وظهرت من جديد المواكب الصاخبة في تشييع الجنازات، ولا أدري كيف فسرت مدام (دوننسان) هذه الظاهرة.
وذات يوم من هذه الأيام انطلق (البراح (١)) يعلن وصول (الزعيم) ليلقي خطاباً للجماهير تلك العشية. ولا أدري إذا فكرت مدام (دوننسان) أن الاستعمار شرع يدفع في حلبة الصراع جنده الجديد من المطربشين المتكونين على مقاعد الثانويات والجامعات.
وسمعت القيل والقال عندما ارتفعت حرارة الوطنية بدرجات في الجو، وتوجه الناس إلى جسر وادي الناقص لاستقبال (الزعيم)، كانت منقلباً إلى بيتي لأختفي، كما فعلت لست عشرة سنة خلت، يوم العيد المئوي لنزول الجيش الفرنسي، فلقيني أحد أهالي المدينة ممن يعرف موقفي من هذه المهرجانات، فقال لي إنه سمع أحد الشبان من البادية يسأل آخر:
- هل للزعيم (جطاية) (٢) من ذهب؟ ..
يا لها من هزيمة مجتمع فقد رشده! ..
وفي المساء أقيمت مأدبة عشاء للزعيم بدار (سي الصادق بو ذراع) فدعيت لها مع (خالدي) وقريبي (صالح حواس)، و (سي محمد المكي)، فألح علي أصدقائي أن أحضر معهم لنسأل الزعيم عن أسباب موت المؤتمر الجزائري الإسلامي، فحضرنا وبعد الطعام تناولت الحديث.
ولكن الزعيم كان أمكر من ثعلب وكنت أبلد من خرتيت. فتكلمت وسكت، وتولى الرد على أسئلتي المحرجة أحد زملائه ممن سيكشفه الرأي العام بعد
стр. 387
ذلك بوصفه رقماً من أرقام قلم المخابرات الفرنسي، ولكن بعد أن أدى في الحياة السياسية الجزائرية كل مهماته.
كانت مرافعتي أحر من الجحيم، ولكن وطيسها لم يحرق إلا الفراغ وبالتالي بقي النصر للزعيم، وفزت أنا بقصب الخطابة.
وكتب للزعيم انتصار آخر ذلك المساء، لأنه دعي إلى حفلة شاي بعد العشاء، فحضرها الشيخ (العربي التبسي) من بين من حضرها، فتكلم هذه المرة (الزعيم) يسوّغ موقفه إزاء الجمهور التبسي، فيما يخص موقفه من جمعية العلماء بعد قتل مفتي العاصمة.
فاعتبرت أن واجب المرافعة يقع هذه المرة على عاتق الشيخ العربي بصفته الشخصية الثانية أو الثالثة في جمعية العلماء بعد الشيخ (بن باديس)، ولكن العالم سكت فانقلب الزعيم مكللاً بانتصارين: مرة لأنه سكت، ومرة لأنه تكلم.
ومضى العالم في طريقه نحو الحرب العالمية الثانية، تحت هتاف الجماهير الألمانية التي تملكتها الشطحة الصوفية، بينما بدأ (الدوتشي) هو الآخر، يرفع صوته مهدداً ذات اليمن وذات الشمال، ويشهر (سيفا الإسلام) الذي قدمه له بعض الوجهاء الليبيين، تحت قوس نصر شيد من أجل ذلك، في منتضف الطريق بين طرابلس وبنغازي، وقد بقي هيكله بعد الحرب العالمية الثانية، شهادة على عبث وجبروت الإنسان، كما تشهد على ذلك الآثار الرومانية التي سبقته في المكان نفسه بألفي سنة.
ولكن عندما بدأت محطة (باري) إذاعتها، كانت حلقة (باهي) وحتى حلقة (صادق شقة)، تتحولان إلى حلقة واحدة من المستمعين إلى صوتها، ذلك الصوت الذي كان يذكرني فيما يخصني، بمحاولتي العابثة مع السفارة الإيطالية، وفي سفري الفاشل إلى (باري) بالذات قبل سنة.
стр. 388
ولا زلت أعاني المشكلة نفسها: ماذا أصنع؟
كان طوق الاستعمار يزيد كل يوم في خنق جميع وجوه النشاط حتى أتفهها، ولا يحصل عليه من يطلبه إلا بتدخل ذي جاه في قلم المخابرات.
وأصبح صديقي (حشيشي مختار) يواجه هو الآخر صعوبات بعد سنوات جدب متكررة، وكان بحكم استقامته الفطرية، لا يحاول إيجاد مخرج له من شباك البركات الحكومية، غير أن الصدفة أعانته على إيجاد نشاط له في صفقات الحيل التي بدأت الجزائر تصدرها في تلك الفترة، لاستهلاك الجزارين الفرنسيين؛ فأعانه مادياً أحد تجار المدينة، لذلك أصبح صديقي يتردد بين الجرائر ومرسيليا بصفقاته، مستفيداً منها بقدر فائض ثمن البيع بنسبته من ثمن الشراء، ولكن ما طال الزمن حتى بدأ هذا القدر من الكسب يتقلص بسبب الجزارين الفرنسيين الذين خفضوا أكثر فأكثر تسعيرة الشراء، وبسبب شركات الملاحة التي رفعت تكاليف النقل، فما تغير مع ذلك صديقي ولا تلوثت مروءته في هذه الهزيمة العامة.
وبقي خاصة وفياً لصداقتي في جو يتجنبني فيه كل من له ولاء للاستعمار أو رجاء في بركاته ...
وإذا بصديقي يفاجئني عند عودته هذه المرة من مرسيليا:
- ياسي (الصدّيق) هيئ نفسك لتسافر معي في صفقتي المقبلة.
