فنجا موسى من الموت، يقول السفر: "حدث في الطريق في المنزل أن الرب التقاه، وطلب أن يقتله، فأخذت صفّورة صوّانة، وقطعت غرلة ابنها، ومسّت رجليه، فقالت: إنك عريس دم لي، فانفكّ عنه عندما قالت: عريس دم من أجل الختان " (الخروج ٤/ ٢٤ - ٢٦)، ولم يبين السفر السبب الصريح لهذه الغضبة الإلهية المزعومة، واكتفى ببيان هذه الطريقة الغريبة في استرضاء الرب.
لكن لعلنا نكتشف السر حين ننقل للقارئ تعليق الآباء اليسوعيين على هذه القصة في حاشية نسخة الرهبانية اليسوعية، حيث يكشف لنا الآباء أن ما حصل من صفورة كان خداعاً للرب، وأنها نجحت في ذلك: "رواية غامضة بسبب اقتضابها وعدم وجود أي سياق في الكلام .. يجوز التكهن والقول بأن قلف موسى يجلب عليه غضب الله، وأن هذا الغضب سكن حين ختنت صفورة ابنها، وتظاهرت بختان موسى، فلمست عورته"، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
يشوع بن نون ﵇
وأما يشوع وصي موسى، فإن اسمه يقترن في التوراة بسلسلة من المجازر التي طالت النساء والأطفال والرجال والحيوان، وكنموذج لهذه المجازر نحكي قصة مجزرة أريحا التي لم ينج فيها سوى راحاب الزانية ومن يلوذ بها، وأما ما عداها فقد أمر يشوع: "وصعد الشعب إلى المدينة، كل رجل مع وجهه، وأخذوا المدينة، وحرّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف .. أحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها " (يشوع ٦/ ٢٠ - ٢٤).
ويستمر سفر يشوع في عرض سلسلة من المجازر التي طالت النساء والأطفال الأبرياء، وكل ذلك بأمر من يشوع، وحاشاه ﵇ " وأخذ يشوع مقيدة في ذلك اليوم وضربها بحد السيف، وحرّم ملكها هو وكل نفس بها، لم يبق شارداً. وفعل بملك مقيدة كما فعل بملك أريحا.
стр. 107
ثم اجتاز يشوع من مقيدة وكل إسرائيل معه إلى لبنة، وحارب لبنة، فدفعها الرب هي أيضا بيد إسرائيل مع ملكها، فضربها بحد السيف وكل نفس بها، لم يبق بها شارداً، وفعل بملكها كما فعل بملك أريحا.
ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لبنة إلى لخيش ونزل عليها وحاربها، فدفع الرب لخيش بيد إسرائيل، فأخذها في اليوم الثاني، وضربها بحد السيف، وكل نفس بها حسب كل ما فعل بلبنة، حينئذ صعد هورام ملك جازر لإعانة لخيش، وضربه يشوع مع شعبه، حتى لم يبق له شارداً.
ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لخيش إلى عجلون، فنزلوا عليها، وحاربوها، وأخذوها في ذلك اليوم، وضربوها بحد السيف، وحرّم كل نفس بها في ذلك اليوم حسب كل ما فعل بلخيش، ثم صعد يشوع وجميع إسرائيل معه من عجلون إلى حبرون، وحاربوها، وأخذوها وضربوها بحد السيف مع ملكها وكل مدنها وكل نفس بها، لم يبق شارداً حسب كل ما فعل بعجلون، فحرّمها وكل نفس بها.
ثم رجع يشوع وكل إسرائيل معه إلى دبير وحاربها، وأخذها مع ملكها وكل مدنها وضربوها بحد السيف، وحرّموا كل نفس بها، لم يبق شارداً، كما فعل بحبرون كذلك فعل بدبير وملكها وكما فعل بلبنة وملكها.
فضرب يشوع كل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح وكل ملوكها، لم يبق شارداً، بل حرّم كل نسمة كما أمر الرب إله إسرائيل " (يشوع ١٠/ ٢٨ - ٤٠).
وقد رأينا بعد هذه السلسلة الطويلة من المجازر، والتي تذكر بمجازر اليهود اليوم كيف نسب السفر هذه المجازر المريعة إلى أمر الرب، فقال في آخره: " كما أمر الرب إله إسرائيل " (يشوع ١٠/ ٤٠).
стр. 108
داود ﵇
وأما داود ﵇ والذي يصفه القرآن بالأواب، فتخصه التوراة بقبائح لم تذكر لغيره، منها أنه لما أراد الزواج من ابنة شاول ملك إسرائيل الأول (طالوت) قدم إليه مهراً عجيباً فلقد "قام داود، وذهب هو ورجاله، وقتل من الفلسطينيين مائتي رجل، وأتى داود بغلفهم (الجلدة التي تقطع في الختان)، فأكملوها للملك لمصاهرة الملك " (صموئيل (١) ١٨/ ٢٧)، فما ذنب أولئك المساكين الذين قتلوا لغير جريرة ولا إثم.
ويحكي سفر صموئيل عن رقص النبي داود وتكشف عورته، وهو فرح باسترجاع التابوت من يد الفلسطينيين، وقد استاءت زوجه ميكال من هذا المنظر، واحتقرته لأجله " كان داود يرقص بكل قوته أمام الرب ... أشرفت ميكال بنت شاول من الكوة، ورأت الملك داود يطفر ويرقص أمام الرب، فاحتقرته في قلبها .. وقالت: ما كان أكرم ملك إسرائيل اليوم حتى تكشف اليوم في أعين إماء عبيده، كما يتكشف أحد السفهاء " (صموئيل (٢) ٦/ ١٤ - ٢٠).
ثم تحكي التوراة قصة داود مع أوريا الحثي وزوجته "وكان في وقت المساء إن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك، فرأى من على السطح امرأة تستحمّ. وكانت المرأة جميلة المنظر جداً، فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: أليست هذه بثشبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثّي؟ فأرسل داود رسلاً وأخذها، فدخلت إليه، فاضطجع معها وهي مطهّرة من طمثها، ثم رجعت إلى بيتها.
وحبلت المرأة، فأرسلت، وأخبرت داود، وقالت: إني حبلى. فأرسل داود إلى يوآب يقول: أرسل إلي أوريا الحثي، فأرسل يوآب أوريا إلى داود. فأتى أوريا إليه .. وقال داود لأوريا: انزل إلى بيتك واغسل رجليك. فخرج أوريا من بيت الملك، وخرجت وراءه حصة من عند الملك.
стр. 109
ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده، ولم ينزل إلى بيته. فأخبروا داود قائلين: لم ينزل أوريا إلى بيته. فقال داود لأوريا: أما جئت من السفر! فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود: إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي؟ وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الأمر.
فقال داود لأوريا: أقم هنا اليوم أيضاً، وغداً أطلقك، فأقام أوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده. ودعاه داود فأكل أمامه، وشرب، وأسكره. وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده، وإلى بيته لم ينزل، وفي الصباح كتب داود مكتوباً إلى يوآب وأرسله بيد أوريا. وكتب في المكتوب يقول: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه، فيضرب ويموت" (صموئيل (٢) ١١/ ٢ - ٢٦).
وكان كما أراد، ومات أوريا، وضم داود تلك الزانية إلى زوجاته، ومنها أنجب سليمان، الذي يشرفه كتاب الأناجيل، فيجعلونه أحد أجداد المسيح.
ثم تحكي الأسفار عن مجازر يشيب لها الولدان فعلها داود بالعمويين، فقد " أخرج الشعب الذي فيها، ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد، وأمرَّهم في أتون الآجر، وهكذا صنع بجميع مدن عمون، ثم رجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم " (صموئيل (٢) ١٢/ ٣١) (١)، وفي سفر الأيام "وأخرج الشعب الذين بها، ونشرهم بمناشير ونوارج حديد وفؤوس، وهكذا صنع داود لكل مدن بني عمون" (الأيام (١) ٢٠/ ٣). سبحانك هذا بهتان عظيم.
لكن العجب العجاب أن كل ما نسبته الأسفار زوراً إلى نبي الله داود، لم يمنعها من وصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال، فقد قال عنه الله: "وجدتُ داود بن يسّى رجلاً حسب قلبي، الذي سيصنع كل مشيئتي" (أعمال ١٣/ ٢٢)، وجعله المثل الأعلى والمقياس الأوفى الذي يوزن به ملوك بني إسرائيل، فقد ذكرت الأسفار أن الله لم يمزق مملكة سليمان إكراماً لأبيه الذي حفظ وصايا الله، فتقول: " ولا آخذ كل المملكة
стр. 110
من يده، بل أصيره رئيساً كل أيام حياته، لأجل داود عبدي، الذي اخترته، الذي حفظ وصاياي وفرائضي" (الملوك (١) ١١/ ٣٤).
ويؤكد سفر الملوك استقامة داود على فرائض الله، وتنعي على سليمان أنه لم يكن مثل أبيه الذي اتبع أوامر الله بالتمام، فتقول: "عمل سليمان الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه" (الملوك (١) ١١/ ٦).
ولم تعتبر أسفار التوراة أياً من الرزايا المنسوبة إلى داود ذنباً فيما عدا قصته مع امرأة أوريا الحثي، وأما مذابحه المزعومة التي صنعها للفلسطينيين جمعاً لمهر خطيبته ميكال أو محرقته ونشره لعظام العمويين، فذلك كله لا خطيئة فيه "داود عمل ما هو مستقيم في عيني الرب، ولم يحد عن شيء مما أوصاه به كل أيام حياته، إلا في قضية أوريا الحثّي" (الملوك (١) ١٥/ ٥).
سليمان ﵇
وأما سليمان النبي الحكيم الذي يشهد له القرآن والتوراة بالحكمة. (انظر الأيام (٢) ٢/ ١٢). فقد كان له نصيب أكبر في سلسلة المخازي التوراتية، فقد جعلته التوراة عابداً لأصنام نسائه اللاتي بلغن ألفاً، كما بنى المعابد لعبادتها، فغضب عليه الرب وسخط، تقول التوراة: "كانت له سبع مائة من النساء السيدات، وثلاث مائة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه، وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه.
فذهب سليمان وراء عشتورث إلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين، وعمل سليمان الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه، حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم، ولمولك رجس بني عمون، وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كنّ يوقدن ويذبحن لآلهتهنّ.
