مالك بن نبي
مذكرات شاهد للقرن
ندوة مالك بن نبي
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان
دار الفكر، دمشق - سورية
стр. 2
مالك بن نبي
مذكّرات شاهد للقرن
القِسْمُ الأول: الطِّفْل ١٩٠٥ - ١٩٣٠
القِسْمُ الثاني: الطالبْ ١٩٣٠ - ١٩٣٩
بإشراف ندوة مالك بن نبي
دار الفكر المعاصر بيروت - لبنان
دار الفكر دمشق - سورية
стр. 3
تصوير ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م
الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م
ط١: القسم الأول ١٩٦٩م
القسم الثاني ١٩٧٠م
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١، ترك أستاذنا مالك بن نبي، ﵀، في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١ الموافق ١٠ حزيران ١٩٧١، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
وتحملاً مني لهذه الرسالة، ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذاً لوصية المؤلف بـ (ندوة مالك بن نبي).
والتسمية هذه، دعوة إلى أصدقاء مالك بن نبي وقارئيه، ليواصلوا نهجاً في دراسة المشكلات، كان قد بدأه.
وهي مشروع نطرحه كنواة لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو غيرها مترجماً من قبل المترجمين أو غير مترجم. فقد حمّلني، ﵀، مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيها إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان
١٨ ربيع الأول ١٣٩٩هـ
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩م
عمر مسقاوي
стр. 5
تصدير
ـ[مذكرات شاهد للقرن]ـ
كتاب أخرجه فيلسوفنا مالك بن نبي عام ١٩٦٦ بالفرنسية، وطبع في الجزائر. وكان قد أودعني نسخة على الآلة الكاتبة في ذلك التاريخ، رغبة منه في إصداره مترجماً باللغة العربية.
هكذا اتفقت مع الدكتور عبد المجيد النعنعي مدير فروع الجامعة اللبنانية في طرابلس- لبنان، ليعمل على ترجمته، ولأعمل معه على صياغة النص بما يتفق وروح المؤلف ومرامي أفكاره.
وأنجز الدكتور النعنعي المهمة مشكوراً، يدفعه إلى ذلك حماسته للفكر العربي والإسلامي معاً، إنما سبقنا إلى تمام العمل ترجمة أخرى للأستاذ مروان قنواتي، صدرت في نهاية الستينات.
وهكذا توقفنا .....
وفي بداية السبعينات صدر الجزء الثاني من (مذكرات شاهد للقرن) وهو الجزء الذي يتحدث عن مرحلة الدراسة في باريس ابتداء من عام ١٩٣٠، وقد آثر الأستاذ مالك- ﵀ أن يترجمه بنفسه إلى العربية، حين آنس في الترجمة الأولى شيئاً من حواجز الصياغة تحول بين القارئ وإحساس المؤلف، الذي أودعه في كتابه وهو يصوغه بالفرنسية.
ومرت الأيام ......
стр. 6
وحين بدأنا في إعادة طبع مؤلفات الأستاذ مالك بن نبي من جديد، عدت إلى ترجمة الدكتور النعنعي وقد مضى عليها قرابة الخمسة عشر عاماً، ثم تأملت في ترجمة الأستاذ مروان قنواتي، وقد حوت كثيراً من التوضيحات حول الأسماء التي ذكرها الأستاذ مالك.
وما كنت لأعدل عن ترجمة الأستاذ قنواتي التي بذل فيها من علمه ومعرفته ما يشكر عليه، لولا أنني أردت أن أوائم بين القسم الأول من الكتاب، والقسم الثاني الذي كتبه الأستاذ مالك بالعربية مباشرة.
فالترجمة الحاضرة للقسم الأول من الكتاب ترتكز في أساسها على النص الفرنسي وعمدتها ترجمة الدكتور النعنعي، لكننا استفدنا كثيراً من جهود الأستاذ مروان قنواتي.
وقد حاولنا قدر الاستطاعة أن نسلك في ترجمتنا للقسم الأول من (مذكرات شاهد للقرن)، أسلوب الأستاذ مالك في ترجمته للقسم الثاني من هذه المذكرات، ذلك أن القسمين سيصدران في كتاب واحد في هذه الطبعة وكانا قد صدرا قبلُ في كتابين منفصلين. فعسى أن نكون قد حققنا هدفنا في التنسيق بين فصول هذه المذكرات التي يأخذ بعضها برقاب بعض.
ومذكرات مالك بن نبي، مذكرات شاهد يتحدث إلينا خلف ستار، وهو يحاول أن ينقل إلينا تبصّره بالأحداث، وما هذه التفاصيل التي يقصها علينا إلا ليجسد رؤيته الفكرية عبرها. فشاهدنا شاهد بصر وبصيرة معاً.
وهي بصيرة صاغتها أحاسيس جزائري امتد به عمق الحضارة الإسلامية إلى حدود الحضارة الغربية الحديثة، فكان نقطة اتصال وتحول كما يقول في بداية شهادته.
فأجيال الحضارة تتناقل دائماً رسالة سرية ذات رموز، ويحقّ لكل جيل أن يقرأ هذه الرسالة قراءة تختلف عن الجيل السابق، لأن لكل جيل مصطلحاً خاصاً به يفك رموز تلك الرسالة.
стр. 7
هكذا يقول بن نبي في شهادته، وكأنما يريد أن يمنحنا من جديد مصطلحات رموز هذه الرسالة، بعد أن افتقدنا هذا المصطلح، وباتت رسالة حضارتنا رمزاً لا نستطيع له إدراكاً يلج في أعماق جيلنا المعاصر.
مالك بن نبي يحدثنا عن حدود التلاقي بين حضارة مندفعة تحتاح ما أمامها، وحضارة أسلمت مقاليدها للتاريخ وغدت أجيالها في مهب الريح.
كذلك كانت الجرائر وقد اجتاحها الاستعمار الفرنسي. لكن الجزائر عينة من عينات ذلك العالم الإسلامي الذي استقال من مهمته التاريخية، وغدت بقية التراث أشلاء مبعثرة هنا وهناك، لا تصمد أمام طوفان الحضارة الغربية وجحافلها المنتصرة.
هكذا ينقل إلينا مالك بن نبي صوراً من شهادته، إذا صدقت على أجيال الجزائريين من أبناء جيله، فهي صادقة أيضاً على أجيال العالم الإسلامي، والعالم المتخلف بأجمعه منذ بداية هذا القرن.
ولذا فهو شاهد أحداث هذا القرن فيها يروي.
والشهادة هذه ليست شهادة لمعاناة مجتمع مغلوب على أمره، وهي ليست شهادة على مجتمع لا يدرك لدفاعه فعالية الوسائل فحسب، بل إنها أيضاً شهادة على ما أرست حضارة الغرب الحديثة من مصطلحات ومفاهيم ومنجزات، تزري بمسيرة الإنسانية وهي تنشر ثقافتها وجيوشها.
فمالك بن نبي- وهو يروي أدق التفاصيل- لا يغفل عن إبراز القيم الأساسية التي ما يزال يحتفظ بها رجل الفطرة، وقد ورثها من أجيال سابقة حفظت التراث والقيم. وهو في الوقت نفسه يطرح أمامنا تهافت مثقفينا؛ الذين انغمسوا في الثقافة الغربية ومصطلحاتها وواقعها، فانقلبوا في حركتهم التقدمية إلى الوراء، واتخذوا من السياسة سبيلاً إلى قيادة تسير نحو العدم، لأنهم افتقدوا في
стр. 8
ذلك الصخب الذي عانته مجتمعاتنا الإسلامية منذ بداية هذا القرن، سبل الفعالية في المبادرة والاتجاه، وهكذا فاتهم قطار التاريخ.
هذا الكتاب يحمل إلينا دفء الأصالة، ويهزّنا حين يروي لنا صفاء الراعي والبدوي ووفاءه للقيم، والتزامه بما استقر في ضميره من تقاليد هي أقرب إلى روح الحضارة وأرسخ في خطا التقدم.
فالذي حمله المثقفون الجزائريون من الجامعات والمعاهد الفرنسية، والذي نقله الاستعمار من الهياكل الإدارية إلى أرض الجزائر، قد أفسد الرؤية وأنقص قيمة الإنسان، وأحل مكان خرافة المرابطي شيخ الطريقة خرافةَ الزعيم، وهكذا تحطمت بمنطق السهولة المبادرات البناءة التي بدأتها حركة الإصلاح بقيادة (بن باديس).
هذا الكتاب يكشف لنا مكونات فكر بن نبي، وهاجسه العميق الذي رافقه طيلة حياته.
إنه هاجس الحضارة ومشكلاتها. وما كان لبن نبي أن يروي لنا شهادته، لولا أنه قد رغب في تأصيل الأساس الفكري لنهضتا، وآثر الحقيقة والتزم جانب الصدق والكفاح حتى أسلم الروح، لم تفتر له عزيمة في بيان ولم يهن له عزم في كشف كل زيف، تروج بضاعته في أسواق الثقافة ومراكز التوجيه.
إنه شاهد قرن ومبلغ فيه لما شهد. والتبليغ في منعطفات التاريخ رؤية فكرية وروحية معاً. في صيغته وضوح المعالم، وفي حرارته شرارة الإقلاع.
طرابلس- لبنان
٢٢ جمادى الثانية ١٤٠٣هـ
٥ نيسان (ابريل) ١٩٨٣
عمر مسقاوي
стр. 9
القسم الأول
الطفل
(١٩٠٥ - ١٩٣٠ م)
стр. 10
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقَدّمة
ليست الغاية من هذه المقدمة تقديم كتاب للقارئ، كما هو مألوف، إنما أردت أن أكشف الظروف المثيرة التي ألقت إليّ بهذه المخطوطة فاتجهت لنشر قسم منها في هذا الكتاب.
لكل امرئ ما تعود. ومن عادتي في بعض الأحيان أن أؤدي صلاة العصر في المسجد، حينما يخلو من الذين أدركوا الصلاة وراء الإمام في وقتها.
