود بنو حاديد ... ٧٢٥ ... ٧٢١ ... واونو
بنو دلايا بنو طوبيا ... ٦٥٢ ... ٦٤٢ ... بنو مغبيش ... ١٥٦ ... لم يُذكروا
بنو يدعيا ... ٩٧٣ ... ٩٧٣ ... المغنون بنو آساف ... ١٢٨ ... ١٤٨
بنو امّير ... ١٠٥٢ ... ١٠٥٢ ... بنو حاريم (الكهنة) ... ١٠١٧ ... ١٠١٧
بنو فشحور ... ١٢٤٧ ... ١٢٤٧ ... بنو زتو ... ٩٤٥ ... ٨٤٥
بنو البوابين
стр. 162
بنو شلوم ... ١٣٩ ... ١٣٨ ... بنو قرية عاريم كفيرة وبئيروت ... ٧٤٣ ... ٧٤٣ ... بنو آطير بنو طلمون ... بنو عقّوب بنو حطيطا بنو شوباي
المجموع حسب الكتاب المقدس ... ٤٢٣٦٠ ... ٤٢٣٦٠ ... ناتج الجمع الصحيح ... ٢٩٨١٨ ... ٣١٠٨٩
وكما يلحظ القارئ الكريم فإن هذه الأرقام متباينة اختلف فيها السفران اختلافاً بيناً، فأحد الملهمين أو كلاهما أخطأ ولا محالة، والذي يخطئ في مثل هذه المسائل البسيطة لا يؤمَن عليه الخطأ في المسائل اللاهوتية والأمور الهامة الأخرى.
لكن الأعجب أن الكاتبين ورغم اختلافهما الكبير في أعداد عدد من القبائل العائدة مع زربابل فإنهما يتفقان في المجموع الكلي للعائدين، هو (٤٢٣٦٠)، فيقول عزرا: "كل الجمهور معاً اثنان وأربعون ألفاً وثلاث مئة وستون " (عزرا ٢/ ٦٤)، ويوافقه نحميا فيقول: "كل الجمهور معاً أربع ربوات وألفان وثلاث مئة وستون" (نحميا ٧/ ٦٦).
وكلاهما خطأ ولا ريب، إذ العائدون حسب عزرا (٢٩٨١٨)، فيما عددهم حسب نحميا (٣١٠٨٩)، فمن الذي أخطأ في جمع أعداد العائدين من السبي، هل هم الكتبة، أم الروح القدس الذي زعموا أنه ألهمهم، أم أولئك الذين أعطوا لكلام البشر وتخليطهم صفة القداسة والإلهام، وزعموا أن تخليطهم وأخطاءهم هي وحي الله وكلمته! تعالى الله عن خطئهم وزللهم علواً كبيراً.
стр. 163
ومن الأخبار التوراتية المتناقضة:
- أنه جاء في سفر الملوك " كان أخزيا ابن اثنتين وعشرين سنة حين ملك، وملك سنة واحدة" (الملوك (٢) ٨/ ٢٦).
وفي سفر الأيام ما يناقضه: "كان أخزيا ابن اثنتين وأربعين سنة حين ملك، وملك سنة واحدة" (الأيام (٢) ٢٢/ ٢).
وما جاء في الأيام خطأ ولا ريب، إذ أن يهورام الملك والد أخزيا قد مات وعمره أربعون سنة، وتولى الحكم بعده ابنه أخزيا، فلا يمكن أن يكون عمر ابنه أخزيا حينذاك اثنين وأربعين سنة.
لذلك عمد محققو الترجمة العربية المشتركة إلى تصحيح الخطأ في سفر الأيام، فالنص عندهم: "وكان أخزيا ابن عشرين سنة حين ملك، وملك سنة واحدة بأورشليم" (الأيام (٢) ٢٢/ ٢)، لكنه - وللأسف - لم يصحح في مئات التراجم العالمية التي يتداولها المسيحيون في العالم.
وقد أقر القس الدكتور منيس عبد النور في دفاعه الحميم عن الكتاب المقدس الموسوم بـ "شبهات وهمية"؛ أقر بوقوع خطأ في سفر الأيام، وردّه إلى غلطة الناسخ، لتشابه الحرف العبراني الذي يدل على الرقم (٢) مع الحرف الذي يدل على الرقم (٤)، لكنه قلل من أهميته، لأن "غلطة الناسخ هذه لا تُغير عقيدة يهودية ولا مسيحية"! (١)
وهنا نتساءل: إن كان الخطأ وقع من ناسخ واحد من نساخ المخطوطات التي يتفاخرون بكثرتها، فلم تركوا المخطوطات الصحيحة، وأخذوا بالخاطئ منها، ومتى سيصلحون هذا الخطأ.
стр. 164
إنا نظن أن أحداً لن يجرؤ على القول بأن الغلط كان في جميع النسخ، لأنه حينذاك يكون خطأ من المؤلف الأصلي للسفر أو من الروح الذي أوحى إليه بهذا الغلط.
ثم هل أخطأ النساخ في فقرات أخرى من المواضع التي لا تؤثر على العقيدة؟ وكيف لنا أن نجزم بأنهم معصومون من الخطأ في قضايا العقيدة دون القضايا التاريخية التي تشكل غالب أجزاء الكتاب المقدس.
- ومثله وقع الخطأ في عمر يهوياكين الذي ملك بني إسرائيل، فقد جاء في سفر الملوك "كان يهوياكين ابن ثماني عشرة سنة حين ملك، وملك ثلاثة أشهر في أورشليم " (الملوك (٢) ٢٤/ ٨).