- كيف هذا ياسي (مختار)؟
ففسر لي الأمر بإيجاز:
- إن بعض الإخوان أسسوا بمرسيليا منذ بضعة أشهر، نادياً أطلقوا عليه
стр. 389
(نادي المؤتمر الجزائري الإسلامي) من أجل تثقيف إخواننا العمال هناك، واسترشدوني في مدير لمؤسستهم فأشرت عليهم باسمك فهم ينتظرونك.
لا أدري هل شغلتني أكثر: الفرحة بالفرار المقبل من جو لم يبق لي فيه متنفس، أم العبرة من وفاء رجل الشعب الجزائري لفكرة (المؤتمر الجزائري الإسلامي) التي قضت نحبها في الرؤوس المثقفة مطربشة كانت أم مُعَمّمة؟
على أية حال لم يبق لي بتبسة ناقة ولا جمل، خاصة منذ رجعت زوجي إلى (دروكس) في منتصف الصيف، وبدأت الأشياء التي كانت تربطني بها عندما أعود في العطلات السنوية تعكس سيرها وتمشي القهقرى. ولم يبق مجال للقول لمن يعتقد أن واجبه أن يقول شيئاً، لأن كل ذي أذن أصبح ذا فم يتكلم ..
وأصبحت الحياة التبسية تفقد كل ما كنت أتذوقه في بساطتها شبه البدوية، فلم يبق لي أي تعويض فيها، حتى في جانبها الطبيعي الذي استولى عليه هو الآخر، أو استمر فيه التدهور العام، يزيد كل يوم درجة في مَحْل الطبيعة وشبراً في قفرها.
فوجدت إذن فيما عرضه علي (حشيشي مختار) سفينة النجاة، وبعد أيام وصلت معه وصفقته من الخيل إلى مرسيليا.
...
حانة (المرايا) من الحانات الموجودة في ذلك الشارع الذي تؤمه بنات السوء وأولاده، لذلك يغشاها زبائن من نوع خاص؛ ولكنها مع ذلك المركز الذي يجتمع فيه أعضاء (نادي المؤتمر الاسلامي الجزائري) لأن صاحبها (التلموذي) هو مؤسس النادي.
كان (التلموذي) من أهل (عنابة)، وربما كان يدين لهذا السبب بانسجامه التام في وسطه الجديد، فلم يكن من لا يعرفه خاصة يفرق بينه وبين
стр. 390
أي صاحب حانة مرسيلي، يجيد الحرفة في كيفية مناولة زبونه كأس (البسطيس) (١) وكيفية الحذيث معه حتى يقضي وطره.
فعندما اصطحبني (حشيشي مختار) إلى هذه الحانة، شعرت بالحرج المزعج عندما دخلتها، إذ كنت في حالة من يتصور دور القس المسيحي على صورة مثالية، يراه يقضي مهمته التبشيرية في معبد، دون أن يتصور شيئاً عن مهمته الكبرى في النواحي المتدهورة من المجتمع.
عانيت ذلك اليوم هذه العقدة التي تذكرني الآن بالحالة النفسية التي طالما شاهدت أثرها في سلوك المثقفين المسلمين، الذين يتعالون عن المهمات المتواضعة لأنها لا تغذي فيهم النزعة إلى الظهور، كما سأشاهد ذلك يوماً في سلوك أحد الطلبة التبسيين الذي أبى أن يتولى في مدرسة تبسة قسم الصبيان، لأنه تخرج من جامع الزيتونة فتوليته أنا.
وليست هذه العقدة خاصة بطبقتنا المثقفة، سواء المطربشة أو المعمَّمة، بل نجد أثرها في سلوك أحد الوجوه اللامعة للأدب الفرنسي في القرن السابع عشر (بوسييه) الذي كان مكلفاً بمصلى الملك، لأنه كان خطيباً مصقعاً، فأبى في صلاة يوم أحد أن يلقي كعادته، خطبته الوعظية لأن الملك والأميرات لم يكونوا في القاعة.
أما عقدتي فلم تكن مستولية عليَّ إلى هذا الحد، فالظروف التي أعيشها كانت تحد من تأثيرها في سلوكي، إذ لو طلب مني في تلك الفترة، أن أدخل لتعليم الحروف في حفرة إصطبل تجمع فيها أبوال الحمير، لدخلت بلا تردد فراراً من واقع مرير.
ومما أعانني على التغلب عليها، أنني تعرفت منذ وصولي إلى حانة (المرايا)
стр. 391
بوجوه من العمال الجزائريين، لا زلت أحفظ لهم أعطر ذكرى، إذ لم تكن طائفة الجزائريين الذين قدمهم لي (التلموذي) ذلك اليوم، من مستهلكي (البسطيس) ولا من الذين يتعاطون الغزل المنحط، وإنما كانوا يفدون على هذا المكان لأنه أصبح بحكم ظروف خاصة، مكان ندوتهم عندما يجتمعون من أجل تسيير مشروعهم الثقافي.
كانت ندوتهم ذلك اليوم من أجلي في قاعة خلفية، وكان (التلموذي) كلما وصل أحد الأعضاء، يترك مكانه وشغله في القاعة الأمامية، ويأتي معه ليقدمني:
- هذا شيخنا سي (الصديق)، الذي سيقوم بإدارة مركزنا الثقافي.
فيعقب (حشيشي مختار) على هذا التقديم:
- لم يأت سي (الصدّيق) ليعلمكم فحسب بعض شؤون دينكم، إنه يستطيع أيضاً تعليمكم صناعة الزجاج أو صناعة الكاغد، إنه مهندس.
