← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38191

هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم

منقذ السقار

Полный текст (133 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة الهدى والنور (٥) هل بشَّر الكتاب المقدس بمحمّد ﷺ ؟ د. منقذ بن محمود السقار

стр. 2

مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسل الله أجمعين، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وبعد: لا ريب أن نبوة نبينا محمد ﷺ أحد أهم مسألتين يحملهما المسلم إلى العالمين. فالمسلمون يرون في إثبات نبوته ﷺ تمام الأصل الأول من أصول دينهم، لذا كان لزاماً عليهم أن يدفعوا بحجتهم وبرهانهم في إثبات نبوته ﵊. والحق أن طرق إثبات نبوته ﷺ كثيرة ومتنوعة، ومن أهم هذه الطرق: البشارات التي صدرت عن الأنبياء السابقين، وهي تبشر بمقدم نبي خاتم يؤسس دين الله الذي ارتضاه إلى قيام الساعة ديناً. وتأتي أهمية هذا الطريق - الذي حرص المسلمون على الاهتمام به - في كونه يقيم الحجة على أهل الكتاب بما يعتقدونه من الكتب التي أشارت إلى مبعث هذا النبي قبل قرون متفاوتة في البعد. وأهل الكتاب من يهود ونصارى مقرون بوجود هذه البشارات، ومقرون بدلالتها على النبي الخاتم أو النبي العظيم القادم، لكنهم يصرون على أنه رجل من بني إسرائيل، يزعم النصارى أنه عيسى ابن مريم ﵇، بينما ما زال اليهود ينتظرونه، ونهدف هنا إلى إثبات أن هذا النبي المنتظر هو محمد ﷺ ، وليس غيره من الأنبياء الكرام.

стр. 3

أما الكتب التي وردت بها هذه البشارات فقد سبق لنا التعريف بحالها، واستشهادنا بها ليس تزكية لها، إنما هو غوص وتنقيب عن القليل من أثارة النبوة في سطورها، هذا القليل نؤمن به ولا نكذبه، إذ هو مصدق لما بين أيدينا، وقد قال ﷺ مثبتاً وجود حق في هذه الكتب: ((لا تسألوهم عن شيء، فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به ". (١) فإذا جاء في هذه الكتب ما تشهد له آيات القرآن ونصوص السنة، فهذا شهادة بأن ذا قد سلم من التحريف أو سلم من كثير منه ﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب﴾ (الرعد: ٤٣). وقد حوى الكتاب المقدس - رغم ما تعرض له من العبث والتحريف - الكثير من النبوءات المبشرة بالنبي الخاتم، والتي لم تتحقق، ونتساءل متى ستتحقق، وقد مرّ على مقدم المسيح ﵇ زهاء ألفي سنة من غير أن تتحقق هذه النبوءات؟ إن دعوى عدم تحقق هذه النبوءات مع تطاول الأيام يزري بالكتاب المقدس عند قارئيه. لذا فإننا نوجه دعوة صادقة للتمعن في نبوءات الكتاب وقراءتها قراءة جديدة في ضوء ظهور الإسلام ونبيه، ونحن على ثقة بأن ذلك سيفضي إلى كشف الحقيقة والإيمان بنبوة نبينا محمد ﷺ . ولا نقول ذلك رجماً بالغيب، بل هي الحقيقة التاريخية التي أعلن عنها كل من تبصر في أمر هذا النبي وأحواله، فقد شهد هرقل ملك الروم برسالته حين جاءه كتاب النبي فأرسل إلى روما يسأل عن خبر النبي الخاتم، فلما جاءه الرد قال لقومه: "يا معشر الروم: إني قد جمعتكم لخير، إنه قد أتاني كتاب من هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وإنه

стр. 4

والله للنبي الذي كنا ننتظره، ونحن نجده في كتبنا، فهلموا نتبعه ونصدقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا". وفي رواية البخاري أنه قال: " يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي" فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان. قال: "ردوهم علي"، وقال لهم: "إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيتُ" فسجدوا له ورضوا عنه. (١) ولئن كان هرقل قد نكل عن مقتضيات شهادته فلم يدخل في الإسلام - كحال الكثيرين ممن يعرفون الحق فيصمّون عن اتباعه - فإن النجاشي ملك الحبشة قد آمن بالنبي ﷺ ، وقال لأحبار مملكته: "يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد ما يقول هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، والذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه". (٢) وأكد سطوع البشارة به ﷺ في كتب أهل الكتاب إسلام العشرات المعتبرين من أهل الكتاب كالحسن بن أيوب والترجمان وزيادة النصب الراسي والقس عبد الأحد داود، وإبراهيم خليل، وموريس بوكاي وغيرهم كثير ..... ولسوف نسمي النبي القادم المبشر به في كثير من المواضع في بحثنا بالنبي المنتظر، أو المسيح المنتظر متابعة للأستاذ الدكتور أحمد حجازي السقا صاحب السبق في معالجة

стр. 5

هذا الموضوع، وجرياً على المصطلح الذي درج اليهود على استعماله، للدلالة على هذا النبي الموعود. واللهَ أسأل أن يشرح صدورنا لمعرفة هذا النبي، وأن يرزقنا الإيمان به، وأن يحشرنا يوم القيامة في لوائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ... د. منقذ بن محمود السقار مكة المكرمة - محرم - ١٤٢٥هـ ... mongiz@maktoob.com

стр. 6

مدخل إلى نبوءات الكتاب المقدس تطلق الأسفار المقدسة على النبي القادم أسماء شتى، فتسميه تارة الملك، وأخرى النبي، وتارة تلقبه بالمسِيّا وأخرى بالمسيح، بمعنى المخلص، فكل هذه الأسماء مترادفات تدل على النبي القادم، وهي في ذات الوقت أوصاف لهذا النبي العظيم. لكن يبقى تسميته بالمسيح أشهرها لما لهذا اللقب من أهمية عند بني إسرائيل. وقد يتمسك بعضهم بأحقية عيسى ﵇ بهذا الاسم من غيره، حيث لقب به ﵊، فنقول: إن تسمية عيسى ﵇ بالمسيح تسمية اصطلاحية ليست خاصة به، حيث كان اليهود يسمون أنبياءهم وملوكهم، بل وملوك غيرهم بهذا الاسم، لعادتهم في مسح ملوكهم وأنبيائهم بالزيت، ثم اعتادوا تسميتهم بالمسيح، ولو لم يمسحوا. وقد سمي كورش ملك فارس مسيحاً " يقول الرب لمسيحه لكورش " (إشعيا ٤٥/ ١). وكذا داود كانا مسيحاً "والصانع رحمة لمسيحه لداود" (المزمور ١٨/ ٥٠). وشاول الملك سمي مسيحاً، إذ لما أراد أبيشاي قتل شاول وهو نائم نهاه داود " فقال داود لأبيشاي: لا تهلكه فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويتبرّأ" (صموئيل (١) ٢٦/ ٧ - ٩). وكذلك جاء في سفر المزامير "لا تمسوا مسحائي، ولا تسيئوا إلى أنبيائي" (المزمور ١٠٥/ ١٥). وانظر حديث سفر الملوك عن الكهنة المسحاء. (انظر الملوك (٢) ١/ ١٠). فهذا اللقب الشريف ليس خاصاً بالمسيح عيسى ابن مريم عليه صلوات الله وسلامه، بل هو لقب يستحقه النبي القادم لما يؤتيه الله من الملك والظفر والبركة التي

стр. 7

فاقت بركة الممسوحين بالزيت من ملوك بني إسرائيل. والمسيح لقب للنبي القادم الذي كانت تنتظره بنو إسرائيل، لذا تساءل اليهود لما رأوا يوحنا المعمدان إن كان هو المسيح القادم " فاعترف ولم ينكر، وأقر: إني لست المسيح. فسألوه إذاً ماذا؟ إيّليا أنت؟ " (يوحنا ١/ ٢١ - ٢٢). كما استخدم هذا الاسم جموعُ اليهود حين رأوا معجزات عيسى ﵇، فقالوا: " ألعل المسيح (أي القادم) متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا! " (يوحنا ٧/ ٣٠ - ٣١). كما يطلق على النبي القادم المسِيّا، وهو لقب مرادف للفظة المسيح، فقد جاء في بيان ذلك في إنجيل يوحنا " مسِيّا الذي تفسيره: المسيح " (يوحنا ١/ ٤١)، فالكلمة السريانية: "ماشيح "، تنطق في اللغات التي ليس فيها حرف الحاء: "المسيّا". ولعل البعض يهتف مطالباً بالكشف عن النص الصريح الذي يبشر بمحمد ﷺ ، ويبين بجلاء اسمه وصفته التي لا ينازعه فيها أحد، وحُق له ذلك، لكن يحول دون تحقيقه أمران متعلقان بالكتاب المقدس وتراجمه، وهما لا يعزبان عن فهم المتضلعين في كتب القوم المقدسة، الذين يدركون السبب الذي أضاع أو أغمض كثيراً من البشارات الكتابية. أولهما: أن لأهل الكتاب عادة في ترجمة الأسماء إلى معانيها، فيوردون في الترجمة المعنى دون الاسم، وقد يزيدون تفسيراً للعبارة، ويقحمونه في النص. ولكم ضاع بسبب هذا الصنيع من دلالات واضحات، منها نبوءة المسيح عن البارقليط، والذي تسميه التراجم الحديثة: المعزي، ومنها بشارة النبي حجي بمقدم (محماد) التي ترجمها المترجمون بمشتهى، فضاعت الكثير من دلالات قول النبي حجي: "ويأتي مشتهى كل الأمم" (حجي ٢/ ٧).

