← Общие книги

Общие книги · id 38209

مذكرات شاهد للقرن

مالك بن نبي

Полный текст (424 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

في الصف جرس الكنيسة الصغير يدق بقوة، والآنسة (آدم Adam) التي كانت تنوب عن والدها في التدريس بسبب مرضه توقفت في ذلك اليوم، لقد فتحت النافذة فإذا واحد من الذين يمرون في الطريق يقول: ((لقد طلب الألمان الهدنة))، وهكذا خرج كل من في المدرسة إلى الخارج. في ذلك المساء شعرت في عائلتي بشيء من الامتعاض يصعب التعبير عنه بوضوح. ولكن في الخارج وخصوصاً في ساحة القصبة شاع الصخب وأشعلت النيران وقد رأيت (مدام Denoncin) تضحك وتطلق الأسهم النارية من عتبة دارها. كان ذلك يوم الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفبر) عام ١٩١٨. الساعات التي تبعت ذلك التاريخ لم يكن لها المعنى نفسه في جميع أنحاء العالم؛ ففي الجزائر بدؤوا يتحدثون كثيراً عن النقاط الأربع عشرة لـ (ويلسون)، والشعوب بدأت تطالبه بحق تقرير مصيرها. وكان حظ الجزائر من ذلك توسيع المشاركة في الانتخابات البلدية، وكان التمثيل منقسماً إلى طائفتين داخل مندوبي الشؤون المالية والحق بحمل سلاح الصيد؛ لقد كان ذلك كثيراً. وهكذا عمل المعمرون الفرنسيون بطريقتهم الخاصة؛ إذ قام وفد من أبناء البلاد (رؤساء المُستعْمَرين) على رأسه (بن قِديري)، وذهب ليحتج في باريس ضد تجاوزات الحكومة الفرنسية في منحها (للسوقة من الأهالي) حقوقاً مفرطة. وقد ظهر أدب لتأييد ذلك في الجزائر، وبرز رجل يدعى (لويس بيرتران Louis Bertrant) كان على رأس حركة من أجل استمرار اللاتينية في إفريقيا الشمالية والوجود الفرنسي في الجزائر. ومن جهة أخرى كانت هناك معاهدة (فرساي) التي افتتحت عهد السلم الأوربي في العالم. أما الامبراطورية العثمانية فقد تجزأت، و (الرجل المريض) بات تحت

стр. 37

حراسة الأسطول الإنكليزي والفرنسي والإيطالي. وفي جنيف وضع الحجر الأول لعصبة الأمم المتحدة. أما فيصل ابن شريف مكة فقد طرد مع مطامحه من سوريا. والوطنيون كان لهم معركتهم في ميسلون. وكان نتيجة ذلك أن دخل الجنرال غورو إلى دمشق حيث ذهب إلى قبر صلاح الدين، وأمام مقام البطل الأسطوري صرخ: ((صلاحَ الدين! ... إن حفيد (جودفروي Godefroy de Bouillon) أمام قبرك .... لقد انتهت الآن الحرب الصليبية)). والإنكليز المحتلون لفلسطيق بدؤوا يحضرون لقيام دولة إسرائيل، التي رأت النور بعد حرب عالمية أخرى وفاء لوعد بلفور. و (لورنس) من أجل تعزية الشريف حسين العجوز في تبديد حلمه في إمبراطورية عربية مشحه زورقاً صغيراً راسياً في جدة. وحينما رفع ذلك الزورق الصغير مراسيه، كتبت جريدة (أم القرى) التي أسسها الشيخ العقبي في مكة تقول: ((لقد استقل الأسطول الملكي البحر)). أما أميركا فقد كانت قطب العصر في السياسة والعادات؛ والنساء الأوربيات اللواتي كن في الجرائر بدأن بقص شعورهن، والفساتين أضحت قصيرة وأحذيتهن هن طراز (ريشيلو Richelieu) حلت نهائياً محل الأحذية المزررة أو ذات الأشرطة عدا أحذية العجائز. لقد أصبح الدولار متداولاً وأنزلت (وولط ستريت Wall Street (١)) الاميركية منطقة (سيتي City (٢)) الإنكليرية عن عرشها، فالعالم أخذ (يتأمرك) Le monde s'americanisait خصوصاً في الأفلام السينمائية، مُتخذاً ذلك التحول

стр. 38

الذي أوحى لـ (بول فاليري) قولته الشهيرة ((أوروبا تطمح لأن تدار بلجنة أمريكية)). ووراء جبال الكربات استطاع (لينين) أن يحطم (رانجل Wrangel) ويسد الطريق على (ويجان Weygand) ليبني عالماً جديداً. كما استطاع (رانجل Wrangel) أن يفرض الإرهاب في بودابست. وفي تِبِسَّة، استمر الناس في حياتهم البسيطة بينما كانت التفاصيل الجديدة تعمل على تبديل المنظر الاجتماعي والطبيعي. الحرائق الكبيرة للغابة التي حدثت ليلة الحرب، عادت اليوم تعطي نتائجها، فالثلوج التي كنت أتزحلق عليها عندما كنت طفلاً، والهياكل الثلجية المتدلية من طرف السقف التي كنث أبددها بالحجارة اختفت من الوجود. أما سهل تبسة المسمى (الحريق) فقد أصبح محزناً. والعائلات التبسية القديمة التي عاشت في اقتصاد على شيء من الاكتفاء الذاتي، مؤمنة خبزها ومأواها وبرانصها أضحت غير قادرة على الحياة. والأرض التي كانت تطعم أجدادهم أصبحت الآن ماحلة. والكعكة الجيدة التي يجذبنا طيب رائحتها عندما نمر بالبيوت قد أخلت مكانها لخبز الفران، والبرنص استبدل به الرداء الذي أصبح يشترى من السوق حيث تصفى مخلفات الحرب، والعسكريون العائدؤن إلى الوطن- والذين كانوا كثيرين- استمروا بكل بساطة يلبسون آخر بزاتهم العسكرية. وعندما تبلى بزة جندي من الاستعمال، كان يبدو لنا نحن الأطفال كبطل سقط من مجده، لأننا نذكر كيف كنا نراه يعود في إجازة قبل سنتين أو ثلاث سنوات؛ لقدم عم التدهور كل مكان. لقد تخربت البيوت وانقطعت عن الشوارع قوافل البقر العائدة إلى حظائرها، تشبع الجو برائحة الاصطبل وتملأ الطرق برغائها. لقد بدأت تظهر السيارات الكبيرة. وأمي بهيجة التي جاءت لزيارتنا

стр. 39

عادت إلى مدينتها بواحدة من تلك الاوتوبيسات ذات الخمسة عشر أو العشرين مقعداً والتي كنا نحلم بركوبها. وعندما أعلن عن ورود كميون Berliet إلى تبسة لحساب أول شركة سفر أنشأها رجل يدعى أحمد الخالدي، اعتقدنا أنه لا يستطيع دخول باب قسنطينة. حتى الأنظمة الإدارية لأبناء المستعمرات أصيبت هي أيضاً بتغير. فالإدارة الاستعمارية بدأت تعطي الأفضلية في اختيار قوادها للمحاربين القدماء. وكان من نتيجة ذلك أنه لم يعد عرسان المدينة يستعيرون البرنص الأحمر من القائد الصديق، فقد مات القائد العجوز في الحرب. والتقليد الذي بقي حياً لزمن بعده قد مات بدوره في الروح التبسية عندما تبدل البرنص القائدي. أثناء ذلك نجحت في شهادة الدروس الابتدائية. لقد ترك هذا الامتحان في نفسي ذكرى. فخلال السنة كان سهلاً أن أراقب علاماتي وعلامات الثلاثة أو الأربعة الأوائل في الصف، وكنت أرى أنني كنت بالفعل أولهم، ولكن لم أكن الأول في الصف طيلة السنة، لأن الأب (آدم) كان يسلم دفتر العلامات لطفل فرنسي. وبذلك فقد حصلت في الشهادة الابتدائية على درجة جيد بينما رفيقي الفرنسي الصغير حصل على درجة جيد جداً. ومع ذلك فقد نجحت في امتحان المنح الذي كان له أكثر من معنى عند طفل من أبناء المستعمرات لا يستطيع أهله أن يرسلوه إلى (الليسيه). فمع هذه المنحة سوف أستطيع متابعة دروسي في المرحلة التكميلية في قسنطينة في مدرسة سيدي الجلي، إذ يحضر خلال عام أو عامين المرشحون للدخول إلى المدرسة أو إلى معهد المعلمين أو ليكونوا مساعدي أطباء. العطل التي تبعت تلك المرحلة كانت بالنسبة لي قروناً من الانتظار. ولكني خلالها كنت أفاجئ عائلتي في الحديث عن مستقبلي. ***

стр. 40

لقد أزف يوم الرحيل إلى قسنطينة، وأمي أمضت تلك الليلة في تحضير الحقيبة التي سوف أحملها معي. فقد قرر أهلي أن يرسلوني إلى بيت عمي محمود لأن جدي (الخضير) قد مات، لذلك لم يفكروا بإرسالي إلى أمي بهيجة التي لن تستطيع مراقبة تصرفاتي ومتابعتي في الدراسة. أما أنا فقد قضيت عشية الرحيل ليلة بيضاء لا أطيق صبراً على ساعاتها من الأرق. وأخيراً حَلَّت اللحظة المنتظرة، وجاءت أمي لتوقظني الساعة الخامسة لأن الأوتوبيس يترك تبسة في السادسة. لقد جاء عمي إسماعيل ليصحبني معه. وكان أبي نائماً حينما شيعتني أمي حتى السلّم. وهناك بعيون ممتلئة بالدموع حمّلتني حقيبتي وهي توصيني بالجد والاجتهاد، ثم أسلمتني لعناية الله بعد أن صبّت على قدمي كما تقضي التقاليد ماء العودة. وتولى عمي حجز مكان لي في السيارة ثم أصعدني إليها. وعندما خرجت من باب قسنطينة كان لدي شعور بأن شيئاً قد بدأ في حياتي. الاوتوبيس في ذلك العصر لم يكن سريعاً، لذلك فقد أضاع وقتاً طويلاً من الوقوف غير المفيد، وخصوصاً في عين البيضاء. وهكذا وصل السادسة مساء إلى قسنطينة. وعمي محمود الذي كان قد أخطر برقياً على ما أعتقد، انتظرني في مكتب السفر حيث كانت تقف قديماً العربة القادمة من عين البيضاء. لقد بدا لي وجه قسنطينة ووجه عمي جميلين. وبمرورنا بالقرب من مقهى (بن يمينة) رأيت من بعيد الرجل العجوز، يقدم قهوته لزبائنه من أصحاب العربات وتجار الخيول الذين كنت أعرفهم لسنوات سابقة.

