فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ قال: أما إنهم سيغلبون، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلاً، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلاً خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: ألا جعلته إلى دون العشر.
قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر.
قال: ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿غلبت الروم - في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون - في بضع سنين﴾. (١)
وهكذا ظهر لكل ناظر منصف أن النبي الذي تنبأ عنه موسى لم تتحقق أوصافه في المسيح العظيم ﵊، وتحققت في أخيه محمد صلى الله عليهما وسلم تسليماً كثيراً.
ومما يؤكد ذلك أنه هذه الصفات مجتمعة لم تتوافر في غيره من الأنبياء، فإن اليهود لا يقولون بمجيء هذا المسيح فيما سبق، بل مازالوا ينتظرونه.
إذ لما بعث يحيى ﵇ ظنه اليهود النبي الموعود، وأقبلوا عليه يسألونه " النبي أنت؟ فأجابهم: لا " (يوحنا ١/ ٢١)، أي لست النبي الذي تنتظره اليهود.
ثم أراد تلاميذ المسيح أن تتحقق النبوءة في المسيح، فذات مرة لما رأوا معجزاته " قالوا: إن هذا بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم.
وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً، انصرف أيضاً إلى الجبل وحده " (يوحنا ٦/ ١٤ - ١٥)، فقد أراد تلاميذ المسيح تنصيبه ملكاً
стр. 72
ليحققوا النبوءة الموجودة لديهم عن النبي المنتظر الذي يملك ويحقق النصر لشعبه، فلما علم المسيح ﵇ أنه ليس النبي الموعود هرب من بين أيديهم.
ويرى النصارى أن ثمة إشكالاً في النص التوراتي (التثنية ١٨/ ١٧ - ٢٢) يمنع قول المسلمين، فقد جاء في مقدمة سياق النص أن الله لما كلم موسى قال: " يقيم لك الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتك مثلي ... قد أحسنوا في ما تكلموا: أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك " (التثنية ١٨/ ١٥ - ١٨)، فقد وصفت النبي بأنه "من وسطك" أي من بني إسرائيل، ولذا ينبغي حمل المقطع الثاني من النص على ما جاء في المقطع الأول، فالنبي " من وسطك " أو كما جاء في بعض التراجم "من بينك" أي أنه إسرائيلي.
لكن التحقيق يرد هذه الزيادة التي يراها المحققون تحريفاً، بدليل أن موسى لم يذكرها، وهو يعيد خبر النبي على مسامع بني إسرائيل، فقال: " قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلموا، أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك " (التثنية ١٨/ ١٧ - ١٨)، ولو كانت من كلام الله لما صح أن يهملها.
كما أن هذه الزيادة لم ترد في اقتباس بطرس واستفانوس للنص كما جاء في أعمال الرسل قال بطرس: "فإن موسى قال للآباء: إن نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون في كل ما يكلمكم به" (أعمال ٣/ ٢٢).
وقال استفانوس: "هذا هو موسى الذي قال لبني إسرائيل: نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم، له تسمعون" (أعمال ٧/ ٣٧)، فلم يذكرا تلك الزيادة، ولو كانت أصلية لذكرت في سائر المواضع.
стр. 73
نبوءة موسى وحبقوق عن البركة الموعودة في أرض فاران
وقبيل وفاة موسى ﵇ ساق لبني إسرائيل خبراً مباركاً، فقد جاء في سفر التثنية: "هذه البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نار شريعة، فأحب الشعب، جميع قديسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك، يتقبلون من أقوالك" (التثنية ٣٣/ ١ - ٣).
وأكد هذه النبوءة النبي حبقوق، حيث ذكر خبراً أفزعه، لأنه يشير إلى انتقال النبوة بعيداً عن قومه بني إسرائيل، يقول: "يا رب قد سمعت خبرك، فجزعت، يا رب عملك في وسط السنين أحْيِه، في وسط السنين عرّف، في الغضب اذكر الرحمة، الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع، وهناك استتار قدرته، قدامه ذهب الوبأ، وعند رجليه خرجت الحمى، وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الأمم .... " (حبقوق ٣/ ٣ - ٦).
وقبل أن نمضي في تحليل النص نتوقف مع الاختلاف الكبير الذي تعرض له هذا النص في الترجمات المختلفة.
فقد جاء في الترجمة السبعينية: "واستعلن من جبل فاران، ومعه ربوة من أطهار الملائكة عن يمينه، فوهب لهم وأحبهم، ورحم شعبهم، وباركهم وبارك على أظهاره، وهم يدركون آثار رجليك، ويقبلون من كلماتك. أسلم لنا موسى مثله، وأعطاهم ميراثاً لجماعة يعقوب ".
وفي ترجمة الآباء اليسوعيين: "وتجلى من جبل فاران، وأتى من رُبى القدس، وعن يمينه قبس شريعة لهم".
стр. 74
وفي ترجمة ١٦٢٢م العربية: " شرف من جبل فاران، وجاء مع ربوات القدس، من يمينه الشريعة "، ومعنى ربوات القدس أي ألوف القديسين الأطهار، كما في ترجمة ١٨٤١م " واستعلن من جبل فاران، ومعه ألوف الأطهار، في يمينه سنة من نار ".
واستخدام ربوات بمعنى ألوف أو الجماعات الكثيرة معهود في الكتاب المقدس "ألوف ألوف تخدمه، وربوات ربوات وقوف قدامه" (دانيال ٧/ ١٠)، ومثله قوله: "كان يقول: ارجع يا رب إلى ربوات ألوف إسرائيل" (العدد ١٠/ ٣٦)، فالربوات القادمين من فاران هم الجماعات الكثيرة من القديسين، الآتين مع قدوسهم الذي تلألأ في فاران.
والنص التوراتي يتحدث عن ثلاثة أماكن تخرج منها البركة، أولها: جبل سيناء حيث كلم الله موسى. وثانيها: ساعير، وهو جبل يقع في أرض يهوذا. (انظر يشوع ١٥/ ١٠)، وثالثها: هو جبل فاران.
وتنبئ المواضع التي ورد فيها ذكر " فاران " في الكتاب المقدس أنها تقع في صحراء فلسطين في جنوبها.
لكن تذكر التوراة أيضاً أن إسماعيل قد نشأ في برية فاران. (انظر التكوين ٢١/ ٢١)، ومن المعلوم تاريخياً أنه نشأ في مكة المكرمة في الحجاز.
ويرى المسلمون أن النص نبوءة عن ظهور عيسى ﵇ في سعير في فلسطين، ثم محمد ﷺ في جبل فاران، حيث يأتي ومعه الآلاف من الأطهار مؤيدين بالشريعة من الله .
وذلك متحقق في رسول الله لأمور:
١) أن جبل فاران هو جبل مكة، حيث سكن إسماعيل، تقول التوراة عن إسماعيل: " كان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر " (التكوين ٢١/ ٢٠ - ٢١).
стр. 75
وقد انتشر أبناؤه في هذه المنطقة، فتقول التوراة: " هؤلاء هم بنو إسماعيل ... وسكنوا من حويلة إلى شور " (التكوين ٢٥/ ١٦ - ١٨)، وحويلة كما جاء في قاموس الكتاب المقدس منطقة في شمال أرض اليمن، بينما شور في جنوب فلسطين. (١)
وعليه فإن إسماعيل وأبناءه سكنوا هذه البلاد الممتدة جنوب الحجاز وشماله، وهو يشمل أرض فاران التي سكنها إسماعيل.
كما وقد قامت الأدلة التاريخية على أن فاران هي الحجاز، حيث بنى إسماعيل وأبوه الكعبة، وحيث تفجر زمزم تحت قدميه، وهو ما اعترف به عدد من المؤرخين كما نقل عنهم المؤرخ الهندي مولانا عبد الحق فدرياتي في كتابه " محمد في الأسفار الدينية العالمية"، ومن هؤلاء المؤرخ الكنسي يوسبيوس في كتابه ( The Onomasticon) " أماكن الكتاب المقدس"، فقد ذكر بأن فاران في صحراء العرب، وقد ترجمه اللاهوتي جيروم من اليونانية إلى اللاتينية، فوافقه وزاد عليه بقوله: إنّ صحراء السرسيين تسمى فاران. (٢)
وجاء في قاموس Strong's Hebrew Bible Dictionary أن فاران هي صحراء العرب، حيث يقول: " Paran, a desert of Arabia".