стр. 8

ونحوه ما جاء في المزامير (٨٤/ ٦) عندما ذكرت المزامير اسم مدينة المسيح القادم، أسمتها: وادي بكة [???????? ????????]، وتقرأ: (بعيمق هبكا)، فترجمها المترجمون إلى العربية إلى وادي البكاء، وترجمتها نسخة الرهبانية اليسوعية إلى "وادي البَلَسان"؛ لتضيع دلالتها على كل عربي يعرف أن بكة هي بلد محمد ﷺ ﴿إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدًى للعالمين﴾ (آل عمران: ٩٦). وضرب رحمة الله الهندي في كتابه الماتع "إظهار الحق" لهذا الصنيع من المترجمين ثلاثة عشر مثالاً قارن فيها بين طبعات مختلفة للكتاب المقدس، ليقف منها على أثر هذا الصنيع في ضياع دلالات النصوص، منها: أنه جاء في الطبعة العربية (١٨١١م) " سمى إبراهيم اسم الموضع: مكان يرحم الله زائره " (انظر التكوين ٢٢/ ١٤) فاسم المكان العبراني أبدله المترجم بمعناه، وفي طبعة (١٨٤٤م) العربية قال: " دعا اسم ذلك الموضع:" الرب يرى"، وبذلك ضاع الاسم الصحيح، واختلفت المعاني، ومثله كثير .. ثم يقول رحمة الله الهندي: " فهؤلاء المترجمون لو بدلوا في البشارات المحمدية لفظ رسول الله بلفظ آخر، فلا استبعاد منهم ". وفي هذا الصدد نقل العلامة رحمة الله الهندي أيضاً عن حيدر القرشي صاحب كتاب " خلاصة سيف المسلمين " قوله: " إن القسيس أوسكان الأرمني ترجم كتاب إشعياء باللسان الأرمني في سنة ألف وستمائة وست وستين، وطبعت هذه الترجمة في سنة ألف وسبعمائة وثلاث وثلاثين في مطبعة أنتوني بورتولي، ويوجد في هذه الترجمة في الباب الثاني والأربعين هذه الفقرة: " سبحوا الله تسبيحاً جديداً، وأثر سلطنته على ظهره، واسمه أحمد " (إشعيا ٤٢/ ١٠ - ١١). (١)

стр. 9

ثانيهما: الكتاب المقدس كثير الاستعارات، تكثر فيه الرموز والإشارات خاصة فيما يتعلق بالمستقبل، يقول الدكتور سمعان كهلون في كتابه " مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين ": "وأما اصطلاح الكتاب المقدس فإنه ذو استعارات وافرة غامضة وخاصة العهد العتيق ". ويقول أيضاً: " واصطلاح العهد الجديد أيضاً هو استعاري جداً، وخاصة مسامرات مخلصنا، وقد اشتهرت آراء كثيرة فاسدة لكون بعض معلمي النصارى شرحوها شرحاً حرفياً ... ". (١) لذا ينبغي أن يدرك القارئ المشاق التي سنعانيها ونحن نبحث عن الكلمة الأصلية أو الاسم الذي أضاعه المترجمون، كما سيدرك القارئ - بثاقب فكره - طبيعة الكتاب المقدس في التعبير عن الحقائق عن طريق الاستعارة والإلغاز. هذه الصعوبة لن يشعر بها أولئك الذين يتفاخرون بأن كتابهم قد حوى الكثير من النبوءات التي تحققت فيما بعد كقيام الاتحاد السوفيتي وإسرائيل وحتى شخص كسينجر، وذلك كله عن طريق الإلغاز أو بحساب الجمّل أو سوى ذلك، ويقولون أيضاً بورود مئات النبوءات التي تشير إلى السيد المسيح، فإن النصارى يرون أن في العهد القديم ألف نبوءة عن المسيح. وهنا نتساءل هل من المعقول أن يخلو الكتاب المقدس من نبوءة عن ذلك الرجل الذي غيّر مسار التاريخ باسم الله، أما كان ينبغي أن يكون له في هذه النبوءات نصيب، ولو نبوءة واحدة تحذر من حاله ودعوته أو تبشر بها؟! والإجابة عن هذا السؤال صمت مطبق من أولئك الذين يدعون أنهم الوحيدون

стр. 10

المؤهلون لحل ألغاز ورموز هذا الكتاب واستخراج نبوءاته وفهم مراميه. لكن ظهور كلمة النبي ﷺ ودينه، يعتبر المفتاح الذي نلج به إلى نبوءات العهد القديم والجديد، ففي طيات أسفار التوارة نبوءة وميزان يكشف الدعي الكاذب، ويجليه بوصفه وحاله، يقول سفر التثنية " وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه ... فيموت ذلك النبي ... فلا تخف منه" (التثنية ١٨/ ٢٠ - ٢٢). وقد قال غملائيل الفريسي كلمة حق: "والآن أقول لكم: تنحوا عن هؤلاء الناس واتركوهم، لأنه إن كان هذا الرأي أو هذا العمل من الناس فسوف ينتقض، وإن كان من الله فلا تقدرون أن تنقضوه، لئلا توجدوا محاربين لله أيضاً " (أعمال ٥/ ٣٨ - ٣٩)، ودعوة نبينا لم تنتقض، بل ملأت الخافقين، وسادت الدنيا قروناً طوالاً. فسلامته ﷺ من القتل، وانتصاره على عدوه، وانتشار دعوته ودينه، دليل وبرهان على صدقه ورسالته " الرب يعلم طريق الأبرار، أما طريق الأشرار فتهلك" (المزمور ١/ ٦). وكذا قال: "وتهلك كل الذين يتكلمون بالكذب، رجل الدماء والغش يكرهه الرب" (المزمور ٥/ ٦)، لأن "المستقيمين يسكنون الأرض، والكاملين يبقون فيها، أما الأشرار فينقرضون من الأرض، والغادرون يستأصلون منها" (الأمثال ٢/ ٢١ - ٢٢). لقد دلت هذه النصوص على صدق رسول الله ﷺ في نبوته ورسالته، لسلامته من الأذى وتمام أمره ودينه وانتشار دعوته في العالمين.

стр. 11

الملك المنتظر في عام ٦٣ ق. م وقعت القدس وفلسطين بيد الرومان الوثنيين، ليبدأ - من جديد - اضطهاد آخر عانى منه بنو إسرائيل، بنو إسرائيل الذين كانوا يترقبون مخلصاً عظيماً يرد إليهم الملك الضائع والسؤدد الذي طال لهفهم وشوقهم إليه. لقد كانوا ينتظرون تحقق بشارة يعقوب وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء بالقادم المنتظر، فهم لا يمارون ولا يشكون في مقدم النبي الملك الظافر الذي يقود أتباعه إلى عز الدنيا وسعادة الآخرة، لذا لما بُعث المسيح العظيم، ورأوا ما أعطاه الله من المعجزات تعلق الكثيرون منهم بشخص المسيح، راجين أن يكون هو النبي المظفر العظيم، النبي المخلص، وهذا أمر يراه بجلاء الذي يتتبع أقوال معاصري المسيح من اليهود. وتنقل لنا الأسفار المقدسة قصص بعض أولئك الذين كانوا يترقبون الملك المظفر المنتظر، من هؤلاء سمعان، الذي وصفه لوقا: "كان الرجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان باراً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل، والروح القدس كان عليه" (لوقا ٢/ ٢٥)، فسمعان هذا أحد منتظري الخلاص. ومنهم نثنائيل الذي صارح المسيح بشعوره وظنه " أجاب نثنائيل وقال له: يا معلّم أنت ابن الله؟ أنت ملك إسرائيل؟ أجاب يسوع وقال له: هل آمنت لأني قلت لك .. " (يوحنا ١/ ٤٩ - ٥٠). ولما أشيع أن المسيح صلب حزن بعضهم لتخلف الخلاص المنشود في شخص المسيح، إذ تعرض المسيح بعد القيامة لتلميذين وهو متنكر "فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين، فأجاب أحدهما - الذي اسمه كليوباس - وقال له: هل أنت متغرب وحدك في أورشليم ولم تعلم الأمور التي حدثت فيها في هذه

