حيث جاء في الملحمة: "وما أن لاحت تباشير الصباح، حتى علت الأفق غيمة كبيرة سوداء ... اقتلع [الإله] أريجال الدعائم، ثم أتى [الإله] ننورتا، وفتح السدود ... بلغت ثورة حدد تخوم السماء، أحالت كل نور إلى ظلمة، والأرض [الفسيحة] قد تحطمت [كما الجرة]، ثارت العاصفة يوماً (كاملاً)، تزايدت سرعاتها حتى حجبت الجبال، أتت على الناس، (حصدتهم) كما الحرب، عميَّ الأخ عن أخيه، وبات أهل السماء لا يرون الأرض، حتى الآلهة ذعرت من هول الطوفان ... ستة أيام وست ليال، الرياح تهب، والعاصفة وسيول المطر تطغى على الأرض.
ومع حلول اليوم السابع. العاصفة والطوفان، التي داهمت كجيش، خفت شدتها، هدأ البحر وسكنت العاصفة وتراجع الطوفان ... واستقرت السفينة على جبل نصير ... أتيت بحمامة وأطلقتها ... طارت الحمامة بعيداً ثم عادت إليَّ ... أتيت بغراب وأطلقته ... طار الغراب بعيداً، فلما رأى الماء قد انحسر، حام وحط وأكل. ولم يعد".
وهذه المقتطفات من الملحمة تشبه كثيراً ما جاء في قصة الطوفان في سفر التكوين، حيث جاء فيه: "وتعاظمت المياه وتكاثرت جداً على الأرض. فكان الفلك يسير على وجه المياه. وتعاظمت المياه كثيراً جداً على الأرض. فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء. وانسدّت ينابيع الغمر وطاقات السماء. فامتنع المطر من السماء. ورجعت المياه عن الأرض رجوعاً متوالياً. وبعد مائة وخمسين يوماً نقصت المياه.
واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال أراراط. وأرسل الغراب. فخرج متردداً حتى نشفت المياه عن الأرض ... ثم أرسل الحمامة من عنده ليرى هل قلّت المياه عن وجه الأرض. فلم تجد الحمامة مقراً لرجلها. فرجعت إليه إلى الفلك. لأن مياهاً كانت على وجه كل الأرض، فمدّ يده وأخذها، وأدخلها عنده إلى الفلك. فأتت إليه الحمامة عند المساء، وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها. فعلم نوح
стр. 72
أن المياه قد قلّت عن الأرض. فلبث أيضاً سبعة أيام أخر، وأرسل الحمامة فلم تعد ترجع إليه أيضاً" (التكوين ٧/ ١٨ - ٨/ ١٢). (١)
وقد قارب الحقيقة صبري جرجس حين وصف التوراة في كتابه " التراث اليهودي الصهيوني" بأنها "لا تكاد تزيد عن كونها مجموعة من الخرافات والقصص التي صيغت في جو أسطوري حافل بالإثارة، مجافٍ للعقل والمنطق، غاص بالمتناقضات، مشبع بالسخف .... ". (٢)
ويعترف بأثر هذه الأمم على التوراة المدخلُ الفرنسي للتوراة، فيقول: " لم يتردد مؤلفو الكتاب المقدس وهم يرون بداية العالم والبشرية أن يستقوا معلوماتهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من تقاليد الشرق الأدنى القديم، ولاسيما من تقاليد ما بين النهرين ومصر والمنطقة الفينيقية الكنعانية ".
وأما المطران كيرلس سليم بسترس رئيس أساقفة بعلبك فيقول:: "إذا كانت رواية حوادث إبراهيم على جانب كبير من الموضوعية التاريخية، فالفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين هي مجموعة أساطير استقاها الشعب اليهودي من آداب الشعوب المجاورة ولا سيمَا الأدب البابلي .. لقد تأثرت كتابة واضعي الأسفار المقدسة لكلا التاريخين ليس بالآداب المجاورة فحسب، بل أيضاً بما اختبروه في حياة شعبهم طيلة الزمن الذي دوّنوا فيه تلك الأسفار". (٣)
ويقول فيلسيان شالي: "ألف بعض الإسرائيليين تعظيماً لإلههم - منذ القرن العاشر حتى السابع - مجموعة الأساطير التي ستوضع بعد ذلك في كتابهم المقدس، مثل خلق العالم والإنسان، والجنة المفقودة، والطوفان، وكثير من عناصر هذه الأساطير مستعار من البلاد التي كانت إسرائيل على صلة بها، أي من مصر وبابل خاصة". (٤)
وتتشابه كثيراً الشرائع التوراتية مع قوانين حمورابي، الذي سبق ظهور اليهود وكتبهم بعدة قرون، وصور التشابه كثيرة، حتى يخيل للناظر إلى كثرتها أن التوراة بشرائعها نسخة من قوانين حمورابي الوثني، ومن صور التشابه ما جاء في الأسفار بخصوص الثور النطاح: " إذا نطح ثور رجلاً أو امرأة فمات يرجم الثور ولا يؤكل
стр. 73
لحمه، وأما صاحب الثور فيكون بريئاً. ولكن إن كان ثوراً نطاحاً من قبل، وقد أُشهد على صاحبه ولم يضبطه، فقتل رجلاً أو امرأة، فالثور يرجم، وصاحبه يقتل أيضاً ... إن نطح الثور عبداً أو أمة. يعطى سيدُه ثلاثين شاقل فضة، والثور يرجم" (الخروج ٢١/ ٢٨ - ٣٢).
ويقابل ذلك ما جاء في قوانين حمورابي" مادة ٢٥٠ - ٢٥٢ " وفيه: (إذا نطح ثور أثناء سيره في الشارع رجلاً فقتله، فلا وجه لتقديم مطالبات من أي نوع. أما إذا كان الثور ناطحاً من قبل، وتبينت لصاحبه هذه الحقيقة، ومع ذلك لم يكسر قرونه أو يربطه، فإذا نطح هذا الثور رجلاً حراً فقتله، فعلى صاحب الثور أن يدفع ثلاثين شاقلاً من الفضة. أما إذا نطح عبداً فيعطى سيده عشرين شاقلاً من الفضة).
ومثله التشابه بين (الخروج ٢٢/ ٧) والمادة ١٢٤ من حمورابي. وكذا التشابه بين (الخروج ٢٢/ ١٠ - ١٢) والمواد ٢٤٤ - ٢٤٦ - ٢٦٦ من قوانين حمورابي، وكذا (الخروج ٢١/ ١٨ - ١٩) والذي يشبه المادة ٢٠٦ من شريعة حمورابي، في حين يتشابه (الخروج ٢١: ٢٢) مع مادة ٢٠٩ من شريعة حمورابي.
وتعقب دائرة المعارف الكتابية: " وهكذا نجد العديد من المشابهات في المواضيع والأحكام، بين شريعة موسى وقوانين حمورابي ... لا نستطيع الجزم بأن التوافقات التي عرضناها قد جاءت نتيجة مصادفة عشوائية ... وعندما اتصل الإسرائيليون بالحضارة البابلية بعد دخولهم إلى أرض كنعان، كان من الطبيعي أن يستخدموا ما أفرزته تلك الحضارة، مما وجدوه فيها نافعاً لهم". (١)
стр. 74
قانونية التوراة (قدسيتها)
وإذا كانت التوراة نتاج عمل العشرات من المؤلفين الذين اجتهدوا في تسجيل تاريخ بني إسرائيل، ولم يَدُر بخلدهم أن تعتبر كتاباتهم مقدسة، إذ لو خطر على بالهم لصاغوها بطريقة أخرى ..
إذا كان الأمر كذلك، فمتى اكتسبت هذه النصوص قداستها؟ وهل تم ذلك لجميع أسفارها معاً أو أنه تم بالتدريج؟
وفي الإجابة نقول: من الطبيعي عندما نتحدث عن كتاب إلهي أنّا لا نحتاج إلى الحديث عن قانونيته، إذ هو يستمدها من مصدره الإلهي، ويكتسبها منذ اللحظات الأولى التي ينزله الله فيها إلى البشر، وهذا الأمر لم يحدث مع الأسفار التوراتية التي احتاجت إلى قرارات بشرية تقدسها، فالأسفار الخمسة أقرت في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وتحديداً في عام ٣٩٨ ق م، حين اعترفت الامبرطورية الفارسية بناموس اليهود حسبما جاء في دائرة المعارف الأمريكية.
ويقول اسبينوزا: " يظهر بوضوح أنه لم تكن هناك مجموعة مقننة من الكتب المقدسة قبل عصر المكابيين (أي القرن الثاني قبل الميلاد)، أما الكتب المقننة الآن فقد اختارها فريسيو الهيكل الثاني بعد أن أعاد بناءه عزرا " الكاتب ".
وهذا الاختيار من الفريسيين في ذلك العهد لم يكن بموافقة طوائف اليهودية المختلفة، يقول اسبينوزا: " فقد اختارها الفريسيون في ذلك العهد من بين كثير غيرها، وذلك بقرار منهم وحدهم".
وقد كان مما أقره فريسيو العهد الثاني برأي اسبينوزا الأسفار الخمسة مضافاً إليها ما يسمى بأسفار الأنبياء وهي (يشوع - القضاة - صموئيل - الملوك).
стр. 75
ولم تعتبر هذه المجموعة معادلة لسلطة الأسفار الخمسة، ورغم ذلك ألحقت بها، وقد كان ينظر إليها على أنها شروح وامتداد للأسفار الخمسة. (١)
وفي عام ٩٠م عقد الفريسيون مجمعاً في جامينيا، وقرروا اعتبار بعض الأسفار أسفاراً قانونية وهي: المزامير - الأمثال - نشيد الإنشاد - راعوث، دانيال، أيوب، عزرا، نحميا، الأيام ... )، واعتبروا هذه القائمة نهائية، ورفضوا ما عداها من الأسفار، وقد بلغ عدد هذه الأسفار ستاً وثلاثين سفراً.
يقول القس إلياس مقار: " وقد استلمت الكنيسة المسيحية من اليهود أسفار العهد القديم التي قررها اليهود في مجمع " جامينيا " عام ٩٠م ".
ولم تكن هذه القائمة محل اتفاق بين اليهود، فمثلاً كان الفريسيون يعتبرون سفر دانيال قانونياً، فيما لم يعتبره الصدوقيون كذلك (٢)، بينما كان لجماعة قمران أسفار كثيرة لم ترد في القائمة القانونية، منها أخنوخ واليوبيلات وغيرها، والأسفار التي لم تدخل في القائمة كانت خمساً وثلاثين سفراً كما عددها تشارلز في مقدمة كتابه: " أبوكريفا ".