٢) أن وجود منطقة اسمها فاران في جنوب سيناء لا يمنع من وجود فاران أخرى، هي تلك التي سكنها إسماعيل، فقد ورد مثلاً إطلاق اسم سعير على المنطقة التي تقع في أرض أدوم والتي هي حالياً في الأردن، وتكرر ذلك الإطلاق في مواضع عديدة في الكتاب، ولم تمنع كثرتها أن يطلق ذات الاسم على جبل في وسط فلسطين غربي القدس في أرض سبط يهوذا. (انظر يشوع ١٥/ ١٠).
ولنا أن نسأل أولئك الذين يصرون على أن فاران هي فاران سيناء: من هو القدوس الذي تلألأ من ذلكم الجبل الذي لا يرتبط بأدنى علاقة بأي من أحداث الإنسانية المهمة، فمن الذي تلألأ عليه؟
стр. 76
٣) لا يقبل قول القائل بأن النص يحكي عن أمر ماضٍ، إذ التعبير عن الأمور المستقبلة بصيغة الماضي معهود في لغة الكتاب المقدس. يقول اسبينوزا: " أقدم الكتاب استعملوا الزمن المستقبل للدلالة على الحاضر، وعلى الماضي بلا تمييز كما استعملوا الماضي للدلالة على المستقبل ... فنتج عن ذلك كثير من المتشابهات".
وأكد على صحة هذا الاستخدام القس الدكتور منيس عبد النور بقوله: «تعبير الماضي عن المستقبل، لحتمية حدوث الأمر، فأنت تتحدث عن شيء قادم بصيغة الماضي، لأنك متأكد من وقوعه» (١)، وضرب له مثلاً بما جاء في رسالة بطرس من أن الله: «لم يشفق على ملائكة قد أخطؤوا، بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم، وسلمهم محروسين للقضاء» (بطرس (٢) ٢/ ٤).
٤) ونقول: لم خص جبل فاران بالذكر دون سائر الجبال لو كان الأمر مجرد إشارة إلى انتشار مجد الله كما زعم بعض كتاب اليهود، فإن مجد الله لم يتوقف عند حدود فارن أو جبل سعير.
٥) ومما يؤكد أن الأمر متعلق بنبوءة الحديث عن آلاف القديسين، والذين تسميهم بعض التراجم " أطهار الملائكة " أي أطهار الأتباع، إذ يطلق هذا اللفظ ويراد به: الأتباع، كما جاء في سفر الرؤيا أن " ميخائيل وملائكته حاربوا التنين، وحارب التنينُ وملائكتُه ... " (الرؤيا ١٢/ ٧).
فمتى شهدت فاران مثل هذه الألوف من الأطهار إلا عند ظهور محمد ﷺ وأصحابه؟
٦) وما جاء في سفر حبقوق يؤيد قول المسلمين حيث يقول: " الله جاء من تيمان، والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه، وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع، وهناك استتار قدرته، قدامه ذهب الوبأ، وعند رجليه خرجت الحمى، وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الأمم ... " (حبقوق ٣/ ٣ - ٦).
فالنص شاهد على أنه ثمة نبوة قاهرة تلمع كالنور، ويملأ الآفاق دوي أذان هذا النبي بالتسبيح.
وتيمان كما يذكر محررو الكتاب المقدس هي كلمة عبرية معناها: " الجنوب "، لذا
стр. 77
يقول النص الكاثوليكي للتوراة: "الله يأتي من الجنوب، والقدوس من جبل فاران"، ولما كان المخاطبون في فلسطين فإن الوحي المبشر به يأتي من جهة الجنوب أي من جزيرة العرب، فالقدوس سيبعث في جبل فاران.
ومن هذا كله فالقدوس المتلألئ في جبال فاران هو نبي الإسلام، فكل الصفات المذكورة لنبي فاران متحققة فيه، ولا تتحقق في سواه من الأنبياء الكرام.
стр. 78
المزامير تبشر بصفات نبي آخر الزمان
وها هي المزامير تبشر بالنبي الخاتم، ويصفه أحد مزاميرها، فيقول مخاطباً إياه باسم الملك: "فاض قلبي بكلام صالح، متكلم أنا بإنشائي للملك، لساني قلم كاتب ماهر: أنت أبرع جمالاً من بني البشر، انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك باركك الله إلى الأبد.
تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك، وبجلالك اقتحم. اركب من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف، نُبُلُك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوبٌ تحتك يسقطون. كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الإثم.
من أجل ذلك مسحك إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك ... بنات ملوك بين حظياتك، جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير.
اسمعي يا بنت وانظري، وأميلي أذنك، انسي شعبك وبيت أبيك، فيشتهي الملك حسنك، لأنه هو سيدك فاسجدي له ... عوضاً عن آبائك يكون بنوك، تقيمهم رؤساء في كل الأرض، أذكر اسمك في كل دور فدور. من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد " (المزمور ٤٥/ ١ - ١٧).
ويسلم النصارى بأن النص نبوءة بالنبي الآتي، ويزعمون أنه عيسى ﵇، فيما يرى المسلمون أن الصفات التي رمزت في النص إنما تعود إلى محمد ﷺ ، وتمنع أن يكون المعني به عيسى أو غيره من الأنبياء الكرام، ففي النص تسع أوصاف لهذا النبي، وهي:
١) كونه صاحب حسن لا يعدل في البشر " بهي في الحسن أفضل من بني البشر "، ولا يجوز للنصارى القول بأنه المسيح، وهم الذين يقولون: تحققت في المسيح نبوة
стр. 79
إشعيا، وفيها أن المتنبئ به "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه " (إشعيا ٥٢/ ٢)، وهذا المعنى الذي لا نوافقهم عليه (١) أكده علماؤهم اعتماداً على نص إشعياء السابق، فقال أكليمنس الإسكندراني: "إن جماله كان في روحه وفي أعماله، وأما منظره فكان حقيراً" (٢) وقال ترتليان: " أما شكله فكان عديم الحسن الجسماني، وبالحري كان بعيداً عن أي مجد جسدي" (٣) ومثله قال جوستين (٤) وأوريجانوس (٥) وغيرهما.
فمن كان هذا قوله بالمسيح لا يحق له أن يقول بأنه أيضاً:" أبرع جمالاً من بني البشر ".
وقد جاءت الآثار تتحدث عن حسن نبينا وفيض جماله بعد أن كساه الله بلباس النبوة، فلم ير أجمل منه. ففي الأثر الصحيح يقول البراء بن مالك: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهاً، وأحسنه خَلْقاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير). (٦)
٢) أن النبوة وكلامها يخرج من شفتيه "انسكبت النعمة على شفتيك"، فقد كان أمياً، ووحيه غير مكتوب، فيما كانت لإبراهيم وموسى صحفاً، كما كان عيسى قارئاً. (انظر لوقا ٤/ ١٦).
وقد جاءت نصوص كتابية عدة تؤكد أمية النبي القادم منها ما سبق في سفر
стр. 80
التثنية " أجعل كلامي في فمه " (التثنية ١٨/ ١٨)، وما جاء في إشعيا " أو يدفع الكتاب لمن لا يعرف القراءة، فيقال له: اقرأ، فيقول: لا أعرف الكتابة " (إشعيا ٢٩/ ١٢).
وفي غير الترجمة العربية المتداولة " لا أعرف القراءة " وهي تماثل - كما سبق - قول النبي ﷺ في غار حراء: ((ما أنا بقارئ)).
٣) كونه مبارك إلى الأبد، صاحب رسالة خالدة " باركك الله إلى الأبد ... كرسيك يا الله إلى دهر الدهور ".
٤) كونه صاحب سيف يقهر به أعداءه لإقامة الحق والعدل " تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار ... بجلالك اقتحم. من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف. نُبُلك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوب تحتك يسقطون ".
والمسيح ﵇ لم يحمل سيفاً ولا أسقط أعداءه، ولا صوب نبله في قلوب أعدائه لنشر دعوة الحق، كما لم يكن ملكاً في قومه.
٥) وهذا النبي محب للخير، مبغض للإثم كحال جميع الأنبياء، لكن الله فضله عليهم " مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك ".
٦) يؤتى لهذا النبي بالهدايا لعزه، وبنات الملوك يكن في خدمته أو في نسائه " بنات ملوك بين حظياتك .. بنت صور أغنى الشعوب تترضى وجهك بهدية .. ".
وقد تزوج النبي بصفية بنت حيي بن أخطب سيد قومه، كما أهديت إليه مارية القبطية، وكانت شهربانو بنت يزدجر ملك فارس تحت ابنه الحسين ﵁.