стр. 12

الأيام، فقال لهما: وما هي؟ فقالا: المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب، كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت، وصلبوه، ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك" (لوقا ٢٤/ ١٧ - ٢١). لقد كانوا ينتظرون الخلاص على يديه كما كانت قد وعدت النصوص التوراتية بمقدم الملك الظافر الذي يخلص شعبه ويقودهم للنصر على الأمم، إذا بهم يسمعون بقتله وصلبه. وقال له التلاميذ بعد القيامة: " يا رب هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل؟ فقال لهم: ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه" (أعمال ١/ ٦ - ٧). أي أن هذا ليس هو وقت الملك المنتظر. يقول عوض سمعان: " إن المتفحصين لعلاقة الرسل والحواريين بالمسيح يجد أنهم لم ينظروا إليه إلا على أنه إنسان ... كانوا ينتظرون المسيّا، لكن المسيّا بالنسبة إلى أفكارهم التي توارثوها عن أجدادهم لم يكن سوى رسول ممتاز يأتي من عند الله ". (١) وقد سبق أن ظن شعب إسرائيل - المتلهف لظهور النبي العظيم المظفر - أن يوحنا المعمدان هو المسيح المنتظر "إذ كان الشعب ينتظر، والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا، لعله المسيح" (لوقا ٣/ ١٥). وهذه الجموع المتربصة للخلاص لما رأت المسيح قالوا فيه ما قالوه من قبل عن يوحنا المعمدان "قالوا للمرأة: إننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن، لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلّص العالم" (يوحنا ٤/ ٤٢). وأندرواس قال لأخيه سمعان مبشراً: " قد وجدنا مسِيّا، الذي تفسيره المسيح"

стр. 13

(يوحنا ١/ ٤١). لكنه - وكما يقول القس الخضري -: "لا يقصد بهذه العبارة إلا ما كان يقصده اليهودي المتدين الذي كان ينتظر مجيء المسيا الذي سيخلص ويحرر إسرائيل من العبودية الأجنبية، ثم ينعش الحياة الروحية". (١) والمراة السامرية لما رأته أعاجيبه " قالت له المرأة: أنا أعلم أن مسيّا - الذي يقال له المسيح - يأتي، فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء" (يوحنا ٤/ ٢٥ - ٣٠). وشاع هذا الخبر في بني إسرائيل حتى خشي رؤساء الكهنة من بطش الرومان إن عرفوا أن المسيح المنتظر العظيم المظفر قد ظهر في شخص عيسى، فسارعوا إلى الإيقاع به، متهمين إياه بإفساد الأمة وادعاء أنه المخلص المنتظر، " فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعاً، وقالوا: ماذا نصنع، فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة، إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به، فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمّتنا؟ فقال لهم واحد منهم، وهو قيافا، كان رئيساً للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئاً، ولا تفكرون، إنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب، ولا تهلك الأمة كلها " (يوحنا ١١/ ٤٧ - ٥٠). فقالوا لبيلاطس: " إننا وجدنا هذا يفسد الأمة، ويمنع أن تعطى جزية لقيصر قائلاً: إنه هو مسيح ملك، فسأله بيلاطس قائلاً: أنت ملك اليهود؟ فأجابه وقال: أنت تقول، فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: إني لا أجد علّة في هذا الإنسان" (لوقا ٢٣/ ٢ - ٤)، فقد ثبت لبيلاطس براءته مما اتهموه، إذ هو لم يدع أنه ملك اليهود المنتظر.

стр. 14

عدم فهم التلاميذ لنبوءات المسيح شغف كتاب الأناجيل بالنبوءات التوراتية، وعمدوا في تكلف ظاهر إلى تحريف معاني الكثير من النصوص التوراتية، ليجعلوا منها نبوءات عن المسيح، إن محبتهم للمسيح أو امتهانهم للتحريف قد جعلهم يخطئون في فهم كثير من النبوءات التي تحدثت عن المسيّا المنتظر. ومن صور ذلك أنه جاء في المزامير عن النبي القادم "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك" (المزمور ١١٠/ ١)، وهذه النبوءة بالمسيح المنتظر لا يراد منها المسيح ابن مريم بحال من الأحوال. وقد أخطأ بطرس - أو من نسبه إلى بطرس - حين فسرها بذلك، فقال: " لأن داود لم يصعد إلى السموات، وهو نفسه يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً " (أعمال ٢/ ٢٩ - ٣٧). ودليل الخطأ في فهم بطرس، وكذا فهم النصارى من بعده أن المسيح ﵇ أنكر أن يكون هو المسيح الموعود على لسان داود، "فيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلاً: ماذا تظنون في المسيح، ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود، قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة، ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة" (متى ٢٢/ ٤١ - ٤٦) لقد كان جواب المسيح مسكتاً، إن القادم ليس من ذرية داود بدليل أن داود جعله سيده، والأب لا يقول ذلك عن ابنه. فالمسيح ﵇ سأل اليهود عن المسيح المنتظر الذي بشر به داود وغيره من الأنبياء:

стр. 15

"ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ " فأجابوه: "ابن داود"، فخطأهم وقال: " فإن كان داود يدعوه رباً، فكيف يكون ابنه! "، فالمسيح القادم ليس من أبناء داود الذي وصفه بقوله: ربي أو سيدي. ومن المعلوم أن المسيح - حسب متى ولوقا هو من ذرية النبي داود -، وكثيراً ما نودي "يا ابن داود" (انظر متى١/ ١، ٩/ ٢٧، ولوقا ١٩/ ٣٨) وفي مرقس أن المسيح ﵇ قال: " كيف يقول الكتبة: إن المسيح ابن داود؟ لأن داود نفسه قال بالروح القدس: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، فداود نفسه يدعوه رباً، فمن أين هو ابنه؟! " (مرقس ١٢/ ٣٧). وهو ما ذكره لوقا أيضاً " وقال لهم: كيف يقولون: إن المسيح ابن داود، وداود نفسه يقول في كتاب المزامير: قال الرب لربي: اجلس عن يميني، حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، فإذا داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه! " (لوقا ٢٠/ ٤٠ - ٤٤)، ورغم هذا البيان يصر النصارى إلى يومنا هذا أن المسيح عيسى ﵇ هو من بشر به داود في نبوءته مع قولهم بأنه ابن داود! ونقل بولس (أو بالأحرى الكاتب المجهول للرسالة) في الرسالة إلى العبرانيين بشارة الله لداود بابنه سليمان، وجعلها نبوءة بالمسيح ﵇، فيقول: "كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثاً لكل شيء .. صائراً أعظم من الملائكة، بمقدار ما ورث اسماً أفضل منهم، لأنه لمن مِن الملائكة قال قط: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، وأيضاً أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً" (عبرانيين ١/ ٥). وقد اقتبس الكاتب العبارة الواردة في سفر صموئيل الثاني (٧/ ١٤)، وجعلها نبوءة عن المسيح، ففيه: "أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً " فقد ظن كاتب أن هذه العبارة نبوءة عن المسيح ﵇، فنقلها في رسالته.

