← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38190

هل العهد القديم كلمة الله

منقذ السقار

Полный текст (206 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إبطال نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى ﵇ يزعم اليهود والنصارى أن موسى ﵇ كتب الأسفار الخمسة، يقول القس سويجارت في مناظرته التلفزيونية للعلامة ديدات: " ونحن نعتقد أن موسى كتب ما يسمى بالأسفار الخمسة، تلك الكتب الخمسة الأولى باستثناء الترانيم القليلة، وسفر التثنية، وربما يكون قد كتب هذا أيضاً، لأننا نعلم أن للرب من القدرة، بحيث يوحي إلى موسى بالضبط الكيفية التي يموت بها، ويوحي إليه بدقة الهيئة التي تكون عليها جنازته، وهذا ليس بمعضل على الرب". (١) وليس من دليل يؤيد هذا الزعم سوى ما ذكرته النصوص التوراتية والإنجيلية. لكن عند الرجوع إلى هذه الأسفار والتمعن فيها يتبين أنها كتبت بعد موسى ﵇ بوقت طويل، وفيما يلي بعض هذه الأدلة: قصر توراة موسى بالنسبة إلى التوراة الحالية - تحدثت أسفار العهد القديم عن توراة موسى، في سفر التثنية " وكتب موسى هذه التوراة، وسلمها للكهنة بين لاوي حاملي تابوت عهد الرب " (التثنية ٣١/ ٩ - ١٠) وكان ينبغي أن تكون نهاية التوراة هنا، ولكن الذي نراه أنه جاء بعدها ثلاث إصحاحات، والمفروض أن التوراة سلمت للكهنة من بني لاوي، مما دل على أن المكتوب من قبل موسى ليس النص الذي يحكي القصة. - أن توراة موسى قصيرة، فيما أسفاره الخمسة تبلغ ٤٠٠ صفحة، والذي كتبه موسى قصير جداً بالنسبة إلى الأسفار الخمسة، فقد أمر موسى بجمع بني إسرائيل نساءً

стр. 37

وأطفالاً ورجالاً، بل وحتى الغريب المار بأرضهم، أمر بجمعهم كل سبع سنين في عيد المظال لتقرأ عليهم التوراة (انظر التثنية ٣١/ ٩ - ١٢)، ولو كانت بالطول الذي بين أيدينا اليوم لشق سماع هؤلاء جميعاً وعسُر طول مكثهم لسماعها. ومن الدلائل على قصر توراة موسى أنه أمر بكتابتها على جدران المذبح " فيوم تعبرون الأردن إلى الأرض التي يعطيك الرب إلهك تقيم لنفسك حجارة كبيرة، وتشيدها بالشيد، وتكتب عليها جميع كلمات هذا الناموس ... وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشاً جيداً " (التثنية ٢٧/ ٢ - ٨) وقد عمل بالوصية وصي موسى يشوع فكتبها على حجارة المذبح. وبعد إتمام البناء قرأ يشوع التوراة على الجموع، وهي له تسمع " كتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى ... بعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة .. لم تكن كلمة في كل ما أمر به موسى لم يقرأها يشوع قدام كل جماعة إسرائيل النساء والأطفال والغريب السائر في وسطهم " (يشوع ٨/ ٣٢ - ٣٥). تناقض سفر يشوع مع الأسفار الخمسة - ومما يؤكد أن التوراة التي كتبها موسى ليست الأسفار الخمسة: مخالفة يشوع وصي موسى لما جاء فيها، ولو كان يعرفها أو يعتقد صدقها لما خالفها، فإما أن يقال بأن سفر يشوع مزور، أو لا تصح نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى. وبيان هذه المسألة أن موسى قال: " كلمني الرب قائلاً: أنت مار بتخم مؤاب بعار، فمتى اقتربت إلى اتجاه بني عمون لا تعادوهم، ولا تهجموا عليهم، لأني لا أعطيك من أرض بني عمون ميراثاً، لأني لبني لوط قد أعطيتهم ميراثاً " (التثنية ٢/ ١٦ - ٢٠) فكان أمر الله لموسى في حق أرض عمون أن لا يأخذ منها شيئاً.

стр. 38

ولكن يشوع في سفره ينسب إلى موسى أنه قسم أرض بني عمون، يقول: " وأعطى موسى لسبط جاد بني جاد حسب عشائرهم، فكان تخمهم بعزير، وكل مدن جلعاد، ونصف أرض بني عمون إلى عير، وعير التي هي أمام ربّة ... هذا نصيب بني جاد " (يشوع ١٣/ ٢٤ - ٢٨)، فقد زعم سفر يشوع أن الله أعطى موسى نصف أرض بني عمون، وهو مخالف لما أمر الله به موسى. فلو كانت هذه الأسفار توراة موسى لما نسب يشوع إلى موسى هذه المخالفة الصريحة لأمر الله بتقسيم أرض عمون. أحداث ذكرتها التوراة، وقد حصلت بعد وفاة موسى كما أن التوراة ذكرت أحداثاً حصلت بعد وفاة موسى في سيناء، مما دل على أنها كتبت بعده، ومنها: - تقول التوراة: " وأكل بنو إسرائيل المن أربعين سنة، حتى جاؤوا إلى أرض عامرة، أكلوا المن حتى جاءوا إلى أرض كنعان " (خروج ١٦/ ٣٥)، فكاتب السفر أدرك انقطاع المنّ عن بني إسرائيل، وعرف أن مدة أكلهم للمنّ كانت أربعين سنة. وهو أمر لم يدركه موسى ﵇، فقد انقطع المنّ زمن يشوع وبعد وفاة موسى بزمن ليس بقليل، ففي سفر يشوع " فحل بنو إسرائيل في الجلجال .. في عربات أريحا، وأكلوا من غلة الأرض .. وانقطع المن في الغد عند أكلهم من غلة الأرض " (يشوع ٥/ ١٠ - ١٢). فكيف يتحدث موسى عن أمر حدث بعد وفاته، وذلك حين دخلوا الأرض المقدسة مع النبي يشوع، ومن المهم التنبيه إلى أن الخبر عن الماضي، وليس إخباراً بالغيب والمستقبل، لذا لا يمكننا أن نعتبره نبوءة من موسى ﵇. - ثم إن سفر العدد يصف المنّ لقارئيه، فمن المؤكد أنه يحدثهم عما لم يروه، ومن

стр. 39

العجيب أن ينسب هذا الوصف إلى موسى، إذ ما الذي يدعوه لوصف المنّ وطعمه وطريقة طهيه لمن يصنعه ويأكله من معاصريه، يقول السفر: " وأما المنّ فكان كبزر الكزبرة، ومنظره كمنظر المقل، كان الشعب يطوفون ليلتقطوه، ثم يطحنونه بالرحى، أو يدقونه في الهاون، ويطبخونه في القدور، ويعملونه ملّات، وكان طعمه كطعم قطائف بزيت" (العدد ١١/ ٧ - ٨) و (انظر الخروج ١٦/ ٣١)، إنه شاهد آخر ببراءة موسى من كتابة هذه الأسفار. - ويذكر سفر العدد ما يُشعِر بأن الكاتب قد كتبه بعد جلاء بني إسرائيل من برية سيناء ودخولهم فلسطين فيقول: " ولما كان بنو إسرائيل في البرية، وجدوا رجلاً يحتطب في السبت " (العدد ١٥/ ٣٢)، فالكاتب ليس في البرية حتماً. أي ليس موسى ﵇، فإنه قد مات في البرية قبل دخول الأرض المقدسة. - ومن أدلة براءة موسى من هذه الأسفار قول التوراة: " وسكنوا مكانهم كما فعل إسرائيل بأرض ميراثهم التي أعطاهم الرب" (التثنية ٢/ ١٢) والنص يفيد أن الكاتب قد أدرك دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة، وهو ما حصل بعد وفاة موسى ﵇. - ومثله في قول التوراة، والمفترض أن الكاتب هو موسى " اجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلّوطة مورة. وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض (فلسطين) " (التكوين ١٢/ ٥ - ٦)، فالكاتب أدرك خروج الكنعانيين من الأرض بعد دخول بني إسرائيل، فهو ليس موسى. - ونحوه قول كاتب الأسفار: "وكان الكنعانيون والفرزّيون حينئذ ساكنين في الأرض" (التكوين ١٣/ ٧)، وهذا النص جعلته نسخة الرهبانية اليسوعية بين قوسين للإيهام بأنه ملحق بالسياق، والصحيح أصالته، وأن السفر متأخر التأليف. - ونحوه في قوله: " وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا في أرض أدوم قبلما ملكَ ملِكٌ

стр. 40

لبني إسرائيل" (التكوين ٣٦/ ٣١)، فالكاتب قد أدرك عهد الملكية الذي كان بعد موسى بأربعة قرون. وقد أقر المحقق آدم كلارك بوقوع التحريف في هذا النص، وقال: " غالب ظني أن موسى ما كتب هذه الآية، والآيات التي بعدها إلى التاسعة والثلاثين .. وأظن ظناً قوياً قريباً من اليقين أن هذه الآيات كانت مكتوبة على حاشية نسخة صحيحة، فظن الناقل أنها جزء من المتن فأدخلها فيه " (١)، ولم يبين دليله الذي دفعه لهذا الظن الذي قارب اليقين، لكن هذا التبرير من كلارك يفضي إلى الشك بجملة الكتاب المقدس، إذ كما جاز للناسخ أن يدخل في المتن هنا ما ليس فيه، فإنه يجوز وقوع ذلك في سائر الكتاب .. - لكن الطامة الكبرى والداهية العظمى أن يذكر خبر وفاة موسى ﵇ وندب نبي إسرائيل له، وذلك في أسفار تنسب إلى موسى، فقد جاء في سفر التثنية " فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مؤاب حسب قول الرب، ودفنه في الجواء في أرض مؤاب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم، وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات، ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته، فبكى بنو إسرائيل في عربات مؤاب ثلاثين يوماً، فكمُلت أيام بكاء مناحة موسى " (التثنية ٣٤/ ٥ - ٨)، والملاحظ دوماً أنه حديث عن الماضي البعيد، وليس إخباراً عن المستقبل. ومما لا تقبل نسبته إلى موسى في الأسفار الخمسة ما جاء فيها من ثناء على موسى باستخدام صيغة الغائب، وهذا الثناء هو بالحقيقة شهادات من الغير له، فلا يعقل أن يقول موسى عن نفسه: "موسى رجلاً حليماً جداً أكثر من جميع الناس " (العدد ١٢/ ٣).