٧) تدين له الأمم بالخضوع، وتدخل الأمم في دينه بفرح وابتهاج " بملابس مطرزة وتحضر إلى الملك، في إثرها عذارى صاحباتها، مقدمات إليك، يحضرن بفرح وابتهاج يدخلن إلى قصر الملك".
стр. 81
٨) يستبدل قومه بالعز بعد الذل " عوضاً عن آبائك يكون بنوك، تقيمهم رؤساء في كل الأرض".
٩) يكتب له الذكر الحميد سائر الدهر " أذكر اسمك دور فدور، من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد " فهو أحمد ومحمد ﷺ .
داود ﵇ يبشر بنبي من غير ذريته
ويتحدث داود عن النبي القادم فيقول: " قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، يرسل الرب قضيب عزك من صهيون، تسلط في وسط أعدائك شعبك، فتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة .. أقسم الرب ولن يندم: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق. الرب عن يمينك، يحطم في يوم رجزه ملوكاً يدين بين الأمم، ملأ جثثاً، أرضاً واسعة سحق رؤوسها .. " (المزمور ١١٠/ ١ - ٦).
ويرى اليهود والنصارى في النص نبوءة بالمسيح القادم من ذرية داود من اليهود.
وقد أبطل المسيح لليهود قولهم، وأفهمهم أن القادم لن يكون من ذرية داود، ففي متى: " كان الفريسيون مجتمعين، سألهم يسوع: ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ قالو له: ابن داود. قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيب بكلمة " (متى ٢٢/ ٤١ - ٤٦) وفي مرقس " فداود نفسه يدعوه رباً. فمن أين هو ابنه " (مرقس ١٢/ ٣٧) و (انظر لوقا ٢٠/ ٤١ - ٤٤).
وتسمية عيسى ﵇ للنبي بالمسيح سبق التنبيه عليها.
فلقب "المسيح المنتظر" يتعلق بمسيح يملك ويسحق أعداءه، وهو ما رأينا تنكر المسيح ﵇ له في مواطن عديدة، منها أنه قال لبيلاطس: " مملكتي ليست في هذا العالم " (يوحنا ١٨/ ٣٦)، أي أنها مملكة روحية.
стр. 82
وهي غير المملكة التي يبشر بها داود في مزاميره، حيث قال: "أضع أعداءك موطئاً لقدميك، يرسل الرب قضيب عزك من صهيون، تسلط في وسط أعدائك شعبَك .. يحطم في يوم رجزه ملوكاً يدين بين الأمم، ملأ جثثاً، أرضاً واسعة سحق رؤوسها .. ".
وهو الذي قال عنه يعقوب: " له خضوع شعوب " (التكوين ٤٩/ ١٠).
وينقل القس الدكتور فهيم عزيز عميد كلية اللاهوت للبروتستانت في مصر عن علماء الغرب إنكارهم " أن يسوع كان يتصرف ويتكلم كمسيح لليهود أو المسيا الذي كان ينتظره العهد القديم".
وقد تنبأ وبشر سليمان أيضاً في المزامير بالنبي الملك ﷺ ، فقال: " ويملك من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض، أمامه تجثو أهل البرية، وأعداؤه يلحسون التراب، ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة، ملوك شبا وسبإ يقدمون هدية، ويسجد له كل الملوك، كل الأمم تتعبد له، لأنه ينجي الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معين له، يشفق على المسكين والبائس ويخلص أنفس الفقراء، من الظلم والخطف يفدي أنفسهم، ويكرم دمهم في عينيه، ويعيش ويعطيه من ذهب شبا، ويصلّي لأجله دائماً، اليوم كله يباركه، تكون حفنة بر في الأرض في رؤوس الجبال، تتمايل مثل لبنان ثمرتها ويزهرون من المدينة مثل عشب الأرض.
يكون اسمه إلى الدهر، قدام الشمس يمتد اسمه، ويتباركون به، كل أمم الأرض يطوّبونه، مبارك الرب الله إله إسرائيل الصانع العجائب وحده، ومبارك اسم مجده إلى الدهر ولتمتلئ الأرض كلها من مجده، آمين ثم آمين " (المزمور ٧٢/ ٨ - ١٩)، فمن هو الذي سجدت وأذعنت وذلت له الملوك، ومجده الله في كل الدهور؟
لا ريب أنه محمد ﷺ ، الذي دانت لسلطانه أعظم ممالك عصره، الروم والفرس.
стр. 83
البشارة بالملكوت
ومن الألقاب التي أعطيت للدين الجديد وأتباعه في الكتاب المقدس " الملكوت " أو " ملكوت السماوات "، الذي أنبأ المسيح عن انتقاله عن أمة اليهود إلى أمة أخرى، فقال: " إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره " (متى ٢١/ ٤٣).
هذا الملكوت تقاطرت الأنبياء على البشارة به " كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا، ومن ذلك الوقت يبشر بملكوت الله، وكل واحد يغتصب نفسه إليه " (لوقا ١٦/ ١٦ - ١٧).
والملكوت قد بشر باقتراب عصره النبي يوحنا المعمدان، يقول متى: " جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية قائلاً: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى ٣/ ١ - ٢).
وتحدث المعمدان عن الملكوت القادم فقال لليهود متوعداً: " يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي ... والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار، أنا أعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار، الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ. حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليتعمد منه .... " (متى ٣/ ١ - ١٣). (١)
стр. 84
ولنتوقف سريعاً مع الصفات التي ذكرها يوحنا المعمدان لصاحب الملكوت.
فأولها: أنه يأتي بعده، فلا يمكن أن يكون هذا الآتي بعده هو المسيح الذي أتى في أيام يوحنا المعمدان.
وثانيها: أنه قوي، وقوته تفوق قوة يوحنا المعمدان، ومثل هذا الوصف لا ينطبق على المسيح الذي يزعم النصارى مصرعه على الصليب قريباً مما جرى ليوحنا المعمدان، وأنى هذا من غلبة رسول الله ﷺ على سائر أعدائه! ثم بلغ من القوة أنه طهر الأرض من رجس الوثنية بالروح والنار أي بدعوته العظيمة وقوته القاهرة، وكل ما تقدم لا ينطبق على أحد سوى رسول الله ﷺ .
وبعد وفاة يوحنا المعمدان جدد يسوع البشارة باقتراب الملكوت، " ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى ٤/ ١٧)، " وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم، ويكرز ببشارة الملكوت " (متى ٤/ ٢٣)، " كان يسير في مدينة وقرية يكرز ويبشر بملكوت الله، ومعه الإثنا عشر" (لوقا ٨/ ١).
وقد اعتبر المسيح ﵇ البشارة بالملكوت مهمته الأولى، بل الوحيدة، فقال: " فقال لهم: إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله، لأني لهذا قد أرسلت" (لوقا ٤/ ٣٤).
وأمر تلاميذه بأن يبشروا باقتراب الملكوت فقال: " اكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى ١٠/ ٧).
ثم علم المسيح تلاميذه أن يقولوا في صلاتهم تلك العبارة التي ما يزال النصارى
стр. 85
يرددونها إلى اليوم " أبانا الذي في السماوات .. ليأت ملكوتك " (لوقا ١٠/ ٢).
ومن خلال هذا كله نستطيع أن نقول بأن رسالة عيسى كانت بشارة بالملكوت الذي بشر به يوحنا المعمدان، ووصفا بعض ما يكتنفه، وهذا الملكوت هو بعد المسيح في أمة تعمل أثماره، ولا تضيعه كما أضاعه اليهود.
فما هو هذا الملكوت ؟
يجيب النصارى بأن الملكوت "شيوع الملة المسيحية في جميع العالم وإحاطتها كل الدنيا بعد نزول المسيح"، وفسره آخرون بأنه انتصار الكنيسة على الملحدينن وفسره آخرون بأنه البشارة بالخلاص بدم المسيح، يقول القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره لإنجيل متى: "فإن الملكوت الذي أعلنه السيد المسيح هو "بشارة الملكوت" أو "إنجيل الملكوت" ... تعبر عن أخبار الخلاص المفرحة التي قدمها لنا الله في ابنه يسوع".
ويعجب المسلمون لانصراف النصارى عن معنى الملكوت وتعلقهم بما لا طائل وراءه، فلقد انتصرت الكنيسة وحكمت أوربا قروناً عدة، ولم نر ما يستحق أن يكون أمراً يبشر به المعمدان والمسيح والتلاميذ.
