← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 38191

هل بشر الكتاب المقدس بمحمد صلى الله عليه وسلم

منقذ السقار

Полный текст (133 стр.). Показаны 106–133 · переход к 111.

стр. 106

"ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه ... حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان " (متى ١٧/ ١٢ - ١٣). ومن التحريف قولهم أن المعمدان أخبر أن القوي الذي بشر بقدومه بعده هو المسيح "ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه، هو الذي يأتي بعدي الذي صار قدامي، الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه .. وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه فقال: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم، هذا هو الذي قلت عنه: يأتي بعدي رجل صار قدامي، لأنه كان قبلي" (يوحنا ١/ ٢٦ - ٤٠). ودعوانا التحريف ليس مردها عدم اتفاق هذه النصوص مع المسألة التي نحن بصدد إثباتها، بل مرده أن يوحنا المعمدان أنكر أن يكون هو النبي إيليا الممهد بين يدي السيد القادم، فقد نفى هو ذلك عن نفسه لما جاءه رسل اليهود من الكهنة واللاويين " ليسألوه من أنت؟ فاعترف ولم ينكر، وأقر: إني لست أنا المسيح. فسألوه إذاً ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لست أنا. النبي أنت؟ فأجاب: لا " (يوحنا ١/ ١٩ - ٢١)، فهذا نص صريح ينكر فيه يوحنا أنه إيليا الممهد للطريق، كما هو ليس المسيح المنتظر أو النبي القادم. ويلزم من قول المعمدان تكذيب المسيح في قوله بأن إيليا قد جاء أو أن يكون المعمدان كاذباً حين أنكر أنه إيليا، أو يلزم القول بأن التلاميذ لم يفهموا كلام المسيح، وهذا الأخير هو الأولى، فقد أخطأ متى حين قال: " حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان "، لقد ظنوا أنهم فهموا، بينما الحقيقة أنهم لم يفهموا، لقد كان يحدثهم عن نفسه، فهو النبي القادم الذي يهيئ الطريق للقادم المنتظر " هأنذا أرسل ملاكي، فيهيء الطريق أمامي، ويأتي بغتة إلى هيكله السيدُ الذي تطلبونه، وملاك العهد الذي تسرون به، هو ذا يأتي، قال رب الجنود".

стр. 107

ثم إن صفات إيليا لا تنطبق على المعمدان، لأنه يأتي بعد المسيح، فقد قال المسيح عنه: " إيليا المزمع أن يأتي" والمسيح والمعمدان متعاصران. وعندما يأتي إيليا فإنه " يرد كل شيء "، و " فيرد قلب الآباء على الأبناء، وقلب الأبناء على آبائهم "، ومثل هذا لم ينقل عن المعمدان الذي عاش في الصحراء، طعامه الجراد والعسل، ولباسه وبر الإبل، وغاية ما صنعه تعميد من جاءه تائباً. (انظر متى ٣/ ١ - ٥). ولا يمكن التسليم بأن المعمدان كان تمهيداً للمسيح، إذ كيف يقال ذلك، والمعمدان قبيل مقتله - حسب الأناجيل - لا يعرف حقيقة المسيح، ويرسل تلاميذه ليسألوا المسيح " أنت هو الآتي أم ننتظر غيرك؟ " (متى ١١/ ٣). فكيف يقال بأنه أرسل بين يديه، وهو لم يعرف حقيقته؟ ثم ماذا صنع يوحنا بين يدي مقدم المسيح؟ هل صنع شيئاً يتعلق بالمهمة التي تزعمها الأناجيل له؟ لم يرد عنه سوى البشارة بالملكوت كما بشر به المسيح بعده. (انظر متى ٣/ ١) كما كان يعمد الذين يأتونه معترفين بخطاياهم. (انظر متى ٣/ ٦)، وهذا الذي صنعه المسيح أيضاً، وهو ما يؤكد أن دعوتهما واحدة، ألا وهي البشارة بالنبي ﷺ نبي الملكوت، كما قال: " فقال لهم: إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله، لأني لهذا قد أرسلت" (لوقا ٤/ ٣٤)، فقد أرسل للبشارة بالملكوت القادم، فهو ممهد ومبشر بين يديه. والحق أن المعمدان وعيسى صاحبا دعوة واحدة، أي كلاهما بعث مبشراً بالنبي الخاتم، فهما المبشِران بالنبي الخاتم، والذي أسماه متى بملكوت السماوات، فقد بشر باقتراب عصره النبي يوحنا المعمدان، " جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية قائلاً: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى ٣/ ١ - ٢).

стр. 108

وبعد وفاة يوحنا المعمدان جدد يسوع البشارة بالملكوت، " ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى ٤/ ١٧)، " وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت " (متى ٤/ ٢٣). وأمر تلاميذه بأن يبشروا باقتراب الملكوت فقال: " اكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى ١٠/ ٧)، لقد كانت دعوتهما واحدة، وهي البشارة والتمهيد للنبي القادم. وكما لم يتحقق في المعمدان صفات الممهد للنبي القادم، فإن الصفات التي ذكرها يوحنا المعمدان للآتي بعده لم تتحقق في المسيح، فقد قال المعمدان: " أنا أعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار، الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ، حينئذٍ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه " (متى ٣/ ١١ - ١٣). فالقادم المبشر به سيعمد بالروح القدس والنار، أما المسيح ﵇ فلم يعمد أحداً طوال حياته، وإن كان شاع بين الناس أنه يعمد، لكنه لم يفعل ذلك حقيقة، وإن صنعه تلاميذه باسمه "فلما علم الرب أن الفريسيين سمعوا أن يسوع يصيّر ويعمد تلاميذ أكثر من يوحنا، مع أن يسوع نفسه لم يكن يعمد بل تلاميذه" (يوحنا ٤/ ١ - ٢). وذكر المعمدان أن الآتي بعده يعمد بالروح والنار، أي يملك سلطان الدين والدنيا لتغيير المنكر والحفز على التوبة، فهو لا يتوقف عن حدود الطهارة الظاهرية للجسد بالاغتسال بالماء، بل يهتم بطهارة الباطن، ووسيلته ما يأتي به روح القدس (جبريل) من وحي وبلاغ وبيان، كما قام بتطهير كثير من الأرض من الوثنية بالنار. ومثل هذه المعمودية لم يفعلها المسيح الذي عمد تلاميذه بالماء، وكانت بشارته

