← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38191

هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم

منقذ السقار

Полный текст (133 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الوصية، لكون عهدي مع لاوي قال رب الجنود. كان عهدي معه للحياة والسلام، وأعطيته إياهما للتقوى، فاتقاني، ومن اسمي ارتاع هو، شريعة الحق كانت في فيه، وإثم لم يوجد في شفتيه، سلك معي في السلام والاستقامة، وأرجع كثيرين عن الإثم " (ملاخي ٢/ ٤ - ٧). فبركة الله إنما تكون للصالحين، ولعنته هي نصيب الكافرين، كما قال الله لموسى: " انظر. أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة، البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها اليوم، واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم، لتذهبوا وراء آلهة أخرى لم تعرفوها" (التثنية ١١/ ٢٦ - ٢٨). كما قال الله له أيضاً: "فاحفظ الوصايا والفرائض والأحكام التي أنا أوصيك اليوم لتعملها، ومن أجل أنكم تسمعون هذه الأحكام وتحفظون وتعملونها، يحفظ لك الرب إلهك العهد والإحسان اللذين أقسم لآبائك، ويحبك ويباركك ويكثرك، ويبارك ثمرة بطنك وثمرة أرضك " (التثنية ٧/ ١١ - ١٣)، و (انظر: التثنية ٢٨/ ١ - ٦٨) وهكذا فالبركة مشروطة بطاعة الله والاستقامة على دينه، فإذا ما نكَل بنو إسرائيل عنها حاقت عليهم اللعنة والبوار. وبالفعل بدأت بركة إبراهيم بابنه الثاني إسحاق، وذلك لا يعني حرمان إسماعيل من نصيبه من البركة "ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق، الذي تلده لك سارة في هذا الوقت، في السنة الآتية " (التكوين ١٧/ ٢١). وتذكر التوراة أنه بعد فطام سارة لإسحاق، هاجرت هاجر وابنها، وأنها " مضت وتاهت في برية بئر سبع، ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار .. ونادى ملاك الله هاجر .. قومي احملي الغلام، وشدي يدك به، لأني سأجعله أمة عظيمة، وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء .. وكان الله مع الغلام فكبر، وسكن في

стр. 37

البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر " (التكوين ٢١/ ١٧ - ٢١). ويتجاهل النص التوراتي خصوصية إسماعيل في نبع ماء زمزم المبارك في مكة المكرمة، ويرى قصة الهجرة في صحراء بئر سبع جنوب فلسطين، ثم يسميها برية فاران. (١) ونعود للبركة الموعودة في ابني إبراهيم، فما هي البركة التي جعلها الله في إسحاق وإسماعيل؟ هي بلا ريب بركة النبوة والكتاب والملك بأمر الله والظهور باسمه ﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين﴾ (الجاثية: ١٦). ويعتبر اليهود والنصارى من بعدهم أن الوعد في إسحاق وعد أبدي لن ينتقل إلى غيرهم، فقد قيل: "فقال الله: بل سارة امرأتك تلد لك ابناً، وتدعو اسمه إسحاق. وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً، لنسله من بعده ... ولكن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية" (التكوين ١٧/ ١٩ - ٢١)، فقد فهموا من كلمة (أبدياً) أن العهد لبني إسرائيل إلى يوم القيامة، وأنه غير مشروط ولا متعلق بصلاحهم وانقيادهم لأمر الله. لكن كلمة (الأبد) لا تعني بالضرورة الاستمرار إلى قيام الساعة، بل تعني طول

стр. 38

الفترة فحسب، ومثل هذا الاستخدام معهود في التوراة، يقول سفر الملوك: "فبرص نعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد" (الملوك (٢) ٥/ ٢٧)، فالأبدية هنا غير مقصودة، وإلا لزم أن نرى ذريته اليوم أمة كبيرة تتوالد مصابة بالبرص. وفي سفر الأيام "وقال لي: إن سليمان ابنك، هو يبني بيتي ودياري، لأني اخترته لي ابناً، وأنا أكون له أباً، وأثبت مملكته إلى الأبد" (الأيام (١) ٢٨/ ٦)، وقد انتهت مملكتهم منذ ما يربو على ألفين وخمسمائة سنة على يد بختنصر البابلي، فالمراد بالأبدية الوقت الطويل فحسب. ووقتَّ سفر التثنية الأبدية بما يساوي عشرة أجيال، فقال: "لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب، حتى الجيل العاشر، لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد، من أجل أنهم لم يلاقوكم بالخبز والماء" (التثنية ٣٣/ ٣ - ٤)، فالجيل الحادي عشر للمؤابي غير محروم من جماعة الرب، وهو دون الأبد والقيامة. ومثله قول دانيال لنبوخذ نصر: "فتكلم دانيال مع الملك: يا أيها الملك عش إلى الأبد" (دانيال ٦/ ٢١)، أي عش طويلاً. نعم لقد استبدلت البركة باللعن والطرد، فقد رذلهم الله واستبدلهم بغيرهم بعد أن تنكروا لشرعه ودينه " والآن إليكم هذه الوصية أيها الكهنة، إن كنتم لا تسمعون ولا تجعلون في القلب لتعطوا مجداً لاسمي، قال رب الجنود: فإني أرسل عليكم اللعن، وألعن بركاتكم، بل قد لعنتها لأنكم لستم جاعلين في القلب، ها أنا ذا أنتهر لكم الزرع، وأمدّ الفرث على وجوهكم" (ملاخي ٢/ ١ - ٣). وعليه نقول: إن العهد قد بدأ بإسحاق ﵇، وهو وعد أبدي متطاول إلى أجيال بعيدة، وهو ما تم حين بعث الله النبيين في بني إسرائيل، وأرسل إليهم الكتب، وأيدهم بسلطانه وغلبته على الأمم التي جاورتهم، وأقام لهم مملكة ظافرة إلى حين.

стр. 39

ويتفق اليهود والنصارى مع المسلمين في أن بركة إسحاق ﵇ أثمرت النبوة والملك والكتاب والكثرة والغلبة، لكنهم يعتبرون وعد إسماعيل ﵇ وبركته أثمر الكثرة فقط، " وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره، وأكثره كثيراً جداً، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة " (التكوين ١٧/ ٢٠). وهذا التفريق أيضاً بخلاف ما جاء في النصوص التي لم تفرق بالألفاظ والمعاني بين الأخوين المباركين، وعليه فبركة إسماعيل هي كبركة إسحاق: نبوة وكتاب وحكم وكثرة. فمتى تحقق ذلك لإسماعيل؟ متى اجتمع له ذلك؟ نقول: لم يجتمع له ذلك إلا في بعثة نبينا ﷺ من ذريته، فتحولت قبائل بنيه المتفرقة الضعيفة إلى ملك عظيم ساد الدنيا، واجتمع إلى كثرتهم النبوة والكتاب، فتحقق ما وعد الله إبراهيم وهاجر في ابنهما إسماعيل. وإلا فأين تحققت البركة في إسماعيل ﵇ الذي أخبر النص عن حاله، فقال: " يكون إنساناً وحشياً، يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه " (التكوين ٦/ ١٢) أي أنه يغلب تارة فيسود الجميع كما يسود الجميع عليه تارة أخرى. وقد ساد العرب المسلمون الأمم برسول الله ودولته، وفيما عدا ذلك كانوا أذل الأمم وأضعفها وأبعدها عن أن يكونوا محلاً لبركة الله، إذ لا بركة في قبائل وثنية تكاثرت على عبادة الأوثان والظلم، فمثل هؤلاء لا يكونون في بركة الله. وإذا عدنا إلى النصوص العبرية القديمة التي تحدثت عن إسماعيل نجد النص كالتالي " وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً (بماد ماد) اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة (لجوى جدول) " (التكوين ١٢/ ٢) فكلمتي (ماد ماد) و (لجوى جدول) هما رمزان وضعا بدل اسم النبي ﷺ ، فكلمة

стр. 40

(ماد ماد) - حسب حساب الجمّل (١) الذي يهتم به اليهود ويرمزون به في كتبهم ونبوءاتهم تساوي ٩٢، ومثله كلمة " لجوى جدول " وهو ما يساوي كلمة " محمد ". وكان السمؤل أحد أحبار اليهود المهتدين إلى الإسلام قد نبه إلى ذلك، ومثله فعل الحبر المهتدي عبد السلام في رسالته " الرسالة الهادية". ونقول: إن ما جاء في سفر التكوين عن وجود بركة في العرب تمثلت بنبوة وملك يقيمهم الله في العرب هو النقطة الأساس التي يخالفنا فيها أهل الكتاب، وهي المدخل الأهم لنبوءات الكتاب المقدس، إذ أن كثيراً مما يذكره المسلمون من نصوص توراتية يرونها نبوءات بالرسول ﷺ ، كثير من هذه النصوص يراها النصارى أيضاً نبوءات بالمسيح أو غيره من أنبياء اليهود، ويمنعون أن تخرج هذه النبوءات عن بني إسرائيل. من هو الذبيح المبارك؟ وأين هي الأرض المباركة ؟ تتحدث التوراة عن قصة أمر الله إبراهيم بذبح ابنه الوحيد، وبدلاً من أن تسميه إسماعيل، فإنها أسمته إسحاق، وطبقاً لهذا التغيير تغير الزمان والمكان الذي جرت به القصة. ومما جاء في القصة التوراتية " خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب به إلى أرض المريا ... فلما أتيا الموضع ... لا تمد يدك إلى الغلام، ولا تفعل به شيئاً، لأني الله علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني ... فدعا إبراهيم ذلك الموضع: "يهوه يراه" حتى إنه يقال اليوم: في جبل الرب يرى ... يقول الرب: إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة ... " (التكوين ٢٢/ ١ - ١٨).