стр. 41

وسلكنا منحدر شارع (بيري غو Perrégaux) الذي ير تحت مدرج المدرسة، وكانت دار جدي على بعد خطوات من ذلك المكان. وامرأة عمي التي كانت قد تزوجت لفترة خلت استقبلتني استقبالاً جيداً. وامرأة جدي خالتي بهية استقبلتني أيضاً بحرارة كبيرة في أعلى السلّم. لقد وجدتها عجوزاً أكثر من ذي قبل. وقد وجدت بيدها تلك الرزمة من الورق الذي كانت تبله بريقها وتدسه قليلاً في علبة تبغ صغيرة، ومن ثم تضعه في أنفها كما عهدتها دائماً. كان المرقد الخشبي الذي كان يأوي إليه كلب جدي خالياً وقابعاً في إحدى الزوايا، ويبدو لي أن خالتي بهية التي كانت تملك البيت لم تعد مواردها بعد موت جدي تكفيها. فقد وجدت الآن مستأجرين في ذلك المنزل. وكانت تشغل منه المجلس مع أخيها خالي (علاوة) وهو عجوز صبي وديع كالمحل ولكنه غير قادر على تدبير شؤونه، لذلك فقد أسست له مخزناً لبيع الفحم في شارع قريب من الدار. في مقابل المجلس من البيت غرفة تسكنها عائلة شابة تبدو على وجنتي الزوج ندوب الأخوة التي خلفتها حضرات العيسوية الأسبوعية، وما يتخللها من أفعال الكرامات في الزاوية العيسوية، وعليه مظهر عامل (فرام) في مصنع (بن القريشي) للتبغ والذي كان في ذلك الوقت مزدهراً. في السرايا حيث كان يسكن عمي محمد، يقيم الآن رجل متزوج للمرة الثانية هو السي علي. كانت له بنت صغيرة من زواجه الثاني، وله من زوجه الأولى فتاة في العشرين من عمرها مطلقة. أما عمي فقد كان يشغل مع زوجه الغرفتين اللتين في الطابق الثاني. غرفة منهما للنوم وأخرى تستعمل لكل شيء، وقد خصص جرء منها قطع بحاجز لأعمال المطبخ.

стр. 42

لقد كانت غرفة النوم كبيرة جداً، وكانت لذلك تستعمل أيضاً غرفة استقبال للسيدات اللواتي يأتين لزيارة خالتي أو من أجل ضيوف عمي. وكما هو شأن القاعات الكبيرة في قسنطينة كانت توجد في تلك الغرفة زاوية بشكل مخدع للنوم، فيها آلة موسيقية أكبر قليلاً من بيانو عادي تشير إلى اهتمام بالموسيقا في ذلك المنزل، وفي زاوية أخرى مقابلة خزانة ذات طراز غير محدد فوقها ساعة ومزهريتان للزهور الطبيعية، وفي الطرف الآخر من الغرفة كان سرير من الطراز نفسه تقريباً. كان ذلك كله في مجموعه لطيفاً ونظيفاً، وبدا لي بَهيّاً حينما أضيئ بنور قنديل من البترول، فالمنزل لم تكن قد دخلته الكهرباء بعد. لقد كان استقبال عمي وزوجه لطيفاً فلم أشعر بذلك الضغط الذي كان يمارسه والدي عند كل هفوة، ولا بذلك الخجل الذي يفرض على الأطفال في العائلات المسلمة بحضور الآباء. ففي تبسة كنا نلهو أخواتي وأنا عند غياب والدي عن البيت. ولذا فعند المساء أخذت أتحدث مع عمي وزوجه أثناء العشاء. وعندما حانت ساعة النوم وأويت إلى فراش أعدته خالتي لي على الأرض واعتقدت أنني نمت، سمعتها تقول لعمي: ((ألا ترى أن ابن أخيك يتحدث جيداً بالقياس إلى من هم في سنه؟))؛ وأخذني بعد ذلك النوم وفي قلبي نفحة من الفخر والاعتزاز. ذلك كان الإطار الجديد الذي فيه جرت أحداث مرحلتي الجديدة. كان استيقاظي في الصباح أخاذاً. وخالتي أعدت لي فطوري بوصفي ضيفاً كبيراً، فقد قدمت لي المكرود (١) مع القهوة باللبن، وبينما كان عمي يغسل وجهه

стр. 43

ويديه في إناء صنع من النحاس المطلي بالقصدير يدعى (الليان)، استرعى انتباهي أن النافذة مزودة بمنخل قضبان من الحديد المطلي باللون الأخضر من طراز (المريسك)، وضع فيها إبريقان يرشحان من مسامهما، وأنها تطل على حي الرمل وعلى المحطة وكذلك غابات الصنوبر البعيدة. كان علي أن أرافق عمي إلى المدرسة ليقدمني إلى معلم المرحلة التكميلية مسيو (مارتان martin)، الذي كان أيضاً معلمه القديم ومعلم والدي. مررنا أولاً بكشك جدي حيث اعتاد عمي أن يأخذ جريدة الصباح، ثم اجتزنا شارع (كارامان Caraman) الذي بدا لي أجمل من قبل. كان الشبان يتخذون من المكان الذي يقوم فيه اليوم سوق الخضار مرتعاً لنزهاتهم، وذلك قبل أن تبنى السقيفة الحالية سنة ١٩٢٥؛ أما المتقدمون في السن فكانوا يقصدون لنزهاتهم ساحة (بريش Brèche) التي كانت أكثر اتساعاً قبل أن تطرأ عليها التغيرات. ويعد شارع (فرانس France) المركز الرئيسي والمختلط للمدينة، إذ هو صلة الوصل بين الأحياء العربية والفرنسية واليهودية. ومن هذا الشارع بالذات كانت تنطلق في كل مرة شرارة الاصمطدامات كما حدث في الخامس من آب (أغسطس) سنة ١٩٣٤ بين العرب واليهود. واتخذ عمي طريقاً ينزل بنا نحو سوق رباط الصوف. اجتزنا الساحة ومشينا في ذلك الطريق الذي يمتد منها حتى مدرسة سيدي الجلي. وخلال سيرنا عرَّج عمي على مصنع (بن القريشي) للتبغ حيث كان فيه رئيس محاسبته. وسرعان ما اندمجت بجو ذلك المصنع، فقد كان على ما أعتقد منزلاً جميلاً للسكن ذا طراز موريسكي وحيطانه مطلية (بالزليدخ)، أما الدار فقد كانت من الرخام الأبيض. رائحة التبغ تأخذ لك منذ ولوجك المصنع، وهذا لم يكن شيئاً مزعجاً في

стр. 44

باحة فضاء سماوية. وحول طاولات قليلة الارتفاع مغطاة بطبقة من التوتياء كان بعض جماعات من عمال التغليف يعملون. وكانت علب الدخان، بعد أن تأتيهم من المسؤول عن الأوزان، تمر بين أيديهم المرنة التي تتولى لصق إشارة المصنع المزخرفة حول كل علبة بواسطة مادة لزجة مصنوعة محلياً من الدقيق. وكان صاحب العمل المعلم يرتدي ملابس ذات طراز قسنطيني قديم يجلس وراء مكتبه ليدير العمل، وقد مر به عمّي محيياً ودخل إلى قسم المحاسبة، ولست أدري أي شيء من التعليمات أعطى زملاءه. خرجنا من المصنع وما هي غير خطوات يسيرة حتى كنا عند مدرسة سيدي الجلي. لقد عرف (مسيومارتان Martin) فوراً عمي تلميذه القديم. وعند تقدمي إليه كان يبدو سعيداً برؤيتي تلميذاً له بعد أبي وعمي، وقد عبر عن ذلك حينما دخلنا الصف. ولعل حضوري جعل ذلك المعلم الشيخ يقدر قيمة جهوده في جيلين من العدول والمعلمين ومساعدي الأطباء. وهكذا وضعت معه في ذلك الصف أول قدم في المرحلة الثانية من دراستي. ... التوجيه الذي أرادته عائلتي لي والذي تحدثت عنه فترة الصيف هو أن أكون عدلاً في الشرع الإسلامي. لقد اضطرني ذلك مع زميل لي تبسي نجح مثلي في امتحان المنحة أن أسجل نفسي في دروس الشيخ عبد المجيد، الذي كان أستاذاً في المدرسة يعدّ فيها التلاميذ الذين يختارون هذا الاتجاه. هذا الشيخ من ناحية و (مسيو مارتان Martin) من ناحية أخرى كوَّنا في عقلي خطين حدّدا فيما بعد ميولي الفكرية. والشيخ عبد المجيد كان يعطي دروسه في النحو كل صباح في الساعة السابعة في المسجد، ولذا كان علي أن أستيقظ باكراً للذهاب إلى هناك؛ كان يجلس داخل المحراب ونتحلق نحن من حوله.

стр. 45

وسرعان ما أدركنا عداءه لبعض التقاليد السائدة في المجتمع الإسلامي كالطرق الصوفية، وكراهيته لتجاوزات الإدارة الفرنسية في تصرفاتها. وإذا اتفق أن وجدت مناسبة في هذا المجال كان يحلو لنا أن نستدرجه لصرف الساعة في شتم العادات الاجتماعية أو في الهجاء السياسي، وكنا نفضل ذلك على البحث في الفعل الثلاثي وتصريفاته. وعندما كنا ننصرف من درسه في الثامنة إلا ربعاً، كانت هذه تماماً ساعة تناولنا لقطعة من زلابية فطيرة، أو كوب من ماء الحمص والذهاب بسرعة إلى مدرسة سيدي الجيلي حيث (مسيو مارتان Martin)، وكان هذا المعلم يثري تلاميذه بالمفردات ويطبع في نفوسهم الذوق وفن الكتابة. وكان يقرأ لنا أحياناً القطع الجيدة التي كتبها من هم أكبر منا والذين قضوا في مدرسته أكثر من سنة. لقد طبع في نفسي هذا الأستاذ تذوق القراءة، ففي مساء كل سبت كان يعير الكتب للتلاميذ. وقد أتاح لي ذلك أن أقرأ كل كتب (جول فيرن Jules Verne) وبعضاً من روايات (الرداء والسيف). ومع عمي محمود تعلمت أشياء أخرى، فقد كان رجلاً محباً للحياة تدربت معه على العزف على آلته الموسيقية، وكنت أعزف قطعة لم أعد أذكر أهي من مقام (الزيدان) أو مقام (السيكا). وحينما كنت وحدي كنت أتناغم مع ألحانها. ولكن الذي أثار تطلعي إليه هو الضرب على (النقارات). وهي عبارة عن قطعة موسيقية مؤلفة من طبلين صغيرين مركزين على قطعة خشبية يضرب عليهما بعصا صغيرة، وكانت هذه القطعة تستعمل في مجالس رجال الطريقة العيسوية في قسنطينة والقادرية في تبسة على السواء. كان عمي يحسن الضرب على تلك الآلة، وكانوا في الزاوية العيسوية حيث كنت أرافقه مساء كل سبت يعدونه اختصاصياً ممتازاً بها. وشيئاً فشيئاً ألفت