стр. 109

استمراراً لمعمودية المعمدان، وهي البشارة بالتوبة ومغفرة الخطايا فإن المسيح دعا - بعد حادثة الصلب والقيامة - كل واحد من تلاميذه "أن يُكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا" (لوقا ٢٤/ ٤٧)، فلم تختلف معموديته ﵇ عن معمودية المعمدان في شيء. (انظر يوحنا ٣/ ٢٢ - ٢٣). واستمر تلاميذه بعده يعمدون بالماء كما كان المعمدان يعمد، ولما جاء بولس إلى جاء إلى أفسس، فإذ وجد تلاميذ قال لهم: هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم. قالوا له: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس. فقال لهم: فبماذا اعتمدتم؟ فقالوا: بمعمودية يوحنا. فقال بولس: إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة قائلاً للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي بالمسيح يسوع، فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع" (أعمال ١٩/ ١ - ٥)، ولو كان للمسيح ﵇ تعميد يخالف ما عليه تعميد المعمدان ﵇ لعرف بين التلاميذ وشاع. كما وصف المعمدان النبي القادم بعده بأنه " أقوى مني"، وليس في دعوة المسيح أو حياته الشخصية ما يشير إلى هذه القوة، فكلاهما لم يبعث بشرع جديد، كما لم يملك على قومه، ولم يكن لأي منهما نفوذ أو سلطان، بل تزعم النصارى - باطلاً - أن كلاً منهما مات مقتولاً! فأين القوة التي ذكرها المعمدان؟ كما لم يحقق المسيح قول المعمدان عن النبي الآتي: "رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ " وهذه كناية يفسرها الدكتور وليم أدي بقوله: " كناية عن نهاية العمل كله، ويمكن أن يكون القصد من هذا التشبيه: الإشارة إلى تأديب الله للناس وقصاصه لهم في هذه الحياة"، بل هو كناية أبعد من ذلك، إذ تبين سلطانه الذي ينقي الأصل الذي أنزله الله على أنبيائه مما علق فيه، فيحذف الترهات الدخيلة ويزيفها.

стр. 110

وعليه فالآتي المبشر به هو محمد ﷺ ، وهو فقط الذي أتى إلى أرض القدس والهيكل بغتة يوم أسري به إلى بيت المقدس، بينما نشأ المسيح ويوحنا في ربوع الهيكل. وهو النبي الذي سمته بعض الترجمات برسول الختان، إذ كان قد دعا إليه ونبه إلى أنه من سنن الهدى، والتزمه المسلمون بعده.

стр. 111

الأصغر في ملكوت الله وثمة بشارة أخرى جاءت على لسان المسيح تبشر بالمسيح المنتظر ﷺ ، وتؤكد أنه أعظم الأنبياء، وأنه النبي المسمى إيليّا، وأنه الذي تقاطرت النبوات على البشارة به، يقول المسيح: " الحق الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه .. لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤوا، وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع " (متى ١١/ ١١ - ١٥)، فالأصغر في ملكوت السماوات هو إيلياء المزمع أن يأتي، الذي تنبأ به الأنبياء، نبياً تلو نبي، وكان آخرهم يوحنا المعمدان. فمن هو إيليّا، الأصغر في ملكوت السماوات؟ إنه محمد رسول الله ﷺ الذي صغر بتأخره في الزمان عن سائر الأنبياء، لكنه فاقهم جميعاً باكتمال رسالته ورضا الله بدينه ديناً خاتماً إلى قيام الساعة، فإن لم يكن محمداً ﷺ فمن ذا يكون؟ ولا يمكن لنصراني أن يدعي بأن عيسى هو آخر الرسل والأنبياء لإيمانهم برسالة تلاميذه بل وغيرهم كبولس، كما لم تكمل رسالته ﵇ بدليل التعديل والنسخ الذي أجراه الحواريون عليها في المجمع الأورشليمي الأول بزعم التيسير على المتنصرين، فأبطلوا الختان، وأحلوا بعض محرمات التوراة. وعليه فلا تصدق على المسيح ﵇ كلمة " الأصغر "، لأنه ليس آخر الأنبياء، كما أنه لم يصرح ولا يفهم أنه كان يتحدث عن نفسه حين قال: " ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه .. لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤوا، وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليّا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع " (متى ١١/ ١١ - ١٥).

стр. 112

وهذا الأصغر إنما يأتي في ملكوت السماوات التي لم تكن قد قامت يومذاك، وهو مزمع أن يأتي ولما يأت بعد، إنه محمد ﷺ .

стр. 113

المسيح يبشر بالبارقليط لكن أعظم بشارات العهد الجديد بالنبي الخاتم هي نبوءات المسيح ﵇ عن مجيء البارقليط إلى هذا العالم. وينفرد يوحنا في إنجيله بذكر هذه البشارات المتوالية من المسيح بهذا النبي المنتظر، حيث يقول المسيح موصياً تلاميذه: " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر، ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم ... إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً. الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني، بهذا كلمتكم وأنا عندكم، وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم ... . قلت لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون، لا أتكلم أيضاً معكم كثيراً، لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيّ شيء " (يوحنا ١٤/ ١٥ - ٣٠). وفي الإصحاح الذي يليه يعظ المسيح ﵇ تلاميذه طالباً منهم حفظ وصاياه، ثم يقول: " متى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي في الابتداء. قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا، سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله ... قد ملأ الحزن قلوبكم، لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم.