стр. 41

وفيما تقدم عدة بشارات تبشر بمجيء النبي ﷺ ، ونرى يد التحريف والعنصرية تحاول طمس هذه البشارات. فمن التحريف البين إدراج اسم إسحاق الذي لم يكن وحيداً لإبراهيم قط، وقد تكرر وصف الذبيح بالوحيد ثلاث مرات، وقد رأينا أن إسماعيل كان وحيداً لإبراهيم أربع عشرة سنة. والبكورية لإسماعيل محفوظة وإن كان ابن هاجر - مولاة سارة - التي اتخذها زوجة فيما بعد، فمنزلة الأم لا تؤثر في بكورية الابن ولا منزلته، وقد جاء في التوراة: " إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة، والأخرى مكروهة، فإن كان الابن البكر للمكروهة، فيوم يقسم لبنيه ما كان له لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة بكراً على ابن المكروهة البكر. بل يعرف ابن المكروهة بكراً ليعطيه نصيب اثنين في كل ما يوجد عنده، لأنه هو أول قدرته له حق البكورية " (التثنية ٢١/ ١٥ - ١٧)، فهذا الأمر الإلهي لبني إسرائيل يعبر عن عدل الله، وهو به أولى، فهل تراه أجحف بحق إسماعيل ابن الجارية، وخالف ما سيشرعه لعباده من العدل. ومما يبطل أن يكون الذبيح إسحاق أن إبراهيم قد وعد فيه بالبركة والذرية منه قبل ولادته، وأنه سيكون كعدد نجوم السماء. (انظر التكوين ١٧/ ٢١) فالأمر بذبحه لا ابتلاء فيه، لأنه يعلم أنه سيكون لهذا الابن نسل مبارك ... وهو ما صرح به المسيح حسب إنجيل برنابا الذي نذكر الاستشهاد به استئناساً فقط، فقد قال له التلاميذ: "يا معلم هكذا كتب في كتاب موسى: إن العهد صنع بإسحاق؟ أجاب يسوع متأوهاً: هذا هو المكتوب، ولكن موسى لم يكتبه ولا يشوع، بل أحبارنا الذين لا يخافون الله. الحق أقول لكم: إنكم إذا أكملتم النظر في كلام الملاك جبريل تعلمون خبث كتبتنا وفقهائنا .. كيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان

стр. 42

إسماعيل ابن سبع سنين" (برنابا ٤٤/ ١ - ١١)، وفي التوراة المتداولة أن بينهما أربعة عشرة سنة (انظر التكوين ١٦/ ١٦، ٢١/ ٥). ومن ذلك كله فالذبيح هو إسماعيل، وجبل الرب في الأرض التي عاش فيها، والبركة لإبراهيم في ذريته محفوظة له بعد أن قام بالاستسلام لأمر الله، وهمّ بذبح ابنه الوحيد. فقد حرف أهل الكتاب اسم الذبيح، وحرفوا اسم المكان المعظم الذي جرت فيه أحداث القصة، فسمتها التوراة السامرية " الأرض المرشدة ". فيما سمته التوراة العبرانية " المريا "، ولعله تحريف لكلمة " المروة "، وهو اسم لجبل يقع داخل المسجد الحرام في مكة المكرمة، أي في المكان الذي درج فيه إسماعيل. وقد اتفق النصان العبري والسامري على تسمية ذلك الموضع "جبل الله "، ولم يكن هذا الاسم مستخدماً لبقعة معينة حينذاك، لذا اختلف اليهود في تحديد مكانه اختلافاً بيناً، فقال السامريون: هو جبل جرزيم. وقال العبرانيون: بل هو جبل أورشليم الذي بني عليه الهيكل بعد القصة بعدة قرون (الأيام (٢) ٣/ ١). يقول الدكتور بوست في قاموس الكتاب المقدس: "يظن الأكثرون أن موضع الهيكل هو نفس الموضع الذي فيه أمر إبراهيم أن يستعد لتقديم إسحاق، غير أن التقليد السامري يقول: إن موضع الذبح لإسحاق كان على جبل جرزيم". (١) ويقول محققو نسخة الرهبانية اليسوعية: "يطابق سفر الأخبار الثاني (٣/ ١) بين موريّا وبين الرابية التي سيشاد عليها هيكل أورشليم .. غير أن النص يشير إلى أرض باسم موريّا لا يأتي ذكرها في مكان آخر، ويبقى مكان الذبيحة مجهولاً".

стр. 43

والحق أن المكان معروف غير مجهول، لأن قصة الذبح جرت في الأرض المرشدة، وهي أرض العبادة، وهي مكة أو بلاد فاران، واختلافهم دليل على صحة ذلك، واتفاقهم على اسم المكان بجبل الرب صحيح، لكنهم اختلفوا في تحديده لرجمهم بالظنون، وقد ربطوه بتسميات ظهرت بعد الحادثة بقرون عدة، وتجاهلوا البيت المعظم الذي بني في تلك البقعة حينذاك، ويسمى بيت الله، كما سمي الجبل الذي في تلك البقعة جبل الله. وبقي هذا الاختلاف من أهم الاختلافات التي تفرق السامريين عن العبرانيين، وقد أدرك المسيح هذا الخلاف، فذات مرة دخلت عليه امرأة سامرية، وسألته عن المكان الحقيقي المعد للعبادة، فأفصح لها المسيح أن المكان ليس جبل جرزيم السامري، ولا جبل عيبال العبراني الذي بني عليه الهيكل، " قالت له المرأة: يا سيد أرى أنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون أن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه، قال لها يسوع: يا امرأة صدقيني، إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب، أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فنسجد لما نعلم، لأن الخلاص هو من اليهود. ولكن تأتي ساعة، وهي الآن، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق، لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له، الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" (يوحنا ٤/ ١٩ - ٢٤). فمن هم الساجدون الحقيقيون الذين يسجدون في غير قبلة السامريين والعبرانيين، إنهم الأمة الجديدة التي تولد بعد حين، إذ لم تدع أمة قداسة قبلتها سوى أمة الإسلام التي يفد إليها ملايين المسلمين سنوياً في مكة المكرمة. وقوله عن ساعة قدوم الساجدين الحقيقيين " ولكن تأتي ساعة وهي الآن"، يفيد

стр. 44

اقترابها لا حلولها، كما في متى: " أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء" (متى ٢٦/ ٦٤)، وقد مات المخاطبون وفنوا، ولم يروه آتياً على سحاب السماء. ومثله قول المسيح: "وقال له: الحق الحق أقول لكم، من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يوحنا ١/ ٥١)، (وانظر صموئيل (١) ١٥/ ٢٨). وقد قال ميخا النبي عن مكة والبيت الحرام وعن إتيان الناس للحج عند جبل عرفات: " يكون في آخر الأيام بيت الرب مبنياً على قلل الجبال، وفي أرفع رؤوس العوالي يأتين جميع الأمم، ويقولون: تعالوا نطلع إلى جبل الرب" (ميخا ٤/ ١ - ٢). كما رمز النبي إشعيا لمكة في نص آخر بالعاقر، وتحدث عن الجموع الكثيرة التي تأتي إليها، ويعدها بالأمان والبركة والعز، فقال: " ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد، أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض، لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل، قال الرب: أوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك، لا تمسكي، أطيلي أطنابك وشددي أوتادك، لأنك تمتدين إلى اليمين والى اليسار، ويرث نسلك أمماً، ويعمر مدناً خربة، لا تخافي لأنك لا تخزين، ولا تخجلي لأنك لا تستحين، فإنك تنسين خزي صباك، وعار ترملك لا تذكرينه بعد .. قال راحمك الرب: أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزية، هانذا أبني بالإثمد حجارتك، وبالياقوت الأزرق أؤسسك، وأجعل شرفك ياقوتاً، وأبوابك حجارة بهرمانية، وكل تخومك حجارة كريمة، وكل بنيك تلاميذ الرب، وسلام بنيك كثيراً، بالبر تثبتين بعيدة عن الظلم فلا تخافين، وعن الارتعاب فلا يدنو منك، ها إنهم يجتمعون اجتماعاً ليس من عندي، من اجتمع عليك فإليك يسقط، هانذا قد خلقت