وفي سفر الأيام ما ينقضه ولا سبيل إلى الجمع، إذ يقول: "كان يهوياكين ابن ثمان سنين حين ملك، وملك ثلاثة أشهر وعشرة أيام في أورشليم" (الأيام (٢) ٣٦/ ٩).
لذا يقول محررو قاموس الكتاب المقدس: "يرجح أن رواية سفر الملوك الثاني هي الرواية الصحيحة". (١)
- ويتحدث سفر الأيام عن الملك شاول، فيجعله من ذرية قيس بن نير، فيقول: "ونير ولد قيس، وقيس ولد شاول" (الأيام (١) ٨/ ٣٣)، وهذا مناقض لما جاء في سفر صموئيل، حيث يخبرنا أن نير وقيس أخوان، فيقول: "أبنير بن نير عم شاول، وقيس أبو شاول، ونير أبو أبنير؛ ابنا إبيئيل" (صموئيل (١) ١٤/ ٥٠ - ٥١)، و (انظر صموئيل (١) ٩/ ١).
- ويتناقض كُتاب العهد القديم في نِسبة يثر والد عماسا، فيجعلونه مرة إسماعيلياً كما في سفر الأيام "وأبو عماسا يثر الإسمعيلي" (الأيام (١) ٢/ ١٧)، وفي مرة أخرى
стр. 165
جعلوه إسرائيلياً، لا إسماعيلياً كما زعم كاتب سفر صموئيل بقوله: "وكان عماسا ابن رجل اسمه يثرا الإسرائيلي " (صموئيل (٢) ١٧/ ٢٥)، فأيهما هو الصحيح، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكون يثر من نسل إسرائيل (يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) وهو في نفس الوقت ينتسب لعمه إسماعيل بن إبراهيم!
- وتكرر نفس الخطأ والتناقض في سياق الحديث عن أُم الملك حورام ملك صور، ففي سفر الملوك الأول أن حيرام "ابن امرأة أرملة من سبط نفتالي" (الملوك (١) ٧/ ١٤)، وبينما يقول كاتب سفر الأيام الثاني بأنه "ابن امراة من بنات دان" (الأيام (٢) ٢/ ١٤)، ودان ونفتالي هما ابنا يعقوب من زوجته بلهة، فكيف أصبحت أُم حورام من ذرية أخوين شقيقين؟ أين سمعت الدنيا عن شخص ينتسب لأخوين إلا في الكتاب المقدس؟!
- ويتحدث سفر الملوك عن الهدايا التي أرسلها الملك حيرام لسليمان، فيذكر أنها ٤٢٠ وزنة ذهب، فيقول: "فأرسل حيرام في السفن عبيده النواتي العارفين بالبحر مع عبيد سليمان، فأتوا إلى أوفير، وأخذوا من هناك ذهباً أربع مائة وزنة وعشرين وزنة، وأتوا بها إلى الملك سليمان" (الملوك (١) ٩/ ٢٨).
لكن سفر أخبار الأيام الثاني جعلها ٤٥٠ وزنة ذهب، حيث يقول: "وأرسل له حورام بيد عبيده سفناً وعبيداً يعرفون البحر، فأتوا مع عبيد سليمان إلى أوفير، وأخذوا من هناك أربع مائة وخمسين وزنة ذهب، وأتوا بها إلى الملك سليمان" (الأيام (٢) ٨/ ١٨)، فالفرق ٣٠ وزنة ذهب، فهل أخطأ الروح القدس أم الكتبة الذين لم يعصموا من الخطأ والنسيان؟
إن الكتبة الذين يخطئون في مثل هذه المسائل البسيطة لا يؤمن من أن يقع منهم الخطأ في القضايا العظيمة المتعلقة باللاهوت وسواه، فمن فقد شرط العصمة والإلهام جاز عليه الخطأ في كل كلامه بلا تفريق.
стр. 166
- ويذكر سفر صموئيل أنه " ولد لأبشالوم ثلاثة بنين وبنت واحدة اسمها ثامار، وكانت امرأة جميلة المنظر " (صموئيل (٢) ١٤/ ٢٧).
وفي سفر الملوك يذكر ابنة أخرى غير ثامار الوحيدة، فيقول: " معكة ابنة أبشالوم" (الملوك (١) ١٥/ ٢) فكيف زعم سفر صموئيل أنها وحيدة؟
- يذكر سفر الأيام أن رحبعام أحب معكة ابنة ابشالوم، وأنها ولدت له أبيا " وأقام رحبعام أبيا ابن معكة رأساً وقائداً " (الأيام (٢) ١١/ ٢٢)، فمعكة بنت أبشالوم هي أم أبيا.
لكنه في السفر نفسه يقول: " ملك أبيا على يهوذا، ملك ثلاث سنين في أورشليم، واسم أمه ميخا بنت أوريئيل من جبعة " (الأيام (٢) ١٣/ ١ - ٢)، فقد تغير اسم أمه من معكة بنت أبشالوم إلى ميخا بنت أوريئيل؟ ولا يمكن أن تكون كلتاهما أمه!!
ثم يعود سفر الملوك فيأتي بالعجب وهو يتحدث عن آسا بن أبيام (أبيا) الذي ملك بعد أبيه أبيام (انظر الملوك (١) ١٥/ ٨)، فيقول السفر عن آسا: " ملك آسا على يهوذا، ملك إحدى وأربعين سنة في أورشليم، واسم أمه معكة ابنة أبشالوم " (الملوك (١) ١٥/ ٩ - ١٠).