стр. 111
فغضب الرب على سليمان، لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين وأوصاه في هذا الأمر أن لا يتبع آلهة أخرى، فلم يحفظ ما أوصى به الرب، فقال الرب لسليمان: من أجل أن ذلك عندك ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي أوصيتك بها، فإني أمزق المملكة عنك تمزيقاً وأعطيها لعبدك" (الملوك (١) ١١/ ٣ - ١١).
وكانت الأسفار قد أثنت على سليمان، وذكرت بشارة الله لأبيه داود بهذا الابن الذي سيبني بيت الله، ووصفته بالبر والطهارة الذي عبرت عنه الأسفار بلفظة البنوة لله، وهو لفظ يدل على صلاح صاحبه - كما هو معهود في التوراة -، تقول البشارة لداود: "هوذا يولد لك ابن، يكون صاحب راحة، وأريحه من جميع أعدائه حواليه، لأن اسمه يكون سليمان، فأجعل سلاماً وسكينة في إسرائيل في أيامه، هو يبني بيتاً لاسمي، وهو يكون لي ابناً، وأنا له أباً" (الأيام (١) ٢٢/ ٩ - ١٠)، كما ذكرت الأسفار أن الله سماه "يديديا" (أي حبيب الرب)، لأن "الرب أحبه" (صموئيل (٢) ١٢/ ٢٤)، فهل ضيع سليمان - المبَشر به - أوامر الرب؟ وهل عمل الشر وبنى معابد الأوثان طمعاً في رضا نسائه أم كان - المحبوب عند الله - فصدق فيه قول الله في القرآن، فقال: ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب﴾ (سورة ص: ٣٠).
ونتساءل: لو كان هذا حال أنبياء الله؛ فما فائدة النبوات بعد ذلك إذا كان المختارون من البشر وصفوتهم على مثل هذه الحال؟ وأي خير يرتجى في إصلاح البشرية وتطهيرها من دنس الشرك والخطيئة بعد الذي قرأنا؟
ثم هل تخليد هذا يصدر عن وحي السماء؟ لو كان ذلك الذي ذكرته التوراة من المخازي حقاً فما فائدة ذكره؟ ما الفائدة المرجوة منه حتى يسطره الله في وحيه؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
ثم نتوجه بالسؤال لأولئك الذين يطلبون التهذيب والكمال الروحي من خلال
стр. 112
سطور الكتاب المقدس، فنقول: لو كان هذا الكتاب إلهياً فإنه كما رأينا عجز عن تهذيب الأنبياء الذين أوحي إليهم، فقتلوا وزنوا وسكروا وبنوا معابد للأصنام، وهو بالتالي أعجز عن أن يهب الهداية لغيرهم من القراء!
стр. 113
الأخلاق في العهد القديم
يقول بولس: " كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر " (تيموثاوس (٢) ٣/ ١٦).
فهل كان الكتاب المقدس فعلاً موبخاً للخطيئة ومعلماً للبر ومقوماً للسلوك، وصالحاً للتأديب؟
تمتلىء جنبات الكتاب بالنصوص المختلفة، والذي يعنينا هنا تلك النصوص التي مست الجانب الأخلاقي، فقد امتلأت أسفار الكتاب المقدس بالحديث عن رذائل مارسها بنو إسرائيل وغيرهم، وحكت طويلاً عن سكرهم وزناهم ووثنيتهم.
ولقد يظن الظان أنها حكت ذلك في باب النهر والتأديب والتبصر في عاقبة المجرمين.
ولكن شيئاً من ذلك لم يكن في الكتاب المقدس الذي حوى بين دفتيه عشرات النصوص غير المناسبة التي تمثل صورة لأدب الفراش والجنس المكشوف.
كما تمتلئ بقصص الإثارة، مع تركيز على عنصر الجريمة، ثم قلَّ أن تجد عقوبة أو تحذيراً على هذه الجريمة أو تلك.
ونتساءل ما الفائدة إذاً من ذكر هذا كله في كتاب يزعم النصارى واليهود أنه موحى به من الله؟ ما الفائدة من ذكر عشر حالات من زنا المحارم في كتاب مقدس؟ والعجب أن كل هذه الحالات العشر تتعلق بالأنبياء وأبنائهم.
وعلاوة على ذلك عشرات من قصص الحب القذر. ما فائدة ذلك كله؟
ذكرت التوراة أمثلة عدة في هذا الأدب المكشوف منها قصة يهوذا وكنته ثامارا، وأيضاً القاضي شمشون والعاهرة. (انظر القضاة ١٦/ ١ - ٣).
стр. 114
وأيضاً اغتصاب أمنون بن داود لأخته ثامار بمشورة يوناداب الذي تصفه التوراة بوصف عجيب غريب، حيث وصفته أنه حكيم جداً. (انظر صموئيل (٢) ١٣/ ٣ - ٢٢)، ومثله كثير.
وتبحث في هذا كله عن عقوبة للمجرم فلا تجد، إذ لم تخبرنا التوراة أن حد الزنا المذكور في سفر اللاويين (٢٠/ ١٧) قد طبق مرة واحدة.
وكنموذج للعقوبة التوراتية المفقودة نعرض لما جاء في سفر صموئيل عن عالي رئيس الكهنة وقاضي بني إسرائيل " وشاخ عالي جداً، وسمع بكل ما عمله بنوه بجميع إسرائيل، وبأنهم كانوا يضاجعون النساء المجتمعات في باب خيمة الاجتماع. فقال لهم: لماذا تعملون مثل هذه الأمور؟ لأني أسمع بأموركم الخبيثة من جميع هذا الشعب، لا يا بني لأنه ليس حسناً الخبر الذي أسمع " (صموئيل (١) ٢/ ٢٢ - ٢٤)، فهل هذا كل ما صنعه كبير قضاة بني إسرائيل مع أولئك الذين يزنون في خيمة الاجتماع!؟
كما توجد الكثير من النصوص القبيحة، والتي تمثل نماذج من الأدب الفاجر الذي تخلده التوراة، أدب الفراش، الذي لا تجده إلا في كتب الجنس والفجور.
ولسوف نعرض لشيء من هذه النماذج مع الاعتذار للقارئ الكريم عن قبيح ما يقرأه.
جاء في نشيد الإنشاد في الإصحاح الأول المنسوب لسليمان: " ليقبلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر، لرائحة أدهانك الطيبة، اسمك دهن مهراق، لذلك أحبتك العذارى.
اجذبني ورائك فنجري، أدخلني الملك إلى حجاله، نبتهج ونفرح بك، نذكر حبك أكثر من الخمر ..
ما أجمل خديك بسموط، وعنقك بقلائد، نصنع لك سلاسل من ذهب مع جمان من فضة .. حبيبي لي، بين ثديي يبيت .... " (نشيد ١/ ١ - ١٥).
стр. 115
وعلى هذا تستمر بقية إصحاحات السفر، بل تسوء " في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي، طلبته فما وجدته .. حتى وجدت من تحبه نفسي فأمسكته، ولم أرخه حتى أدخلته بيت أمي، وحجرة من حبلت بي .. قد خلعت ثوبي فكيف ألبسه .. حبيبي مد يده من الكوة، فأنَّت عليه أحشائي ... " (نشيد ٣/ ١ - ٥).
وفي الإصحاح السادس حديث عن نساء الملك سليمان "هنّ ستون ملكة، وثمانون سرية، وعذارى بلا عدد"، لكن واحدة منهن متميزة، لذا يصفها المنشد بقوله: "واحدة هي حمامتي كاملتي، الوحيدة لأمها هي"، فمن هي هذه المحظوظة؟
إنها شولميت (١) التي يناديها المنشد: "ارجعي ارجعي يا شولِمّيث، ارجعي ارجعي، فننظر إليك ماذا ترون في شولميث مثل رقص صفين، ما أجمل رجليكِ بالنعلين يا بنت الكريم، دوائر فخذيك مثل الحلي، صنعة يدي صناع، سرتك كأس مدورة لا يعوزها شراب ممزوج، بطنك صبرة حنطة مسيجة بالسوسن، ثدياك كخشفتين، توأمي ظبية، عنقك كبرج من عاج، عيناك كالبرك ...
ما أجملك وما أحلاك أيتها الحبيبة باللذّات، قامتك هذه شبيهة بالنخلة، وثدياك بالعناقيد ... وتكون ثدياك كعناقيد الكرم، ورائحة أنفك كالتفاح، وحنكك كأجود الخمر، لحبيبي السائغة المرقرقة السائحة على شفاه النائمين، أنا لحبيبي، وإليّ اشتياقه.
تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل ولنبت في القرى، لنبكرنّ إلى الكروم لننظر هل أزهر الكرم هل تفتح القعال؟ هل نوّر الرمان. هنالك أعطيك حبي ...
ليتك كأخ لي، الراضع ثديي أمي، فأجدك في الخارج وأقبلك، ولا يخزونني، وأقودك وأدخل بك بيت أمي، وهي تعلمني، فأسقيك من الخمر الممزوجة من سلاف رماني، شماله تحت رأسي، ويمينه تعانقني" (نشيد ٦/ ١٣ - ٧/ ١ - ١٣).
ويبرر القس منيس عبد النور في كتابه "شبهات وهمية"، وجود هذه الغراميات،
стр. 116
فيقول: "السفر يصف المباهج الزوجية، ولا خطأ في الجنس الذي هو في إطار الزواج" (١)، وكأني بالكتاب المقدس كتاب يدفع لأولئك الذين يقدمون على الخطبة ويرومون الزواج، كما وإن القس غفل عن تلك النصوص التي تتحدث عن العلاقة الآثمة خارج إطار الزوجية.
وعلى منوال القس عبد النور ينسج القس صموئيل يوسف فيبرر وجود هذه النصوص الغرامية في الكتاب بقوله: "بوجوده أعطى كمالاً للأسفار المقدسة، لأن الله يهتم بكل جوانب الحياة الإنسانية .. عندما نقرأ سفر النشيد تتطهر قلوبنا أكثر، وندرك حقيقة التجربة وبشاعتها التي يسقط فيها عدد غير قليل من جراء عدم الأمانة بين المتزوجين، فالسفر هدفه أخلاقي تعليمي". (٢)
يقول ول ديورانت في قصة الحضارة: مهما يكن من أمر هذه الكتابات الغرامية فإن وجودها في العهد القديم سر خفي ... ولسنا ندري كيف غفل أو تغافل رجال الدين عما في هذه الأغاني من عواطف شهوانية، وأجازوا وضعها في الكتاب المقدس.