وفي مجمع "نيقية" ٣٢٥م أقر المجتمعون النصارى سفر يهوديت فقط، وأبقوا ثمانية أسفار مشكوكاً فيها. وفي مجمع "لوديسيا" ٣٦٤م أقر المجتمعون سفراً آخر هو سفر إستير، وفي ٣٩٧م عقد مجمع "قرطاجة" بحضور (القديس) أغستين، فأضاف المجمع للقائمة ستة أسفار هي (الحكمة، وطوبيا، وباروخ، ويشوع بن سيراخ، والمكابيين الأول، والثاني)، واعتبر المجتمعون سفر باروخ جزءاً من إرميا، ثم فصلوهما
стр. 76
في مجمع " ترلو" ٦٩٢م، وأصبحت هذه الأسفار متفقاً عليها عند جمهور النصارى إلى حين ظهور البرتستانت في القرن السادس عشر. (١)
ولا تزال الكنيسة الأثيوبية تعتقد بقانونية بعض الأسفار "فإنهم يقبلون راعي هرماس وقوانين المجامع ورسائل أكليمنس، والمكابيين وطوبيا ويهوديت والحكمة ويشوع بن سيراخ وباروخ، وأسفار أسدراس الأربعة، وصعود إشعياء، وسفر آدم ويوسف بن جوريون وأخنوخ واليوبيل". (٢)
فيما اعتبر جمهور الآباء الأوائل رسالة إرميا - المرفوضة اليوم - جزءاً من كلمة الله الموحى بها، كما صنع أوريجانوس عند تفسيره للمزمور الأول، فقد أوردها وغيره ضمن قائمة الأسفار القانونية، ثم رفضتها المجامع فيما بعد. (٣)
ومن ذلك كله نستطيع القول إن هذه الكتب قد كتبها القوم بأيديهم، ثم نسبوها إلى الله، وأعطتها المجامع البشرية صفة القداسة.
стр. 77
نقد متن العهد القديم
يقول بولس: " كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر " (تيموثاوس (٢) ٣/ ١٦)، وهو كلام جيد ومقياس لا بأس فيه للحكم على الكتاب المقدس، إذ لا يقبل أن ينسب إلى الله كلام هذر لا نفع فيه ولا فائدة، فضلاً عن الكلام الساقط الذي يُشيع الرذيلة والانحراف السلوكي أو الإيماني.
ولنبدأ بتطبيق المقياس على نظرة التوراة إلى الله ثم إلى أنبيائه ثم إلى الأخلاق، ونرى إن كانت الأسفار صالحة للتأديب والتهذيب والتعليم.
من الطبيعي عندما نتحدث عن كتاب ينسب إلى الله أن نجده مفعماً بالحديث عن الله وصفاته وأنبيائه ودينه وصور عبادته، وعن الجنة والنار داريْ جزائه ..
لكن التوراة هي بحق كتاب تاريخ لبني إسرائيل، ويفتقد القارئ في أسفارها الحديثَ عن الله إلا فيما يتعلق بالناحية التاريخية، فماذا تقول التوراة عن الله وأنبيائه واليوم الآخر؟
стр. 78
الله وصفاته في العهد القديم
تتحدث الأسفار التوراتية في أماكن متفرقة عن الله العظيم بما يليق بجلاله وعظمته، ومن ذلك قولها: " اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد، فتحب الرب إلهك من كل قلبك " (التثنية ٦/ ٤ - ٥)، وتذكر أيضاً الرب لا يرى " حقا أنت إله محتجب، يا إله إسرائيل " (إشعيا ٤٥/ ١٥)، وقد قال الله لموسى: " لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش " (الخروج ٣٣/ ١٩ - ٢٠).
والله ليس كمثله شيء، وفي ذلك يقول موسى: " ليس مثل الله " (التثنية ٣٤/ ٣٦)، ويقول سليمان: " أيها الرب إله إسرائيل، لا إله مثلك في السماء والأرض " (الأيام (٢) ٦/ ١٤).
وهو حي جل وعلا إلى الأبد " وأقول حي أنا إلى الأبد " (التثنية ٣٢/ ٤٠) إلى غير ذلك من الصفات الكاملة الحسنة التي تذكرها التوراة لله العظيم، ومما لا ريب أن في هذه الفقرات أثارة الأنبياء، وبقايا وحي السماء في أسفار العهد القديم.
لكن التوراة في مواضع لا تعد - لكثرتها - تتحدث عن الله، فتجعله كائناً بشرياً، وتصفه بصفات البشر، وتصفه بنقصهم، بل وأخطائهم وضلالهم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فهل هو إله أم إنسان ؟
إله أم إنسان؟
يتحدث سفر التكوين عن خلق الله الإنسان على صورته وشبهه " وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا " (التكوين ١/ ٢٦)، وفي أكبر كنائس الكاثوليك في روما (كنيسة " سانت بيتر") رسم الرسام مايكل أنجلو صورة لله تشبه البشر.
وتتحدث النصوص عن صور التشابه كما رسمها كتبة العهد القديم، ومن ذلك
стр. 79
ما جاء في رؤيا دانيال أن له رأساً، شعره أبيض " وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج، شعر رأسه كالصوف النقي، وعرشه لهيب نار " (دانيال ٧/ ٩).
وله عينان وأجفان " عيناه تنظران، أجفانه تمتحن بني آدم " (المزمور ١١/ ٤).
وله شفتان " شفتاه ممتلئتان سخطاً، ولسانه كنار آكلة، ونفخته كنهر غامر يبلغ إلى الرقبة " (إشعيا ٣٠/ ٢٧ - ٢٨).
وله رجلان ترى " نزل وضباب تحت رجليه " (المزمور ١٨/ ٩)، و" لما صعد موسى وهارون وناراب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل رأوا إله إسرائيل، وتحت رجليه حلية من العقيق الأزرق الشفاف، كالسماء في النقاء، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف إسرائيل " (الخروج ٢٤/ ٩ - ١١).
وأيضاً له فم وأنف يخرج منهما دخان ونار" صعد دخان من أنفه، ونار من فمه " (المزمور ١٨/ ٩).
وألوهيته وعظمته لا تمنع من ركوبه الملائكة في تنقلاته، كما لا تمنع أن يكون له أذنان "وإلى إلهي صرخت، فسمع من هيكله صوتي، وصراخي دخل أذنيه، فارتجت الأرض وارتعدت، أسس السماوات ارتعدت وارتجت، لأنه غضب، صعد دخان من أنفه، ونار من فمه أكلت، جمر اشتعلت منه، طأطأ السماوات ونزل، وضباب تحت رجليه، ركب على كروب، وطار، ورئي على أجنحة الريح ... " (صموئيل (٢) ٢٢/ ٧ - ١١)، والكروب كما في قاموس الكتاب المقدس هم نوع من الملائكة، وقد ذكر سفر حزقيال أن لكل واحد منهم وجهان أحدهما على شكل وجه إنسان والآخر على شكل وجه شبل (انظر حزقيال ٤١/ ١٨).
وقد تكرر ركوبه على الكروبيم " ومجد إله إسرائيل صعد عن الكروب الذي كان عليه إلى عتبة البيت" (حزقيال ٩/ ٣).
стр. 80
ولما أصبح ركوبه على الكروبيم فعلاً معتاداً له - جلّ وعز-، ناجاه الملك حزقيا مثنياً عليه بهذا الفعل: "صلى حزقيا أمام الرب، وقال: أيها الرب إله إسرائيل، الجالس فوق الكروبيم، أنت هو الإله وحدك لكل ممالك الأرض، أنت صنعت السماء والأرض" (الملوك (٢) ١٩/ ١٥).
وهكذا فإن إسرائيل لودز في كتابه "نشأة التقدم في القرن الثامن" ( dec origins au milieu du ٨ siecle) يرى أن: "التصور الطبيعي ليهوه .. تصور أحيائي، وعلى صورة الإنسان، ويبدو أن يهوه يملك نوعاً من الجسم الروحاني، وعلى كل حال؛ فإن له أعضاء شبيهة بأعضاء الإنسان، كالعيون والآذان والفم والخياشيم والأيدي والقلب والأحشاء .. له بشكل خاص عقل وعواطف شبيهة بمثيلاتها لدى الإنسان، ويتميز بشكل خاص بعنف الغضب إذا أسيء إليه". (١)
أفعال الإله البشرية
وتحكي أسفار العهد القديم عن أفعال بشرية تنسبها إلى الله، وهي فرع من عقيدتهم المجسِّمة لله، ومن ذلك أن الله يمشي، ولكن على شوامخ الجبال " فإنه هو ذا الرب يخرج من مكانه، وينزل ويمشي على شوامخ الأرض .. كل هذا من أجل إثم يعقوب " (ميخا ١/ ٣ - ٥).
ومنه حديث الأسفار عن مشي الله في الجنة، وسماع آدم لوقع خطواته: "وسمعا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار ... فنادى الربُّ الإلهُ آدمَ، وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة، فخشيت لأني عريان، فاختبأت. فقال: من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟ " (التكوين ٣/ ٨).
стр. 81
ويزور الربُ إبراهيمَ - تعالى الله عن ذلك - ويأكل عنده زبداً ولبناً " وظهر له الرب عند بلوطات ممرا، وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار، فرفع عينيه، وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض ... ثم أخذ زبداً ولبناً والعجل الذي عمله، ووضعه قدامهم، وإذ كان هو واقفاً لديهم تحت الشجرة أكلوا ... وذهب الرب عندما فرغ من الكلام مع إبراهيم " (التكوين ١٨/ ١ - ٢٣).
وفي موضع آخر تذكر الأسفار أن الرب ظهر ليعقوب، وصارعه حتى الفجر: " فدعا يعقوب اسم المكان:" فينئيل " قائلاً: لأني نظرت الله وجهاً لوجه، ونجيت نفسي " (التكوين ٣٢/ ٣٠).
ولما أغضبه مريم وهارون " فنزل الرب في عمود سحاب، ووقف في باب الخيمة ... فقال اسمعا لكلامي .. فماً إلى فم، وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز " (العدد ١٢/ ٥ - ٨).
وفي موضع آخر رآه موسى "ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه، كما يكلم الرجل صاحبه" (الخروج ٣٣/ ١١).
وللمزيد من صور رؤية الله انظر (إشعيا ٦/ ١ - ١١).
ويذكر سفر التكوين أن الله رضي عن نوح وقومه بعد أن شم رائحة شواء المحرقات التي قدمها نوح على المذبح " وبنى نوح مذبحاً للرب، وأخذ من كل البهائم الطاهرة، ومن كل الطيور الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح، فتنسم الرب رائحة الرضا .... " (التكوين ٨/ ٢٠ - ٢١).