فأصبحت معكة زوجة لأبيام حسب سفر الملوك، وأماً لابنه آسا، بينما رأيناها في سفر الأيام أماً لأبيام، لا زوجة له "أبيا ابن معكة " (الأيام (٢) ١١/ ٢٢)، فهل هي زوجة أبيا وأم أبنائه كما في سفر الملوك أم هي أمه كما في الأيام؟ ولا يمكن أن تكون الاثنين معاً.
- ويتحدث سفر صموئيل عن ميكال بنت شاول فيقول: "ولم يكن لميكال بنت شاول ولد إلى يوم موتها" (صموئيل (٢) ٦/ ٢٣)، ولكنه في السفر نفسه يذكر أن لها ذرية، وأن لهم خمسة من الأبناء من زوجها عدرئيل المحولي، فيقول: " بني ميكال ابنة
стр. 167
شاول الخمسة الذين ولدتهم لعدرئيل ابن برزلاي المحولي" (صموئيل (٢) ٢١/ ٨).
والحق أن ليس ثمة تناقض هنا، بل خطأ وقع فيه كاتب صموئيل الذي لم يميز بين ميكال وأختها ميرب التي تزوجت عدرئيل المحولي، فقد جاء في سفر صموئيل " وكان في وقت إعطاء ميرب ابنة شاول لدواد أنها أعطيت لعدرئيل المحولي امرأة " (صموئيل (١) ١٨/ ١٧)، ثم حكى السفر قصة زواج داود من أختها ميكال.
وقد اعترف محررو قاموس الكتاب المقدس بهذا الخطأ، وردوه إلى خطأ بعض المخطوطات القديمة (١)، وقد أبدلت نسخة الكتاب المقدس المسماة "الكتاب المقدس الأمريكي الجديد" الصادرة عام ١٩٧٣م، أبدلت ميكال بميراب، لتصحح هذا الخطأ الكبير الذي مازال شامخاً في جميع الترجمات العالمية، ليدلل على أن هذا الكتاب ليس كلمة الله.
- ومما تناقض فيه كتاب التوراة عدد وكلاء سليمان المسلطين على الشعب، فزعم سفر الملوك أنهم ٥٥٠ وكيلاً، في حين ذكر سفر الأيام أنهم ٢٥٠ وكيلاً فقط، يقول سفر الملوك: " هؤلاء رؤساء الموكلين على أعمال سليمان خمس مائة وخمسون، الذين كانوا يتسلطون على الشعب العاملين العمل، ولكن بنت فرعون ... " (الملوك (١) ٩/ ٢٣).
في حين أن سفر الأيام يخالفه، فيقول في نفس السياق: " وهؤلاء رؤساء الموكلين الذين للملك سليمان مائتان وخمسون المتسلطون على الشعب، وأما بنت فرعون ... " (الأيام (٢) ٨/ ١٠).
- وتتحدث الأسفار قدوم رئيس شرطة نبوخذ نصر إلى أورشليم وأسره لبعض أعيانها، فتتناقض في هذا الخصوص في ثلاثة مواضع.
стр. 168
أولها: في عدد المأسورين من خواص الملك، فيقول سفر إرمياء: " وأخذ من المدينة خصياً واحداً كان وكيلاً على رجال الحرب، وسبعة رجال من الذين ينظرون وجه الملك الذين وجدوا في المدينة" (إرميا ٥٢/ ٢٥)، وهو بذلك يناقض سفر الملوك الذي جعل المأسورين من خواص الملك خمسة فقط، فيقول: "ومن المدينة أخذ خصياً واحداً كان وكيلاً على رجال الحرب، وخمسة رجال من الذين ينظرون وجه الملك الذين وجدوا في المدينة " (الملوك (٢) ٢٥/ ١٩).
وثاني المواضع التي تناقض فيها السفران، حديثهما عن ارتفاع التاج الذي سلبه رئيس الشرطة البابلية، فيذكر سفر إرميا أن ارتفاعه خمسة أذرع، فيما يجعله سفر الملوك ثلاثة أذرع فقط، يقول سفر إرميا: "وعليه تاج من نحاس ارتفاع التاج الواحد خمس أذرع" (إرميا ٥٢/ ٢٢)، فيما يقول سفر الملوك: "وعليه تاج من نحاس، وارتفاع التاج ثلاث أذرع " (الملوك (٢) ٢٥/ ١٧).
وأما ثالثها فهو تحديد اليوم الذي قدم فيه رئيس الشرطة إلى أورشليم، هل كان في سابع الشهر الخامس أم في عاشره، فكاتب سفر الملوك يرى أن قدوم "في الشهر الخامس، في سابع الشهر، وهي السنة التاسعة عشرة للملك نبوخذ ناصّر ملك بابل، جاء نبوزرادان رئيس الشرط عبد ملك بابل إلى أورشليم" (الملوك (٢) ٢٥/ ٨)، فقدوم رئيس الشرطة في اليوم السابع، وهو مكذِّب لما جاء في سفر إرمياء، فقد صرح بأن مقدم رئيس الشرطة كان في اليوم العاشر، وليس السابع، يقول كاتب سفر إرمياء: "في الشهر الخامس، في عاشر الشهر، وهي السنة التاسعة عشرة للملك نبوخذ راصر ملك بابل جاء نبوزرادان رئيس الشرط الذي كان يقف أمام ملك بابل إلى أورشليم" (إرميا ٥٢/ ١٢)، فأي السفرين هو كلمة الله؟
- وتختلف الأسفار في عدد المسبيين من اليهود إلى بابل خلال جولات السبي الثلاث، فيذكر سفر إرميا أنهم (٤٦٠٠)، ويفصِّله بقوله: "هذا هو الشعب الذي سباه نبوخذراصر: في السنة السابعة من اليهود ثلاثة آلاف وثلاثة وعشرون. وفي السنة الثامنة عشرة لنبوخذراصر سبى من أورشليم ثمان مئة واثنتان وثلاثون نفساً. في السنة الثالثة والعشرين لنبوخذراصر سبى نبوزرادان رئيس الشرط من اليهود سبع مئة وخمساً وأربعين نفساً. جملة النفوس أربعة آلاف وست مئة" (إرميا ٥٢/ ٢٨ - ٣٠).