وتقول مقدمة الآباء اليسوعيين: "لا يقرأ نشيد الإنشاد إلا القليل من المؤمنين، لأنه لا يلائمهم كثيراً".
وهذه الصورة السيئة تتكرر في أسفار عدة، ومنها ما جاء في القصة الرمزية للعاهرتين التين أسلمهما الله ليد عشاقهما فذبحوهما، والتي ترمز لمدينتي السامرة وأورشليم، ورمزيتها لا تبرر سوءها: "وكان إليّ كلام الرب قائلاً: يا ابن آدم كان امرأتان، ابنتا أم واحدة، وزنتا بمصر، في صباهما زنتا، هناك دغدغت ثديّهما، وهناك
стр. 117
تزغزغت ترائب عذرتهما. واسمها أهولة الكبيرة، وأهوليبة أختها، وكانتا لي وولدتا بنين وبنات. وأسماهما السامرة أهولة، وأورشليم أهوليبة.
وزنت أهولة من تحتي، وعشقت محبيها أشور الأبطال اللابسين الأسمانجوني، ولاة وشحنا، كلهم شبان شهوة فرسان راكبون الخيل. فدفعت لهم عقرها لمختاري بني أشور كلهم، وتنجست بكل من عشقتهم بكل أصنامهم.
ولم تترك زناها من مصر أيضاً، لأنهم ضاجعوها في صباها وزغزغوا ترائب عذرتها، وسكبوا عليها زناهم. لذلك سلمتها ليد عشّاقها ليد بني أشور الذين عشقتهم. هم كشفوا عورتها ...
فلما رأت أختها أهوليبة ذلك أفسدت في عشقها أكثر منها، وفي زناها أكثر من زنى أختها. عشقت بني أشور الولاة والشحن الأبطال اللابسين أفخر لباس، فرساناً راكبين الخيل كلهم شبان شهوة، فرأيت أنها قد تنجست ولكلتيهما طريق واحدة.
وزادت زناها ولما نظرت إلى رجال مصوّرين على الحائط صور الكلدانيين .. عشقتهم عند لمح عينيها إياهم، وأرسلت إليهم رسلاً إلى أرض الكلدانيين.
فأتاها بنو بابل في مضجع الحب ونجسوها بزناهم، فتنجست بهم وجفتهم نفسها، وكشفت زناها وكشفت عورتها، فجفتها نفسي كما جفت نفسي أختها.
وأكثرت زناها بذكرها أيام صباها التي فيها زنت بأرض مصر، وعشقت معشوقيهم الذين لحمهم كلحم الحمير [والمعنى: مذاكيرهم كمذاكير الحمير]، ومنيّهم كمنيّ الخيل" (حزقيال ٢٣/ ١ - ٤٩).
وتتكرر هذا اللغة المعيبة في سفر آخر، وهو سفر الأمثال، حيث يقول: "في العشاء، في مساء اليوم في حدقة الليل والظلام. وإذ بامرأة استقبلته في زيّ زانية وخبيثة القلب.
стр. 118
صخّابة هي وجامحة. في بيتها لا تستقر قدماها ... فأمسكته وقبّلته، أوقحت وجهها، وقالت له: .. خرجت للقائك، لأطلب وجهك حتى أجدك. بالديباج فرشت سريري، بموشّى كتان من مصر، عطرت فراشي بمرّ وعود وقرفة. هلم نرتو ودّاً إلى الصباح، نتلذذ بالحب، لأن الرجل ليس في البيت، ذهب في طريق بعيدة ... أغوته بكثرة فنونها، بملث شفتيها طوحته، ذهب وراءها لوقته، كثور يذهب إلى الذبح، أو كالغبي إلى قيد القصاص، حتى يشق سهم كبده، كطير يسرع إلى الفخ، ولا يدري أنه لنفسِه" (الأمثال ٧/ ٩ - ٢٣).
وقريباً من هذا قول سفر الأمثال أيضاً، ولكنه هذه المرة يتحدث عن الزوجة، فيقول: "وافرح بامرأة شبابك، الظبيّة المحبوبة، والوعْلَة الزهية. ليُروِك ثدياها في كل وقت، وبمحبتها اسكر دائماً" (الأمثال ٥/ ١٨ - ١٩). وسوى ذلك ..
فهل هذا وحي الله؟ أم أنها النفوس المريضة التي لا تطيق البعد عن حمأة الجنس وأحاديثه؟
كما تحوي الأسفار المقدسة بعض صور السباب المقزع، كما في قوله: "الله قد تكلم بقدسه ... موآب مرْحضتي، وعلى أدوم ألْقي حذائي" (المزمور٦٠/ ٦ - ٨)، فهل يعتبر الإله العظيم أمة من الأمم التي خلقها محلاً لقضاء حاجته أو التنظف من قذره، بل هل له حاجة أو قذر؟ وهل يحتاج إلى مرحاض، ولو على سبيل الاستعارة؟
ومن السباب الذي لا يليق بالله العظيم الجليل ووحيه ما تنقله الأسفار عن الملك شاول أنه قال ليوناثان ابنه: "يا ابن المتعوّجة المتمردة، أما علمت أنك قد اخترت ابن يسّى [داود] لخزيك وخزي عورة أمك" (صموئيل (١) ٢٠/ ٣٠).
ومن ذلك أن إشعيا قال لبني إسرائيل: " أما أنتم فتقدموا إلى هنا يا بني الساحرة، نسل الفاسق والزانية ... " (إشعيا ٥٧/ ٣).
стр. 119
وبعد: ما هي آثار الكتاب المقدس على قارئيه ؟
إن نظرة إلى المجتمع الغربي ودراسة سريعة للأرقام الوبائية للفساد في أوربا تثير الذعر، وتدفع إلى التفكير والبحث عن مصدر هذا البلاء.
ونرى أن الكتاب المقدس هو أحد أسباب البلاء، فقد قال المسيح: " من ثمارهم تعرفونهم، هل يجتنون من الشوك عنباً، أو من المسك تيناً، هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة، وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً ردية " (متى ٧/ ١٦ - ١٧).
ولا غرابة البتة أن تنتشر الخمور والزنا في أمة تؤمن أن أنبياءها كانوا زناة، يمارسون الرذيلة حتى مع محارمهم، كانوا يشربون الخمور، حتى الثمالة، من غير أن يعاقبهم الله أو يخلع عنهم صفة القداسة والرسالة والاصطفاء، بل أكرم أبناء زناهم وعهرهم، فجعلهم أجداداً لابنه المسيح!!
لا غرابة أن تنتشر الخمور في أمة ينصح كتابها المقدس بشرب الخمر، ويراه حلاً لمشاكل الفقراء وذهاباً لهمومهم- بديلاً عن الإيمان والرضا بالقضاء -، يقول سفر الأمثال: " ليس للملوك أن يشربوا خمراً ولا للعظماء المسكر، لئلا يشربوا وينسوا المفروض ويغيّروا حجة كل بني المذلة، أعطوا مسكراً لهالك، وخمراً لمرّي النفس، يشرب وينسى فقره، ولا يذكر تعبه بعد" (الأمثال ٣١/ ٦).
ولا غرابة أن تنتشر الجريمة في مجتمع يؤمن بأن الله يأمر بقتل الأبرياء والنساء والأطفال والحيوانات، ودون سبب.
وصدق برنارد شو، وهو يقول عن الكتاب المقدس: " أخطر الكتب الموجودة على وجه الأرض، احفظوه في خزانة مغلقة بالمفتاح ". (١)
стр. 120
الصبغة البشرية للعهد القديم
تصطبغ أسفار العهد القديم بالصبغة البشرية الضعيفة التي نجدها في سائر الأسفار، فالأسفار المقدسة كتاب تاريخ يقع في كثير من الأخطاء التي قد لا يقع فيها صغار الكُتَّاب، ناهيك عن أصحاب الذوق الرفيع منهم.
قصص للمتعة لا للفائدة
وفي كثير من فقراته يفتقد الكتاب المقدس إلى المعلومة المفيدة التي تستثمر الحدث التاريخي لهدف ديني، بل فيه ما تجده في كتب الإثارة والمتعة الرخيصة واللهو البعيد عن العبرة والفائدة.
فما الفائدة والثمرة من قبل بعض هذه الحكايات الواردة فيه؟ ما الفائدة من قصة زنا يهوذا بكنته ثامار بعد أن زوجها أبناءه واحداً بعد واحد، ثم زنى بها وهو لا يعرفها، فلما عرف بحملها أراد أن يحدها فقال: " أخرجوها فتحرق "، فلما علم أن زناها وحملها منه، قال: " هي أبر مني " (انظر التكوين ٣٨/ ١ - ٢٦).
أين المغزى من القصة، امرأة مات عنها أزواجها واحداً بعد آخر، عاقبهم الرب لأنهم كانوا يعزلون عنها في الجماع، ثم زنت بوالدهم، ونتج عن هذا السفاح ابنان، أحدهما فارص الذي تشرف فأضحى أحد أجداد المسيح كما في سلسلة نسب المسيح في متى (انظر متى ١/ ٢).
ثم تمضي القصة بلا عقوبة ولا وعيد، فهل كان العزل عن الزوجة في الجماع مستحقاً للموت، بينما لا عقوبة ولا حدّ على جريمة زنا المحارم، بل شهادة ببِر تلك الزانية " هي أبر مني "، فأي بِر صنعته وهي تغوي والد أزواجها؟!.