كان صديقي يتولى هذا التعقيب بحكم وجهة نظره في الإصلاح لأنه لا يراه مجدياً إذا تناول جانب الدين فقط، ولكنني أشعر أنه يقصد أيضاً بتعقيبه الرفع من شأني في نظر الأعضاء، على عادة أهل الفطرة الذين لا يتكلفون في التعبير عن عواطفهم الودية، فيطلقون لسانهم يعبر بكل بساطة، حتى يكون أحياناً صديقهم محرجاً لا يعرف كيف يتفادى المدح الموجَّه له، ولكنني وجدت مصرفاً لهذه الخواطر العارضة في حديثي مع الأعضاء الذين أخذت حلقتهم تتسع حولي، فاسترسلت معهم على عادتي في أي حلقة أخرى، في الحديث على الوضع في الجزائر، خصوصاً بالنسبة للإصلاح، فكانت كلماتي المشحونة بكل ما أومن به وبكل ما أسخط عليه، تنفذ إليهم بحدة أرى أثرها على وجوههم، خاصة على وجه (سوالمية) الذي سيصبح صديقي والدولاب الفعال في حياة (نادي المؤتمر الجزائري الإسلامي) تلك السنة.
стр. 392
نشأ (سوالمية) يتيماً في حي (القصبة) الشعبي بالجزائر، ثم انتقل طفلاً إلى مرسيليا، فنبت على أرصفتها بين أطفالها المشردين، وأصبح في ملبسه ونطقه وهيئته أحد هؤلاء العمال المرسيليين الكادحين بميناء مرسيليا، يعرف كل مسارب الميناء ودروبه، ويعرف كل شركات الملاحة وأسماء بواخرها الصادرة والعائدة بمواقيتها.
كان ما يمكن أن نسميه (تيتي (١) مرسيليا)، وبقي مع ذلك متصلاً بالوسط الجزائري يعرف كل زواياه وخفاياه بخيرها وشرها، ولكنه لم يقترب من الشر مثل أولئك الذين تعاطوا الحشيش أو الكحول ليتسلوا عن مصائبهم، بعد أن شردتهم الظروف من مسقط رأسهم، وزرعت بهم شوارع مرسيليا حيث تغوص أقدام بعضهم في تلك الرمال المتحركة الموجودة في كبريات المدن مثل مرسيليا. كان (سوالمية) متجنباً حتى الحركة النقابية التي أصبحت مجرد شبكة صيد، إلى أن قصدت العمال الجزائريين لتصنع منهم كبش الفداء في الاضطرابات النقابية، أو حديدة الرمح في الاصطدامات بين المنظمات اليسارية واليمينية، خصوصاً منذ بدأت حركة (الجبهة الشعبية).
وكان خاصة يعرف ما يهب وما يدب بشارع (لوشابولييه) الذي تحدثنا عليه في فصل سابق، والذي كان حديقة الحيوان تعرض فيها الحياة الجزائرية للسائح الأوربي المتجول في المدينة على ذوق الاستعمار، حسب إرادته في إظهارها في أبشع صورة، فكان (سوالمية) على إدراك تام بهذه السياسة اللعينة، وكان بوجه خاص يحقد على التجار الجزائريين الذين ينفذون هذه السياسة في مطابخهم ومقاهيهم:
- لعنهم الله إنهم يتاجرون بكرامة وطنهم ويستغلون بؤس إخوانهم! ..
стр. 393
كانت هذه كلمات التعقيب التي يختم بها (سوالمية) كلامه، كلما جرى الحديث على شارع (لوشابولييه).
فأصبح منذ لقائنا الأول، بحانة (المرايا) صديقي الحميم، وسيكون دليلي المخلص طيلة إقامتي على رأس المؤسسة، وها هو ذا يبدأ مهمته معي منذ حديثنا الأول، الذي انتهى بتوصية (التلموذي) له:
- لعلك تأخذ معك اليوم سي (الصدّيق) إلى شارع (فوشييه) ليتعرف على النادي ...
ودعانا (حشيشي مختار) للغداء، فتناولناه في مطعم قريب، ثم انطلقنا إلى شارع (فوشييه) حيث قابلنا الرقم ستة عشر، يمتد على طول واجهة المحل المطلي بطلاء جديد مثل الباب الكبير، يتوسطها هذه اللافتة (مركز المؤتمر الجزائري الاسلامي للثقافة (١)) تجاه مؤسسة مسيحية للتعليم على واجهتها هي الأخرى، لافتة (معهد سان جاك). ويختلف مظهرها تماماً عن مظهر النادي الجزائري، كما يختلف الشيء الذي يضرب عروقه في التاريخ عن الشيء الذي نشأ حديثاً على الرصيف.
تقدم (سوالمية) بمفتاح كبير في يده، ففتح باب النادي أمامنا وقدمه إلينا:
- إنه ورشة حداد سابقاً ...
دخلنا قاعة مستطيلة عميقة الغور، بيضوا جدرانها بالجير الناصع، وفي أعلى جدارها الأمامي قبالة الباب، كوة لا صغيرة ولا كبيرة كانت تضيء الورشة.
стр. 394
وعلى اليسار عند المدخل قاعة صغيرة، يفصلها عن القاعة الكبيرة جدار خشبي، وتضيئها نافذة عادية مطلة على شارع (فوشييه) قبالة باب المؤسسة المسيحية، ربما كانت سابقاً مكتب الحداد، فقدمها (سوالمية) لنا:
- هذا مكتب النادي ...
كانت النظافة تسود المكان، فارتاحت نفسي له، وبدأت أفكاري تعود إلى مجراها، بقدر ما بدأت أنسى حانة (المرايا) وأتصور الحياة بالنسبة لمهمتي في هذه الورشة، مع العلم أن زوجي ستتولى بمواهبها النادرة بوصفها نجارة وخياطة وسيدة منزل ماهرة، جانب حياتي المادية، دون أن أفكر لحظة واحدة في الراتب الشهري، ودون أن يكلمني فيه أحد، وإنما اقتنعت بحسن النية التي شعرت بها عند الجميع، وخصوصاً بتصميم (سوالمية) في الموضوع، ورأيته فعلاً ينطلق ذلك المساء إلى كل مكان فيه جزائري، وإلى كل مطابخ ومقاهي شارع (دوشابولييه) ليعلن النبأ:
- إن الشيخ (الصديق) قد وصل وسيعقد أول اجتماعه في النادي يوم الأحد المقبل.