وهذا الرقم بعيد جداً عن عدد المسبيين الذي أورده سفر الملوك (١٠٠٠٠)، فقد قال: "سبى كل أورشليم وكل الرؤساء وجميع جبابرة البأس عشرة آلاف مسبيّ وجميع الصنّاع والأقيان، لم يبق أحد إلا مساكين شعب الأرض" (الملوك (٢) ٢٤/ ١٤)، فأي الرقمين للمسبيين هو الصحيح؟ ومن المسؤول عن هذا الخطأ الرياضي في كتاب ينسب إلى الله؟
- ولما أراد داود أن يبني مذبحاً للرب اشترى مكان المذبح من أرنان الذي عرض
стр. 169
التبرع بمكان المذبح، لكن داود رفض وأصر على دفع الثمن، فكم الثمن الذي دفعه داود لأرنان؟
ويجيب سفر صموئيل أنه خمسون شاقلاً من الفضة، فيقول: "فقال الملك لأرونة: لا بل اشتري منك بثمن، ولا أصعد للرب إلهي محرقات مجانية، فاشترى داود البيدر والبقر بخمسين شاقلاً من الفضة، وبنى داود هناك مذبحاً للرب، وأصعد محرقات وذبائح سلامة " (صموئيل (٢) ٢٤/ ٢٤ - ٢٥)، وهذا السعر أقل بكثير مما ذكره سفر الأيام الذي جعل الثمن ستمائة شاقل من الذهب، فقال: "ودفع داود لأرنان عن المكان ذهباً وزنه ستمائة شاقل، وبنى داود هناك مذبحاً للرب، وأصعد محرقات وذبائح سلامة" (الأيام (١) ٢١/ ٢٥ - ٢٦)، وبين الثمنين فرق كبير، فأيهما دفعه داود لأرنان؟
- ويحدثنا الكاتب المجهول لسفر الملوك عن الملك السامري ياهو، فيذكر أنه ملك على السامرة مدة ثمان وعشرين سنة، يقول سفر الملوك "وكانت الأيام التي ملك فيها ياهو على إسرائيل في السامرة ثماني وعشرين سنة" (الملوك (٢) ١٠/ ٣٦).
ولو سألتُ القارئ الكريم في أي سني الملك يهوآش مات ياهو، فلن يجد كبير عناء في القول بأن ذلك كان في السنة الحادية والعشرين من حكم يهوآش، لأنه "في السنة السابعة لياهو، ملك يهوآش، ملك أربعين سنة في أورشليم " (الملوك (٢) ١٢/ ١)، فقد تمم ياهو سنوات حكمه الثماني والعشرين، فمات بعد واحد وعشرين سنة من تولي يهوآش الملك على مملكة يهوذا، فببساطة لا يختلف عليها العقلاء ٢٨ - ٧ = ٢١، لقد مات ياهو في السنة الحادية والعشرين للملك يهوآش.
وهذا الذي توصل إليه القارئ الكريم يناقضه الإصحاح الذي يليه من إصحاحات سفر الملوك، حيث أفاد بموت ياهو وتولي ابنه يهوآحاز الملك في السنة الثالثة والعشرين من حكم الملك يهوآش، وليست الحادية والعشرين، فيقول: " في
стр. 170
السنة الثالثة والعشرين ليوآش بن أخزيا ملِك يهوذا، ملَك يهوآحاز بن ياهو على إسرائيل في السامرة " (الملوك (٢) ١٣/ ١)، فهل كانت وفاة الملِك ياهو وتولية ابنه في السنة الحادية والعشرين من حكم يهوآش أم في السنة الثالثة والعشرين منه؟
- ومن عجيب تناقضات الكتاب وقوعها في صفحة واحدة، يكذب آخرُها أولَها، ليترك القارئ في دهشة وحيرة مما يقرأ، إذ يخبرنا سفر الملوك عن مدة حكم الملك السامري يهوآحاز بن ياهو، وأنه قد ملك مدة سبع عشرة سنة، بدأت في السنة الثالثة والعشرين من حكم الملك اليهوذي يوآش "في السنة الثالثة والعشرين ليوآش بن أخزيا ملَك يهوذا ملٍك يهوآحاز بن ياهو على إسرائيل في السامرة سبع عشرة سنة" (الملوك (٢) ١٣/ ١)، ولو سألتُ القارئ في أي سنة من سني الملك يوآش مات يهوآحاز؟ فإنه سيجيب بأنها السنة الأربعين من حكم يوآش.