ونقرأ في رؤيا حزقيال أن الله دخل الهيكل من باب، وأمر بإغلاقه إلى الأبد " فقال لي الرب: هذا الباب يكون مغلقاً لا يفتح، ولا يدخل منه إنسان، لأن الرب إله إسرائيل دخل منه فيكون مغلقاً " (حزقيال ٤٤/ ٢).
стр. 82
هل يعجز الإله أو يجهل ؟
كما وتنسب النصوص إلى الله أفعالاً كتلك التي تصدر عن البشر بسبب جِبلتهم وضعفهم الذي خلقهم الله عليه، ومن ذلك عجز الإله عند مصارعة يعقوب، يقول سفر التكوين: " فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حقّ فخذه، فانخلع حقّ فخذ يعقوب في مصارعته معه.
وقال: أطلقني لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني. فقال له: ما اسمك؟ فقال يعقوب: فقال: لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب، بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت. وسأل يعقوبُ وقال: أخبرني باسمك. فقال: لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك. فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل، قائلاً: لأني نظرت الله وجهاً لوجه" (التكوين ٣٢/ ٢٤ - ٣٢). فقد صارع يعقوب الله وقدر عليه! ومعنى كلمة فينئيل وجه الله.
وتعليقاً على النص يقول محققو نسخة الرهبانية اليسوعية: "المقصود من هذه الرواية الغامضة هو الصراع الجسدي، أي صراع مع الله، يبدو فيه يعقوب الغالب أولاً، لكنه حين عرف طبيعة خصمه السامية اغتصب بركته، مع العلم أن النص يتجنب اسم الرب".
ولئن كان النص التوراتي يستنكف في هذا الموضع عن التصريح باسم المصارع الذي غلبه يعقوب فإنه يصرح باسمه في موضع آخر من سفر التكوين، فيقول: " وظهر الله ليعقوب أيضاً حين جاء من فدّان أرام وباركه، وقال له الله: اسمك يعقوب، لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب، بل يكون اسمك إسرائيل" (التكوين ٣٥/ ٩ - ١٠).
ومن العجز أيضاً قوله: "وكان الرب مع يهوذا، فملك الجبل، ولم يطرد سكان الوادي، لأن لهم مركبات من حديد " (القضاة ١/ ١٩)، فكان ذلك سبباً لعجزه عنهم، فكيف يكون الحال مع الأسلحة الحديثة المتطورة، وهل يعجز الإله عن حرب الدول التي تملك هذه الأسلحة!؟
كما تنسب التوراة إلى الله العظيم التعب، فهو حسب أسفارها رب يحتاج للراحة، فيسكن في مساكن متعددة " وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح "
стр. 83
(التكوين ٢/ ١) "هكذا قال الرب .. أين البيت الذي تبنون لي؟ وأين مكان راحتي؟ " (إشعيا ٦٦/ ١).
كما تنسب التوراة إلى الرب - جل وعلا - الجهل والقصور والضعف، ومن ذلك أنه لما أراد معاقبة المصريين " كلم الرب موسى وهارون ... فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة، وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكاماً بكل آلهة المصريين. أنا الرب، ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها، فأرى الدم، وأعبر عنكم، فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر " (الخروج ١٢/ ١ - ١٣).
فجعل الدم علامة على البيوت الإسرائيلية حتى لا يهلكها مع بقية البيوت، فهل يحتاج الرب العليم لمثل هذه العلامة حتى يفرق بين بيوت المصريين وبيوت الإسرائيليين؟
وتتحدث التوراة عن الله وكأن آدم قد قهره حين أكل من شجرة المعرفة والتفرقة بين الخير والشر، وكأنه خلقنا ولم يرد منا أن نميز الخير من الشر، ثم خاف وخشي أن يأكل آدم من شجرة الحياة، فيصبح كالرب من الخالدين، فأقام حرساً من الملائكة في طريق هذه الشجرة " أوصى الربُ الإلهُ آدمَ قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها .... وقال الرب الإله: هوذا الإنسان قد صار كواحد منا، عارفاً الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً، ويأكل ويحيا إلى الأبد. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها. فطرد الإنسان، وأقام شرقيَّ جنة عدن الكروبيمَ، ولهيبَ سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة" (التكوين ٢/ ١٧ - ٣/ ٢٣)، ومثل هذا التصور عن الله غير مقبول، فالسفر يصوره حريصاً على جهل الإنسان، خائفاً من تعلمه ثم من خلوده إذا فاجأه وأكل من شجرة الحياة.
стр. 84
ومرة أخرى تذكر التوراة أن الله خاف من اجتماع البشر وتآلفهم وعزمهم على بناء برج عظيم رأسه في السماء، فنزل وبددهم قبل أن يحققوا غايتهم "قالوا: هلم نبنِ لأنفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اسماً، لئلا نتبدد على وجه كل الأرض، فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذَيْن كان بنو آدم يبنونهما. وقال الرب: هوذا شعب واحد، ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض. فكفّوا عن بنيان المدينة" (التكوين ١١/ ٤ - ٨)، فهل يعقل أن خالق السماوات والأرض، الرب العظيم يخشى من تمام هذا البرج، فيسعى لتفريق البشر قبل أن يصل برجهم السماء، وهنا نتساءل عن الطول الذي كان سيصل إليه بناء البشر قبل آلاف السنين، بل نتساءل: أوَلا يعلم الرب أن البشر يعجزون عن مناطحة السحاب فضلاً عن قرع أبواب السماء!
ومثله في العجز والنقص المنسوب إلى الله العظيم ما تذكره التوراة من أن الرب بعد ما أغرق الأرض بالطوفان زمن نوح قال لنوح ومن معه: "أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بمياه الطوفان ... وضعت قوسي في السحاب، فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض .... فمتى كانت القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقاً أبدياً ... " (التكوين ٩/ ١١ - ١٧)، فجعل قوس قزح علامة تذكره بالميثاق الذي ضربه لنوح ومن معه.
وكما يفيد البشر من مشورة بعضهم لقصورهم عن إدراك عواقب الأمور، أيضاً تذكر التوراة أن الرب شاور الملكين اللذين رافقاه في ذهابه إلى إبراهيم ثم لوط " فقال الرب: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله؟ " أي في قوم لوط.
ثم ما كان منه إلا أن قال: " أنزل وأرى هل فعلوا بالتمام حسب صراخهم الآتي
стр. 85
إلي، وإلا فأعلم " (أي ما أصنع بهم) (التكوين ١٨/ ١٧ - ٢١).
وتنسب التوراة إلى الله الندم على أمور صنعها، والندم فرع عن الجهل، ومن ذلك " ندمت على أني جعلت شاول ملكاً، لأنه رجع من ورائي، ولم يقم كلامي " (صموئيل (١) ١٥/ ١٠).
وتذكر التوراة أنه لما عبد بنو إسرائيل العجل غضب الرب عليهم " وقال الرب لموسى .. فالآن اتركني ليحمى غضبي عليهم وأفنيهم "، فكان من جواب موسى أن قال: " ارجع عن حمو غضبك، واندم على الشر بشعبك. اذكر إبراهيم وإسحاق وإسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك، وقلت لهم: أكثر نسلكم كنجوم السماء، وأعطي نسلكم كل هذه الأرض التي تكلمت عنها فيملكونها إلى الأبد، فندم الرب على الشر الذي قال أنه يفعله بشعبه " (الخروج ٣٢/ ٩ - ١٤).
وفي مرة أخرى " كان الرب مع القاضي، وخلصهم من يد أعدائهم، كل أيام القاضي، لأن الرب ندم من أجل أنينهم " (القضاة ٢/ ١٨).
ومثله ندم الرب بعد أن قتل مقتلة كبيرة في بني إسرائيل، فقد "جعل الرب وبأ في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد، فمات من الشعب - من دان إلى بئر سبع - سبعون ألف رجل، وبسط الملاك يده على أورشليم ليهلكها، فندم الرب عن الشر، وقال للملاك المهلِك الشعب: كفى، الآن رد يدك" (صموئيل (٢) ٢٤/ ١٥ - ١٦).
وكانت التوراة قد نسبت قبلُ الندم والحزن إلى الله في زمن نوح، وذلك حين رأى شرور الإنسان، فقد: "رأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه، فقال الرب: ... لأني حزنت أني عملتهم" (التكوين ٦/ ٥ - ٧) ومثل هذا الندم في الأسفار كثير (انظر إرميا ٢٦/ ١٩، ٤٢/ ١١، عاموس ٧/ ٦، التكوين ١٨/ ٢٠).
стр. 86
هل يأمر الله بمثل هذا ؟
كما تذكر التوراة أن الله أمر أوامر غريبة يظهر لمن تدبرها مقدار العبث فيها والذي ينزه عنه الله جل وعلا.
ومن ذلك أن الله أراد أن يصور حال بني إسرائيل معه وإدبارهم عن عبادته إلى عبادة الأصنام، فأمر نبيه باتخاذ جومر الزانية زوجة تنجب له من غيره أبناء زنا " أول ما كلم الرب هوشع قال له: اذهب خذ لنفسك امرأة زنا وأولاد زنا، لأن الأرض قد زنت زنىً تاركة الرب " (هوشع ١/ ٢)، وفي موضع آخر " وقال الرب لي: اذهب أيضاً أحببِ امرأةً، حبيبةَ صاحبٍ وزانية، كمحبة الرب لبني إسرائيل، وهم ملتفتون إلى آلهة أخرى" (هوشع ٣/ ١).
تقول مقدمة السفر في نسخة الرهبانية اليسوعية: "في جرأة هوشع النبي ما يدهش، فإنه يجسد في حياته الخاصة تجسيداً رمزياً ما من علاقات بين الرب وشعبه الخائن .. كان ولا يزال زواج هوشع أكثر الأمور جدلاً في التفسير الكتابي .. ولا يرجح على كل حال أننا أمام مجرد استعارة .. ليس زواج هوشع خيالاً، بل رمز، ولذلك فمن شبه المستحيل وغير المفيد أن نهتدي إلى الحدث التاريخي الذي فيه، إنه عمل نبوي، مثل تلك الأعمال التي قام بها الأنبياء (راجع إشعيا ٢٠/ ١ - ٦، وأعمال الرسل ٢١/ ١٠ - ١٤)، والتي يفسرونها هم بأنفسهم ".
فهل يأمر الرب بمثل هذا ليصور لبني إسرائيل حالهم مع الله، هل يأمر الله بفعل الفاحشة ليعلمنا درساً في الأمانة، إن نسبة الأمر بهذه الفاحشة إلى الشيطان أليق وأولى من الرب العظيم.