ولم يبق لي إلا أن أقوم عن كراهية أو رضا بدوري الجديد، دور الشيخ غير المعمم.
وأتى اليوم الموعود، وحوالي الساعة الرابعة مساء، كانت القاعة مكتظة، وافتتح (التلموذي) الجلسة، فتكلم عن واجب إنعاش المؤسسة بالاشتراكات الشهرية.
وتكلم بعده عضو آخر من هيئة التأسيس فقال:
- قد أتانا بصيص من نور مع الشيخ (الصديق)، إن قمنا بواجبنا يصبح مضيئاً، وإن تركناه ينطفئ ..
стр. 395
إنني أتذكر إلى اليوم، هذه الكلمات التي ختم بها كلامه، ففاضت عيناي دمعاً، لا لأن الكلمات وجدت غروراً في نفسي، بل كانت أول رد سمعه الاستعمار من فم رجل من الشعب الجرائري على موقفه الوحشي تجاهي مع أسرتي منذ سنوات.
ثم تكلمنا بلغتنا الدارجة حتى أتممت، فأصرّ (حشيشي مختار) أن أتكلم أيضاً باللغة الفرنسية، فتكلمت لإرضاء الصديق الذي يحرص على إبراز قيمتي لدى المستمعين.
كان بجنبي على المنصة (سي الجيلالي) أحد أعضاء هيئة التأسيس، الرجل الطيب الذي لا ينسيني الدهر محياه وفضله، فارتمى في أحضاني، عندما انتهيت يقبلني ويبكي.
لم تكن المقاعد كافية في القاعة، فكان جل الحاضرين وقوفاً، وبدأت المناقشات الفردية تجري مجراها في صفوفهم، وقد تبددت من على وجوههم علامات البؤس، حتى من وجوه العاطلين عن العمل الذين كانوا يكوّنون نسبة كبيرة في جالية العمال الجزائريين، وفي هذه اللحظة من السعادة الشاملة شعرت بأنني سعيد، سعيد بأول انتصار لي على الاستعمار، وبشعور من يخرج من قبر قُبِر فيه حياً.
ولم أكن أعلم بعد أن هذا الشعور سيلازمني في حياتي، لأنني أكون دوماً في حالة من يُقْبَر .. وفي حالة من يخرج من القبر حياً.
كنت في لحظة خروج من القبر؛ وقبل رفع الجلسة أعلن (التلموذي):
- أيها الإخوان، يجب علينا حضور التظاهرة التي ستكون يوم كذ في قاعة سينما كذا. لأن صديقنا (برنارد لوكاش) سيتكلم فيها.
لم أكن أجهل هذا الاسم، لأن صاحبه كان له دور في الحياة العامة الجزائرية
стр. 396
في تلك الحقبة، ونستطيع تعريفه بأنه من الرعيل الأول الذي سبق (التقدميين) الذين لهم علاقة بقضايانا، منذ نشأت الحركات الوطنية في الشمال الإفريقي يشملها عطف اليساريين، ومنذ كانت جريدة (الأمة) لسان حال الحزب (المصالي)، تطبع على مطابع (الدولية الرابعة) التروتسكية بباريس، الأمر الذي كان يؤدي بـ (علي بن أحمد) إلى حالة تشنج الأعصاب؛ وسوف يكون لهذا العطف دوره أثناء الثورة الجزائرية عندما كانت قيادتها المفكرة في القاهرة وتونس تستمد وحيها من الصحافة التقدمية.
إذن كنت أعرف جيداً (برنارد لوكاش) زعيم الحركة (ليكا Lica) التي تجمع تحت رايتها اليهود لمواجهة الخطر الهتلري والخطر العنصري، الذي بدأ يظهر أثره في جانب من الرأي العام الفرنسي، على أبواب الحرب العالمية الثانية.
كانت الجماهير من العمال الجزائريين تستخدم جهاز وقاية في الاصطدامات التي تحدث في مثل هذه التظاهرات، وتستخدمها أحياناً الحركات اليمينية للغرض نفسه.
بينما كان الرأي العام في العالم متعلقاً بأحداث الشرق الأقصى، حيث تواصل اليابان حربها التوسعية ضد الصين، وكانت يومئذ تشرع في هجومها الكبير على ميناء شنغهاي، ليحطم طيرانها أكواخ الأحياء الشعبية الصينية وقصور مناطق النفوذ الأوربي.
كنت أتتبع العمليات العسكرية على خريطة وأجدها بطيئة، مثلما كان بعض الفرنسيين منذ سنتين، يستبطئون تقدم الجيش الإيطالي بأرض الحبشة، غير أن مسوغاتي كانت تختلف عن مسوغاتهم: كنت أرى ضرورة تكوين دولة آسيوية قوية لتقف في وجه الاستعمار، وكنت مؤمناً بإخلاص اليابان نحو آسيا.
стр. 397
وكان هذا يذكرني بمذاكراتي مع صديقي الطالب الصيني بباريس، الذي لم يكن بدافع وطنيته مقتنعاً برأيي في كيفية تحرير بلاده على يد اليابان، الأمر الذي ربما زاد في تحفظي في تلك الفترة إزاء كل الحركات الوطنية، فأصبحت أرى في كل وطنية منحصرة في قضية وطن خيانة لقضية أكبر، ولم يكن فيما أعتقد، أحد على مذهبي هذا سوى (علي بن أحمد).