ولن أسهب في شكره على توصله إلى الجواب بسرعة، إذ لا صعوبة البتة في أن ندرك مهما اختلفت ثقافاتنا وقدراتنا الرياضية أن ٢٣ + ١٧ = ٤٠
لكن هذه النتيجة على بساطتها لم يتوصل إليها الكاتب المجهول لسفر الملوك، إذ يقول في نفس الإصحاح وهو يحدثنا عن موت يهوآحاز وتولي ابنه يهوآش: "وفي السنة السابعة والثلاثين ليوآش ملك يهوذا، ملك يهوآش بن يهوآحاز على إسرائيل في السامرة " (الملوك (٢) ١٣/ ١٠)، فهل كان موت يهوآحاز في السنة الأربعين من حكم يهوآش - كما توصل القارئ الكريم - أم في السنة السابعة والثلاثين منه؟ إني أختبئ الكثير من الشكر والتقدير لذلك العبقري الذي سيخبرني أي القولين كان الحق الذي أوحى به الله العليم؟
- ومثله تناقض الكتاب في صفحة واحدة في سياق حديثه عن مدة حكم الملك يوثام، فيذكر في الفقرة الثانية والثلاثين أنه "ملك يوثام بن عزّيا ملك يهوذا، كان ابن
стр. 171
خمس وعشرين سنة حين ملك، وملك ست عشرة سنة في أورشليم " (الملوك (٢) ١٥/ ٣٣)، لكن الفقرة الثلاثين في نفس الإصحاح تذكر أن يوثام ملك أكثر من ست عشرة سنة، فتقول بأن هوشع بن أيلة قَتل الملك فقح بن رمليا في "السنة العشرين ليوثام بن عُزيا" (الملوك (٢) ١٥/ ٣٠). فهل ملك يوثام عشرين سنة أم ست عشرة سنة؟ سؤال آخر يبحث عن جواب، ولا من مجيب.
- ولن يكون وقوع التناقض في صفحة واحدة بأعجب من وقوعه في فقرة واحدة، ومثاله تناقض كاتب سفر الأيام في حديثه عن شيشان بن يشعي، فقد قال: "وابن شيشان أحلاي" (الأيام (١) ٢/ ٣١)، ثم قال بعدها بسطرين: "ولم يكن لشيشان بنون، بل بنات" (الأيام (١) ٢/ ٣٤)، وحتى لا يطول عجب القارئ الكريم فإني أنقل له ما كتبه محققو الرهبانية اليسوعية في تفسير وقوع التناقض خلال سطرين فقط: "تقليد يختلف عن التقليد الذي في الآية ٣١"، أي أنها من مصدر آخر، وكاتب آخر، لأنه لا يعقل أن يقع كاتب بمثل هذا.
لكن دعونا نعترف بأن كاتبي دائرة المعارف الكتابية نجحوا في إزالة التناقض حين ذكروا أن أحلاي "اسم ابن شيشان أو بالحري اسم ابنته، بناء على ما جاء بعدد ٣٤؛ من أنه لم يكن لشيشان بنون" (١)، نعم لقد نجحوا هذه المرة، فأحلاي ابنة شيشان، وليست ابنه، وقد أخطأ الكاتب الملهم حين قال: "وابن شيشان أحلاي"، وكان ينبغي أن يقول: "وابنة شيشان أحلاي"، وهكذا فبإمكان قارئنا الكريم نقل هذا الشاهد من باب التناقضات إلى موضعه في الباب القادم "أغلاط العهد القديم".
- لكن العجب والدهش يلجمان قارئ الكتاب المقدس، وهو يرى سلسلة من
стр. 172
التناقضات يقع فيها كاتب سفر الملوك الثاني، فيناقض نفسه مرة بعد مرة، وهو يحدثنا عن الملك يهورام بن اخآب ملك مملكة إسرائيل، فقد تولى الملك بعد أخيه أخزيا، وكان توليه الملك إبان حكم الملك يهورام بن يهوشافاط لمملكة يهوذا، وتحديداً في السنة الثانية لحكم الملك يهورام اليهوذي، يقول مؤلف سفر الملوك: "وملك يهورام (ابن اخآب) عوضاً عنه في السنة الثانية ليهورام بن يهوشافاط ملك يهوذا " (الملوك (٢) ١/ ١٧).
لكن كاتب السفر - الملهم حسب اعتقاد النصارى - سرعان ما غيّر رأيه، فزعم أن تولي يهورام للحكم كان في السنة الثامنة عشرة من ملك الأب يهوشافاط، وليس في عهد ابنه كما كان قد زعم، يقول: "وملك يهورام بن اخآب على إسرائيل في السامرة في السنة الثامنة عشرة ليهوشافاط ملك يهوذا" (الملوك (٢) ٣/ ١)، فمرّة زعم أن الملك السامري يهورام تولى الحكم زمن الملك اليهوذي يهوشافاط، ومرة زعم أنه تولاه في زمن ابنه، وبين التاريخين فرق تسع سنوات، وهي السنوات السبع الباقية من حكم الأب يهوشافاط. (انظر الملوك (١) ٢٢/ ٤٢)، إضافة إلى السنتين الأولين من حكم ابنه.
ورغم الاختلاف الذي ذكرناه آنفاً في وقت تولي الملك يهورام ابن آخاب الملك في السامرة، (هل هو بعد ١٨ سنة من حكم يهوشافط (الملوك (٢) ٣/ ١) أو بعد بعد سنتين من حكم ابنه يهورام (الملوك (٢) ١/ ١٧)،) إلا أنه على كل حال تولى الحكم بعد أن سبقه الاثنان إلى حكم أورشليم.
وهذا ما يعود لنقضه الكاتب المجهول لسفر الملوك، إذ يزعم أن يهورام بن آخاب ملك على السامرة قبل تولي الملك يهورام بن يهوشافاط على أورشليم، فيقول: "وفي السنة الخامسة ليورام بن اخآب ملكِ إسرائيل ... ملَكَ يهورام بن يهوشافاط ملك يهوذا " (الملوك (٢) ٨/ ١٦)، فأي اليهورامين تولى أولاً؟ ابن آخاب كما يصرح في (الملوك (٢) ٨/ ١٦) أم ابن يهوشافاط كما في (الملوك (٢) ١/ ١٧).