وكذلك فإن أخبار الخلاص المزعوم لا يمكن أن تكون هي البشارة التي كان المسيح يطوف مبشراً بها في المدن والقرى، فأقرب تلاميذه لم يفهموا هذا المعنى، ومنهم التلميذان المنطلقان لعمواس بعد حادثة الصلب، فقد كانا يبكيان لفوات الخلاص بموت المسيح " فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين ... كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه، ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك " (لوقا ٢٤/ ١٧ - ٢١). لقد جهل التلميذان موضوع الخلاص بموت المسيح، فهما يبحثان عن خلاص آخر، وهو الخلاص الدنيوي الذي ينتظره بنو إسرائيل.
стр. 86
وأيضاً جهلت الجموع المؤمنة التي شهدت الصلب أن الصلب هو البشارة المفرحة التي كان يبشر بها المسيح فرجعوا وهم يبكون وينوحون " وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان، رجعوا وهم يقرعون صدورهم " (لوقا ٢٣/ ٤٨ - ٤٩).
ولا يمكن أن يكون الملكوت الموعود هو الخلاص بدم المسيح لأن النصوص ذكرت أموراً تحدث قبل مجيء الملكوت، فهي علامات تتحقق قبل حلول الملكوت، ومن بينها قيام أمة جديدة ومملكة جديدة، وهو ما لم يتحقق قبل انتشار المسيحية في العالم، ولا حين صلب المسيح، يقول متى: "فسألوه قائلين: يا معلّم متى يكون هذا؟ وما هي العلامة عندما يصير هذا؟
فقال: انظروا لا تضلوا، فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين: إني أنا هو، والزمان قد قرب، فلا تذهبوا وراءهم، فإذا سمعتم بحروب وقلاقل فلا تجزعوا، لأنه لا بد أن يكون هذا أولاً، ولكن لا يكون المنتهى سريعاً.
ثم قال لهم: تقوم أمة على أمة، ومملكة على مملكة، وتكون زلازل عظيمة في أماكن ومجاعات وأوبئة، وتكون مخاوف وعلامات عظيمة من السماء ..
وقال لهم مثلاً: انظروا إلى شجرة التين وكل الأشجار، متى أفرخت تنظرون وتعلمون من أنفسكم أن الصيف قد قرب، هكذا أنتم أيضاً، متى رأيتم هذه الأشياء صائرة، فاعلموا أن ملكوت الله قريب ..
الحق أقول لكم: إنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون الكل، السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول، فاحترزوا لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم في خمار وسكر وهموم الحياة، فيصادفكم ذلك اليوم بغتة، لأنه كالفخ يأتي على جميع الجالسين على وجه كل الأرض، اسهروا إذاً وتضرعوا في كل حين، لكي تحسبوا أهلاً للنجاة من جميع هذا
стр. 87
المزمع أن يكون، وتقفوا قدام ابن الإنسان" (لوقا ٢١/ ٦ - ٣٦).
وفي قوله:" وتقفوا قدام ابن الإنسان" ما يربط الملكوت بشخص ابن الإنسان القادم، فهو لا يتحدث عن انتشار المسيحية، بل يتحدث عن ظهور النبي الخاتم ابن الإنسان، ويدعوهم للاستعداد للقائه.
فالملكوت هو أمة تعمل وفق إرادة ورضاء صاحب الملكوت ﷻ .
يقول وليم باركلي في تفسيره لسفر الأعمال: "الملكوت هو مجتمع على الأرض، تُنفَّذُ فيه إرادة الله تماماً كما في السماء".
وفي أحد تشبيهات المسيح للملكوت أبان لتلاميذه عن سبب انتقاله عن بني إسرائيل فقال: "اسمعوا مثلاً آخر، كان إنسان رب بيت، غرس كرماً، وأحاطه بسياج، وحفر فيه معصرة وبنى برجاً، وسلمه إلى كرامين وسافر.
ولما قرب وقت الإثمار أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذ أثماره، فأخذ الكرامون عبيده، وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً، ثم أرسل إليهم أيضاً عبيداً آخرين أكثر من الأولين، ففعلوا بهم كذلك.
فأخيراً أرسل إليهم ابنه قائلاً: يهابون ابني، وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم: هذا هو الوارث، هلموا نقتله ونأخذ ميراثه، فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم، وقتلوه.
فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين؟ قالوا له: أولئك الأردياء يهلكهم هلاكاً ردياً، ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطون الأثمار في أوقاتها.
قال لهم يسوع: أما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، لذلك أقول لكم: إن
стр. 88
ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره، ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه.
ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم " (متى ٢١/ ٣٣ - ٤٥)، (وانظر لوقا ٢٠/ ٩ - ١٩)، فمن تراه تكون الأمة العظيمة التي إذا غزت أمة سحقتها، وإذا أرادتها أمة نكصت على عقبيها؟ لا ريب أنها الأمة التي هزمت أعظم دولتين في عصرها: الروم والفرس، وانساحت في الأرض، وملكت خلال قرن واحد ما بين الصين وفرنسا، إنها أمة الإسلام.
ونبوءة متى السالفة تحيل على نبوءة في كتب الأنبياء، وهي ما جاء في مزامير داود عن الآتي باسم الرب "أحمدك لأنك استجبت لي، وصرت لي خلاصاً، الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا، هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح فيه، آه يا رب خلّص، آه يا رب أنقذ، مبارك الآتي باسم الرب" (المزمور ١١٨/ ٢١ - ٢٥).
وقد قال ﷺ : ((مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً، فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت هاهنا لبِنة، فيتم بنيانك، فقال ﷺ : فكنت أنا اللبِنة)). (١) إنه الحجر الذي تمت به النبوات.
وقبل أن نتقل إلى شرح النبوءة يحسن بنا أن ننوه إلى الخطأ الذي وقع فيه بطرس حين زعم أن المسيح هو الحجر الذي رفضه البناؤون، فقال: "يسوع الناصري الذي صلبتموه أنتم ... هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون، الذي صار رأس الزاوية،
стр. 89
وليس بأحد غيره الخلاص، لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص" (أعمال ٤/ ١٠ - ١٢)، مع أن الحجر الذي أخبر عنه داود ثم المسيح نبوة غالبة، وأمة ظافرة، وهذه النبوة ليست في بني إسرائيل كما شهد المسيح ﵇.
ولبطرس عذر في خطئه، فهو إنسان عامي عديم العلم كما شهد له أولئك الذين استمعوا لحديثه وتعجبوا من المعجزات التي صنعها، فقد قال في ذات السياق: " فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان، تعجبوا " (أعمال ٤/ ١٣).
وهذا المثل العجيب من المسيح (مثل الكرامين) يحكي تنكر اليهود لنعم الله واصطفائه لهم بقتلهم أنبياءه وهجر شريعته، ويحكي انتقال الملكوت إلى أمة تقوم بأمر الله تعالى وتقوى على أعدائها وتسحقهم.
وهذه الأمة مرذولة محتقرة "الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية"، لكن الله اختارها رغم عجب اليهود من تحول الملكوت إلى هذه الأمة المرذولة، لكنه قدر الله العظيم "من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا" ..
فمن تكون هذه الأمة المرذولة؟ إنها أمة العرب، أبناء الجارية هاجر، التي يزدريها الكتاب المقدس، فقد قالت سارة: "اطرد هذه الجارية وابنها، لأن ابن الجارية لا يرث مع ابني إسحاق " (التكوين ٢١/ ١٠).
وقال بولس مفتخراً على العرب محتقراً لهم: " ماذا يقول الكتاب؟ اطرد الجارية وابنها، لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة، إذاً أيها الإخوة: لسنا أولاد جارية، بل أولاد الحرة " (غلاطية ٤/ ٣٠ - ٣١).
وقد ضرب المسيح المزيد من الأمثال للملكوت القادم، فبيّن في مثل آخر أنه ليس في بني إسرائيل، الأمة التي لم تستحق اصطفاء الله لها، يقول متى: "جعل يسوع
стр. 90
يكلمهم أيضاً بأمثال قائلاً: يشبه ملكوت السموات إنساناً ملكاً صنع عرساً لابنه، وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس، فلم يريدوا أن يأتوا، فأرسل أيضاً عبيداً آخرين قائلاً: قولوا للمدعوين: هوذا غذائي أعددته، ثيراني ومسمناتي قد ذبحت، وكل شيء معد، تعالوا إلى العرس.
ولكنهم تهاونوا ومضوا، واحد إلى حقله، وآخر إلى تجارته، والباقون أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم.
فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده، وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم، ثم قال لعبيده: أما العرس فمستعد، وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين، فاذهبوا إلى مفارق الطرق، وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس.