стр. 16

إلا أن هذا الاقتباس غير صحيح، فالنص جاء في سياق الحديث إلى داود، فقد أمر الله النبي ناثان أن يقول لداود: "فهكذا تقول لعبدي داود ... متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم نسلك الذي يخرج من أحشائك، وأثبت مملكته، هو يبني بيتاً لاسمي، وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد، أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً، وإن تعوج أودبه بقضيب الناس وبضربات بني آدم ... كذلك كلم ناثان داود" (صموئيل (٢) ٧/ ٨ - ١٧). فالمتنبئ عنه يخرج من أحشاء داود، وليس من أحفاده، وهو يملك على بني إسرائيل بعد اضطجاع داود مع آبائه أي موته، وهو باني بيت الله، وهو متوعد بالعذاب إن مال عن دين الله، وكل هذا قد تحقق في سليمان كما تذكر التوراة. إن أياً من تلك المواعيد لم يتحقق في المسيح ﵇، فهو عندهم إله لا يصح أن يتوعد بالعذاب من الله، لأنه لا يخطئ أصلاً، كما أنه لم يبن لله بيتاً، ولم يملك على بني إسرائيل يوماً واحداً، ولم يثبت كرسي مملكته، لأنه لا مملكة له أصلاً في هذا العالم، كما أخبر هو، فقال: "أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يوحنا ١٨/ ٣٦). كما وقد جاء في سفر أخبار الأيام الأول أن اسم صاحب النبوءة يكون سليمان، فقد قال لداود: "هوذا يولد لك ابن، يكون صاحب راحة، وأريحه من جميع أعدائه حواليه، لأن اسمه يكون سليمان، فأجعل سلاماً وسكينة في إسرائيل في أيامه، هو يبني بيتاً لاسمي، وهو يكون لي ابناً، وأنا له أباً، وأثبت كرسي ملكه على إسرائيل إلى الأبد" (الأيام (١) ٢٢/ ٩). ومن تحريف الإنجيليين لنبوءات التوراة أو خطئهم في فهمها ما صنعه متى في

стр. 17

قوله عن المسيح وعودته من مصر إبان طفولته: " كان هناك إلى وفاة هيرودس، لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: من مصر دعوتُ ابني " (متى ٢/ ١٤ - ١٥)، فقد زعم أن ذلك يحقق النبوءة التوراتية التي في سفر هوشع (١١/ ١ - ٢). لكن النص الذي في هوشع لا علاقة له بالمسيح، فالنص يتحدث عن عودة شعب إسرائيل من مصر مع موسى، والحديث في أصل السياق عن يعقوب، ثم ينتقل للحديث عن أبنائه وعودتهم من مصر ثم عبادتهم للأوثان بعد ذلك وإعراضهم عن دعوات الله لهم، فيقول: " لما كان إسرائيل غلاماً أحببته، ومن مصر دعوت ابني، كلما دعوا ولوا وجوههم، وذبحوا لبعاليم، وقربوا للأصنام" (هوشع ١١/ ١ - ٢). فالنص لا علاقة له بالمسيح ﵇، فعبادة الأصنام التي يتحدث عنها النص حصلت قبل المسيح، ولا تنطبق على معاصري المسيح، لأن اليهود تابوا عن عبادة الأوثان قبل ميلاد المسيح بقرون، بعدما أطلقوا من أسر بابل، ثم لم يعودوا إليها بعد تلك التوبة كما هو معلوم في كتب التاريخ. واستخدام هذه الصيغة (ابني) في شعب بني إسرائيل معهود في التوارة، فقد جاء فيها: "عندما تذهب لترجع إلى مصر ... فتقول لفرعون: هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر، قلت لك: أطلق ابني ليعبدني " (الخروج ٤/ ٢١ - ٢٣). لقد عانى المسيح ﵇ طويلاً من سوء فهم التلاميذ لكلامه، وإبان حياته صحح لهم مراراً الكثير من أخطائهم في فهم النبوءات، بل وسائر الكلام. لقد عجزوا عن فهم البسيط من كلامه، فأنى لهم أن يفهموا النبوءات؟ فذات مرة " أوصاهم قائلاً: انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين وخمير هيرودس، ففكروا قائلين بعضهم لبعض: ليس عندنا خبز. فعلم يسوع، وقال لهم: لماذا تفكرون أن ليس عندكم خبز؟ ألا تشعرون بعد ولا تفهمون؟ أحتى الآن قلوبكم غليظة؟ ألكم

стр. 18

أعين ولا تبصرون؟ ولكم آذان ولا تسمعون ولا تذكرون؟ " (مرقس ٨/ ١٥ - ١٨)، كيف لا تفهمون أني ما عنيت الخبز الحقيقي بكلامي؟ وفي مرة أخرى كلمهم، فلم يفهموه " فقال كثيرون من تلاميذه إذ سمعوا: إن هذا الكلام صعب، من يقدر أن يسمعه؟ " (يوحنا ٦/ ٦٠). لقد كانوا يسيئون فهم البسيط من كلامه، ثم يستنكفون عن سؤاله عما أعجم عليهم، من ذلك ما زعمه مرقس حين قال: "كان يعلّم تلاميذه ويقول لهم: إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس، فيقتلونه، وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث، وأما هم فلم يفهموا القول، وخافوا أن يسألوه" (مرقس ٩/ ٣١ - ٣٢). ويمتد سوء الفهم وغلظة الذهن في فهم كلام الناموس حتى إلى أولئك المتعلمين والصفوة من بني إسرائيل، فها هو نيقوديموس يسيء فهم كلام المسيح ﵇ حين قال له: " الحق الحق أقول لك، إن كان أحد لا يولد من فوق، لا يقدر أن يرى ملكوت الله. قال له نيقوديموس: كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ؟ ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانية ويولد؟ .. أجاب يسوع وقال له: أنت معلّم إسرائيل ولست تعلم هذا! " (يوحنا ٣/ ٣ - ١٠)، لم يفهم معنى الولادة الروحية الجديدة وظن أن الولادة من فوق تقتضي أن يدخل الرجل مرة أخرى في بطن أمه! فلئن كان هذا حال معلم إسرائيل فماذا عساه يكون حال متى العشار أو يوحنا صياد السمك وبطرس، وهما تلميذان عاميان عديما العلم، كما شهد بذلك سفر أعمال الرسل " فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا " (أعمال ٤/ ١٣)، فإن تلاميذ المسيح جهال العالم كما أخبر بولس عن المسيح "يختار جهال العالم ليخزي الحكماء" (كورنثوس (١) ١/ ٢٧). وكثير من كلام المسيح ﵇ وأفعاله لم يفهم التلاميذ - إبان حياة المسيح - صلته

стр. 19

بالنبوءات التوراتية، ثم ظنوا بعد رفعه أنه كان نبوءات عن المسيح "ووجد يسوع جحشاً، فجلس عليه كما هو مكتوب: لا تخافي يا ابنة صهيون، هوذا ملكك يأتي جالساً على جحش أتان، وهذه الأمور لم يفهمها تلاميذه أولاً، ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه، وأنهم صنعوا هذه له" (يوحنا ١٢/ ١٤ - ١٦). (١) فقد غلب على كثير من بني إسرائيل لفرط شوقهم إلى المخلص الغالب المظفر، غلب على ظنهم أنه المسيح عيسى ﵇، "فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا: هذا بالحقيقة هو النبي، آخرون قالوا: هذا هو المسيح، وآخرون قالوا: ألعل المسيح من الجليل يأتي؟ ألم يقل الكتاب: إنه من نسل داود ومن بيت لحم القرية التي كان داود فيها يأتي المسيح؟ " (يوحنا ٧/ ٣٨ - ٤١). فالجموع أيضاً على اختلاف ثقافاتها كانت تحاول البحث عن الخلاص من خلال المسيح ﵇ "أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي، الذي يكون متسلطاً على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل، لذلك يسلّمهم إلي حينما تكون قد ولدت والدة، ثم ترجع بقية إخوته إلى بني إسرائيل، ويقف ويرعى بقدرة الرب بعظمة اسم الرب إلهه ويثبتون، لأنه الآن يتعظم إلى أقاصي الأرض، ويكون هذا سلاماً، إذا دخل أشور في أرضنا، وإذا داس في قصورنا نقيم عليه سبعة رعاة وثمانية من أمراء الناس، فيرعون أرض أشور بالسيف وأرض نمرود في أبوابها، فينقذ من أشور إذا دخل أرضنا وإذا داس تخومنا" (ميخا ٥/ ٢ - ٦). ومن المعلوم أن المسيح ﵇ لم يحقق هذه النبوءة التي كانوا يريدون، فقد كانوا يبحثون عمن يملك عليهم وينتقم ويخلص شعبه من الأشوريين، ويحل السلام في

стр. 20

ربوع اليهود. يقول بري عن المسيح ﵇ فيما نقله عنه أحمد شلبي -: واستطاع بفصاحته أن يجذب له كثيراً من أتباعه (الذين هم في الأصل يهوداً ينتظرون المسيح)، وهم منحوه هذا اللقب. لقد منحوه من عندياتهم ما لم يقله، كما سيمر معنا في حينه.