стр. 45

الحداد الذي ينفخ الفحم في النار ويخرج آلة لعمله، وأنا خلقت المهلك ليخرب كل آلة صورت ضدك لا تنجح، وكل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه، هذا هو ميراث عبيد الرب وبرهم من عندي" (إشعيا ٥٤/ ١ - ١٧). في النص مقارنة لمكة بأورشليم، فسمى مكة بالعاقر لأنها لم تلد قبل محمد النبي ﷺ ، ولا يجوز أن يريد بالعاقر بيت المقدس، لأنه بيت الأنبياء ومعدن الوحي، وقد يشكل هنا أن نبوة إسماعيل كانت في مكة، فلا تسمى حينذاك عاقراً، لكن المراد منه مقارنة نسبية مع أنبياء أورشليم. وقوله: "لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل"، يقصد فيه أن زوارها أو أبناءها أكثر من زوار أورشليم التي يسميها ذات البعل، ولفظة بنو المستوحشة يراد منها ذرية إسماعيل، الذي وصفته التوراة - كما سبق- بأنه وحشي " وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلى فتلدين ابناً وتدعين اسمه: إسماعيل، لأن الرب قد سمع لمذلتك، وإنه يكون إنساناً وحشياً، يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه" (التكوين ١٦/ ١١ - ١٢). كما تحدثت المزامير عن مدينة المسيح المخلص، المدينة المباركة التي فيها بيت الله، والتي تتضاعف فيها الحسنات، فالعمل فيها يعدل الألوف في سواها، وقد سماها باسمها (بكة)، فجاء فيها: " طوبى للساكنين في بيتك أبداً يسبحونك، سلاه، طوبى لأناس عزهم بك، طرق بيتك في قلوبهم، عابرين في وادي البكاء (١) يصيرونه ينبوعاً، أيضاً ببركات يغطون مورة، يذهبون من قوة إلى قوة، يرون قدام الله في صهيون، يا رب

стр. 46

إله الجنود اسمع صلاتي وأصغ يا إله يعقوب، سلاه، يا مجننا انظر يا الله والتفت إلى وجه مسيحك، لأن يوماً واحداً في ديارك خير من ألف، اخترت الوقوف على العتبة في بيت إلهي على السكن في خيام الأشرار " (المزمور ٨٤/ ٤ - ١٠). وقد سماها النص العبري بكة، فقال: [???????? ????????]، وتقرأ: (بعيمق هبكا)، أي وادي بكة. والنص كما جاء في ترجمة الكاثوليك كالتالي: "يجتازون في وادي البكاء، فيجعلونه ينابيع ماء، لأن المشترع يغمرهم ببركاته، فينطلقون من قوة إلى قوة، إلى أن يتجلى لهم إله الآلهة في صهيون" (٨٣/ ٧ - ٨). وهذا الاسم العظيم (بكة) هو اسم بلد محمد ﷺ ، الاسم الذي سمّى القرآن الكريم به مكة البلد الحرام ﴿إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين﴾ (آل عمران: ٩٦)، وبركة هذا البيت بما جعل الله لقاطنيه وقاصديه من مضاعفة الحسنات عنده، فصلاة فيه - كما أخبر نبينا ﷺ تعدل أكثر من ألف صلاة فيما سواه (١)، فصدق فيه قول المزمور: "لأن يوماً واحداً في ديارك خير من ألف". لكن علماء الكتاب المقدس لن يسلموا لنا بأن المقصود من وادي البكاء وادي مكة (بكة)، فقد أحالوا وادي البكاء من اسم جغرافي إلى فكرة تجريدية، لن تستطيع أن تعرف لها مكاناً على الخارطة، فقالوا: "أما وادي البكاء المذكور في المزمور ٨٤: ٦ فربما يكون بقعة جغرافية. ولكن يرجح أنه مجرد فكرة تحمل معنى عميقاً، فإن أولئك الذين لهم اختبار طيب مع الرب، بنعمته تتحول المآسي في حياتهم إلى أفراح". (٢)

стр. 47

لكن ترجمات عربية وعالمية تخلصت من اسم (بكا ووادي البكاء)، واستبدلتها بكلمة (وادي البلسان) كما في الرهبانية اليسوعية وغيرها، وقد اعتمدوا في ذلك على مخطوطات قديمة. يقول الآباء اليسوعيون في نسخة الرهبانية اليسوعية تعليقاً على استخدامهم لفظة "وادي البلسان": "في الترجمات القديمة وفي بعض المخطوطات "وادي البكاء"، ولفظ الكلمتين واحد". (١) ورغم ما يكتنف تغيير اسم (بكا) إلى (البكاء والبلسان) من تحريف متعمد؛ فإن ثمة دلالة واضحة في كلا الكلمتين (البكاء والبلسان) التي درجت النسخ والتراجم على استعمالهما، فكلاهما يدل على مكة المكرمة دون غيرها. فإن بكّا سميت كذلك نسبة إلى شجر البلسان الذي يخرج منه مادة صمغية تشبه دموع البكاء، وهو شجر ينبت - حسب اعتراف علماء الكتاب المقدس - في مكة المكرمة، يقول كُتاب قاموس الكتاب المقدس عن أشجار البكا: "ربما يقصد به شجر البلسم أو ما يشبهه. ففي بلاد العرب، قرب مكة شجر بهذا الاسم، يشبه شجر البلسم أو البلسان، وله عصارة بيضاء لاسعة، وقد سمى شجر البُكا، نسبة لن تلك الأشجار تنضج بالصموغ، أو نسبة لقطرات الندى التي تقع عليه". (٢) وتزيدنا دائرة المعارف الكتابية يقيناً بأن وادي البلسان هو وادي مكة المكرمة، فتقول: " أما البلسان الحقيقي الذي ذكره المؤلفون القدماء فهو "بلسم مكة " الذي مازالت مصر تستورده من شبه الجزيرة العربية - كما كان الأمر قديماً -، وهو عصير

стр. 48

الشجرة المعروفة علمياً باسم ( Balsamo Dendron Apabatsmum) والتي تنمو في جنوب الجزيرة العربية وفي الحبشة، وهي شجرة صغيرة غير منتظمة الشكل، قشرتها ضاربة إلى الصفرة في لون شجرة الدلب" .. (١)

стр. 49

هل الاصطفاء في بني إسرائيل فقط ؟ تتحدث النصوص الإنجيلية بتناقض ظاهر عن موضوع الخلاص الآتي، فحسب يوحنا فإن المسيح قال للسامرية في سياق حديثه عن المسِيّا: "لأن الخلاص هو من اليهود" (يوحنا ٤/ ٢٢). لكن هذا الأمر ترده الكثير من النصوص الإنجيلية والتوراتية الأخرى، والتي تلقي بظلال الشك على صحة صدور هذه العبارة من المسيح، خاصة أنها ظاهرة الإدراج في السياق الذي وردت فيه. ونرى هنا من الأهمية بمكان أن نذكر نصوص الكتاب المقدس التي تدل على احتمالية انتقال النبوة عن بني إسرائيل إلى أمة سواهم كالعرب؟ لقد أرسل الله أنبياء كثر إلى بني إسرائيل، فكفروا بهم وقتلوهم، ولنتأمل ما قاله الأنبياء عن هذه الأمة المتمردة، لنرَ إن كانت مستحقة لدوام البركة والاصطفاء، فقد قال عنهم موسى: "إنهم أمة عديمة الرأي ولا بصيرة فيهم، لو عقلوا لفطنوا بهذه وتأملوا آخرتهم" (التثنية ٣٢/ ٢٨). وقال: "جيل أعوج ملتو، ألرب تكافئون بهذا يا شعباً غبياً غير حكيم؟ " (التثنية ٣٢/ ٥ - ٦). وكذا قال النبي إيليا: " قد غِرت غيرة للرب إله الجنود، لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف، فبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي ليأخذوها" (الملوك (١) ١٩/ ١٠). وكذا كان وصف الله لهم في سفر النبي حزقيال: "وقال لي: يا ابن آدم، أنا مرسلك إلى بني إسرائيل، إلى أمة متمردة قد تمردت عليّ، هم وآباؤهم عصوا عليّ إلى ذات هذا اليوم. والبنون القساة الوجوه، والصلاب القلوب، أنا مرسلك إليهم،

стр. 50

فتقول لهم: هكذا قال السيد الرب، وهم إن سمعوا وإن امتنعوا. لأنهم بيت متمرد. فإنهم يعلمون أن نبياً كان بينهم، أما أنت يا ابن آدم فلا تخف منهم، ومن كلامهم لا تخف ... وأنت ساكن بين العقارب، من كلامهم لا تخف، ومن وجوههم لا ترتعب، لأنهم بيت متمرد، وتتكلم معهم بكلامي، إن سمعوا، وإن امتنعوا، لأنهم متمردون" (حزقيال ٢/ ٣ - ٨). وكذا قال عنهم النبي إشعيا: "اسمعي أيتها السماوات وأصغي أيتها الأرض، لأن الرب يتكلم، ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا عليّ، الثور يعرف قانيه، والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم، ويل للأمّة الخاطئة، الشعب الثقيل الإثم، نسل فاعلي الشر، أولاد مفسدين، تركوا الرب، استهانوا بقدوس إسرائيل، ارتدوا إلى وراء، على أي موضع تضربون بعد. تزدادون زيغاناً، كل الرأس مريض، وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى الرأس، ليس فيه صحة، بل جرح وإحباط، وضربة طرية لم تعصر، ولم تعصب، ولم تلين بالزيت" (إشعيا ١/ ١ - ٦). وما يزال غضب الله بهم حتى رفع البركة عنهم، وأحلّهم غضبه وانتقامه ولعناته" والآن إليكم هذه الوصية أيها الكهنة، إن كنتم لا تسمعون ولا تجعلون في القلب لتعطوا مجداً لاسمي، قال رب الجنود: فإني أرسل عليكم اللعن، وألعن بركاتكم، بل قد لعنتها، لأنكم لستم جاعلين في القلب، ها أنا ذا أنتهر لكم الزرع وأمدّ الفرث على وجوهكم" (ملاخي ٢/ ١ - ٣). ولما جاء المسيح نادى أورشليم: " يا قاتلة الأنبياء " (متى ١٣/ ٣٧)، لكثرة مَن قتلوا على ثراها من أنبياء الله الكرام. وقال المسيح وهو يخاطب جموعهم: " ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون .. ويل لكم أيها القادة العميان .. أيها الجهال والعميان .. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف

стр. 51

تهربون من دينونة جهنم، لذلك ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة، فمنهم تقتلون وتصلبون، ومنهم تجلدون في مجامعكم ... يا أورشليم يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين" (متى ٢٣/ ١٣ - ٣٧). لذا حرمهم الله من أن يكون النبي الموعود القادم منهم، لأنهم نقضوا عهد الله وميثاقه، فلن يكون القادم من ذرية داود ﵇، أي لن يكون هو المسيح عليه صلوات الله وسلامه. لقد كان السبب الرئيس في كراهية اليهود للمسيح ﵇ أنه صدع بالحقيقة بين ظهرانيهم، فأعلمهم أن ملكوت الله واصطفاءه سينزع منهم، ويعطى لأمة أخرى، وإذا أردنا إثبات ذلك؛ فإننا نعود إلى أول محاولة آثمة راموا منها قتله، وذلك حين حدثهم عن انصراف النبي إيليّا عن أرامل بني إسرائيل إلى أرملة صيداوية، وأن النبي أليشع طهر نعمان السرياني دون سائر البرص الذين كانوا في بني إسرائيل (انظر لوقا ٤/ ٢٥ - ٢٧)، فكانت النتيجة أن " امتلأ غضباً جميع الذين في المجمع حين سمعوا هذا، وأخرجوه خارج المدينة، وجاؤوا به إلى حافة الجبل الذي كانت مدينتهم عليه حتى يطرحوه إلى أسفل" (لوقا ٤/ ٢٨ - ٢٩)، فكان هذا أول الشرر بين اليهود والمسيح ﵇. وبعد فأسأل القارئ الكريم: أهذه الأمة التي توعدها الأنبياء تستحق بقاء البركة والنبوة فيها؟ وإن كان الجواب: لا، فمن ذا الأمة التي تكون مختارة ومصطفاة؟ من عساها تكون سوى الأمة الموعودة بالبركة مراراً من نسل إسماعيل ﵇؟ إن أمة من الأمم لم تدّع أنها تلك الأمة المصطفاة.

стр. 52

صفات أمة الملكوت الجديد لما بدل بنو إسرائيل وغيروا نزع الله عنهم النبوة والكتاب، ودفعه لأمة أخرى، وحصل ما كان الأنبياء يحذرون منه بني إسرائيل، ألا وهو انتقال الخيرية إلى سواهم. فمن هي الأمة الجديدة، وما صفاتها؟ في الإجابة عن هذا السؤال الهام نتأمل أسفار الكتاب المقدس لنقف منها على صفات هذه الأمة الجديدة. يقول إشعيا على لسان الوحي: " أصغيتُ إلى الذين لم يسألوا، وُجِدت من الذين لم يطلبوني، قلت: ها أنذا ها أنذا لأمةٍ لم تسمَّ باسمي. بسطت يدي طول النهار إلى شعب متمرد سائر في طريق غير صالح وراء أفكاره، شعب يغيظني بوجهي دائماً .... " (إشعيا ٦٥/ ١ - ٣). فقد ذكر النص انتقال النبوة والأمر عن الأمة القاسية العاصية إلى أمة لم تطلب الله قبل، ولم تسم باسم الله. إنها الأمة الأمية التي لم ينزل عليها كتاب. ويؤكد حزقيال رفع الملك والشريعة من بني إسرائيل، ودفعه لأمة مهملة وضيعة، فيقول: " إني أنا الرب، وضعتُ الشجرة الرفيعة، ورفعتُ الشجرة الوضيعة، وأيبستُ الشجرة الخضراء، وأفرختُ الشجرة اليابسة، أنا الربُ تكلمت وفعلت " (حزقيال ١٧/ ٣٢). وقال يوحنا المعمدان في سياق تحذيره بني إسرائيل من الغضب الآتي الذي سيسلطه الله عليهم: " والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار، أنا أعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار"

стр. 53

(متى ٣/ ١٠ - ١١)، (وانظر مثل التينة التي لا تثمر في لوقا ١٣/ ٦ - ٩) لقد كان المسيح الفرصة الأخيرة للإبقاء على الاصطفاء والاختيار، فقد وضع الفأس على أصل الشجرة، فلما كفروا به وحاولوا قتله، قطعت الشجرة الخضراء ويبست، ودفعت للنار، نار الغضب الإلهي والضلال، وأزهرت شجرة أخرى كانت يابسة. نعم، لقد أيبس الله شجرة بني إسرائيل وأحرقها، وأفرخ شجرة أخرى كانت يابسة لم تظهر فيها النبوات من لدن إسماعيل ﵇، فكانت هي الأمة التي سلطها الله على بني إسرائيل، وهو أمر لا يخفى على من تأمل حاله ﵊ مع يهود بني النضير ثم يهود بني قينقاع ثم فتكه ببني قريظة، وقضاؤه على آخر تجمعاتهم في جزيرة العرب، في غزوة خيبر. ويقول النبي حزقيال أيضاً: " أنت أيها النجس الشرير رئيس إسرائيل الذي قد جاء يومه في زمان إثم النهاية، هكذا قال السيد الرب: انزعِ العمامة وارفعِ التاج، هذه لا تلك، ارفعِ الوضيع، وضعِ الرفيع، منقلباً، منقلباً، منقلباً أجعله، هذا لا يكون حتى يأتي الذي له الحكم، فأعطيه إياه " (حزقيال ٢١/ ٢٥ - ٢٧). فإذا جاء صاحب الحكم، النبي الخاتم، تنقلب الأمور، وترفع العمامة أي تنسخ الشريعة من بني إسرائيل، فالعمامة رمز للكهنة الهارونيين الموكلين بأمر الشريعة في أسباط بني إسرائيل، والذين أمروا بملابس خاصة، منها العمامة. (انظر الخروج ٢٨/ ٣٦ - ٣٧) كما يرفع التاج (الملك). وحينئذ تصبح الأمة المرذولة أمة مختارة، والأمة المختارة أمة مرذولة، كما قال داود: " الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا " (المزمور ١١٨/ ٢٢ - ٢٣) لكنه حقيقة. وقد ضرب المسيح للتلاميذ مثل الكرامين - كما سيأتي - ثم قال: " الحجر الذي

стр. 54

رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره " (متى ٢١/ ٤٢ - ٤٣). وقد قال المسيح لتلاميذه بعد أن قص عليهم مثلاً من أمثال الملكوت (مثل الزرع): " فانظروا كيف تسمعون، لأن من له سيعطى، ومن ليس له فالذي يظنه له يؤخذ منه " (لوقا ٨/ ١٨). وهكذا فهذه النصوص ذكرت أول صفة من صفات أمة الملكوت، إنها أمة مرذولة وضيعة لم تتعبد لله ولم ترسل إليها شرائعه، أمة يعجب بنو إسرائيل أن تتحول لها الريادة والاختيار. ويقول الرب موضحاً صفة أخرى من صفات الأمة الجديدة التي ستنال ميراث البركة والنبوة من بني إسرائيل: "فرأى الرب ورذل من الغيظ بنيه وبناته، وقال: أحجب وجهي عنهم، وانظر ماذا تكون آخرتهم، إنهم جيل متقلب، أولاد لا أمانة فيهم، هم أغاروني بما ليس إلهاً، أغاظوني بأباطيلهم، فأنا أغيرهم بما ليس شعباً، بأمة غبية أغيظهم" (التثنية ٣٢/ ١٩ - ٢١)، إن الأمة المصطفاة، الأمة التي كانت مرذولة، هي الأمة الجاهلة أو الغبية التي يغيظ الله بها بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى عن محمد ﷺ وأصحابه الكرام: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ (الفتح: ٢٩). وقد كاد بنو إسرائيل لهذه الأمة الجديدة فقالوا: " بأمة غبية أغيظهم " مع أن وصف الغباء لا توصف به الأمم، وإن وصفت بالجهل أو القسوة، فمن هذه الأمة الجاهلة أو الغبية التي ينتقم الله بها من بني إسرائيل؟ إنها أمة العرب ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (الجمعة: ٢).