وفي هذه الأثناء مضت مظاهرة (برنارد لوكاش)، فكنت يومها إلى جانب (حشيشي مختار) في القاعة، وقد احتشد كثير من العمال الجزائريين، وكان (التلموذي) إلى جانب (برنارد لوكاش) على المنصة مع ممثلين آخرين للحركات اليسارية.
وعند انتهاء المظاهرة أقيمت حفلة شاي على شرف (برنارد لوكاش)، فدعي لها ممثلو (نادي المؤتمر الجزائري الإسلامي) وكنت مع (حشيشي مختار) من بينهم.
فتناول رئيس المنظمة اليهودية الحديث مرة أخرى، بمحضر عدد من وجهاء مرسيليا نساء ورجالاً وشباناً، وتلطف خاصة مع الجزائريين الحاضرين، فطلب مني (التلموذي) أن أرد عليه، وأيّده بطبيعة الحال (حشيشي مختار) حتى لا تفوت على صديقه فرصة تعريف بنفسه في وسطه الجديد.
فتلطفت أيضاً، ولكن الفرصة كانت ثمينة للتعريف بوحشية الوضع الاستعماري في الجزائر، فعرفته بإيجاز متجنباً في كلامي كل ما يجعل منه مرافعة ضد الشعب الفرنسي حتى لا نجرح عواطف الحاضرين، ولكن مبيناً لقسوته على الشعب الجزائري، فكنت ألاحظ عبارة الانكماش تنطبع على وجه (برنارد لوكاش) بقدر تصويري لتلك الوحشية، لا لأنه فوجئ بالصورة، إذ هو يعرفها بحذافيرها، بل لأنه كان ينتظر مني الفظاظة والعجرفة التي تجرح العواطف عوض أن تنيرها، كان ينتظر مني ذلك لمعرفته بأسلوب مثقفينا بنوعيه فإما
стр. 398
الإطراء والمدح أو التهريج والتهييج، فكأنه خاب أمله في تلك المناسبة، خصوصاً إذا رأى ما لاحظه صديقي (حشيشي مختار) حسبما ذكر لي بعد الحفلة، من أن بعض السيدات من الحاضرات كن يبكين أثناء كلامي.
فعلاً لقد تكلمت باتران، ولكن بنبرة وجدانية رسمت من خلالها في صوتي صورة حياة الشعب الجزائري التي كانت تمر أمام عينيّ وأنا أتكلم.
فلما انتهت الحفلة، وقمنا من حول المائدة المحفوفة بالزهور، التف حولي بعض الشبان من الحاضرين يشكرون ويسألون.
فكانت بيني وبينهم في القاعة، لحظة اتصال بين قلوب تخلصت من أسر ما يفرقها، وإذا برجل يتقدم ويشق الجمع الذي كان حولي، ويقول لي:
ياسيدي ... تعلم أن الفرنسي حساس وذوقه رقيق يحب الحقيقة، ولكن الحقيقة المحتشمة التي لا تقرع بعنف الذوق العام.
ففهمت في الحين، أن الرجل لم يقدم لي نصيحة، وإنما تقدم بمكيدة ليعكر جو التفاهم والتآخي الذي ساد المكان، وأدركت في الحين أن الرجل يهودي، وأن هذا الأسلوب في التفريق بين البشر هو بالذات هويته.
إنني أتذكر هذه القصة بعد ثلاثين سنة، متأسفاً على أنني لم أر عليه:
- إنه لطعن في الذوق الفرنسي العام، إذا عددناه عاجزاً عن التواضع أمام الحقيقة حتى الحقيقة المرة ...
ولكنني لم أرد عليه بشيء يومئذ، وفي الغد أو بعد الغد ودعت صديقي (حشيشي مختار) الذي عاد إلى الجزائر.
***
стр. 399
كان موقع النادي بشارع (فوشييه) نقطة استراتيجية مهمة بالنسبة لنشاطه الذي يتضمن أسبوعياً، درساً لحلقة تلاميذ عشية كل سبت، وبمحاضرة عامة للجمهور عشية الأحد، فكان الموقع يساعد على تطبيق هذا المخطط الثقافي البسيط، شارع (فوشييه) ورقمه السادس عشر خاصة حيث النادي يوجد داخل المثلث الذي تكونه عناصر استراتيجية ثلاثة: ميدان (ايكس) حيث الجمهور من العمال والعاطلين الجرائريين، وشارع (لوشا بولييه) حيث يرجى المدد، وحانة (المرايا) القيادة العليا حيث تصدر التعليمات.
ومع هذا لن يكون لهذه العناصر مجموعة أو مفردة أي تأثير في حياة النادي فيما بعد، لو لم يتدخل عنصر آخر، هو مزيج من الشعور برسالة ومن الواجب نحو قضية مقدسة، ومن نشاط متفانٍ من أجلها.
كان هذا المزيج مركباً في ذات (سوالمية)، تركيباً يستدعي الإعجاب، فشرعت معه منذ الأسبوع الأول في تطبيق المخطط الثنائي الذي تقرر قبل عودة (حشيشي مختار) إلى الجزائر.
فنقر سوالمية الناقورة في كل صوب وحدب، معلناً:
- يا من يأتي يوم الأحد لمحاضرة الشيخ (الصديق)، بشارع (فوشييه) رقم ستة عشر! ... ثم نقره ثانية:
يا من يريد أن يكتب بنفسه خطاباته لأهله بالجزائر، عليه أن يحضر درس الشيخ (الصدّيق)، ليتعلم! ...
فكان ترتيب المحاضرات أمراً يسيراً بالنسبة لي لأنني تعودت في تبسة، الحديث إلى الجمهور بلغته وأستطيع أن أبسط بها حتى الموضوعات الاجتماعية الدقيقة.