ومثل هذه القصة ما تنسبه التوراة إلى الله من أمره لنبيه إشعياء بالتعري، ولماذا؟ لكي يري بني إسرائيل ما ينتظرهم من الهوان والذل والعري على يد ملك آشور " تكلم
стр. 87
الرب عن يد إشعياء بن آموص قائلاً: اذهب وحل المسح عن حقويك، واخلع حذاءك عن رجليك، ففعل هكذا، ومشى معري وحافياً.
فقال الرب: كما مشى عبدي إشعياء معرىً وحافياً ثلاث سنين آية وأعجوبة على مصر وعلى كوش، هكذا يسوق ملك أشور سبي مصر وجلاء كوش، الفتيان والشيوخ، عراة وحفاة، ومكشوفي الأستاه خزياً لمصر " (إشعياء ٢٠/ ٢ - ٤).
يقول التفسير التطبيقي تعليقاً على هذه الفقرة: "كان أمر الله لإشعياء أن يتجول عارياً لمدة ثلاث سنوات، وهو اختبار مُذِل، فقد كان الله يستخدم إشعياء لبيان ما ستختبره مصر وكوش من إذلال على يد آشور، ولكن كانت الرسالة في الواقع ليهوذا". (١)
وهكذا فإن رؤية بني إسرائيل لنبيهم عرياناً ثلاث سنين درس كبير وعظة بالغة! أمَا من وسيلة للإيضاح أفضل من هذه الوسيلة العارية؟ فهل يعقل هذا؟ هل يأمر الرب نبيه بالتعري ثلاث سنين؟
ويذكر سفر حزقيال أن الله أمر نبيه حزقيال بأوامر كثيرة منها أنه أمره وبني إسرائيل أن يأكلوا كعك الشعير مخبوزاً مع فضلات الإنسان، ولما صعب الأمر على حزقيال، خصه وسمح له أن يخبز كعكة الشعير مع فضلات البقر، بدلاً من فضلات الإنسان.
والنص بتمامه: " وتأكل كعكاً من الشعير، على الخرء الذي يخرج من الإنسان، تخبزه أمام عيونهم. وقال الرب: هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم.
فقلت: آه يا سيد، الرب، ها نفسي لم تتنجس، ومن صباي إلى الآن لم أكل ميتة
стр. 88
أو فريسة، ولا دخل فمي لحم نجس، فقال لي: انظر. قد جعلت لك خثي البقر بدل خرء الإنسان، فتصنع خبزك عليه " (حزقيال ٤/ ١٢ - ١٥).
وتحدثنا النصوص التوراتية كيف يقذف الله - تعالى عن ذلك- الروث الحيواني في وجوه عصاة بني إسرائيل: "قال رب الجنود: فإني أرسل عليكم اللعن، وألعن بركاتكم، بل قد لعنتها، لأنكم لستم جاعلين في القلب، هانذا أنتهر لكم الزرع، وأمد الفرث على وجوهكم فرث أعيادكم، فتنزعون معه، فتعلمون أني أرسلت إليكم هذه الوصية" (ملاخي ٢/ ٢ - ٤)، فمثل هذا لا يقبل ولو كان في باب الاستعارة والمجاز.
وتتحدث الأسفار أن الله أمر بني إسرائيل بسرقة أصحابهم من المصريين، وأنه شارك بهذا الغش عندما أمال قلوب المصريين إلى الموافقة على إعارة بني إسرائيل ما يطلبونه من ذهب وجواهر وثياب فتقول: " ثم قال الرب لموسى: ضربة واحدة أجلب على فرعون وعلى مصر بعد ذلك، يطلقكم من هنا، وعندما يطلقكم يطردكم طرداً من هنا، بالتمام تكلم في مسامع الشعب أن يطلب كل رجل من صاحبه وكل امرأة من صاحبتها، أمتعة فضة وأمتعة ذهب، وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين ... وفعل بنو إسرائيل بحسب قول موسى طلبوا من المصريين أمتعة من فضة وأمتعة ذهباً وثياباً، وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم، فسلبوا المصريين" (الخروج ١١/ ١ - ١٢/ ٣٦).
وتتحدث الأسفار عن الرب وهو يأمر بالإغواء والكذب، ويبحث عمن يرشده إلى طريقة لإغواء آخاب "فقال الرب: من يغوي أخاب، فيصعد ويسقط في راموت جلعاد؟ فقال هذا: هكذا وقال ذاك: هكذا. ثم خرج الروح، ووقف أمام الرب وقال: أنا أغويه. وقال له الرب: بماذا؟ فقال: أخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه. فقال: إنك تغويه وتقتدر. فاخرج وافعل هكذا" (الملوك (١) ٢٢/ ٢٠ - ٢٢).
стр. 89
وتصور الأسفار في موضع آخر استجابة الرب لدعاء نبيه ونصرته لأوليائه، تصوره بصورة ساذجة، ينظر إلى يدي موسى وهو يدعوه، فإذا هوت يداه تعباً هزم بني إسرائيل، وإذا أجهد نفسه أو أعانه الآخرون على رفعها، نصره وأيده، فتقول: "وأما موسى وهارون وحور، فصعدوا على رأس التلّة، وكان إذا رفع موسى يده أن إسرائيل يغلِب، وإذا خفض يده أن عماليق يغلِب، فلما صارت يدا موسى ثقيلتين أخذا [أي هارون وحور] حجراً، ووضعاه تحته فجلس عليه، ودعم هارون وحور يديه، الواحد من هنا، والآخر من هناك، فكانت يداه ثابتتين إلى غروب الشمس، فهزم يشوع عماليق وقومه بحد السيف" (الخروج ١٧/ ١٠ - ١٣)، فهل هذا هو ما يحمل الرب على نصرة أنبيائه وأوليائه؟
ويتحدث سفر العدد عن شريعة غريبة يكتشف الرجل بموجبها خيانة زوجته أو براءتها، ألا وهو شرب ماء اللعنة المر الممزوج بغبار البيت، فإن ورمت بطنها وسقطت فخذها، فهي مذنبة، وإن قدر لها النجاة من هذا الماء الغريب، فإنها تكون بريئة.
ودعونا نتأمل طقوس هذا الاختبار الغريب، يقول سفر العدد: "يأتي الرجل بامرأته إلى الكاهن، ويأتي بقربانها معها عشر الإيفة من طحين شعير، لا يصبّ عليه زيتاً، ولا يجعل عليه لباناً ... فيقدّمها الكاهن ويوقفها أمام الرب، ويأخذ الكاهن ماء مقدساً في إناء خزف، ويأخذ الكاهن من الغبار الذي في أرض المسكن، ويجعل في الماء، ويوقف الكاهن المرأة أمام الرب، ويكشف رأس المرأة، ويجعل في يديها تقدمة التذكار التي هي تقدمة الغيرة، وفي يد الكاهن يكون ماء اللعنة المرّ.
ويستحلف الكاهن المرأة ويقول لها: إن كان لم يضطجع معك رجل، وإن كنت لم تزيغي إلى نجاسة من تحت رجلك، فكوني بريئة من ماء اللعنة هذا المرّ .. يستحلف الكاهن المرأة بحلف اللعنة ويقول الكاهن للمرأة: يجعلك الرب لعنة وحلفاً بين شعبك
стр. 90
بأن يجعل الرب فخذك ساقطة وبطنك وارماً، ويدخل ماء اللعنة هذا في أحشائك لورم البطن ولإسقاط الفخذ. فتقول المرأة: آمين آمين.
ويكتب الكاهن هذه اللعنات في الكتاب ثم يمحوها في الماء المرّ، ويسقي المرأة ماء اللعنة المرّ، فيدخل فيها ماء اللعنة للمرارة .. ومتى سقاها الماء فإن كانت قد تنجست وخانت رجلها يدخل فيها ماء اللعنة للمرارة، فيرم بطنها وتسقط فخذها، فتصير المرأة لعنة في وسط شعبها، وإن لم تكن المرأة قد تنجست، بل كانت طاهرة تتبرأ وتحبل بزرع، هذه شريعة الغيرة، إذا زاغت امرأة من تحت رجلها وتنجست" (العدد ٥/ ١٦ - ٢٩)، فهل يأمر الرب العليم بمثل هذا؟ وهل هذه طريقة منصفة أو كافية في إثبات طهارة أو تلاعب النساء؟ وماذا لو مرضت المرأة وانتفخت بطنها بسبب هذا الماء الغريب وما ألقي فيه، لا بسبب لعناته، هل نعتبرها آثمة مذنبة، فتخرج للحرق أو الجلد أو الرجم؟
ومن غريب تشريعات العهد القديم ازدراؤه للمرأة الحائض واعتبارها مباءة ومجمعاً للنجاسة، يتنجس بسببها كل من لمسها "وإذا كانت امرأة لها سيل، وكان سيلها دماً في لحمها فسبعة أيام تكون في طمثها، وكل من مسّها يكون نجساً إلى المساء، وكل ما تضطجع عليه في طمثها يكون نجساً، وكل ما تجلس عليه يكون نجساً، وكل من مسّ فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء، ويكون نجساً إلى المساء، وكل من مسّ متاعاً تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء، وإن كان على الفراش أو على المتاع الذي هي جالسة عليه عندما يمسّه يكون نجساً إلى المساء .. وإذا كانت امرأة يسيل سيل دمها أياماً كثيرة في غير وقت طمثها، أو إذا سال بعد طمثها، فتكون كل أيام سيلان نجاستها كما في أيام طمثها، إنها نجسة، كل فراش تضطجع عليه كل أيام سيلها يكون لها كفراش طمثها، وكل الأمتعة التي تجلس عليها تكون نجسة كنجاسة
стр. 91
طمثها، وكل من مسّهنّ يكون نجساً، فيغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء" (اللاويين ١٥/ ١٩ - ٢٧)، ويتساءل المرء لم كل هذا؟ ما الذي ارتكبته المرأة عند حيضها حتى تكون في هذه المنزلة الوضيعة؟!
ومن غرائب العهد القديم - ولا تنقضي غرائبه - شريعة رجم الثور القاتل، بل ورجم صاحبه إن كان يعلم أن ثوره نطاح، يقول سفر الخروج: "وإذا نطح ثور رجلاً أو امرأة فمات، يرجم الثور، ولا يؤكل لحمه، وأما صاحب الثور فيكون بريئاً، ولكن إن كان ثوراً نطّاحاً من قبل، وقد أُشهد على صاحبه، ولم يضبطه، فقتل رجلاً أو امرأة، فالثور يرجم، وصاحبه أيضاً يقتل" (الخروج ٢١/ ٢٨ - ٢٩)، فما ذنب صاحب الثور ليؤخذ بجريرة ثوره، سواء بسواء، قد قصر - ولا ريب - لكن ذلك لا يستحق قتله بحال من الأحوال.