المكان شبه خالٍ إذن، وكنت أختار هذه الساعة بالذات لأستجمع نفسي في سكينة المسجد.
كان ذلك في مسجد قسنطينة المسترجع بعد ما ظل طوال قرن كاتدرائية المدينة. وكنت قد عدت إلى الجزائر منذ ثلاثة أيام أو أربعة وقد مضى على التحرر سنة كاملة.
عندما خلعت حذائي متأهباً لدخول المسجد، ألقيت نظرة فاحصة إلى داخله. فالمكان يتحدث بتاريخه أكثر مما يتحدث عنه طراز بنائه. واخترت ركنا في داخل المسجد مجانب المنبر القديم نائياً بنفسي عن ضجيج الشارع، وكانت أشعة الأصيل تتسرب من خلال الزجاج بين أعمدة المسجد.
وقفت في زاويتي أشرع في الصلاة. وكنت في الركعة الثانية من صلاة العصر أطيل السجود أكثر مما يفعل الناس في الجزائر؛ فهذه عادة حملها الزائرون للديار المقدسة حينما تتاح لهم فرصة المرور بالقاهرة والصلاة في مسجد الحسين بالقرب من الأزهر. وبينما أنا في سجود هذه الركعة تناهى إلى سمعي وقع
стр. 11
خطوات على السجادة ورائي، فما إن اقترب صاحبها مني حتى انسحب إلى الوراء. وعندما رفعت رأسي حانت مني التفاتة لا شعورية إلى جانبي الأيمن، فرأيت على مقربة من ركبتي ربطة حسنة التغليف.
أكملت صلاتي حسب العادة، ثم حيّيت وسلمت ونظرت ورائي فلم أجد أحداً، ثم نظرت يمنة ويسرة فلم أجد أحداً؛ فالذي وضع الربطة قد اختفى.
ولكن ماذا في هذه الربطة؟. أخذتها بين يدي فوجدتها مغلفة بعناية بورق مقوى وملتصق جيداً. وما إن لمستها حتى تبينت أنها كانت تضم أوراقاً، فنزعت عنها الغلاف الخارجي، إنها صفحات مكتوبة بخط دقيق لكنه مقروء جيداً، وعلى الصفحة الأولى رأيت العنوان (مذكرات شاهد للقرن) مكتوباً بخط أكبر ذي حروف مستديرة.
قرأت صفحة ثم أتبعتها بأخري. إنه شيء مثير، فكل جزائري يحسن الكتابة من أبناء جيلي يستطيع أن يكتب مثلها.
ثم قرأت بعض الصفحات فوقعت على اسم من يمكن أن يكون مؤلفها.
(صديق) .... من هو الصديق؟
إنه منذ الصفحة الأولى يبدو أنه واحد من مواليد قسنطينة ومن مواليد سنة ١٩٠٥ فهو إذن رجل من أبناء جيلي. هذا كل ما في الأمر.
هل يجب أن أعيد إليه أوراقه، ولأي صديق أعيدها؟
ولكن أليس في نشرها إرجاع لها إليه؟ فربما كانت هذه رغبته بالذات.
فليتقبل القارئ إذن هذا الكتاب على أنه أفكار جزائري أراد أن يتحدث إليه من وراء حجاب محتفظاً باسمه لنفسه.
مدينة الجزائر ٥ أيار (مايو) ١٩٦٦م
مالك بن نبي
стр. 12
كان مولدي في الجزائر عام ١٩٠٥، أي في زمن كان يمكن فيه الاتصال بالماضي عن طريق آخر من بقي حياً من شهوده، وإلإطلال على المستقبل عبر الأوائل من رواده.
هكذا إذن فقد استفدت بامتياز لا غنى عنه لشاهد، حينما ولدت في تلك الفترة.
فقد عرفت في عائلتي جدة لي؛ الحاجة (بايا)، عُمِّرت حتى جاوزت المئة. وماتت حين كان لي من العمر ثلاث سنين أو أربع لم أعرفها بما فيه الكفاية، غير أنها أورثت العائلة الكثير من مشاهداتها وذكرياتها القديمة التي انتقلت إليّ بالتالي. فقد سردت على مسامعي فيما بعد جدتي لأمي الحاجة (زليخة)، كيف تركت أمها الحاجة (بايا) وعائلتها مدينة قسنطينة يوم دخلها الفرنسيون.
ففي ذلك اليوم لم يعد لعائلات قسنطينة من همّ، سوى إنقاذ شرفهم، وخاصة تلك العائلات التي كانت تكثر فيها الصبايا. فقد أخلوا المدينة من ناحية وادي الرمل، حيث توجد اليوم في الجهة السفلى مطاحن كاوكي، ومن الناحية العليا الجسر المعلق.
فبينما كان الفرنسيون يدخلون المدينة من كوّة في السور، كانت صبايا المدينة يسرع بهن آباؤهن إلى الجهة الأخرى منه يتدلين هرباً، وكثيراً ما كانت تنقطع بهن الحبال فتلقي بالعذارى في هوة المنحدر. فمعمَّرتنا (بايا) عاشت هذه المأساة، إذ كان والداها يدفعانها أمامهما عبر أزقة مدينة مذعورة نحو هوة السور، كما قاد إبراهيم قديماً ابنه إسماعيل إلى مذبح الرب. فكان على جدتي إذن أن تُقَدَّم قرباناً على مذبح وطن ينهار، إنقاذاً لشرف عائلة مسلمة. ولكن جدتي نجت
стр. 13
أخيراً من مصيرها المرعب. فالحبل الذي تدلّى بها من فوق السور قاوم هذه المرة ولم يلق بحمله فسلمت جدتي، ولجأت مع عائلتها إلى تونس، وبعد سنوات عديدة قامت بزيارة مكة المكرمة لتعود بعدها مع زوجها وأطفالها إلى الجزائر. إنها الآن ميتة ولكن قصتها المحزنة ما تزال حية.
ولعل بإمكاننا أن نتصور تأثير هذه القصة على مخيلة أحفادها الصغار وأنا منهم، حين كانت تقصها علينا في ليالي الشتاء الباردة ابنتها- جدتي الحاجة زليخة- التي عُمّرت هي أيضاً فبلغت مئة عام.
وهنا أضيف أن هذه المرأة كانت بارعة في قص الحكايات، إذ كانت تشدنا إليها ونحن متحلقون حولها. كانت هذه مدرستي الأولى، فيها تكونت مداركي. فبعد ثلاثين سنة- من هذا التاريخ حينما كنت طالباً في باريس- قمت ذات يوم مع عدد من رفاقي في الكلية بعملية استبطان. وكان على كل منا أن يجيب على السؤال التالي: ما هو أهم حدث في حياتك ولمن تنسبه؟ لقد أحيا هذا السؤال في نفسي ذكريات قديمة.
كنت في السادسة أو السابعة من عمري، وكان وضع عائلتي قد ساء مادياً، فجدي لأبي باع كل ما تبقى بحوزته من أملاك العائلة، وهجر الجزائر المستعمَرة ليلجأ إلى طرابلس الغرب، فقد هاجر مع الموجة الأولى من الهجرة التي اجتاحت حوالي عام ١٩٠٨ مدناً كثيرة كقسنطينة وتلمسان، تعبيراً عن رفض أهالي البلاد معايشة المستعمرين، والذي يعد البذرة الأولى لكثير من الأحداث السياسية التي جرت فيما بعد، وخصوصاً لذلك الشعور بضرورة مقاومة المستعمر الذي تفجر في أول تشرين الثاني (نوفبر) سنة ١٩٥٤.
هذه الهجرة رافقتها تحولات اجتماعية كانت تتم تدريجياً في محيط مدينة قسنطينة، التي ما تزال تحافظ على المظاهر في الإطاار الاستعماري، إلا أن نظمها التقليدية وعاداتها قد بدأ يعتريها التغيير: الاحتفالات، والزواج، ومراسم
стр. 14
الدفن، والأعياد، واجتماعات الرقية وطرد الجن، وحلقات الذكر عند الحنصالة والرحمانية والتيجانية، وخاصة العيسوية، كل ذلك كانت تقيمه عائلات المدينة في أبهة وروعة كما كان يجري في الماضي، مع أن مواردها لم تعد تسمح بذلك. ولو شاءت عائلة عرفت منذ قديم الزمان بالغنى أن تزوج ابناً أو بنتاً لها، لاضطرت أن تبيع بيتها، لتقوم بالمراسم المعتادة التي تليق بها.
لقد احتفظوا بالمظاهر فيما هم فقدوا الجوهر، إلا أن المظاهر بدورها لم تسلم في النهاية من التغيير. فهذه العادات الأخلاقية والاجتماعية قد اعتراها التحول. وقبل مولدي ببضع سنوات لم يعد أهل المنارل يضعون في المشكاة التي كانت بجانب الأبواب، طعاماً للفقراء يكفيهم السؤال بصوت مرتفع وهم يطرقون الأبواب.
لقد شاع الخمر وشاربوه. وبدت بوادر استغلال الثقة والمخالفة لتقاليد البلاد العريقة في الظهور، فيما نكفأت تتوارى شيئاً فشيئاً تلك التقاليد.
ومنذ طفولتي اختفت عادة تضامنية جميلة تقضي بأن يعير الجار عروس جاره حلي الزفاف. لقد اختفت هذه العادة لأن كثيراً من الحلي المعارة في أحد الاحتفالات لا تعود لأصحابها.
أما على الصعيد الاجتماعي فقد كان تدهور الإطار التقليدي أبلغ في الوضوح. فبعض النقابات المهنية كنقابة النساجين كانت قد اختفت منذ بعيد، فيما ظلت أخرى تقاوم قبل أن يدركها الأفول. لقد ولّت واحدة تلو أخرى لتخلي مكانها لما يستورد من السلع المصنوعة.