وفي قصة أخرى تخلو عن العبرة والفائدة تقول التوراة: " ونذر يفتاح نذراً للرب
стр. 121
قائلاً: إن دفعت بني عمون ليدي، فالخارج الذي يخرج من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة من عند عمون يكون للرب وأصعده محرقة "، فلما انتصر استقبلته ابنته مهنئة، وكانت أول مستقبليه، فذبحها "ففعل بها نذره الذي نذر" (القضاة ١١/ ٣٠ - ٤٠)، ما فائدة القصة لو كانت صحيحة، لماذا يخلدها الله في كتابه ووحيه؟
ومثلها ما جاء عن قتل الله لأطفال نالوا من النبي أليشع، وسخروا منه "ثم صعد من هناك (أي أليشع) إلى بيت إيل، وفيما هو صاعد في الطريق، إذا بصبيان صغار خرجوا من المدينة، وسخروا منه، وقالوا له: اصعد يا أقرع. اصعد يا أقرع. فالتفت إلى ورائه، ونظر إليهم، ولعنهم باسم الرب، فخرجت دبّتان من الوعر، وافترستا منهم اثنين وأربعين ولداً" (الملوك (٢) ٢/ ٢٣ - ٢٤)، فهل يعقل أن نبياً يدعو بالهلاك على أطفال صغار عيّروه؟ وهل يستجيب الله، فيقتل الطفل البريء الذي أساء الأدب؟
ثم لو كان هذا صحيحاً، فما فائدة تخليده في كتاب ينسب إلى الله، وأي خير أو هدى تتعلمه البشرية منه، هل نقتل أطفالنا وندعو عليهم بالثبور إذا أخطؤوا في حقنا أو حق الآخرين؟
ومما تتنزه عن مثله أسفار الله؛ ذلك الحوار الذي سجلته أسفار التوراة: "عاد بنو إسرائيل أيضاً، وبكوا، وقالوا: من يطعمنا لحماً، قد تذكرنا السمك الذي كنا نأكله في مصر مجاناً والقثاء والبطيخ والكرّاث والبصل والثوم. والآن قد يبست أنفسنا، ليس شيء غير أن أعيننا إلى هذا المنّ، وأما المنّ فكان كبزر الكزبرة، ومنظره كمنظر المقل، كان الشعب يطوفون ليلتقطوه، ثم يطحنونه بالرحى، أو يدقونه في الهاون، ويطبخونه في القدور، ويعملونه ملّات، وكان طعمه كطعم قطائف بزيت" (العدد ١١/ ٥ - ٨).
стр. 122
لكن كاتب سفر الخروج يخالف كاتب سفر العدد في طعم هذا المنّ، ولعل مرد ذلك اختلاف أذواق الكتبة، يقول كاتب سفر الخروج: "هو كبزر الكزبرة أبيض، وطعمه كرقاق بعسل" (الخروج ١٦/ ٣١).
ومن القصص التي لا فائدة من ذكرها قصة أكل الطفل المسلوق الذي اتفقت أمه وجارتها على أكل ابنيهما في جوع السامرة "وكان جوع شديد في السامرة ... فقالت: إن هذه المرأة قد قالت لي: هاتي ابنك، فنأكله اليوم، ثم نأكل ابني غداً. فسلقنا ابني وأكلناه، ثم قلت لها في اليوم الآخر: هاتي ابنك، فنأكله، فخبأت ابنها" (الملوك (٢) ٦/ ٢٥ - ٢٩)، إذ ما الذي نستفيده من هذه القصة؟
وكذلك نجد مثل هذه المعاني المعيبة في أسفار الحكمة والشعر، والتي من المفترض أن نقرأ في ثناياها الحكمة، فإذا بنا نقرأ: "لكل شيء زمان، ولكل أمر تحت السماوات وقت، للولادة وقت، وللموت وقت، للغرس وقت، ولقلع المغروس وقت ... للبكاء وقت، وللضحك وقت، وللنوح وقت، وللرقص وقت، لتفريق الحجارة وقت، ولجمع الحجارة وقت، للمعانقة وقت، وللانفصال عن المعانقة وقت، للتمزيق وقت، وللتخييط وقت، للسكوت وقت، وللتكلم وقت، للحب وقت، وللبغضة وقت، للحرب وقت، وللصلح وقت" (الجامعة ٣/ ١ - ٨).
معلومات تاريخية لا قيمة لها
ومما لا طائل منه ولا فائدة، تلك المعلومات التاريخية التي تبلغ ٩٠% من موضوعات الأسفار المقدسة، والكثير منها معلومات تافهة لا تفيد حتى من الناحية التاريخية، من ذلك ما ورد في سفر صموئيل عن الطعام الذي قدمته امرأة نابال إلى داود حتى لا يقتله وأهل بيته " فبادرت أبيجال، وأخذت مائتي رغيف خبز وزقي خمر، وخمسة خرفان مهيئة، وخمس كيلات من الفريك، ومائتي عنقود من الزبيب، ومائتي
стр. 123
قرص من التين، ووضعتها على الحمير " (صموئيل (١) ٢٥/ ١٨)، فما الذي أفاد البشرية معرفةُ ذلك، والكتاب، كل الكتاب الموحى به من الله - كما قال بولس-: "نافع للبر والتوبيخ، للتقويم والتأديب"!
وفي سفر (الأيام (١) ٢٤ - ٢٧) يعرض لنا قائمة طويلة لوكلاء داود وولاته، فما علاقة ذلك بوحي الله، وأين التهذيب والتأديب في ذلك؟
وفي سفر الملوك الأول إصحاحان كاملان في وصف الهيكل وطوله وعرضه وسماكته وارتفاعه وعدد نوافذه وأبوابه ... وتفاصيل تزعم التوراة أنها المواصفات التي يريدها الرب لمسكنه الأبدي (انظر الملوك (١) ٦/ ١ - ٧/ ٥١).
ثم في موضع آخر تقول: " هل يسكن الله حقاً على الأرض، هوذا السموات وسماء السموات لا تسعك، فكم بالأقل هذا البيت الذي بنيت" (الملوك (١) ٨/ ٢٧).
وفي أخبار الأيام الأول ست عشرة صفحة كلها أنساب لآدم وأحفاده وإبراهيم وذريته. (انظر الأيام (١) ١/ ١ - ٩/ ٤٤).
ثم قائمة أخرى بأسماء العائدين من بابل حسب عائلاتهم، وأعداد كل عائلة إضافة لأعداد حميرهم وجمالهم و .... (انظر عزرا ٢/ ١ - ٦٧).
كما ثمة قوائم أخرى بأعداد الجيوش والبوابين من كل سبط، وعدد كل جيش و .... (انظر الأيام (١) ٢٣/ ١ - ٢٧/ ٣٤).
وفي سفر الخروج يأمر موسى بصناعة التابوت بمواصفات دقيقة تستمر تسع صفحات، فهل وحي ينزل بذلك كله وغيره مما يطول المقام بتتبعه.
وأحياناً يُشعر كُتّاب الأسفار قراءهم بأن لديهم مصدراً موثوقاً فيما يسردونه من معلومات تاريخية، فهم لا يلقون الكلام على عواهنه، كما صنع كاتب سفر الملوك،
стр. 124
وهو يتحدث عن قتل الملك ياهو لإيزابل وقد جاءت تطلب منه الأمان، فما كان منه إلا أن "رفع وجهه نحو الكوّة وقال: من معي؟ من؟ فأشرف عليه اثنان أو ثلاثة من الخصيان" (الملوك (٢) ٩/ ٣٢)، فالكاتب المجهول لسفر الملوك الذي أُلهم كتابة القصة متشكك في عدد الخصيان الذين أجابوا الملك، ولفرط أمانته ذكر تحيره وتشككه في عددهم، فهم إما "اثنان أو ثلاثة"، أراد أن يثبت للقارئ نزاهته وأمانته ودقته، وأن يبرهن له أيضاً أنه يكتب بحسب معلوماته ومصادره؛ لا بوحي الله الذي لا تغيب عنه غائبة.
قصور الأسفار في القضايا الدينية
ويبحث الباحثون عن ذكر يوم القيامة والجنة والنار والبعث والنشور في أسفار التوراة الخمسة فلا يجدون نصاً صريحاً واحداً، وأقرب نص في الدلالة على يوم القيامة ما جاء في سفر التثنية "أليس ذلك مكنوزاً عندي مختوماً عليه في خزائني، لي النقمة والجزاء في وقت تزل أقدامهم " (التثنية ٣٢/ ٣٤ - ٣٥)، وهو - كما ترى - محتمل الدلالة، غير مصرح بها، ولو أمعنت فيما قبله وبعده لرأيت أنه يتحدث عن يوم أرضي يعاقبهم الله فيه.
كما لا تجد في التوراة - على ما فيها من إطناب في أمور لا أهمية لها- وصفاً لكيفية الصلاة يأمر به الرب، كما لا يرد فيها اسمه الأعظم إلا نادراً، " فيعرفون أن اسمي: يهوه " (إرميا ١٦/ ٢١)، فالكتاب يذكر الله باسم: السيد، الرب، الإله. ويغفل اسمه الأعظم!
والعجب أن التوراة تزعم أن هذا الاسم لم يعرفه أنبياء الله من قبل موسى " وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء، وأما باسمي يهوه فلم أُعرف عندهم " (الخروج ٦/ ٣). (١)
стр. 125
التكرار الممجوج
وتقع الأسفار في التكرار الحرفي لبعض الأحداث، فهل نسي الله أو الروح القدس أنه أملاه من قبل، أو أن النسيان قد وقع من الكتبة الذين ينسون ويغفلون ويخطئون؟
وكنموذج للتكرار الممجوج الذي لا طائل من ورائه نقرأ ما ورد في الإصحاحات ٢٥ - ٣٠ من الخروج وصف دقيق لخيمة الاجتماع كما أمر الرب أن تكون.
ثم تكرر الوصف بتمامه لما استدعى موسى بصلئيل وأهولياب للشروع في البناء والتنفيذ، واستغرقت الإعادة الإصحاحات (٣٦ - ٤٠). وكان يغني عن ذلك كله لو قال: (وبصلئيل بن أروى صنع كل ما أمر به الرب موسى ومعه أهولياب بن أخيساماك).
كما يقع كتاب العهد القديم أو كتَّابه فيما نسميه سرقة أدبية كما في ذكر نص ثم إعادته في موضع آخر، ومن أمثلته: تطابق (الملوك (٢) ١٩/ ١ - ١٢) مع (إشعيا ٣٧/ ١ - ١٢) كلمة بكلمة، بل حرفاً بحرف.
ويعلل كبير قساوسة السويد شوبرج هذا التماثل، فيقول: " هذه هي عظمة الكتاب! ".
وأحيانا يكرر كاتب السفر بصورة متطابقة عدة سطور سبق له أن كتبها من غير أن يفهم سبب حصول ذلك، ومنه ما صنعه كاتب سفر الأيام وهو يتحدث عن أسلاف وابناء الملك شاول (انظر الأيام (١) ٨/ ٢٩ - ٣٦، وطابق مع الأيام (١) ٩/ ٣٥ - ٤٣).