فخرج أولئك العبيد إلى الطرق، وجمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين، فامتلأ العرس من المتكئين، فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنساناً لم يكن لابساً لباس العرس، فقال له: يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس؟ فسكت، حينئذ قال الملك للخدام: اربطوا رجليه ويديه وخذوه، واطرحوه في الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان، لأن كثيرين يدعون، وقليلين ينتخبون" (متى ٢٢/ ١ - ١٤).
وفي مثل آخر بين لهم أنواع الناس في قبول الملكوت والإذعان له، ودعاهم لقبوله والإذعان له، فقال: "فكلهم كثيراً بأمثال قائلاً: هوذا الزارع قد خرج ليزرع، وفيما هو يزرع سقط بعض على الطريق، فجاءت الطيور وأكلته.
وسقط آخر على الأماكن المحجرة، حيث لم تكن له تربة كثيرة، فنبت حالاً، إذ لم يكن له عمق أرض، ولكن لما أشرقت الشمس احترق، وإذ لم يكن له أصل جف.
وسقط آخر على الشوك فطلع الشوك وخنقه.
стр. 91
وسقط آخر على الأرض الجيدة، فأعطى ثمراً، بعض مائة، وآخر ستين، وآخر ثلاثين، من له أذنان للسمع فليسمع ...
فاسمعوا أنتم مثل الزارع، كل من يسمع كلمة الملكوت ولا يفهم، فيأتي الشرير ويخطف ما قد زرع في قلبه، هذا هو المزروع على الطريق.
والمزروع على الأماكن المحجرة هو الذي يسمع الكلمة وحالاً يقبلها بفرح، ولكن ليس له أصل في ذاته بل هو إلى حين، فإذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الكلمة فحالاً يعثر.
والمزروع بين الشوك هو الذي يسمع الكلمة، وهم هذا العالم وغرور الغنى يخنقان الكلمة، فيصير بلا ثمر.
وأما المزروع على الأرض الجيدة فهو الذي يسمع الكلمة ويفهم، وهو الذي يأتي بثمر فيصنع بعض مائة وآخر ستين وآخر ثلاثين" (متى ١٣/ ١ - ٢٣).
ويتطابق هذا المثل الإنجيلي مع المثل الذي ضربه النبي ﷺ لأحوال الناس مع دعوته، حيث قال: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا، وزرعوا وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)). (١)
وحدث المسيح تلاميذه عن انتشار الملكوت الذي هو أصغر البذور، لكنه أعظمها انتشاراً، يقول متى: "قدم لهم مثلاً آخر قائلاً: يشبه ملكوت السموات حبة
стр. 92
خردل، أخذها إنسان، وزرعها في حقله، وهي أصغر جميع البذور، لكن متى نمت فهي أكبر البقول، وتصير شجرة، حتى إن طيور السماء تأتي وتتآوى في أغصانها.
قال لهم مثلاً آخر: يشبه ملكوت السموات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع، هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال، وبدون مثل لم يكن يكلمهم" (متى ١٣/ ٣١ - ٣٤). (انظر مرقس ٤/ ٣٠ - ٣٢).
يقول الأنبا أثناسيوس في تفسيره لإنجيل متى: "وتكاد الأمثلة في هذا الإصحاح أن تصف الملكوت على الأرض من بدايته إلى نهاية العالم، ففي المثل الأول يزرع الملكوت في القلوب، وفي الثاني يحاربه الشيطان فيزرع فيه زواناً، ولكن لابد أن ينمو الملكوت منتشراً في العالم ويصير شجرة ضخمة (حبة الخردل)، على أن روح أبناء الملكوت لابد أن تكون هي الاندماج في العالم لتخليصه من الداخل كالخميرة". (١)
وفي نص آخر يتحدث عن هيمنة الشريعة الجديدة على سائر الشرائع السابقة ونسخها لها، فيقول: " أيضاً يشبه ملكوت السموات كنزاً مخفياً في حقل وجده إنسان، فأخفاه، ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل.
أيضاً يشبه ملكوت السموات إنساناً تاجراً يطلب لآلئ حسنة، فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن، مضى وباع كل ما كان له، واشتراها" (متى ١٣/ ٤٤ - ٤٦).
وقد قال المسيح مبشراً بالقادم الذي ينسخ الشرائع بشريعته: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل، فإني الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (متى ٥/ ١٧ - ١٨)، فمن هو هذا الذي له الكل، إنه ذات النبي الذي يسميه
стр. 93
بولس بالكامل، ومجيئه فقط يبطل الشريعة وينسخها "وأما النبوات فستبطل، والألسنة فستنتهي، والعلم فسيبطل، لأننا نعلم بعض العلم، ونتنبأ بعض التنبؤ، ولكن متى جاء الكامل فحينئذ يبطل ما هو بعض" (كورنثوس (١) ١٢/ ٨ - ١٠).
وكما تحدث المسيح عن هذا النبي تحدث عن تأخر زمان ظهوره عن النبوات السابقة، لكن ذلك لن يمنع عظيم الأجر والثواب لأمته، فضرب هذا المثل وقال: " فإن ملكوت السماوات يشبه رجلاً رب بيت خرج مع الصبح ليستأجر فَعَلة لكرمه، فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه، ثم خرج نحو الساعة الثالثة، ورأى آخرين قياماً في السوق بطالين، فقال لهم: اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم، فمضوا.
وخرج أيضاً نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل ذلك.
ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قياماً بطالين، فقال لهم: لماذا وقفتم ههنا، كلَّ النهار بطالين؟
قالوا له: لأنه لم يستأجرنا أحد. قال لهم: اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم.
فلما كان المساء قال صاحب الكرم لوكيله: ادع الفعلة وأعطهم الأجرة مبتدئاً من الآخرين إلى الأولين.
فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة وأخذوا ديناراً ديناراً، فلما جاء الأولون ظنوا أنهم يأخذون أكثر، فأخذوا هم أيضاً ديناراً ديناراً، وفيما هم يأخذون تذمروا على رب البيت قائلين: هؤلاء الآخرون عملوا ساعة واحدة، وقد ساويتهم بنا نحن الذين احتملنا ثقل النهار والحر.
فأجاب وقال لواحد منهم: يا صاحب ما ظلمتك، أما اتفقت معي على دينار؟
стр. 94
فخذ الذي لك واذهب، فإني أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك. أو ما يحل لي أن أفعل ما أريد بمالي أم عينك شريرة لأني أنا صالح!
هكذا يكون الآخرون أولين، والأولون آخرين، لأن كثيرين يُدعَون، وقليلون ينتخبون " (متى ٢٠/ ١ - ١٦)، وهكذا فاز الآخرون بالأجر والثواب.
فالآخرون هم الأولون السابقون كما قال المسيح وأكده رسول الله ﷺ بقوله: ((نحن الآخرون السابقون)) (١)، وقوله: ((مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لي غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط، فعملت النصارى، ثم قال من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم. فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: مالنا أكثر عملاً وأقل عطاءً؟ قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء)). (٢)
стр. 95
النبي دانيال يتنبأ بزمان الملكوت
وقد نقل الكتاب المقدس بعض نبوءات الأنبياء عن زمن ظهور هذا الملكوت، ومن ذلك أن بختنصر رأى رؤيا أفزعته ولم يعرف العرافون ولا المنجمون تعبيرها، ففسرها له النبي دانيال فقال: "أنت أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم، هذا التمثال العظيم البهي جداً وقف قبالتك، ومنظره هائل، رأس هذا التمثال من ذهب جيد، وصدره وذراعاه من فضة، بطنه وفخذاه من نحاس، ساقاه من حديد، قدماه بعضها من حديد والبعض من خزف.
كنت تنظر إليه إلى أن قطع حجر بغير يدين، فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما، فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً، وصارت كعصافة البيدر في الصيف، فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان.
أنت أيها الملك ملك ملوك، لأن إله السماوات أعطاك مملكة واقتداراً وسلطاناً وفخراً، وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور السماء ... فأنت هذا الرأس من ذهب.
وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك، ومملكة ثالثة أخرى من نحاس فتتسلط على كل الأرض، وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد، لأن الحديد يسحق كل شيء، وكالحديد الذي يكسر تسحق وتكسر كل هؤلاء، وبما رأيت القدمين والأصابع بعضها من خزف والبعض من حديد، فبعض المملكة يكون قوياً والبعض قصماً، وبما رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين فإنهم يختلطون بنسل الناس .....
وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً، ومَلِكها لا يُترك لشعب آخر، وتسحق وتفنى كل هذه الممالك، وهي تثبت إلى الأبد، لأنك رأيت أنه قد
стр. 96
قطع حجر من جبل لا بيدين، فسحق الحديد والنحاس والخز ف والفضة والذهب. الله العظيم قد عرف الملك ما سيأتي بعد هذا. الحلم حق وتعبيره يقين " (دانيال ٢/ ٢١ - ٤٥).
يقول هودجكن في كتابه "المسيح في كل الكتب": وأما الحجر الذي قطع بغير يدين ويسحق التمثال العظيم فكناية عن مملكة "المسيا": أي المسيح المنتظر.
وفي التفسير التطبيقي: "وأما الحجر المقطوع من الجبل فيشير إلى ملكوت الله الذي يحكمه المسِيّا ملك الملوك إلى الأبد ". (١)
فالرؤيا كما يظهر هي عن الممالك التي ستقوم بين يدي بني الملكوت، فأولها مملكة بابل التي يرأسها بختنصر، والتي يرمز لها في الحلم بالرأس الذهبي.
ثم مملكة فارس التي قامت أقامها خسرو، وتسلط ملكها قورش على بابل سنة (٥٣٩ ق. م)، ورمز لها في المنام بالصدر والذراعين من فضة.
ثم تلتها مملكة مقدونية والتي قضت على مملكة الفرس، وأسسها الاسكندر المقدوني (٣٣٦ ق. م)، ويرمز لها في المنام بالبطن والفخذين من النحاس.
ثم تلتها امبراطورية الرومان والتي أسسها الأمبرطور بوفبيوس (٦٣ ق. م)، ورمز لها في المنام بساقين من حديد وقدمين إحداهما من خزف وأخرى من حديد، ولعله أراد دولتي فارس والروم أو انقسام الأمبراطورية الرومانية. (٢)
"وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً "، فقد جاء الحجر الذي رذله البناؤون وقد قطع بغير يدين، إذ جاء من السماء ليقضي على الفرس
стр. 97
والروم، وأقام الملكوت الموعود في الدنيا قروناً طويلة، ولم ينقطع بأس هذه الأمة إلا في هذا القرن الأخير.
ولعل في هذه النبوءة ما يبشر بكون هذا الكسوف عرضاً زائلاً ما يلبث أن يزول، فتشرق شمس أمة الإسلام من جديد.
وقريباً من رؤيا بختنصر رأى دانيال رؤيا الحيوانات الأربع "قال: كنت أرى في رؤياي ليلاً، وإذا بأربع رياح السماء هجمت على البحر الكبير، وصعد من البحر أربعة حيوانات عظيمة هذا مخالف ذاك، الأول كالأسد ... وإذا بحيوان آخر ثان شبيه بالدب ... وإذا بآخر مثل النمر ... وإذا بحيوان رابع هائل وقوي وشديد جداً، وله أسنان من حديد كبيرة، أكل وسحق وداس الباقي برجليه، وكان مخالفاً لكل الحيوانات الذين قبله وله عشرة قرون ...
كنت أرى في رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى، وجاء إلى القديم الأيام، فقربوه قدامه، فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً، لتتعبّد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض" (دانيال ٧/ ٣ - ١٨).
ويوافق النصارى على أن الممالك الأربعة هي البابلية ثم الفارسية ثم اليونانية ثم الرومانية، ويرون الملكوت متحققاً في ظهور دين المسيح وتأسيس الكنيسة في يوم الخمسين عندما نزل الروح القدس على التلاميذ المجتمعين في أورشليم.
لكن المملكة الروحية التي أسسها الحواريون لا يمكن أن تكون الملكوت الموعود، لأن دانيال يتحدث عن أربع ممالك حقيقية، سحق آخرَها ملكٌ حقيقي، لا روحي " وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً، وملكها لا يترك لشعب آخر، وتسحق وتفني كل هذه الممالك" (دانيال ٢/ ٤٤).
стр. 98
وقال عن المملكة ونبيها: " لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة " (دانيال ٧/ ١٤).
وقد فهم التلاميذ من المسيح أن هذه المملكة القادمة زمنية لا روحية، فسألوه وهم يظنون أنها تقوم على يديه، لذلك تساءلوا بعد حادثة الصلب: " هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل؟ " (أعمال ١/ ٦)، وقد اجتهد المسيح في إفهامهم أن مملكته روحية، بينما المملكة القادمة مملكة حقيقية.
ثم إن مملكة التلاميذ لم تقهر الدولة الرومانية، بل إن الرومان قهروا المسيحية بعد حين، حين أدخلوا وثنياتهم فيها.
وكيف للنصارى أن يقولوا بقهر الرومان، وهم يزعمون أن المسيح مات على أعواد صليب روماني.
أما المسلمون فهم الذين قضوا على الدولة الرومانية، واقتلعوها من أرض فلسطين، ثم بقية بلاد الشام ومصر، ثم أضحت عاصمتها القسطنطينية عاصمة للإسلام دين الملكوت ..
стр. 99
البشارة بـ (محماد) مشتهى الأمم
وبعد عودة بني إسرائيل من السبي، وتخفيفاً لأحزانهم، ساق لهم النبي حجي بشارة من الله فيها: "لا تخافوا، لأنه هكذا قال رب الجنود، هي مرة بعد قليل، فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة، وأنزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجداً قال رب الجنود .... مجد هذا البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول قال رب الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام يقول رب الجنود" (حجي ٢/ ٦ - ٩).
وهذه النبوءة لا ريب تتحدث عن القادم الذي وعد به إبراهيم، وبشر به يعقوب وموسى ثم داود عليهم الصلاة والسلام.
وقبل أن نلج في تحديد شخصية هذا المشتهى من كل الأمم نتوقف مع القس السابق عبد الأحد داود، وهو الخبير باللغات القديمة، إذ يسوق لنا النص بالعبرانية: " لسوف أزلزل كل الأرض، وسوف يأتي (محماد) لكل الأمم ... وفي هذا المكان أعطي السلام "، فقد جاء في العبرية لفظة "محماد " أو " حمدت " كما في قراءة أخرى حديثة، ولفظة " محِمْادْ " في العبرانية تستعمل عادة لتعني: " الأمنية الكبيرة " أو "المشتهى"، والنص حسب الترجمة العبرانية المتداولة: (فباؤا حمدات كول هاجوييم).
لكن لو أبقينا الاسم على حاله دون ترجمة، كما ينبغي أن يكون في الأسماء، فإنا واجدون لفظة " محماد " هي الصيغة العبرية لاسم أحمد، والذي أضاعها المترجمون عندما ترجموا الأسماء أيضاً.
يقول المؤرخ ول ديورانت: " ولفظ محمد مشتق من الحمد، وهو مبالغة فيه، كأنه حمد مرة بعد مرة، ويمكن أن تنطبق عليه بعض فقرات في التوراة تبشر به". (١)
стр. 100
وجاء في تمام النبوءة الحديث عن البيت الأخير لله، والذي هو أعظم مجداً من البيت الأول، ثم يقول: " في هذا المكان أعطي السلام "، وقد استخدمت الترجمة العبرية لفظة "شالوم " والتي من الممكن أن تعني الإسلام، فالسلام والإسلام مشتقان من لفظة واحدة. (١)
وقوله: " في هذا المكان أعطي السلام "، قد تتحدث عن عقد الأمان الذي عم تلك الأرض والذي أعطاه عمر بن الخطاب لأهل القدس عندما فتحها، فتكون النبوءة عن إعطاء السلام ولم تنسبه إلى المشتهى، ذلك أن الأمر تم بعد وفاته في أتباعه وأصحابه الكرام.
ولا ريب أن البنوءة لا تتحدث عن المسيح، إذ لا تقارب بين ألفاظ النبوءة واسمه، أو بين معانيه وما عهد عنه ﵇، إذ لم يستتب الأمن في القدس حال بعثته، بل بشر اليهود بخراب هيكلهم بعد حين، كما كان رسولاً إلى بني إسرائيل فحسب، وليس لكل الأمم، والقادم هو مشتهى الأمم جميعاً، وليس خاصاً ببيت يعقوب كما جاء في وصف المسيح مراراً.
وهذا الاستعمال لكلمة " السلام " بمعنى " الإسلام " يراه عبد الأحد داود لازماً في موضع آخر من الكتاب المقدس، فقد جاء في إنجيل لوقا أن الملائكة ترنموا عند ميلاد المسيح قائلين: " المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة " (لوقا ٢/ ١٤).