كثير من شوارع قسنطينة القديمة لا تزال محتفظة بأسمائها القديمة مثل: رحبة الصوف وسباط شبارليه (١)؛ مع أن تلك الجمعيات المهنية التي ازدهزت قديماً
стр. 15
والتي أعطت الاسم للشارع اختفت منذ زمن بعيد.
لقد بدأ المجتمع القسنطيني يتصعلك من فوق ويسوده الفقر من تحت، حتى ملابس الرجال شملها هذا التطور المتدهور: ففي شوارع قسنطينة بدأت تختفي العمائم والبرانس والملابس المصنوعة من الأقمشة المطرزة. والمخازن التي كانت تصنع فيها تلك السلع- كمخازن الصدارين- بدأت تقفل واحدة تلو الأخرى. وأخذت تظهر أكثر فأكثر في هذه الشوارع البضائع الأوروبية، وأحياناً الأثواب المستعملة المستوردة من مرسيليا.
مظهر المدن إذن أخذ يتغير من هذه الناحية، ثم من ناحية أخرى فإن تجمع الأوربيين الذي بدأ يتكاثر شيئاً فشيئاً، وأبناء الجالية اليهودية الذين أصبحوا فرنسيين دفعة واحدة، قد أدّى ذلك كله إلى أن تكون لهؤلاء مقاهيهم ومتاجرهم ومطاعمهم ومصارفهم وكهرباؤهم ومخازهم ذات الواجهات الجميلة. هذا كله أخذ يضفي على المدينة طابعاً جديداً، فحياة السكان الأصلية أخذت تتقلص لتنعزل في الشوارع الضيقة وزقاق سيدي راشد.
لقد كان لهذه التغيرات علاوة على أثرها الأخلاقي والاجتماعي، تأثير نفساني مضنٍ على أولئك المسنين الذين كان جدي أحدهم، فكل ما يجري حوله كان يدفعه لترك الجزائر، إلا أن والدي لم يرافقه في هجرته لأن أمي كانت تتمسك بالبقاء قرب أهلها، الذين استقروا في تبسة منذ حوالي نصف القرن. ولما كان جدي الذي هاجر برفقة شقيق له وابن له هو عمي، قد حمل معه كل ما تمكن من حمله، فقد بقي والدي ردحاً من الزمن في تبسة دون مورد يعيش منه ودون عمل.
لقد كانت هذه الفترة من حياة عائلتي شديدة العسر. إذ مات عمي الأكبر في قسنطينة، وكان قد تبناني منذ أمد بعيد، مما جعل زوجه تعيدني إلى أهلي في تِبِسَّة على الرغم مما خلف ذلك من أسى في نفسها وفي نفسي. لقد فعلت ذلك لأن مواردها لم تعد تسمح لها بإعالتي.
стр. 16
وعلى هذا فقد انضمت إلى زمرة أطفال تبِسَّة، وفي هذا الوسط الجديد في عائلة مفرطة في الفقر أخذت أتعرف إلى جدتي لأمي، وسمعت الكثير من أقاصيصها وحكاياتها التي كان محورها العمل الصالح وما يليه هن ثواب، وعمل السوء وما يتبعه من عقاب. وكانت هذه الأقاصيص الورعة تعمل على تكويني دون أن أدري. فمنها عرفت أن الإحسان في مرتبة عليا من الأخلق الإسلامي. وإحدى حكاياتها عن الإحسان جعلتني أنا ابن السادسة أو السابعة من عمري أقوم بعمل ربما كان على ما أعتقد أسمى ما قمت به في حياتي.
ففي العائلة الفقيرة لابد أن يجوع الصغار متى فقد الأب عمله، غير أن أمي كانت تحول دون ذلك بممارستها للخياطة، وبالتالي فهي التي كانت تمسك بكيس النقود الذي كان دائماً فارغاً.
ولا أزال أذكر كيف أنها اضطرت ذات يوم لكي تدفع لمعلم القرآن الذي يتولى تدريسي، بدل المال سريرها الخاص، وأذكر أنه كان مصنوعاً من عدة ألواح من الخشب رفعت على صقالتين. وكان هذا يسمى في الجزائر آنذاك (السدّة).
وموارد العائلة كما ترى كانت هزيلة، إلا أننا كنا نحصل على قوتنا بفضل حسن تدبير أمي وانكبابها الليالي الطوال على عملها. ولكن أمي في إدارتها لشؤون العائلة كانت تعرف أن ما يحصل عليه أطفالها من غذاء غير كاف، فكانت تسد هذا النقص بعمل إضافي أيام الجمع. كان هذا العمل الإضافي يعطينا شقيقتي وأنا يوم الجمعة قطعة من (الرفيس) وهي حلوى تبسية تصنع من الطحين والسكر والتمر والزيت.
وفي ظهيرة يوم الجمعة أخدت نصيبي من الرفيس وأخذت أقضمه بنهم ولذة، وفجأة سمعت بباب الدار سائلاً ينادي: ((أعطوني من مال الله))، ولم أكن عندها أكلت من فطيرتي أكثر من النصف، ومع ذلك بادرت يإعطائها له عندما تذكرت واحدة من حكايات جدتي عن الإحسان وثوابه.
стр. 17
بعد ربع قرن من هذا الحادث وكنت قد أصبحت رجلاً، أخذت أدرك إلى أي حد كنت مديناً لتلك الجدة العجوز.
والآن من الواجب أن ألاحظ في هذه المذكرات أنه في تلك الفترة البائسة حين لم تكن البلاد تمسك بمقاليد وجودها، ولا همّ للشباب قبل الحرب العالمية الأولى سوى الاستقرار بقدر الإمكان في الإطار الاستعماري، كان جدي القديم وجدتي يتشبثان برصيدهما التاريخي الأصيل، بتلك التقاليد وهذه الروح التي لولاها ما استطاعت البلاد أن تعود لصياغة تاريخها من جديد.
ومهما يكن من أمر فعندما عدت إلى عائلتي في تبِسَّة، عدت إليهم وقد ارتسمت في نفسي انطباعات واضحة خلال إقامتي في قسنطينة عند عمي وزوجه.
ولعل فقداني لما اعتدت عليه في مدينة الباي، كان يزيد في تأثير بيئة تلك المدينة على ذهني. ولهذا فقد ظلت قسنطينة تستقطب تفكيري طيلة سنوات طفولتي. ولكن تبسة أصبحت هي الأخرى مجال استقطاب آخر أضاف إلى ذاتي طابعه النفسي أيضاً.
ففي هذه الفترة كانت المدينة قابعة تقريباً داخل حدودها البيزنطية القديمة، أعني داخل الأسوار التي بنيت سريعاً دون تنسيق لمواجهة غزو الفندال. وأضيف إلى المدينة أيام الحكم العربي ضاحية بنيت خارج الأسوار (مشتى) يسمونها الآن الزاوية؛ ولعلها سميت كذلك نسبة إلى سيدي عبد الرحمن، أحد الأولياء الصالحين. ويؤم هذه الضاحية عادة بعض رجال القبائل المجاورة (ليموشي واليحياوي وعبديس) ولعلهم يفضلون الإقامة فيها على المدينة ليبقوا قرب مواشيهم.
في هذا الإطار قضيت القسم الأهم من طفولتي.
стр. 18
وكان للعائلات المقيمة داخل المدينة أيضاً قطعانها من الأبقار ترسلها باكراً لترعى خارج المدينة. فكانت تتجمع في الصباح عند باب (كراكلا) ويسميه المسلمون الآن باب (سيدي سعيد)، ليدعها تعود في المساء وحدها إلى حظائرها تضج بها أزقة المدينة كما تملؤها بما تلقي خلفها من أقذارها. ثم أضاف الحكم الاستعماري إلى المدينة القديمة الطابع، ضاحية إدارية أقام فيها الوحدات المختلطة لدينتي (تبسة ومرسوت)، وأخرى سكنية لإقامة الأوربيين من الموظفين ومعلمي المدارس ورجال الجمارك ورجال الدرك مع طبيب واحد أو طبيبة.
فالإطار الذي سأقضي فيه شبابي يحكي باختصار قصة ألفي عام من تاريخ الجزائر. فبيئة تبِسَّة تختلف في عدة نقاط عن محيط قسنطينة حيث قضيت السنوات الأولى من طفولتي.
لقد نجت بنسبة كبيرة من تسلط الواقع الاستعماري الذي سيسمى فيما بعد (الحضور الفرنسي)، وهذا ناتج من أن طبيعة المنطقة كانت تشكل نوعاً من الدفاع الذاتي ضد الأوربيين. ذلك أن تربتها لم يكن فيها ما يستهوي المعمر الأوربي، ففيها كنت ترى الدركي وبوليس الجمرك سابحين، في محيط من لابسي البرانص، خاصة في الأيام التي تقام فيها الأسواق، فاحتكاكها بالقبائل المجاورة قد حفظ لها طابعاً شبه بدوي مع شيء عن مظاهر حياة قبلية رعوية تفوح منها رائحة الحليب والخمير التي تَأَلَّفَت الأزقة.
لم تكن النظم التقليدية لهذه المنطقة تفسح المجال كثيراً- كما هي الحال في الحواضر الكبرى- للمؤثرات الأخلاقية والاجتماعية الناتجة عن الوجود الاستعماري. فالسكان هنا لم يتخلوا عن فضائلهم وتقاليدهم. فلا يزال طعامهم الشائع الكسكسي والفطائر وشرابهم الماء القراح. لقد تمكنت تبسة من المحافظة على روحها القديمة وعزتها بفضل بساطة الحياة فيها وجدب تربتها. وهكذا
стр. 19
فبانتقالي من قسنطينة إلى تبسة، وجدتني في إطار جديد أمام عناصر ومؤثرات تختلف عن سابق نشأتي.