стр. 46

وجوه رجال تلك الطريقة، وأصبحت أذهب معهم في كل مرة تقام فيها خارج الزاوية في منزل أو عائلة، وكنت أجلس معهم في الحلقة المؤلفة من الجوقة والعازفين، ولأنني كنت في الرابعة عشرة من عمري فقد كان صوتي كصوت ديك أزغب الحواصل يثقب الآذان. كان الإخوان ينتظمون في الحضرة وبينهم (الشاوش) وهو الشخص الذي يتولى إدارة الحلقة، فيدعو كلاً بدوره ليدخل في الجذب حالة الوجد فينتصب واقفاً، ويبدأ في حركات الذكر التي تتناغم مع إيقاع الشاوش إذ يضرب على يديه فيشير إلى مراحل الذكر. أما المقدم سيدي (علي بن الفول) فكان يجلس في ركنه من المجلس محاطاً باحترام الجميع كأب روحي. وهو دائماً معهم في شؤونهم صغيرها وكبيرها، معهم في حفلات زواجهم وختان أبنائهم وكذلك المآتم. وكانت الطريقة العيسوية ذات رعاية من أهل المدينة وخاصة التجار؛ أما جماعة العمارية فكان مريدوها من الباعة المتجولين وسائقي العربات والخيول ورماة الجيش المقيمين في ثكنة المدينة. ولكن صداقات أخرى كانت لي في المدرسة، فرفيقي التبسي (صالح حليمية) يقيم في غرفة متواضعة مع شقيقه الذي أنهى السنة الرابعة، وكان يزورني غالباً في بيت عمي؛ ولكن كانت تلذ لي زيارة رفيقي (حمزة بوشوشة) الذي كان يسكن غرفة صغيرة ولكنها غرفة في فندق الصحراء، وأظن أنه الوحيد في قسنطينة الذي يقبل بين نزلائه مواطنين عرباً. كن يسمى فندق (العوراء)، وربما كان ذلك نسبة إلى صاحبته القديمة التي أورثته أبناءها، وهم ولد عجوز وابنة عانس كنت أعرفها. كنت أحب أن أدرس مع (بوشوشة) في تلك الغرفة الصغيرة فنجلس على

стр. 47

السرير. وكان ذلك على ما أعتقد لحرية ألمسها في جو الفندق تبعد عني وصاية العائلة. كنت أسارع إلى كل ما يعبر عن استقلالي. والذهاب إلى الفندق كان بالنسبة لي شيئاً من ذلك الاستقلال. أما عمي محمود فكان من ناحية أخرى ينظر إلى ذلك بامتعاض عندما أعود متأخراً قليلاً في المساء. وفي الآحاد غالباً ما أقضي اليوم عند أمي بهيجة التي كانت تصرف في العناية بي. وأذهب أيضاً إلى السينما بفضل الثلاثين فرنكاً التي أتقاضاها شهرياً من المنحة، أما عمي فكان يحتفظ بحصة والدي في ريع كشك (بابا الخضير). وعند خالتي بهية تعلمت صنع ذلك المغزل من الورق المطلي بالعطوس، والذي كنت أضعه مثلها في أنفي. كانت تتولى بصورة دائمة إدارة مخزن شقيقها (علاوة) المخصص لبيع الفحم، أما شقيقها الآخر صالح فقليلاً ما كنت أراه. كان يسكن في (شاتودان رومل Chateau d'un Rhumel) ويبعث في نفسي القلق حينما يأتي مرتدياً رداءً كبيراً من جلد الماعز ظاهره الشعر، كذلك الرداء الذي كان يلبسه سائقو السيارات في بداية عهدها، وعلى عيونهم نظارات كبيرة وقاية لهم من السرعة، فقد كانت السيارات في ذلك العصر تسجل أربعين كيلومتراً في الساعة. لقد كان هذا اللباس الضمحك يلبسه قديماً (حما بلا أعقاب) (١) Hamma sansTalons، حينما كان يقود السيارة الوحيدة في تبسة إذ كنا نتبعه مع الأطفال في طرق المدينة. أضيف الآن شيء جديد إلى قيافتي، فقد وضعت نظارات؛ ذلك لأنه خلال السنوات الأخيرة من المدرسة في تبسة كانت ساعة القراءة التي تمر مرة أومرتين في

стр. 48

الأسبوع بالنسبة لي ساعة من العذاب. فمنذ السطرين الأولين أو الثلاثة يصبح نظري ضبابياً لا أستبين معه الأحرف. وكان يزعجني أن أضطر لقراءة مهجاة أمام رفاقي وأنا أفرك عيني عند كل مقطع، دون أن أصرح للمعلم بأنني لا أستطيع القراءة. أخاف أن يكون ذلك عيباً يلغي انتسابي للمدرسة ويمنعني من متابعة دروسي. أخيراً لم أجد بداً من أن أطلع أقاربي على آلامي. لقد قرروا أن أعرض على اختصاصي في قسنطينة كان صديقاً لجدي، وهكذا منذ ذلك الوقت بدأت أضع نظارات على عيني. لقد كان ذلك أول الأمر مبعث إزعاج لي من الشباب الأوربي الذين يقذفونني كلما رأوني بقولهم: ((إيه! أبو أربع عيون)) أنا الذي كنت أُعرف بالشاشية (١) الحمراء. كان هؤلاء الأوربيون يستقطبون تفكيري وخاصة طلاب المدارس الثانوية منهم، حين كنت أراهم أيام الآحاد يتنزهون تحت إشراف ناظر مدرستهم، مرتدين زيهم من الجوخ الأخضر الغامق، وكان الخيال ينطلق بي معهم، فهؤلاء سيصبحون محامين أو أطباء أو أساتذة، أما أنا فقد حكم علي بأن أكون عدلاً. ومرة وجدت الفرصة سانحة للدخول في المدرسة الثانوية. فقد كان علي أن أدخل امتحاناً خاصاً، ولكن سني- بسبب التحاقي في المدرسة الابتدائية متأخراً- أصبحت تمنعني من القبول. في هذه السنة ١٩٢٠ تلقيت مع الشيخ عبد المجيد أول أسس الثقافة العربية. لقد تعلمت تصاريف الأفعال والتمييز بينها وحفظت شيئاً من الشعر. كان ذلك أيضاً في البلاد نقطة تَحوّل. ففي قسنطينة تأسست جريدة ناطقة بالعربية

стр. 49

تدعى (النجاح)، أنشأها قبل عام شاب قسنطيني (سامي اسماعيل) عاد من الزيتونة في تونس بشرف العلم، تدل عليه تلك العمامة فوق رأسه، لقد كان يقدم لعقول القراء زاده الأسبوعي، ولكنه زاد هزيل بدون شك، فاحتفالات الزواج والوفاة تأخذ المقام الأهم من الصحيفة، ولكنها جريدة تكتب بأحرف عربية. وذلك كان نوعاً من التحدي للإدارة الاستعمارية التي أرست سياستها على (فَرْنَسَة البلاد). لقد وجد الآن القراء القدامى للجريدة التونسية الزهراء غذاءهم الروحي. فالعدد من جريدة (النجاح) الذي يصل إلى تبسة تتناقله الأيدي هنا وهناك. وعمي يونس كان يرسلني بانتظام لكي أطلبه من صديق له قديم. كنت ألفظ ذلك بكسر النون لاعتقادي أنه أكثر انطباقاً على قواعد النطق العربي. وبفضل الشيخ عبد المجيد تعلمت على الأقل أن ألفظ (النجاح) بشكلها الصحيح أي بفتح النون، لأنني لعدم انتظامي في دروس الشيخ لم أستطع أن أحقق تقدماً أكبر في العربية. في صف مسيو (مارتان Martin) هناك أقسام ثلاثة، لكني على الرغم من ذلك كله كنت أنتسب إلى فريق المدرسة بأجمعه، ولم أكن أدرك حقيقة الشعور الذي يشكله الخط الفاصل بين التلاميذ الذين سيصبحون في المستقبل معلمين، والذين سيصبحون مساعدي أطباء، وبين أولئك الذين يعدون ليصبحوا عدولاً؛ بينما كان يدرك كل فريق من هؤلاء بوضوح ذلك الخط الفاصل. وكان فريق المدرسيين الذين يعدون أنفسهم لدراسة القضاء الشرعي - وكنت أحدهم - يشعرون بأنهم حملة رسالة قومية. لقد كان للتربية البيتية دور في تحديد هذه الفرق، فمربو المستقبل كانوا لدى مسيو (مارتان Martin) أمناء لروح العلمانية التي طبعت فيما بعد حركتهم،

стр. 50

عندما أسس (طهرات) صحيفة (صوت المساكين La voix des humbles) تحدثوا فيها عن فولتير وفضائل ثورة ١٧٨٩ الفرنسية. لقد جعلوا عقليتهم حتى تعابيرهم تسهم في تكوين فريق من التلاميذ الأطفال من أبناء الجزائريين، الذين امتازوا عن سواهم بفضل ثرائهم أو اتصال آبائهم بالإدارة، وسهل عليهم أن يلتحقوا بالمدرسة الثانوية كعباس فرحات مثلاً. وكان في هذه الفئة ذات الامتياز حالات نموذجية أمثال الدكتور موسى الذي خاض أولى معاركه السياسية مع (مورينو Morinaud) عمدة قسنطينة المستبد، والذي ابتدع طريقة في وضع الشاشية (الطربوش)، اقتفى أثره فيها أبناء جيلي حتى عرفت هذه البدعة باسمه ( la Moussa). وكذلك الدكتور (موسلي) صاحب البنية القوية الذي وشم نفسه بوصفه محكوماً بالأشغال الشاقة، ثم راح يزوج بناته للضباط الفرنسيين ويضع في صيدليته شراباً سماه باسمه ( Le sirop Mosly). أما فريق الأطباء والمساعدين فكانوا أكثر رصانة، وتكاد لا تسمع صوتهم في الصف وهم في كل حال لا شخصية لهم. كنا نحس فيهم الشخصية الهادئة لمساعدي طبيب الإدارة الاستعمارية. على كل حال فأنا أعتقد أن فريق المدرسيين عند مسيو (مارتان Martin) يميزهم خصوصاً شعور ديني يأخذ بهم في قليل أو كثير. وأحسب لو رجعت بالذاكرة إلى الماضي فإن جدتي الحاجة زليخة قد أدخلت في روعي (الشعور المدرسي). وكلما مررت أمام دارها البيضاء ذات الطراز (الموريسكي) التي تطل على وادي الرمل، تستقطب تفكيري وتحاكي روحي، لكنها تذكرني أيضاً بقصوري مع الشيخ عبد المجيد، فيحدث ذلك في نفسي خوفاً شديداً.