стр. 114

ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة، أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي، وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً، وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين. إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم" (يوحنا ١٥/ ٢٦ - ١٦/ ١٤). ففي هذه النصوص يتحدث المسيح ﵇ عن صفات الآتي بعده، فمن هو هذا الآتي؟ البارقليط عند النصارى يجيب النصارى بأن الآتي هو روح القدس الذي نزل على التلاميذ يوم الخمسين ليعزيهم في فقدهم للسيد المسيح، وهناك " صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدءوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا " (أعمال ٢/ ١ - ٤). ولا تذكر أسفار العهد الجديد شيئاً - سوى ما سبق - عن هذا الذي حصل يوم الخمسين من قيامة المسيح. يقول الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا: " البارقليط هو روح الله القدوس نفسه المعزي، البارقليط: المعزي " الروح القدس الذي يرسله الأب باسمي " (يوحنا ١٤/ ٢٦)، وهو الذي نزل عليهم يوم الخمسين (أعمال ٢/ ١ - ٤) فامتلأوا به وخرجوا للتبشير، وهو مع الكنيسة وفي المؤمنين، وهو هبة ملازمة للإيمان والعماد ". (١)

стр. 115

ويقول معجم اللاهوت الكتابي: " لفظ بارقليط، (باليونانية parakletos) لفظ مأخوذ من كتابات القديس يوحنا، وهو يعبّر ليس عن طبيعة شخص، بل عن وظيفته .. فهو من يلعب دور المساعد الإيجابي، والمحامي، والمؤيد، ويقوم بهذه المهمة يسوع المسيح الذي هو "شفيع لنا عند الآب وهو كفارة عن خطايانا" في السماء (يوحنا (١) ٢/ ١)، كما يقوم بها أيضاً الروح القدس الذي يحقق حضور يسوع فعلياً من حيث هو الشاهد والمدافع عنه بين المؤمنين". (١) البارقليط عند المسلمين ويعتقد المسلمون أن ما جاء في يوحنا عن المعزي رئيس هذا العالم الآتي، إنما هو بشارة من المسيح بنبينا ﷺ ، وذلك يظهر من أمور: منها أن لفظة " المعزي " لفظة حديثة استبدلتها التراجم الجديدة للعهد الجديد، فيما كانت التراجم العربية القديمة (١٨٢٠م، ١٨٣١م، ١٨٤٤م) تضع الكلمة اليونانية (البارقليط) كما هي، وهو ما تصنعه كثير من التراجم العالمية. وفي تفسير كلمة " بارقليط " اليوناني نقول: إن هذا اللفظ اليوناني الأصل، لا يخلو من أحد حالين، الأول أنه "باراكلي توس". فيكون حسب قول النصارى بمعنى: المعزي والمعين والوكيل. والثاني أنه " بيروكلوتوس "، فيكون قريباً من معنى: محمد وأحمد. ويقول أسقف بني سويف الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل يوحنا: " إن لفظ بارقليط إذا حرف نطقه قليلاً يصير "بيركليت"، ومعناه: الحمد أو الشكر، وهو

стр. 116

قريب من لفظ أحمد". (١) ويسأل عبد الوهاب النجار الدكتور كارلو نيلنو - الحاصل على الدكتوراه في آداب اليهود اليونانية القديمة - عن معنى كلمة " بيركلوتس " فيقول: " الذي له حمد كثير ". ومما يؤكد خطأ الترجمة أن اللفظة اليونانية (بيركلوتس) اسم لا صفة، فقد كان من عادة اليونانيين زيادة السين في آخر الأسماء، وهو ما لا يصنعونه في الصفات. ويرى عبد الأحد داود أن تفسير الكنيسة للبارقليط بأنه " شخص يدعى للمساعدة أو شفيع أو محام أو وسيط " غير صحيح، فإن كلمة بارقليط اليونانية لا تفيد أياً من هذه المعاني، فالمعزي في اليونانية يدعى (باراكالون أو باريجوريتس)، والمحامي تعريب للفظة (سانجرس)، وأما الوسيط أو الشفيع فتستعمل له لفظة " ميديتيا "، وعليه فعزوف الكنيسة عن معنى الحمد إلى أي من هذه المعاني إنما هو نوع من التحريف. ويوافقه القس الدكتور سمبسون، فيقول: "الاسم المعزي ليس ترجمة دقيقة جداً" (٢). ويعترف به معجم اللاهوت الكتابي، حين كتب مؤلفوه: " ومعنى "المعزي" - المشتق على الأرجح من أصل لغوي خاطئ - غير وارد في العهد الجديد". (٣) ومما سبق يتضح أن ثمة خلافاً بين المسلمين والنصارى في الأصل اليوناني لكلمة " بارقليط " حيث يعتقد المسلمون أن أصلها " بيركلوتوس " وأن ثمة تحريفاً قام به النصارى لإخفاء دلالة الكلمة على اسم النبي ﷺ أحمد: الذي له حمد كثير.