في تِبسَّة تختلف وسائل اللعب عنها في قسنطينة، فأطفال مدينتي الأولى قسنطينة أَكثر رفاهية وبالتالي فقد كانت لعبهم أكثر أناقة ورقة، فالصغار منهم يتلهون بلعب صغيرة صنعت محلياً من خشب ملون، فهي أشبه ما تكون بتلك الصناديق الرخيصة الثمن التي كانت تحملها عرائس قبائل تبسة ضمن جهازها، والذين هم أسنّ كانوا يلعبون بالقفز أو بلعبة أخرى هي (الكينة quinet). في تِبسَّة كانت اللعب تعتمد على مزيد من القسوة والصلابة المتأثرة بالتقاليد المحلية، وبعضها كان أحياناً يقترب من السحر والشعوذة.
هناك أيضاً الألعاب الموسمية، ففي الربيع تجري المباريات الرياضية بلعبة (الكورة) بين أبناء المدينة وأبناء الزاوية، وكثيراً ما كان بعض الكبار يشتركون فيها؛ أما الكورة فكانت عبارة عن عقدة من غصن سنديان أو أنها مصنوعة من شعر الماعز. أما قاعدة اللعب فتقضي بأن يحاول كل فريق توجيه كرته إلى أرض الفريق الآخر، بواسطة عصا صنعت من غصن سنديان معكوفة عند طرفها شويت على نار خفيفة (الخوص)، ولعلها تشبه إلى حد ما العصا المستعملة اليوم في لعبة (الجُلف).
وهناك لعبة أخرى ربما كانت أخطر، وهي عبارة عن حرب صغيرة تقوم بين صبية تبسة وأولاد الزاوية. وهذه معروفة أيضاً في قسنطينة حيث يتقابل بضراوة أبناء حي القنطرة مع صبية باب الجدابية. على أن أكثر ما كان يثير اهتمامنا نحن أبناء تبسة السطو. كان يحيط بالمدينة منطقة خضراء يقوم بعض المزارعين باستغلالها في إنتاج الخضار، وفي موسم الخسّ والفواكه كنا نحن الأطفال نغرو هذه الحقول ونسطو على ما يتيسر من إنتاجها. بل كثيراً ما كان الأطفال يهربون من مدارسهم جماعات جماعات ليغيروا على هذه الحقول. ولعل أطفال
стр. 20
المدينة قد أسهموا مع تطور الحياة في تحويل هذه الجنائن إلى أرض موات، قسمت فيما بعد إلى قطع معدة للبناء عند ضاحيتي باب زعرور وباب الزواتين.
أما أنا فكانت لي أماكن مفضَّلة وكذلك أيام مفضلة، فكان يطيب لي أن أسطو على شيء من الأثمار بعد ظهر كل أربعاء. ففي هذا اليوم بالذات كان معلم المدرسة- ولم أكن بعد قد دخلت المدرسة الفرنسية- يصرفنا قبل موعد الانصراف، بعد أن يكون قد حصل من كل طفل على قطعة نقدية من فئة القرشين، وهذا ما كان يوفر لي الوقت اللازم للسطو على البساتين.
في تلك الساعة من بعد الظهيرة كانت الشمس عادة تلف المدينة بأشعة ذهبية رائعة، مما كان يجعلني أجد متعة كبرى في اللعب على أرصفة شارع قسنطينة أو في ساحة (كارنو Carnot) حيث أقيم كشك للموسيقا، اعتاد الفرنسيون أن يرقصوا على أنغامه في ليالي الرابع عشر من تموز. ولا أزال أذكر تلك الأمسية من بعد ظهر أربعاء ركلني فيها أحد الأوربيين لأنني دست على قدمه بينما كنت ألعب على الرصيف. وكان اللعب قرب الأسوار بالذات يطربني إلى حد كبير، إذ كان يجعلني أشعر وكأنني أنتقل إلى عالم آخر.
في زوايا أخرى من المدينة كان يخالجني شيء من الاضطراب، فحين كنت أمر بصحبة أختي الكبيرة أمام الكنيسة كنت أتطلع باستمرار إلى جرسها، إذ كانت تتملكني فكرة لم أبح بها لأحد مطلقاً. كنت أعتقد أن شقيقتي الصغيرة وردة - التي لم أعرفها لأنها توفيت وأنا ما أزال رضيعاً- سجينة داخل الكنيسة كما لو كانت كنزاً سلب من أحد وأخفي في مكان أمين لا تصل إليه يد.
لم تكن الزاوية القادرية بعيدة كثيراً عن منزلنا. وكان العرف آنذاك يقضي في حفلات الزواج والختان، بأن تواكب نوبة الزاوية العريس ليلة زفافه والطفل يوم ختانه. وما إن يصل إلى مسامعي إيقاع الضربات الأولى للنوبة حتى أبادر إلى الخروج، وحين كان يحدث ذلك عند الظهر كنت أعرف أنه
стр. 21
بمناسبة ختان عند العائلة الفلانية، وأسارع فوراً إلى اللحاق بالموكب كما كان يفعل جميع صغار الحي.
هذه الذكريات تبدو لي غريبة حتى في هذا الوقت بالذات، ومع الأيام بدأت تتحسن أوضاع عائلتي المادية؛ فوالدي حصل على وظيفة في المجمع المختلط لتبسة، وذلك بفضل ما تعلمه قديماً في المدرسة.
لقد أرسلوني إلى المدرسة الفرنسية، إلا أنني في الوقت نفسه ثابرت على التردد على مدرستي القديمة لتعلم القرآن، فكنت أقصدها كل يوم في الصباح الباكر لأكون فيما بعد عند الثامنة صباحاً في المدرسة الفرنسية. وكنت أجد في ذلك صعوبة كبيرة، أضف إلى هذا أن الفارق الذي كنت أحس به بين المدرستين والمعلمين، كان يجعلني لا أطيق هذا الوضع، فبدأت أتغيب عن مدرسة القرآن القديمة وسجادة الخلفاء، مما كان يعرضني لعقاب متواصل من أبي ومن معلم القرآن، وهذا زادني كرهاً بمدرسة القرآن، واسمترار هذا الوضع جعل حالي تسوء في المدرستين. وهكذا اقتنع والدي فانقطعت عن مدرسة القرآن القديمة لأنني لم أتعلم الكثير على الرغم من السنوات الأربع التي صرفتها فيها. فحتى ذلك الوقت لم أكن قد تجاوزت في قراءتي للقرآن سورة (سَبَّح).
وإن من ذكريات تلك الأيام ما لا يزال في مخيلتي، فقد كنت كباقي التلاميذ أغسل كل صباح لوحي الحجري في بركة ماء صغيرة، تقع عند زاوية المدرسة، ومتى تشبعت مياه البركة بذلك الحبر الذي كنا نكتب فيه وهو الصماغ - وكان المعلم يصنعه عادة بنفسه مستعملاً دهن الخرفان- كنا نعمد إلى نقل المياه الملوثة بدلوٍ لطرحها في مكان خاص. شربت ورفاقي مرة من هذه المياه الملوثة لاعتقادنا بأنها كانت تضم كلمة الله. لقد كان قصدنا من ذلك نبيلاً ومؤثراً، فما أردناه هو أن نشرب كلمة الله المقدسة بالذات.
стр. 22
في المدرسة الفرنسية الوحيدة في مدينتنا الصغيرة، أوجدوا صفاً رابعاً خصص للصغار من أبناء البلاد Petits indigènes وهو عبارة عن (مطهر) يقضي فيه الولد عدة سنوات، قبل أن يلحق بالصفوف العادية، عقب امتحان يقرر ما إذا كان على التلميذ أن يدخل الصف الثاني أو الثالث. لقد كان لي حظ الدخول في الصف الثالث.
وكان هذا في الواقع حظاً أتاح لي على ما أعتقد متابعة دراستي. فقد تمثل في شخصي معلمتي (مدام بيل) التي أحفظ لها حتى اليوم ذكرى حانية. ففي هذا الصف وجدتني لأول مرة مع أطفال أوربيين قد أتوا عن طريق القسم الخامس.
لقد كان لدى أهلي اهتمام بوضعي في مستوى الوسط الجديد، فزودت بأولى صدارة سوداء وأول محفظة كتب بغية الانسجام مع رفاقي الصغار.
لقد وضعني أول امتحان- وكان على ما أعتقد إملاء فرنسيا وبضعة أسئلة في اللغة- في مقدمة زملائي، وأعطاني الحق في أن أكتب ذلك اليوم التمارين على الصفحة الأولى لما يسمى دفتر الصف، الذي كان المعلم أو المعلمة يضعه بيدي الطالب كل صباح وفقاً لترتيبه.
ولكن الذي بقي في ذاكرتي هو الحب الصاعق الذي جذبني بقوة نحو (مدام بيل). ففي صباح أحد الأيام استيقظت وأنا أستشعر حباً جنونياً نحو معلمتي الجديدة كما لو كانت أمي بالذات، ولعل من السهل تفسير هذه الحادثة إذا ما لجأنا إلى نظريات فرويد. والغريب أن هذه السيدة قد استجابت لنزوة قلبي الصغير.
وعلى كل فقد بدأت دراستي بداية طيبة وتصرفاتي في الشارع بدأت شيئاً فشيئاً تتسم بطابع الهدوء والانتظام، وربما منذ تلك الفترة بالذات بدأت أكثر من التردّد على المسجد وخاصة أيام العطل. إذ كانت تلذ لي بصورة خاصة المشاركة في صلاة الجمعة، ففي هذه المناسبة فقط يسمح لي أن أرتدي قميصي الأبيض المزركش وبرنصي الصغير. وكنت قد حصلت على هذه الملابس الجميلة هدية من
стр. 23
امرأة عمي بهيجة، تلك المرأة التي كفلتني في طفولتي في قسنطينة وما برحت تزورنا من آنٍ لآخر في تِبِسَّة، مما كان يبعث دوماً في نفسي الشوق والحنين للأرض التي ولدت فيها.
وقد بات الآن في وسعي أن أتتبع أحاديث أفراد العائلة، وبن خلال ذلك عرفت عن طريق امرأة عمي بهيجة في إحدى زياراتها أن جدي لأبي قد عاد إلى قسنطينة من طرابلس الغرب بعد أن احتلها الإيطاليون.