стр. 41

ولا أن يقول: " موسى رجل الله" (التثنية ٣٣/ ١). وكذا قوله: " الرجل موسى كان عظيماً جداً في أرض مصر .... " (الخروج ١١/ ٣)، فمثل هذه الشهادات لا يليق أن تصدر عنه، إنما هي من غيره. مسميات ظهرت بعد موسى وتذكر الأسفار الخمسة أسماء كثيرة لمسميات لم يعرفها بنو إسرائيل إلا بعد موسى، ولم تسم بهذه الأسماء إلا بعد قرون من وفاة موسى، فكيف ذكرتها توراة موسى إذاً؟ - ومنها " وتبعهم إلى دان " (التكوين ١٤/ ١٤) وقد سميت بهذا الاسم في عهد القضاة، أي بعد موسى بما يربو على مائة سنة، يقول سفر القضاة: " وجاؤوا إلى لايش ... ودعوا اسم المدينة دان، باسم دان أبيهم " (القضاة ١٨/ ٢٧ - ٢٩). - ونحوه ما جاء في التكوين وفيه "لأني قد سرقت من أرض العبرانيين " (التكوين ٤٠/ ١٥)، ولم تسم فلسطين بهذا الاسم في عهد موسى، إذ لم يدخل العبرانيون إليها بعد. - ومثله " وجاء يعقوب إلى إسحاق أبيه إلى ممرا قرية أربع، التي هي حبرون " (التكوين ٣٥/ ٢٧)، ولم تسم حبرون (الخليل) بهذا الاسم إلا في عهد يشوع، كما ورد في سفره "فباركه يشوع، وأعطى حبرون لكالب ... واسم حبرون قبلاً قرية أربع، الرجل الأعظم في العناقيين" (يشوع ١٤/ ١٣ - ١٥)، فالكاتب لسفر التكوين أدرك دخول يشوع لفلسطين، ورأى تغيير اسم المدينة من أربع إلى حبرون. وهذا ما يقوله علماء الكتاب المقدس المتحررون من قوانين الكنيسة، وأما العلماء المحافظون فينقل لنا القس صموئيل أنهم يرون "أن الإشارات السابقة لا تزيد عن

стр. 42

كونها إضافة توضيحية عند النسخ ثانية عبر المراحل الزمنية المتعاقبة بواسطة الناسخ نفسه، وبالوحي المقدس". (١) فهم يعترفون بأنها من إضافات النساخ، لكن هؤلاء النساخ لم يصنعوا ذلك من أنفسهم، بل فعلوه بالوحي المقدس! فهم أيضاً ممن يوحى إليه.!! فالمهم عندهم أن "يظل موسى كاتباً لسفر التكوين". (٢) اعترافات مثيرة وبعد هذا كله كان لابد من أن يعترف أهل الإنصاف من أهل الكتاب بعدم صحة نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى، وقد كان من أوائل من فعل ذلك منهم، ابن عزرا الحبر اليهودي الغرناطي (تـ ١١٦٧م) حين ألغز اعترافه ببراءة موسى من هذه الأسفار، وذلك لمخافته القتل والاضطهاد فقال في شرحه لسفر التثنية: " فيما وراء نهر الأردن ... لو كنت تعرف سر الإثني عشر .. كتب موسى شريعته أيضاً ... وكان الكنعاني على الأرض ... سيوحي به على جبل الله ... ها هوذا سريره، سرير من حديد، حينئذ تعرف الحقيقة " ولم يجرؤ ابن عزرا على كشف الحقيقة فألغزها. وقد فسر اليهودي الناقد اسبينوزا قول ابن عزرا بأنه أراد بأن موسى لم يكتب التوراة لأن موسى لم يعبر النهر، ثم سفر موسى قد نقش على اثني عشر حجراً بخط واضح، فحجمه ليس بحجم التوراة، ثم لا يصح أن تقول التوراة بأن موسى كتب التوراة، ثم كيف يذكر أن الكنعانيين كانوا حينئذ على الأرض؟، فهذا لا يكون إلا بعد طردهم منها، وأما جبل الله فسمي بهذا الاسم بعد قرون من موسى، وسرير عوج الحديدي جاء ذكره في التثنية (٣/ ١١ - ١٢) بما يدل على أنه كتب بعده بزمن طويل.

стр. 43

ويعترف أيضاً في القرن التاسع عشر القس نورتن بعدم صحة نسبة الأسفار إلى موسى فيقول: "التوراة جعلية يقيناً، ليست من تصنيف موسى". (١) وفي مدخل طبعة للكتاب المقدس باللغة الانجليزية صدرت عام ١٩٧١م سجل محررو الطبعة تشككاً في إلصاق الأسفار بموسى فقالوا: " مؤلفه موسى على الأغلب ". وفي مدخل التوراة الكاثوليكية نقرأ: "ما من عالم كاثوليكي في عصرنا يعتقد أن موسى ذاته كتب كل التوراة منذ قصة الخليقة، أو أنه أشرف على وضع النص الذي كتبه عديدون بعده، بل يجب القول بأن هناك ازدياداً تدريجياً سببته مناسبات العصور التالية الاجتماعية والدينية "، ومثله في المدخل الفرنسي للكتاب المقدس. وتقول دائرة معارف القرن التاسع عشر: " العلم العصري، ولاسيما النقد الألماني قد أثبت بعد أبحاث مستفيضة في الآثار القديمة، والتاريخ وعلم اللغات أن التوراة لم يكتبها موسى ﵇، وإنما هي من عمل أحبار لم يذكروا أسماءهم عليها، وألفوها على التعاقب معتمدين في تأليفها على روايات سماعية سمعوها قبل أسر بابل ". ويقول نولدكه في كتابه "اللغات السامية": " جمعت التوراة بعد موسى بتسعمائة سنة، واستغرق تأليفها وجمعها زمناً متطاولاً تعرضت حياله للزيادة والنقص، وإنه من العسير أن نجد كلمة متكاملة في التوراة مما جاء به موسى". (٢) فهل يقال بعد ذلك: هذه الأسفار الخمسة من كلام موسى أو أنها وحي الله إلى نبيه موسى؟

стр. 44

وصدق جارودي في كتابه " إسرائيل والصهيونية السياسية " حين قال: " ليس هناك عالم من علماء التوراة وتفسيرها لا يقر بأن أقدم نصوص التوراة قد ألف وكتب على الأكثر في عهد سليمان، وهذه النصوص ليست إلا تجميعاً لروايات شفهية، وإذا التزمنا بمعايير الموضوعية التاريخية كان علينا الإقرار بأن هذه الروايات التي تتحدث عن ملاحم مرت عليها قرون ليست أكثر تاريخية - بالمعنى الدقيق للكلمة - من الإلياذة أو الرامايانا".

стр. 45

إبطال نسبة أسفار الأنبياء إليهم لا يملك اليهود ولا النصارى أي دليل - ولو كان ضعيفاً - يثبت صحة نسبة الأسفار المقدسة إلى أصحابها، إذ هذه الكتب خالية من الأسانيد التي توثقها. بل إن الأدلة تثبت عكس ذلك، وهو يتضح فيما نعرض من النصوص والشهادات التي تبطل نسبة أسفار العهد القديم إلى الأنبياء ﵈، ولسوف نكتفي بعرض بعض الشهادات عن بعض الأسفار، ونترك للقارئ الكريم أن يقيس الغائب من الأسفار على الشاهد منها. سفر يشوع تنسب الدراسات التقليدية هذا السفر إلى النبي يشوع بن نون وصي موسى ﵇، لكن القراءة المتأنية لهذا السفر تكشف عن تأخر تاريخ كتابته عن يشوع بسنين طويلة، فقد جاء فيه خبر موت يشوع " مات يشوع بن نون عبد الرب ابن مائة وعشر سنين، فدفنوه في تخم ملكه " (يشوع ٢٤/ ٢٩ - ٣٠). ويذكر سفر يشوع أحداثاً حصلت بعد موته كتعظيم بني إسرائيل له بعد وفاته، بقاء شيوخهم على العهد في عصر القضاة بعده " وعبد إسرائيل الرب كل أيام يشوع وكل أيام الشيوخ الذين طالت أيامهم بعد يشوع والذين عرفوا كل عمل الرب الذي عمله لإسرائيل" (يشوع ٢٤/ ٣١)، والسفر برمته يتحدث عن يشوع بضمير الغائب. (انظر ٨/ ٣٥، ٦/ ٢٧). ومن الأدلة التي نسردها سريعاً لنؤكد أن يشوع ليس بكاتب السفر المنسوب إليه أن سفر يشوع ذكر مراراً قرية دبير التي حاربها يشوع، ومن ذلك قوله: "ثم رجع يشوع وكل إسرائيل معه إلى دبير وحاربها" (يشوع ١٠/ ٣٨)، وكذا قوله: "وصعد