стр. 126
وتكرر هذا النقل في إصحاحات أخرى مع تغيير بسيط لا يذكر في بعض الكلمات (انظر صموئيل (٢) ٢٢ والمزمور ٢١)، وانظر (الأيام (١) ١٧، وصموئيل (٢) ٧)، وانظر (الأيام (١) ١٨، وصموئيل (٢) ٨)، وانظر (الأيام (١) ١٩، وصموئيل (٢) ١٠)، وانظر (الملوك (١) ٨، والأيام (٢) ٦)، وغير ذلك من الشواهد.
وفي المقابل فإن قارئ الأسفار يروق لتلك الإحالات التي نجدها خلال الأسفار إلى مواضع أخرى من الكتاب، ويعجب لتلك التي تحيل فيها كلمة الله إلى مواضع خارج كلمة الله، أي أنها من كلام البشر، وقد أراد من خلالها المؤلف أن لا يعيد سرد معلومات سبق له أن قرأها في سفر آخر من أسفار الكتاب أو بعض الكتابات التاريخية أو بالأصح الضائعة من الأسفار المقدسة.
ولكن العجب في هذه الإحالات حين تكون متقابلة، أي حين يحيل كل من السفرين إلى الآخر بالتبادل، ويتساءل المرء من غير أن يجد جواباً: أي السفرين كتب أولاً، ومن الذي كتبهما، ولا أجد من جواب إلا أن أحيل إلى جهل البشر وتلاعبهم بالنصوص.
ومن أمثلة ذلك تلك الإحالات المتكررة، والتي تبادلها كاتبا سفري الملوك والأخبار (الأيام) في عدد من المواضع، منها إحالة سفر الملوك إلى سفر الأيام "وبقية أمور أمصيا، أما هي مكتوبة في سفر أخبار الأيام لملوك يهوذا" (الملوك (٢) ١٤/ ١٨)، مما يدل على أن سفر الأيام قد كتب قبلُ.
لكن كاتب سفر الأيام، وبتواضع جمّ يحيل قارئه إلى سفر الملوك "وبقية أمور أمصيا الأولى والأخيرة، أما هي مكتوبة في سفر ملوك يهوذا وإسرائيل" (الأيام (٢) ٢٥/ ٢٦)، فأي السفرين كتب أولاً؟
стр. 127
وقد تكرر هذا التداول بينهما مراراً، فكلا من الكاتِبَين يصر على أن الآخر قد كتب أولاً، وأنه ترك بعض التفصيلات التي قرأها عند الآخر [انظر حديث السفرين عن الملك يوثام (الملوك (٢) ١٥/ ٣٦) و (الأيام (٢) ٢٧/ ٧)، وتأمل ثانية في إحالتهما المتبادلة عن أخبار الملك يهوياقيم (الأيام (٢) ٣٦/ ٨) و (الملوك (٢) ٢٤/ ٥)].
مبالغات وأخبار خرافية
كما تحوي أسفار العهد القديم أخباراً هي للخرافة أقرب منها للأخبار المعقولة، ومن ذلك قصص شمشون الجبار وخصلات شعره التي كانت سبباً في أعاجيبه وقوته وانتصاراته، ومن أعاجيبه أنه بينما هو يمشي " إذ بشبل أسد يزمجر للقائه، فحل عليه روح الرب، فشقه كشق الجدي، وليس في يده شيء " (القضاة ١٤/ ٥ - ٦)، وهذا الذي حل عليه روح الرب يذكر سفر القضاة بعدها بصفحتين قصة زناه مع العاهرة الغزية. (انظر القضاة ١٦/ ١)، فبطولته لا تعرف الحدود!
وأيضاً لما ربطه قومه وسلموه للفلسطينيين موثقاً " فحل الوثاق عن يديه، ووجد لحي حمار طرياً، فمد يده، وأخذه، وضرب به ألف رجل. فقال شمشون: بلحيّ حمار كُومَةً كومَتَيْن [هكذا]، بلحيِ حمار قتلتُ ألف رجل " (القضاة ١٥/ ١٤ - ١٦).
ولا يفوتنا التنبيه إلى الملاحظة المهمة التي أراد كاتب السفر شدّ مسامعنا إليها، وهي أن لحي الحمار الذي قتل به شمشون هؤلاء كان طرياً، فكيف يكون الحال لو كان قاسياً، إنها طريقة العجائز في حكاية القصص الأسطورية، ومثل هذه الزيادة هي نوع من عناصر التشويق والإثارة تستخدمها الجدّة، وهي تقص على أحفادها قصة ما قبل النوم.
ومن غرائب شمشون وعجائبه ما صنعه بحقول الفلسطينيين، حيث أحضر ثلاث مائة من أبناء آوى، وربط ذيول بعضها ببعض، ثم أشعل فيها النار، وأطلقها في حقول الفلسطينيين، فأحرقوها انتقاماً من زوجته الفلسطينية التي هجرته، فكيف جمع
стр. 128
هذه الثعالب! وكيف ربطها جميعاً! قصة جِدُّ غريبة. (انظر القضاة ١٥/ ٤ - ٦).
وليس أغرب منها ما صنعه بباب مدينة غزة، حيث " قيل للغزّيين: قد أتى شمشون إلى هنا، فأحاطوا به، وكمنوا له الليل كله عند باب المدينة، فهدؤوا الليل كله قائلين: عند ضوء الصباح نقتله، فاضطجع شمشون إلى نصف الليل، ثم قام في نصف الليل، وأخذ مصراعي باب المدينة والقائمتين، وقلعهما مع العارضة، ووضعها على كتفيه، وصعد بها إلى رأس الجبل الذي مقابل حبرون" (القضاة ١٦/ ٢ - ٤)، إلى غير ذلك من أخبار شمشون الجبار وشعره العجيب. (انظر القضاة ١٤ - ١٦).
وكما يبالغ البشر في عرض بطولاتهم؛ فإن التوراة تصنعه وهي تتحدث عن بني إسرائيل وأعدادهم وبطولاتهم، ومن ذلك قصة البطل أبيشاي، فقد "هزّ رمحه على ثلاث مائة قتلهم" (صموئيل (٢) ٢٣/ ١٨).
ومثله البطل يشبعام، فقد قتل ثلاثمائة دفعة واحدة، وبهزة رمح واحدة " يشبعام بن حكموني رئيس الثوالث، هو هزّ رمحه على ثلاث مائة، قتلهم دفعة واحدة " (الأيام (١) ١١/ ١١).
وفي سفر صموئيل يسمى البطل يشبعام بيوشيبا، ويزيد عدد القتلى - بهزة رمحه - خمسمائة مقاتل، فقد " هز رمحه على ثمانمائة، قتلهم دفعة واحدة " (صموئيل (٢) ٢٣/ ٨)، فكم كان طول هذا الرمح؟ وكيف تم هذا؟!!
وأما شمجر بن عناة فقد قتل من الفلسطينيين ستمائة رجل من غير سلاح، لقد قتلهم بمنساس البقر " وكان بعده شمجر بن عناة، فضرب من الفلسطينيين ست مائة رجل بمنساس البقر " (القضاة ٣/ ٣١). كيف يحصل هذا؟ كيف لم يهربوا؟ هل انتظر كل منهم دوره؟!!
ومثله المبالغة في عرض كل ما يتعلق ببني إسرائيل " كان طعام سليمان لليوم الواحد
стр. 129
ثلاثين كرّ سميذ، وستين كرّ دقيق، وعشر ثيران مسمنة، وعشرين ثوراً من المراعي، ومائة خروف عدا الأيائل واليحامير والأوز المسمن " (الملوك (١) ٤/ ٢٢ - ٢٣).
ومن المبالغة المضحكة أن الأرض انشقت لقوة صوت غناء بني إسرائيل وفرحهم "وصعد جميع الشعب وراءه، وكان الشعب يضربون بالناي، ويفرحون فرحاً عظيماً، حتى انشقت الأرض من أصواتهم" (الملوك (١) ١/ ٤٠)، نحوه كثير ....
ولا تنقضي عجائب بني إسرائيل ولا فرائدهم، والتي من بينها أبشالوم بن داود، والذي كان في غاية الحسن، وأما شعر رأسه فكان " كان يحلقه في آخر كل سنة، لأنه كان يثقل عليه، فيحلقه، كان يزن شعر رأسه مئتي شاقل بوزن الملك" (صموئيل (٢) ١٤/ ٢٦)، وهو ما يعادل كيلوين وربع! فهل يعقل مثل هذا؟! أين رأت الدنيا أو سمعت بمثله؟
لكن هذا كله لن يمنعنا من الإقرار أن كاتب أسفار التوراة يمتاز - ككثيرٍ من المؤلفين - باللباقة والاحترام، فيعتذر لقرائه عن تقصيره في الكتابة، وذلك في آخر كتابه، فيقول في خاتمة سفر المكابيين الثاني (آخر أسفار التوراة الكاثوليكية): " إن كنت قد أحسنت التأليف، وأصبت الغرض، فذلك ما كنت أتمنى، وإن كان قد لحقني الوهن والتقصير فإني قد بذلت وسعي، ثم كما أن شرب الخمر وحدها أو شرب الماء وحده مضر (١)، وإنما تطيب الخمر ممزوجة بالماء وتعقب لذة وطرباً، كذلك تنميق الكلام على هذا الأسلوب يطرب مسامع مطالعي التأليف " (المكابيون (٢) ١٥/ ٣٩ - ٤٠).
ولعل مراده الاعتذار عن بعض ما تقدم ذكره، وعن بعض العبارات الركيكة التي صدرت عن مجموعة مؤلفي هذا الكتاب والتي حار المحققون في فهم المراد منها،
стр. 130
ومن ذلك قولهم على لسان دانيال النبي: " كنت نائحاً ثلاثة أسابيع أيام! " (دانيال ١٠/ ٢)، فكلمة (أيام) لا معنى لها.
وقد تكرر ذكر هذه الكلمة بلا فائدة ولا معنى في سفر الملوك، وفيه: "شلّوم بن يابيش ملك في السنة التاسعة والثلاثين لعزّيا ملك يهوذا، وملك شهر أيام في السامرة" (الملوك (٢) ١٥/ ٣).