ويتساءل القس السابق عبد الأحد داود أي سلام حلَّ على الأرض بعد ميلاد المسيح، فقد تتابع القتل والحروب ما تزال تطحن، وإلى قيام الساعة، ولذلك فإن
стр. 101
الترجمة الصحيحة لكلمة "إيرينا " اليونانية في العبرانية: " شالوم "، وهي في العربية " الإسلام " كما " السلام ".
وإن أصر النصارى على تفسير كلمة " إيرينا " بالسلام، فقد جعلوا من عيسى مناقضاً لنفسه، إذ قال: " جئت لألقي ناراً على الأرض ... أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض. كلا أقول لكم، بل انقساماً ... " (لوقا ١٢/ ٤٩ - ٥١)، وفي متى: " لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً، بل سيفاً " (متى ١٠/ ٣٤).
وتبعاً لهذا يرى عبد الأحد داود أن صانعي السلام هم المسلمون، وذلك في قول المسيح: "طوبى لصانعي السلام، لأنهم يدعون أبناء الله " (متى ٥/ ٩)، فيرى أن الترجمة الدقيقة هي " طوبى للمسلمين "، وليس صانعي السلام الخيالي، الذي لم ولن يوجد على الأرض.
كما لا يستطيع أحد ينتمي إلى فرق النصارى المختلفة والمتباغضة طوال تاريخ النصرانية، لا يستطيع أن يقول بأن السلام قد تحقق في نفوس المؤمنين، إذ الأحقاد المتطاولة بينهم تكذب ذلك كله.
وجاء في تمام الأنشودة المزعومة للملائكة: " وبالناس المسرة "، واستخدم النص اليوناني كلمة "يودكيا " وهي كلمة مشتقة من الفعل اليوناني " دوكيو "، ومعناها كما في القاموس الإغريقي: "لطيف، محسن، دمث ... " ومن معانيها أيضاً السرور - المحبة - الرضا - الرغبة، الشهرة ...
فكل هذه الإطلاقات تصح في ترجمة كلمة " يودوكيا " التي يصح أيضاً أن تترجم في العبرانية إلى (محماد، ما حامود) المشتقة من الفعل " حمد " ومعناه: المرغوب فيه جداً، أو البهيج، أو الرائع أو المحبوب أو اللطيف، وهذا كله يتفق مع المعاني التي تفيدها
стр. 102
كلمة محمد وأحمد، واللتان تقاربان في الاشتقاق كلمتي (حمدا ومحماد) العبرانيتين، ومثل هذا التقارب يدل على أن لهما أساس واحد مشترك كما هو الحال في كثير من كلمات اللغات السامية.
وينبه الأب السابق عبد الأحد داود إلى وجود هذا النص في إنجيل لوقا اليوناني، في الوقت الذي كانت فيه العبارات سريانية حين مقالها، ولا يمكن - حتى مع بذل الجهد وفرض الأمانة في الترجمة - أن تترجم كلمة ما من لغة إلى أخرى، وتفيد نفس المعاني الأصلية للكلمة. ومع ضياع الأصول لا يمكن التحقق من دقة هذه الترجمة.
والترجمة الصحيحة للترنيمة كما يرى عبد الأحد داود هي: " الحمد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد ". (١)
стр. 103
البشارة بإيلياء
ومن الأسماء التي رمز الكتاب المقدس بها إلى النبي ﷺ " إيلياء " وهي وفق حساب الجمّل اليهودي تساوي ٥٣. (١)
وهو أيضاً اسم لنبي عظيم أرسله الله إلى بني إسرائيل، وكان ذلك في القرن التاسع قبل الميلاد، وهو الذي يسميه القرآن إلياس.
وفي آخر أسفار التوراة العبرانية يتحدث النبي ملاخي في سفره القصير عن عصيان بني إسرائيل وعن إيليا أو إيلياء القادم الجديد، وهو غير إلياس الذي كان قد توفي منذ سبعة قرون، فيقول ملاخي بأن الله يقول: " هأنذا أرسل ملاكي، فيهيء الطريق أمامي، ويأتي بغتة إلى هيكله السيدُ الذي تطلبونه، وملاك العهد الذي تسرون به، هو ذا يأتي، قال رب الجنود.
من يحتمل يوم مجيئه، ومن يثبت عند ظهوره، لأنه مثل نار الممحص، ومثل أشنان القصار ... (ملاخي ٣/ ١ - ٢).
فالنص في سفر النبي ملاخي يتحدث عن اثنين، أحدهما الذي يهيئ الطريق أمام القادم من عند الرب.
والثاني هو الذي يأتي بغتة إلى الهيكل، ويسميه: السيد، وملاك العهد. وهو الذي يطلبه بنو إسرائيل وينتظرونه.
وفي آخر سفره يقول ملاخي، وحديثه مازال متصلاً عن هذا القادم وعن تبديل بني إسرائيل وكفرهم فيقول: " اذكروا شريعة موسى عبدي التي أمرته بها في حوريب
стр. 104
على كل إسرائيل الفرائض والأحكام. هأنذا أرسل إليكم إيّليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم، لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن " (ملاخي ٤/ ٤ - ٥).
فقد سمى ملاخي النبي القادم إيليا بعد أن ذكرهم بوصية موسى على جبل حوريب والتي ذكر فيها موسى النبي القادم مثله من بين إخوة بني إسرائيل، قال المفسر صاحب "تحفة الجيل": " إن إيلياء الرسول المذكور في آخر سفر ملاخي هو ملغوز، وهذا هو حبر العالم الذي يأتي في آخر الزمان ". (١)
ويرى النصارى أن النبي الذي يمهد الطريق هو يوحنا المعمدان المسمى بإيليا في النص يقول مرقس: " كما هو مكتوب في الأنبياء ها أنا أرسل ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك .. كان يوحنا المعمدان يعمد في البرية ... وكان يكرز قائلاً: يأتي بعدي من أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أنحني وأحل سيور حذائه، أنا عمدتكم بالماء، وأما هو فسيعمدكم بالروح القدس، وفي تلك الأيام جاء يسوع .. " (مرقس ١/ ٢ - ٩)، وهو ما نقله لوقا عن لسان المسيح: " بل ماذا خرجتم لتنظروا، أنبياً؟ نعم أقول لكم: وأفضل من نبي، هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك، لأني أقول لكم: إنه بين المولودين من النساء ليس نبي أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت الله أعظم منه" (لوقا ٧/ ٢٦).
فالممهِد للطريق- حسب رأي النصارى- هو يوحنا المعمدان، والممهد له المنتظر هو عيسى ﵇.
ويعتبرون الأول إيليا لقول متى على لسان المسيح في سياق حديثه عن يوحنا
стр. 105
المعمدان: " ماذا خرجتم لتنظروا. أنبياً؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي، فإن هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه ... لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبئوا. وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي، من له أذنان للسمع فليسمع " (متى ١١/ ٩ - ١٥).
ويذكر متى أيضاً بأن المسيح قال: " إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء، ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه ... حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان " (متى ١٧/ ١٠ - ١٣).
وهكذا يرى النصارى أن المبشِر الممهد للطريق هو يوحنا (إيليا)، والمبشَر به هو المسيح. والصحيح أن إيليا رمز للنبي القادم، وليس للنبي الممهد لطريقه.
وقبل أن نلج لفهم حقيقة هذه النبوءة نرى لزاماً أن ننبه ببعض ما تعرضت له هذه النصوص من تحريف، ففي ملاخي " ملاك العهد "، وهو في الترجمات القديمة: "رسول الختان"، وفي الترجمة الحديثة يقول: "أرسل ملاكي"، وفي القديمة: " أرسل رسولي "، وفي بعض الطبعات: " يأتي السيد " وفي بعضها: " الولي "، وفي أخرى: " إيليا ".
وفي نصوص الأناجيل تحريف للاقتباس من ملاخي الذي استعمل ضمير المتكلم " الطريق أمامي"، وفي الأناجيل أصبح الضمير راجعاً على المسيح " يهيئ طريقك قدامك ".
كما نرى يد التحريف قد طالت كلام المسيح والمعمدان حين زعم الإنجيليون أن المسيح اعتبر المعمدان هو الممهد لدعوته "هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك " (لوقا ٧/ ٢٦)، وأنه سماه إيليا المنتظر
стр. 106
"ولكني أقول لكم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه ... حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان " (متى ١٧/ ١٢ - ١٣).