стр. 46

التخم إلى دبير من وادي عخور" (يشوع ١٥/ ٧)، وغيرها من المواضع. وهذا الاسم لم يطلق على هذه القرية إلا بعد وفاة يشوع، فقد كان اسمها في عهد يشوع قرية سفر، وتغير في عهد القضاة "واسم دبير قبلاً قرية سفر" (القضاة ١/ ١١). كما نجد في مواضع كثيرة أن كاتب السفر يخبرنا ببقاء بعض المسميات التي سميت في عهد يشوع وأنها لم تتغير بتقادم الأيام وتصرم السنين، ومن المؤكد أن يشوع ليس القائل، إذ هذه المسميات ظهرت في عصره، وليس من المعتاد تغير أسماء المدن في وقت قريب، يقول سفر يشوع: "فدعي اسم ذلك المكان الجلجال إلى هذا اليوم" (يشوع ٥/ ٩)، أي ما زال اسمه كذلك إلى زمن كتابة السفر. ومثله قوله: " وأقاموا فوقه رجمة حجارة عظيمة إلى هذا اليوم، فرجع الرب عن حمو غضبه، ولذلك دعي اسم ذلك المكان وادي عخور إلى هذا اليوم" (يشوع ٧/ ٢٦). وقد اعترف بمجهولية كاتب هذا السفر الناقد اليهودي اسبينوزا، وبه أقرت مقدمة الكاثوليك للكتاب المقدس، حيث تقول: "لكن المؤلف المقدس الذي نجهل اسمه وعصره ... ". وأما محررو قاموس الكتاب المقدس ينقل لنا عدداً من الأسماء المقترحة لكتابة هذا السفر، فيقول: "كاتب هذا السفر مجهول، ولكنه قد نسب إلى أشخاص متعددين، غير أن كثيرين يتمسكون بالاعتقاد المقبول عند اليهود والكتاب المسيحيين الأولين، وهو أن يشوع نفسه كاتب السفر .. وظنَّ كالفن أن كاتبه هو اليعازر بن هارون، وزعم آخرون أنه فيدحاس أو صموئيل، أو إرميا". (١)

стр. 47

وننبه على أن جميع هذه الاقتراحات تخرصات وظنون لا دليل عليها، لكن أرجحها أن السفر مجهول الكاتب، فكيف ينسب إلى الله ووحيه كتاب لا يعرف من قائله؟! سفر القضاة ويتحدث السفر عن الفترة التي تلت يشوع والتي سبقت الملكية، وهي فترة مبكرة من تاريخ بني إسرائيل، ونسبه التقليد اليهودي إلى النبي صموئيل آخر قضاة بني إسرائيل. ولكن السفر يحوي ما يدل على أنه كتب في عهد الملوك فقد جاء فيه " في تلك الأيام لم يكن ملك في إسرائيل " (القضاة ٢١/ ٢٥). ونحوه يقول السفر: " وفي تلك الأيام لم يكن ملك في إسرائيل " (القضاة ١٧/ ٦)، مما يفهم منه أن الكاتب قد أدرك الملكية، وليس قاضياً يعيش في عصر القضاة. وتذكر مقدمة السفر أن كاتبه " يحتمل أن يكون صموئيل "، فهو مجرد احتمال يوافق عليه القس وليم مارش، ويضيف إليه احتمالات أخرى، حيث يرى - كما نقل عنه العلامة رحمة الله الهندي - أن كاتب السفر مجهول وأنه ينسب إلى صموئيل أو عِزرا، كما يحتمل أن كل قاض كتب في زمان ولايته. ويقول مؤلفو المدخل إلى الكتاب المقدس: " لسنا نعلم من هو كاتب السفر، ومن المحتمل أن تكون مادته قد جمعت وصُنِّفت من واقع سجلات العصر، في زمن لاحق لزمن القضاة، وهو يذكر ثلاث مرات هذه العبارة "وفي تلك الأيام لم يكن ملك في إسرائيل" (١٧/ ٦، ١٨/ ١، ٢١/ ٢٥)، مما يدفعنا إلى الظن بأن مادة السفر قد تم جمعها وضمها إلى بعضها بعد قيام الملكية في إسرائيل". (١)

стр. 48

يقول الأب لوفيفر: إن سفر القضاة أعيدت كتابته وعدلت مرات كثيرة قبل أن يصل إلى صيغته النهائية، وإن أحداثه التاريخية تعوزها الدقة. (١) ولم يخبرنا لوفيفر إن كان يعتقد بعصمة وإلهامية كل أولئك المجهولين الذين أسهموا في كتابة السفر وتنقيحه، وإذا لم يكن كذلك فكيف أضحت زياداتهم وتعديلاتهم جزءاً من وحي الله؟ سفر راعوث وهذا السفر يحكي قصة راعوث المؤابية التي تزوجت إسرائيلياً، ثم مات عنها زوجها ثم تزوجها بوعز فولدت له عوبيد جد داود، ولا يعرف بالتحديد من هو مؤلف هذه القصة. لذلك يقول القس وليم مارش عن كاتب هذا السفر: " مجهول "، ويضيف جورج بوست: "لا يمكن الجزم بزمان هذه القصة، ولا بمعرفة مؤلفها .. نسب بعضهم كتابتها إلى صموئيل، وآخرون إلى حزقيا وآخرون إلى عِزرا ... "، وتقول مقدمة السفر عن الكاتب: " ليس معروفاً بالتحديد ". وفي مقدمة السفر في التفسير التطبيقي"الكاتب: غير معروف، ويعتقد البعض أنه صموئيل، وإن كان السفر في طياته ما يدل على أنه كتب بهد وفاته". (٢) وأما مقدمة السفر في التوراة الكاثوليكية فترى أن كاتبه المجهول قد عاش في زمن متأخر "اللغة ذاتها في النص العبري تشير إلى حداثة عهده الذي يعود إلى ما بعد السبي البابلي". (٣) وأما القس منيس عبد النور فلا يرى أي حرج في نسبة هذا السفر المجهول المؤلف إلى الله، لأن "تحديد اسم كاتب السفر ليس مسألة جوهرية في تقرير قانونية السفر، ولا في أنه وحي الله". (٤)

стр. 49

سفرا صموئيل (الأول والثاني) وينسب السفران إلى النبي صموئيل، لكن السفر الأول منهما يذكر وفاة النبي صموئيل ودفنه "فمات صموئيل، فاجتمع إسرائيل، وندبوه، ودفنوه " (صموئيل (١) ٢٥/ ١) فمن الذي أكمل السفر الأول؟ ومن كتب السفر الثاني؟ يقول منقحو الكتاب المقدس الذي راجعه القسيس فانت السكرتير العام لجمعية الكتاب المقدس بنيويورك عن مؤلف السفرين: " مجهول، ويحتمل أن يكون عزرا هو الذي كتبه وراجعه". ويقول محررو طبعة ١٩٧١م الإنجليزية في مدخلهم: " مؤلفه: صموئيل على الاحتمال "، وقال آخرون الكاتب إرمياء، لكن مقدمة النسخة الكاثوليكية تعتبره "رأي صبياني، على أنه من المحتمل أن يكون المؤلف أحد تلاميذ إرميا". (١) وأما مؤلفو التفسير التطبيقي، فيقولون في مقدمة السفر: "الكاتب: غير معروف، وقد رأى البعض أن زابود بن ناثان هو الكاتب (الملوك (١) ٤/ ٥). (٢) سفرا عِزرا ونحميا ويتحدث السفران عن حياة بني إسرائيل بعد السبي، ويفترض أن كاتبيهما هما عزرا ونحميا، لكن يرجح الباحثون أن كاتبهما وكاتب سفر الأيام واحد، وأن الكتابة كانت حوالي سنة ٣٠٠ ق. م، وممن يرجح تأخر كتابة السفر عن عزرا ونحميا المحققون توري وهوشر وموننكل.

стр. 50

فنحميا كان معاصراً للسبي البابلي، لكن كاتب السفر يتحدث فيه عن يشوع اللاوي الراجع في سبي بابل، فيقول: " وهؤلاء هم الكهنة واللاويون الذين صعدوا مع زربابل بن شألتيئيل ويشوع" (نحميا ١٢/ ١)، ثم يذكر أن من بين الراجعين من السبي مع زربابل يشوع اللاوي، فيقول: "واللاويون: يشوع وبنوي وقدميئيل .. " (نحميا ١٢/ ٨)، لكن كاتب سفر نحميا يحدثنا عن الجيل الخامس ليشوع اللاوي، فيقول: "يشوع ولد يوياقيم، ويوياقيم ولد ألياشيب، وألياشيب ولد يوياداع، ويوياداع ولد يوناثان، ويوناثان ولد يدوع " (نحميا ١٢/ ١٠ - ١١)، وهذا لا يمكن نسبته إلى نحميا، الذي عاد من السبي، فيما السفر يتحدث عن الجيل الخامس لأبناء العائدين من السبي. وعليه فكاتب السفر عاش على أقل تقدير في الجيل الخامس من الرجوع البابلي. فمن هو هذا الكاتب؟ يجيب المدخل الفرنسي: " جرت العادة بأن تنسب مجموعة الأخبار وعِزرا ونحميا إلى كاتب واحد لا يعرف اسمه، يقال له: محرر الأخبار ". ويقول القس وليم مارش: " كاتب السفر حسب تقليد اليهود هو عِزرا، وهذا قول أكثر رجال الكنيسة المسيحية أيضاً، غير أن بعض العلماء حديثاً يقولون: إن كاتباً اسمه مجهول كتب سفر عزرا وكتب أيضاً سفر نحميا". (١) سفر إستير وفي هذا السفر يتصور الخيالُ اليهودي ملكةَ فارس يهودية وذات نفوذ تستخدمه