стр. 21

هل ادعى المسيح عيسى ﵇ أنه المسيح المنتظر ؟ وإذا كان كثيرون من معاصري المسيح ادعوا أن عيسى ﵇ هو المسيا المنتظر، كما قالوا من قبل عن يوحنا المعمدان، فهل ادعى عيسى أو قال لتلاميذه أنه المنتظر، وهل حقق ﵇ نبوءات المسيح المنتظر؟ ذات يوم سأل تلاميذه عما يقوله الناس عنه، ثم سألهم " فقال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب بطرس وقال له: أنت المسيح، فانتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه، وابتدأ يعلّمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً، ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل" (مرقس ٨/ ٢٩ - ٣١)، لقد نهرهم ونهاهم أن يقولوا ذلك عنه، وأخبرهم بأنه سيتعرض للمؤامرة والقتل، وهي بلا ريب عكس ما يتوقع من المسيح الظافر. أي أنه أفهمهم أنه ليس هو المسيح المنتصر الذي تنتظرون، والذي يوقنون أن من صفاته الغلبة والظفر والديمومة، لا الألم والموت. وفي رواية لوقا تأكيد ذلك "فأجاب بطرس وقال: مسيح الله، فانتهرهم، وأوصى أن لا يقولوا ذلك لأحد، قائلاً: إنه ينبغي أن ابن الإنسان يتألم" (لوقا ٩/ ٢٠ - ٢١)، وانتهاره التلاميذ ونهيهم عن إطلاق اللقب عليه ليس خوفاً من اليهود، فقد أخبر تلاميذه عن تحقق وقوع المؤامرة والألم، وعليه فلا فائدة من إنكار حقيقته لو كان هو المسيح المنتظر، لكنه منعهم لأن ما يقولونه ليس هو الحقيقة. لكن بطرس كبير الحواريين رفض الإذعان لهذه الحقيقة، وهي أن المسيح هو العبد المتألم المتعرض للقتل، ليس الملك الظافر المنتظَر، فاندفع يؤنب المسيح على ما يسوقه من خبر عن نفسه، ولندع الكلام لمتى وهو ينقل لنا هذا المشهد بقوله: "ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويقتل، وفي اليوم الثالث يقوم، فأخذه بطرس إليه، وابتدأ ينتهره قائلاً:

стр. 22

حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا". فواجهه المسيح بصرامة تناسب أهمية الموضوع الذي يحتج عليه "فالتفت وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان، أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله، لكن بما للناس" (متى ١٦/ ٢١ - ٢٣). هذا الذهول الذي وقع لبطرس أصاب سائر التلاميذ، فقد سمعوه يقول: " وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع، قال هذا مشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يموت" فاندفعوا يعبرون عن استنكارهم لفكرة المسيح المتألم المقتول، وتساءلوا مستنكرين: هل كان المسيح يتحدث عن نفسه، "أجابه الجمع: نحن سمعنا من الناموس أن المسيح يبقى إلى الأبد، فكيف تقول أنت: إنه ينبغي أن يرتفع ابن الإنسان، من هو هذا ابن الإنسان؟! " (يوحنا ١٢/ ٣٤)، لقد صدمتهم الحقيقة التي يصرح لهم بها المسيح، إنها تهدم كل أوهامهم عنه في أنه المسيا العظيم الظافر الذي طال انتظار اليهود إليه. ويوافقنا القس الخضري في أن المسيح ﵇ ليس المسيّا الظافر الذي ينتظره اليهود، لكنه المسيا الروحي، ثم يلفت أنظارنا "إلى حقيقة في غاية الأهمية، وهي أن يسوع كان يحاول جاهداً أن يخفي نفسه كمسيا عن الجماهير، لذلك عندما كان يلاحظ وجود بعض الثغرات التي من خلالها كان يمكن للجماهير أن تراه كمسيا؛ كان يسرع لإغلاقها". (١) يقول الأب متى المسكين: "التلاميذ جمعوا من الأدلة في حياة المسيح ما يؤكد لهم أنه المسيا، ولكن كل مرة يحاولون أن يثيروا هذا الافتراض يمنعهم المسيح .. فإخفاء

стр. 23

المسيح لمسيانيته أرهق العلماء للغاية، وقالوا فيه ما قالوا". (١) وهو ﵇ حرص على نفي كونه المسيا مرة بعد مرة "فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم، وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً انصرف أيضاً إلى الجبل وحده" (يوحنا ٦/ ١٤ - ١٥). لماذا هرب؟ لأنه ليس الملك المنتظر، وهم مصرون على تمليكه لما يرونه من معجزاته ﵇، ولما يجدونه في أنفسهم من شوق وأمل بالخلاص من ظلم الرومان. يقول القس الخضري: "إن جماعة الغيورين كانت تنتظر المسِيّا السياسي، وعندما رأت يسوع الذي يعظ بملكوت الله القريب؛ ظنت أنه هو فعلاً ذلك المسيا السياسي، ولذلك أرادت أن تختطفه، وتنصبه ملكاً على حزب الغيورين، لكي يكون زعيماً لهم، فيجمع شملهم ويدعم صفوفهم، ولكن المسيا يسوع ينصرف وحده إلى الجبل، لأن ملكوته ليس من هذا العالم، ولا يريد هذا الملك الذي يتقاتل ويتحارب عليه الناس". (٢) وذات مرة قال فيلبس لصديقه نثنائيل: "وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة". فجاء نثنائيل إلى المسيح ﵇ وسأله " وقال له: يا معلّم أنت ابن الله؟ أنت ملك إسرائيل؟ أجاب يسوع وقال له: هل آمنت لأني قلت لك: إني رأيتك تحت التينة، سوف ترى أعظم من هذا" (يوحنا ١/ ٤٥ - ٥٠)، فقد أجابه بسؤال، وأعلمه أنه سيرى المزيد من المعجزات، ولم يصرح له أنه الملك المنتظر. وفي بلاط بيلاطس نفى أن يكون الملك المنتظر لليهود، كما زعموا وأشاعوا

стр. 24

"أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يوحنا ١٨/ ٣٦)، فمملكته روحانية، في الجنة، وليست مملكة اليهود المنتظرة، المملكة الزمانية المادية، التي يخشاها الرومان، و"المعروف من النبوات أن مسِيا سيكون ملكاً وكاهناً". (١) لذلك ثبتت براءته من هذه التهمة في بلاط بيلاطس الذي سأله قائلاً ": أنت ملك اليهود؟ فأجابه وقال: أنت تقول، فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: إني لا أجد علّة في هذا الإنسان" (لوقا ٢٣/ ٢ - ٤)، فجواب المسيح لا يمكن اعتباره بحال من الأحوال إقراراً، فهو يقول له: أنت الذي تقول ذلك، ولست أنا، وقد اقتنع بيلاطس ببراءته فقال: " أنا لست أجد فيه علة واحدة" (يوحنا ١٨/ ٣٨). وفي إنجيل يوحنا أن المسيح بيّن لبيلاطس أن سبب إرساليته الشهادة للحق وليس التملك على البشر، فقد قال: " أنت تقول: إني ملك، لهذا قد ولدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم، لأشهد للحق، كل من هو من الحق يسمع صوتي" (يوحنا ١٨/ ٣٧). وممن أدرك أن عيسى ﵇ ليس المسيح المنتظر يهوذا الأسخريوطي الذي يرى القس الخضري أن سبب خيانته للمسيح أنه كان من طائفة الغيورين التي تحلم بمجيء المسيا القادم الظافر، فتبددت آماله، وساورته شكوك في مسيانية المسيح " بعد أن سمع في كفر ناحوم عظة السيد عن خبز الحياة الذي سيكون طعاماً للآخرين، فكيف يمكن أن يكون المسيا ذبيحة، ونحن نريد مسيا عسكرياً قوياً يحرر من العدو؟ ولقد ازدادت شكوكه في مسيانية يسوع عندما سمعه يأمر بطرس بدفع الجزية للمستعمر

стр. 25

(متى ١٧/ ٢٤ - ٢٧) ". (١) وثمة آخرون أدركوا أنه ليس المسيح المنتظر مستدلين بمعرفتهم بأصل المسيح عيسى ونسبه وقومه، بينما المنتظر القادم غريب لا يعرفه اليهود "قال قوم من أهل أورشليم: أليس هذا هو الذي يطلبون أن يقتلوه، وها هو يتكلم جهاراً، ولا يقولون له شيئاً، ألعل الرؤساء عرفوا يقيناً أن هذا هو المسيح حقاً؟ ولكن هذا نعلم من أين هو، وأما المسيح فمتى جاء لا يعرف أحد من أين هو" (يوحنا ٧/ ٢٥ - ٢٧)، ذلك أن المسيح القادم غريب عن بني إسرائيل. وقد أكد المسيح صدق العلامة التي ذكروها للمسيح الغائب، فقال في نفس السياق: "فنادى يسوع وهو يعلّم في الهيكل قائلاً: تعرفونني، وتعرفون من أين أنا، ومن نفسي لم آت، بل الذي أرسلني هو حق، الذي أنتم لستم تعرفونه، أنا أعرفه لأني منه وهو أرسلني ... فآمن به كثيرون من الجمع، وقالوا: ألعل المسيح متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا! " (يوحنا ٧/ ٢٥ - ٣١)، فذكر المسيح أنه رسول من عند الله، وأنه ليس الذي ينتظرونه، فذاك لا يعرفونه. وقد آمن به الذين كلمهم، وفهم من المؤمنون أنه ليس المسيح المنتظر، فتأمل قول يوحنا: "فآمن به كثيرون من الجمع، وقالوا: ألعل المسيح متى جاء يعمل آيات أكثر من هذه التي عملها هذا؟ " (يوحنا ٧/ ٣٠ - ٣١). وعيسى ﵇ هو ابن داود كما في نسبه الذي ذكره متى ولوقا، وقد دعي مراراً " يا يسوع ابن داود" (مرقس ١٠/ ٤٧)، (وانظر متى ١/ ١، ٢٠/ ٣١، ولوقا ١٨/ ٢٨، وغيرها).