стр. 55

لكن بولس يخطئ ويجعل هذه الأمة الغبية أمة اليونان، فيقول مؤكداً انتقال الملكوت عن بني إسرائيل، لكنه يخطئ في تعيين الأمة الوارثة للملكوت: "لا فرق بين اليهودي واليوناني، لأن رباً واحداً للجميع، غنياً لجميع الذين يدعون به ... لكني أقول: ألعل إسرائيل لم يعلم، أولاً موسى يقول أنا أغيركم بما ليس أمة، بأمة غبية أغيظكم، ثم إشعياء يتجاسر ويقول: وجدت من الذين لم يطلبوني وصرت ظاهراً للذين لم يسألوا عني، أما من جهة إسرائيل فيقول: طول النهار، بسطت يديّ إلى شعب معاند ومقاوم" (رومية ١٠/ ١٢ - ٢١)، فهو يؤمن بانتقال الملكوت عن بني إسرائيل، لكنه يجعل الأمة الجديدة أمة اليونان الذين توجه لدعوتهم، وقد آمنوا به كما آمن كثير غيرهم، فلا وجه لخصوصهم به، والمعنى الذي يقصده للملكوت هو الاستجابة لدعوته، وهو معنى يضيق كثيراً عما نذكره من صفات أمة الملكوت العظيمة. وأيضاً لا يصح أن تكون أمة اليونان هي الأمة الغبية التي ترث الملكوت، لأن اليونان أمة حضارة وعلم، وبولس نفسه يقول عن اليونانيين: "لأن اليهود يسألون آية، واليونانيين يطلبون حكمة" (كورنثوس (١) ١/ ٢٢)، فكيف يوصف طلاب الحكمة بالغباء أو الجهل؟! فالأمة الجديدة هي - ولا ريب - أمة العرب الموعودة بالبركة دون سائر الأمم، وقد جاء في كلام إشعيا متنبئاً بالنبي الذي يظهر منها، فذكر أنه يهرب من قومه، ثم ينتصر عليهم، ويفني مجدهم بعد برهة، ليبدأ بعدها مجد جديد، وهو النبي الذي تسقط على يديه دولة بابل الفارسية، وتنكسر عند قدميه آلهتها المنحوتة فيقول: "قال لي السيد: اذهب أقم الحارس، ليخبر بما يرى، فرأى ركاباً أزواج فرسان، ركاب حمير، ركاب جمال، فأصغى إصغاء شديداً، ثم صرخ كأسد: أيها السيد أنا قائم على المرصد دائماً في النهار، وأنا واقف على المحرس كل الليالي، وهوذا ركاب من الرجال، أزواج من الفرسان. فأجاب وقال: سقطت، سقطت بابل، وجميع تماثيل آلهتها المنحوتة كسرها

стр. 56

إلى الأرض. يا دياستي وبني بيدري، ما سمعته من رب الجنود إله إسرائيل أخبرتكم به، وحي من جهة دومة. صرخ إليّ صارخ من سعير: يا حارس ما من الليل، يا حارس ما من الليل. قال الحارس: أتى صباح وأيضاً ليل، إن كنتم تطلبون فاطلبوا. ارجعوا تعالوا، وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين، هاتوا ماء لملاقاة العطشان، يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبزه، فإنهم من السيوف قد هربوا ... قال لي السيد: في مدة سنة كسنة الأجير، يفنى كل مجد قيدار " (إشعيا ٢١/ ٦ - ١٦). والنص بعد حديثه عن سقوط فارس يعود ليتحدث إلى الددانيين من أهل تيماء، ويطلب منهم حماية الهارب إلى بلادهم الوعرة، ويبشرهم بفناء مجد أبناء قيدار بن إسماعيل بعد برهة بسيطة. والددانيون كما قال قاموس الكتاب المقدس هم سكان تيماء في شمال الحجاز (١)، ولا تخفى الوعورة في تضاريس تلك البلاد، والنص يبشر بانتصار المسلمين بعد سنة أو ثمان في معركة بدر أو فتح مكة على أبناء قيدار، وقيدار هو الابن الثاني لإسماعيل. (انظر التكوين ٢٥/ ١٣). واسم قيدار يطلق أيضاً على البلاد التي غلب عليها ذرية قيدار كما في قوله: "قال الرب: قوموا اصعدوا إلى قيدار" (إرميا ٤٩/ ٢٨)، وهو المراد بقوله " يفنى كل مجد قيدار"، فهو يبشر بانتصار المسلمين على أبناء بلاد قيدار. ويقول إشعيا في وصف تلك الأمة: " من أنهض من المشرق الذي يلاقيه النصر

стр. 57

عند رجليه دفع أمامه أمماً، وعلى ملوك سلطه، جعلهم كالتراب بسيفه، وكالقش المنذري بقوسه، طردهم، مر سالماً في طريق لم يسلكه برجليه، من فعل وصنع داعياً الأجيال من البدء. أنا الرب الأول، ومع الآخرين أنا هو " (إشعيا ٤١/ ٢ - ٤) وإذا كان النص نبوءة فبمن تحققت النبوءة؟ ومن ذا المسلط على الشعوب من قبل الرب الآتي من المشرق؟ وهي ما قد يطلق على بلاد العرب كما جاء في إرمياء "اصعدوا إلى قيدار، أخربوا بني المشرق " (إرمياء ٤٩/ ٢٨). ولقد كان المسلمون هم الأمة التي عذب الله بني إسرائيل على يديها، بعد أن عذبهم على يد بختنصر " لأنهم رذلوا شريعة رب الجنود واستهانوا بكلام قدوس إسرائيل، من أجل ذلك حمي غضب الرب على شعبه، ومد يده عليه وضربه حتى ارتعدت الجبال، وصارت جثثهم كالزبل في الأزقة" (إشعيا ٥/ ٢٤ - ٢٥). ويمضي النص ليحكي عن عذاب آخر قادم على يد أمة، بل أمم قوية البطش، وهو سوى العذاب الأول "مع كل هذا لم يرتد غضبه بل يده ممدودة بعد، فيرفع راية للأمم من بعيد ويصفر لهم من أقصى الأرض، فإذا هم بالعجلة يأتون سريعاً، ليس فيهم رازح ولا عاثر، لا ينعسون ولا ينامون ولا تنحل حزم أحقائهم، ولا تنقطع سيور أحذيتهم، الذين سهامهم مسنونة، وجميع قسيهم ممدودة، حوافر خيلهم تحسب كالصوان، وبكراتهم كالزوبعة، لهم زمجرة كاللبوة، ويزمجرون كالشبل، ويهرون ويمسكون الفريسة، ويستخلصونها ولا منقذ، يهرون عليهم في ذلك اليوم كهدير البحر، فإن نظر إلى الأرض فهوذا ظلام الضيق والنور قد أظلم بسحبها " (إشعيا ٥/ ٢٦ - ٣٠)، فحكى هذا النص شجاعة أصحابه ﷺ كما قال الله: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة﴾ (الفتح: ٢٩).

стр. 58

وفي نص آخر يتحدث أشعيا عن الفرح والبهجة والعز الذي يحصل في ديار قيدار من انتصار هذا النبي .. " لترفع البرية ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار. لتترنم سكان سالع، من رؤوس الجبال ليهتفوا، ليعطوا الرب مجداً، ويخبروا بتسبيحه في الجزائر، الرب كالجبار، كرجل حروب غيرته، يهتف ويصرخ ويقوى على أعدائه" (إشعيا ٤٢/ ١١ - ١٣). وكان النص يتحدث عن السبب الذي يدعو لهذا الفرح، ألا وهو ظهور النبي المنتظر " هو ذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي، وضعت روحي عليه، فيخرج الحق للأمم، لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ، إلى الأمان يخرج الحق، لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته " (إشعيا ٤٢/ ١ - ٤)، فمن هو الفاتح صاحب الشريعة الذي لا ينكسر، من ذا الذي أخرج الحق لكل أمم الأرض، إنه محمد ﷺ . ويتوعد النبي إشعيا بني إسرائيل الذين يحرفون كتاب الله ولا يلتزمون شريعته، يتوعدهم بالنبي صاحب السفر المختوم، النبي الذي لا يعرف القراءة، فيقول: "الرب قد سكب عليكم روح سبات وأغمض عيونكم، الأنبياء ورؤساؤكم الناظرون غطّاهم، وصارت لكم رؤيا الكل مثل كلام السفر المختوم الذي يدفعونه لعارف الكتابة قائلين: اقرأ هذا، فيقول: لا أستطيع لأنه مختوم، أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف الكتابة. (١)

стр. 59

فقال السيد: لأن هذا الشعب قد اقترب إلي بفمه وأكرمني بشفتيه، وأما قلبه فأبعده عني، وصارت مخافتهم مني وصية الناس معلمة، لذلك هانذا أعود أصنع بهذا الشعب عجباً وعجيباً، فتبيد حكمة حكمائه، ويختفي فهم فهمائه، ويل للذين يتعمقون ليكتموا رأيهم عن الرب، فتصير أعمالهم في الظلمة ويقولون: من يبصرنا ومن يعرفنا، يا لتحريفكم، هل يحسب الجابل كالطين حتى يقول المصنوع عن صانعه: لم يصنعني، أو تقول الجبلة عن جابلها: لم يفهم، أليس في مدة يسيرة جداً يتحول لبنان بستاناً، والبستان يحسب وعراً، ويسمع في ذلك اليوم الصمّ أقوال السفر وتنظر من القتام والظلمة عيون " (إشعيا ٢٩/ ١٠ - ١٨)، إنه ذات المعنى الذي تتحدث عنه النصوص، شجرة خضراء تذبل، وأخرى يابسة تخضر وتورق، وذلك حين يفتح السفر المختوم على يد النبي الأميّ. وقوله: " أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف الكتابة "، يسجل اللحظة العظيمة التي يبدأ نزول الوحي فيها على النبي ﷺ ، ففي صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: .. جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملَك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق - خلق الإنسان من علق - اقرأ وربك الأكرم﴾ (العلق:١ - ٣). (١)

стр. 60

وما قاله إشعيا عن أمة اليهود صدقه فيه المسيح، حين قال لليهود: "فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم، يا مراؤون، حسناً تنبأ عنكم إشعياء قائلاً: يقترب إلي هذا الشعب بفمه، ويكرمني بشفتيه، وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً، وباطلاً يعبدونني، وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس" (متى ١٥/ ٦ - ٩). فهذه النبوءة للنبي إشعيا لم تتحقق حتى زمن المسيح ﵇، " لذلك هانذا أعود أصنع بهذا الشعب عجباً وعجيباً، فتبيد حكمة حكمائه ويختفي فهم فهمائه .. أليس في مدة يسيرة جداً يتحول لبنان بستاناً، والبستان يحسب وعراً، ويسمع في ذلك اليوم الصمّ أقوال السفر، وتنظر من القتام والظلمة عيون " (إشعيا ٢٩/ ١٤ - ١٨). إنه يتوعدهم بالنبي صاحب السفر المختوم، النبي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ويتحدث قبله عن النبي القارئ الذي لا يقرأ السفر، لأنه مختوم، فالنبي القارئ هو عيسى ﵇. (انظر لوقا ٤/ ١٦ - ١٨)، لكنه لن يقرأ السفر المختوم الذي سيقرأه النبي الذي لا يعرف الكتابة "وصارت لكم رؤيا الكل مثل كلام السفر المختوم الذي يدفعونه لعارف الكتابة قائلين: اقرأ هذا، فيقول: لا أستطيع، لأنه مختوم، أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف الكتابة".