فقد مرَّ زمن طويل كنت خلاله ألهو وأدرس على عادتي في تبسة قبل أن تتاح لي فرصة السفر لرؤية قسنطينة، والتعرف إلى جدي الذي لم يسبق لي أن رأيت وجهه من قبل.
في السهول المحيطة بالمدينة كانت العائلات القديمة لا تزال تعيش من عمل زراعي تمارسه فيؤمن الغذاء لها ولمواشيها. وكثيراً ما كان يشاهد القائد الصدّيق جالساً أمام داره بُعَيْد الظهر في شارع (بريزون Prison )، وكان يجلس معه بعض أصدقائه القدامى يشربون القهوة ويلعبون (الدامة). لم يعد يمارس عملاً، اللهم إلا أن يعير برنصه الأحمر القديم إلى الشبان ليلة زفافهم، وأن تقدم زوجه لعائلاتهم القِدر الكبير الذي يستعمل عادة لطبخ الكسكسي في المناسبات الكبيرة.
فمنذ أن اجتاحت الحرائق الكبيرة في عام ١٩١٢ غابات المنطقة ودمّرتها، بدأت الأوضاع الاقتصادية لهذه العائلات تسوء تدريجياً، حتى أصبحت صعبة للغاية، وبدأ التحلل الاجتماعي الذي عمّ المنطقة ينتشر حتى عبر أسوار المدينة الرومانية القديمة.
لقد بدت مدينة تبسة في ذلك الوقت تعيش حياتها المعتادة داخل أسوارها، والحدث الفريد فيها هو الانتخابات، إذ كانت المدينة تتحسس الأحداث السياسية وكانت تتنازعها زعامتان: (عباس بن حمانة) وهو مستقل، و (بن علاوة) وهو هن أنصار الإدارة.
стр. 24
وكما كان (بن رحال) من أوائل رجال الفكرة الوطنية غربي الجزائر، فقد كان معاصره (بن حمانة) مثله في شرقي البلاد وإن لم يكن ذا شهرة واسعة. لقد تعارف الرجلان وشكلا أول وفد جزائري سافر إلى باريس في تلك الفترة، وقدم للحكومة الفرنسية بعض مطالب أبناء البلاد وقد خلف (عبابس بن حمانة) وراءه في باريس أثراً طريفاً؛ بالطبع لم يمنحه الفرنسيون الحقوق التي جاء يطلبها لبلاده، إلا أنهم على كل حال منحوه وسام الاستحقاق الزراعي؛ وحين سأله فيما بعد أحد الأوربيين في الجزائر مازحاً: ((ماذا زرعت حتى تنال هذا الوسام؟)) فأجاب: ((لقد زرعت نفوذاً في باريس)).
على أن اسم هذا الرجل قد ارتبط في تلك الفترة بقضية اغتيال سياسي هزّ كيان الإدارة الفرنسية في الجزائر وكان له وقع كبير، حتى إن أحد الكتاب الأوربيين، وضع كتاباً حول الحادث أسماه (قضية تبسة).
على أن (بن حمانة) لابد أن يُذكَر على أنه أول جزائري عمل على بعث اللغة العربية في البلاد، وبفضله ارتفعت ضمن أسوار تبسة جدران أول مدرسة.
هكذا انتعشت الحياة في المدينة فجأة وسادها جو من الصراع السياسي، إذ كانت الأيام التي تسبق الانتخابات البلدية حافلة بالنشاط، أما الأمسيات التي عقبت ظهور النتائج الانتخابية فكانت أكثر حرارة بسبب المهرجانات التي ينظمها الحزب الفائز في شوارع المدينة. ولم تكن المواكب لتكتفي بالتجوال في الشوارع والأزقة، بل كانت تتوقف أمام منازل من ينتمون للحزب الخاسر للطرق على أبوابها بالعصي.
وفي إحدى الأمسيات توقف الموكب أمام دارنا، إذ كنا من أنصار (صالح بن حمانة) الذي أخفق في الانتخابات، فكان من الطبيعي أن يتلقى بابنا نصيبه من ضربات عصي الفائزين. وهنا أود أن أعترف بأن الخوف قد تملّكني في تلك اللحظة، إذ خشيت ألا يقفوا عند هذا الحد وأن يدخلوا دارنا
стр. 25
ويحطموا كل شيء فيه، ويحطموني أنا أيضاً بضربات عصيهم قطعاً صغيرة. ولما كان والدي خارج الدار في تلك اللحظة فقد اختبأت مذعوراً وراء أمي، التي كانت تتفرج على ما يجري في الخارج من فتحات النافذة.
كان لتبسة وجه آخر هو الوجه الشعبي، ففي (أيام السوق) كان يلذ لي أن أذهب هناك- إذا صادف يوم عطلة في مدرستي- وأستمع إلى الحكواتي، يقص بطولات سيدنا علي في الساحة قرب باب الجديد، وكان يطربني أكثر فأكثر أن أتحلق حول الحاوي وهو يرقص ثعابينه، أو أقف حول أولاد (بن عيسى) أتفرج على ألعابهم البهلوانية التي كان يزيد في بهائها حركات المهرج الذي كان يرافقهم، والذي كانوا يطلقون عليه اسم (المُسيّح).
في المساء كان الناس يتجمعون في المقاهي الجزائرية يستمعون إلى القصاصين يروون حكايات ألف ليلة وليلة أو سيرة بني هلال. أما من كانوا يفضلون البقاء في المسجد بعد صلاة العشاء فكانوا يستمعون إلى ما يلقي الإمام من دروس. وبذا كانت تبسة عبارة عن مركز ثقافي تلتقي فيه عناصر الماضي بطلائع المستقبل، وبالطبع فإن مداركي كانت تنمو متأثرة بهذين التيارين.
هكذا كانت الحياة في تبسة في تلك الحقبة من التاريخ التي أسماها الفرنسيون فيها بعد (العصر الجميل).
وذات صباح شاع في تبسة خبر اغتيال (عباس بن حمانة). وبعد أيام قلائل شاهدت المدينة آخر عيد للحرية ١٤ تموز (يوليو) يقيمه الفرنسيون قبل انتهاء الفترة الجميلة. لقد وضع الفرنسيون على كل جانب من بوابة الثكنة العسكرية مدفع ميدان مخصَّصاً لتلك المناسبة، وقد بدا لي أن لهذا علاقة بمقتل (بن حمانة)، بل أكثر من ذلك حين اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى بعد ذلك بعدة أيام خُيل إلي أن ذلك ما وقع إلا بسبب حادث الاغتيال.
стр. 26
حين اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى التي غيرت فيما بعد وجه العالم، لم يكن لذلك الحدث وقع كبير في نفسي، فالرابع عشر من آب (أغسطسى) عام ١٩١٤ لم يكن بالنسبة لي غير يوم كباقي أيام السنة؛ وحين سمعت جدتي تستعيد ذكريات حرب عام ١٨٧٠ أو (عيطة البروس) كما كانت تسميها، خُيِّل إلي أن ما حدث في ذلك اليوم كان فقط بسبب مقتل (بن حمانة). وعلى كلٍ فإني أعتقد أن جميع الشعوب كانت في ذلك الوقت طفلة مثلي، فلم تستطع أن تقدر ماهية الحدث وأبعاده. ذلك أنها لم تكن تستطيع ذلك.
من المؤكد أن مظاهر الاندفاع الوطني كانت كثيرة وشاملة. إنني لا أدري ماذا فعل سكان برلين وكذلك سكان لندن لدى سماعهم نبأ الحرب، غير أن ما أعرفه هو أن أهالي باريس قد اندفعوا يحطمون واجهات المحلات التي افترضوا أنها تخص الرعايا الألمان، كما خرّبوا منشآت كثيرة منها مستودعات ( Maggi).
وساروا في تظاهرات ضخمة مخترقين شوارع باريس نحو (محطة الشرق La gare de L’Est) وهم ينشدون المرسلياز لوداع قوافل الشباب المسافرة إلى الجبهة. أما في تبسة فذلك اليوم كان عادياً كغيره: الأطفال يتلهون بتسلق الأسوار والأمهات يغزلن الصوف أو يطبخن الكسكسي، والحكواتي يسرد كعادته أخبار سيدنا علي أو يقصّ شيئاً من سيرة (أبي زيد الهلالي) في ساحة السوق؛ أما في المساء فكان الناس في الحي الأوربي من المدينة يمكنهم أن يشهدوا فيلماً تعرضه سينما متجولة تمر بالمدينة مرة في الأسبوع، فتعرض على رصيف أحد المقاهي أفلام (ماكس لينتر Max Linter)؛ أما في الجانب الغربي من المدينة فكان الناس يستمعون إلى فصل من قصص ألف ليلة وليلة، يُقرأ في أحد المقاهي الجزائرية. لكن البلاد
стр. 27
أخذت رويداً رويداً تدرك حقيقة ما يجري، خاصة حين بدأت أولى فرق المتطوعين تغادر المدينة، فكانت أمهاتهم ترافقهم حتى المحطة وتودعهم بالبكاء والنحيب.
وبدأت المدينة تستشعر بصورة أوضح جو الحرب، حين بدأت السلطة تَحُدُّ من استهلاك بعض السلع كالسكر والبترول الخ .... وخاصة لما ظهرت في البلاد تلك القطع النقدية الورقية الصغيرة.
في تلك الفترة وفي تلك الظروف بدأت تظهر أسطورة (الحاج غليوم)، وبدأ الشعراء الشعبيون يمجدونه مستعينين لذلك بالأدب الشعبي القديم يبعثونه من سباته، وأحياناً كانوا يخلقون أدباً جديداً لهذه الغاية، وقد أعاد هؤلاء إلى الأذهان في منطقة تبسة أقوال (سيدي علي بن الحفصي) القديمة حول الحرب والبطولات.
وفي منطقة قسنطينة أضيف إلى التراث الشعبي عدة أسئلة جديدة تدور حول موضوع الحرب.