стр. 26

أما المسيح المنتظر، الملك القادم فليس من ذرية داود، كما شهد المسيح بذلك "فيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلاً: ماذا تظنون في المسيح، ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود، قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة، ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة" (متى ٢٢/ ٤١ - ٤٦)، فالمسيح ﵇ يشهد بصراحة أنه ليس المسيح المنتظر. والمسيح ﵇ لا يمكن أن يحقق النبوءات المبشرة بالملك العظيم القادم، ولا يمكن أن يصبح ملكاً على كرسي داود وغيره، لأنه من ذرية الملك الفاسق يهوياقيم بن يوشيا، أحد أجداد المسيح كما في سفر الأيام الأول " بنو يوشيا: البكر يوحانان، الثاني يهوياقيم، الثالث صدقيا، الرابع شلّوم. وابنا يهوياقيم: يكنيا ابنه، وصدقيا ابنه" (الأيام (١) ٣/ ١٤ - ١٥)، فيهوياقيم جد للمسيح (حسب روايات الكتاب المقدس)، واسم يهوياقيم أسقطه متى من نسبه المزعوم للمسيح، بين يوشيا وحفيده يكنيا. وقد حرم الله الملك على ذريته كما ذكرت التوراة " قال الرب عن يهوياقيم ملك يهوذا: لا يكون له جالس على كرسي داود، وتكون جثته مطروحة للحر نهاراً وللبرد ليلاً ... " (إرميا ٣٦/ ٣٠)، فكيف يقول النصارى - الذين يزعمون أن المسيح من ذرية يكينيا ابن الفاسق يهوياقيم - بأن الذي سيملك ويحقق النبوءات هو المسيح؟! ثم إن التأمل في سيرة المسيح ﵇ وأقواله وأحواله يمنع أن يكون هو الملك القادم، الملك المنتظر، فالمسيح لم يملك على بني إسرائيل يوماً واحداً، وما حملت رسالته أي خلاص دنيوي لبني إسرائيل، كذاك النبي الذي ينتظرونه، بل كثيراً ما هرب المسيح خوفاً من بطش اليهود، فأين هو من الملك الظافر الذي يوطِئه الله هامات أعدائه، وتدين الأرض له ولأمته.

стр. 27

فالنبي الآتي يسحق ملوك وشعوب زمانه كما أخبر يعقوب "يأتي شيلون، وله يكون خضوع شعوب" (التكوين ٤٩/ ١٠)، وقال عنه داود: "تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار، جلالك وبهاءك، وبجلالك اقتحم. اركب من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف، نبلك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوب تحتك يسقطون. كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك " (المزمور ٤٥/ ١ - ٦). أما المسيح عيسى ﵇ فكان يدفع الجزية للرومان "ولما جاءوا إلى كفر ناحوم تقدم الذين يأخذون الدرهمين إلى بطرس وقالوا: أما يوفي معلمكم الدرهمين؟ قال: بلى، فلما دخل البيت سبقه يسوع قائلاً: ماذا تظن يا سمعان، ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية أمن بنيهم أم من الأجانب؟ قال له بطرس: من الأجانب، قال له يسوع: فإذاً البنون أحرار، ولكن لئلا نعثرهم اذهب إلى البحر، وألق صنارة، والسمكة التي تطلع أولاً خذها، ومتى فتحت فاها تجد أستاراً، فخذه وأعطهم عني وعنك" (متى ١٧/ ٢٤ - ٢٧)، فأين حال دافع الجزية من الملك الذي تسقط تحت قدميه شعوب خاضعة ذليلة لسلطانه. والمسيح ﵇ رفض أن يكون قاضياً بين اثنين يختصمان، فهل تراه يدعي الملك والسلطان، "قال له واحد من الجمع: يا معلّم، قل لأخي أن يقاسمني الميراث، فقال له: يا إنسان من أقامني عليكما قاضياً أو مقسّماً!؟ " (لوقا ١٢/ ١٣ - ١٤). ولئن أصر النصارى على مخالفة الكتاب فقالوا: المسيح هو الملك الموعود الظافر الذي تخضع له الشعوب، وأن ذلك سيحققه حال عودته الثانية، فإن ذلك مما تدحضه النبوءة التي ذكرها الملاك لمريم، حيث أخبرها أن المسيح سيملك على بيت يعقوب فحسب، فغاية ما يمكن أن يملك عليه هو شعب إسرائيل، فقد قال لها الملاك:

стр. 28

" ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية" (لوقا ١/ ٣٣)، فيما المسيح الموعود "له يكون خضوع شعوب" (التكوين ٤٩/ ١٠)، و " شعوب تحتك يسقطون " (المزمور ٤٥/ ٥)، فملكه أعظم من مملكة بني إسرائيل. ويجدر هنا أن ننبه إلى أن وعد الله لبني إسرائيل بالملك القادم على كرسي داود وعد مشروط بطاعتهم لله وعملهم وفق مشيئته، كسائر وعود الله لبني إسرائيل، فالله لا يحابي أحداً من خلقه، فيخصهم بما لا يستحقونه. لقد نقض بنو إسرائيل عهودهم مع الله مراراً وتكراراً، فرفضهم الله إلى الأبد "لماذا رفضتنا يا الله إلى الأبد! لماذا يدخن غضبك على غنم مرعاك! اذكر جماعتك التي اقتنيتها منذ القدم وفديتها " (المزمور ٧٤/ ١ - ٢)، لقد رفض الله هذه الأمة العاتية القاسية، وكان رفضه لها أبدياً، فلن يكون لهم الملك الموعود، لأنهم لم يوفوا بشرط وميثاق الله العظيم. وقد يشكل في هذا الباب ما جاء في قصة المرأة السامرية التي أتت المسيح ورأت أعاجيبه وآياته، فأخبرته بإيمانها بمجيء المسيا، فكان جوابه لها أنه هو المسيا، " قالت له المرأة: أنا أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي، فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء، قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو" (يوحنا ٤/ ٢٥ - ٢٦). ولست أشك في وقوع التحريف في هذه العبارة، بدليل أن هذا النص يخالف ما عهدناه من المسيح، وبدليل أن أحداً من التلاميذ - بما فيهم يوحنا كاتب القصة - لم يكن يسمع حديثه، وهو يتحدث مع المرأة، فلا يعرفون عن موضوع الحديث بينهما " قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو، وعند ذلك جاء تلاميذه وكانوا يتعجبون أنه يتكلم مع امرأة. ولكن لم يقل أحد: ماذا تطلب؟ أو لماذا تتكلم معها " (يوحنا ٤/ ٢٦ - ٢٧)،

стр. 29

فهم لم يسمعوا حديثهما ولم يسألوه عما جرى بينهما. وأوضح الأدلة على وقوع التحريف في هذه القصة أن المرأة التي رأت أعاجيبه، وقال لها هذا القول المدعى، لم تكن تؤمن أنه المسيح المنتظر، لأنها لم تسمع منه ذلك، ولو سمعته لآمنت وصدقت، فقد انطلقت تبشر به، وهي غير متيقنة أنه المسيح المنتظر "فتركت المرأة جرتها، ومضت إلى المدينة وقالت للناس: هلموا انظروا إنساناً قال لي كل ما فعلت، ألعل هذا هو المسيح؟ " (يوحنا ٤/ ٢٨ - ٢٩). ومما تقدم ظهر جلياً أن المسيح ﵇ لم يدع أنه المسيح الذي تنتظره اليهود، وإن زعم ذلك بعض معاصريه، الذين كانوا يتوقون للمخلص العظيم الذي يسلطه الله على أعدائه. وقد صدق بولتمان في كتابه "يسوع" حين قال: "إن يسوع لم يعتبر نفسه المسيا"، ووافقه الكثير من العصريين كما نقل عنهم الأسقف برنار بارتمان، فقالوا " بأن يسوع لم يعتبر نفسه المسيا، بل إن التلاميذ هم الذين أعطوه هذا اللقب بعد موته وقيامته من الاموات، الأمر الذي كان يرفضه بشدة أثناء حياته على الأرض". ونختم بقول شارل جنيبر: "والنتيجة الأكيدة لدراسات الباحثين، هي: أن المسيح لم يدع قط أنه هو المسيح المنتظر، ولم يقل عن نفسه إنه ابن الله ". (١)