стр. 51

على أنه كان لفكري ألف فرصة يهرب بها من ذلك العذاب. فقسنطينة قدمت لي كل شيء؛ كنت أتنزه مع رفاقي في (رامبليه Ramblais) في هذا المكان الذي أقيم فيه فيما بعد، أول مدينة من أكواخ التنك في قسنطينة، كان نوعاً من السوق الدائم تباع فيه الأشياء القديمة غير الصالحة للاستعمال من مفاتيح قديمة وملابس مستعملة وأشياء أخرى. كنا نختلط بتلك الجماعة المؤلفة من مزارعين فقدوا صنعتهم، فلم يعد لهم مكان في حقولهم بعد أن طردهم الاستعمار واستولى على أراضيهم، ثم إن المدينة لم تؤوهم بعد فيها. كان يندس في صفوفهم عدد لا بأس به من النشالين. وفي يوم كنت بين ذلك الجمع واقفاً أمام آلة لليانصيب توزع جوائز متنوعة من الأشياء المستعملة، فقدت محفظتي وفيها ثلاثون فرنكاً قيمة منحتي. أما قسنطينة المدينة فكانت تقدم صوراً أخرى: فمع عمي تابعت الاتصال بذلك الجانب الفاتن: العيسوية العلية والموسيقا، وأيضاً جانبها البطولي. ففي ذلك العصر كان الحديث كثيراً عن مآثر شاب خارج عن القانون ولجأ إلى أودية وممرات وادي الرمل. كان يدعى (بوشلوح)، لقد كان بطلاً يملأ خيال المراهقين قبل نومهم. لقد جندت له الإدارة أفضل رجالها خشية أن تملأ المدينة أسطورته البطولية، غير أن (بوشلوح) كان دائماً يحبط خططهم، إذ حوصر مرة في فندق فتسلل هارباً من نافذته عبر مجرى للماء يأخذ مياه المدينة إلى أسفل وادي الرمل، ومن هناك اختفى بأعجوبة. كانت هذه الأسطورة تذكي خيالي وتغذيه، كما كانت تفعل أسطورة (بن زلمة) التي يتناقلها الناس في جبال أوراس، وأعمال (بو مصران) التي صجت بها منطقة عين مليلة. وفي يوم تلقينا بأسى أن (بوشلوح) وقع جريحاً في يد الإدارة، إنما الذي كان يعزينا أن المفتش (بوناب) الذي جرحه قد دفع ثمنا لذلك حياته؛ لقد أثارت محاكمة (بوشلوح) الشعور في قسنطينة حين انتشرت كلمته إلى رئيس

стр. 52

المحكمة الذي نطق بحكم الإعدام ((إنكم تحكمون على المقعد الذي أجلس عليه، أما أنا فإنكم لا تستطيعون أن تحكموا علي)). وهناك شيء أكيد هو أن بوشلوح الذي كان موقوفاً- كما أوقف بعد ذلك بأربعين سنة (بن بولعيد) - قد حاول الهرب، ولكنهم للأسف لم يلبثوا أن قبضوا عليه على سطح السجن، ولعل ذلك قد عجل بإعدامه قبل موعده. في ذلك اليوم فإن كلا من العرب واليهود والفرنسيين أطلق الزفرات وكان لكلٍ أسبابه. في أثناء ذلك كانت أمي قد حضرت إلى قسنطينة لاستشارة أحد الأطباء. فقد اضطرها مرض أقضّ مضجع العائلة أن تراجع أحد الاختصاصيين. لست أدري ما الذي قاله لها، إنما أذكر تلك اللحظات الأخيرة التي قضيتها معها وأنا أرافقها إلى السيارة التي ستعود بها إلى تِبِسَّة. وقد كان في المودعين مربيتي بهيجة، وعلى بعد خطوات من المحطة تلفتت أمي إلى مربيتي وقالت لها: ((عزيزتي بهيجة إني أترك الصديق في عهدتنا)). وبشيء من الاحتجاج أجابتها مربيتي: ((آزهيرة عزيزتي وهل أنت بحاجة لمثل هذه الوصية؟)). والآن أدرك أن هاتين السيدتين الفاضلتين ملأتا نفسي حباً ووداعة. لقد أوشكت السنة الدراسية على النهاية. وأصبحنا في خضم الفصل الدراسي الثالث وعلى أبواب الامتحانات السنوية. كنت أخشى الحالات الشاذة في القواعد العربية وخصوصاً الحالات التي لا تستند إلى قاعدة، ولذلك وجدت في زملائي الذين كانوا أكثر انتظاماً مني، معيناً على الإجابة في بعض المشاكل اللغوية التي كانت تقلقني.

стр. 53

ذات صباح اجتزت باب المدرسة حاملاً بيدي ريشة ومحبرة؛ إنه يوم الامتحان. تعرفت هناك على (الشاوش) وهو رجل يقوم بوظيفة الحاجب والبواب وموزع المنح وكان يقيم في المدرسة مع عائلته. وتعرفت أيضاً على زملائي المتقدمين للامتحان، وكان بينهم ولدا قاضي البرج سي (مصطفاوي)، ولا أزال أذكر صورته إذ كان يرتدي البرنص والعمامة. وانتهيت أخيراً بالتعرف على المدير (دورنون Dournon) وكان يتولى توزيع الأسئلة ومراقبة الامتحانات. في المساء في باحة المدرسة المبلطة بالموزاييك والمجهزة ببركة ماء، كان المدير يقف ليعلن النتيجة بصوته، الذي لاحظت فيه لُكْنَةً خاصة في اللفظ وكنت من الفائرين الأوائل. وعندما علمنا بقبولنا في المدرسة أنا وزميلي (صالح حليمية) تشابكت أيدينا من الابتهاج، في ذلك المساء عند العتبة التي اجتزتها صباحاً، والتي أصبح لي الآن بعد نجاحي الحق بالوقوف أمامها، تحلق حولنا بعض من هم أقدم منا في المدرسة يوجهوننا ويعرفوننا بها. في هذه اللحظة كان تفكيري يتجه إلى مكان آخر ... كنت أريد العودة إلى تِبِسَّة إلى أولئك الرفاف القدامى أحمل لقبي الجديد. فلم أعد تلميذاً، لقد أصبحت طالباً في المدرسة. فالألفاظ أيضاً لها تأثير على الاتجاه. اشتريت بعض الملابس لتكون عودتي إلى تبسة بما يليق من احتفال. وأخيراً أخذت الأوتوبيس الذي قادني لتسعة أشهر خلت إلى قسنطينة، وسارت العربة متثاقلة طيلة النهار، وأخيراً عند المساء بدأت تننزل منحدرات حلوفة، ولاح لي عند أحد المنعطفات قمة قرص السكر ( Le Pain de sucre) التي تمتد حتى الأفق. وكان سكان تبسة يطلقون عليها اسم قمة (سيدي عبد الله). إنها قمة تبسة وهي

стр. 54

- لأبناء تبسة العائدين من عنابة أو قسنطينة أو الجزائر- بشارة الوصول إلى الحظيرة. وهي سوف تؤذن لي كثيراً فيما بعد بالوصول إلى تبسة. حوالي الساعة الخامسة أو السادسة عبرت السيارة جسر (وادي الناقوس)، واجتا زت الحي السكني الأوربي مارة أمام مدرستي القديمة، ثم عبرت بعد ذلك باب قسنطينة لتدخل المدينة. أثناء دخولنا تعرّفت إلى بعض الوجوه، وواحد من رفاق اللعب عرفني فأطلق صرخة من الفرح ثم أطلق ساقيه وراء السيارة ليلقاني ويحمل حقيبتي إلى المنزل. ولكن المنزل كان خالياً ... فأمي إثر عودتها من قسنطينة نقلت إلى تونس وأدخلت مستشفى صديقياً، وهناك أجريت لها جراحة غير ناجحة عرضت حياتها للخطر، وقد رافقتها شقيقتاي إلى تونس: الكبرى لتعالج بدورها، والصغرى لمرافقة أمها والعناية بها. أما أبي فقد صحبها ليكون بالقرب منها. وحللت في منزل عمي القريب منا غير عابئ بما يخبئه القدر لي حتى يوم عودة أمي إلى البيت يحملها على سجادة أربعة رجال. حينئذ بكيت بمرارة لاعتقادي بأن أمي صائرة إلى الموت. قضيت عطلتي ذلك الصيف تارة مع أصدقائي وطوراً بقرب أمي المريضة. لقد كانت على الرغم من مرضها الخطير تدير المنزل، وقد رتبت عودتي إلى قسنطينة، فمن سريرها تولت الاهتمام بأدق تفاصيل الرحلة، خاصة أنني سأكون هذه المرة طالباً داخلياً. وهذا يفرض على طلاب المدرسة أن يحضروا معهم أغطيتهم ووساداتهم. لقد حضّرت أمي ذلك كله وهيأته. غير أنها في صباح الرحيل لم تتمكن من إفراغ (ماء العودة) عند قدمي فتولت شقيقتي الكبرى ذلك عندما ولجت عتبة الباب. ***

стр. 55

عودتي إلى قسنطينة وضعتني وجهاً لوجه أمام الظرف الجديد وآفاقه؛ فعلى عتبة ذلك الباب الضخم من خشب الأرز ذي المسامير الكبيرة والمدقة البرونزية، والذي لا يفتح إلا في المناسبات الكبرى ويُكتفى في الأيام العادية بفتح باب صغير فيه، على عتبة ذلك الباب استقبلني رجل له سمت ينبئ عن اتصال وثيق بوسطي الجديد، كانت السنين قد أحنت ظهره، وكان يرتدي عادة قميصاً من الكاكي أثناء العمل، أما في ساعات الراحة فيرتدي البرنص. استقبلني ببرنصه وعليه ابتسامة ساخرة كانت أعرفها فيه أثناء دراستي في المدرسة. سمة لؤم وعينان خبيثتان وراء نظارتين بذراعين معدنيتين وشارب وخطه الشيب، كانت هذه كلها قسمات ذلك الرجل الذي يدعونه عمي، والذي سوف أناديه بهذا الاسم سنوات أربعاً. إنه الشاوش ذو الشخصية الغامضة التي لا تستقر على حال. فهو لطيف اليوم وربما كان في الغد سمجاً ثقيلاً. كان حاجب المدرسة وبواب المدير (دورنون Dournon) وأحياناً يعمل مخبراً عنده. وكما كان مع التلاميذ كان مع الأساتذة يحسن لبعضهم ويسيء للآخرين. وعند نهاية العطلة الصيفية يقف عند الباب الصغير المفتوح ينتظر زبائنه من الطلاب الجدد ليبادر كل قادم جديد بهذا السؤال: ((من أنت؟ ومن أين أتيت؟)) لقد سألني بدوري عند وصولي إليه حاملاً حقيبتي، بينما وضع حمال على عتبة الباب طرداً فيه فراشي والغطاء ملفوفين بكيس من القماش. وأجبته: ((إنني من تِبِسَّة)). ألقى نظرة على ورقة كان يمسكها بيده وقال: - حليمية، صدّيق. - أنا أدعى صدّيق.