стр. 51

لصالح الشعب اليهودي. ولم يذكر اسم الله في هذا السفر أبداً، وتبرر ذلك مقدمة السفر في التوراة الكاثوليكية فتقول عن النص العبراني منه: "لربما كان ذلك خشية أن ترافق اسم الله هتافات وتظاهرات غير لائقة من قبل سامعين في نشوة من الأفراح، وهذا أمر مضر بالاحترام الواجب لاسم الله" ولا أدري لماذا لم يُحترَز عن ذكر اسم الله في سفر نشيد الإنشاد، وهو أيضاً مجموعة من الأغاني الغرامية؟ وعن مؤلفه يقول الدكتور سمعان كلهون في كتابه " مرشد الطالبين ": " مجهول "، ويقول الدكتور بوست: " ينسب البعض تأليف هذا السفر إلى عزرا، وآخرون إلى كاهن يدعى يهوياقيم، والبعض ينسبونه إلى أعضاء المجمع العظيم، على أن الأكثرين ينسبونه إلى مردخاي ". أما مقدمة السفر الكاثوليكي فترى تأخر تأليفه "فقد يرجع إلى الجيل الثاني قبل المسيح". وقد شكك البعض في قانونية السفر، وحذفه مليتو أسقف سارديس عام ١٧٠م (صاحب أول قائمة مسيحية لأسفار العهد القديم) من قائمته للأسفار المقدسة التي ذكرها في كتابه "الخلاصة"، ومثله صنع القديس أثناسيوس في قائمته، وعلى نهجهما مشى مارتن لوثر الذي رفض لوثر اعتبار السفر ضمن الأسفار الموحى بها كما ذكر ذلك قاموس الكتاب المقدس (١)، بل قال عنه: " ليت هذا السفر لم يوجد ". وفي النسخة اليونانية التي يعتمدها الكاثوليك زيادات غير موجودة في النسخة العبرانية، مثل حلم مردوخاي وصلواته وسوى ذلك، وقصد المترجمون إلى اليونانية

стр. 52

بهذه الزيادات إضفاء صفة دينية على السفر العبري الذي ليس فيه ما يشير إلى أنه نص ديني، كما صرحت المقدمة الكاثوليكية للسفر. يقول محررو قاموس الكتاب المقدس: " لا يوجد تناسق أو انسجام بين السفر في العبرية وبين هذه الزيادات، بل إن هناك تناقضاً بينها، فتذكر هذه الإضافات أن ملك الفرس في ذلك الحين هو ارتزركسيس بدلاً من روكسيس، وتذكر أن هامان كان مقدونياً بدلاً من كونه فارسياً ". (١) سفر أيوب من المفترض أن يكون هذا السفر من كتابة النبي أيوب، لكن جاء في وسط السفر ما يدل على أن كاتباً آخر غير أيوب قد تدخل فيه، ففي نهاية الإصحاح ٣١ يقول: " تمت أقوال أيوب " (أيوب ٣١/ ٤٠) من غير أن ينتهي السفر حينذاك، بل استمر بعده أحد عشر إصحاحاً تحدثت عن أيوب. وفي نهاية السفر " وعاش أيوب بعد هذا مائة وأربعين سنة ورأى بنيه، وبني بنيه إلى أربعة أجيال، ثم مات أيوب شيخاً وشبعان الأيام " (أيوب ٤٢/ ١٦ - ١٧)، فهل هذا أيضاً من كتابة أيوب؟ ويرى الدكتور صموئيل شولتز أن تاريخ كتابة هذا السفر مجهول، وكذلك زمن الخلفية التاريخية واسم المؤلف. أما المقدمة الكاثوليكية للسفر فتحاول تحديد زمن التأليف، فترى أن "كاتب هذا السفر يأتي بعد إرميا، وقد استلهمه (أي من إرمياء) وبعد حزقيال، وهو سابق

стр. 53

دون شك للعهد الإغريقي، وأغلب الظن أنه من أبناء الجيل الخامس". (١) وأما محررو قاموس الكتاب المقدس فيحاولون من جهتهم تعريفنا بالكاتب المجهول وزمن تأليفه لهذا السفر فيقولون: "ويعتقد أن الكاتب من أهل فلسطين، ولا يمكن تعيين تاريخ كتابة السفر على وجه التحقيق، وقد ظن بعض النقاد أنه كُتب في عصر إرميا، وظن آخرون أنه كتب بعد السبي .. إلا أن غيرهم يظنون أنه كتب في القرن الرابع قبل الميلاد .. يحتمل أنه يرجع إلى الألف الثانية قبل الميلاد"، فما الذي يختاره القارئ من هذه التواريخ التي تحيرنا لتباعدها، لكنها على كل حال تتفق على أن هذا الكاتب مجهول. (٢) ويحسن أن ننبه هنا إلى أن النسخة الكاثوليكية اليونانية لسفر أيوب تنقص ما يقرب من خُمُس السفر المذكور في النسخة العبرانية. سفر المزامير يحوي سفر المزامير مائة وخمسين مزموراً تنسب إلى مؤلفين مختلفين، إذ ينسب إلى النبي داود ثلاثة وسبعون مزموراً، وإلى موسى مزمور واحد، وإلى أساف اثنا عشر مزموراً، وينسب إلى بني قورح تسعة مزامير، ومزموران إلى سليمان، وآخر إلى ايثان، وتسمى المزامير الباقية (٥١ مزموراً) بالمزامير اليتيمة لأنه لا يعرف قائلها!!! فكيف وصفت بالوحي؟ وهل كان بنو قورح أيضاً أنبياء؟ وهل كان أساف كبير المغنيين في بلاط داود نبياً؟ وما أدلة نبوة هؤلاء؟ إن أحداً لا يملك إجابة عن هذه الأسئلة.

стр. 54

والمتأمل في المزامير يدرك بوضوح كبير أن المزامير تعود إلى ما بعد داود وسليمان، وتحديداً إلى القرن السادس قبل الميلاد، إلى أيام السبي البابلي، وذلك يظهر من أمثلة متعددة. منها ما جاء في المزمور التاسع والسبعين والمنسوب لآساف كبير المغنيين في بلاط الملك داود، حيث يقول: " اللهم إن الأمم قد دخلوا ميراثك، ونجسوا هيكل قدسك، وجعلوا أورشليم أكواماً، دفعوا جثث عبيدك طعاماً لطيور السماء " (٧٩/ ١ - ٢). ومثله في قوله: " الرب يبني أورشليم، يجمع منفى إسرائيل يشفي المنكسري القلوب، ويجبر كسرهم " (١٤٧/ ٤). ومثله " على أنهار بابل جلسنا ... بكينا أيضا عندما تذكرنا صهيون ... لأنه هناك سألنا الذين سبونا (بعد السبي البابلي) كلام ترنيمة، ومعذبونا سألونا فرحاً قائلين: رنموا لنا من ترنيمات صهيون" (١٣٧/ ١) .... وغيرها. وهذه الأمثلة تثبت أن كتابة المزامير تأخرت عن داود ما لا يقل عن أربعة قرون، وعليه فلا تصح نسبتها إليه أو إلى معاصريه. لكن الكنيسة تصر على أنها من وحي الله، فلديها دليل غريب، فإن هذه المزامير "تستعمل اليوم في عبادة الكنيسة المسيحية، وتناسب ذوق جميع الطوائف على حد سواء، ولعل هذا دليل على كونها موحى بها من الله". (١) سفر (الأمثال) و (الجامعة) و (نشيد الإنشاد) وتنسب الأسفار الثلاثة حسب التقليد الكنسي واليهودي إلى النبي سليمان ﵇. لكن التأمل في سفر الأمثال يظهر فقرات لا تصح نسبتها إلى سليمان، فقراءتها

стр. 55

تظهر أن لها أكثر من كاتب بدليل تكرار أكثر من مائة مثل باللفظ أو بالمعنى كما في (١٨/ ٨ و ٢٦/ ٢٢ و١٩/ ٢٤). وقد نص السفر على أن بعض هذه الأمثال لسليمان، فقد بدأ بقوله: " أمثال سليمان بن دواد ملك إسرائيل " (١/ ١) ثم عاد في الإصحاح العاشر، فأكد عليه. وكذا في الإصحاح الخامس والعشرين يؤكد أن سليمان هو قائل هذا السفر، ويضيف بأن الذي نقلها عنه هم رجال الملك حزقيا، فيقول: " هذه أيضاً أمثال سليمان التي نقلها رجال حزقيا ملك يهوذا " (٢٥/ ١). ولا نعرف من هم رجال حزقيا، ولا كيف وصلت إليهم كلمات النبي سليمان، وهل هم أيضاً أنبياء، علماً بأن حزقيا هو الملك الثاني عشر بعد سليمان؟ وفي الإصحاح الثلاثين تنسب مجموعة الأمثال إلى غير سليمان، ففيه " كلام أجور ابن منقية مسا" (أمثال ٣٠/ ١) ولا يذكر السفر نبوته ولا إلهاميته، بل يقول أجور عن نفسه: "إني أبلد من كل إنسان، وليس لي فهم إنسان" (الأمثال ٣٠/ ١). وفي الإصحاح الذي يليه " كلام لموئيل ملك مسّا، علمته إياه أمه " (٣١/ ١)، ولا يذكر لنا السفر كيف اعتبر هذا الذي علمته أمه من الوحي؟ ويقول المدخل للآباء اليسوعيين (التوراة الكاثوليكية): "السفر ليس بكامله من تأليف هذا الملك، وهو يسند إلى مجموعتين مهمتين .. المجموعة المركبة قد اكتملت دون شك بشكلها النهائي بعد السبي .. يستحيل تحديد أصل هذه المجموعات حتى المسندة منها إلى سليمان .. إن عدداً كبيراً من هذه الأمثال لا صفة دينية لها البتة ". وأما مؤلفو المدخل إلى الكتاب المقدس، فيرون أن السفر من إنتاج عدد غير معلوم من المؤلفين المجهولين، وقد علم من السفر أسماء ثلاثة منهم فقط، يقول المدخل: " اشترك في كتابة سفر الأمثال العديد من الكتَّاب منهم ثلاثة مذكورون فيه