стр. 30

هل قال محمد ﷺ عن نفسه أنه النبي المنتظر ؟ رأينا أن المسيح ﵇ لم يدع أنه النبي المنتظر، فهل أخبر محمد ﷺ أنه ذلك النبي الموعود، الذي بشرت به الأنبياء؟ إن وجود البشارة بالنبي ﷺ في كتب الأنبياء من أهم ما أكدت عليه النصوص القرآنية والنبوية، التي أخبرت أنه ما من نبي إلا وذكّر أمته بأمر هذا النبي، وأخذ عليهم في ذلك الميثاق لئن بعث محمد ﷺ ليؤمنن به، قال تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (آل عمران: ٨١) وقال علي ﵁: (ما بعث الله نبياً آدم فمن دونه إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه). (١). ومن هؤلاء الأنبياء المبشرين بالنبي القادم النبي إبراهيم ﵇، حيث دعا ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾ (البقرة: ١٢٩). ومنهم عيسى ﵇ ﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (الصف: ٦). وقد قال ﷺ : ((إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم

стр. 31

بأول أمري: أنا دعوة إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج منها نور ساطع أضاءت منه قصور الشام)). (١) ولما كان اهتمام الأنبياء بالنبي الخاتم بالغاً كان من الطبيعي أن تتحدث كتبهم عنه وعن صفاته وأحواله. وقد أكد القرآن الكريم على وجود البشارة بنبينا في كتب اليهود والنصارى فقال: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ (الأعراف: ١٥٧). وقال الله تعالى مخبراً وجود النبوءات عن النبي محمد ﷺ وعن أمته وأصحابه في التوراة والإنجيل: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً﴾ (الفتح: ٢٩) ولم يخبر القرآن الكريم- بالتفاصيل - عن صفات رسول الله وأحواله المذكورة في كتب أهل الكتاب، لكنه أخبر عن حقيقة مهمة، وهي أن أهل الكتاب يعرفون رسول الله ﷺ معرفتهم أبناءهم، لكثرة ما حدثتهم الأنبياء والكتب عنه ﷺ ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ (الأنعام:٢٠)

стр. 32

وهذه المعرفة ولا ريب تصدر عن كثرة أو وضوح البشارات الواردة في كتبهم عنه ﵊. وسنحاول خلال الصفحات القادمة تلمس بعض هذه النبوءات، راجين أن نوفق في إزالة الكثير مما أصابها من غبار التحريف، محترزين عن الكثير من سوء الفهم الذي وقع فيه النصارى في فهم هذه النبوءات.

стр. 33

ذرية إسماعيل المباركة خرج إبراهيم ﵇ من أرض العراق واتجه إلى الأرض المباركة، أرض فلسطين، وتذكر التوراة أن عمره حينذاك الخامسة والسبعين، ولما يولد له ولد، وخرج بعد أن بشره الله بأن قال: "أجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة ... وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" (التكوين ١٢/ ٢ - ٣). وفي أرض فلسطين حملت هاجر - مولاة سارة - بابنها إسماعيل ﵇، وتذكر التوراة غِيرة سارة من هاجر وقد أضحى لها ذرية، فيما حرمت سارة الولد والذرية حتى ذلك الحين. عندها أذلت سارة هاجر، فهربت هاجر من وجه مولاتها " فقال لها ملاك الرب: ارجعي إلى مولاتك واخضعي تحت يديها. وقال لها ملاك الرب: تكثيراً أكثر نسلك فلا يعد من الكثرة، وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى فتلدين ابناً، وتدعين اسمه: إسماعيل، لأن الرب قد سمع لمذلتك، وإنه يكون إنساناً وحشياً (١)، يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن " (التكوين ١٦/ ١١ - ١٢)، لقد بشرها الملاك بابن عظيم يسود على كل أحد، لكنه أحياناً يكون على خلاف ذلك، فيتسلط عليه كل أحد. وولدت هاجر ابنها إسماعيل ﵇، فكان بكراً لإبراهيم ﵇، "وكان أبرام ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل" (التكوين ١٦/ ١٦). ولما بلغ إبراهيم التاسعة والتسعين تجددت البركة من الله لإبراهيم " قال له: أنا

стр. 34

الله القدير. سر أمامي وكن كاملاً، فأجعل عهدي بيني وبينك، وأكثرك كثيراً جداً .. أجعلك أباً لجمهور من الأمم، وأثمرك كثيراً جداً، وأجعلك أمماً، وملوك منك يخرجون، وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهداً أبدياً ... " (التكوين ١٧/ ١ - ٨). وابتلى الله إبراهيم ﵇، فأمره بذبح ابنه الوحيد يومذاك، إسماعيل، فاستجاب وابنه، وامتثلا لأمر الله، وحينها "نادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء، وقال: بذاتي أقسمت، يقول الرب: إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك، أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيراً، كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه" (التكوين ٢٢/ ١ - ١٧). وطلب إبراهيم ﵇ من الله الصلاح في ابنه إسماعيل: " قال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك" (التكوين ١٧/ ١٨). فاستجاب الله له وبشره بالبركة فيه وفي ابن آخر يهبه الله له، فقد بشره بميلاد إسحاق من زوجه سارة فقال: " وأباركها وأعطيك أيضاً منها ابناً، أباركها فتكون أمماً، وملوك شعوب منها يكونون ... وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده. وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره، وأكثره كثيراً جداً، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة " (التكوين ١٧/ ١٦ - ٢٠). وقد كان إسحاق ﵇ أصغر من إسماعيل ﵇ بأربع عشرة سنة "وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه" (التكوين ٢١/ ٥). وقد ولد لإبراهيم أبناء آخرون من زوجته قطورة، لكن الله لم يعده بالبركة فيهم "عاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قطورة، فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان

стр. 35

ويشباق وشوحا" (التكوين ٢٥/ ١ - ٢)، ولم يخرج من نسلهم أنبياء لعدم الوعد فيهم بالبركة. وهذا الذي تذكره التوراة يتفق إلى حد كبير مع ما يقوله القرآن، فالقرآن يقرر بركة وعهداً لإبراهيم في صالحي ذريته من ابنيه المباركين إسماعيل وإسحاق، حيث يقول: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾ (البقرة: ١٢٤). وذكر الله بركة الابنين وأن من ذريتهما صالح مستحق للعهد، وظالم ليس له من العهد شيء فقال عن إسماعيل: ﴿وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين﴾ (الصافات: ١١٣). وهذا يتفق مع ما جاء في التوراة التي نصت على أن العهد والاصطفاء مشروط بالعمل الصالح، والبركة التي أُعطيها إبراهيم إنما هي بسبب عمله الصالح، "تتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أن إبراهيم سمع لقولي، وحفظ ما يحفظ لي أوامري وفرائضي وشرائعي" (التكوين ٢٦/ ٤). وتتوالى البركة في ذريته وفق هذا الشرط "سر أمامي وكن كاملاً فأجعل عهدي .. " (التكوين ١٧/ ١ - ٢)، وكما قال عنه وعن ذريته المباركة: " إبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية، ويتبارك به جميع أمم الأرض، لأني عرفته، لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب، ليعملوا براً وعدلاً، لكي يأتي الرب لإبراهيم بما تكلم به " (التكوين ١٨/ ١٨ - ١٩)، فالعمل بوصايا الله هو سبب هذه البركة، وقد قال الله لإبراهيم: "ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي" (التكوين ٢٢/ ١٨). ووفق هذا الشرط كانت البركة والعهد لأبناء لاوي " إني أرسلت إليكم هذه