ومثله في الركاكة ما نسبوه إلى النبي حزقيال " فذهبتُ مراً في حرارة روحي " (حزقيال ٣/ ١٤).
ومثله ما جاء في سفر إشعيا النبي، وجزم المفسر آدم كلارك أن به سقطاً وتحريفاً، "الذين يذكرونك في طرقك، ها أنت سخطت إذ أخطانا، هي إلى الأبد فنخلص " (إشعيا ٦٤/ ٥)، وغيرها من مبهمات الكتاب.
стр. 131
التحريف في العهد القديم
تحدث القرآن الكريم عن تحريف التوراة في آيات كريمة منها قول الله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون﴾ (آل عمران: ٧١)، ويقول: ﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ (النساء: ٤٦)، ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ (البقرة: ٧٥).
وعن تحريفهم بالنقص يقول: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً﴾ (الأنعام:٩١)، ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ (البقرة: ١٧٤)، ويقول: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب﴾ (المائدة: ١٥).
وعن تحريفهم بالزيادة والكذب على الله يقول: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ (البقرة: ٧٩) وقال: ﴿وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ (آل عمران: ٧٨).
فالتحريف إذاً يكون بالنقص والزيادة، وكل ذلك وقع في التوراة كما سنرى.
وقبل أن نلج لعرض بعض صور التحريف يستوقفنا سؤال يطرحه النصارى
стр. 132
دائماً: هل من الممكن أن يحرِّف أحد كلام الله؟ وكيف أذن الله بهذا التحريف؟
ونقول: الكتاب المقدس يتحدث عن إمكانية تحريفه، ويذكر لنا -كما سيمر معنا شهادة الأنبياء على تحريفه -، فلو كان الكتاب غير ممكن التحريف لما كان أي معنى أو فائدة لآخر فقرة وردت فيه "لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب، إن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب، وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوّة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة " (الرؤيا ٢٢/ ١٨ - ١٩)، فهذه الفقرة تحذر من تحريف الكتاب، وتتوعد فاعله، فدل ذلك على أنه ممكن الحدوث.
ويتنبأ النبي عاموس بفقد كلمة الرب، فيقول: "هوذا أيام تأتي، يقول السيد الرب: أرسل جوعاً في الأرض، لا جوعاً للخبز، ولا عطشاً للماء، بل لاستماع كلمات الرب، فيجولون من بحر إلى بحر، ومن الشمال إلى المشرق، يتطوّحون ليطلبوا كلمة الرب، فلا يجدونها " (عاموس ٨/ ١١ - ١٢)، فالنص - كما ترى - نبوءة عن فقد الكتاب، وذاك وعيد لمن يحرف الكتاب بزيادة أسفار الأبوكريفا السبعة في الكتاب أو حذفها وإسقاطها منه، أو غير ذلك من صور التحريف.
وأما قول قائلهم: كيف يسمح الله بحدوث ذلك؟ فإن القائل نسي سنة الله في الكافرين والمارقين، وقد أذن لهم - وفق مشيئته وقدره - بسبّه والكفر به وعصيان أوامره، ومثله تحريف كتابه الذي أمر بني إسرائيل بحفظه، فأضاعوه وحرفوه، كما صنعوا بكل شرائعه، وكما ولغوا في دماء أنبيائه وفق قدر الله ومشيئته.
تحريف النقص
ومن صور التحريف بالنقص تلك الإحالات الإنجيلية إلى التوراة والتي لا نجدها في الأسفار الموجودة بين أيدينا، ومن ذلك ما جاء في متى " ثم أتى وسكن في
стр. 133
بلد تسمى ناصرة، ليكمل قول الأنبياء: أنه سيدعى ناصرياً " (متى ٢/ ٢٣).
ولا يوجد ذلك في شيء من التوراة. قال ممفرد الكاثوليكي في كتابه " سؤالات السؤال ": "الكتب التي كان فيها هذا انمحت، لأن كتب الأنبياء الموجودة الآن لا يوجد في واحد منها أن عيسى يدعى ناصرياً ". (١)
ومن صور النقص ما شهد المسيح بضياعه حين قال: "أو ما قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنسون السبت وهم أبرياء" (متى ١٢/ ٥)، ولا يوجد مثله في كلام التوراة، فدل ذلك على ضياعه وفقده.
ونحوه في قوله: "من آمن بي - كما قال الكتاب - تجري من بطنه أنهار ماء حيّ" (يوحنا ٧/ ٣٧)، وهذه الإحالة مفقودة من الكتاب.
ومما نفقده في سفر المراثي أخبار رثاء الملك يوشيا، فقد ذكر كاتب سفر الأيام الثاني أنه موجود فيه فقال: "ورثى إرميا يوشيا، وكان جميع المغنين والمغنيات يندبون يوشيا في مراثيهم إلى اليوم، وجعلوها فريضة على إسرائيل، وها هي مكتوبة في المراثي" (الأيام (٢) ٣٥/ ٢٥).
وهذا الموضوع لم يتطرق إليه سفر المراثي أبداً بشهادة الآباء اليسوعيين الذين كتبوا في حاشيته: "سفر المراثي المنسوب إلى هذا النبي (إرميا) لا يحتوي على شيء يتعلق على وجه خاص بهذا الملك، إن هذا النص الذي يستند محرر الأخبار إليه مفقود". (٢)
ومن صور النقص ما جاء في سفر التثنية "فإن كان المذنب مستوجب الضرب يطرحه القاضي ويجلدونه أمامه، على قدر ذنبه، بالعدد أربعين يجلده، لا يزد لئلا إذا زاد
стр. 134
في جلده على هذه ضربات كثيرة يحتقر أخوك في عينيك، (بياض)، لا تَكُمَّ الثور في دراسه (١)، (ثم ينتقل النص إلى موضوع آخر) إذا سكن إخوة معاً ومات واحد منهم .... " (التثنية ٢٥/ ٢ - ٥)، فثمة نقص واضح في المعنى استعاض ناسخو الكتاب عنه بترك بياض، للدلالة على وجود سقط في النص، ولا علاقة بين مثل كم الثور وما قبله من حديث عن العدل في عقوبة المذنب.
ومن السقط أيضاً خاتمة الإصحاح الثاني من سفر الخروج، الذي ينتهي بصورة فجائية، عند قوله: "ونظر الله بني إسرائيل، وعلِم اللهُ" (الخروج ٢/ ٢٥)، وقد أشار محققو نسخة الرهبانية اليسوعية إلى أن الإصحاح مبتور.
ومن النقص ما تضع بعض التراجم والنسخ نجوماً بدلاً منه، منها النسخة العربية لدار الكتاب المقدس التي اعتمدناها في هذه السلسلة.
ففي سفر صموئيل نقص بيان جزاء بني إسرائيل إن استقاموا على عبادة الله، ففيه أن صموئيل قال: "إن اتقيتم الرب وعبدتموه وسمعتم صوته، ولم تعصوا قول الرب، وكنتم أنتم والملك أيضاً الذي يملك عليكم وراء الرب إلهكم ***** [هكذا في المطبوع]، وإن لم تسمعوا صوت الرب بل عصيتم قول الرب تكن يد الرب عليكم" (صموئيل (١) ١٢/ ١٤ - ١٥).
وتتكرر النجوم مرة أخرى في سفر صموئيل الثاني مشيرة إلى وجود سقط في تمام حديث داود عن العرج والعمي، فيقول السفر: "قال داود في ذلك اليوم: إن الذي
стр. 135
يضرب اليبوسيين ويبلغ إلى القناة والعرج والعمي المبغضين من نفس داود ***** [هكذا في المطبوع] لذلك يقولون: لا يدخل البيت أعمى أو أعرج" (صموئيل (٢) ٥/ ٨).
ونحوه سقط بعض النص في سفر حزقيال في وصف الزانية وبيان حالها، واستعيض عنه بالنجوم "فقلت عن البالية في الزنا: الآن يزنون زنى معها، وهي ... [هكذا في المطبوع]، فدخلوا عليها كما يُدخَل على امرأة زانية" (حزقيال ٢٣/ ٤٣).
ومثله وقع النقص في رسالة ملك أرام إلى ملك إسرائيل "فأتى بالكتاب إلى ملك إسرائيل يقول فيه ******، فالآن عند وصول هذا الكتاب إليك، هوذا قد أرسلت إليك نعمان عبدي، فاشفه من برصه" (الملوك (٢) ٥/ ٦).
كما وقع النص في رسالة أخرى، وهي رسالة ياهو، حيث جاء في سفر الملوك "فكتب ياهو رسائل وأرسلها إلى السامرة، إلى رؤساء يزرعيل الشيوخ وإلى مربّي آخآب قائلاً: ******، فالآن عند وصول هذه الرسالة إليكم " (الملوك (٢) ١٠/ ١ - ٢).
وفي سفر الأيام الأول يفجؤنا نقص آخر عوضه كتبة الكتاب المقدس بنجوم أثبتوا من خلالها ضياع بعض كلمات الناموس، إذ يقول: "وبنو عزرة يثر ومرد وعافر ويالون ******، وحبلت بمريم وشماي ويشبح أبي اشتموع" (الأيام (١) ٤/ ١٧)، فيا ترى كم سقط من أبناء عزرة، ومن هم الذين تحدث عنهم النص قبل أن يعود لتلك التي سقط اسمها، والتي حبلت بمريم؟
وقد تنبه الآباء اليسوعيون ومحررو الترجمة العربية المشتركة للنقص، فأكملوه من عندياتهم، وأراحوا القراء من عناء الإجابة عن سؤالنا، فالنص عندهم: " وبنو عزرة: ياتر ومارد وعافر ودالون، واتخذ مارد بتية، فحبلت بمريم وشماي ويشباح"، إنهم يكملون عن الروح القدس والأنبياء ما فاتهم أن يسجلوه، أو بالأحرى يستكملون ما ضاع من أسفارهم!!
стр. 136
كما وقع النقص في خاتمة الإصحاح السادس من سفر زكريا، ولم يجد طابعو الكتاب المقدس ما يكملون به الجملة إلا أربعة من النجوم ختموا بها هذا الإصحاح "والبعيدون يأتون ويبنون في هيكل الرب، فتعلمون أن رب الجنود أرسلني إليكم، ويكون إذا سمعتم سمعاً صوت الرب إلهكم ****" (زكريا ٦/ ١٥).