ذات يوم كان معلم عجوز في مدرسة قرآنية في تبسة يروي لتلاميذه أن (غليوم) قال: ((أخشى أن تنتهي الحرب قبل أن أتمكن من التعبير عن كل أفكاري وتحقيق كل ما عندي من اختراعات)).
هذه الأوهام عاشت لفترة ما في ضمائر الجماهير، أما بالنسبة لي شخصياً فإن حدثاً مهماً جاء يغير مجرى حياتي. في مساء أحد الأيام كنت عائداً من المدرسة إلى المنزل فوجدت أمي بانتظاري عند أعلى درج السلم متأبطة حقيبة وضعت فيها ملابسي. عانقتني بحنان ورافقتني نحو السلم وهي تقول: ((أسرع نحو عربة البريد لتجد والدك فترافقه إلى قسنطينة)). وقد اندفعت مسرعاً تحدوني رغبة ملحة
стр. 28
لرؤية امرأة عمي بهيجة، والتعرف إلى جدي لأبي الذي كنا نسميه (بابا الخضير)، كما كنت أرغب أيضاً التعرف إلى عمي محمود وإلى عم والدي محمد.
في الواقع منذ أمد بعيدى كنت أتمنى العودة إلى قسنطينة. ومن ثم فكلما مرت العربة تحت شبابيك مدرستي، وكلما تناهى إلى سمعي وقع سوط السائق يهوي على رؤوس خيوله ذات الصفين كنت أتنهد بأسى. لقد كان عجاج غبارها المنبعث وهي تتركه وراءها، في رواحها المتاخر على طريق قسنطينة، وغدوها عندما ألتقي بها وأنا عائد من المدرسة، يسلمني إلى أحلامي، وبصورة عامة لقد ولدت وفي نفسي ذلك المزاج الذي وصفه بدقة مؤلف كتاب (رجال الأسفار).
في ذلك المساء خامرتني نشوة الانتصار وأنا في ذلك المقعد الذي هو خلف سائق العربة. وعندما مرت العربة أمام مدرستي تحت نوافذ صفي، كان لدي شعور بالنصر والتحرر. كان النهار قد قارب نهايته حينما توقفت العربة في استراحتها الأولى في (يوكس)، فهناك بدلت جيادها وقد حصل هذا عدة مرات أثناء الليل في المحطات التالية. وفي الفجر وصلنا إلى عين البيضاء، وهناك كان علينا أن ننتظر قطار قسنطينة الذي سوف يسافر بعد الظهر. لقد قضينا الليل في غرفة حمام مغربي. والقليل من الأهالي كانوا يحجزون غرفة في فندق لأنهم غالباً ما كانوا يطردون. وحملنا القطار من عين البيضاء على خط ضيق في الدرجة الثالثة منه، وكم كان مثيراً في نفسي أن جاوزنا (الخروب) فتراءى لي بريق ينسلّ من الأفق الدامس من الليل؛ لقد لاحت قسنطينة بأضوائها الكهربائية.
خرجنا أنا وأبي سيراً عل أقدامنا من المحطة. وحين وقعت عيني على جسر القنطرة بأنواره الكهربائية بدا لي لأول وهلة كأنه من عمل الجان والعفاريت. ولكن نظرة مني في قنطرة الجسر تاهت في أعماق (وادي الرمل) الداكنة.
стр. 29
لم أكن أعرف كيف أسير لكن دقائق (الشارع الوطني National) الذي مشينا فيه أثارت انتباهي، وكذلك خيول العربات القادمة من المحطة تحمل المسافرين تضرب إيقاعاً بحوافرها على البلاط الصلب للطريق، لقد أسلمتني هذه الضجة في الواقع إلى صورة تختلف عن أختها في تبسة. ففي تبسة الحوافر صامتة لأنها تغرق في الغبار الذي يغطي شوارع المدينة الصغيرة.
ونظرت يميني فبدت لي السلم التي تصعد باتجاه الحي العربي، وكم تمنيت في تلك اللحظة لو أني صعدته ونزلته. ومما لفت نظري ارتفاع الأبنية في هذه المدينة، بينما تقصر عنها أبنية تبسة حتى في الشارع الرئيسي. وكذلك الإضاءة بالكهرباء لم يسبق لي أن شاهدتها.
وباختصار فإنني أتصور أن فلاحاً صغيراً يأتي من الريف إلى باريس في الليل، لم يكن ليختلف انطباعه عما استولى على نفسي في تلك الساعة.
وفجأة رأيت والدي يدخل مقهى عربياً يستعد صاحبه لإغلاقه. لقد كان يشعل نار الوجاق من أجل الصباح التالي. إن رقة الحاشية و (الشاش الأغباني) الذي كان يحيط بوجهه قد أشاعا في نفسي اطمئناناً واستلطافاً، لذلك الرجل العجوز الذي خف لاستقبالنا. لقد كان يدعى سي (بن يمينه)، وبينما كان يتبادل وأبي التحية كنت ألقي نظرة حول الحصر التي تغطي الأرض، وذلك الوجاق الذي صُفَّت حوله بذوق وأناقة فناجين القهوة وأباريقها ذات الأيدي الطويلة.
لقد أودعني والدي ذلك الشيخ ليقودني إلى منزل امرأة عمي بهيجة ثم انصرف. وهكذا أكمل الشيخ إعداد مقهاه للصباح، وأغلق الأبواب ثم سار بي عبر مجاهل شوارع قسنطينة العربية حتى وصلنا. وقبل أن نعبر إلى تلك الدار التي أثارتني باتساع أرجائها ونظافة جدرانها المطلية بالكلس الأبيض كباقي بيوت
стр. 30
قسنطينة، مررنا بمدخل يدعى السقيفة. ولعل مردّ تلك النظافة إلى العادة الشائعة في المدينة التي تفرض على المستأجر واجب طلاء الجدران بالكلس مرة كل سنة.
وأنا الآن أدرك نظام السكن في تلك البيوت، وغالباً ما يوجد عشرون مستأجراً تنمو العلاقة بينهم في حدود ضيقة. فكل بيت منها عبارة عن جماعة تجد فيها الأرملة والطالب والعامل والتاجر الصغير والمستخدم والموظف الصغير. لا يشكلون إذن طبقة ولكن جماعة تتشابه ظروف حياتهم. فهنا مستأجر أساسي مثل (سي بن يمينه) الذي يستأجر داراً ويختار بعد ذلك مستأجرين ثانويين، يدفعون بدورهم بدل الإيجار كل بما يشغل من مساحة.
وكانت أمي بهيجة واحدة من هؤلاء المستأجرين في تلك الدار، فالمورد الذي كان يؤمن لها الحياة مع عمي الكبير، انقطع بانقطاع المرتب التقاعدي الذي كان يتقاضاه باعتباره من متقاعدي حرب عام ١٨٧٠؛ وهي لذلك تعمل أمينة صندوق لحمام. إنها وظيفة ثقة تناسب هؤلاء العجائز لاعتبارالت تتعلق بأمانتهن.
وناداها سي (بن يمينه): بهيجة ... بهيجة. ها قد وصل الصدّيق؛ وسمعتها تصرخ بفرح وتنرل السلم بسرعة لتحضنني بذراعيها. وصعدت معها درج السلم حافي القدمين كما كانت تقاليد تلك البيوت، ثم قادتني إلى الحجرة الصغيرة التي تشغلها في الطابق الأول وأمضيت الليلة الأولى بين ذراعيها.
هكذا بدأت مرحلة جديدة من طفولتي. كان أول ما فعلت في الصباح أن تعرفت على جدي الذي أصبح صديقاً لي بسرعة. فقد أخذ يطلعني على معالم المدينة، ويقودني أحياناً إلى الزاوية العيسوية التي كان أحد أركانها، وكانت تحيي كل سبت حلقة من الذكر تعرض فيها الكرامات المدهشة والعجائب. وأحياناً
стр. 31
أخرى يصحبني معه إلى ذلك المقهى الصغير في حي (بن شريف) حيث يلعب (الداما) مع أقرانه، ويستعيد معهم ذكريات السنين الخوالي، وقد تتدخل أحداث الحرب الدائرة التي دخلت فيها تركيا إلى جانب ألمانيا والنمسا فتجذب إليها أطراف الحديث، فهذا الحدث وضع موضوع الحرب على الصعيد الديني لأن خليفة المسلمين في استنبول أصبح الآن طرفاً فيها. والخليفة لديه بحسب اعتقادهم سلاح رهيب. فإن سيدي (زرودي) معلم القرآن الذي يسكن معنا في الدار نفسها قال لهم: ((لو أن الخليفة لوّح براية النبي محمد التي لديه فالعالم سيلتهب)). هذا التهديد التقي لم يكن بجاجة للتنفيذ، فالعالم كان يشتعل فعلاً.
لقد كان لمعركة الدردنيل في قسنطينة دوي كبير خاصة في الوسط اليهودي.
فالقيادة الفرنسية كانت حذرة أن يشترك الرماة الجزائريون في المعركة، فاختارت لذلك الميدان فرقة الزوارق التي يكثر اليهود فيها.
لقد لف الغلاء الحياة في المدينة فهدم طبقة قديمة تعيش على موارد الأرض والحرف التقليدية، ورفع على أنقاضها بفضل المضاربة طبقة من الأثرياء الجدد تعيش على التجارة. لقد آذن ذلك العصر بأفول نجم العائلات القديمة لقسنطينة، وأضحى الخط الاقتصادي الجديد يفرض تحولاً في العقلية وفي مظاهر الحياة.
لقد تَكّيَّفَ جدي مع هذا التحول بطريقته الخاصة، أعني بطريقة شيخ يرى التحول يرزأ وسطه العائلي. لقد كان يتحدث عن ذلك مع أصدقائه الشيوخ بمرارة حينما كنت أرافقه أحياناً إلى كشك للدخان يملكه في ساحة (بريش Brèche) صباحاً، ليقرأ الصحيفة ولينزه كلبه.