стр. 400
أما ترتيبات الدروس فلم تكن بالأمر اليسير. بدأت أتساءل أمام حلقة تلاميذ تختلف كثيراً أعمارهم، وسوابقهم الذهنية، حسب منشئهم بالريف أم بالحضر، بدأت أتساءل عن ماهية الدروس وكيفيتها.
لقد كان الدرس الأول مجرد تجربة لي، واتصالاً برجال لا أعرف منهم إلا الوجوه، فتعمَّدت في الدرس الثاني أن أتعرف عليهم بالأسماء، فشرعت أسألهم وأسجل بالتوالي الأسماء والأعمار.
كان أصغرهم (بن يحيى السعدي) قد نزح من مسقط رأسه (وادي أميزور) بجبال القبائل، وقد كان يرعى بعض الشياه ولا يزال طفلاً دون السابعة عشرة من العمرة، ولا تزال على وجهه ملامح البراءة. وكان جالساً في الصف الأول وسيبقى مكانه إلى أن أغادر مرسيليا. ومضيت أسأل حتى وصلت إلى الصف الأخير، وتوقفت عند رجل مسن ذي قامة طويلة وهيكل متين، فسألته:
- ما هو اسمك؟ ..
- (تاشفين عبد الله)! ..
لقد تركني الجواب لحظة متوقفاً كأنه قطع بي النفس، فأعدت:
- ومن أية ناحية؟.
- من تلسان! ..
فبقيت تائهاً، إن الاسم والمكان قد اقترنا في ذهني مع صفحة طواها التاريخ، بينما أتصور في لمحة بصر مظهراً مؤثراً من المأساة التي نعيشها:
- هل يمكن أن يكون هذا الرجل من أحفاد (يوسف بن تاشفين) مؤسس دولة المرابطين بالمغرب؟ وأن تلقي به الأيام في هذه السن على رصيف مرسيليا؟ ... هل هذا ممكن؟ ..
стр. 401
اختلجت في نفسي هذه التساؤلات فعدت:
- ماذا كنت تصنع بتلمسان، قبل أن تأتي إلى فرنسا؟
- كنت مؤدباً في أحد الكتاتيب، أحفّظ القرآن للأطفال. ولكن هذه الحرفة أصبحت لا تضمن لصاحبها القوت إن كان له عيال.
كانت هذه الكلمات البسيطة معبرة أكثر من أي خطاب، أو من أي دراسة عن التحولات القاسية التي فرضها الاستعمار في الجزائر، إن المأساة التي بدأتُ قبل عشرين سنة، أشعر بأثرها في بيت خالتي (بهية)، ومن حياة الأسر القسنطينية الكبيرة والأسر التبسية العريقة (١)، قد تجلت لي الآن بكل وضوح في شخص (تاشفين عبد الله) ولكن هل هو يشعر بها؟
أردت أن أتأكد من ذلك، فسألته سؤال من يغتنم الصدفة:
- هل احتفظت أسرتكم يا عبد الله ببعض الوثائق القديمة؟
فسكت عبد الله هنيهة، كأنه يأخذ منطلقاً في نفسه ثم قال:
- الغريب أن هذا السؤال قد سبق للعامل الفرنسي بناحيتنا أن سألني مثله؟ ..
فلم استغرب سؤال العامل، وبقي علي أن أجيب على تساؤلي في تقرير برنامج تعليم يليق بمثل هذه الحلقة، التي يختلف أفرادها في الأعمار والتكوين والسوابق الذهنية إلى حد بعيد. والأمر الذي تقرر في نفسي منذ اللحظة الأولى، هو أنني لا أستطيع على أية حال، أن أشق بتلامذتي طريق التعليم الذي سطره (الروتين)، والذي تعبّده ألف باء، تاء، ... وواحد، اثنان، ثلاثة ...
لا بد إذن من التفكير في طريق آخر، خاصة أن اطمئناني تجاه الظروف
стр. 402
كان ضعيفاً، ولم أكن أتصور أنها سوف تمهلني حتى تنتهي مهمتي بنادي (المؤتمر الإسلامي الجزائري)، كما لم أكن أيضاً أتصور أن ظروف التلاميذ أنفسهم ستسمح لهم بالبقاء معي الزمن الكافي، على احتمال أن النادي هو الآخر، يبقى على قيد الحياة، وهو مجرد احتمال إذا نظرنا إليه بصفته مؤسسة ليس وراءها من الرصيد والضمانات ما وراء معهد (سان جاك) قبالته، وإذا نظرنا أيضاً إلى أن علاقتي الشخصية به مديراً قد تضرّ به لأنها تغضب السلطات العليا.
أصبحت هذه الاعتبارات عادية بالنسبة لي، فقررت على أساسها ألا يكون مضمون البرنامج، في تلقين معلومات قد لا يكفي الوقت لتلقينها، بل في تكوين شخصية ذات أبعاد ربما تكونها طفرة واحدة، هزة أو بعض الهزات النفسية.
فاتضح الموضوع في ذهني: إنني سوف أعلم التلاميذ القراءة والكتابة بطبيعة الحال، حتى يستطيعوا إمضاء اسمهم على الأقل، في مكتب بريد أو في إدارة عملهم، ولكنني سأحاول جهدي قبل أي شيء، أن أغير أبعادهم النفسية؛ ولم أكن أرى شيئاً يصلح لهذا الغرض مثل مفهوم (اللانهاية) الذي يفتق فعلاً الحدود العادية في النفوس، كل النفوس المرتبطة في أول نشأتها بعالم الأشياء المحدودة بطبيعتها، وليس من وسيلة تعبر بطريقة مُحَسَّة على مفهوم اللانهاية، مثل الأعداد الكبيرة.