стр. 61

بشارة يعقوب ﵇ بشيلون وقد توالى الأنبياء وهم يبشرون بمقدم نبي آخر الزمان، ويذكرون صفاته وأحواله والتي من أهمها أنه ليس من بني إسرائيل كما أنه صاحب شريعة تدوم إلى الأبد، يسحق أعداءه، ودعوتُه تكون لخير جميع الأمم. وهذه الصفات لم تتوافر في أحد ادعى النبوة سواه، ولا يمكن للنصارى حمل تلك النبوءات التي يقرون في أنها نبوءات، لا يمكن لهم أن يحملوها على غيره ﷺ ، إذ موسى وعيسى كانا نبيين إلى بني إسرائيل فقط، وكان موسى صاحب شريعة انتصر أتباعه على أعدائهم، وأما عيسى فلم ينزل بشريعة مستقلة، إذ هو نزل بشريعة موسى وبتكميلها، فهو القائل: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل" (متى ٥/ ١٧)، ولم يقيض له أن ينتصر على أعدائه، بل تزعم النصارى أنهم تمكنوا منه وصلبوه. فكيف يقال بأنه المختار الذي يسحق أعداءه وتترقبه الأمم؟ وأقدم النبوءات الكتابية الصريحة التي تحدثت عن النبي الخاتم جاءت في وصية يعقوب لبنيه قبل وفاته حين قال لهم: "ودعا يعقوب بنيه، وقال: اجتمعوا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الأيام، اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب، وأصغوا إلى إسرائيل أبيكم ... لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون، وله يكون خضوع شعوب " (التكوين ٤٩/ ١٠)، فهو يخبرهم عن وقت زوال الملك والشريعة عنهم في آخر الأيام. وأما نسخة الرهبانية اليسوعية، فالنص فيها: "لا يزول الصولجان من يهوذا، ولا عصا القيادة من بين قدميه؛ إلا أن يأتي صاحبها وتطيعه الشعوب". والنص حسب ترجوم يوناثان أوضح، وفيه: "لا يتوقف الملوك والحكام من عائلة

стр. 62

يهوذا، ولا يتوقف معلمو الشريعة من نسله حتى يجيء الملك المسيا أصغر أبنائه". (١) وتختلف التراجم في ثلاث من كلمات النص، فقد أبدل البعض كلمة "قضيب" بالملك أو الصولجان، وكلها بمعنى واحد، وكذا أبدلت كلمة "مشترع" بالراسم والمدبر أو عصا القيادة، وهي متقاربة بمعنى صاحب الشريعة مدبر قومه. وأما الاختلاف الأهم فكان في كلمة "شيلون" التي أبقتها معظم الترجمات على حالها، وفي تراجم عبرانية أخرى قيل: " إلى أن يأتي المسيح "، وقد فسر القس إبراهيم لوقا "شيلون" بالمسيح، واعتبرها ترجمة صحيحة لكلمة " شيلوه " العبرية، ففيه [???????]، وذكرت الطبعة الأمريكية للكتاب المقدس في هامشها أن كلمة " شيلون " تعني: الأمان، أو: الذي له. فما هو المعنى الدقيق للكلمة (شيلون) التي تدور حولها النبوءة؟ في الإجابة عن هذا السؤال يرى القس السابق والخبير في اللغات القديمة عبد الأحد داود أن كلمة " شيلون " لا تخرج في أصلها العبري عن معان، أهمها:- ١) أن تكون من الكلمة سريانية مكونة من كلمتي "بشيتا" و "لوه"، ومعنى الأولى منهما: "هو" أو "الذي"، والثانية: (لوه) معناها: " له "، ويصبح معنى النبوءة حسب ترجمته المفسرة: " إن الطابع الملكي المتنبئ لن ينقطع من يهوذا إلى أن يجيء الشخص الذي يخصه هذا الطابع، ويكون له خضوع الشعوب ". ٢) أن تكون الكلمة محرفة من كلمة " شيلواح " ومعناها: " رسول الله " كما يعبر بالكلمة مجازاً عن الزوجة المطلقة لأنها ترسل بعيداً، وتفسير الكلمة بالرسالة مال إليه القديس جيروم، فترجم العبارة " ذلك الذي أرسل ". (٢)

стр. 63

وأياً كان المعنى فإن النبوءة تتحدث عن شخص تدعوه: شيلون. وليس عن المكان المسمى "شيلون" كما ادعى بعض المفسرين، فمن هو شيلون؟ وليس المقصود بزوال الملك زواله حقيقة، بل زوال أحقيته وموجبه من قبل الله، لأن زوال الملك من اليهود لم يوافق ظهور نبي، أياً كان هذا النبي، فالمقصود زوال الاصطفاء والبركة. ولا يمكن القول بأن شيلون هو موسى، لأن ملوك يهوذا كانوا بعده بقرون، ولا يمكن القول بأنه سليمان، لأن الملك دام بعده في ذريته ولم ترفع به الشريعة، كما لم ترفع بالمسيح الذي ما جاء لنقض الناموس ولم تخضع له شعوب، بل ولا شعب اليهودية الذين بعث إليهم فقال: " لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (متى ١٥/ ٢٤). والمسيح ﵊ لم يملك على بني إسرائيل يوماً واحداً، بل هرب منهم لما أرادوا تمليكه عليهم " لما علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً، انصرف أيضاً إلى الجبل وحده " (يوحنا ٦/ ١٥). ولما ادعى عليه اليهود عند بيلاطس أنه يقول عن نفسه بأنه ملك نفى ذلك، وتحدث عن مملكة روحية مجازية غير حقيقية فقال: " مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود " (يوحنا ١٨/ ٣٦). ولا يمكن أن يكون هذا النبي من بني إسرائيل، لأن مبعثه يقطع صولجان وشريعة إسرائيل كما يفهم من النص، فمن ذا يكون شيلون؟ إنه النبي الذي بشرت به هاجر وإبراهيم " يده على كل واحد " (التكوين ١٦/ ١٢)، والذي قال عنه النبي حزقيال: " يأتي الذي له الحكم فأعطيه إياه " (حزقيال ٢١/ ٢٧).

стр. 64

وقد قال المسيح مبشراً بالذي ينسخ الشرائع بشريعته: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (متى ٥/ ١٧ - ١٨). هذا "الذي له الكل"، هو " الذي له الحكم ". وهو النبي الذي يسميه بولس بالكامل، ومجيئه فقط يبطل الشريعة وينسخها "وأما النبوات فستبطل، والألسنة فستنتهي، والعلم فسيبطل، لأننا نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ، ولكن متى جاء الكامل، فحينئذ يبطل ما هو بعض" (كورنثوس (١) ١٣/ ٨ - ١٠).

стр. 65

موسى ﵇ يبشر بظهور نبي ورسول مثله وينزل موسى ﵇ عن جبل الطور بعد ما كلمه ربه، فيقول مخاطباً بني إسرائيل: "قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه، وأما النبي الذي يطغى، فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي. وإن قلت في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب؟ فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصِر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه " (التثنية ١٨/ ١٧ - ٢٢). والنص كما هو واضح يتحدث عن نبي عظيم يأتي بعد موسى ﵇، ويذكر صفات هذا النبي، والتي نستطيع من خلالها معرفة من يكون. ويزعم النصارى أن هذا النبي قد جاء، وهو عيسى ﵇، فقد قال بطرس في سياق حديثه عن المسيح " فإن موسى قال للآباء: إن نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به، ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب، وجميع الأنبياء أيضاً من صموئيل فما بعده، جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام " (أعمال ٣/ ٢٢ - ٢٦)، فبطرس يرى نبوءة موسى متحققة في شخص المسيح. لكن النص دال على نبينا ﷺ ، إذ لا دليل عند النصارى على تخصيصه بالمسيح، بينما يظهر في النص عند تحليله أدلة كُثر تشهد بأن المقصود به هو نبينا ﷺ . إذ يذكر النص التوراتي أوصاف هذا المبعوث المبشر به:

стр. 66

١) أنه نبي " أقيم لهم نبياً "، والنصارى يدعون للمسيح الإلهية، بل يدعي الأرثوذكس أنه الله نفسه، فكيف يقول لهم: أقيم نبياً، ولا يقول: أقيم نفسي، أو أقيم إلهاً. ٢) أنه من غير بني إسرائيل، بل هو من بين إخوتهم أي أبناء عمومتهم "من وسط إخوتهم"، وعمومة بني إسرائيل هم بنو عيسو بن إسحاق، وبنو إسماعيل بن إبراهيم. ومن المعهود في التوراة إطلاق لفظ " الأخ " على ابن العم، ومن ذلك قول موسى لبني إسرائيل: " أنتم مارون بتخم إخوتكم بنو عيسو " (التثنية ٢/ ٤)، وبنو عيسو بن إسحاق - كما سلف - هم أبناء عمومة لبني إسرائيل، وجاء نحوه في وصف أدوم، وهو من ذرية عيسو "وأرسل موسى رسلاً من قادش إلى ملك أدوم، هكذا يقول أخوك إسرائيل: قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا" (العدد٢٠/ ١٤)، وفي موضع آخر "لا تكره أدومياً لأنه أخوك" (التثنية ٢٣/ ٧). فسماه أخاً، وأراد أنه من أبناء عمومة إسرائيل. ومثله سمى سفر الأيام الملك صدقيا أخاً للملك يهوياكين، فقال: "أرسل الملك نبوخذ ناصّر فأتى به (أي الملك يهوياكين) إلى بابل مع آنية بيت الرب الثمينة، وملك صدقيا أخاه على يهوذا وأورشليم" (الأيام (٢) ٣٦/ ١٠)، وهو في الحقيقة عمه، كما نص عليه سفر الملوك، فقال: "ملّك ملك بابل متّنيا عمه عوضاً عنه، وغيّر اسمه إلى صدقيا" (الملوك (٢) ٢٤/ ١٧ - ١٨)، فاستخدم لفظ الأخ، ومراده العم، مما يؤكد صحة هذا الاستخدام في قوله: "إخوتهم"، ومراده أبناء عمومتهم. وعليه فهذا النبي يحتمل أن يكون من العرب تحقيقاً للبركة الموعودة في نسل إسماعيل، وقد يكون من بني عيسو بكر إسحاق. لكن أحداً من بني عيسو لم يدع أنه النبي المنتظر.

стр. 67

٣) هذا النبي من خصائصه أنه مثل لموسى الذي لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله "ولم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه" (التثنية: ٣٤/ ١٠)، وقد جاء في النسخة السامرية من التوراة ما تعريبه: "ولا يقوم أيضاً نبي في بني إسرائيل كموسى الذي ناجاه الله" (التثنية ٣٤/ ١٠). وهذه الخصلة، أي المثلية لموسى متحققة في نبينا ﷺ ، ممتنعة في أخيهما المسيح عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، حيث نرى الكثير من أمثلة التشابه بين موسى ومحمد ﷺ ، والتي لا نجدها في المسيح، من ذلك ميلادهما الطبيعي، وزواجهما، وكونهما صاحبا شريعة، وكل منهما بعث بالسيف على عدوه، وكلاهما قاد أمته، وملك عليها، وكلاهما بشر، بينما تزعم النصارى بأن المسيح إله، وهذا ينقض كل مثل لو كان. وقد وصف المسيحُ النبيَ القادم بمثلية موسى، صارفاً إياه عن نفسه فقال: " لا تظنوا أني أشكوكم إلى الآب، يوجد الذي يشكوكم، وهو موسى الذي عليه رجاؤكم، لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني، فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي" (يوحنا ٥/ ٤٥ - ٤٧)، فسماه موسى المرجو أو المنتظر، لمشابهته له. وعن هذا الذي يشكو بني إسرائيل يقول المسيح: " أجاب يسوع: أنا ليس بي شيطان، لكني أكرم أبي وأنتم تهينونني، أنا لست أطلب مجدي، يوجد من يطلب ويدين" (يوحنا ٨/ ٤٩ - ٥٠). ٤) من صفات هذا النبي أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، والوحي الذي يأتيه وحي شفاهي، يغاير ما جاء الأنبياء قبله من صحف مكتوبة " وأجعل كلامي في فمه "، وقد كان المسيح ﵇ قارئاً (انظر لوقا ٤/ ١٦ - ١٨). ٥) أنه يتمكن من بلاغ كامل دينه، فهو " يكلمهم بكل ما أوصيه به ". وهو

стр. 68

وصف منطبق على محمد ﷺ ، فقد كان من أواخر ما نزل من القرآن عليه ﷺ قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ (المائدة: ٣). وقد وصفه المسيح في نبوءة البارقليط، التي يأتي شرحها، فقال: " وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلّمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يوحنا ١٤/ ٢٦). ولا يمكن أن يكون المسيح ﵇ هو ذلك النبي الذي يبلغ كل ما يوصيه به ربه، فقد رفع المسيح ﵇، ولديه الكثير مما يود أن يبلغه إلى تلاميذه، لكنه لم يتمكن من بلاغه، لكنه بشرهم بالقادم الذي سيخبرهم بكل الحق، لأنه النبي الذي تكمل رسالته، ولا يحول دون بلاغها قتله أو إيذاء قومه، يقول ﵇: " إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به" (يوحنا ١٦/ ١٢ - ١٣). ٦) أن الذي لا يسمع لكلام هذا النبي فإن الله يعاقبه، " ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه "، وقد فسرها بطرس، فقال: " ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبي تباد من الشعب "، فهو نبي واجب السمع والطاعة على كل أحد. ومن لم يسمع له تعرض لعقوبة الله، وهو ما حاق بجميع أعداء النبي ﷺ ، حيث انتقم الله من كل من كذبه من مشركي العرب والعجم، وقد قال المسيح عنه في نبوءة الكرامين - ويأتي شرحها-: "ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه " (متى ٢١/ ٤٤)، فهو الحجر الصلب الذي يفني أعداءه العصاة، والذي بشر بمقدمه النبي دانيال "وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات

стр. 69

مملكة لن تنقرض أبداً، ومَلِكها لا يُترك لشعب آخر، وتسحق وتفني كل هذه الممالك، وهي تثبت إلى الأبد، لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين، فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب" (دانيال ٢/ ٢١ - ٤٥). وأما المسيح ﵇ فلم يكن له هذه القوة وتلك المنعة، ولم يتوعد حتى قاتليه، فكيف بأولئك الذين لم يسمعوا كلامه، فقد قال لوقا في سياق قصة الصلب " فقال يسوع: يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا ٢٣/ ٣٤)، فأين هو من خبر ذاك " الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه". ٧) من صفات هذا النبي أنه لا يقتل، بل يعصم الله دمه عن أن يتسلط عليه السفهاء بالقتل، فالنبي الكذاب عاقبته "يموت ذلك النبي"، أي يقتل، فالقتل نوع منه، ولأن كل أحد يموت، وهنا يزعم النصارى بأن المسيح قتل، فلا يمكن أن يكون هو النبي الموعود. وبالرجوع إلى التراجم القديمة للنص نرى أن ثمة تحريفاً وقع في الترجمة، فقد جاء في طبعة ١٨٤٤م " فليقتل ذلك النبي "، ولا يخفى سبب هذا التحريف. ٨) يتحدث عن الغيوب ويصدق الواقع كلامه، وهذا النوع من المعجزات يكثر في القرآن والسنة - مما يطول المقام بذكره -، ويكفي هنا أن أورد نبوءة واحدة مما تنبأ به ﷺ ، فكان كما أخبر. ففي عام ٦١٧ م كادت دولة الفرس أن تزيل الإمبرطورية الرومانية من خارطة الدنيا، فقد وصلت جيوش كسرى أبرويز الثاني إلى وادي النيل، ودانت له أجزاء عظيمة من مملكة الرومان، ففي سنوات معدودة تمكن جيش الفرس من السيطرة على بلاد الشام وبعض مصر، واحتلت جيوشهم أنطاكيا شمالاً، مما يؤذن بنهاية وشيكة للإمبرطورية الرومانية، وأراد هرقل أن يهرب من القسطنطينية، لولا أن كبير أساقفة

стр. 70

الروم أقنعه بالصمود وطلب الصلح الذليل من الفرس. ووسط هذه الأحداث، وخلافاً لكل التوقعات أعلن النبي ﷺ أن الروم سينتصرون على الفرس في بضع سنين، أي فيما لا يزيد عن تسع سنين، فقد نزل عليه قوله: ﴿غلبت الروم - في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون - في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون - بنصر الله﴾ (الروم: ٢ - ٥). وكان كما تنبأ، ففي عام ٦٢٣، ٦٢٤، ٦٢٥م استطاع هرقل أن يتخلص من لهوه ومجونه، وشن ثلاث حملات ناجحة أخرجت الفرس من بلاد الشام، وفي عام ٦٢٧م واصل الرومان زحفهم حتى وصلوا إلى ضفاف دجلة داخل حدود الدولة الفارسية، واضطر الفرس لطلب الصلح مع الرومان، وأعادوا لهم الصليب المقدس الذي كان قد وقع بأيديهم، فمن ذا الذي أخبر محمداً ﷺ بهذه النبوءة العظيمة؟ إنه النبي الذي تنبأ عنه موسى ﵇. يقول المؤرخ إدوار جِبن: "في ذلك الوقت، حين تنبأ القرآن بهذه النبوءة، لم تكن أية نبوءة أبعد منها وقوعاً، لأن السنين الاثنتي عشر الأولى من حكومة هرقل كانت تؤذن بانتهاء الإمبرطورية الرومانية". (١) روى الترمذي عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿غلبت الروم - في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون - في بضع سنين﴾ قال: كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم، لأنهم وإياهم أهل الأوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل الكتاب، فذكروه لأبي بكر،