لقد أراد جدي على الرغم من ذلك كله أن يحافظ على مظهر سَيِّد. فكان يلبس بأناقة تلك الثياب ذات الطابع القسنطيني، ويسلم كشكه لإدارة شخص آخر فيما هو يصرف وقته في الحديث وقراءة صحيفته ولعب الداما، وكان الصيد يستأثر باهتهامه الكبير، لقد كان صياداً ماهراً وكلبه الأصيل رفيق وفي.
стр. 32
ولعل أكثر ما كان يغيظ جدي ظهور طبقة الأغنياء المحدثين، فقد كان يرى أن إطار المجتمع يتغير بشكل أعمق مما كان يظن، فولده عمي محمود ترك السروال ولبس البنطال الطويل وربطة العنق. ثم جاء ينشئ في قسنطينة مع عدد من أصدقائه جمعية هواة للموسيقا هدفها طابع الموسيقا التقليدي. والذي كان يدعو إلى الدهشة في جدي أنه كان يجمع في شخصه تيارين متعارضين، كان لهما فيما بعد دورهما في تكوين العقلية الجزائرية. وأريد أن أتكلم عن هذا الذي سمي فيما بعد (السلفية أو المرابطية).
كان جدي من مؤيدي الشيخ (بن مهانة) أحد رواد رجال الإصلاح الجزائري في نهاية القرن الماضي، وكان اندفاعه لتأييد الإصلاح يعادل ارتباطه بالطريقة العيسوية. ولم يكن الخلاف بين هذين التيارين المتعارضين قد اتخذ ذلك الطابع العنيف الذي عرفه جيلنا خصوصاً بعد سنة ١٩٢٢، مع ظهور الصحافة المعبرة عن الرأي العام كصحيفة (المنتقد) التي ظهرت في مدينة قسنطينة.
في منزل جدي كانت شخصية غامضة لم أتعرف عليها جيداً، تلك هي شخصية (محمد) شقيق جدي. لم أكن أدري السبب في أنه بغير عائلة؛ إنما أعرف فقط أنه كان في طرابلس يحارب الإيطاليين، وأنه وقع أسيراً في أيديهم ثم أطلق سراحه ليذهب إلى الجزائر مع جدي وعمي.
كنت أراه وحيداً مرتدياً جلبابه الصوفي. يمر بنا ليصعد إلى غرفة في أعلى المنزل تسمى (السرايا) يقيم فيها وحيداً. وأحياناً ألتقي به خلال تجوالي على الجسر الطويل لسيدي راشد، إذ أراه أحياناً يتكئ على سوره ساهماً في الأفق البعيد.
وخلال هذه الفترة التي قضيتها في قسنطينة لم تتقدم دراستي كثيراً، فقد أفسدتني أمي بهيجة بعنايتها الزائدة، وحين كان عمي محمود يحاول تأديبي كان
стр. 33
جدي يحول دون ذلك، أما عمي محمد فلم يكن يتكلم معي. كنت أقضي وقتي متسكعاً ألهو بأجراس البيوت في (الشارع الوطني National)، وقد بهرتني السينما خاصة مع أول فيلم أميركي كنت أتابعه في كل عرض هو (عجائب نيويورك).
وفي يوم لم يكن معي نقود فعمدت إلى بيع حذاء جديد، كانت قد اشترته لي أمي بهيجة في الصباح، ودخلت بثمنه إلى سينما وكان يعرض فيلم ( Nunez).
وأمام تكاثر تصرفاتي السيئة اضطرت المرأة المسكينة أن تكتب لأهلي طالبة إليهم أن يعيدوني إلى تبسة.
لقد تركتُ قسنطينة: أمي بهيجة وجدي وكلبه، بأسى شديد. ولكني حملت معي من تلك الإقامة فائدة واحدة فالأمور بدأت تتصنف في تفكيري وذاتي.
ففي تبسة كنت أرى الأمور من زاوية الطبيعة والبساطة، أما في قسنطينة فقد أخذت أرى الأشياء من زاوية المجتمع والحضارة واضعاً في هذه الكلمات محتوى عربياً وأوربياَ في آن واحد.
...
لم تتغير تبسة خلال غيابي عنها، إنما شيء واحد خيب أملي، هو أنني لم أجد معلمتي القديمة السيدة (بيل)، ولكن لحسن الحظ فإن امتحاناً مختصراً أتاح لي الانتقال للصف الثاني، حيث وجدت الآنسة (رافي Rafi) وهي مدرسة يحبها تلاهيذها بطريقة لا تخلو من العقد، فقد كانت جميلة جداً. وفي يوم من الأيام اضطرت أن تطلب من مدير المدرسة السيد (آدم) تأديب طفل يهودي في صفها لموقف غير مهذب صدر عنه.
لقد كنت مثالاً للنظافة في الصف. وذات صباح حينما كانت الآنسة
стр. 34
(رافي) تستعرض أيادي تلاميذها في ملعب المدرسة عندما دق الجرس توقفت عندي وقالت للتلاميذ: ((هكذا تكون الأيدي نظيفة)).
كنت أدرس بجد طيلة أيام الأسبوع. وبما أني كنت أحرص على كتابة وظائفي مساء السبت فقد كنت أحصل على شيء من الحرية يوم الأحد. وبالتالي كنت أقضي يومي كله تقريباً في مخزن سي (شريف برقوقة) بَقَّال الحي. وبسبب ظروف الحرب التي أدت إلى فقدان الورق التجاري المستعمل في لف المشتريات، فقد اضطر كسائر زملائه إلى استبدال الورق المطبوع به.
كانت قصة الحرب آنذاك تظهر في أجزاء مطبوعة، أجد معظم أعدادها الصادرة في مخزن سي شريف، وكنت أغرق في قراءتها باهتمام مولع، خصوصاً لما تحتويه من صور كثيرة.
لقد حملت من قسنطينة بفعل الاحتكاك بجدي وبالطالب سي زرودي ميولاً تركية وجدت غذاءها في تلك القراءة. فمعركة الدردنيل وجبهة سلونيك لاحت مغامراتها أمام مخيلتي. فقد تتبعت الجيش التركي على رمال سيناء حتى مشارف السويس التي كاد يجتازها لو لم يقطع لورنس عنه إمداد الماء مستعيناً بالقبائل العربية.
باختصار فقد أصبحت قريباً من مسرح الحرب العالمية الأولى وألفت سمعي أسماء أمثال (شارلروا- المارن- الأردان- الفردان).
وذات يوم سمعت حولي حديثاً عن حركة عصيان في عين التوتة. ورأيت بنفسي في تبسة الحاكم وأعوانه يُنزلون إلى المحطة قافلة من المجندين من أهالي البلاد، والحجارة تتساقط على باب قسنطينة كالمطر، وقبعة الحاكم تقع على التراب، بينما كانت النسوة من قبائل ليموشي يجرحن خدودهن بأظافرهن.
لقد أبصرت تجارة خاصة النور: فقد رأيت رجلاً ذا ساق خشبية يبيع
стр. 35
الجيش الفرنسي لحم أبناء المستعمرات بالكيلو. والرجل المبيع يقبض ثمن نفسه بمقدار وزنه. وأحد هؤلاء المبيعين يدعى (ولد الجبلي) استهلك ثمنه باحتساء الخمر ثم تسكع بالقرب من الأسوار وهو يغني راثياً نفسه:
((كم بقي لك من الحياة ياجبلي؟ كم بقي لك من الحياة؟)).
((يقول الفرنسيون: إنه ليس لديهم ما يكفي من الجند)).
وأصبحت هذه الأقوال أغاني للأطفال. وكثيراً ما كنا ندور داخل الأسوار نغني هذه الأقوال بصوت حاد، ونترنح ذات اليمين وذات الشمال مقلدين صاحبها.
لقد سافر ولد الجبلي ولم أعد أراه فيما بعد، ولكن من وقت لآخر كان يعود بعض الجنود في إجازة تزين صدورهم أوسمة. وكان منهم ملازم يدعى (صدوق شتوكا)، كان بدوره يبهرنا زيه العسكري البراق وقامته الرشيقة.
وفي يوم من الأيام دوى طبل البلدية، وكان يحمله يهودي عجوز يدعى (هافي). فاستقطر الأطفال من كل زاوية في الشارع ثم نادى:
((بيان من عمدة تبسة. في هذا اليوم دخلت أميركا الحرب إلى جانب بريطانيا وفرنسا)). ولا أحسب هذا البيان استرعى انتباه جدتي أكثر من البيانات الأخرى للسيد العمدة.
كنت أتابع دائماً قراءة نشرات الحرب عند البقال سي شريف، الذي كان أحياناً يترك لي إدارة محله. وكنت في الصف الأول حينما عم الحزن ذات يوم أبناء الأوربيين في تبسة، حتى إن مدام (دوننسان Denoncin) التي يعرفها التلاميذ جيداً، لأنها تبيع في مخزنها الأدوات المدرسية، غمرها البكاء. فقد أعلنت جريدة (الشؤون العامة لقسنطينة Dépêche de Constantine) بأن الطائرات الألمانية دمرت باريس بقنابلها. وفي صباح يوم آخر حوالي الساعة العاشرة سمعنا ونحن
стр. 36
في الصف جرس الكنيسة الصغير يدق بقوة، والآنسة (آدم Adam) التي كانت تنوب عن والدها في التدريس بسبب مرضه توقفت في ذلك اليوم، لقد فتحت النافذة فإذا واحد من الذين يمرون في الطريق يقول: ((لقد طلب الألمان الهدنة))، وهكذا خرج كل من في المدرسة إلى الخارج.
في ذلك المساء شعرت في عائلتي بشيء من الامتعاض يصعب التعبير عنه بوضوح. ولكن في الخارج وخصوصاً في ساحة القصبة شاع الصخب وأشعلت النيران وقد رأيت (مدام Denoncin) تضحك وتطلق الأسهم النارية من عتبة دارها.