стр. 56

بالاسم وهم: سليمان وآجور ولموئيل، وهناك قسم واحد من السفر على الأقل مجهول الكاتب". (١) وأما سفر الجامعة فقد جاء في أوله: " كلام الجامعة بن داود الملك في أورشليم " (١/ ١) وفي موضع آخر يقول: " أنا الجامعة، كنت ملكاً على إسرائيل في أورشليم " (١/ ١٢). وليس في ملوك بني إسرائيل من اسمه الجامعة، وقد ذكروا في أيام (١) ٣/ ١ - ٢٢، لذلك ينسبه الكهنوتيون إلى سليمان، ولا يصح هذا لأنه يقول: " رأيت تحت الشمس موضع الحق هناك الظلم، وموضع العدل هناك الجور ... " (٣/ ١٦). ومثل هذه الصورة التشاؤمية لا يمكن أن تصدر عن النبي سليمان الملك الذي يملك رفع الحق وتثبيته، ومثله " ثم رجعت ورأيت كل المظالم التي تجري تحت الشمس، فهُوَذا دموع المظلومين، ولا معز لهم من يد ظالميهم " (٤/ ١)، ومثله كثير، فالسفر يحمل صورة تشاؤمية لا يمكن أن تصدر عن نبي ملك. وأما سفر نشيد الإنشاد فهو أشد الأسفار إثارة، وقد تعرض لتردد كثير حتى قُبل وأضيف للكتاب المقدس، ويرى المحققون أنه يعود إلى القرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد، وإن اشتمل على بعض الأغاني القديمة جداً. يقول عنه المدخل الفرنسي: " إن هذا الكتاب الصغير يمثل مسألة من أشد الأمور المتنازع عليها في نصوص الكتاب المقدس، فما معنى تلك القصيدة أو تلك المجموعة من القصائد الغزلية في العهد القديم .. لا نجد فيه أي مفتاح للسيرة. من الذي ألفه؟ وفي أي تاريخ؟ ولماذا ألف؟ .. من الواضح أن مؤلفه ليس سليمان "،

стр. 57

ويضيف فيلسيان شالي: "أما الأعمال الأخرى فقد نشأت عن مختلف المؤمنين من غير الذين تعزى إليهم تقليدياً، وعلى سبيل المثال فإن نشيد الإنشاد بالتأكيد ليس من عمل سليمان". (١) وعن هذا السفر يقول مدخله في التوراة الكاثوليكية: " لا يقرأ نشيد الإنشاد إلا القليل من المؤمنين، لأنه لا يلائمهم كثيراً "، ويقول وشتن: " إنه غناء فسقي فليُخرج من الكتب المقدسة "، وقال العالم الكاثوليكي توماس وارد في كتابه ( Errata to the Protestant Bible) عنه: "غناء نجس". (٢) سفر إشعيا وينسب السفر إلى النبي إشعيا في القرن الثامن قبل الميلاد، فقد عاصر الملك عزيا ثم يوثام ثم أحاز ثم حزقيا، ولكن السفر يتحدث عن الفترة الممتدة بين القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد مما يؤكد أن ثمة كاتباً أو كاتبِين قد كتبوا ذلك بعد إشعيا، ومن أمثلة ذلك حديثه عن بابل الدولة العظيمة وتنبؤه بإنهيارها. وأيضاً حديثه عن كورش الفارسي الذي ردّ اليهود من السبي (انظر ٤٤/ ٢٨ - ٤٥/ ١). كما يتحدث عن رجوع المسبيين والشروع في بناء الهيكل في الإصحاحات ٥٦ - ٦٦، لذا يقول العالم الألماني أستاهلن: " لا يمكن أن يكون الباب الأربعون وما بعده حتى الباب السادس والستين من تصنيف إشعيا". (٣)

стр. 58

لذا تنقل لنا مقدمة السفر الكاثوليكي أن "عدداً متزايداً من الشراح الكاثوليك يعتبرون اليوم أن عمل إشعيا قد تابعه أنبياء آخرون، لهم ما له من الأهمية، لكنهم لم يخلِّفوا لنا أسماءهم". سفر إرمياء أما سفر إرمياء فإن تقاليد الكنيسة تنسبه إلى النبي إرمياء، ولا تصح هذه النسبة، إذ هو من عمل عدة مؤلفين، بدليل تناقضه في ذكر الحادثة الواحدة، ومن ذلك تناقضه في طريقة القبض على إرمياء وسجنه (انظر: إرمياء ٣٧/ ١١ - ١٥ و ٣٨/ ٦ - ١٣). كما يحمل السفر اعترافاً بزيادة لغير إرمياء ففيه " فأخذ إرمياء درجاً آخر، ودفعه لباروخ بن نيريا الكاتب، فكتب فيه عن فم إرميا، كل كلام السفر الذي أحرقه يهوياقيم ملك يهوذا بالنار، وزيد عليه أيضاً كلام كثير مثله " (٣٦/ ٣٣). وفي موضع آخر " إلى هنا كلام إرمياء " (٥١/ ٦٤)، ومع ذلك يستمر السفر، فمن الذي أكمله؟ خاتمة جامعة ونختم مع اعتراف مهم يسجله مدخل التوراة الكاثوليكية وفيه: " صدرت جميع هذه الكتب عن أناس مقتنعين بأن الله دعاهم لتكوين شعب يحتل مكاناً في التاريخ ... ظل عدد كبير منهم مجهولاً .. معظم عملهم مستوحى من تقاليد الجماعة، وقبل أن تتخذ كتبهم صيغتها النهائية انتشرت زمناً طويلاً بين الشعب، وهي تحمل آثار ردود فعل القراء في شكل تنقيحات وتعليقات، وحتى في شكل إعادة صياغة بعض النصوص إلى حد هام أو قليل الأهمية، لا بل أحدث الأسفار ما هي إلا تفسير وتحديث لكتب قديمة ". وقد صدق موريس فورن حين قال: " لو سألنا في أي وقت جمع كل كتاب من

стр. 59

كتب التوراة، وفي أي حال، وظروف؟ وبأقلام من كتب؟ لا نجد أحداً يجيبنا عن تلك الأسئلة وما شابهها إلا بأجوبة متباينة متخالفة جداً ... والملخص أن المذاهب العلمية الجديدة ترفض أغلب أقوال علماء النقل التي هي أساس اعتقاد النصارى واليهود، وتقوض بنيان ادعاء السابقين، وتبرئ الأنبياء من تلك الكتابات ". ويواصل فيقول: " ما الحيلة ونحن من مائة سنة حيارى بين أسانيد يمحو بعضها بعضاً، فالحديث يناقض سابقه، والسابق ينافي الأسبق، وقد تتناقض أجزاء الدليل الواحد .. وأيِسنا من الوصول إلى معرفة صاحب الكتاب الحقيقي ". (١) إذاً هذه الأسفار مجهولة المؤلف، لا تصح نسبتها إلى الأنبياء، بل هي من عمل الشعب اليهودي طوال عصور التاريخ اليهودي، وقد استلهموا هذه الكتابات من تقاليدهم، لا من الله ووحيه، وكل ذلك شاهد على أن هذه الأسفار ليست كلمة الله، فما أدرانا ما هو حال هؤلاء المؤلفين المجهولين؟ هل كانوا مؤمنين أمناء أم متهمين تركوا بصمات تلاعبهم - في الكتاب - واضحة لكل ذي عينين. هل يقبل العقلاء صكوك بيع أو شراء أو ائتمان أصدرها مجهولون في قضايا دنيوية بسيطة تتعلق بحفنة من الدولارات؟ وإذا كانوا لا يقبلونها، فكيف يقبلون روايات المجاهيل في قضية يتعلق فيها مصير المليارات من بني الإنسان؟!. وصدق الله حين قال: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون﴾ (البقرة: ٧٩).

стр. 60

حفظ التوراة (الأسفار الخمسة) - تلقى موسى من الله وهو على جبل الطور لوحين من الحجارة كتبهما الله لبني إسرائيل تذكاراً " وقال الرب لموسى: اصعد إلى الجبل، وكن هناك، فأعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم" (الخروج ٢٤/ ١٢)، وقد كتب في اللوحين الوصايا العشر (انظر الخروج ٢٠/ ١ - ١٧) و (التثنية ٥/ ٥ - ٢٣). - أمر موسى بوضع اللوحين في تابوت العهد، "وفي التابوت تضع الشهادة التي أعطيك" (الخروج ٢٥/ ٢١). - أوصى موسى بني إسرائيل بأن تقرأ التوراة على جميع بني إسرائيل كل سبع سنوات "وفي نهاية السبع سنين في ميعاد سنة الإبراء في المكان الذي تختاره تقرأ هذه التوراة أمام كل إسرائيل في مسامعهم " (التثنية ٣١/ ٩ - ١١). وقال للّاويين: " خذوا كتاب التوراة هذا، وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم، ليكون هناك شاهداً عليكم، لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة، هوذا وأنا بعد حتى معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب، فكيف بالحري بعد موتي .. لأني عارف بعد موتي تفسدون وتزيغون " (التثنية ٣١/ ٢٤ - ٣٠). - أعاد يشوع كتابة التوراة، فكتبها على أحجار المذبح بحروف واضحة " كتب هناك على الحجارة نسخة توارة موسى .. وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة البركة واللعنة حسب كل ما كتب في سفر التوراة، ولم تكن كلمة من كل ما أمر به موسى لم يقرأ يشوع قدام كل جماعة إسرائيل والنساء والأطفال والغريب السائر في وسطهم " (يشوع ٨/ ٣٠ - ٣٥). ومما سبق علمنا أن التوراة كتبها موسى، وأمر بوضعها في تابوت عهد الرب بين لوحي الحجر، وأمر أن تقرأ على بني إسرائيل كل سبع سنين.