ويتحدث سفر اللاويين عن أحكام مريض البرص وكيفية التطهر منه، ثم ينتقل للحديث عن البرص الذي يصيب الثياب والجدران، ويفصّل في ذكر طريقة التخلص من البرص بمساعدة الكاهن خشية انتقال عدوى المرض إلى ثياب أخرى وجدران أخر، يقول السفر: "يأتي الذي له البيت ويخبر الكاهن قائلاً: قد ظهر لي شبه ضربة في البيت، فيأمر الكاهن أن يفرغوا البيت قبل دخول الكاهن .. وإذا الضربة في حيطان البيت نقر ضاربة إلى الخضرة أو إلى الحمرة ومنظرها أعمق من الحائط، يخرج الكاهن من البيت إلى باب البيت ويغلق البيت سبعة أيام.
فإذا رجع الكاهن في اليوم السابع ورأى وإذا الضربة قد امتدّت في حيطان البيت يأمر الكاهن أن يقلعوا الحجارة التي فيها الضربة ويطرحوها خارج المدينة في مكان نجس، ويقشر البيت من داخل حواليه، ويطرحون التراب الذي يقشرونه خارج المدينة في مكان نجس، ويأخذون حجارة أخرى ويدخلونها في مكان الحجارة ويأخذ تراباً آخر
стр. 92
ويطيّن البيت، فإن رجعت الضربة وأفرخت في البيت بعد قلع الحجارة وقشر البيت وتطيينه، وأتى الكاهن ورأى وإذا الضربة قد امتدّت في البيت فهي برص مفسد (أي: معدٍ كما في تراجم أخرى) في البيت، إنه نجس، فيهدم البيت، حجارته وأخشابه وكل تراب البيت ويخرجها إلى خارج المدينة، إلى مكان نجس، ومن دخل إلى البيت في كل أيام انغلاقه يكون نجساً إلى المساء، ومن نام في البيت يغسل ثيابه، ومن أكل في البيت يغسل ثيابه " (اللاويين ١٤/ ٣٥ - ٤٧)، ونعجب ونسأل كيف يمكن تطبيق هذا التشريع لو ظهر البرص المعدي في ناطحة سحاب، هل ستهدم ويحمل حديدها وحجارتها إلى خارج المدينة!
ومثل هذا الهراء ورد حين الحديث عن برص الثياب، يقول السفر: "وأما الثوب فإذا كان فيه ضربة برص ثوب صوف أو ثوب كتان، في السدى أو اللحمة من الصوف أو الكتان أو في جلد أو في كل مصنوع من جلد، وكانت الضربة ضاربة إلى الخضرة أو إلى الحمرة في الثوب أو في الجلد في السدى أو اللحمة أو في متاع ما من جلد فإنها ضربة برص، فتعرض على الكاهن، فيرى الكاهن الضربة ويحجز المضروب سبعة أيام، فمتى رأى الضربة في اليوم السابع، إذا كانت الضربة قد امتدّت في الثوب في السدى أو اللحمة أو في الجلد من كل ما يصنع من جلد للعمل، فالضربة برص مفسد (أي: معدٍ كما في ترجمة أخرى)، إنها نجسة فيحرق الثوب أو السدى أو اللحمة من الصوف أو الكتان أو متاع الجلد الذي كانت فيه الضربة لأنها برص مفسد، بالنار يحرق" (اللاويين ١٣/ ٤٧ - ٥١). فأين سمعت الدنيا عن مثل هذه الأمراض وعن مثل هذه الطريقة في علاج الجدران والثياب، تعالى الله عما يقوله الظالمون علواً كبيراً.
ويأمر سفر التثنية الأخ أن يتزوج بأرملة أخيه في بعض الأحوال الاجتماعية، فإن أبى تحيق به العقوبة التي يقررها السفر، وهي أن تسلبه حذاءه، وتبصق في وجهه، يقول السفر: "وإن لم يرض الرجل أن يأخذ امرأة أخيه تصعد امرأة أخيه إلى الباب إلى
стр. 93
الشيوخ، وتقول: قد أبى أخو زوجي أن يقيم لأخيه اسماً في إسرائيل، لم يشأ أن يقوم لي بواجب أخي الزوج، فيدعوه شيوخ مدينته ويتكلمون معه، فإن أصر وقال: لا أرضى أن أتخذها، تتقدم امرأة أخيه إليه أمام أعين الشيوخ، وتخلع نعله من رجله، وتبصق في وجهه، وتصرخ، وتقول: هكذا يفعل بالرجل الذي لا يبني بيت أخيه، فيدعى اسمه في إسرائيل بيت مخلوع النعل" (التثنية ٢٥/ ٧ - ١٠)، ومثل هذا التشريع يتضمن الإكراه على الزواج، والبيوت لا تقوم على مثل هذا، وهنا نتساءل كيف لمثل هذا الزواج أن يتم لو كانت أرملة الأخ كبيرة تكبر زوجها الجديد بأربعين سنة مثلاً؟!
كما تتضمن العقوبة بالبصاق وخلع الحذاء لوناً من السخف، يترفع عنه شرع الله ودينه، ويظهر فيه ضعف البشر وسذاجة تفكيرهم.
كما تتحدث الأسفار عن أمر الله بقتل النساء والأطفال والأبرياء، فقد أمر بني إسرائيل بقتل الشعوب التي في فلسطين " وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك، فلا تستبق منهم نسمة ما " (التثنية ٢٠/ ١٦).
وقتل الأبرياء من بني إسرائيل لما غضب على داود فقتل الملاك - بأمره - منهم سبعين ألف رجل بلا ذنب أو جريرة، فقال داود: " ها أنا قد أخطأت وأنا أذنبت. وأما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا؟ فلتكن يدك علي وعلى بيت أبي" (صموئيل (٢) ٢٤/ ١٧).
وكذا تذكر الأسفار أن الله أمر نبيه يشوع بقتل جميع سكان مدينة عاي، ففعل النبي بحسب الأمر، فحرق المدينة، وأفنى أهلها امتثالاً لهذا الأمر الرهيب: "تمتلكون المدينة ويدفعها الرب إلهكم بيدكم. ويكون عند أخذكم المدينة أنكم تضرمون المدينة بالنار، كقول الرب تفعلون. انظروا. قد أوصيتكم ... ودخلوا المدينة، وأخذوها، وأسرعوا، وأحرقوا المدينة بالنار ... وكان لما انتهى إسرائيل من قتل جميع سكان عاي في الحقل في البرية، حيث لحقوهم وسقطوا جميعاً بحد السيف، حتى فنوا ... فكان جميع
стр. 94
الذين سقطوا في ذلك اليوم من رجال ونساء اثني عشر ألفاً، جميع أهل عاي، ويشوع لم يرد يده التي مدها بالمزراق حتى حرّم جميع سكان عاي. لكن البهائم وغنيمة تلك المدينة نهبها إسرائيل لأنفسهم حسب قول الرب الذي أمر به يشوع. وأحرق يشوع عاي، وجعلها تلاً أبدياً خراباً إلى هذا اليوم" (يشوع ٨/ ٨ - ٢٨).
ثم تزعم الأسفار أن الله بعث نبيه صموئيل إلى الملك شاول يخبره باصطفاء الله له للملك، ويقول: " هكذا يقول رب الجنود: ... فالآن اذهب، واضرب عماليق، وحرّموا كل ما له، ولا تعف عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً، جملاً وحماراً" (صموئيل (١) ١٥/ ٢ - ٣)، لقد أمره بقتل وسحق كل أحد من أهل مدينة عماليق، وحتى لا يستثني منهم أحداً أمره بقتل الرضع والأطفال والنساء، بل وحتى الحيوان.
لكن شاول لم يلتزم أمر الرب بدقة "وأمسك أجاج ملك عماليق حيّاً، وحرّم جميع الشعب بحد السيف، وعفا شاول والشعب عن أجاج، وعن خيار الغنم والبقر والثنيان والخراف، وعن كل الجيد، ولم يرضوا أن يحرّموها. وكل الأملاك المحتقرة والمهزولة حرّموها" (صموئيل (١) ١٥/ ٨ - ٩)، لقد قتلوا البشر والحيوانات الهزيلة، وعفوا عن الحيوانات القوية، فماذا كان؟ لقد سخط الله على شاول "وكان كلام الرب إلى صموئيل قائلاً: ندمت على أني قد جعلتُ شاول ملكاً، لأنه رجع من ورائي، ولم يقم كلامي" (صموئيل (١) ١٥/ ١٠ - ١١).
وفسرته روح النبي صموئيل حين استحضرتها العرافة لشاول، فقالت روحه: " لأنك لم تسمع لصوت الرب، ولم تفعل حمو غضبه في عماليق، لذلك قد فعل الرب بك هذا الأمر اليوم" (صموئيل (١) ٢٨/ ١٨)، لقد باء بغضب الرب وندمه، لأنه لم يكمل المجزرة إلى آخر فصولها، فهل يأمر الله بمثل هذا؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 95
ومرة أخرى تتكرر الوصاة - المنسوبة زوراً إلى الرب - بقتل الأطفال، لكنها هذه المرة مع التأكيد على قتل الأجنة في بطون الأمهات، حتى لا ينجو أولئك الذين لم يروا الدنيا بعد " تجازى السامرة، لأنها قد تمردت على إلهها، بالسيف يسقطون، تحطَّم أطفالهم، والحوامل تشقّ" (هوشع ١٣/ ١٦)، لقد عوقبوا بجريرة آبائهم، فهل يأمر الله بمثل هذا الظلم؟!
وكما رأينا فإن للأطفال نصيباً مستحقاً من القتل والتدمير، وهو حق ما فتئت النصوص تذكر به، ومنه ما ينتظر أطفال بابل فطوبى لمن يقتلهم " يا بنت بابل المخربة، طوبى لمن يجازيكِ جزاءك الذي جازيتنا، طوبى لمن يمسك أطفالك، ويضرب بهم الصخرة" (المزمور ١٣٧/ ٨ - ٩).
وأما يوم الرب الذي سيصيب بابل، ففي ذلك اليوم " كل من وجد يُطعن، وكل من انحاش يسقط بالسيف، وتحطَّم أطفالهم أمام عيونهم، وتنهب بيوتهم، وتُفضح نساؤهم، ها أنذا أهيج عليهم الماديين الذين لا يعتدون بالفضة، ولا يسرون بالذهب، فتحطِّم القسيُّ الفتيان، ولا يرحمون ثمرة البطن، لا تشفق عيونهم على الأولاد، وتصير بابل بهاء الممالك وزينة فخر الكلدانيين؛ كتقليب الله سدوم وعمورة، لا تعمر إلى الأبد" (إشعيا ١٣/ ١٥ - ٢٠).