стр. 173
تناقض عجيب لكاتب واحد نضعه بين يدي أولئك الذين مازالوا يزعمون أن هذا السفر بعضُ وحي الله!
- ولا تنته عجائب سفر الملوك الثاني بخصوص الملكين المسميين (يهورام)، فالملك يهورام اليهوذي - كما رأينا في النص السابق - ملك مدة ثماني سنين بدأت في السنة الخامسة للملك السامري يهورام بن اخآب، أي مات في السنة الثالثة عشرة من حكم الملك السامري.
وهذا الحساب البسيط يكذبه كاتب سفر الملوك مرتين، الأولى حين زعم أن وفاة الملك اليهوذي وتولي ابنه كانت بعد إثني عشرة سنة من حكم الملك السامري، فقال: "في السنة الثانية عشرة ليورام بن اخآب ملكِ إسرائيل؛ ملَك أخزيا بن يهورام ملكُ يهوذا" (الملوك (٢) ٨/ ٢٥).
لكنه عاد فأكذب نفسه، وزعم أن يهورام اليهوذي مات في السنة الحادية عشرة من ملك يهورام السامري، فقال: " في السنة الحادية عشرة ليورام بن اخآب؛ ملَك أخزيا على يهوذا" (الملوك (٢) ٩/ ٢٩)، فهل من أحد يجرؤ أن يقول بأن كاتب سفر الملوك الثاني كتب ما كتب بوحي الله وقد ناقض نفسه في هذه المواضع جميعاً؟
إن الاختلاف والخطأ في أعمار الملوك أوصلت المؤرخين إلى طريق مسدود في التوفيق بينها، لذا يقول القس صموئيل يوسف: "يصعب حصر فترات حكم الملوك والتأكيد منها لمناقشتها بالتحديد، فرحبعام ملك يهوذا ويربعام ملك إسرائيل اعتليا العرش في وقت واحد، وأخزيا ملك يهوذا ويهورام ملك إسرائيل عاشا في وقت واحد، وجملة سني مملكة يهوذا حتى هذا الوقت ٩٥ سنة، وجملة سني مملكة إسرائيل ٩٨ سنة ...
سقطت السامرة عاصمة المملكة الشمالية في إسرائيل في السنة السادسة لحزقيا ملك يهوذا، وجملة السنين لمملكة إسرائيل حتى هذه الفترة ١٤٣ سنة، وفي مملكة يهوذا
стр. 174
١٦٥ سنة"، وهذا الفارق الكبير أزعج القس فانطلق يضع له المعاذير الباردة، وهذه المعاذير تلقي باللائمة على الروح القدس لأنه لم تكن له قاعدة ثابتة في الإلهام للكتاب الملهمين "ففي بعض الكتابات لم تحسب مثلاً سنة اعتلاء العرش، ويبدأ احتساب الحكم في السنة التالية لها، بينما في حالات أخرى تحسب من وقت اعتلاء الحكم". (١)
وصدق الله: ? أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً? (النساء: ٨٢).
стр. 175
أغلاط العهد القديم
عندما نتحدث عن كتاب مقدس، فإنه من الطبيعي أن نسلم بعصمة هذا الكتاب، وأن ما فيه هو وحي الله .
إذ وجود الخطأ فيه يعني أن الله يخطئ، أو أن الروح القدس يخطئ، أو أن الرسول المبلغ يخطئ.
وهذه الاحتمالات كلها مرفوضة باتفاق الأمم وبدلالة العقل، إذ الخطأ صفة بشرية لا يمكن أن تصدر من الله أو أمناء وحيه من الملائكة أو الرسل، ففي ذلك تلبيس على البشر وإضلال لهم.
ولكنا حين نتصفح أسفار الكتاب المقدس نجد أغلاطاً توراتية كثيرة، كل منها يشهد ببراءة الله ووحيه من هذا الكتاب، ومن هذه الأغلاط:
- أن سفر التكوين يحكي عن خيانة إخوة يوسف لأخيهم، فيذكر أن تجاراً مديانيين أخرجوه من البئر، وباعوه لقوم من الإسماعيليين بعشرين من الفضة، وأن هؤلاء الإسماعيليين قد حملوه معهم إلى مصر " اجتاز رجال مديانيون تجار، فسحبوا يوسف، وأصعدوه من البئر، وباعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة، فأتوا بيوسف إلى مصر" (التكوين ٣٧/ ٢٨).
وفي مصر بيع يوسف لفوطيفار، والمفروض أن الذي باعه لفوطيفار هم الإسماعيليون الذين حملوه إلى مصر بعد أن اشتروه بعشرين من الفضة، لكن كاتب السفر أخطأ فقال:" أما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصي فرعون رئيس الشّرط" (التكوين ٣٧/ ٣٦)، والمفروض أن الإسماعيليين هم الذين باعوه لفوطيفار، وهذا هو الصحيح، إذ يعود سفر التكوين لتقريره فيقول: " واشتراه فوطيفار خصي فرعون
стр. 176
رئيس الشرط رجل مصري من يد الإسماعيليين الذين أنزلوه إلى هناك " (التكوين ٣٩/ ١). فمن المسئول عن هذا الخطأ؟ هل هو الله؟ تعالى عن ذلك، أم هو الكاتب المجهول الذي كتب السفر؟ أم نساخ آلاف المخطوطات الذين لم يكونوا أمناء في نساختهم للأسفار؟ أم أولئك الذين اعتبروا هذه الكتابات التاريخية - بما فيها من خلل وزلل - كلمة الله؟
أياً كانت الإجابة، فإن الكتاب المقدس لم ينج من الخطأ والزلل، مما يمنع أن يكون بحق كلمة الله.