стр. 61

ضياع التوراة (الأسفار الخمسة) بدأ ضياع التوراة كما تحدث سفر (صموئيل (١) ٤/ ١١) عند فقدهم للتابوت في معركة مع الفلسطينيين، ثم عاد إليهم بعد سبعة شهور، ولما فتحوا التابوت " لم يكن في التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى " (الملوك (١) ٨/ ٩). كما تعرض بيت المقدس لغزو عام ٩٤٥ ق. م من قبل شيشق ملك مصر، وكان هذا الغزو كفيلاً بفقد كل ما في الهيكل من نسخ التوراة " وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشليم وأخذ خزائن بيت الرب، وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء " (الملوك (١) ١٤/ ٢٥ - ٢٦). ثم فقدت التوراة سنين طويلة، ولم توجد لها باقية، إذ عاد بنو إسرائيل إلى الوثنية، ولم يعد للتوراة ذكر. ثم في عام ٦٢٢ ق. م، وبعد ثمان عشرة سنة من حكم الملك يوشيا الذي أراد أن يعيد بني إسرائيل إلى عبادة الله، ادعى الكاهن حلقيا أنه وجد سفر الشريعة، وقال: " قد وجدت سفر الشريعة في بيت الرب .. فلما سمع الملك كلام سفر الشريعة مزق ثيابه " (الملوك (٢) ٢٢/ ٨ - ١١). ولم تبين النصوص ما الذي وجده حلقيا بعد هذه السنين؟ هل وجد لوحي الحجر أم ما كتبه موسى، أم أن المقصود بسفر الشريعة هو سفر التثنية أو سفر اللاويين المختصين بالشرائع؟ (١)

стр. 62

وفي عام ٦٠٥ ق. م تسلط الملك بختنصر على بيت المقدس، فنهب وسلب وأحرق وسبا عشرة آلاف من أهلها. (انظر الملوك (٢) ٢٤/ ١١ - ١٥). ثم في عام ٥٨٦ ق. م عاد بختنصر إلى أورشليم " وأحرق بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشليم، وكل بيوت العظماء أحرقها بالنار " (الملوك (٢) ٢٥/ ٩). وهنا فقدت توراة حلقيا كما يشهد بذلك علماء أهل الكتاب، يقول كليمني اسكندريانوس: "إن الكتب السماوية ضاعت، فألهم عزرا أن يكتبها مرة أخرى ". ويؤكده محررو قاموس الكتاب المقدس بقولهم: "مما لا شك فيه أن معظم الأسفار المقدسة أُتلف أو فُقد في عصر الارتداد عن الله والاضطهاد في مدة حكم الملك منسي". (١) ويقول القس الدكتور صموئيل يوسف: "اعتقد آباء الكنيسة الاولى ومنهم إيريناوس وترتليان وكليمندس السكندري وجيروم بأن موسى هو كاتب الأسفار الخمسة، وذهبوا إلى الاعتقاد أيضاً أن هذه الأسفار أحرقها نبوخذ نصر وقت محاصرته اورشليم، فأعاد عزرا كتابتها من جديد بإلهام من الروح القدس". (٢) ويحكي سفر نحميا عن حالة الفرح العارم التي أصابت بني إسرائيل لما كتب لهم عزرا التوراة المفقودة " ونحميا أي الترشاثا وعزرا الكاهن الكاتب واللاويون المفهمون الشعب قالوا لجميع الشعب: هذا اليوم مقدس للرب إلهكم، لا تنوحوا ولا تبكوا، لأن جميع الشعب بكوا حين سمعوا كلام الشريعة ... وكان اللاويون يسكتون كل الشعب قائلين: اسكتوا لأن اليوم مقدس، فلا تحزنوا ... وفي اليوم الثاني اجتمع رؤوس آباء

стр. 63

جميع الشعب والكهنة واللاويون إلى عزرا الكاتب ليفهمهم كلام الشريعة " (نحميا ٨/ ٩ - ١٤). يقول إيريناوس: "عندما أبيدت الأسفار المقدسة وعاد اليهود إلى وطنهم بعد سبعين سنة؛ ألهم عزرا الكاهن لاستعادة كل كلام الأنبياء السابقين ويعيد إلى الشعب شريعة موسى". (١) ويقول تهيوفلكت: " إن الكتب المقدسة انعدمت رأساً، فأوجدها عزرا مرة أخرى بالإلهام ". وقد كتب عزرا هذه الكتب وهو في سبي بابل، فقد سماه ملك فارس بعزرا الكاتب، حيث قال: "من ارتحشستا ملك الملوك إلى عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء الكامل" (عزرا ٧/ ١٢). ويسهب سفر عزرا في الحديث عن مهارات عزرا وإمكاناته التي يسرت له كتابة الأسفار المقدسة: " عزرا هذا صعد من بابل، وهو كاتب ماهر في شريعة موسى التي أعطاها الرب إله إسرائيل ... لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب، والعمل بها، وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء .. عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء" (عزرا ٧/ ٥ - ١٠). والمتأمل في النص السابق يلحظ ما يدفع قول القائلين بنبوة عزرا أو إلهاميته، حيث سماه الكاهن، ولم يسمه النبي، ولو كان نبياً لما حسن تسميته بالكاهن، كما أشار السفر إلى مهارة عزرا الشخصية، وهي أيضاً خلاف ما عهد في الأنبياء الذين يعدهم الله لحمل كتبه، فالنبوة عطاء ومنحة إلهية، وليست كسباً شخصياً لعزرا أو غيره.

стр. 64

هل الأسفار الخمسة الحالية هي توراة عزرا، وإلا فمن الذي كتبها ؟ رأينا زعم البعض أن عزرا قد أعاد كتابة التوراة بإلهام من الله، وهو أحد مزاعم كثيرة يتعلق بها الغريق، وهو يصارع في الأنفاس الأخيرة. إذ لا يمكن الجزم بأن التوراة الموجودة (الأسفار الخمسة) من كتابة عزرا لأمور من أهمها وجود تناقضات فيها وأخطاء لا يقع فيها كاتب واحد. وحين نقول ذلك فإنا لا نمانع أن يكون عزرا قد قام بالتوليف بين الروايات التي وصلت إليه. ولكن الدليل الأهم الذي يمنع أن يكون عزرا هو الكاتب، ذلكم الفحص الدقيق والعلمي الذي قام به المحققون النصارى عبر دراسات طويلة، والذي يؤكد أن هذه الأسفار لها كتبة يربون على المائة، وينتمون إلى أربع مدارس ظهرت في القرنين الثامن والتاسع قبل الميلاد في مملكتي إسرائيل ويهوذا. وتسمى هذه الدراسات نظرية المصادر الأربعة. وقد تبلورت هذه النظرية بعد سلسلة من الدراسات، بدأت بدراسة جان استروك عام ١٧٥٣م، وقد نشرها من غير أن يجرؤ على ذكر اسمه، وسار على خطاه الباحث اينهورن وذلك في سنة ١٧٨٠ - ١٧٨٣م، وأيضاً إيلجن في عام ١٧٩٨م، ثم العالم كار داود الجن ١٨٣٤م، ثم هرمن هوبفلد في عام ١٨٥٣، ثم العالم لودز عام ١٩٤١م. وقد أضحت هذه النظرية مسلمة عند العلماء المحققين، يقول إسرائيل لودز في مقدمة كتابه "نشأة التقدم في القرن الثامن" ( dec origins au milieu du ٨ siecle) : " وقد انتهى هذا الجهد العظيم إلى بعض النتائج المقبولة في خطوطها الكبرى

стр. 65

بما يشبه الإجماع". (١) كما اعترف بنظرية المصادر الأربعة مدخل الكاثوليك للكتاب المقدس. وتتلخص نظرية المصادر الأربعة أنه ثمة أربع مدارس مختلفة ساهمت في كتابة التوراة، ثم ضمت نصوص هذه المدارس إلى بعضها، وكوِّن نص موحد لا يخلو من كثير من التناقضات والأخطاء. وهذه المصادر الأربعة، هي: ١) المصدر الأول: (اليهوي) وكتب نصه فيما بين القرن العاشر والثامن قبل الميلاد، ورجح البعض أنه في التاسع قبل الميلاد وقد كانت كتابته في مملكة يهوذا الجنوبية. ولغة هذا النص قديمة فجة، تتحدث عن الله بصورة بشرية سيئة، ويتحدث هذا النص عن بدء الخلق ويمتد إلى موت يعقوب، ويظهر فيه الشعور القومي، وسيطرة إسرائيل على كنعان، وشغله الشاغل التأكيد على وعد الله لإسرائيل بأرض كنعان. ويطغى هذا النص في سفر التكوين، ويشترك مع الثاني والرابع في سفري الخروج والعدد. وأهم ما يميز هذا النص تسميته الإله (يهوَه). ٢) المصدر الثاني: (الألوهيمي) وهو متأخر عن المصدر الأول في زمن كتابته، إذ يرجع للقرن الثامن أو السابع

стр. 66

قبل الميلاد، وكتب هذا النص عن الإله، وجنّبه النشاطات البشرية، ويظهره بصفات مهيبة نسبياً. ويركز النص على الأحداث الخاصة بإبراهيم ويعقوب ويوسف، وهذا المصدر موجود في الأسفار الثلاثة (التكوين والخروج والعدد)، ويعود إلى هذا المصدر والمصدر الأول معظمُ سفري التكوين والخروج. وأهم ما يميز هذا النص تسميته الإله (ألوهيم). ٣) المصدر الثالث: (سفر التثنية) وقد عمل هذا المصدر في سفر التثنية فقط، وبه سمي، ويعود تاريخه للقرن الثامن أو السابع قبل الميلاد، ولغة هذا المصدر خطابية داعية لاتباع الشريعة، وتطبيق العهد، ويكثر فيه " اسمع يا إسرائيل"، ويمتلئ بالتشريعات، وغايته تركيز عبادة يهوه في مكان خاص هو أورشليم. وقد خضع سفر التثنية لإصلاحات متأخرة جداً يمكن الوقوف عليها بمقارنة السفر مع بقية الأسفار الأربعة. ٤) المصدر الرابع: (الكهنوتي). ويعود تاريخ كتابته لما بعد النفي البابلي، أي للقرن السادس قبل الميلاد، وهو من عمل بعض الأحبار. وموضوعه ذكر الشرائع والتعاليم الطقسية، وكيفية تطبيق تعاليم الدين. ويتميز مكتوب هذا المصدر أنه يذكر الخبر ونقيضه بحسب كاتبه من الكهان (انظر العدد ٤/ ٣، والعدد ٨/ ٢٤)، ويستخدم هذا المصدر اسم: ألوهيم وهو يتحدث عن الله.