стр. 117

ومثل هذا التحريف لا يستغرب وقوعه في كتب القوم، ففيها من الطوام مما يجعل تحريف كلمة " البيرقليط " من السهل الهين. كما أن وقوع التصحيف والتغير في الأسماء كثير عند الترجمة بين اللغات وفي الطبعات، فاسم "بارباس" في الترجمة البروتستانتية هو في نسخة الكاثوليك " بارابا "، وكذا (المسيا، ماشيح) و (شيلون، شيلوه) وسوى ذلك، وكلمة " البارقليط " مترجمة عن السريانية لغة المسيح الأصلية فلا يبعد أن يقع مثل هذا التحوير حين الترجمة. ولجلاء التحريف في هذه الفقرة فإن أدوين جونس في كتابه " نشأة الديانة المسيحية " يعترف بأن معنى البارقليط: محمد، لكنه يطمس اعترافه بكذبة وطامّة لا تنطلي على أهل العلم والتحقيق، فيقول بأن المسيحيين أدخلوا هذا الاسم في إنجيل يوحنا جهلاً منهم بعد ظهور الإسلام وتأثرهم بالثقافة الدينية للمسلمين. وأما المستشرق النمساوي المتعصب لويس سبرنجر (تـ ١٨٩٣م) في كتابه عن سيرة النبي ﷺ فيحل المسألة بطريقة - لا ريب أنها - ستدهش القارئ وتثير عجبه، فيزعم أن اسم النبي الحقيقي هو قثم، وأن النبي ﷺ تسمى باسم محمد في المدينة المنورة، بعد اختلاطه بالنصارى، وقد التقطه من خلال قراءته لنبوءات الأناجيل عن البارقليط (المنحمنا بالسريانية). وقد أيده عدد من المستشرقين منهم المستشرق الفرنسي اليهودي هرتويغ درنبرغ Hartwig Derenbourg ( تـ ١٩٠٨م)، والمستشرق الألماني المتعصب ثيودور نولدكه (تـ ١٩٣٠م) صاحب كتاب "تاريخ القرآن"، والمستشرق الإيطالي الأمير ليون كايتاني في كتابه الشهير حوليات الإسلام ( nnalli dell' Islam) . (١)

стр. 118

البارقليط بشر نبي، وليس روح القدس وأياً كان المعنى للبارقليط: أحمد أو المعزي فإن الأوصاف والمقدمات التي ذكرها المسيح للبارقليط تمنع أن يكون المقصود به روح القدس، وتؤكد أنه كائن بشري يعطيه الله النبوة. وذلك واضح من خلال التأمل في نصوص يوحنا عن البارقليط. - فإن يوحنا استعمل في حديثه عن البارقليط أفعالاً حسية (الكلام، والسمع، والتوبيخ) في قوله: " كل ما يسمع يتكلم به " وهذه الصفات لا تنطبق على الألسنة النارية التي هبت على التلاميذ يوم الخمسين، إذ لم ينقل أن الألسنة النارية تكلمت يومذاك بشيء، وأما الروح فغاية ما يصنعه إنما هو الإلهام القلبي، وأما الكلام فهو صفة بشرية، لا روحية. وقد فهم أوائل النصارى قول يوحنا بأنه بشارة بكائن بشري، وادعى مونتنوس في القرن الثاني (١٨٧م) أنه البارقليط القادم، ومثله صنع ماني في القرن الرابع فادعى أنه البارقليط، وتشبه بالمسيح فاختار اثنا عشر تلميذاً وسبعون أسقفاً أرسلهم إلى بلاد المشرق، ولو كان فهمهم للبارقليط أنه الأقنوم الثالث لما تجرؤوا على هذه الدعوى. (١) - ومن صفات الآتي أنه يجيء بعد ذهاب المسيح من الدنيا، فالمسيح وذلك الرسول المعزي لا يجتمعان في الدنيا، وهذا ما يؤكد مرة أخرى أن المعزى لا يمكن أن يكون الروح القدس الذي أيد المسيح طيلة حياته، بينما المعزي لا يأتي الدنيا والمسيح فيها " إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي". وروح القدس سابق في الوجود على المسيح، وموجود في التلاميذ من قبل ذهاب

стр. 119

المسيح، فقد كان شاهداً عند خلق السماوات والأرض. (انظر التكوين ١/ ٢)، وكان مع بني إسرائيل طويلاً "أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه" (إشعيا ٦٣/ ١١). وكان لروح القدس دور في ولادة عيسى، حيث أن أمه " وجدت حبلى من الروح القدس " (متى ١/ ١٨)، فدل ذلك على وجوده، كما اجتمعا سوياً يوم تعميد المسيح، حين "نزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة" (لوقا ٣/ ٢٢)، وأعطاه المسيح للتلاميذ قبل ذهابه حين قال لهم: " ولما قال هذا نفخ، وقال لهم: اقبلوا الروح القدس" (يوحنا ٢٠/ ٢٢)، وحسب الرهبانية اليسوعية: "ونفخ فيهم، وقال: خذوا الروح القدس". وهكذا فالروح القدس موجود مع المسيح وقبله، وقد أعطي للتلاميذ، وأما المعزي أو الروح القدس القادم، فهو " إن لم أنطلق لا يأتيكم "، فهو ليس الروح القدس الذي يتحدث عنه المسيحيون. - ومما يدل على بشرية الروح القدس أنه من نفس نوع المسيح، والمسيح كان بشراً، وهو يقول عنه: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر"، وهنا يستخدم النص اليوناني كلمة ( allon) وهي تستخدم للدلالة على الآخر من نفس النوع، فيما تستخدم كلمة ( hetenos) للدلالة على آخر من نوع مغاير. وإذا قلنا إن المقصود من ذلك رسول آخر أصبح كلامنا معقولاً، ونفتقد هذه المعقولية إذا قلنا: إن المقصود هو روح القدس الآخر، لأن روح القدس واحد وغير متعدد. - ثم إن الآتي عرضة للتكذيب من قبل اليهود والتلاميذ، لذا فإن المسيح يكثر من الوصية بالإيمان به وأتباعه، فيقول لهم: " إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي "، ويقول: " قلت لكم قبل أن يكون، حتى إذا كان تؤمنوا "، ويؤكد على صدقه فيقول: " لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به".