- ومن أخطاء الكتاب المقدس ما زعمه سفر الأيام من إدراك الملك السامري بعشا للسنة السادسة والثلاثين من حكم الملك اليهوذي آسا، وبناؤه للرامة فيها، حيث يقول: "في السنة السادسة والثلاثين لملك آسا صعد بعشا ملك إسرائيل على يهوذا وبنى الرامة" (الأيام (٢) ١٦/ ١)، وهو خطأ- ولا ريب - لأن الملك بعشا مات قبل هذا التاريخ بتسع سنين.
وإثبات ذلك ميسور، فقد ملك بعشا في السنة الثالثة من حكم آسا، وبقي في الملك مدة أربع وعشرين سنة، أي أنه مات في السنة السابعة والعشرين من حكم الملك آسا، فقد جاء ذلك في سفر الملوك "في السنة الثالثة لآسا ملِك يهوذا ملَك بعشا بن أخيا على جميع إسرائيل في ترصة أربعاً وعشرين سنة" (الملوك (١) ١٥/ ٣٣).
ومما يؤكد هذا أنه قد توالى على الملك بعده في هذه السنوات التسع ثلاثة ملوك: وهم: ابنه أيلة، ثم زمري، ثم عمري.
ويحدد لنا سفر الملوك - بدقة - سنوات تولي الملوك الثلاثة، فيقول: "واضطجع بعشا مع آبائه، ودفن في ترصة، وملَك أيلة ابنه عوضاً عنه .. في السنة السادسة والعشرين لآسا ملِك يهوذا ملَك أيلة بن بعشا على إسرائيل .. فدخل زمري، وضربه،
стр. 177
فقتله في السنة السابعة والعشرين لآسا ملِك يهوذا، وملَك عوضاً عنه .. في السنة الواحدة والثلاثين لآسا ملِك يهوذا ملَك عمري على إسرائيل اثنتي عشرة سنة" (الملوك (١) ١٦/ ٦ - ٢٣)، فكيف يبني بعشا الرامة في السنة السادسة والثلاثين من حكم آسا، وقد مات قبلها بتسع سنين!
- ومن أغلاط الكُتاب أيضاً في نفس سياق قصة بناء الرامة أن شروع الملك بعشا ملك مملكة إسرائيل الشمالية في بناء الرامة أغضب الملك آسا ملك مملكة يهوذا الجنوبية، فاستعان الملك اليهوذي بملك أرام بنهدد ليحارب إخوته في مملكة بني إسرائيل الشمالية، فجاء الملك بنهدد بجيوشه، وضرب عيون الماء في ومخازن الطعام في مملكة إسرائيل، مما أجبر الملك بعشا على الكف عن البناء (انظر الأيام (٢) ١٦/ ١ - ٦).
واستقبح الرائي حناني صنيع الملك آسا واستعانته بالآراميين على إخوته، فقال له: "من أجل أنك استندت على ملك أرام ولم تستند على الرب إلهك، لذلك قد نجا جيش ملك أرام من يدك" (الأيام (٢) ١٦/ ٧).
وقوله: "نجا جيش ملك أرام" غلط ولاريب، لأن الذي نجا هو جيش إسرائيل، وليس جيش أرام المتحالف مع جيش يهوذا، وقد تنبه لهذا الخطأ محررو الترجمة العربية المشتركة، فقالوا: " نجا من يدك ملك إسرائيل ".
ورغم استنكارنا لهذا التدخل البشري فيما يسمونه كلمة الله، لكنه على كل حال أهون من الإصرار على الخطأ، وليت جميع النسخ الجديدة تصنع مثل هذا الصنيع.
- ومن الأغلاط ما جاء في سفر صموئيل عن عمر شاول عندما ملك على بني إسرائيل حيث يقول: " كان شاول ابن سنة في ملكه، وملك سنتين على إسرائيل " (صموئيل (١) ١٣/ ١).
وهذا أمر لا يعقل أبداً، كما أنه يتناقض مع كل ما تقدمه التوراة من معلومات
стр. 178
عن شاول الملك الكبير، وكيفية اختياره، ورفضه لتزويج ابنته ميكال لداود إبان ملكه [شاول]، ثم تزوج داود بها عقب توليه الملك.
فذلك كله وغيره مؤذن بوجود غلط في هذا النص.
ولتفادي ذكر هذا الغلط عمدت بعض الترجمات الحديثة إلى ترك مكان السن فارغاً، وهو ما صنعه محققو الرهبانية اليسوعية، ففيها: "وكان شاول ابن .. حين صار ملكاً، وملك .. سنة على إسرائيل".
وأشاروا في الهامش إلى مصدر هذا الغلط، فقالوا عما ورد في النص العبري: " وهذا أمر غير معقول، لربما لم يعرفوا عمر شاول عند ارتقائه العرش، أو لربما سقط العمر عن النص، أو لربما قصرت مدة ملكه إلى سنتين لعبرة لاهوتية ".
ولنا أن نتساءل هل كان كتبة الأسفار الملهمون يكتبون وفق معارفهم، أم كانوا يكتبون ما يمليه عليهم الروح القدس؟.