стр. 56

- حسناً اتبعني إذن. تبعت ذلك الرجل بينما رفع الحمال حمله وتبعني. واجتزنا الجناح المخصص لغرف النوم. ثم تسلقنا درجاً، في أعلاه فتح الشاوش باباً لغرفة صغيرة تضم أربعة أسرة: واحد منها فقط مجهَّز بينما الأسرة الثلاثة فارغة، وبين كل سريرين متقابلين مكان لطاولة صغيرة يستعملها شاغلاً السريرين. وضعت فراشي على السرير المقابل لذلك السرير المجهَّز. كان في السقف مصباح عادي بسيط للإنارة، وفي مواجهة باب الغرفة نافذة ذات زجاج شفاف تطل على شارع (بيريغو Perrégaux). في هذا المكان سوف أقضي سنتي الأولى في المدرسة. كان في الجهة المقابلة طالب (قلماوي) ولست أدري إذا كان اليوم قاضي شرع أو قاضياً مدنياً. أما السريران الآخران فكان أحدهما لطالب من (باتنه Batna) من عائلة تنتمني لطبقة التجار، يدعى (فضلي)، والثاني يدعى (قاواو) ابن أحد رجال الدرك. كان الأول ناضجاً أما الثاني فكانت لديه عادات طفل لم ينضج بعد. على كل كنت ألاحظ فيهما خلقاً مرهفاً أو شيئاً مما يسمى البراءة. انهمكت في ترتيب سريري عندما جاء (فضلي وقاواو)؛ وبسرعة أصبحنا أصدقاء وقررنا أن نذهب للعشاء سوية، في مطعم رخيص للطلاب قريب من دار المحافظة كنا اهتدينا إليه. عند خروجنا من الغرفة ألقينا نظرة استطلاعية على المكان. فالغرف الأربع التي نشغل إحداها تقع على ممر يطل على منحدر الرمل على منظر ذي جمال موحش. أما في نهاية الممر فكانت مغسلة ذات حنفيات ثلاث وبجانبها دورة مياه.

стр. 57

عند خروجنا نبهنا الشاوش بقوله: ((إنني سوف أقفل الباب في الساعة العاشرة)). لقد بدت لي قسنطينة أجمل وأبها في ذلك المساء؛ وحول طاولة مصنوعة من الرخام فوق هيكل حديدي جلسنا وكان العشاء تسوده الصداقة الحميمة. كان صوت خادم المطعم يرتفع بالطلبات واحدة تلو الأخرى، وكانت صحون الطعام تخرج من كوة صغيرة في الحائط متصلة بالمطبخ. وكان ذلك الخادم يضع صدّارة زرقاء ثم يرفع أكمام قميصه، ثم يضع صحون الطعام أمام زبائنه ومعها الملاعق والسكاكين والشوكات وقطع الخبز. وأعتقد أنها كانت المرة الأولى في حياتي أستعمل فيها الشوكة والسكين. فالوضع في عائلاتنا كان مختلفاً؛ فالمجيع يأكلون من صحن واحد مشترك، والملعقة تستعمل فقط للشوربا والكسكسي، والأصابع لباقي الأطعمة. خرجنا نستكمل أحاديثنا في مقهى (بوعربيط)، فمنذ أن انتقلت المدرسة من سوق العصر- حيث كانت ملاصقة لمسجد سيدي الكتاني- إلى مكانها الحالي في أوائل القرن الحاضر، ترددت إلى ذلك المقهى أجيال عديدة من طلاب المدرسة، يتلاقون في صالتها الأمامية أو صالتها الخلفية في الصباح والظهر والمساء. ومن الجدير بالذكر أن انتقال المدرسة إلى مكانها الجديد كان في ظل حاكمية (جونارت Jonnart) للمدينة، ذلك الذي أعطى اسمه لطراز خاص من البناء في تلك الفترة. ولم يكن (بوعربيط) هذا مالكاً لمقهى المدرسة، إنما كان قائماً على شؤونه، فزبائنه جميعاً كانوا من الطلاب، ولكنه كان يقدم خدمات لزبائن له في الخارج، يعملون في الحوانيت والمعامل المجاورة أو في منشرة قريبة من المطعم.

стр. 58

كان مجمل ما يطلبه الزبائن في الخارج ثم يعود وهو يقرقع بأباريق القهوة، وهذه عادة قسنطينية، وكان يحسن ذلك ببراعة أثارت إعجابي إذ كنت طفلاً. لقد كان (بوعربيط) وجهاً من وجوه قسنطينة القديمة. إنه وجه شعبي يسهم في ذكريات القسنطينيين الشيوخ، التي تتحدث عن تقاليد المدينة؛ ما هو حي منها وما اعتراه الأفول. فحينما كان هؤلاء الشيوخ شباباً كانوا في أيام العيد الصغير والعيد الكبير ينظمون موكب (بوعربيط). ففي ذلك اليوم يلبس (بوعربيط) أجمل ما لديه من ملابس ويسير يتبعه موكب من الأطفال، فيعزف على الناي ألحاناً تتفق والمناسبة، بينما يصاحبه آخر في الضرب على الطبل، ثم يتجهون أمام منزل المفتي ثم منزل القاضي تحية منهم لهاتين الشخصيتين الكبيرتين في المدينة. فذلك هو مفهوم التسلسل في رجال الدين صبيحة يوم العيد، وسط جو عابق برائحة الكعك والمكرود العائد من الفرق والقماش الجديد للأطفال والحنة في أيدي الفتيات. وحينما يحين دور زواج واحد من هؤلاء الفتيان القسنطينيين، فإن (بوعربيط) يأتي هذه المرة بعد الشفق، ليقود إلا منزل الزوجية عروسه محمولة على كرسي مغطى بالديباج يدعى (الحدوة)، يرافقهما موكب من الأهل والأصدقاء يحملون مصابيح متعددة الألوان، تنشر في شوارع قسنطينة القديمة أنواراً باهتة. وعندما وصلت إلى قسنطينة سنة ١٩٢٠ لم يكن للحدوة من وجود فقد حلت محلها السيارة أو العربة المستعارة؛ إلا أنه في أيام العيدين الصغير والكبير لم يكن طلاب المدرسة يجدون (بوعربيط) أمام وجاقه في مقهى المدرسة، إذ كان يذهب في ذلك الوقت إلى منزل المفتي والقاضي يحيي عادة قديمة سرعان ما اندثرت بموته.

стр. 59

كانت له شخصية حالمة على طريقة (ديستوفسكي)، فعندما ينتهي (بوعربيط) من خدمة زبونه داخل المقهى أو خارجه، ويضرم النار ويغسل ويرتب فناجين القهوة، فإنه كان يقف بجانب الوجاق ساهماً لا يتكلم، إنه يحلم. كان زبائنه من الطلبة فئتين: رواد الصالة الرئيسية، وزبائن الصالة الخلفية؛ فأصحاب الطبقة الأولى هم أولئك الذين عرفوا بالرزانة يهتمون بالحديث والمناقشة، قلقون منعزلون أو رومانطيقيون من قراء الشعر قديمه وحديثه، هؤلاء يمثلون الصالون الأدبي للمقهى. أما الصالة الخلفية فكان يجتمع فيها لاعبو الدومينو مثيرو الضجيج والصراخ والرياضيون. ففي تلك الفترة كان الناس في الوسط الجزائري يتحدثون عن الرياضة ويهتمون بتكوين الفرق والنوادي الرياضية. كانت هذه الجهة تمثل وجه المقهى العربي. لقد ذهبنا إلى هذا المقهى أنا وفضلي وقاواو لنتابع الحديث. ولم يكن الحديث إلا ليزيدنا معرفة بعضنا ببعض. وكانت كل كلمة تسهم في تكوين ذلك الثلاثي الذي تشكل خلال تلك السنة. كانت ساعة المقهى تذكرنا بنظام المدرسة. فإنه ينبغي الرجوع قبل العاشرة كما قال الشاوش. عند رجوعنا كان رفيقنا الرابع نائماً، وهناك تابعنا حديثنا حتى الحادية عشرة موعد إطفاء النور. وكان ذلك يعد أول صعوبة تعترض الطالب عند دخوله (المدرسة)، إذ لكي يتمكن من الدراسة أو التحدث مع رفاقه أو قراءة القصص كان عليه أن يحصل على وسيلة للإنارة خاصة به. ***

стр. 60

السنة الدراسية ١٩٢١ - ١٩٢٢ كانت هذه سنتي الأولى في المدرسة، وكذلك بداية لمرحلة جديدة في العالم تدعى (ما بعد الحرب). وبما أن طلبة المدرسة كانوا يبنون علاقاتهم على أساس الانسجام الفكري والخلقي، فقد انقسموا إلى فريقين: الفريق الأول يضم طلاب السنتين الأولى والثانية، والفريق الثاني يتألف من طلبة السنتين الثالثة والرابعة. وفي الصالون الأدبي من مقهى (بوعربيط) كان للفريقين أن يجلسا معاً ليتناقشوا في موضوع سياسي أو حول أهم حدث في ذلك اليوم. وكان طلبة السنتين الأخيرتين يتحدثون أحياناً عن مأثرة أحد قدماء الطلبة يدعى (خَطَّاب)، إذ غرس الرعب في نفوس ممثلي المعمرين في المجلس الاستشاري العام لقسنطينة. ففي يوم كان أحد المنتخبين الأوربيين يقدم تقريراً للمجلس حول سرقة بقرة تخص أحد المعمرين الفرنسيين، ويختم تقريره بقوله. ((بالطبع فإن السارق أحد سكان البلاد الأصليين ( Indigène)، فانبرى خَطَّاب الطالب في السنة الرابعة، وكان يجلس في مقاعد المستمعين في المجلس وصرخ:، ((ولم لا يكون السارق فرنسياً؟)). في ذلك اليوم امتلأت آذان الإدارة بالطنين لأن كلام خطّاب بقي بغير جواب. أما آذاننا فكان يلذّ لها أن تسستذكر هذا الجواب العفوي الذي ينطوي على مغزى بعيد. كان يُذكر أيضاً ابن رحال وأعماله الخارقة كما كنا نتحدث عن الدكتور موسى؛ إنما كان يستأثر بحديثنا على الأخص (الأمير خالد) ليس بصفته حفيد الأمير عبد القادر ولكن لأنه ينطق باسم الشعب الجزائري. فكانت الألسنة تتناقل حكايته مع زوج أحد الضباط الفرنسيين، فقد نزعت هذه الأخيرة من بين أصابعه سيكارة كان يدخنها في إحدى عربات الدرجة الأولى من القطار،