وفي أحيان أخرى وضع طابعو الكتاب المقدس (--) للدلالة على وجود سقط في النص، ومن صوره "هذه أيضاً للحكماء--- محاباة الوجوه في الحكم ليست صالحة" (الأمثال ٢٤/ ٢٣)، ونحوه في سفر إرمياء "في الأنبياء-- انسحق قلبي في وسطي، ارتخت كل عظامي" (إرمياء ٢٣/ ٩)، ومثله في نشيد الإنشاد "وحنكك كأجود الخمر-- لحبيبي السائغة المرقرقة السائحة على شفاه النائمين" (نشيد ٧/ ٩).
ومن النقص في الأسفار ضياع اسم الكاهن الذي كان لعشيرة منيامين، فقد سها عنه كاتب سفر نحميا حين قال: "ولأبيا زكري، ولمنيامين، لموعديا فلطاي" (نحميا ١٢/ ١٧)، وعلقت الترجمة العربية المشتركة بقولها: "لا يورد النص العبري اسم الكاهن في عشيرة منيامين"، وأما الآباء اليسوعيون، فوضعوا نقطاً بدلاً عن الاسم المفقود.
وينسب سفر طوبيا (من أسفار الأبوكريفا) إلى توراة موسى ما ليس فيها، فقد أمر ملاك الرب طوبيا بخطبة سارة بنت رعوئيل، وقال له مطمئناً: "فأنا أعلم أن رعوئيل لا يقدر أن يزوجها لأحد سواك حسب شريعة موسى، لأنه يعاقب بالموت، لأنك أحق الناس بها" (طوبيا ٦/ ١٣)، وهذا الحكم غير موجود في شريعة موسى، لذا علق محققو الترجمة العربية المشتركة على هذا النص بقولهم: "لا نجد في شريعة موسى عقاب الموت في هذه الحالة".
إن هذه المواضع الضائعة من أسفار العهد القديم لم تنجح في استدراكها آلاف
стр. 137
المخطوطات التي يتباهى بكثرتها النصارى، فهي على كثرتها لم تكن كافية في إبلاغنا النصوص التوراتية بتمامها، ولرؤية المزيد مما استعاض عنه طابعو الكتاب المقدس بالنجوم تارة وبترك بياض تارة أخرى ندعو للتأمل في (الأيام (٢) ٣٦/ ٢٣)، و (عزرا ١/ ٣)، و (عزرا ٦/ ٥ - ٦)، (المزمور ١٣٧/ ٥) وغيرها من المواطن.
ومن صور التحريف بالنقص تلك الأسفار الضائعة
ويمتد السقط والضياع في الأسفار التوراتية ليشمل أسفاراً توراتية ضاعت واندرس خبرها، وشهد لضياعها أسفار العهد القديم الموجودة في الكتاب المقدس.
منها: سفر حروب الرب المذكور في سفر العدد، حيث يقول: "لذلك يقال في كتاب حروب الرب واهب في سوفة وأودية أرنون" (العدد ٢١/ ١٤).
وكذا فُقِد سفر ياشر، فقد قال يشوع النبي: " أليس هذا مكتوباً في سفر ياشر: فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل" (يشوع ١٠/ ١٣)، وفي موضع آخر: "أن يتعلم بنو يهوذا نشيد القوس، هوذا ذلك مكتوب في سفر ياشر" (صموئيل (٢) ١/ ١٨).
وكذا يَرثي المحققون ويألمون لضياع سفر أخبار صموئيل الرائي، وسفر أخبار ناثان النبي، وأخبار جاد الرائي الذين ذكروا في سفر الأيام، حيث يقول: "وأمور داود الملك الأولى والأخيرة هي مكتوبة في أخبار صموئيل الرائي وأخبار ناثان النبي وأخبار جاد الرائي" (الأيام (١) ٢٩/ ٢٩).
ومن الأسفار الضائعة سفر أخبار شمعيا النبي، وسفر عدوَ الرائي المذكوران في سفر الأيام "أمور رحبعام الأولى والأخيرة، أما هي مكتوبة في أخبار شمعيا النبي وعِدّو الرائي " (الأيام (٢) ١٢/ ١٥).
стр. 138
ومن الضائع أيضاً سفر أخبار النبي أخيا الشيلوني " هي مكتوبة في أخبار ناثان النبي وفي نبوّة أخيا الشيلوني وفي رؤى يعْدو الرائي " (الأيام (٢) ٩/ ٢٩).
ومنها أيضاً سفر ينسب للنبي إشعيا ذكره كاتب سفر الأيام حين قال: "وبقية أمور عزيا الأولى والأخيرة كتبها إشعيا بن آموص النبي" (الأيام (٢) ٢٦/ ٢٢)، ومن المعلوم أن سفر إشعيا الحالي لم يتحدث مطلقاً عن الملك عزيا، فإما أنه سقط منه، أو أن الإحالة إلى سفر آخر كتبه النبي إشعيا، وضاع فيما ضاع من أسفار التوراة.
يقول آدم كلارك: " حصل لقلوب العلماء قلق عظيم لأجل فقدان تاريخ المخلوقات فقداناً أبدياً".
ومقصوده ما جاء في سفر الملوك عن سليمان: " وتكلم بثلاثة آلاف مثل، وكانت نشائده ألفاً وخمساً، وتكلم عن الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا النابت في الحائط، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك" (الملوك (١) ٤/ ٣٢ - ٣٣)، فأين هذا السفر؟
يقول طامس أنكلس الكاثوليكي: " اتفاق العالم على أن الكتب المفقودة من الكتب المقدسة ليست بأقل من عشرين ". (١)
ومن الأسفار التي نفتقدها في العهد القديم سفر أخنوخ الذي استشهد به يهوذا في رسالته، وكان سبباً في تأخر الاعتراف برسالته (٢)، قال: "وتنبأ عن هؤلاء أيضاً أخنوخ السابع من آدم قائلاً: هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه، ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها، وعلى جميع
стр. 139
الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار" (يهوذا ١/ ١٤).
وهذا السفر موجود بالفعل، واقتباس يهوذا منه موجود في (أخنوخ ١/ ٩) كما نقل محررو قاموس الكتاب المقدس، لكن آباء الكنائس النصرانية اعتبروه سفراً مزيفاً غير قانوني، ولم يشفع له استشهاد يهوذا والآباء الأوائل للكنيسة به، يقول محررو قاموس الكتاب المقدس عن هذا السفر: "سفر من الأسفار غير القانونية .. والكتاب مليء بأخبار الرؤى عن المسيّا المنتظر والدينونة الأخيرة وملكوت المجد .. وقد اقتبس بعض الآباء الأوائل في العصور المسيحية الأولى بعض أقوال هذا السفر .. ولكن قادة المسيحيين فيما بعد أنكروا هذا الكتاب ورفضوه .. " (١)
التحريف بالزيادة
ومن التحريف الذي تعرضت له الأسفار المقدسة عند اليهود والنصارى تحريف الزيادة، وهو باب كبير يشمل تلك المواضع المشينة التي أضيفت في الأسفار، ونسبت إلى الأنبياء، وكما يشمل ما تضمنته الأسفار من معلومات تاريخية ومسميات ظهرت بعدهم، كما سبق بيانه، ومنه تلك الأخبار الملفقة والمكذوبة عن الله ورسله مما ذكرناه قبلُ.
ومن صور تحريف الزيادة ذكر كاتب سفر التكوين اسم إسحاق في سياق قصة الذبيح، بدلاً من إسماعيل، فقد أمر الله إبراهيم بذبح ابنه الوحيد " خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق " (التكوين ٢٢/ ٢).
وكانت التوراة قد صرحت بأن إسماعيل أكبر أبناء إبراهيم، وأنه ولد قبل إسحاق بأربع عشرة سنة "كان أبرام ابن ستٍّ وثمانين سنةً لمّا ولدت هاجر إسماعيل
стр. 140
لأبرام" (التكوين ١٦/ ١٦)، فيما ولد إسحاق بعده بأربعة عشر عاماً "وكان إبراهيم ابن مائة سنةٍ حين ولد له إسحاق ابنه" (التكوين ٢١/ ٥).
لكن النصارى يزعمون أن إسماعيل لا يصلح أن يحسب ابناً لإبراهيم، لأنه ابن جارية، ويتناسون أنه ابن شرعي حقيقي، كما في التوراة نفسها "فأخذت ساراي امرأة أبرام هاجر المصرية جاريتها من بعد عشر سنين لإقامة أبرام في أرض كنعان، وأعطتها لأبرام رجلها زوجةً له. فدخل على هاجر فحبلت .. " (التكوين ١٦/ ٣١ - ٤).
وفي موضع آخر من السفر يقول: " ولدت هاجر لأبرام ابناً. ودعا أبرام اسم ابنه الّذي ولدته هاجر: إسماعيل" (التكوين ١٦/ ١٥ - ١٦).
وعندما غارت سارة من هاجر "قالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها، لأنّ ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق. فقبح الكلام جدّاً في عيني إبراهيم لسبب ابنه (أي إسماعيل). فقال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك" (التكوين ٢١/ ١٠ - ١٢).
ويثبت له الكتاب البنوة مرة أخرى، فيقول: "ودفنه إسحق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفيلة" (التكوين ٢٥/ ٧).
والعجيب أن التوراة لم تقل أبداً أن إسماعيل ابن غير شرعي لإبراهيم، فهذه سارة امرأة إبراهيم أيقنت أنها لن تنجب لإبراهيم نسلاً، فآثرت أن تزوجه بهاجر: "ادخل على جاريتي لعلّي أرزق منها بنين، فسمع أبرام لقول ساراي" (التكوين ١٦/ ١ - ٤)، "فولدت هاجر لأبرام ابناً. ودعا أبرام اسم ابنه الّذي ولدته هاجر إسماعيل" (التكوين ١٦/ ١٥ - ١٦).
ثم كيف يدعي المؤمنون بالكتاب المقدس أن الله أمر إبراهيم بذبح إسحاق، وقد وعده الله أن يريه ذرية ونسلاً من إسحاق، وهو لم يولد بعد، فإبراهيم يعلم أن ابنه
стр. 141
إسحاق لن يموت ولن يذبح، لأنه سيكبر، وستكون له ذرية كما وعده الله "في كلّ ما تقول لك سارة اسمع لقولها، لأنّه بإسحاق يدعى لك نسلٌ" (التكوين ٢١/ ١٢ - ١٣).