стр. 120

وهذه الوصاة لا معنى لها إن كان الآتي هو الروح القدس، حيث نزل على شكل ألسنة نارية، فكان أثرها في نفوسهم معرفتهم للغات مختلفة، فمثل هذا لا يحتاج إلى وصية للإيمان به والتأكيد على صدقه، لأنه يقوم في القلب من غير حاجة لرده أو قدرة على تكذيبه. - كما أن الروح القدس أحد أطراف الثالوث، وينبغي وفق عقيدة النصارى أن يكون التلاميذ مؤمنين به، فلم أوصاهم بالإيمان به؟ - وروح القدس وفق كلام النصارى إله مساو للآب في ألوهيته، وعليه فهو يقدر أن يتكلم من عند نفسه، وروح الحق الآتي " لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به". - ودل نص يوحنا على تأخر زمن إتيان البارقليط، فقد قال المسيح لهم: " إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق "، فثمة أمور يخبر بها هذا النبي لا يستطيع التلاميذ إدراكها، لأن البشرية لم تصل لحالة الرشد التام في فهم هذا الدين الكامل الذي يشمل مناحي الحياة المختلفة، ومن غير المعقول أن تكون إدراكات التلاميذ قد اختلفت خلال عشرة أيام من صعود المسيح إلى السماء، وليس في النصوص ما يدل على مثل هذا التغيير. بل إن النصارى ينقلون عنهم أنهم بعد نزول الروح عليهم قد أسقطوا كثيراً من أحكام الشريعة وأحلوا المحرمات، فسقوط الأحكام عندهم أهون من زيادةٍ ما كانوا ليحتملوها أو يطيقوها زمن المسيح. فالبارقليط يأتي بشريعة ذات أحكام تثقل على المكلفين الضعفاء، كما قال الله: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ (المزمل: ٥). - كما أن المسيح أخبر أنه قبل أن يأتي البارقليط ستقع أحداث هامة وبارزة " سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله"، وهذا الأمر إنما حصل بعد الخمسين، بل بعد قرون من رفع المسيح، فالنص لا يتحدث

стр. 121

عن اضطهاد الرومان أو اليهود لأتباع المسيح، وإنما يتحدث عن اضطهاد رجالات الكنيسة لأتباع المسيح الموحدين، وهم - أي رجال الكهنوت - يظنون أنهم بذلك يحسنون صنعاً، ويقدمون خدمة لله ودينه، فقررت مجامعهم طرد آريوس والموحدين، وأخرجوهم من المجامع الكنسية، وحكموا عليهم بالحرمان والاضطهاد، واستمر الاضطهاد بأتباع المسيح حتى ندر الموحدون قبيل ظهور الإسلام. - وذكر يوحنا أن المسيح خبّر تلاميذه بأوصاف البارقليط، والتي لم تتمثل بالروح القدس الحال على التلاميذ يوم الخمسين، فهو شاهد تنضاف شهادته إلى شهادة التلاميذ في المسيح " فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً " فأين شهد الروح القدس للمسيح؟ وبم شهد؟ بينا نجد أن رسول الله ﷺ شهد للمسيح بالبراءة من الكفر وادعاء الألوهية والبنوة لله، كما شهد ببراءة أمه مما رماها به اليهود ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً﴾ (النساء: ١٥٦). - وأخبر المسيح عن تمجيد الآتي له، فقال: "ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم" ولم يمجد المسيح أحد ظهر بعده كما مجده نبي الإسلام، فقد أثنى عليه، وبيّن فضله على سائر العالمين. في حين أنه لم ينقل لنا أي من أسفار العهد الجديد أن روح القدس أثنى على المسيح أو مجده يوم الخمسين، حين نزل على شكل ألسنة نارية. - وأخبر المسيح أن البارقليط يمكث إلى الأبد، أي دينه وشريعته، بينا نجد أن ما أعطيه التلاميذ من قدرات يوم الخمسين - إن صح - اختفت بوفاتهم، ولم ينقل مثله عن رجالات الكنيسة بعدهم. وأما رسولنا ﷺ فيمكث إلى الأبد بهديه ورسالته، وإذ لا نبي بعده ولا رسالة.

стр. 122

- كما أن البارقليط " يذكركم بكل ما قلته لكم " وليس من حاجة بعد رفعه بعشرة أيام إلى مثل هذا التذكير، ولم ينقل العهد الجديد أن روح القدس ذكرهم بشيء، بل إنا نجد كتاباتهم ورسائلهم فيها ما يدل على تقادم الزمن ونسيان الكاتب لبعض التفاصيل التي يذكرها غيره، بينما ذكر رسول الله ﷺ بكل ما غفلت عنه البشرية من أوامر الله التي أنزلها على أنبيائه ومنهم المسيح ﵇. - والبارقليط له مهمات لم يقم بها الروح القدس يوم الخمسين فهو " متى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة " ولم يوبخ الروح القدس أحداً يوم الخمسين، بل هذا هو صنيع رسول الله ﷺ مع البشرية الكافرة. ويرى عبد الأحد داود أن التوبيخ على البر قد فسره المسيح بقوله بعده: " وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني "، ومعناه أنه سيوبخ القائلين بصلبه، المنكرين لنجاته من كيد أعدائه، وقد أخبرهم أنه سيطلبونه ولن يجدوه، لأنه سيصعد إلى السماء، " يا أولادي أنا معكم زماناً قليلاً بعد، ستطلبونني، وكما قلت لليهود حيث أذهب أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا، أقول لكم أنتم الآن ... " (يوحنا ١٣/ ٣٢). كما سيوبخ النبي الآتي الشيطان ويدينه بما يبثه من هدي ووحي "وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين". (١) وصفة التوبيخ لا تناسب من سمي بالمعزي، وقيل بأنه جاء إلى التلاميذ يعزيهم بفقد سيدهم ونبيهم. ثم العزاء إنما يكون في المصائب، والمسيح كان يبشرهم بذهابه ومجيء الآتي بعده.