стр. 61

وألقت بها من النافذة، وتضيف الإشاعة أنه انتقم منها بأن ألقى بكلبها من النافذة نفسها حين أخذ ينبح داخل العربة. وكان من الأحاديث أنباء (مصطفى كمال) الذي تحدّى القوى المستعمرة. لقد أخذت صوره تنتشر انتشار صور سيدنا علي، أو كأنها تلك (الرسائل) التي كانت تأتي إلى الجزائر مع الحجاج العائدين من مكة كل عام والتي لا يعرف مؤلفوها. كانت مكتبة النجاح توزع هذه الصور فيأخذها بعض الطلاب ويضعونها فوف الأسرة داخل غرف المنامة في (المدرسة). لقد كانت أسطورة (الغازي وعصمة إينونو) في ضمائرنا مرادفة للخلاص والانعتاق، وأصبح الميل لتركيا شائعاً في البلاد كلها وخاصة طلبة المدرسة. ولذا فقد بدأ المدير (دورنون) يلاحق (الشبان الترك) بين الطلبة. في هذا الوقت بدأت على ما أعتقد أقرأ المؤلفات. لقد قرأت (بييرلود Pierre Loti) و (كلود فارير Claude Farrère) وقد قرأت ( L’Azyade) و (فاقدات السعادة Les Desenchantées) و ( L’homme qui assasina الرجل الذي اغتال). لقد بدأ الشرق القديم منه والحديث يستهويني بأمجاده ومآسيه. وكان الحديث عنه يبكيني أو يبهرني، إنما في الحالات جميعها يشدني إلى شيء خبيء في نفسي بدأت أدركه في شيء من الصعوبة. وقد استطاعت الدروس ذاتها خاصة مع أساتدتنا العرب أن تنمّي فينا هذه الروح وتغذيها. وكنا نجد شيئاً ما أكثر لدى الشيخ (مولود بن موهوب) الأستاذ في المدرسة ومفتي المدينة. لقد احتفظ الشيخ في ذهنه بذلك الأثر الذي غرسته في نفسه دراسته على يد معلمه الشيخ (عبد القادر المجاوي)، وقد تولى هو نقل هذه الغرسة إلى تلك الأجيال من المدرسيين وكانت منهم، وقد أينعت ثمارها في الحركة الإصلاحية الناشئة في الجزائر.

стр. 62

كان هناك اتجاه عام لرد هذه الحركة إلى أصول شرقية حديثة كالتي أبدعها جمال الدين ومحمد عبده. ولكن كان يعيبها أنها لا تأخذ باعتبارها التقاليد المحلية. في الواقع إن (الحركة الإصلاحية) في الجزائر قد اتصفت بصفة الدوام والاستمرار، وربما كان ذلك في العالم الإسلامي كله أيضاً، فقد كان الداعون للتجديد يتعاقبوق ابتداء من (ابن تيمية) في القرن الثامن الهجري؛ وكان محمد بن عبد الوهاب- مؤسس أول إمبراطورية وهابية قوّض أركانها بعد ذلك محمد علي- في الحقيقة استمراراً لابن تيمية في الجزيرة العربية. وجَدُّ الملك الحالي لليبيا (١) كان أيضاً استمراراً لهذا الاتجاه، وأخيراً لعل أقرب من نشير إليهما في الزمان والمكان: الشيخ (بن مهنا) وتلميذه (المجاوي) اللذان حملا في نهاية القرن الماضي في قسنطينة لواء هذه الحركة. وقد تولى الشيخ (مولود بن موهوب) جذب أفكارنا وعقولنا إلى خط تلك الحركة التقليدية القديمة، ولكنها وجدت في أرواحنا عناصر جديدة أضيفت إلى بنائها. فمن جهة عامة كان أساتذتنا الفرنسيون يصبون في نفوسنا محتوى ديكارتياً، يبدد ذلك الضباب الذي نمت فيه العقلية الميثولوجية التي تتعاطف مع الخرافات النامية في الجزائر؛ ومن جهتي أنا فقد كان الأستاذ (بوبريتي Bohreiter) قد فتح لي آفاقاً جديدة. ولم يكن ذلك بفضل دروسه المقررة علينا كتاريخ الأزمنة القديمة والأدب الفرنسي- وإن تكن هذه قد تركت أثراً لا ينكر- إنما بفضل توجيهاته فيما نقرأ من كتب.

стр. 63

في الواقع فقد قرأت هذه السنة (التلميذ Le Disciple) لـ (بيار بورجي). وهذه القصة فتحت أمامي عالم النفس الذي أتاح لعقل فتيّ كعقلي أن يتخلى عن شيء من أوهامه وسذاجته. وكان لهذا الاتجاه أن يأخذ بي أبعد من ذلك، لولا دروس الشيخ (مولود بن موهوب) في التوحيد وسيرة النبي وتلك التي للشيخ (بن العابد) في الفقه؛ فقد كانت هذه مذكّراً قوياً يعود بروحي إلى الطريق الصحيح. ومن جهة أخرى كان الشيخ (عبد المجيد) يحلل في دروسه بعض نظراته في انحراف المجتمع وتجاوزات الإدارة، وقد أذكى ذلك في نفوسنا تأييداً وحماسة. وكان آخر هذه المؤثرات كتابان عثرت عليهما في مكتبة النجاح أعدهما الينابيع البعيدة والمحددة لاتجاهي الفكري. أعني بذلك كتاب (الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق) لأحمد رضا و (رسالة التوحيد) للشيخ محمد عبده. وقد تولى الشيخ مصطفى عبد الرزاق ومستشرق فرنسي ترجمته للفرنسية. هذان المؤلَّفان أثّرا على ما أعتقد في أبناء جيلي من المدرسيين. أنا مدين لهما على كل حال بذلك التحول في فكري منذ تلك الفترة. لقد رسم لي كتاب أحمد رضا مزوداً بالشواهد الكثيرة بهاء المجتمع الإسلامي في ذروة حضارته، وكان ذلك معياراً صحيحاً نقيس به بؤسه الاجتماعي في العصر الحاضر. أما كتاب محمد عبده - وهنا أتحدث عن المقدمة الهامة المترجمة حول غنى الفكر الإسلامي عبر العصور- فقد أعطاني مستنَداً للحكم على فقره المحزن اليوم. كانت هذه الكتب تصحح مزاجي؛ ذلك الحنين إلى الشرق تركه في نفسي كتب (فارير ولوتي Farrère,Loti) وحتى لامارتين أو شاتوبريان، فعرفت تاريخ الشرق وواقعه وأدركت بذلك ظروفه البائسة الحاضرة. هذه القراءات شكلت بالنسبة لي قوة أخرى من التنبيه في المجال الفكري،

стр. 64

إذ حالت دون انجرافي في الرومانطيقية التي كانت شائعة في ذلك الجيل من المثقفين الجزائريين. لقد أصبت هكذا عدداً لابأس به من المؤثرات الموجهة والمعدلة أو المحركة، وينبغي أن ألاحظ من بين هؤلاء واحدة تبدو فريدة، أعني أثر صديقي (محمد بن الساعي). لم أكن قد عرفته بعد، فمنذ عام ترك المدرسة قبل أن ينهي دروسه، ولكنه ترك وراءه أثراً. فصديقي فضلي وهو مثله من أبناء (باتنه Batna) كان يحدثني عنه. كنت أضفي على ما أسمعه منه شيئاً من المثالية. فـ (بن الساعي) الذي كان يكبرني لم يكن مخلصاً ذكياً ومثقفاً بالعربية والفرنسية فحسب، بل هو شخص مثال وقدوة. ولعله مما يُدهِش أن نقرأ بعد ربع قرن من الزمن كتاباً ذكر فيه مؤلفه (بن الساعي) على أنه (معلمي) ولهذه الدهشة سببان: الأول أنه ليس مألوفاً في الجزائر أن نرى مثقفاً يعترف بشرف واحترام لمثقف آخر بما يعتقد أنه مدين له، والثاني لأن (معلمي) و (شيخي) الذي سقط إبان دراسته لأسباب نفسية واجتماعية، لم يقدم لمواطنيه الصورة نفسها التي كنت أراه فيها وأنا في السادسة عشرة من العمر. ومع ذلك فقد ترك في نفسي أثراً خاصاً حينما تعرفت عليه شخصياً بعد عدة أشهر. ففي نزهاتنا معه أنا وفضلي بين غابات الصنوبر، كنت أستمع إلى طريقته في توجيهه الآيات القرآنية لتتخذ تفسيراً اجتماعياً لحالة المجتمع الإسلامي الحاضرة، وكان ذلك يؤثر في نفسي كثيراً. ومن ناحية أخرى كان صالوننا الأدبي في مقهى (بوعربيط) يزودنا بفرص كثيرة من المشاركة في الحديث حول الأدب العربي. لقد اكتشفت بهاءه القديم

стр. 65

وإمكاناته الحاضرة. وقد استطعت بفضل الشروح حول النصوص أن أقدر وأفهم العبقرية الشعرية للجاهلية وأولئك الشعراء في بني أمية والعباس. وقد استرعى اهتمامي امرؤ القيس ولَذَّ لي استماع الشنفرى، واسترسل لي عنترة في أحلام البطولات. أما الفرزدق والأخطل وأبو نواس فقد مارس كل منهم إغراءه في نفسي. وفي جمع آخر من زملائي كنا نخوض في شعراء المدرسة الحديثة مع حافظ إبراهيم والرصافي، وقد اكتشفنا يوماً شعراء العربية في المهجر كجبران خليل جبران وإيليا أبي ماضي. وترجمة رائعة لامارتين (البحيرة) جعلتنا نتعرف إلى لون جديد من الأدب الفرنسي تولى ترجمته أساتذة الأدب العربي المعاصرين. كان المنفلوطي سيد هذه المدرسة في ذلك الحين. وكتاباه (النظرات) و (العبرات) أثارا فينا الكثير من التنهيدات. لقد أهملت قليلاً دروسي عدا دروس الأستاذ (بوبريتي Bobreiter)، ولكنني كنت أقرأ كثيراً حتى قصص (الرداء والسيف). وكان (ميشال زيفاكو) يستأثر باهتمامي، وقد قرأت سلسلته حول أسرة (باردييان Pardaillans). كنت أستسلم للتأملات واضعاً نفسي أمام بعض التساؤلات. ففي تلك الفترة حسبتني اكتشفت أن الأرض لا تدور وصحت:، ((أوريكا! ... أوريكا!)). أي وجدتها وجدتها. بدأ زملائي ينظرون إلي بشيء من الخوف ... فربما أخذ عقلي ينقلب رأساً على عقب فذلك ما كنت أقرؤه في عيونهم. حاولت أن أشرح لهم فكرتي قائلاً: ((لو كانت الأرض تدور فإنما بألوناً نطلقه من الأرض إلى الجو لابد أن يسقط في نقطة تبعد عن نقطة انطلاقه بعداً يتناسب مع سعة دوران الأرض)).