فقوله: " خذ ابنك وحيدك " حق، وكلمة " إسحاق " زيادة ولبسٌ للحق بالباطل.
ويشهد للتبديل قوله: " لم تمسك ابنك وحيدك عني " (التكوين ٢٢/ ١٢، ١٦)، ولم يذكر فيه اسم إسحاق.
ومن التحريف أيضاً استبدال المترجمين كلمة الوحيد بالمفضل في بعض التراجم، وهو تحريف ولا ريب لأن النص العبراي استخدم كلمة (يخيداخا) ومعناها: الوحيد، وليس المفضل.
تحريف المترجمين
ولمترجمي الكتاب المقدس نصيبهم من التحريف الذي أضحى سمة لكل أولئك المؤتمنين على الكتاب المقدس، حيث يتلاعب هؤلاء بالنصوص، وهم يقومون بترجمتها، من صور هذا النوع من التحريف الصور التي نعرضها والتي توضح مقدار الحرية التي تعامل بها المترجمون مع النصوص التوراتية، إذ النص العربي يذكر اشتقاقات عربية لا يصح أن تكون في كتاب أصل لغته العبرية. ومن ذلك:
يقول سفر التكوين: " وولدت له قايين، وقالت: اقتنيت رجلاً من عند الرب " (التكوين ٤/ ١)، فكلمة " قايين" كما في قاموس الكتاب المقدس معناها: " حداد " (١)، فالمناسبة معدومة بين الاقتناء أو الشراء، واسم قايين الذي يعني: حداد.
ومثله قوله: " دعي اسمها بابل، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض "
стр. 142
(التكوين ١١/ ٩). وكلمة بابل في اللغة الآكادية " باب ايلو " بمعنى: " باب الرب " كما في قاموس الكتاب المقدس (١)، وعليه فليس من مناسبة بين اسم بابل والبلبلة التي تذكرها التوراة، فالمناسبة التي يزعمها الكاتب غير متحققة.
ومثله حاول كاتب سفر الخروج إيجاد علاقة بين اسم موسى وانتشال ابنة فرعون له من الماء، فقال: " ولما كبر الولد جاءت به [أخته] إلى ابنة فرعون فصار لها ابناً، ودعت اسمه: موسى. وقالت: "إني انتشلته من الماء" (الخروج ٢/ ١٠)، فزعم أن المرأة المصرية - التي لا تعرف العبرانية - سمته بموسى؛ لأنها انتشلته من الماء، وأنها اشتقت اسمه من الكلمة العبرانية (مشا) أي (انتشل).
وهذا الزعم بعبرانية اسم موسى يتشكك به الآباء اليسوعيون في تعليقهم على النص، إذ يقولون: "إن ابنة فرعون لا تتكلم العبرية، في الواقع هذا اسم مصري يعرف بصيغته المختصرة موزس"، ومعناه: ولد أو ابن.
وأما محققو الترجمة العربية المشتركة فيعلقون: "موسى: اسم من أصل مصري، ولكن الكاتب وجد له اشتقاقاً خاصاً به".
ومن صور التحريف الهامة ما صنعه المترجمون المسيحيون للمزمور الثاني والعشرين ليكون نبوءة مزعومة عن المسيح الذي مات على الصليب وقد ثقبت يداه ورجلاه، يقول المزمور: "لأنه قد أحاطت بي كلاب، جماعة من الأشرار اكتنفتني، ثقبوا يديّ ورجليّ" (المزمور ٢٢/ ١٦)، وليس في النص العبراني كلمة: (?????????) ثقبوا، التي تنطق (كأرو)، بل يستخدم كلمة (????????) (كأري) التي تعني كأسد، والنص بتمامه: " ???? ??????????, ?????????: ????? ????????, ????????????; ????????, ????? ?????????".
стр. 143
وقد اعترفت نسخة الرهبانية اليسوعية بالتحريف، وذكرت أن النص المحرف "بحسب الترجمة اللاتينية الشائعة، والكلمة العبرية تعني: (كالأسد)، وهي غامضة"، وهكذا فلغموض كلمة الأسد تلاعبوا بالنص وحوروه إلى "ثقبوا يديّ ورجليّ".
ومن الصور التي أبقاها المترجمون على حالها، فكان فعلهم صحيحاً خالياً من التحريف، قوله: "وقال لابان: هذه الرجمة شاهدة بيني وبينك اليوم، لذلك دعي اسمها جلعيد " (التكوين ٣١/ ٤٨).
وكلمة جلعيد كما يفيد قاموس الكتاب المقدس كلمة عبرانية معناها: " رجمة الشهادة ".
الكتب تتهم بني إسرائيل بالتحريف
ثم ها هي أسفار العهد القديم تتهم القوم بتحريف التوراة، فحين كان بنو إسرائيل في بابل بدأ عزرا الكاتب في كتابة الأسفار الضائعة، والتي غابت عن بني إسرائيل طويلاً، لكن النبي إرميا، - وهو أحد أعظم أنبياء ما قبل السبي - نعى كثيراً على أولئك الأنبياء الكذبة الذين سُبوا إلى بابل، وأخبر بانحرافهم وكذبهم على الله فيما ينسبونه إلى وحي الله، وقد وقع ذلك منه في نصوص عديدة، منها قوله: " قد سمعت ما قالته الأنبياء الذين تنبؤوا باسمي بالكذب قائلين: حلُمتُ، حلُمتُ " (إرميا ٢٣/ ٢٥).
ويقول: " كيف تقولون: نحن حكماء، شريعة الرب معنا حقاً، إنه إلى الكذب، حوَّلها قلم الكتبة الكاذب " (إرميا ٨/ ٨)، فقد حرفت كلمة الله بيد الكتبة الكذبة.
ويؤكد وقوع التحريف، ويتهدد بالعقوبة أولئك الذين مازالوا يتحدثون عن كلام الرب الذي حرفوه، فيقول: " وإذا سألك هذا الشعب أو نبي أو كاهن قائلاً: ما وحي الرب؟ فقل لهم: أي وحي؟ إني أرفضكم هو قول الرب، فالنبي أو الكاهن أو
стр. 144
الشعب الذي يقول: وحي الرب أعاقب ذلك الرجل وبيته. هكذا تقولون، الرجل لصاحبه، والرجل لأخيه، بماذا أجاب الرب وماذا تكلم به الرب: أما وحي الرب فلا تذكروه بعد، لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه، إذ قد حرّفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا" (إرمياء ٢٣/ ٣٣ - ٣٦).
ومثله وقع التحريف في سفره " فأخذ إرمياء درجاً آخر، ودفعه لباروخ بن نيريا الكاتب، فكتب فيه عن فم إرميا كل كلام السفر الذي أحرقه يهوياقيم ملك يهوذا بالنار، وزيد عليه أيضاً كلام كثير مثله " (إرميا ٣٦/ ٣٢)، ولم يذكر السفر من الذي زاد على قول إرمياء النبي.
كما تحدث إرميا عن أولئك الذين يدعون النبوة، والرب لم يرسلهم: "قال رب الجنود إله إسرائيل: لا تغشكم أنبياؤكم الذين في وسطكم وعرافوكم، ولا تسمعوا لأحلامهم التي يتحلمونها، لأنهم يتنبؤون لكم باسمي الكذب، أنا لم أرسلهم يقول الرب " (إرميا ٢٩/ ٨ - ٩).
ويواصل إرميا الحديث عن أولئك الذين رآهم يكتبون الكتب وينسبونها إلى الله، فيقول: "وصار في الأرض دَهَش وقشعريرة، الأنبياء يتنبؤون بالكذب، والكهنة تحكم على أيديهم، وشعبي هكذا أحب " (إرميا ٥/ ٣٠ - ٣١). لقد تمالأ الجميع على هذا التحريف، الأنبياء الكذبة والكهنة والشعب اليهودي.
ويقول النبي إشعيا: " ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب، فتصير أعمالهم في الظلمة، ويقولون: من يبصرنا، ومن يعرفنا؟ يالتحريفكم " (إشعيا ٢٩/ ١٥ - ١٦).
وفي حزقيال " القائلون: وحي الرب. والرب لم يرسلهم .. وتكلمتم بعرافة كاذبة قائلين: وحي الرب، وأنا لم أتكلم " (حزقيال ١٣/ ٦ - ٧).
стр. 145
وهكذا تعرض التوراة نوعين من التحريف: تحريف الكتبة الذين يدعون الوحي، وتحريف بني إسرائيل وهم يحرفون كلام الله الذي جاء على لسان أنبيائه.
لقد حصل ما توقعه موسى ﵇ حين قال: " خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم .. لأني عارف أنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون عن الطريق " (التثنية ٣١/ ٢٤ - ٢٩).
اعترافات بوقوع التحريف
ويعترف كبار المراجع النصرانية بوقوع التحريف والزيادة المستمرة حيث تقول لجنة الكتاب المقدس البابوية في مدخلها سنة ١٩٤٨م: " يوجد ازدياد تدريجي في الشرائع الموسوية سببته مناسبات العصور التالية الاجتماعية والدينية ".
ويقول كيرت: " الكتاب المقدس المتداول حالياً لا يحتوي على التوراة والإنجيل المنزلين من الله، ولقد اعترف علماء باحثون باللمسات البشرية في إعداد هذا الكتاب المقدس ".
ويقول جيمس جيستنج: " ومع هذا فإننا نتوقع أن نجد خلال صفحات الكتاب المقدس بعض الأجزاء من التوراة والإنجيل الأصليين، مما يتحتم معه دراسة جادة لكي تجعل مضمون الكتاب المقدس مفهوماً".
ونختم بنقل ما قاله الناقد اليهودي الشهير اسبينوزا عن تحريف الأسفار التوراتية، حيث يقول: "لا يسلِّم معظم المفسرين بوقوع أي تحريف في النص، حتى في الأجزاء الأخرى، ويقررون أن الله بعناية فريدة قد حفظ التوراة كلها من أي ضياع".
ويضيف: "أما اختلاف القراءات فهو في نظرهم علامة على أسرار في غاية العمق، ويتناقشون بشأن النجوم الثمانية والعشرين الموجودة وسط إحدى الفقرات،