стр. 123

كما أن العزاء إنما يكون حين المصيبة وبعدها بقليل، وليس بعد عشرة أيام (موعد نزول الروح القدس على التلاميذ)، ثم لماذا لم يقدم المعزي القادم العزاء لأم المسيح، فقد كانت أولى به. ثم لا يجوز للنصارى أن يعتبروا قتل المسيح على الصليب مصيبة تستوجب العزاء، إذ هو برأيهم سبب الخلاص والسعادة الأبدية للبشرية، فوقوعه فرحة ما بعدها فرحة، وإصرار النصارى على أن التلاميذ احتاجوا لعزاء الروح القدس يبطل عقيدة الفداء والخلاص. ومن استعراض ما سبق ثبت بأن روح القدس ليس هو البارقليط، فكل صفات البارقليط صفات لنبي يأتي بعد عيسى، وهو النبي الذي بشر به موسى ﵇، فالبارقليط " لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به "، وكذا الذي بشر به موسى " أجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به "، وهو وصف النبي ﷺ كما قال الله ﴿وما ينطق عن الهوى - إن هو إلا وحي يوحى - علمه شديد القوى﴾ (النجم: ٣ - ٥). بل كل ما ذكر عن البارقليط له شواهد في القرآن والسنة تقول بأن الرسول ﷺ هو صاحب هذه النبوءة، إذ هو الشاهد للمسيح، وهو المخبر بالغيوب، الذي لا نبي بعده، وقد ارتضى الله دينه إلى قيام الساعة ديناً .. اعتراضات المنصر بافندر وردود العلامة الهندي عليها ويثير المنصر بافندر في وجه المسلمين أسئلة يراها تمنع من صرف البارقليط إلى النبي محمد ﷺ . أولها: أنه ورد في البارقليط أنه روح الحق ثلاث مرات، وفي مرة رابعة ورد أنه روح القدس (١) وهي كما يقول القس بفندر ألفاظ مترادفة تدل على الروح القدس.

стр. 124

والعلامة رحمة الله الهندي في كتابه العظيم "إظهار الحق" يسلم بترادف هذه الألفاظ، ويؤكد أن لفظة (روح الله) دالة على الأنبياء أيضاً، كما جاء في رسالة يوحنا الأولى: "فلا تؤمنوا أيها الأحباء بكل روح من الأرواح، بل امتحنوا الأرواح حتى تعلموا هل هي من عند الله أم لا؟ لأن كثيرين من الأنبياء الكذبة برزوا إلى هذا العالم " (يوحنا (١) ٤/ ١ - ٢)، فالأنبياء الصادقون هم روح الله، والأنبياء الكذبة هم روح الشيطان. وبين يوحنا كيفية معرفة روح الحق من روح الضلال، أي معرفة الأنبياء الصادقين وتمييزهم عن الأنبياء الكذبة، فقال: " بهذا تعرفون روح الله: كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله، وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من الله، وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه يأتي، والآن هو في العالم" (يوحنا (١) ٤/ ٢ - ٦). ورسولنا هو روح الحق بدليل قول يوحنا، لأنه يعترف بالمسيح أنه رسول من عند الله، وأنه جسد، وأنه من الله كما سائر الناس هم من الله، أي أن الله خلقهم. وبولس هو روح الضلال الذي يعتبر المسيح إلهاً، وهو الموجود في العالم حينذاك. ثانيها: أن الخطاب في إنجيل يوحنا توجه للحواريين كما في قوله " يعلمكم " و " أرسله إليكم" .... وعليه فينبغي أن يوجد البارقليط في زمنهم. ويمنع رحمة الله الهندي هذا الفهم، بل المراد: النصارى بعدهم. وأقامهم المسيح مقام التلاميذ، وهو أمر معهود في أسفار العهد الجديد، فقد جاء في متى في خطاب

стр. 125

رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع " أقول لكم: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً على سحاب السماء" (متى ٢٦/ ٦٤)، وقد مات المخاطبون وفنوا، ولم يروه آتياً على سحاب السماء. ومثله قول المسيح: "وقال له: الحق الحق أقول لكم: من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يوحنا ١/ ٥١). ثالثها: أن البارقليط لا يراه العالم ولا يعرفه، فقد جاء "لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم" بينما محمد ﷺ قد عرفه الناس ورأوه. ويرد العلامة رحمة الله الهندي بأن هذا ليس بشيء، لأن روح القدس عندهم هو الله أو روح الله، والعالم يعرف ربه أكثر من معرفته بمحمد، فهي لا تصدق على تأويلهم بحال. ويرى رحمة الله الهندي أن المقصود بالنص هو أن العالم لا يعرف هذا النبي المعرفة الحقيقية (أي نبوته) أما أنتم واليهود فتعرفونه، لإخبار المسيح والأنبياء لكم عنه. وأما سائر الناس فهم كما قال المسيح: " لأنهم مبصرين لا يبصرون، وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون " (متى ١٣/ ١٣). (١) وليس المقصود بقوله: " لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم" ليس مقصوداً الرؤية البصرية والمعرفة الحسية، بل المعرفة الإيمانية. ومثله ما جاء في يوحنا "أجاب يسوع: لستم تعرفونني أنا، ولا أبي، لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً" (يوحنا ٨/ ١٩) ومثله في الأناجيل كثير. يقول متى