стр. 66

ربما لم أكن أعبر عما يجول في ذهني بذلك الشرح، إنما هذا ما كنت أفكر به؛ ولم يكن زملائي يرغبون في المغاعرة بذلك التفكير لذلك آثروا النظر إلي دهشين. أما أنا فقد نسيت هذا الموضوع مع الزمن ولم أعد للتفكير فيه أبداً. في تلك الفترة أيضاً بدأت أعالج مشكلة أخرى صغيرة غير أنها سببت لي بعض الارتباك. في السنة المدرسية التي قضيتها في القسم التكميلي تعلمت وضع (الشاشية) حسب الطريقة المعروفة باسم (موسى à la Moussa). ولم يكن من العسير أن أجد في شارع يؤدي إلى (رحبة الصوف) شاشية من النوع المناسب القابل للثني حسب الطريقة المذكورة. وجاء بعد ذلك وقت وضع ربطة العنق، وقد اعترض ذلك بعض الصعوبات الصغيرة، فكان علي أن أغير صدارتي ذات الطراز القديم التي تخلو من تلك الفتحة وتسمح بظهور الربطة. وكذلك فإن ياقة قمصاني لم تكن معدة إعداداً يحمل الربطة الجديدة. لم تكن فقط مشكلة مالية، فإنه من أجل شراء قميص حديث مع ياقتين كان لابد من الذهاب إلى شارع (كارامان Caraman) وإلى متجر فرنسي. ليس هذا كل شيء، بل ينبغي التحدث إلى البائع. وقد يكون يهودياً قادراً على السخرية أو فرنسياً يتصنع الأهمية أمام زبون من أبناء المستعمرات ( Indigène) لقد كان هذا بالفعل أمراً صعباً. أخيراً وجدت من يساعدني على شراء ذلك اللباس. ولكن تبع ذلك أن (فضلي) و (قاواو) أمضيا الوقت بعد ظهر جمعة أو أحد- لم أعد أذكر جيداً- واقفين على عتبة المدرسة ليعلّماني طريقة عقد الربطة. وليس ضرورياً أن أذكر صعوبة كيِّ القبة وترتيبها، بطريقة لا يبقى معها فراغ بينها وبين القميص يسمح برؤية الرقبة. وليس سهلاً أن نتصور أهمية هذه الصعوبات في وقت كانت أخواتنا يمارسن

стр. 67

أولى خطواتهن في تعلم طريقة استعمال المكواة. وعلى كل فقد تمكنت من حل هذه المشكلة الصغيرة. في المدينة حافظت على صِلاتي القديمة، عدا علاقتي بعمي محمود فقد اعتراها فتور لخلاف عائليّ، وعلى كل فقد توفي في تلك السنة: بعضهم قال إن سبب وفاته ما أظهره في إحدى حلقات العيسوية من همة وحماسة أدّتا به إلى ثقب أمعائه أثناء قيامه ببعض الخوارق، وآخرون ذكروا سبب موته بأنه لإهال في معالجة التهاب الزائدة الدودية أدى به إلى تلك النهاية. عرفت بخبر وفاته من (بوعربيط) إذ كان يقدم لي ذات صباح القهوة، ولم يكن يدري هل نحن أقرباء أم أن علاقتي به تقتصر على أننا نحمل كنية واحدة. وكنت من آن لآخر أتردد على خالتي بهية أرملة المرحوم جدي. كانت ورقة العطوس لا تفارق أنفها، وشقيقها (عَلاوة) يجلس إلى قربها كولد وديع. وأحياناً تطلب إليه أن يحك لها ظهرها. وكان هذا يستجيب لها بشيء من العاطفة البنوية. لم تكن أعمالها في متجر الفحم على شيء من الازدهار، وكنت أحسّ بالارتباك والعوز اللذين يسودان المنزل، وزاده أن أصبح العامل في مصنع (بن القريشي) للدخان الذي كان يستأجر الطابق الأول مستأجراً في مكان آخر، وأضحى الطابق الثاني بموت عمي خالياً. أما الرايا حيث كان يقيم فيه السي علي، فلم تعد بنته المطلقة تقيم معه، فقد يئست على ما يبدو من انتظار زوج فذهبت يوماً إلى الحمام ولم تعد إلى المنزل. كل ذلك أوقع خالتي في فاقة سيطرت على منزلها. أما خالتي بهيجة فكان عليها هي أيضاً أن تتأثر بالنتائج المتخلفة عن تغير الأوضاع الاقتصادية لعائلات قسنطينة العريقة. فالحمام الذي كانت تشتغل فيه وظيفة أمين صندوق يخص

стр. 68

عائلة (بن شريف) قد طرأ عليه التحول، إذ بدأت هذه العائلة دون شك تعيد النظر في إدارة ممتلكاتها. ورأى واحد منها لأول مرة في تاريخ قسنطينة أن يفتح محلاً للعطارة في (الشارع الوطني National). ورأى الناس أيضاً (بن القريشي) يتخلى عن مصنع الدخان الذي كان يمتلكه لأحد اليهود، وذلك بعد أن أشرفت أعماله على الخراب وخاصة بعد وفاة عمي. إن عائلة (الباكتاشي Les Bachtazi) لم يعد لها وجود. وأفراد عائلة (صالح باي) بدؤوا يهاجرون إلى تونس فيها انطوت عائلة (اللفغوني Lefgun) على نفسها. لم يعد الناس يرون كبير عائلة اللفغوني يترأس جمعاً من أصدقائه أمام منزل العائلة، يجلس على تلك المصطبة التي بناها أحد أجداده منذ عدة أجيال يتجاذبون الحديث بعد العصر حتى صلاة المغرب. لقد هبت ريح من الذعر على تلك العائلات العريقة التي تمكنت من إنقاذ ثرواتها من أحداث عام ١٨٣٧ عام دخول الفرنسيين، لقد بدأت اليوم تذهب ضحية التطورات الاقتصادية. كانت أمي بهيجة إحدى الضحايا، إذ عمدت عائلة (بن شريف) لتسليم إدارة الحمام إلى امرأة عجوز من أقاربهم، ولذا فقد كان عليها بعد أن أصبحت دون عمل ودون مورد مالي أن تدهب إلى تِبِسَّة لتلجأ إلى منزل العائلة. وفي محيط (المدرسة) حدثت تغيرات ذات مغزى كبير أدت إلى شيء من الانحطاط المعنوي. منذ أجيال كان محيط المدرسة يشكل مجموعة لها أهميتها في المدينة (مقهى المدرسة) و (مطعم المدرسة). لقد بدأ الطلبة يترددون على مقاهي أخرى، فبوعربيط احتفظ لمقهاه بمستوى معين إذ لم يكن ليسمح في الصالة الرئيسية بوضع الحصر على الأرض،

стр. 69

وكانت طاولاته مستديرة الشكل ذات سطح رخامي وحولها الكراسي والمقاعد ذات السندات الخلفية. كان ذلك يعطي المقهى جواً خاصاً. والشارع الذي يقع فيه يسيطر عليه جو من الهدوء، كذلك الهدوء الذي يلقاه الباريسي في بعض زوايا مدينته على أرصفة مقهى صغير ذي طابع قروي، أو في مكان لا يزال يحتفظ بتقاليد قديمة. لقد بدأ المدرسيون يهجرون مقهى بوعربيط ليذهبوا إلى آخر يفترشون فيه الحصير، وبدأت آثار تلك الهجرة تظهر في ذلك المقهى فيسوده شىء من البؤس شبيه بذلك المسيطر في بيت خالتي بهية. وهناك هجرة أخرى بدأت تصيب محيط المدرسة. فأحد الطلاب اكتشف ذات يوم حانوتاً خشبياً قذراً، يمكن ارتياده في ساعة متأخرة من الليل بعد الخروج من حانة يملكها أحد اليهود، وهو يتجشأ النبيذ أو اليانسون، فيأكل فيه قطعة من الخبز مغموسة في قدح من الحمص المقلي، أو شيئاً من الفلفل الحار مغلياً بالزيت، أو قليلاً من البطاطا المقلية وبعض أمعاء مسلوقة بالماء. صاحب ذلك المطعم يدعى (بوكاميه)، والطالب الذي كان أول زبائنه حمل آخر إليه وذلك قاد ثالثاً. وبسرعة كبيرة أصبح جميع الطلبة يقفون أمام محله صفاً طويلاً بانتظار دورهم عندى الظهر. فمنذ الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة والأربعين لم يعد أحد من الطلبة يستمع لما يقال في الصف. فكل واحد منهم يستعد ليكون في أول النسق وصعولاً إلى حانوت (بوكاميه) الذي يحوي ستة أو سبعة كراسي للجلوس. كنت أشعر بشيء من الأسى حين أمر أمام المقهى القديم، فأرى (بوعربيط) واقفاً عند مدخله، فلم يكن لديه ما يفعله في الداخل. وأحياناً كانت تتقزز نفسي عند دخولي لمطعم (بوكاميه).

стр. 70

كان انحطاط وسطي يزعجني ويحزنني كثيراً، ولم أكن أفهم الأسباب الاجتماعية لذلك ولا نتائجه المعنوية. وسط هذه البيئة المتغيرة بدأت تظهر بعض السمات الرئيسية في طبعي. كنت أجاهر بأفكاري مجاهرة صريحة وفظة، ولا أزال أذكر ذلك الطالب من (خنشلة) الذي كان زميلاً لي في السنة الأولى، كانت فيه بلادة واضحة تبدو في تصرفاته وأقواله لقد كان يبطئ في كل شيء. ولم أكن أتورع أحياناً كثيرة عن أن أصرخ فيه بفظاظة قائلاً: ((ما بك؟ تحرك)). لم تكن مشاعري نحوه سيئة، إنما كل ما كنت أريد له هو تغيير ما كان يؤذيني من تصرفاته البليدة. ولم يكن زميلي وهو ابن العائلة العريقة والخلق الرفيع ليبدي أية إشارة تدل على فراغ صبره، بل كان يبتسم ابتسامة يحاول أن يخفي وراءها ارتباكه. إنني أدرك الآن أن هذه الصفة تعد أساسية في نفسيتي وخصالي، وعلى أساسها يمكن تفسير الكثير من تصرفاتي في الحياة فيما بعد، وخاصة افتقاري للمرونة وهو ما كان ينتقدني من أجله أقرب الأصدقاء. كنت أحب المناقشة خاصة إذا كان الموضوع علمياً أو دينياً. وكنا لذلك نتردد أحياناً على إحدى البعثات التبشيرية الإنجيلية لنتناقش في بعض الموضوعات، وهناك تعرفت لأول مرة على الإنجيل. كان النقاش يدور حول ألوهية السيد المسيح، وكان يشاركني فيه طالب علم في الشريعة قديم حفظ القرآن كله في زاوية (بن سعيد)، ثم اعتنق فيما بعد البروتستانتية على يد امرأة إنكليزية يدعوها أهالي تِبِسَّة (السيدة Bina). وهناك أيضاً تعرفت إلى بعض تلامذة الشيخ (بن باديس) الذين جاؤوا أيضاً ليدافعوا عن الإسلام.