стр. 67

ولهذا المصدر دور كبير في سفري اللاويين والعدد، كما شارك قليلاً في سفري التكوين والخروج. وقد بين الأب دوفو أرقام الفقرات التي تتبع النص الألوهيمي، وتلك التي تتبع النص اليهوي، في كل سفر من الأسفار الخمسة. ويقول الأب دوفو: " لقد تكونت أسفار موسى الخمسة من أقوال موروثة لأمم مختلفة، جمعها محررون وضعوا تارة ما جمعوا جنباً إلى جنب، وطوراً غيروا من شكل هذه الروايات بهدف إيجاد وحدة مركبة، تاركين للعين أموراً غير معقولة، وأخرى متنافرة .... ". وأما المطران كيرلس سليم بسترس رئيس أساقفة بعلبك وتوابعها للروم الكاثوليك، فينقل لنا إجماع العلماء على صحة نظرية المصادر، فيقول: "إن علماء الكتاب المقدس يجمعون اليوم على أن هذه الرواية تضمّ في الواقع روايتين مختلفتين: رواية أولى تعود إلى القرن السادس قبل المسيح (التكوين ١/ ١ - ٤:٢)، وقد كتبت في محيط كهنوتي في اثناء جلاء بابل؛ ورواية ثانية أقدم من الأولى ترجع إلى القرن العاشر قبل المسيح، وضعها كتبة وحكماء من بلاط سليمان الملك (التكوين ٤/ ٢ - ٢٥). وبعد العودة من جلاء بابل جمعت الروايتان، ودُوِّنتا الواحدة تلو الأخرى في الفصلين الأوّلين من سفر التكوين". (١) وتقول دائرة المعارف البريطانية: " إن أسفار العهد القديم كتبت في عصور مختلفة، وبأيدي كتاب مختلفين ذوي ثقافات مختلفة متباينة ". ويرجح ول ديورانت في كتابه "قصة الحضارة" أن هذه الروايات قد امتزجت، وأخذت صيغتها النهائية سنة ٣٠٠ ق. م، فيقول: "إن العلماء مجمعون على أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة هو سفر التكوين، وقد كتب بعضه في يهوذا، وبعضه في إسرائيل، ثم تمّ التوفيق بين ما كتب هنا وهناك بعد سقوط الدولتين. والرأي الغالب أن أسفار التوراة الخمسة اتخذت شكلها النهائي حوالي عام ٣٠٠ ق. م". لكن آخرين من العلماء قالوا بأن الأسفار الخمسة أخذت وضعها النهائي سنة ٤٠٠ ق. م، بينما امتدت بقية أسفار العهد القديم إلى سنة ٢٠٠ ق. م. (٢)

стр. 68

الوثنيات القديمة والتوراة: اعتمد كُتاب الأسفار من اليهود على ثقافات الأمم الوثنية المجاورة لبني إسرائيل، بل كادت بعض سطورهم أن تكون نقلاً حرفياً لما في تلك الكتابات. فالكثير من القصص التوراتية انتحلها كُتاب العهد القديم من أساطير الأمم السابقة لبني إسرائيل، وظهر صداها واضحاً في أسفار العهد القديم. ومن ذلك ما ذكره سفر التكوين عن مضاجعة لوط. (انظر التكوين ١٩/ ٣٠ - ٣٧) والتي انتحلها العهد القديم وكتابه المجهولون من أسطورة مصرية ذكرها شوقي عبد الحكيم في كتابه "أساطير وفلكلور العالم العربي ". وتتحدث الأسطورة عن إلهة الموت "أفروديت" التي كانت تتمنى أن تنجب طفلاً من أخيها الأكبر أوزوريس، فأسكرته وضاجعته، فولدت منه الإله أنوييس. وأما سفر إستير والذي يذكر قصة إستير وابن عمها مردخاي، وانتقامها من هامان وزير ملك فارس أحشويرس، فالقصة مشابهة لما جاء في التراث البابلي في ملحمة البابليين والعيلاميين، ولكل بطل من أبطال القصة التوراتية مقابل في الأسطورة البابلية. فإستير اليهودية هي عشتار البابلية، وهامان هو إله العيلاميين، ومردخاي هو مردوك البابلي. ومما يؤكد هذا الاقتباس أن التاريخ الفارسي لا يذكر شيئاً عن أبطال القصة التوراتية وخاصة إستير والملكة فشني. (١)

стр. 69

وأما المزامير فتتشابه مع الأناشيد والتراتيل المصرية وغيرها، فالعالم أدولف إيرمان في بحثه القيم "مصدر مصري لأمثال سليمان " والذي قدمه عام ١٩٢٤م، وتابعه فيه العالم جيمس هنري برستيد، فإنهما يريان بأن المزمور ١٠٤ يتشابه بشكل شبه حرفي مع نشيد أخناتون الكبير، وخاصة الفقرات (٢٠ - ٣٠). وهذا ما أكدته دائرة المعارف الكتابية حيث تقول: "البحث الأركيولوجي في بابل وفي مصر قد كشف عن أناشيد متقدمة ... كما أن الكشف عن آداب الكنعانيين في أوغاريت ... قد أمدنا بقصائد هامة مشابهة للمزامير منذ عصر موسى". (١) كما يرى المحققون أن المزمور التاسع والعشرين مقتبس عن قصيدة من أوغاريت " للبعل " مع استبدال اسم " البعل " باسم " يهوه. وأما المزمور ١٩ فمقدمته هي الابتهالات عينها التي كانت تقدم لإله الشمس. (٢) وأما سفر نشيد الإنشاد فيرى ول ديورانت أنه من وضع شعراء عبرانيين تأثروا بالروح الهيلينية التي وصلت مع غزو الإسكندر، وقد يكون السفر مأخوذاً من آداب مصرية بدليل أن العاشقين كان يخاطب أحدهما الآخر: أخي. أختي، وهو أسلوب مصري قديم. (٣) ويؤكد العالمان إيرمان وبرستيد أن بعض ما جاء في سفر الأمثال المنسوب إلى سليمان (القرن العاشر ق م) يتشابه بشكل فاضح مع كتاب " الحكم " لأمنحوبي (أمنوفيس) المصري القديم (القرن الحادي عشر ق م)، وكان قد قسم كتابه إلى ثلاثين فصلاً، واشتهر باسم " ثلاثون فصلاً من الحكمة" ونقل كاتب السفر التوراتي بعض هذه الحكم مع تغيير بسيط في ألفاظها.

стр. 70

ويذكر مصطفى محمود في كتابه "التوراة" بعضاً من صور التشابه، إذ يقول أمنحوبي: " الكاتب الماهر في وظيفته سيجد نفسه أهلاً للعمل في رجال البلاط " ويقول سفر الأمثال ناقلاً عنه: " أرأيت رجلاً مجتهداً في عمله، إنه يقف أمام الملوك " (الأمثال ٢٢/ ٢٩). وأيضاً يقول أمنحوبي: " لا تصاحب رجلاً حاد الطبع، ولا ترغب في محادثته "، وفي سفر الأمثال: "لا تستصحب غضوباً، ومع رجل ساخط لا تجيء " (الأمثال ٢٢/ ٢٤). (١) وأما سفر الجامعة فلا يمكن أن يصدر من نبي للروح التشاؤمية والنظرة السوداوية التي تسيطر على كاتبه الذي اقتبس من الأساطير البابلية، ومنها أن (صاحبة الحانة) نصحت جلجامش الحزين على موت أنكيدو بقولها: "أي جلجامش، املأ بطنك، وكن مرحاً بالليل والنهار، بالليل والنهار كن مبتهجاً، راضياً، طهر ثيابك، واغسل رأسك بالماء، وألق بالك إلى الصغير الذي يمسك بيدك. واستمتع بالزوجة التي تضمها إلى صدرك ". ويشبه هذا ما جاء في سفر الجامعة وفيه " اذهب. كُل خبزك بفرح، واشرب خمرك بقلب طيب، لأن الله منذ زمان قد رضي عن عملك، لتكن ثيابك في كل حين بيضاء، ولا يعوز رأسك الدهن، إلتذّ عيشاً مع المرأة التي أحببتها " (الجامعة ٩/ ٧). (٢) كما نقل كُتّاب التوراة قصة الطوفان من السومريين، وتعود مخطوطاتهم إلى ٢٠٠٠ ق. م، حيث يتشابه العمود الثالث والرابع من اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش كما أوردهما فراس سواح في كتابه " كنوز الأعماق قراءة في ملحمة جلجامش"،

стр. 71

حيث جاء في الملحمة: "وما أن لاحت تباشير الصباح، حتى علت الأفق غيمة كبيرة سوداء ... اقتلع [الإله] أريجال الدعائم، ثم أتى [الإله] ننورتا، وفتح السدود ... بلغت ثورة حدد تخوم السماء، أحالت كل نور إلى ظلمة، والأرض [الفسيحة] قد تحطمت [كما الجرة]، ثارت العاصفة يوماً (كاملاً)، تزايدت سرعاتها حتى حجبت الجبال، أتت على الناس، (حصدتهم) كما الحرب، عميَّ الأخ عن أخيه، وبات أهل السماء لا يرون الأرض، حتى الآلهة ذعرت من هول الطوفان ... ستة أيام وست ليال، الرياح تهب، والعاصفة وسيول المطر تطغى على الأرض. ومع حلول اليوم السابع. العاصفة والطوفان، التي داهمت كجيش، خفت شدتها، هدأ البحر وسكنت العاصفة وتراجع الطوفان ... واستقرت السفينة على جبل نصير ... أتيت بحمامة وأطلقتها ... طارت الحمامة بعيداً ثم عادت إليَّ ... أتيت بغراب وأطلقته ... طار الغراب بعيداً، فلما رأى الماء قد انحسر، حام وحط وأكل. ولم يعد". وهذه المقتطفات من الملحمة تشبه كثيراً ما جاء في قصة الطوفان في سفر التكوين، حيث جاء فيه: "وتعاظمت المياه وتكاثرت جداً على الأرض. فكان الفلك يسير على وجه المياه. وتعاظمت المياه كثيراً جداً على الأرض. فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء. وانسدّت ينابيع الغمر وطاقات السماء. فامتنع المطر من السماء. ورجعت المياه عن الأرض رجوعاً متوالياً. وبعد مائة وخمسين يوماً نقصت المياه. واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط. وأرسل الغراب. فخرج متردداً حتى نشفت المياه عن الأرض ... ثم أرسل الحمامة من عنده ليرى هل قلّت المياه عن وجه الأرض. فلم تجد الحمامة مقراً لرجلها. فرجعت إليه إلى الفلك. لأن مياهاً كانت على وجه كل الأرض، فمدّ يده وأخذها، وأدخلها عنده إلى الفلك. فأتت إليه الحمامة عند المساء، وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها. فعلم نوح