فعندما يتعود الطفل أو التلميذ المسن، كتابة عدد كبير تحت إملأاء معلمه، ثم عدد أكبر .. ثم أكبر .. فأكبر .. فإن الشعورب (اللانهاية) يتكون عنده تلقائياً، نتيجة انفجار داخل حدوده العقلية السابقة.
إنني أعتقد أن الخليفة عمر بن الخطاب- ﵁ اكتشف هذا الأثر في نفسه، يوم أتاه أحد عماله بفيء، وقال! له:
стр. 403
- يا أمير المؤمنين، إنني أتيتك بثمانين ألف ألف.
فقال له رضي الله تعالى عنه:
- ماذا تقول؟ أثمانون ألف؟ ..
فصحح العامل بطريقة تحليل العدد:
لا يا أمير المؤمنين، بل ألف ألف، ثمانون مرة.
فكان تعقيب الخليفة أنه عبر عن دهشته:
- أهذا ممكن؟ ..
بينما كان رضي الله تعالى عنه، قد دخل في عالم (اللانهاية) يوم اعتناقه الإسلام بالذات، لأن الوارد على عالم (اللانهاية) يدخله إما من باب الأعداد الكبيرة أو من باب علم الفلك ...
فقررت أن أدخله بتلاميذ حلقتي من باب الأعداد الكبيرة، ومن باب علم الفلك المصغر أي الجغرافيا.
ولكن الباب الأول كان يوجب طريقاً مختصراً نسير عليه، وللقارئ أن يتعجب إن أراد التعجب، ولكن بعد ثلاث أو أربع حلقات، أصبح هؤلاء الذين لم يكونوا يعرفون كتابة الأعداد العشرة الأولى، يستطيعون كتابة ما شاؤوا من البليونات والتريليونات بلا أي تردد؛ فاقتصد التلاميذ بفضل الطريقة المتبعة، أشهراً من التمرين وعاشوا أثناء تمرينهم المختصر، لحظات منعشة كنت أتصورها في نفوسهم خلال خطواتهم الجادة نحو (اللانهاية). وأثناء هذه الخطوات ذاتها، بدؤوا يتمرنون على العمليات الأربع، وعلى تطبيقها مباشرة في حل مسائل حسابية بسيطة، لأن عمرهم يسمح بهذا الاختصار.
стр. 404
فامتاز، مند الحلقة الأولى، أصغرهم (بن يحيى السعدي) الذي سيصبح بعد ثلاثة أو أربعة أشهر، يستطيع حل بعض المسائل في مستوى الإعدادي، ويحرر باللغة الفرنسية بصورة عجيبة.
وامتازت معه نخبة من التلاميذ الشبان كونت مجموعتهم هيئة أر كان حرب حول الشيخ (الصدّيق)، الهيئة التي سيعينها ذات يوم لشراء خريطة كبيرة للعالم، من دون أن أتدخل معهم في الشراء كي يتولوا بأنفسهم حتى يتغلبوا على عقدهم النفسية الموروثة من بيئة بدائية.
لا أستطيع أن أصور الانطباعات التي ظهرت على وجوه التلاميذ، عندما وصلت الخريطة إلى النادي أمامهم تحت النافذة التي كانت تضيء ورشة الحداد، وشرعنا في الدخول في عالم اللانهاية من الباب الثاني:
- من أين أنت؟
قلما كان يأتي الجواب على مثل هذا السؤال، إلا بذكر اسم مسقط الرأس، ولو كان قرية مهما صغرت، ولو ولد المسؤول بغار فأر لا يوجد اسمه حتى في خريطة الناحية لاقتنع مع ذلك بذكره.
شرع التلميذ يوسع تصوره المكاني للوجود، من القرية إلى الحوز فالناحية، وإلى العمالة، وإلى الوطن، وإلى القارة، ثم إلى الكرة الأرضية؛ وفي كل خطوة يشعر أن حدود عقله تتسع، ثم إذا أتى السؤال:
- وأين توجد الأرض؟ ...
يتصور القارئ ما يحدث في عقل التلميذ وفي نفسه وهو بالأمس أمي، عندما يرى أنه يستطيع الجواب عليه، ويشعر أنه انتصر على حدود عقلية ضيقة ورثها في كل تصوراته في وطن ورث هو الآخر رواسب ثقافة متدهورة، منذ
стр. 405
التدهور الحضاري الذي اجتاح البلاد، ومنذ أصبح فيه كل شيء في يد الاستعمار.
ولكن للخريطة ميزة أخرى في التكوين، فإذا كان الحساب ينبه العقل للكم، فإن الجغرافيا تنبهه للكيف، أي الاختلاف بين الأجناس والرقعات الحضارية، والمواصلات بأنواعها والإنتاج بأنواعه المختلفة حسب المناطق والجهات، أي لكل انعكاسات العبقرية البشرية على سطح الأرض.
وكان الحديث على هذا الجانب الكيفي، يسوقنا بطبيعة الحال إلى الحديث في الموضوعات السياسية والأخلاقية وفي السلوك خاصة:
- يجب ألا تمشوا على الرصيف مشية البهائم التائهة، تسدونها على المارة، يجب أن تتقنوا عقدة الرقبة ما دمتم تستعملونها، يجب أن تقصوا شعركم بطريقة تحسن صورتكم. يجب أل اتتكدسوا بميدان (إيكس) مثل الذباب على المزابل، يجب بصورة عامة أن تخالفوا ذوق شارع (لوشابولييه) وأسلوبه، وألا تظهروا بالمظهر الذي يطبعه هذا الأسلوب، حتى لا تتعرضوا لسخرية المرسيلي المتهكم ...