стр. 126

هنري في تفسيره لإنجيل يوحنا: إن كلمة (يرى) في النص اليوناني لا تفيد رؤية العين، بل رؤية البصيرة. ولربما كان عدم معرفتهم بالمنتظر القادم أنه غريب وليس من اليهود " وأما المسيح فمتى جاء لا يعرف أحد من أين هو" (يوحنا ٧/ ٢٧). رابعها: جاء في وصف البارقليط أنه " مقيم عندكم وثابت فيكم"، فدل - حسب رأي القس فندر - على وجوده مع الحواريين، ولا يصدق هذا على محمد ﷺ . ويرى رحمة الله الهندي أن النص في تراجم وطبعات أخرى: " مستقر معكم وسيكون فيكم"، وفي غيرها: " ماكث معكم ويكون فيكم ". والمعنى في ذلك كله الاستقبال وليس الآنية، بمعنى أنه سيقيم عندكم أو يمكث عندكم. ذلك أن النص دل على ذلك، فهو يقول بعدم وجوده بينهم ذلك الوقت " قد قلت لكم قبل أن يكون، حتى متى إذا كان تؤمنوا "، و " إن لم أنطلق لم يأتكم البارقليط ". وهو ما يقوله النصارى حين يؤمنون أن مجيئه وحلوله كان في يوم الخمسين. ومثله أخبر حزقيال عن خروج يأجوج ومأجوج بصيغة الحاضر، وهم لم يخرجوا بعد فقال: "ها هو قد جاء وصار، يقول الرب: هذا هو اليوم الذي قلت عنه " (حزقيال ٣٩/ ٨)، ومثله في (يوحنا ٥/ ٢٥). خامسها: جاء في كتاب الأعمال: " وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الأب الذي سمعتموه مني، لأن يوحنا عمد الماء، وأما أنتم فستتعمدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير " (أعمال ١/ ٤ - ٥)، ويرى بافندر أن هذا " يدل على أن بارقليط هو الروح النازل يوم الدار، لأن المراد بموعد الآب هو بارقليط ".

стр. 127

وفي رده يبين رحمة الله الهندي أن ما جاء في الأعمال وعد آخر لا علاقة له بالبارقليط الذي تحدث عنه يوحنا فحسب، فقد وعدوا بمجيء الروح القدس في وعد آخر، وتحقق الموعود بما ذكر لوقا في الأعمال. أما ما ذكره يوحنا عن مجيء البارقليط فلا صلة له بهذه المسألة. كما اعترض آخرون من النصارى على انطباق هذه النبوءة على نبينا ﷺ لأن البارقليط سيرسله المسيح " ولكن إن ذهبت أرسله إليكم"، ومثله في قوله: "المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب"، في حين أن محمداً رسول الله لا المسيح. وقد تغافل القائل عن قول الله: "المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب"، فهو رسول الآب، ونسبة الإرسال إلى المسيح مجازية غير حقيقية، ومثلها في قوله: " قال لها ملاك الرب: تكثيراً أكثر نسلك، فلا يعد من الكثرة " (التكوين ١٦/ ١٠)، والمكثِّر المبارك لنسل هاجر وغيرها هو الله، وليس ملاكه، لكن لما كان الملاك هو واسطة الإخبار نسب الفعل إلى نفسه. ونحو هذا الصنيع وقع في سفر الملوك، فقد نسب النبي إيليا إلى نفسه العقوبة الإلهية التي سيعاقب بها الربُ الملكَ اخآب، فقد " قال اخآب لايليا: هل وجدتني يا عدوي؟ فقال: قد وجدتك، لأنك قد بعتَ نفسك لعمل الشر في عيني الرب، هانذا أجلب عليك شراً، وأبيد نسلك، وأقطع لاخآب كل بائل بحائط ومحجوز ومطلق في إسرائيل" (الملوك (١) ٢١/ ٢٠ - ٢١)، فقد نسب النبي إيليا إلى نفسه ما هو في الحقيقة صنيع الله وعقوبته، وهذه النسبة غير حقيقية، ولكنه استحقها لكونه المبلِغ عن الله لهذه العقوبة. ومثله سواء بسواء ما قاله المسيح في نبوءته عن البارقليط. وبذلك فإننا نرى في البارقليط النبوءة التي ذكرها القرآن الكريم ﴿وإذ قال

стр. 128

عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (الصف: ٦).

стр. 129

خاتمة وهكذا رأينا الأنبياء يبشرون بالنبي الخاتم نبياً تلو نبي. " كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، ومن ذلك الوقت يبشر بملكوت الله". يبشرون بالنبي الذي أخذ عليهم الميثاق بأن يؤمنوا به إن جاء وينصرونه ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ (آل عمران: ٨١). وقام الأنبياء ببلاغ أقوامهم خبر هذا النبي " جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبؤوا، وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيلياء المزمع أن يأتي ". وحفظ لنا الكتاب المقدس - رغم ما تعرض له من التحريف - بعضاً من هذه البشارات عن هذا النبي العظيم، فهو النبي الذي يحقق وعد الله لإبراهيم وزوجه هاجر بالبركة في ابنها إسماعيل، وهو الذي " له خضوع شعوب ". وهو النبي الذي ماثل موسى، وبشر به قومه بني إسرائيل، وهو النبي الذي تتلألأ نبوته عند جبال فاران، ويكون من أمة تقوم بأمر ملكوت الله الذي سينزع من بني إسرائيل " ويعطى لأمة تعمل أثماره "، وذلك لأنهم " أغاروني بغير إله، وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة، وأنا أيضاً أغيرهم بغير شعب، وبشعب جاهل أغضبهم ". وهكذا انتقلت النبوة والاصطفاء إلى أمة العرب المرذولة " الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية ". وذكرت النصوص الإنجيلية والتوراتية اسم النبي وصفاته، فقد سماه المسيح " البارقليط "، وهو بمعنى أحمد، ووعدت به الملائكة "وعلى الأرض الإسلام،

стр. 130

وللناس أحمد" (حسب ترجمة الأب السابق عبد الأحد داود). وتحدثت الأسفار عن أرض هجرته "وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر من بلاد العرب"، ودعت لنصرته ومواساته "يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبزه". كما تحدثت النصوص عن انتصار هذا النبي، وأن دينه سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، فهو الذي "يده على كل واحد"، و "له يكون خضوع شعوب "، و "شعوب تحتك يسقطون"، و "الرب عن يمينك يحطم في يوم رجزه ملوكاً يدين بين الأمم ملأ جثثاً، أرضاً واسعة سحق رؤوسها "، "لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض". وهو الغضب الآتي على الكفرة، ومنهم اليهود الذين حذرهم يوحنا المعمدان فقال: "يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي ... سيعمدكم بالروح القدس ونار، الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ"، و " من سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه". وذكرت النبوات أيضاً بأن هذا القادم هو آخر الأنبياء، وأن سلطانه أي شريعته يمتد إلى الأبد "يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً ... وهي تثبت إلى الأبد "، و " أما قديسو العلي فيأخذون المملكة، ويمتلكون المملكة إلى الأبد وإلى أبد الآبدين " وكما قال ﷺ : ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون))، وفي رواية مسلم: ((حتى تقوم الساعة)) (١)، فهو الذي بشر المسيح بدولته حين قال: "فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد ". ورسالة هذا النبي ليست خاصة بالعرب أو بني إسرائيل، بل هي عامة لكل