стр. 71

فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ قال: أما إنهم سيغلبون، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلاً خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: ألا جعلته إلى دون العشر. قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر. قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿غلبت الروم - في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون - في بضع سنين﴾. (١) وهكذا ظهر لكل ناظر منصف أن النبي الذي تنبأ عنه موسى لم تتحقق أوصافه في المسيح العظيم ﵊، وتحققت في أخيه محمد صلى الله عليهما وسلم تسليماً كثيراً. ومما يؤكد ذلك أنه هذه الصفات مجتمعة لم تتوافر في غيره من الأنبياء، فإن اليهود لا يقولون بمجيء هذا المسيح فيما سبق، بل مازالوا ينتظرونه. إذ لما بعث يحيى ﵇ ظنه اليهود النبي الموعود، وأقبلوا عليه يسألونه " النبي أنت؟ فأجابهم: لا " (يوحنا ١/ ٢١)، أي لست النبي الذي تنتظره اليهود. ثم أراد تلاميذ المسيح أن تتحقق النبوءة في المسيح، فذات مرة لما رأوا معجزاته " قالوا: إن هذا بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم. وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً، انصرف أيضاً إلى الجبل وحده " (يوحنا ٦/ ١٤ - ١٥)، فقد أراد تلاميذ المسيح تنصيبه ملكاً

стр. 72

ليحققوا النبوءة الموجودة لديهم عن النبي المنتظر الذي يملك ويحقق النصر لشعبه، فلما علم المسيح ﵇ أنه ليس النبي الموعود هرب من بين أيديهم. ويرى النصارى أن ثمة إشكالاً في النص التوراتي (التثنية ١٨/ ١٧ - ٢٢) يمنع قول المسلمين، فقد جاء في مقدمة سياق النص أن الله لما كلم موسى قال: " يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتك مثلي ... قد أحسنوا في ما تكلموا: أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك " (التثنية ١٨/ ١٥ - ١٨)، فقد وصفت النبي بأنه "من وسطك" أي من بني إسرائيل، ولذا ينبغي حمل المقطع الثاني من النص على ما جاء في المقطع الأول، فالنبي " من وسطك " أو كما جاء في بعض التراجم "من بينك" أي أنه إسرائيلي. لكن التحقيق يرد هذه الزيادة التي يراها المحققون تحريفاً، بدليل أن موسى لم يذكرها، وهو يعيد خبر النبي على مسامع بني إسرائيل، فقال: " قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلموا، أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك " (التثنية ١٨/ ١٧ - ١٨)، ولو كانت من كلام الله لما صح أن يهملها. كما أن هذه الزيادة لم ترد في اقتباس بطرس واستفانوس للنص كما جاء في أعمال الرسل قال بطرس: "فإن موسى قال للآباء: إن نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به" (أعمال ٣/ ٢٢). وقال استفانوس: "هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل: نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون" (أعمال ٧/ ٣٧)، فلم يذكرا تلك الزيادة، ولو كانت أصلية لذكرت في سائر المواضع.

стр. 73

نبوءة موسى وحبقوق عن البركة الموعودة في أرض فاران وقبيل وفاة موسى ﵇ ساق لبني إسرائيل خبراً مباركاً، فقد جاء في سفر التثنية: "هذه البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة، فأحب الشعب، جميع قديسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك، يتقبلون من أقوالك" (التثنية ٣٣/ ١ - ٣). وأكد هذه النبوءة النبي حبقوق، حيث ذكر خبراً أفزعه، لأنه يشير إلى انتقال النبوة بعيداً عن قومه بني إسرائيل، يقول: "يا رب قد سمعت خبرك، فجزعت، يا رب عملك في وسط السنين أحْيِه، في وسط السنين عرّف، في الغضب اذكر الرحمة، الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع، وهناك استتار قدرته، قدامه ذهب الوبأ، وعند رجليه خرجت الحمى، وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الأمم .... " (حبقوق ٣/ ٣ - ٦). وقبل أن نمضي في تحليل النص نتوقف مع الاختلاف الكبير الذي تعرض له هذا النص في الترجمات المختلفة. فقد جاء في الترجمة السبعينية: "واستعلن من جبل فاران، ومعه ربوة من أطهار الملائكة عن يمينه، فوهب لهم وأحبهم، ورحم شعبهم، وباركهم وبارك على أظهاره، وهم يدركون آثار رجليك، ويقبلون من كلماتك. أسلم لنا موسى مثله، وأعطاهم ميراثاً لجماعة يعقوب ". وفي ترجمة الآباء اليسوعيين: "وتجلى من جبل فاران، وأتى من رُبى القدس، وعن يمينه قبس شريعة لهم".

стр. 74

وفي ترجمة ١٦٢٢م العربية: " شرف من جبل فاران، وجاء مع ربوات القدس، من يمينه الشريعة "، ومعنى ربوات القدس أي ألوف القديسين الأطهار، كما في ترجمة ١٨٤١م " واستعلن من جبل فاران، ومعه ألوف الأطهار، في يمينه سنة من نار ". واستخدام ربوات بمعنى ألوف أو الجماعات الكثيرة معهود في الكتاب المقدس "ألوف ألوف تخدمه، وربوات ربوات وقوف قدامه" (دانيال ٧/ ١٠)، ومثله قوله: "كان يقول: ارجع يا رب إلى ربوات ألوف إسرائيل" (العدد ١٠/ ٣٦)، فالربوات القادمين من فاران هم الجماعات الكثيرة من القديسين، الآتين مع قدوسهم الذي تلألأ في فاران. والنص التوراتي يتحدث عن ثلاثة أماكن تخرج منها البركة، أولها: جبل سيناء حيث كلم الله موسى. وثانيها: ساعير، وهو جبل يقع في أرض يهوذا. (انظر يشوع ١٥/ ١٠)، وثالثها: هو جبل فاران. وتنبئ المواضع التي ورد فيها ذكر " فاران " في الكتاب المقدس أنها تقع في صحراء فلسطين في جنوبها. لكن تذكر التوراة أيضاً أن إسماعيل قد نشأ في برية فاران. (انظر التكوين ٢١/ ٢١)، ومن المعلوم تاريخياً أنه نشأ في مكة المكرمة في الحجاز. ويرى المسلمون أن النص نبوءة عن ظهور عيسى ﵇ في سعير في فلسطين، ثم محمد ﷺ في جبل فاران، حيث يأتي ومعه الآلاف من الأطهار مؤيدين بالشريعة من الله . وذلك متحقق في رسول الله لأمور: ١) أن جبل فاران هو جبل مكة، حيث سكن إسماعيل، تقول التوراة عن إسماعيل: " كان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر " (التكوين ٢١/ ٢٠ - ٢١).

стр. 75

وقد انتشر أبناؤه في هذه المنطقة، فتقول التوراة: " هؤلاء هم بنو إسماعيل ... وسكنوا من حويلة إلى شور " (التكوين ٢٥/ ١٦ - ١٨)، وحويلة كما جاء في قاموس الكتاب المقدس منطقة في شمال أرض اليمن، بينما شور في جنوب فلسطين. (١) وعليه فإن إسماعيل وأبناءه سكنوا هذه البلاد الممتدة جنوب الحجاز وشماله، وهو يشمل أرض فاران التي سكنها إسماعيل. كما وقد قامت الأدلة التاريخية على أن فاران هي الحجاز، حيث بنى إسماعيل وأبوه الكعبة، وحيث تفجر زمزم تحت قدميه، وهو ما اعترف به عدد من المؤرخين كما نقل عنهم المؤرخ الهندي مولانا عبد الحق فدرياتي في كتابه " محمد في الأسفار الدينية العالمية"، ومن هؤلاء المؤرخ الكنسي يوسبيوس في كتابه ( The Onomasticon) " أماكن الكتاب المقدس"، فقد ذكر بأن فاران في صحراء العرب، وقد ترجمه اللاهوتي جيروم من اليونانية إلى اللاتينية، فوافقه وزاد عليه بقوله: إنّ صحراء السرسيين تسمى فاران. (٢) وجاء في قاموس Strong's Hebrew Bible Dictionary أن فاران هي صحراء العرب، حيث يقول: " Paran, a desert of Arabia". ٢) أن وجود منطقة اسمها فاران في جنوب سيناء لا يمنع من وجود فاران أخرى، هي تلك التي سكنها إسماعيل، فقد ورد مثلاً إطلاق اسم سعير على المنطقة التي تقع في أرض أدوم والتي هي حالياً في الأردن، وتكرر ذلك الإطلاق في مواضع عديدة في الكتاب، ولم تمنع كثرتها أن يطلق ذات الاسم على جبل في وسط فلسطين غربي القدس في أرض سبط يهوذا. (انظر يشوع ١٥/ ١٠). ولنا أن نسأل أولئك الذين يصرون على أن فاران هي فاران سيناء: من هو القدوس الذي تلألأ من ذلكم الجبل الذي لا يرتبط بأدنى علاقة بأي من أحداث الإنسانية المهمة، فمن الذي تلألأ عليه؟
следующие страницы →