стр. 71

لقد شعرت بأنني وهؤلاء في اتجاه فكري واحد، وهذا ما لم أكن أشعر به مع من كنت أعاشرهم من طلبة المدارس الثانوية الملسمين. كان اسم الشيخ قد بدأ يتردد في المدينة. وتعرّفي على بعض تلامذته جعلني أدرك أننا ننتمي إلى عائلة فكرية واحدة ستسمى فيها بعد في الجزائر (حركة الإصلاح). في هذا الوقت وقع خلاف بين الفرنسيين واليهود أثار ضجة في قسنطينة، وقد أثارت إحدى الصحف الأسبوعية حملة ضد الإسرائيلية. وفي نطاق ذلك أعلنت تلك الجريدة عن مسابقة في الجواب على هذا السؤال: ((لماذا لا يضع عصفور اللقلق في قسنطينة عشه على سقوف منازل اليهود؟)). لقد وردت أجوبة من كل نوع من بينها رسائل من بعض طلبة المدرسة. وقد تطور الخلاف حتى بلغ درجة سار معها اليهود في تظاهرة لمعاقبة تلك الصحيفة، فهاجموها وألقوا بأدواتها في وادي الرمل. كانت أخبار عائلتي تصلني بصورة متقطعة، فإن والدي لم يكن يعرف كيف يسخر قلمه لذلك الواجب الأساسي، الذي يقضي عليه بأن يضع ولده في أحداث العائلة. لم أكن أذهب إلى تبسة في عطلتي عيد الميلاد وعيد الفصح. فكنت لذلك أنتظر عودة (حليمية) لأحصل منه على شيء من أنباء مدينتي. لقد ازداد فريق تبسة واحداً هذه السنة فقد انضم إلينا (عبد الحميد نسيب)، وانتسب إلى الصف التكميلي ليحضر نفسه لدخول المدرسة في العام القادم. وعن طريق هذين الصديقين وصلتني بعض الأخبار المفصلة عن أبي وأمي وعن الأب (آدم Adam) وعن مدرستي والزملاء الذين تركتهم هناك، والذين حصلوا على عمل في المدينة بعد أن نالوا شهادة الدراسة الابتدائية أو تفرغوا لتعلُّم إحدى الحرف. فالحياة هناك كانت تتابع سيرها واضعة كل واحد في الطريق الذي سيتحقق فيه مصيره.

стр. 72

شأن المدرسة كشأن جميع المعاهد، فقد كانت العودة من عطلة الفصح تعني نقطة فاصلة في السنة الدراسية يبدأ عندها الاستعداد للامتحانات القريبة. والقليل الذين بقوا أمناء على عادتهم في التردد على مقهى (بوعربيط) وأنا منهم، انقطعوا هذه الفترة عن ارتياده، ولم يعد أكثر الطلبة بقادرين على لعب الدومينو على حصر المقاهي التي استبدلوها بمقهى بوعربيط. والنسق من الطلبة الذي يقف ظهر كل يوم أمام مطعم (بوكاميه) لم يعد طويلاً كالسابق، فالطلبة لم يعد لديهم الوقت للانتظار من أجل الحصول على المقعد اللماع في المطعم لكثرة ما عليه من الشحم. وفي المساء لم يكن على الشاوش أن ينتظر المتأخرين فالجميع يأوون باكراً. وعندما تطفأ الأنوار في الساعة المعتادة دون أي رحمة كان المارة يرون عند منحدر (شارع بريغو)، أنواراً حمراء تشع عبر زجاج النوافذ في الطوابق الثلاثة لجناح المنامة، فكل طالب أشعل قنديله أو مصباحه ليتسنى له مذاكرة دروسه. فكنت ترى الأوراق الصفراء التي تضم مؤلفات قواعد اللغة العربية والفقه تعلو الأنوف، إذ من عادة هؤلاء أن يقرؤوا وهم مستلقون في الفراش كأنهم نيام. ومتى حل موعد الامتحان تجد الجميع وقد علت الصفرة وجوههم، وشابهم الهزال وطالت شعورهم وتشعثت وكثفت لحاهم وتجعدت ياقات قمصانهم واتسخت، فلم يكن أحد منهم يجد متسعاً من الوقت لغسل قميصه في مغسلة الجناح، أو ليمرّ على الحلاق يقص شعره أو يذهب إلى الحمام ليستحم، ولم يكن بالطبع بقادر على مسح حذائه أو رفو جواربه. وذات صباح وقف السيد (دورنون Dournon) في باحة المدرسة يقرأ أسماء أولئك الطلبة، الذين تحولوا إلى كتل من اللحم كريهة الرائحة لزجة الملمس، لكثرة ما تجمع عليها من عرق كان يتصبب في ليالي الدراسة الطويلة، ملفوفة

стр. 73

بالبرانص التي امتصت مرق (بوكاميه) أثناء العام الدراسي. لقد قسم الطلبة إلى فرق أربع، وكان كل فريق يتألف من طلبة صف واحد يسيرون سوية إلا قاعة الامتحان المعينة لهم بوداعة واستسلام، كقطيع من المواشي يساق إلى المسلخ. لقد بدأ أسبوع الرعب، فكل ما تلقاه الطالب أثناء العام الدراسي عليه أن يفرغه على الورق المرقم والموضموع على المقعد المخصص له. كل طالب كان يتجشأ ما عنده من معلومات طرأ عليها التغير، أو ربما فسدت خلال أيام الامتحان الخمسة أو الستة التي قضوها تحت مراقبة السيد (دورنون) الساهر اليقظ. ولكي يتمكن الطالب من فتح كتاب أو دفتر فإنه يجب أن يكون ولداً اختصاصياً في هذا الفن، فمن الصعوبة بمكان فتح ذلك الكتاب وهو موضوع على الركبتين على الصفحة المطلوبة والقراءة عبر القندورة التي تغطيه في شبه ظلمة. فمن كانت لديهم الموهبة ينقلون صفحات بكاملها تحت نظرات المدير اليقظة. كان الأستاذ (بوبريتي Bobreiter) يبدي منتهى القساوة مع هؤلاء (الاختصاصيين) عندما يخطئون فينقلون له صفحة عن (فنلون Fenelon) بينما يكون هو قد وضع سؤاله عن (بومارشه Beaumarchais) مثلاً. وكان (دورنوق Dournon) يبدي بعض اللين والتساهل حيال أولئك الذين عرفوا بممارستهم للصلاة والذين يضعون العمامة و ( gandoura)، فقد كان في أعماقه- وكنا نعرف ذلك جيداً- يفضل بلادة هؤلاء على طيش من يسمون (الأتراك الشبان). بعد انتهاء هذه الأيام المحمومة تمر المدرسة بمرحلة أخرى، تلك هي القلق. لم يكن أحد ليغير هيئته أو ملابسه انتظاراً لتلك الورقة الصغيرة الموقعة من

стр. 74

السيد (دورنون Dournon) والتي يعلقها الشاوش وراء الباب الموصل بين جناح الدراسة وجناح المنامة والذي لم يعد له الآن وجود. خلال هذا الانتطار المؤلم يصبح الشاوش كـ (عرّافة ديلفس Delphes)، وكان الطالب القلق الذي فرغ صبره وخاصة في ربع الساعة الأخيرة قبل إعلان النتائج يسأله: ((عميمي- هل نجحت؟)) وكان عميمي هذا يتصنع الغموض ويجيب باستهزاء: ((هي ... هي ... هي ... )) ما معنى هذا .. ؟ وإذا لم يكن أحد يتجرأ على تفسير كلمات العراف فمن الأفضل التسليم بالمقدور. وكان عميمي صاحب طريقة خاصة في تعليق وريقة النتائج، إذ كان ينتظر الساعة التي لا يكون فيها أحد ويعلقها خلف ذلك الباب الشبيه بالمطهر. وأخيراً فإن أول مدرسيّ يكتشف الورقة في ذلك المكان يطلق صرخة الخطر. فإذا الأربعون في الصفوف الأربعة يتزاحمون ويتدافعون؛ إنها لحظة مخيفة. فلكي يتمكن أي طالب من الاحتفاظ بمكان له في المدرسة يؤهله الوصول إلى مركز العدل في القضاء الشرعي، كان عليه أن يحافظ على منحته الدراسية. وذلك متوقف عل نتيجة الامتحان وهكذا نرى أنها بالنسبة لـ (المدرسي) مسألة حياة أو موت. وحينما يكون هناك صف أو تدافع حول شيء ما، فإن (حليمية) يعرف كيف يكون في المكان الأفضل متهماً من حوله بأنهم يدوسون على قدمه. كان يرفع رأسه لقصر قامته الذي كان يزعجه، ويقف على رؤوس أصابع قدميه أمام ورقة (دورنون) بالذات. وبقفزة واحدة يلوح رأسه بين الرؤوس المحيطة به، ويصرخ كما اعتاد أن يفعل كلما كان لديه ما يريد أن يفاجئني به وقال: ((صديق ... نجحنا)). وهكذا حافظنا هو وأنا على المنحة الدراسية.

стр. 75

بعد ذلك اجتاحت الجميع حمى أخرى. فقد هرع كل طالب إلى حلاقه والحمام العربي، ثم بدأ بتغيير القميص والياقة، وربطة العنق كما بدأ بتنطيف حذائه .... وأخيراً تحضير الحقائب. وبذلك تتحول المدرسة إلى ورشة يستعد فيها الطلبة للرحيل. كل واحد منا بدأ يفكر بالهدية التي سوف يحملها لعائلته ... لأنه يشعر بأنه كبر، أليس كذلك؟ أما (بن عبد الرحمن) ذو الوجه اللماع بفضل زيت القبيل الذي ربما تغذى به في ظل عائلة فقيرة، والذي تعود أن ينفجر باكياً عندما كان الشيخ (بن العابد) يذكر اسم النبي، فقد حمل معه سريراً من الحديد يعلوه الصدأ كان قدى اشتراه بعشرة أو بخمسة عشر فرنكاً من سوق البراغيث سوق الأشياء القديمة في قسنطينة ( Marché aux Puces). ... في تِبِسَّة كانت أمي على سرير المرض وحولها تلك المجموعة من المساند رتّبتها شقيقتي الصغرى، لتحول دون أي تماس بين الجرح الموجود عند أسفل العمود الفقري والفراش. كان الدكتور (فيكا ريلا Figarella) يزورها مرات ثلاثاً أو أربعاً في اليوم دون أن يقدم كشفاً للحساب. وقد زايل العائلة خشية في أن يبهظها المبلغ عند المطالبة به. وعندما قدم الدكتور كشف الحساب بعد ثلاث أو أربع سنوات من علاج أمي قبيل وفاتها، كان هذا الكشف لا يزيد عن ثلاثمائة فرنك، وقد اتفق الجميع في المنزل أن هذا الكافر ربما أمكنه دخول الجنة. كانت أمي تعتمد على علم (فيكاريلا Figarella)، ولكنها كانت أيضاً تعتقد في بركة الإمام (الشيخ سليمان). هذا الشيخ الذي جاء تِبِسَّة عندما كانت تلميذاً في مدرسة المديرية.
следующие страницы →