стр. 131

الشعوب، فهو "يبكت العالم على خطية"، و "له يكون خضوع شعوب"، وهو "مشتهى كل الأمم"، الذي "لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة". وهو النبي الأمي الذي حدثت عنه التوراة والإنجيل "وأجعل كلامي في فمه"، وهو الأمي المبشر بالنبوة في غار حراء "أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف القراءة فيقال له: اقرأ. فيقول، لا أعرف الكتابة". وهو الذي لا ينطق عن الهوى " لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به "، ويبلغ كامل دعوته، فلا يحول الموت أو القتل دون بلاغه "فيكلمهم بكل ما أوصيه به". وهو صاحب شريعة مثل موسى "تنتظر الجزائر شريعته"، وشريعته مؤيدة بالقوة "وعن يمينه نار شريعة لهم "، وشريعته شاملة لكل مناحي الحياة فهو "يعلمكم كل شيء"، و "ويرشدكم إلى جميع الحق"، وبمجيئه تنسخ شريعة موسى .. "لا يزول قضيب من يهوذا، ومشترع من بين رجليه، حتى يأتي". وهو أعظم العالمين، ولئن كانت النساء لم تلد مثل يوحنا المعمدان، فإن " الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه " ﷺ . وقد صدق كريستوفر ديفيز أستاذ علم مقارنة الأديان حين قال: " إن كل هذه النبوءات بمعانيها وأوصافها لا تنطبق إلا على النبي العربي محمد " ﷺ .

стр. 132

المصادر والمراجع * القرآن الكريم. * الكتاب المقدس. طبعة: دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (النسخة البرتستانتية). * الكتاب المقدس. طبعة: دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط (النسخة الأرثوذكسية الكاثوليكية). * الكتاب المقدس. طبعة: الرهبانية اليسوعية (نسخة كاثوليكية أصدرها الآباء اليسوعيون). توزيع جمعيات الكتاب المقدس في المشرق. بيروت. * الترجمة العربية المشتركة، (أصدرها علماء ولاهوتيون كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت)، دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط، (الطبعة الرابعة للعهد القديم، الطبعة الثلاثون للعهد الجديد). * الكتاب المقدس. (الأسفار المقدسة العبرانية، الأسفار المقدسة اليونانية). ترجمة العالم الجديد (نسخة شهود يهوه). * التوراة السامرية. ترجمة الكاهن: أبو الحسن إسحاق الصوري. نشرها: أحمد حجازي السقا. ط١. دار الأنصار. القاهرة، ١٣٩٨هـ. * إنجيل برنابا. ترجمة: خليل سعادة. ط. دار الوثائق. الكويت، ١٤٠٦ هـ. ------------------------------------ * إظهار الحق. رحمة الله الهندي. تحقيق: محمد أحمد ملكاوي. ط١. دار الحديث. القاهرة، ١٤٠٤هـ. * الإنجيل والصليب. عبد الأحد داود. القاهرة، ١٣٥١هـ. * البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل. أحمد حجازي السقا. دار البيان العربي. القاهرة، ١٩٧٧م. * تاريخ العرب في الإسلام، جواد علي، ط١، دار الحداثة، بيروت، ١٩٨٣م. * تاريخ الفكر المسيحي. الدكتور القس حنا جرجس الخضري. مطبعة دار الثقافة. القاهرة، ١٩٨١م. * تفسير إنجيل يوحنا، الأنبا أثناسيوس، ط٤، دار الجيل، القاهرة، ١٩٩٥م.

стр. 133

* التفسير التطبيقي للكتاب المقدس، مجموعة من العلماء اللاهوتيين، القاهرة. * دائرة المعارف الكتابية، مجموعة من المحررين، ط٣، دار الثقافة، ١٩٩٥م. * دراسة تحليلية نقدية لإنجيل مرقس تاريخاً وموضوعياً. محمد عبد الحليم مصطفى أبو السعد. ط١، ١٤٠٤هـ. * قاموس الكتاب المقدس، نخبة من الأساتذة ومن اللاهوتيين. هيئة التحرير: بطرس عبد الملك، جون ألكساندر طمسن، إبراهيم مطر. ط٩. دار الثقافة، ١٩٩٤م. * ماذا يقول الكتاب المقدس والغرب عن محمد ﷺ ؟ أحمد ديدات. ط١. الدار المصرية للنشر والتوزيع. القاهرة، ١٤٠٤هـ. * محمد في التوراة والإنجيل والقرآن. إبراهيم خليل أحمد. المكتبة التجارية. مكة المكرمة، ١٤٠٩هـ. * محمد في الكتاب المقدس. ديفيد بنجامين (عبد الأحد داود). ترجمة: فهمي شما. مراجعة: أحمد محمد الصديق. مطابع الدوحة الحديثة. * محمد نبي الإسلام في التوراة والإنجيل والقرآن. محمد عزت الطهطاوي. مكتبة النور. * المسيّا المنتظر نبي الإسلام ﷺ . أحمد حجازي السقا. ط١، مكتبة الثقافة الدينية. مصر ١٣٩٨هـ. * يوحنا المعمدان بين الإسلام والنصرانية. أحمد حجازي السقا. ط١. دار التراث العربي، ١٣٩٩هـ.