وللاطلاع على المزيد من المجازر التي تنسبها أسفار العهد القديم إلى أمر الرب. انظر (حزقيال ٩/ ٦ - ٧)، و (العدد ٣١/ ١٤ - ١٨) و (إرمياء ٥١/ ٢٠ - ٢٣)، ويغنيك عن ذلك كله أن تقرأ سفر المجازر المنسوب إلى النبي يشوع، أو أن تقرأ سيرة هتلر والنازيين وما صنعوه من جرائم يندى لها جبين الإنسان).
ويتكرر الإفساد في الأرض، وينسب الأمر فيه إلى الله: "قال الرب: .. فتضربون كل مدينة محصّنة، وكل مدينة مختارة، وتقطعون كل شجرة طيبة، وتطمّون جميع عيون
стр. 96
الماء، وتفسدون كل حقلة جيدة بالحجارة .. وهدموا المدن، وكان كل واحد يلقي حجره في كل حقلة جيدة حتى ملأوها، وطمّوا جميع عيون الماء، وقطعوا كل شجرة طيّبة" (الملوك (٢) ٣/ ١٩ - ٢٥).
ومن الظلم الذي تنسبه التوراة إلى الله حرمان أصحاب العاهات من شرف الدخول في جماعة الرب، وقد كان الأولى تكريمهم لما أصابهم من بلاء، فتنسب التوراة لله أنه أمر " لا يدخل مخصيّ بالرضّ أو مجبوب في جماعة الرب" (التثنية ٢٣/ ١).
ويطال الحرمان آخرين من أصحاب العاهات، فلا تقبل ذبائحهم، بل ولا يقتربون من مذبح العبادة لأنهم نجس بسبب عيبهم الذي ابتلاهم الله به، فتقول الأسفار: "كلم هارون قائلاً: إذا كان رجل من نسلك في أجيالهم فيه عيب، فلا يتقدم ليقرّب خبز إلهه، لأن كل رجل فيه عيب لا يتقدم، لا رجل أعمى، ولا أعرج، ولا أفطس، ولا زوائدي، ولا رجل فيه كسر رجل أو كسر يد ولا أحدب، ولا أكشم، ولا من في عينه بياض، ولا أجرب، ولا أكلف، ولا مرضوض الخصى، كل رجل فيه عيب من نسل هارون الكاهن لا يتقدم .. وإلى المذبح لا يقترب لأن فيه عيباً، لئلا يدنّس مقدسي، لأني أنا الرب مقدّسهم" (اللاويين ٢١/ ١٧ - ٢٣).
وتستمر الأسفار في طرد الأبرياء من جماعة الرب، ومنهم ابن الزنا، وأبناء العمويين والمؤابيين، حتى الجيل العاشر، وذلك جزاء لهم لتقصير أجدادهم في استقبال بني إسرائيل، فتنسب الأسفار إلى الله قولها: "لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر لا يدخل منه أحد في جماعة الرب، لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد، من أجل أنهم لم يلاقوكم بالخبز والماء في الطريق عند خروجكم من مصر، ولأنهم استأجروا عليك بلعام بن بعور لكي يلعنك" (التثنية ٢٣/ ١ - ٣).
стр. 97
ومن الشرائع الغريبة لأسفار العهد القديم شريعة كسر عنق الحمار البكر الذي لم يفدَ، فيؤاخذ بجريرة صاحبه وتقصيره في فدائه، يقول سفر الخروج: "لي كل فاتح رحم، وكل ما يولد ذكراً من مواشيك، بكراً من ثور وشاة، وأما بكر الحمار فتفديه بشاة، وإن لم تفده تكسر عنقه، كل بكر من بنيك تفديه" (الخروج ٣٤/ ١٩ - ٢٠)، فهل يأمر الرب بمثل هذا الظلم ومثل هذه القسوة؟
لقد كان هذا الذي ذكرناه بعضاً من أحكام تصفها التوراة نفسها بالفساد، ففي سفر حزقيال: "وأعطيتهم أيضاً فرائض غير صالحة وأحكاماً لا يحيون بها" (حزقيال ٢٠/ ٢٥)، ويصفها الإنجيل بالعتق والشيخوخة، إذ يقول الكاتب المجهول لرسالة العبرانيين: " فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئاً، ولكن يصير إدخال رجاء أفضل به نقترب إلى الله " (عبرانيين ٧/ ١٨ - ١٩)، ومقصوده التوراة وشرائعها المختصة بالكهنوت اللاوي.
ويقول مبرراً إلغاء نظام الكهنوت التوراتي: " فإنه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طُلب موضع لثانٍ " (عبرانيين ٨/ ٧)، وعيبه هو شيخوخته " وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " (عبرانيين ٨/ ١٣).
تشبيهات ممجوجة لله في العهد القديم
وجاء في أسفار العهد القديم أن الله يشبه نفسه تشبيهات غريبة ممجوجة، فيشبه نفسه بالحيوان تارة وبالمخمور تارة، ومثل هذه الطريقة لا يرتضيها العقلاء في التعبير عن ذواتهم، فالقارئ الكريم لن يقبل لو شُبه بالحمار بجامع الصبر والجَلد في كليهما، أو بالقطة لما عندها من حنو على أبنائها، أو بالكلب لبالغ وفائه ...
ولكن الكثير من ذلك تنسبه التوراة إلى الله، من ذلك قوله: " فأكون لهم كأسد، أرصد على الطريق كنمر، أصدمهم كدُبّة مثكل، وأشق شغاف قلوبهم، وآكلهم هناك
стр. 98
كلبوة، يمزقهم وحش البرية " (هوشع ١٣/ ٧ - ٨).
ومثله التشبيه المنكر لله والذي جاء في سفر هوشع: "فأنا لأفرايم كالعث (الدودة)، ولبيت يهوذا كالسوس" (هوشع ٥/ ١٢).
ويشبه سفر ميخا حزن الرب على ما أصاب بني إسرائيل بنواح النعام ونحيب إناث الثعالب، فيقول: " قول الرب الذي صار إلى ميخا ... من أجل ذلك أنوح وأولول، أمشي حافياً وعرياناً، أصنع نحيباً كبنات آوى، ونَوحاً كرعال النعام" (ميخا ١/ ١ - ٨).
وفي نص آخر تذكر التوراة حزنه على شعبه وعذرائها أورشليم، فيقول للنبي إرميا: وتقول لهم هذه الْكلمة: "لتذرف عيناي دموعاً ليلاً ونهاراً، ولا تكفّا أبداً، لأنّ العذراء بنت شعبي سحقتْ سحقاً عظيماً" (إرميا ١٤/ ١٧).
ويستبد به الحزن إلى حد أن يدعو على نفسه بالويل والثبور " لأنه هكذا قال الرب ... ويل لي من أجل سحقي" (إرميا ١٠/ ١٧).
وفي صورة أخرى مشينة تصور الأسفار التوراتية سخط الله على أعداء بني إسرائيل من المؤابيين والأدوميين بصورة يترفع عن استعمالها كرام الناس وذوو الوقار فيهم، فيقول: "الله قد تكلم بقدسه ... وأفرايم خوذة رأسي، يهوذا صولجاني، موآب مرْحضتي، وعلى أدوم ألْقي حذائي" (المزمور٦٠/ ٦ - ٨)، فجعل - على سبيل الاستعارة والتشبيه - المؤابيين مكاناً لتنظفه من الأقذار للدلالة على سخطه، كما عبر عن سخطه على الأدوميين بإلقاء الحذاء عليهم!
وتستمر المخازي في التشبيهات التوراتية، فتشبه الله بالمرأة تارة، وبالزوج تارة، فقد جاء فيها: "لأن بعلك هو صانعك، رب الجنود اسمه .. لأنه كامرأة مهجورة ومحزونة الروح، دعاك ربك" (إشعيا ٥٤/ ١ - ٦).
стр. 99
وفي موضع آخر أنه قال: "من أجل ذنوبكم طلَّقتُ أمكم" (إشعيا ٥٠/ ١).
ومثله أن الله خاطب أورشليم " وكفرح العريس بالعروس يفرح بك إلهك " (إشعيا ٦٢/ ٥).
ومن سيئ التشبيهات التوراتية تشبيه الله العظيم بالسكران يفيق من سكره، فتقول: " استيقظ الرب كنائم، كجبار معّيط من الخمر، فضرب أعداءه إلى الوراء، جعلهم عاراً أبدياً" (المزمور ٧٨/ ٦٥).
ومثله في السوء التعبير عن انتقام الله من بني إسرائيل بتسليط ملك أشور عليهم، إذ يشبهه سفر إشعيا تشبيهاً منكراً، فيقول: " في ذلك اليوم يحلق السيد بموسى مستأجرة في عبر النهر، بملك أشور الرأسَ وشعر الرجلين، وتنزع اللحية أيضاً " (إشعيا ٧/ ٢٠).
فمثل هذه التشبيهات المستنكرة والتعبيرات غير المقبولة لا يمكن أن تصدر عن الله العظيم، ولا يليق أن يوصف بها، أوليس من طريقة أفضل يعبر بها الإله عن غضبه أو حبه!!
وكيف لهذه التشبيهات أن تنسب إلى الله، وقد قال منكراً تشبيهه بغيره: "فبمن تشبهون الله، وأي شبه تعادلون به .. فبمن تشبهونني، فأساويه، يقول القدوس" (إشعيا ٤٤/ ١٨ - ٢٥).
стр. 100
الأنبياء في العهد القديم
اصطفى الله أنبياءه من بين سائر خلقه، وحباهم بأن جعلهم حملة دينه إلى الناس، وأسبق أقوامهم إليه، وجعل منهم قدوة للعالمين ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (الأنعام:٩٠).
وهذا الذي يقتضيه العقل في هؤلاء الذين اختارهم الله لهداية خلقه، أن يكونوا أحسن الناس سيرة، وأصدقهم طوية ... كيف لا، وقد جاء الحديث في التوراة عن عصمة الكهنة وبراءتهم من الآثام، لأنهم حاملو الشريعة ومبلغوها للناس، وهم - ولا ريب - دون منزلة الأنبياء، يقول سفر ملاخي عن لاوي وسبطه: "عهدي معه للحياة والسلام، وأعطيته إياهما للتقوى، فاتقاني، ومن اسمي ارتاع هو، شريعة الحق كانت في فيه، وإثم لم يوجد في شفتيه، سلك معي في السلام والاستقامة، وأرجع كثيرين عن الإثم، لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة، ومن فمه يطلبون الشريعة، لأنه رسول رب الجنود" (ملاخي ٢/ ٥ - ٧).