стр. 36

الوصية، لكون عهدي مع لاوي قال رب الجنود. كان عهدي معه للحياة والسلام، وأعطيته إياهما للتقوى، فاتقاني، ومن اسمي ارتاع هو، شريعة الحق كانت في فيه، وإثم لم يوجد في شفتيه، سلك معي في السلام والاستقامة، وأرجع كثيرين عن الإثم " (ملاخي ٢/ ٤ - ٧). فبركة الله إنما تكون للصالحين، ولعنته هي نصيب الكافرين، كما قال الله لموسى: " انظر. أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة، البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها اليوم، واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم، لتذهبوا وراء آلهة أخرى لم تعرفوها" (التثنية ١١/ ٢٦ - ٢٨). كما قال الله له أيضاً: "فاحفظ الوصايا والفرائض والأحكام التي أنا أوصيك اليوم لتعملها، ومن أجل أنكم تسمعون هذه الأحكام وتحفظون وتعملونها، يحفظ لك الرب إلهك العهد والإحسان اللذين أقسم لآبائك، ويحبك ويباركك ويكثرك، ويبارك ثمرة بطنك وثمرة أرضك " (التثنية ٧/ ١١ - ١٣)، و (انظر: التثنية ٢٨/ ١ - ٦٨) وهكذا فالبركة مشروطة بطاعة الله والاستقامة على دينه، فإذا ما نكَل بنو إسرائيل عنها حاقت عليهم اللعنة والبوار. وبالفعل بدأت بركة إبراهيم بابنه الثاني إسحاق، وذلك لا يعني حرمان إسماعيل من نصيبه من البركة "ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق، الذي تلده لك سارة في هذا الوقت، في السنة الآتية " (التكوين ١٧/ ٢١). وتذكر التوراة أنه بعد فطام سارة لإسحاق، هاجرت هاجر وابنها، وأنها " مضت وتاهت في برية بئر سبع، ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار .. ونادى ملاك الله هاجر .. قومي احملي الغلام، وشدي يدك به، لأني سأجعله أمة عظيمة، وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء .. وكان الله مع الغلام فكبر، وسكن في

стр. 37

البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر " (التكوين ٢١/ ١٧ - ٢١). ويتجاهل النص التوراتي خصوصية إسماعيل في نبع ماء زمزم المبارك في مكة المكرمة، ويرى قصة الهجرة في صحراء بئر سبع جنوب فلسطين، ثم يسميها برية فاران. (١) ونعود للبركة الموعودة في ابني إبراهيم، فما هي البركة التي جعلها الله في إسحاق وإسماعيل؟ هي بلا ريب بركة النبوة والكتاب والملك بأمر الله والظهور باسمه ﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين﴾ (الجاثية: ١٦). ويعتبر اليهود والنصارى من بعدهم أن الوعد في إسحاق وعد أبدي لن ينتقل إلى غيرهم، فقد قيل: "فقال الله: بل سارة امرأتك تلد لك ابناً، وتدعو اسمه إسحاق. وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً، لنسله من بعده ... ولكن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية" (التكوين ١٧/ ١٩ - ٢١)، فقد فهموا من كلمة (أبدياً) أن العهد لبني إسرائيل إلى يوم القيامة، وأنه غير مشروط ولا متعلق بصلاحهم وانقيادهم لأمر الله. لكن كلمة (الأبد) لا تعني بالضرورة الاستمرار إلى قيام الساعة، بل تعني طول

стр. 38

الفترة فحسب، ومثل هذا الاستخدام معهود في التوراة، يقول سفر الملوك: "فبرص نعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد" (الملوك (٢) ٥/ ٢٧)، فالأبدية هنا غير مقصودة، وإلا لزم أن نرى ذريته اليوم أمة كبيرة تتوالد مصابة بالبرص. وفي سفر الأيام "وقال لي: إن سليمان ابنك، هو يبني بيتي ودياري، لأني اخترته لي ابناً، وأنا أكون له أباً، وأثبت مملكته إلى الأبد" (الأيام (١) ٢٨/ ٦)، وقد انتهت مملكتهم منذ ما يربو على ألفين وخمسمائة سنة على يد بختنصر البابلي، فالمراد بالأبدية الوقت الطويل فحسب. ووقتَّ سفر التثنية الأبدية بما يساوي عشرة أجيال، فقال: "لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر، لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد، من أجل أنهم لم يلاقوكم بالخبز والماء" (التثنية ٣٣/ ٣ - ٤)، فالجيل الحادي عشر للمؤابي غير محروم من جماعة الرب، وهو دون الأبد والقيامة. ومثله قول دانيال لنبوخذ نصر: "فتكلم دانيال مع الملك: يا أيها الملك عش إلى الأبد" (دانيال ٦/ ٢١)، أي عش طويلاً. نعم لقد استبدلت البركة باللعن والطرد، فقد رذلهم الله واستبدلهم بغيرهم بعد أن تنكروا لشرعه ودينه " والآن إليكم هذه الوصية أيها الكهنة، إن كنتم لا تسمعون ولا تجعلون في القلب لتعطوا مجداً لاسمي، قال رب الجنود: فإني أرسل عليكم اللعن، وألعن بركاتكم، بل قد لعنتها لأنكم لستم جاعلين في القلب، ها أنا ذا أنتهر لكم الزرع، وأمدّ الفرث على وجوهكم" (ملاخي ٢/ ١ - ٣). وعليه نقول: إن العهد قد بدأ بإسحاق ﵇، وهو وعد أبدي متطاول إلى أجيال بعيدة، وهو ما تم حين بعث الله النبيين في بني إسرائيل، وأرسل إليهم الكتب، وأيدهم بسلطانه وغلبته على الأمم التي جاورتهم، وأقام لهم مملكة ظافرة إلى حين.

стр. 39

ويتفق اليهود والنصارى مع المسلمين في أن بركة إسحاق ﵇ أثمرت النبوة والملك والكتاب والكثرة والغلبة، لكنهم يعتبرون وعد إسماعيل ﵇ وبركته أثمر الكثرة فقط، " وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره، وأكثره كثيراً جداً، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة " (التكوين ١٧/ ٢٠). وهذا التفريق أيضاً بخلاف ما جاء في النصوص التي لم تفرق بالألفاظ والمعاني بين الأخوين المباركين، وعليه فبركة إسماعيل هي كبركة إسحاق: نبوة وكتاب وحكم وكثرة. فمتى تحقق ذلك لإسماعيل؟ متى اجتمع له ذلك؟ نقول: لم يجتمع له ذلك إلا في بعثة نبينا ﷺ من ذريته، فتحولت قبائل بنيه المتفرقة الضعيفة إلى ملك عظيم ساد الدنيا، واجتمع إلى كثرتهم النبوة والكتاب، فتحقق ما وعد الله إبراهيم وهاجر في ابنهما إسماعيل. وإلا فأين تحققت البركة في إسماعيل ﵇ الذي أخبر النص عن حاله، فقال: " يكون إنساناً وحشياً، يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه " (التكوين ٦/ ١٢) أي أنه يغلب تارة فيسود الجميع كما يسود الجميع عليه تارة أخرى. وقد ساد العرب المسلمون الأمم برسول الله ودولته، وفيما عدا ذلك كانوا أذل الأمم وأضعفها وأبعدها عن أن يكونوا محلاً لبركة الله، إذ لا بركة في قبائل وثنية تكاثرت على عبادة الأوثان والظلم، فمثل هؤلاء لا يكونون في بركة الله. وإذا عدنا إلى النصوص العبرية القديمة التي تحدثت عن إسماعيل نجد النص كالتالي " وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً (بماد ماد) اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة (لجوى جدول) " (التكوين ١٢/ ٢) فكلمتي (ماد ماد) و (لجوى جدول) هما رمزان وضعا بدل اسم النبي ﷺ ، فكلمة

стр. 40

(ماد ماد) - حسب حساب الجمّل (١) الذي يهتم به اليهود ويرمزون به في كتبهم ونبوءاتهم تساوي ٩٢، ومثله كلمة " لجوى جدول " وهو ما يساوي كلمة " محمد ". وكان السمؤل أحد أحبار اليهود المهتدين إلى الإسلام قد نبه إلى ذلك، ومثله فعل الحبر المهتدي عبد السلام في رسالته " الرسالة الهادية". ونقول: إن ما جاء في سفر التكوين عن وجود بركة في العرب تمثلت بنبوة وملك يقيمهم الله في العرب هو النقطة الأساس التي يخالفنا فيها أهل الكتاب، وهي المدخل الأهم لنبوءات الكتاب المقدس، إذ أن كثيراً مما يذكره المسلمون من نصوص توراتية يرونها نبوءات بالرسول ﷺ ، كثير من هذه النصوص يراها النصارى أيضاً نبوءات بالمسيح أو غيره من أنبياء اليهود، ويمنعون أن تخرج هذه النبوءات عن بني إسرائيل. من هو الذبيح المبارك؟ وأين هي الأرض المباركة ؟ تتحدث التوراة عن قصة أمر الله إبراهيم بذبح ابنه الوحيد، وبدلاً من أن تسميه إسماعيل، فإنها أسمته إسحاق، وطبقاً لهذا التغيير تغير الزمان والمكان الذي جرت به القصة. ومما جاء في القصة التوراتية " خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب به إلى أرض المريا ... فلما أتيا الموضع ... لا تمد يدك إلى الغلام، ولا تفعل به شيئاً، لأني الله علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني ... فدعا إبراهيم ذلك الموضع: "يهوه يراه" حتى إنه يقال اليوم: في جبل الرب يرى ... يقول الرب: إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة ... " (التكوين ٢٢/ ١ - ١٨).
следующие страницы →