стр. 72

أن المياه قد قلّت عن الأرض. فلبث أيضاً سبعة أيام أخر، وأرسل الحمامة فلم تعد ترجع إليه أيضاً" (التكوين ٧/ ١٨ - ٨/ ١٢). (١) وقد قارب الحقيقة صبري جرجس حين وصف التوراة في كتابه " التراث اليهودي الصهيوني" بأنها "لا تكاد تزيد عن كونها مجموعة من الخرافات والقصص التي صيغت في جو أسطوري حافل بالإثارة، مجافٍ للعقل والمنطق، غاص بالمتناقضات، مشبع بالسخف .... ". (٢) ويعترف بأثر هذه الأمم على التوراة المدخلُ الفرنسي للتوراة، فيقول: " لم يتردد مؤلفو الكتاب المقدس وهم يرون بداية العالم والبشرية أن يستقوا معلوماتهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من تقاليد الشرق الأدنى القديم، ولاسيما من تقاليد ما بين النهرين ومصر والمنطقة الفينيقية الكنعانية ". وأما المطران كيرلس سليم بسترس رئيس أساقفة بعلبك فيقول:: "إذا كانت رواية حوادث إبراهيم على جانب كبير من الموضوعية التاريخية، فالفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين هي مجموعة أساطير استقاها الشعب اليهودي من آداب الشعوب المجاورة ولا سيمَا الأدب البابلي .. لقد تأثرت كتابة واضعي الأسفار المقدسة لكلا التاريخين ليس بالآداب المجاورة فحسب، بل أيضاً بما اختبروه في حياة شعبهم طيلة الزمن الذي دوّنوا فيه تلك الأسفار". (٣) ويقول فيلسيان شالي: "ألف بعض الإسرائيليين تعظيماً لإلههم - منذ القرن العاشر حتى السابع - مجموعة الأساطير التي ستوضع بعد ذلك في كتابهم المقدس، مثل خلق العالم والإنسان، والجنة المفقودة، والطوفان، وكثير من عناصر هذه الأساطير مستعار من البلاد التي كانت إسرائيل على صلة بها، أي من مصر وبابل خاصة". (٤) وتتشابه كثيراً الشرائع التوراتية مع قوانين حمورابي، الذي سبق ظهور اليهود وكتبهم بعدة قرون، وصور التشابه كثيرة، حتى يخيل للناظر إلى كثرتها أن التوراة بشرائعها نسخة من قوانين حمورابي الوثني، ومن صور التشابه ما جاء في الأسفار بخصوص الثور النطاح: " إذا نطح ثور رجلاً أو امرأة فمات يرجم الثور ولا يؤكل

стр. 73

لحمه، وأما صاحب الثور فيكون بريئاً. ولكن إن كان ثوراً نطاحاً من قبل، وقد أُشهد على صاحبه ولم يضبطه، فقتل رجلاً أو امرأة، فالثور يرجم، وصاحبه يقتل أيضاً ... إن نطح الثور عبداً أو أمة. يعطى سيدُه ثلاثين شاقل فضة، والثور يرجم" (الخروج ٢١/ ٢٨ - ٣٢). ويقابل ذلك ما جاء في قوانين حمورابي" مادة ٢٥٠ - ٢٥٢ " وفيه: (إذا نطح ثور أثناء سيره في الشارع رجلاً فقتله، فلا وجه لتقديم مطالبات من أي نوع. أما إذا كان الثور ناطحاً من قبل، وتبينت لصاحبه هذه الحقيقة، ومع ذلك لم يكسر قرونه أو يربطه، فإذا نطح هذا الثور رجلاً حراً فقتله، فعلى صاحب الثور أن يدفع ثلاثين شاقلاً من الفضة. أما إذا نطح عبداً فيعطى سيده عشرين شاقلاً من الفضة). ومثله التشابه بين (الخروج ٢٢/ ٧) والمادة ١٢٤ من حمورابي. وكذا التشابه بين (الخروج ٢٢/ ١٠ - ١٢) والمواد ٢٤٤ - ٢٤٦ - ٢٦٦ من قوانين حمورابي، وكذا (الخروج ٢١/ ١٨ - ١٩) والذي يشبه المادة ٢٠٦ من شريعة حمورابي، في حين يتشابه (الخروج ٢١: ٢٢) مع مادة ٢٠٩ من شريعة حمورابي. وتعقب دائرة المعارف الكتابية: " وهكذا نجد العديد من المشابهات في المواضيع والأحكام، بين شريعة موسى وقوانين حمورابي ... لا نستطيع الجزم بأن التوافقات التي عرضناها قد جاءت نتيجة مصادفة عشوائية ... وعندما اتصل الإسرائيليون بالحضارة البابلية بعد دخولهم إلى أرض كنعان، كان من الطبيعي أن يستخدموا ما أفرزته تلك الحضارة، مما وجدوه فيها نافعاً لهم". (١)

стр. 74

قانونية التوراة (قدسيتها) وإذا كانت التوراة نتاج عمل العشرات من المؤلفين الذين اجتهدوا في تسجيل تاريخ بني إسرائيل، ولم يَدُر بخلدهم أن تعتبر كتاباتهم مقدسة، إذ لو خطر على بالهم لصاغوها بطريقة أخرى .. إذا كان الأمر كذلك، فمتى اكتسبت هذه النصوص قداستها؟ وهل تم ذلك لجميع أسفارها معاً أو أنه تم بالتدريج؟ وفي الإجابة نقول: من الطبيعي عندما نتحدث عن كتاب إلهي أنّا لا نحتاج إلى الحديث عن قانونيته، إذ هو يستمدها من مصدره الإلهي، ويكتسبها منذ اللحظات الأولى التي ينزله الله فيها إلى البشر، وهذا الأمر لم يحدث مع الأسفار التوراتية التي احتاجت إلى قرارات بشرية تقدسها، فالأسفار الخمسة أقرت في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وتحديداً في عام ٣٩٨ ق م، حين اعترفت الامبرطورية الفارسية بناموس اليهود حسبما جاء في دائرة المعارف الأمريكية. ويقول اسبينوزا: " يظهر بوضوح أنه لم تكن هناك مجموعة مقننة من الكتب المقدسة قبل عصر المكابيين (أي القرن الثاني قبل الميلاد)، أما الكتب المقننة الآن فقد اختارها فريسيو الهيكل الثاني بعد أن أعاد بناءه عزرا " الكاتب ". وهذا الاختيار من الفريسيين في ذلك العهد لم يكن بموافقة طوائف اليهودية المختلفة، يقول اسبينوزا: " فقد اختارها الفريسيون في ذلك العهد من بين كثير غيرها، وذلك بقرار منهم وحدهم". وقد كان مما أقره فريسيو العهد الثاني برأي اسبينوزا الأسفار الخمسة مضافاً إليها ما يسمى بأسفار الأنبياء وهي (يشوع - القضاة - صموئيل - الملوك).

стр. 75

ولم تعتبر هذه المجموعة معادلة لسلطة الأسفار الخمسة، ورغم ذلك ألحقت بها، وقد كان ينظر إليها على أنها شروح وامتداد للأسفار الخمسة. (١) وفي عام ٩٠م عقد الفريسيون مجمعاً في جامينيا، وقرروا اعتبار بعض الأسفار أسفاراً قانونية وهي: المزامير - الأمثال - نشيد الإنشاد - راعوث، دانيال، أيوب، عزرا، نحميا، الأيام ... )، واعتبروا هذه القائمة نهائية، ورفضوا ما عداها من الأسفار، وقد بلغ عدد هذه الأسفار ستاً وثلاثين سفراً. يقول القس إلياس مقار: " وقد استلمت الكنيسة المسيحية من اليهود أسفار العهد القديم التي قررها اليهود في مجمع " جامينيا " عام ٩٠م ". ولم تكن هذه القائمة محل اتفاق بين اليهود، فمثلاً كان الفريسيون يعتبرون سفر دانيال قانونياً، فيما لم يعتبره الصدوقيون كذلك (٢)، بينما كان لجماعة قمران أسفار كثيرة لم ترد في القائمة القانونية، منها أخنوخ واليوبيلات وغيرها، والأسفار التي لم تدخل في القائمة كانت خمساً وثلاثين سفراً كما عددها تشارلز في مقدمة كتابه: " أبوكريفا ". وفي مجمع "نيقية" ٣٢٥م أقر المجتمعون النصارى سفر يهوديت فقط، وأبقوا ثمانية أسفار مشكوكاً فيها. وفي مجمع "لوديسيا" ٣٦٤م أقر المجتمعون سفراً آخر هو سفر إستير، وفي ٣٩٧م عقد مجمع "قرطاجة" بحضور (القديس) أغستين، فأضاف المجمع للقائمة ستة أسفار هي (الحكمة، وطوبيا، وباروخ، ويشوع بن سيراخ، والمكابيين الأول، والثاني)، واعتبر المجتمعون سفر باروخ جزءاً من إرميا، ثم فصلوهما
следующие страницы →