وتثني التوراة في بعض نصوصها على بعض هؤلاء الأنبياء، فعن داود قال: " أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً " (صموئيل (٢) ٧/ ١٤).
وعن نوح قال: " كان نوح رجلاً باراً كاملاً في أجياله، وسار نوح مع الله " (التكوين ٦/ ٩).
وعن إبراهيم تقول التوراة بأن الله قال له في المنام: " يا إبرام أنا ترس لك، أجرك كثير جداً " (التكوين ١٥/ ١).
وعن إسحاق " وباركه الرب " (التكوين ٢٦/ ١٢) ... إلى غير ذلك.
لكن ذلك كله يضيع في بحر الرذائل التي تلصقها التوراة زوراً بحملة رسالات
стр. 101
الله من الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله لبلاغ وحيه.
نوح ﵇
تحدثت التوراة عن سُكرِ نبي الله نوح ﵇ وحاشاه - وتعريه داخل خبائه، وحينذاك أبصره ابنه الصغير حام، وأخبر أخويه بما رأى فجاءا بظهريهما، وسترا عورة أبيهما الثمِل، فلما أفاق من سكرته وعرف ما فعل ابنه حام الصغير قال: "ملعون كنعان (ابن الجاني حام)، عبد العبيد يكون لإخوته ... وليكن كنعان عبداً لهم ".
والقصة بتمامها: "وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً. وشرب من الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه. فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً. فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما، ومشيا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما، ووجهاهما إلى الوراء. فلم يبصرا عورة أبيهما.
فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير. فقال: ملعون كنعان (أب الفلسطينيين الذي لا علاقة له بالحادثة، الذي لم يولد حينذاك)، عبد العبيد يكون لإخوته. وقال: مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبداً لهم.
ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام. وليكن كنعان عبدا لهم" (التكوين ٩/ ٢٠ - ٢٧)، فبدلاً من أن يوجه ابنه الصغير للتصرف الصحيح مع الوالد حين سكره وعربدته، صب لعناته على كنعان ابن حام، كنعان الذي لعله لم يخلق بعد، فما ذنب هذا الكنعان، بالطبع لا ذنب له إلا أنه سيصبح جدّاً لأهل فلسطين، أعداء اليهود! بل وما ذنب أبيه الذي لم يكن ليستحق هذا كله؟ وماذا عن الأب الذي شرب الخمر؟ ما الذي يستحقه من عقوبة؟ لماذا لم يعاقبه الرب؟
إبراهيم ﵇
وأما إبراهيم خليل الله، فتزعم التوراة أنه أخطأ في حق الله لما أراد إهلاك قوم
стр. 102
لوط، وخاطب ربه بأسلوب الناصح الغليظ، بأسلوب لا يقبل عاقل أن يخاطبه به صديقه أو ابنه، فضلاً عن عبده الضعيف "فتقدم إبراهيم وقال: أفتهلك البار مع الأثيم! عسى أن يكون خمسون باراً في المدينة، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين باراً الذين فيه؟ حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر: أن تميت البار مع الأثيم، فيكون البار كالأثيم! حاشا لك. أديان كل الأرض لا يصنع عدلاً" (التكوين ١٨/ ٢٣).
لوط ﵇
وأما لوط ﵇، النبي الذي حارب الشذوذ، فتذكر التوراة أنه لما أهلك الله قومه لجأ إلى مغارة مع ابنتيه فسقتاه الخمر، وضاجعتاه، ولم يعلم بذلك، وولد من هاتين الفاحشتين عمي ومؤاب، ومنهما انحدر العمويون والمؤابيون أعداء بني إسرائيل، فاسمع إلى السفر: " وصعد لوط من صوغر، وسكن في الجبل وابنتاه معه. لأنه خاف أن يسكن في صوغر. فسكن في المغارة هو وابنتاه.
وقالت البكر للصغيرة: أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض. هلم نسقي أبانا خمراً، ونضطجع معه. فنحيي من أبينا نسلاً. فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة. ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها.
وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد اضطجعت البارحة مع أبي، نسقيه خمراً الليلة أيضاً، فادخلي اضطجعي معه، فنحيي من أبينا نسلاً. فسقتا أباهما خمراً في تلك الليلة أيضاً. وقامت الصغيرة واضطجعت معه، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها.
فحبلت ابنتا لوط من أبيهما، فولدت البكر ابنا ودعت اسمه موآب، وهو أبو
стр. 103
الموآبيين (أعداء بني إسرائيل) إلى اليوم. والصغيرة أيضا ولدت ابناً، ودعت اسمه بن عمي. وهو أبو بني عمون (وهم أيضاً أعداء بني إسرائيل) إلى اليوم" (التكوين ١٩/ ٣٠ - ٣٧).
ويذكر السفر تبريراً لهذه الفاحشة، أن الكبيرة منهما قالت لأختها: " أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض ... نحيي من أبينا نسلاً " (التكوين ١٩/ ٣١ - ٣٢)، فيصور النص الأرض وقد خلت من الرجال، أو أن المغارة سيمكث فيها لوط وابنتاه إلى الأبد، فلا سبيل حينذاك لاستبقاء النسل إلا زنا المحارم!.
يعقوب ﵇
وأما يعقوب ﵇ أصل بني إسرائيل، فهو أيضاً لم يسلم من مخازي التوراة، ولم يشفع له أبوته لهم، فتذكر التوراة أنه سرق البركة من أخيه الأكبر عيسو عندما خدع أباه إسحاق وأشربه الخمر، وأوهمه أنه عيسو، ولم يستطع إسحاق أن يفرق بين ملمس ابنه الأكبر وجلد المعزي الذي وضعه يعقوب على يده. (انظر: التكوين ٢٧/ ١٦ - ٢٥).
فبارك يعقوب، وهو يظنه عيسو، وقال له: " رائحة ابني كرائحة حقل، قد باركه الرب، فليعطك الله من ندى السماء، ومن دسم الأرض، وكثرة حنطة وخمر، ليستعبد لك شعوب، وتسجد لك قبائل، وكن سيداً لإخوتك، وليسجد لك بنو أمك، ليكن لاعنوك ملعونين، ومبارِكوك مباركين" (التكوين ٢٧/ ٢٧ - ٢٩).
ثم بعد برهة جاء عيسو أباه فاكتشف الخدعة، ولكن بعد فوات الأوان.
وهكذا فالبركة سرقت، وهذا يعتبر كذباً على الله واهب البركة، لا على إسحاق، ويتساءل المسلمون لماذا لم يسترد إسحاق بركته؟ ثم ما هذه البركة التي تثمر خمراً واستعباداً للشعوب؟
стр. 104
وهذه البركة لا يبدو لها عظيم أثر في حياة يعقوب، فقد جوزي على خديعته لأبيه، فخدعه خاله لابان، فأدخله على ابنته الكبرى ليئة، فضاجعها، وهي غير التي عقد له عليها (راحيل). أي وقع في الزنا، ولكن من غير عمد. (انظر: التكوين ٢٩/ ٢٤).
وقد رد الصاع لخاله حينما خدعه في غنمه. (انظر: التكوين ٣٠/ ٣٧ - ٤٢).
ثم لما شاخ اعتدى شكيم على ابنته واغتصبها. (انظر: التكوين ٣٤/ ٢).
ثم زنى أحد أبنائه، وهو يهوذا بكنته ثامار، وأحبلها اثنين من أبنائه. (انظر: التكوين ٣٨/ ١٨).
ثم اعتدى ابنه البكر رؤابين على بلهة سرية يعقوب، واضطجع معها، ولم يحرك يعقوب ساكناً. (انظر: التكوين ٣٥/ ٢١ - ٢٢). فأين أثر البركة المسروقة في هذا كله؟
موسى وهارون ﵉
كما تسيء التوراة إلى موسى ﵇ أعظم أنبياء بني إسرائيل، وتذكر كلمات لا يمكن أن تصدر من موسى لما فيها من إساءة أدب مع الله، منها: " فقال موسى للرب: لماذا أسأت إلى عبدك؟ ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي؟ ألعلي حبلت بجميع هذا الشعب؟ أو لعلي ولدته .. فإن كنت تفعل بي هكذا فاقتلني قتلاً، إن وجدتُ نعمة في عينيك فلا أرى بليتي " (العدد ١١/ ١٠ - ١٥)، فهل يتحدث عبد - فضلاً عن نبي - مع ربه بمثل هذا؟
وتذكر التوراة أن موسى في حربه مع أهل مديان - الذين مكث فيهم سنين - أمر بقتلهم شر قتلة، وحين لم ينفذ الجيش أمره " فسخط موسى على وكلاء الجيش رؤساء الألوف ورؤساء المئات القادمين من جند الحرب، وقال لهم موسى: هل أبقيتم كل أنثى حية؟ فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكر
стр. 105
اقتلوها، لكن جميع الأطفال من النساء اللواتي لم يعرفن مضاجعة ذكر أبقوهن لكم حيّات" (العدد ٣١/ ١٤ - ١٨).
ولم يخبر السفر عن طريقة التمييز بين الأبكار وغيرهن، فهل يأمر نبي بمثل هذا؟!!
وأما هارون القدوس كما في سفر المزامير" هارون قدوس الرب" (المزمور ١٠٦/ ١٦)، فإن سفر الخروج يفتري عليه، ويتهمه بأنه الذي صنع العجل لبني إسرائيل ليعبدوه، فيقول: "قال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم، وأتوني بها. فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم، وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم، وصوّره بالإزميل، وصنعه عجلا مسبوكاً، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر" (الخروج ٣٢/ ٢ - ٤)، فهل هذا صنيع يصنعه قدوس الرب؟
ثم تذكر التوراة المحرفة أن الله حرم موسى وهارون من دخول الأرض المقدسة لخيانتهما لله وعدم إيمانهما: "فقال الرب لموسى وهارون: من أجل أنكما لم تؤمنا بي، حتى تقدساني أمام أعين بني إسرائيل، لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي أعطيتهم إياها" (العدد ٢٠/ ١٢).
وفي موضع آخر يؤكد هذا السبب لحرمانهما من دخول الأرض المباركة، فيقول:" لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل، عند ماء مريبة قادش، في برية صين، إذ لم تقدساني في وسط بني إسرائيل" (التثنية ٣٢/ ٥١).