ومن التحريف قولهم أن المعمدان أخبر أن القوي الذي بشر بقدومه بعده هو المسيح "ولكن في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه، هو الذي يأتي بعدي الذي صار قدامي، الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه .. وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلاً إليه فقال: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم، هذا هو الذي قلت عنه: يأتي بعدي رجل صار قدامي، لأنه كان قبلي" (يوحنا ١/ ٢٦ - ٤٠).
ودعوانا التحريف ليس مردها عدم اتفاق هذه النصوص مع المسألة التي نحن بصدد إثباتها، بل مرده أن يوحنا المعمدان أنكر أن يكون هو النبي إيليا الممهد بين يدي السيد القادم، فقد نفى هو ذلك عن نفسه لما جاءه رسل اليهود من الكهنة واللاويين " ليسألوه من أنت؟ فاعترف ولم ينكر، وأقر: إني لست أنا المسيح.
فسألوه إذاً ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لست أنا. النبي أنت؟ فأجاب: لا " (يوحنا ١/ ١٩ - ٢١)، فهذا نص صريح ينكر فيه يوحنا أنه إيليا الممهد للطريق، كما هو ليس المسيح المنتظر أو النبي القادم.
ويلزم من قول المعمدان تكذيب المسيح في قوله بأن إيليا قد جاء أو أن يكون المعمدان كاذباً حين أنكر أنه إيليا، أو يلزم القول بأن التلاميذ لم يفهموا كلام المسيح، وهذا الأخير هو الأولى، فقد أخطأ متى حين قال: " حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان "، لقد ظنوا أنهم فهموا، بينما الحقيقة أنهم لم يفهموا، لقد كان يحدثهم عن نفسه، فهو النبي القادم الذي يهيئ الطريق للقادم المنتظر " هأنذا أرسل ملاكي، فيهيء الطريق أمامي، ويأتي بغتة إلى هيكله السيدُ الذي تطلبونه، وملاك العهد الذي تسرون به، هو ذا يأتي، قال رب الجنود".
стр. 107
ثم إن صفات إيليا لا تنطبق على المعمدان، لأنه يأتي بعد المسيح، فقد قال المسيح عنه: " إيليا المزمع أن يأتي" والمسيح والمعمدان متعاصران.
وعندما يأتي إيليا فإنه " يرد كل شيء "، و " فيرد قلب الآباء على الأبناء، وقلب الأبناء على آبائهم "، ومثل هذا لم ينقل عن المعمدان الذي عاش في الصحراء، طعامه الجراد والعسل، ولباسه وبر الإبل، وغاية ما صنعه تعميد من جاءه تائباً. (انظر متى ٣/ ١ - ٥).
ولا يمكن التسليم بأن المعمدان كان تمهيداً للمسيح، إذ كيف يقال ذلك، والمعمدان قبيل مقتله - حسب الأناجيل - لا يعرف حقيقة المسيح، ويرسل تلاميذه ليسألوا المسيح " أنت هو الآتي أم ننتظر غيرك؟ " (متى ١١/ ٣).
فكيف يقال بأنه أرسل بين يديه، وهو لم يعرف حقيقته؟ ثم ماذا صنع يوحنا بين يدي مقدم المسيح؟ هل صنع شيئاً يتعلق بالمهمة التي تزعمها الأناجيل له؟
لم يرد عنه سوى البشارة بالملكوت كما بشر به المسيح بعده. (انظر متى ٣/ ١) كما كان يعمد الذين يأتونه معترفين بخطاياهم. (انظر متى ٣/ ٦)، وهذا الذي صنعه المسيح أيضاً، وهو ما يؤكد أن دعوتهما واحدة، ألا وهي البشارة بالنبي ﷺ نبي الملكوت، كما قال: " فقال لهم: إنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله، لأني لهذا قد أرسلت" (لوقا ٤/ ٣٤)، فقد أرسل للبشارة بالملكوت القادم، فهو ممهد ومبشر بين يديه.
والحق أن المعمدان وعيسى صاحبا دعوة واحدة، أي كلاهما بعث مبشراً بالنبي الخاتم، فهما المبشِران بالنبي الخاتم، والذي أسماه متى بملكوت السماوات، فقد بشر باقتراب عصره النبي يوحنا المعمدان، " جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية قائلاً: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى ٣/ ١ - ٢).
стр. 108
وبعد وفاة يوحنا المعمدان جدد يسوع البشارة بالملكوت، " ابتدأ يسوع يكرز ويقول: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى ٤/ ١٧)، " وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت " (متى ٤/ ٢٣).
وأمر تلاميذه بأن يبشروا باقتراب الملكوت فقال: " اكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات " (متى ١٠/ ٧)، لقد كانت دعوتهما واحدة، وهي البشارة والتمهيد للنبي القادم.
وكما لم يتحقق في المعمدان صفات الممهد للنبي القادم، فإن الصفات التي ذكرها يوحنا المعمدان للآتي بعده لم تتحقق في المسيح، فقد قال المعمدان: " أنا أعمدكم بماء التوبة، ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار، الذي رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ، حينئذٍ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه " (متى ٣/ ١١ - ١٣).
فالقادم المبشر به سيعمد بالروح القدس والنار، أما المسيح ﵇ فلم يعمد أحداً طوال حياته، وإن كان شاع بين الناس أنه يعمد، لكنه لم يفعل ذلك حقيقة، وإن صنعه تلاميذه باسمه "فلما علم الرب أن الفريسيين سمعوا أن يسوع يصيّر ويعمد تلاميذ أكثر من يوحنا، مع أن يسوع نفسه لم يكن يعمد بل تلاميذه" (يوحنا ٤/ ١ - ٢).
وذكر المعمدان أن الآتي بعده يعمد بالروح والنار، أي يملك سلطان الدين والدنيا لتغيير المنكر والحفز على التوبة، فهو لا يتوقف عن حدود الطهارة الظاهرية للجسد بالاغتسال بالماء، بل يهتم بطهارة الباطن، ووسيلته ما يأتي به روح القدس (جبريل) من وحي وبلاغ وبيان، كما قام بتطهير كثير من الأرض من الوثنية بالنار.
ومثل هذه المعمودية لم يفعلها المسيح الذي عمد تلاميذه بالماء، وكانت بشارته
стр. 109
استمراراً لمعمودية المعمدان، وهي البشارة بالتوبة ومغفرة الخطايا فإن المسيح دعا - بعد حادثة الصلب والقيامة - كل واحد من تلاميذه "أن يُكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا" (لوقا ٢٤/ ٤٧)، فلم تختلف معموديته ﵇ عن معمودية المعمدان في شيء. (انظر يوحنا ٣/ ٢٢ - ٢٣).
واستمر تلاميذه بعده يعمدون بالماء كما كان المعمدان يعمد، ولما جاء بولس إلى جاء إلى أفسس، فإذ وجد تلاميذ قال لهم: هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم. قالوا له: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس. فقال لهم: فبماذا اعتمدتم؟ فقالوا: بمعمودية يوحنا. فقال بولس: إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة قائلاً للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده، أي بالمسيح يسوع، فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع" (أعمال ١٩/ ١ - ٥)، ولو كان للمسيح ﵇ تعميد يخالف ما عليه تعميد المعمدان ﵇ لعرف بين التلاميذ وشاع.
كما وصف المعمدان النبي القادم بعده بأنه " أقوى مني"، وليس في دعوة المسيح أو حياته الشخصية ما يشير إلى هذه القوة، فكلاهما لم يبعث بشرع جديد، كما لم يملك على قومه، ولم يكن لأي منهما نفوذ أو سلطان، بل تزعم النصارى - باطلاً - أن كلاً منهما مات مقتولاً! فأين القوة التي ذكرها المعمدان؟
كما لم يحقق المسيح قول المعمدان عن النبي الآتي: "رفشه في يده، وسينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ " وهذه كناية يفسرها الدكتور وليم أدي بقوله: " كناية عن نهاية العمل كله، ويمكن أن يكون القصد من هذا التشبيه: الإشارة إلى تأديب الله للناس وقصاصه لهم في هذه الحياة"، بل هو كناية أبعد من ذلك، إذ تبين سلطانه الذي ينقي الأصل الذي أنزله الله على أنبيائه مما علق فيه، فيحذف الترهات الدخيلة ويزيفها.
стр. 110
وعليه فالآتي المبشر به هو محمد ﷺ ، وهو فقط الذي أتى إلى أرض القدس والهيكل بغتة يوم أسري به إلى بيت المقدس، بينما نشأ المسيح ويوحنا في ربوع الهيكل.
وهو النبي الذي سمته بعض الترجمات برسول الختان، إذ كان قد دعا إليه ونبه إلى أنه من سنن الهدى، والتزمه المسلمون بعده.