وفي محاولة أخرى لتبرير هذا الغلط يقول مطران دمشق سمعان الحصروني في كتابه " تسهيل صعوبات الكتاب المقدس ": " هذا القول لا يعني على أن شاول كان ابن سنة بالعمر، بل إنه حين ملك كان باراً وديعاً صالحاً لا يعرف الغش، مثل طفل ابن سنة، ولما ملك سنتين على إسرائيل دخل الغش في قلبه، وصار كبيراً مثل شيخ عارف، وقال: إنه ملك سنتين لا غير، أعني ما استقام على البرارة وعدم المخالفة والقسط إلا سنتين فقط، ودخل في الإثم والغش وقلة رضا الله". (١)
ولا يخفى ضعف هذا التبرير على القارئ الحصيف، إذ هو إحدى البهلوانيات التي يركبها أولئك الذين أضناهم ترقيع الطوام التي وجدوها في كتابهم.
стр. 179
- وأحياناً يخطىء الكتاب في عمليات حسابية لا تخفى على صغار الطلاب في المدارس، ومنه الخطأ الذي وقع به كاتب سفر العدد، وهو يجمع أعداد ذكور بني لاوي الذين تجاوزوا الشهر، فقد "عدّهم موسى كما أمر الرب .. [فكانت أعدادهم كالتالي:] هذه هي عشائر الجرشونيين، المعدودون منهم بعدد كل ذكر من ابن شهر فصاعدا، المعدودون منهم سبعة آلاف وخمس مئة [٧٥٠٠] .. هذه عشائر القهاتيين، بعدد كل ذكر من ابن شهر فصاعدا ثمانية آلاف وست مئة [٨٦٠٠] حارسين حراسة القدس .. هذه هي عشائر مراري، والمعدودون منهم بعدد كل ذكر من ابن شهر فصاعدا ستة آلاف ومئتان [٦٢٠٠] " (العدد ٣/ ١٥ - ٣٤).
ولا يحتاج القارئ الكريم إلى حاسوب ليدرك أن مجموع المعدودين هو (٢٢٣٠٠)، المسالة الحسابية بسيطة: ٧٥٠٠ + ٨٦٠٠ + ٦٢٠٠ = ٢٢٣٠٠، لكن المفاجأة أن الكاتب الملهم أخطأ فقال: " جميع المعدودين من اللاويين الذين عدّهم موسى وهرون حسب قول الرب بعشائرهم كل ذكر من ابن شهر فصاعدا اثنان وعشرون ألفاً [٢٢٠٠٠] " (العدد ٣/ ٣٩).
وقد تنبه لهذا الخطأ مترجمو السبعينية، فأنقصوا من عشائر القهاتيين ثلاث مائة، ليصبح عددهم (٨٣٠٠)، وقال محققو الترجمة العربية المشتركة: "في اليونانية: ٨٣٠٠، وهذا يتوافق مع جمع الأعداد في الآية ٣٩"، وقد صحح الآباء اليسوعيون هذا الخطأ في نسخة الرهبانية اليسوعية، فقالوا: "تلك هي عشائر القهاتيين، فكانوا بعد كل ذكر من ابن شهر فصاعداً ثمانية آلاف وثلاث مائة (٨٣٠٠) "، لقد أثبتوا مهارتهم في الرياضيات، وأنهم أقدر في هذا الفن من كاتب سفر العدد الذي يزعمون أنه كان يلهم من الله.
- ومن الأغلاط أيضاً ما جاء في سفر الأيام " وقد أذل الرب يهوذا بسبب آحاز
стр. 180
ملك إسرائيل" (الأيام (٢) ٢٨/ ١٩)، فالنص يزعم أن آحاز ملك مملكة إسرائيل الشمالية.
والصحيح أن آحاز ملك على مملكة يهوذا الجنوبية، وبسببه أذل الله مملكته، وهو الملك الحادي عشر من ملوك مملكة يهوذا الجنوبية، كما ذكر محرر قاموس الكتاب المقدس.
- ومن الأغلاط ما جاء في كتاب القضاة " وكان غلام من بيت لحم يهوذا من عشيرة يهوذا، وهو لاوي " (القضاة ١٧/ ٧)، ولا يمكن أن يكون الغلام لاوياً ومن نسل يهوذا، فكلاهما ابن يعقوب، وهو من نسل أحدهما لا محالة.
وقد اعترف بهذا الغلط هيوبي كينت والمفسر هارسلي، وذكروا أن قوله: "وهو لاوي" عبارة إلحاقية "، وأخرجها هيوبي من المتن. (١)
- ووقع الغلط من كاتب سفر الخروج حين زعم أن جميع مواشي المصريين قد ماتت، ثم ذكر بعدها بسطور أن مواشيهم أصيبت بالدمامل والبثور، يقول السفر: "ففعل الرب هذا الأمر في الغد. فماتت جميع مواشي المصريين. وأما مواشي بني إسرائيل، فلم يمت منها واحد" (الخروج ٩/ ٦).
وبعد سطور وفي السفر نفسه ذكر أن فرعون لم يؤمن فعوقب بعقوبة جديدة، وهي الدمامل فيقول السفر: "ثم قال الرب لموسى وهارون: خذا ملء أيديكما من رماد الأتون. وليذرّه موسى نحو السماء أمام عيني فرعون. ليصير غباراً على كل أرض مصر، فيصير على الناس وعلى البهائم دمامل طالعة ببثور في كل أرض مصر، فأخذا رماد الأتون، ووقفا أمام فرعون، وذراه موسى نحو السماء، فصار دمامل بثور طالعة