وتذكر التوراة في قصة غريبة مبهمة من غير مقدمات لها، ومفادها أن الله أراد قتل موسى وهو في صحراء سيناء، حين كان متجهاً لدعوة فرعون كما أمره الرب، والذي أنقذه من القتل ذكاء زوجته صفورة وسرعة بديهتها، حيث أدركت أن سبب غضب الرب عدم ختان موسى لابنه، فختنته سريعاً، ووضعت غرلته عند رجلي الرب،
стр. 106
فنجا موسى من الموت، يقول السفر: "حدث في الطريق في المنزل أن الرب التقاه، وطلب أن يقتله، فأخذت صفّورة صوّانة، وقطعت غرلة ابنها، ومسّت رجليه، فقالت: إنك عريس دم لي، فانفكّ عنه عندما قالت: عريس دم من أجل الختان " (الخروج ٤/ ٢٤ - ٢٦)، ولم يبين السفر السبب الصريح لهذه الغضبة الإلهية المزعومة، واكتفى ببيان هذه الطريقة الغريبة في استرضاء الرب.
لكن لعلنا نكتشف السر حين ننقل للقارئ تعليق الآباء اليسوعيين على هذه القصة في حاشية نسخة الرهبانية اليسوعية، حيث يكشف لنا الآباء أن ما حصل من صفورة كان خداعاً للرب، وأنها نجحت في ذلك: "رواية غامضة بسبب اقتضابها وعدم وجود أي سياق في الكلام .. يجوز التكهن والقول بأن قلف موسى يجلب عليه غضب الله، وأن هذا الغضب سكن حين ختنت صفورة ابنها، وتظاهرت بختان موسى، فلمست عورته"، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
يشوع بن نون ﵇
وأما يشوع وصي موسى، فإن اسمه يقترن في التوراة بسلسلة من المجازر التي طالت النساء والأطفال والرجال والحيوان، وكنموذج لهذه المجازر نحكي قصة مجزرة أريحا التي لم ينج فيها سوى راحاب الزانية ومن يلوذ بها، وأما ما عداها فقد أمر يشوع: "وصعد الشعب إلى المدينة، كل رجل مع وجهه، وأخذوا المدينة، وحرّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف .. أحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها " (يشوع ٦/ ٢٠ - ٢٤).
ويستمر سفر يشوع في عرض سلسلة من المجازر التي طالت النساء والأطفال الأبرياء، وكل ذلك بأمر من يشوع، وحاشاه ﵇ " وأخذ يشوع مقيدة في ذلك اليوم وضربها بحد السيف، وحرّم ملكها هو وكل نفس بها، لم يبق شارداً. وفعل بملك مقيدة كما فعل بملك أريحا.
стр. 107
ثم اجتاز يشوع من مقيدة وكل إسرائيل معه إلى لبنة، وحارب لبنة، فدفعها الرب هي أيضا بيد إسرائيل مع ملكها، فضربها بحد السيف وكل نفس بها، لم يبق بها شارداً، وفعل بملكها كما فعل بملك أريحا.
ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لبنة إلى لخيش ونزل عليها وحاربها، فدفع الرب لخيش بيد إسرائيل، فأخذها في اليوم الثاني، وضربها بحد السيف، وكل نفس بها حسب كل ما فعل بلبنة، حينئذ صعد هورام ملك جازر لإعانة لخيش، وضربه يشوع مع شعبه، حتى لم يبق له شارداً.
ثم اجتاز يشوع وكل إسرائيل معه من لخيش إلى عجلون، فنزلوا عليها، وحاربوها، وأخذوها في ذلك اليوم، وضربوها بحد السيف، وحرّم كل نفس بها في ذلك اليوم حسب كل ما فعل بلخيش، ثم صعد يشوع وجميع إسرائيل معه من عجلون إلى حبرون، وحاربوها، وأخذوها وضربوها بحد السيف مع ملكها وكل مدنها وكل نفس بها، لم يبق شارداً حسب كل ما فعل بعجلون، فحرّمها وكل نفس بها.
ثم رجع يشوع وكل إسرائيل معه إلى دبير وحاربها، وأخذها مع ملكها وكل مدنها وضربوها بحد السيف، وحرّموا كل نفس بها، لم يبق شارداً، كما فعل بحبرون كذلك فعل بدبير وملكها وكما فعل بلبنة وملكها.
فضرب يشوع كل أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح وكل ملوكها، لم يبق شارداً، بل حرّم كل نسمة كما أمر الرب إله إسرائيل " (يشوع ١٠/ ٢٨ - ٤٠).
وقد رأينا بعد هذه السلسلة الطويلة من المجازر، والتي تذكر بمجازر اليهود اليوم كيف نسب السفر هذه المجازر المريعة إلى أمر الرب، فقال في آخره: " كما أمر الرب إله إسرائيل " (يشوع ١٠/ ٤٠).
стр. 108
داود ﵇
وأما داود ﵇ والذي يصفه القرآن بالأواب، فتخصه التوراة بقبائح لم تذكر لغيره، منها أنه لما أراد الزواج من ابنة شاول ملك إسرائيل الأول (طالوت) قدم إليه مهراً عجيباً فلقد "قام داود، وذهب هو ورجاله، وقتل من الفلسطينيين مائتي رجل، وأتى داود بغلفهم (الجلدة التي تقطع في الختان)، فأكملوها للملك لمصاهرة الملك " (صموئيل (١) ١٨/ ٢٧)، فما ذنب أولئك المساكين الذين قتلوا لغير جريرة ولا إثم.
ويحكي سفر صموئيل عن رقص النبي داود وتكشف عورته، وهو فرح باسترجاع التابوت من يد الفلسطينيين، وقد استاءت زوجه ميكال من هذا المنظر، واحتقرته لأجله " كان داود يرقص بكل قوته أمام الرب ... أشرفت ميكال بنت شاول من الكوة، ورأت الملك داود يطفر ويرقص أمام الرب، فاحتقرته في قلبها .. وقالت: ما كان أكرم ملك إسرائيل اليوم حتى تكشف اليوم في أعين إماء عبيده، كما يتكشف أحد السفهاء " (صموئيل (٢) ٦/ ١٤ - ٢٠).
ثم تحكي التوراة قصة داود مع أوريا الحثي وزوجته "وكان في وقت المساء إن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك، فرأى من على السطح امرأة تستحمّ. وكانت المرأة جميلة المنظر جداً، فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: أليست هذه بثشبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثّي؟ فأرسل داود رسلاً وأخذها، فدخلت إليه، فاضطجع معها وهي مطهّرة من طمثها، ثم رجعت إلى بيتها.
وحبلت المرأة، فأرسلت، وأخبرت داود، وقالت: إني حبلى. فأرسل داود إلى يوآب يقول: أرسل إلي أوريا الحثي، فأرسل يوآب أوريا إلى داود. فأتى أوريا إليه .. وقال داود لأوريا: انزل إلى بيتك واغسل رجليك. فخرج أوريا من بيت الملك، وخرجت وراءه حصة من عند الملك.
стр. 109
ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده، ولم ينزل إلى بيته. فأخبروا داود قائلين: لم ينزل أوريا إلى بيته. فقال داود لأوريا: أما جئت من السفر! فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود: إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي؟ وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الأمر.
فقال داود لأوريا: أقم هنا اليوم أيضاً، وغداً أطلقك، فأقام أوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده. ودعاه داود فأكل أمامه، وشرب، وأسكره. وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده، وإلى بيته لم ينزل، وفي الصباح كتب داود مكتوباً إلى يوآب وأرسله بيد أوريا. وكتب في المكتوب يقول: اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه، فيضرب ويموت" (صموئيل (٢) ١١/ ٢ - ٢٦).
وكان كما أراد، ومات أوريا، وضم داود تلك الزانية إلى زوجاته، ومنها أنجب سليمان، الذي يشرفه كتاب الأناجيل، فيجعلونه أحد أجداد المسيح.
ثم تحكي الأسفار عن مجازر يشيب لها الولدان فعلها داود بالعمويين، فقد " أخرج الشعب الذي فيها، ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد، وأمرَّهم في أتون الآجر، وهكذا صنع بجميع مدن عمون، ثم رجع داود وجميع الشعب إلى أورشليم " (صموئيل (٢) ١٢/ ٣١) (١)، وفي سفر الأيام "وأخرج الشعب الذين بها، ونشرهم بمناشير ونوارج حديد وفؤوس، وهكذا صنع داود لكل مدن بني عمون" (الأيام (١) ٢٠/ ٣). سبحانك هذا بهتان عظيم.
لكن العجب العجاب أن كل ما نسبته الأسفار زوراً إلى نبي الله داود، لم يمنعها من وصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال، فقد قال عنه الله: "وجدتُ داود بن يسّى رجلاً حسب قلبي، الذي سيصنع كل مشيئتي" (أعمال ١٣/ ٢٢)، وجعله المثل الأعلى والمقياس الأوفى الذي يوزن به ملوك بني إسرائيل، فقد ذكرت الأسفار أن الله لم يمزق مملكة سليمان إكراماً لأبيه الذي حفظ وصايا الله، فتقول: " ولا آخذ كل المملكة
стр. 110
من يده، بل أصيره رئيساً كل أيام حياته، لأجل داود عبدي، الذي اخترته، الذي حفظ وصاياي وفرائضي" (الملوك (١) ١١/ ٣٤).
ويؤكد سفر الملوك استقامة داود على فرائض الله، وتنعي على سليمان أنه لم يكن مثل أبيه الذي اتبع أوامر الله بالتمام، فتقول: "عمل سليمان الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه" (الملوك (١) ١١/ ٦).
ولم تعتبر أسفار التوراة أياً من الرزايا المنسوبة إلى داود ذنباً فيما عدا قصته مع امرأة أوريا الحثي، وأما مذابحه المزعومة التي صنعها للفلسطينيين جمعاً لمهر خطيبته ميكال أو محرقته ونشره لعظام العمويين، فذلك كله لا خطيئة فيه "داود عمل ما هو مستقيم في عيني الرب، ولم يحد عن شيء مما أوصاه به كل أيام حياته، إلا في قضية أوريا الحثّي" (الملوك (١) ١٥/ ٥).
سليمان ﵇
وأما سليمان النبي الحكيم الذي يشهد له القرآن والتوراة بالحكمة. (انظر الأيام (٢) ٢/ ١٢). فقد كان له نصيب أكبر في سلسلة المخازي التوراتية، فقد جعلته التوراة عابداً لأصنام نسائه اللاتي بلغن ألفاً، كما بنى المعابد لعبادتها، فغضب عليه الرب وسخط، تقول التوراة: "كانت له سبع مائة من النساء السيدات، وثلاث مائة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه، وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه.
فذهب سليمان وراء عشتورث إلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين، وعمل سليمان الشر في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه، حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين على الجبل الذي تجاه أورشليم، ولمولك رجس بني عمون، وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كنّ يوقدن ويذبحن لآلهتهنّ.