كان ذلك يوم الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفبر) عام ١٩١٨. الساعات التي تبعت ذلك التاريخ لم يكن لها المعنى نفسه في جميع أنحاء العالم؛ ففي الجزائر بدؤوا يتحدثون كثيراً عن النقاط الأربع عشرة لـ (ويلسون)، والشعوب بدأت تطالبه بحق تقرير مصيرها. وكان حظ الجزائر من ذلك توسيع المشاركة في الانتخابات البلدية، وكان التمثيل منقسماً إلى طائفتين داخل مندوبي الشؤون المالية والحق بحمل سلاح الصيد؛ لقد كان ذلك كثيراً. وهكذا عمل المعمرون الفرنسيون بطريقتهم الخاصة؛ إذ قام وفد من أبناء البلاد (رؤساء المُستعْمَرين) على رأسه (بن قِديري)، وذهب ليحتج في باريس ضد تجاوزات الحكومة الفرنسية في منحها (للسوقة من الأهالي) حقوقاً مفرطة. وقد ظهر أدب لتأييد ذلك في الجزائر، وبرز رجل يدعى (لويس بيرتران Louis Bertrant) كان على رأس حركة من أجل استمرار اللاتينية في إفريقيا الشمالية والوجود الفرنسي في الجزائر. ومن جهة أخرى كانت هناك معاهدة (فرساي) التي افتتحت عهد السلم الأوربي في العالم.
أما الامبراطورية العثمانية فقد تجزأت، و (الرجل المريض) بات تحت
стр. 37
حراسة الأسطول الإنكليزي والفرنسي والإيطالي. وفي جنيف وضع الحجر الأول لعصبة الأمم المتحدة.
أما فيصل ابن شريف مكة فقد طرد مع مطامحه من سوريا. والوطنيون كان لهم معركتهم في ميسلون. وكان نتيجة ذلك أن دخل الجنرال غورو إلى دمشق حيث ذهب إلى قبر صلاح الدين، وأمام مقام البطل الأسطوري صرخ: ((صلاحَ الدين! ... إن حفيد (جودفروي Godefroy de Bouillon) أمام قبرك .... لقد انتهت الآن الحرب الصليبية)).
والإنكليز المحتلون لفلسطيق بدؤوا يحضرون لقيام دولة إسرائيل، التي رأت النور بعد حرب عالمية أخرى وفاء لوعد بلفور.
و (لورنس) من أجل تعزية الشريف حسين العجوز في تبديد حلمه في إمبراطورية عربية مشحه زورقاً صغيراً راسياً في جدة. وحينما رفع ذلك الزورق الصغير مراسيه، كتبت جريدة (أم القرى) التي أسسها الشيخ العقبي في مكة تقول: ((لقد استقل الأسطول الملكي البحر)).
أما أميركا فقد كانت قطب العصر في السياسة والعادات؛ والنساء الأوربيات اللواتي كن في الجرائر بدأن بقص شعورهن، والفساتين أضحت قصيرة وأحذيتهن هن طراز (ريشيلو Richelieu) حلت نهائياً محل الأحذية المزررة أو ذات الأشرطة عدا أحذية العجائز.
لقد أصبح الدولار متداولاً وأنزلت (وولط ستريت Wall Street (١)) الاميركية منطقة (سيتي City (٢)) الإنكليرية عن عرشها، فالعالم أخذ (يتأمرك) Le monde s'americanisait خصوصاً في الأفلام السينمائية، مُتخذاً ذلك التحول
стр. 38
الذي أوحى لـ (بول فاليري) قولته الشهيرة ((أوروبا تطمح لأن تدار بلجنة أمريكية)).
ووراء جبال الكربات استطاع (لينين) أن يحطم (رانجل Wrangel) ويسد الطريق على (ويجان Weygand) ليبني عالماً جديداً. كما استطاع (رانجل Wrangel) أن يفرض الإرهاب في بودابست. وفي تِبِسَّة، استمر الناس في حياتهم البسيطة بينما كانت التفاصيل الجديدة تعمل على تبديل المنظر الاجتماعي والطبيعي.
الحرائق الكبيرة للغابة التي حدثت ليلة الحرب، عادت اليوم تعطي نتائجها، فالثلوج التي كنت أتزحلق عليها عندما كنت طفلاً، والهياكل الثلجية المتدلية من طرف السقف التي كنث أبددها بالحجارة اختفت من الوجود. أما سهل تبسة المسمى (الحريق) فقد أصبح محزناً. والعائلات التبسية القديمة التي عاشت في اقتصاد على شيء من الاكتفاء الذاتي، مؤمنة خبزها ومأواها وبرانصها أضحت غير قادرة على الحياة. والأرض التي كانت تطعم أجدادهم أصبحت الآن ماحلة. والكعكة الجيدة التي يجذبنا طيب رائحتها عندما نمر بالبيوت قد أخلت مكانها لخبز الفران، والبرنص استبدل به الرداء الذي أصبح يشترى من السوق حيث تصفى مخلفات الحرب، والعسكريون العائدؤن إلى الوطن- والذين كانوا كثيرين- استمروا بكل بساطة يلبسون آخر بزاتهم العسكرية.
وعندما تبلى بزة جندي من الاستعمال، كان يبدو لنا نحن الأطفال كبطل سقط من مجده، لأننا نذكر كيف كنا نراه يعود في إجازة قبل سنتين أو ثلاث سنوات؛ لقدم عم التدهور كل مكان.
لقد تخربت البيوت وانقطعت عن الشوارع قوافل البقر العائدة إلى حظائرها، تشبع الجو برائحة الاصطبل وتملأ الطرق برغائها.
لقد بدأت تظهر السيارات الكبيرة. وأمي بهيجة التي جاءت لزيارتنا
стр. 39
عادت إلى مدينتها بواحدة من تلك الاوتوبيسات ذات الخمسة عشر أو العشرين مقعداً والتي كنا نحلم بركوبها.
وعندما أعلن عن ورود كميون Berliet إلى تبسة لحساب أول شركة سفر أنشأها رجل يدعى أحمد الخالدي، اعتقدنا أنه لا يستطيع دخول باب قسنطينة.
حتى الأنظمة الإدارية لأبناء المستعمرات أصيبت هي أيضاً بتغير. فالإدارة الاستعمارية بدأت تعطي الأفضلية في اختيار قوادها للمحاربين القدماء. وكان من نتيجة ذلك أنه لم يعد عرسان المدينة يستعيرون البرنص الأحمر من القائد الصديق، فقد مات القائد العجوز في الحرب. والتقليد الذي بقي حياً لزمن بعده قد مات بدوره في الروح التبسية عندما تبدل البرنص القائدي.
أثناء ذلك نجحت في شهادة الدروس الابتدائية. لقد ترك هذا الامتحان في نفسي ذكرى. فخلال السنة كان سهلاً أن أراقب علاماتي وعلامات الثلاثة أو الأربعة الأوائل في الصف، وكنت أرى أنني كنت بالفعل أولهم، ولكن لم أكن الأول في الصف طيلة السنة، لأن الأب (آدم) كان يسلم دفتر العلامات لطفل فرنسي. وبذلك فقد حصلت في الشهادة الابتدائية على درجة جيد بينما رفيقي الفرنسي الصغير حصل على درجة جيد جداً. ومع ذلك فقد نجحت في امتحان المنح الذي كان له أكثر من معنى عند طفل من أبناء المستعمرات لا يستطيع أهله أن يرسلوه إلى (الليسيه).
فمع هذه المنحة سوف أستطيع متابعة دروسي في المرحلة التكميلية في قسنطينة في مدرسة سيدي الجلي، إذ يحضر خلال عام أو عامين المرشحون للدخول إلى المدرسة أو إلى معهد المعلمين أو ليكونوا مساعدي أطباء. العطل التي تبعت تلك المرحلة كانت بالنسبة لي قروناً من الانتظار. ولكني خلالها كنت أفاجئ عائلتي في الحديث عن مستقبلي.
***
стр. 40
لقد أزف يوم الرحيل إلى قسنطينة، وأمي أمضت تلك الليلة في تحضير الحقيبة التي سوف أحملها معي. فقد قرر أهلي أن يرسلوني إلى بيت عمي محمود لأن جدي (الخضير) قد مات، لذلك لم يفكروا بإرسالي إلى أمي بهيجة التي لن تستطيع مراقبة تصرفاتي ومتابعتي في الدراسة.
أما أنا فقد قضيت عشية الرحيل ليلة بيضاء لا أطيق صبراً على ساعاتها من الأرق. وأخيراً حَلَّت اللحظة المنتظرة، وجاءت أمي لتوقظني الساعة الخامسة لأن الأوتوبيس يترك تبسة في السادسة.
لقد جاء عمي إسماعيل ليصحبني معه. وكان أبي نائماً حينما شيعتني أمي حتى السلّم. وهناك بعيون ممتلئة بالدموع حمّلتني حقيبتي وهي توصيني بالجد والاجتهاد، ثم أسلمتني لعناية الله بعد أن صبّت على قدمي كما تقضي التقاليد ماء العودة.
وتولى عمي حجز مكان لي في السيارة ثم أصعدني إليها. وعندما خرجت من باب قسنطينة كان لدي شعور بأن شيئاً قد بدأ في حياتي.
الاوتوبيس في ذلك العصر لم يكن سريعاً، لذلك فقد أضاع وقتاً طويلاً من الوقوف غير المفيد، وخصوصاً في عين البيضاء. وهكذا وصل السادسة مساء إلى قسنطينة.
وعمي محمود الذي كان قد أخطر برقياً على ما أعتقد، انتظرني في مكتب السفر حيث كانت تقف قديماً العربة القادمة من عين البيضاء.
لقد بدا لي وجه قسنطينة ووجه عمي جميلين. وبمرورنا بالقرب من مقهى (بن يمينة) رأيت من بعيد الرجل العجوز، يقدم قهوته لزبائنه من أصحاب العربات وتجار الخيول الذين كنت أعرفهم لسنوات سابقة.