كنت أكرر هذه التوصيات في كثير من المناسبات، وأعود لها في كل مناسبة جديدة، وفي المكان الذي كان ورشة حدادة يضرب على قطعة حديد ليصوبها، ويجعل منها شيئاً جديداً، وأصبحت أضرب على كل اعوجاج في الذوق أو في السلوك لأسويه. بدأت أشعر بتغيرات في نفوس التلاميذ، بل بدأت أرى بعد شهرين أو ثلاثة، تغيرات ظاهرة على وجوههم.
لقد كان نظرهم عندما تعرفت عليهم للمرة الأولى، لا يعبر عن شيء، كأنه خالٍ من أي فكرة؛ وعندما ينعكس فيه انفعال داخلي، يبرق بريقه بحدة الحيوان الضاري. فأصبح نظرهم يشع إنسانية، ويعكس حياة داخلية تحركها فكرة أو يلونها انطباع، أو تشع فيها عاطفة.
стр. 406
ومما لاحظته على وجوههم أن شفاههم المفتوحة مثل شفتي الصبيان، انطبقت كأن إرادة داخلية أغلقتها.
وبهذا وذاك تغيرت صورة الوجه، فأصبحت أشاهد مشاهدة العيان، أثر الحركات الباطنية لحياة الإنسان في تكييف ملامح وجهه.
كنت أرى من دون أي جهد كيف يتغير الوجه، عندما تمسك يدٌ القلم وتتحرك ..
كنت أعيش تجربة مؤثرة، تكشف لي عن حقيقة أدركها لأول مرة، ألا وإن الحضارة التي تضع على عالم الأشياء طابعها الخاص، تضعه أيضاً على وجه الإنسان، فتجعل عليه مسحة الجمال.
فإذا كان اليوم الجمال النروجي يحوز قصب السبق، في مباريات الجمال العالمية، لتعيين أجمل امرأة في العالم، فما يعود هذا للعرق، لأنني لا أعتقد أن المرأة النروجية كانت جميلة، حين لم يكن حول رأسها سوى شعرها الباهت، ولم يكن شيء داخله.
ولكن لم يكن هذا الجانب العذب من حياتي في تلك الفترة، يغطي جانبها الآخر، الذي كان عبؤه الثقيل يقع على زوجي وحدها، لأنها التحقت بي منذ الشهر الأول لتأخد مسؤولياتها في هذا الجانب المادي.
لم يأت المدد المنتظر من شارع (لوشابولييه) ولم يكن ليأتي منه مدد لتقاعس أصحاب المتاجر الجزائريين فيه من ناحية، وذلك لأن النادي أصبح منطلق كل التهجمات الموجهة ضده، بوصفه مخبراً يصنع فيه الاستعمار الجراثيم السيكولوجية التي من مهمة النادي مقاومتها في كل مناسبة، وخاصة عشية كل أحد.
стр. 407
ولم يكن (التلموذي) بالذي يهمه هذا الأمر حسبما يبدو، وخاصة لأنني قطعت زياراتي لحانة (المرايا) أو قللتها كثيراً.
فكانت ميرانيتنا الشهرية خفيفه والمسؤوليات المادية على زوجي ثقيلة، بينما أُضيفت إلى النادي صلاحية جديدة، بأن أصبح نقطة إسعاف يجد فيها التلميذ الطبيب والدواء، فزوجي اكتشفت في نفسها واكتشفت فيها موهبة الطبيب في حالات تعالجها بالأعشاب البسيطة، حققت بها فعلاً بعض المعجزات.
والمرأة على وجه العموم تحركها النزعة إلى الأمومة التي ترهف حساسيتها، وتحدّ بصرها في ملاحظة التفاصيل الدقيقة الطفيفة التي غالباً ما تفوت الرجل؛ فأي حبة صغيرة تبدو على وجه طفل تفوت غالباً ملاحظتها على الأب، بينما تلاحظها الأم منذ اللحظة الأولى.
كانت (خديجة) أم النادي ترى في لمحة بصر كل ما يدور في داخله أو حوله، فلاحظت ذات يوم من خلال الستار الشفاف الذي أسدلته على زجاج نافذة المكتب، أن القس مدير معهد (سان جاك) يراقب حركات النادي؛ ورأته ذات يوم يعبر عتبته ويتحدث مع أحد التلاميذ في غيابي، فسألت التلميذ فقال لي: إن القس سأله عن ماهية الدروس، ثم عبر له عن رغبته في التعرف علي.
لم يكن لديّ أي مانع من ذلك، بل سعدت بما كان في هذه الرغبة من حسن جوار، ولكنني لم أرَ القس، وأنستنيه مشاغل أخرى، إذ كان في تلك الفترة ممثل حزب (مصالي حاج) يتصل في الخارج بتلاميذ، يلقي أو يحاول أن يلقي في نفوسهم الريبة تجاه النادي وصلاحيته ووطنيته، وكنت دوماً أتفادى هذه الإيحاءات السلبية بتحميل أولئك التلاميذ الدعوة إلى صاحبها:
стр. 408
- ادعوه يحضر يوم الأحد، وله حتى الكلام، يقول ما يشاء أمامكم وأمامي.
ولكن هذا كان يتجنب الحضور، لأسباب تجعله يفضل دون أي شك، الوشوشة على الوضوح، والعمل المقنع على العمل الصريح. فلم أره مثل القس.
ثم استدعتني مع (سوالمية) جبهة أخرى، أتاني صديقي يوماً بنبإ حلقات تعقد كل مساء بساحة من ساحات مرسيليا، يجتمع بها الناس من كل الألوان السياسية، ويتناولون مشكلات الساعة، ومن بينها قضية المستعمرات بطبيعة الحال، فرأى (سوالمية) أن نذهب للرد على أولئك الذين يرون رأيهم في القضية الجزائرية، في الوقت الذي تأسست فيه حركة (شباب الامبراطورية) وقد أسسها بباريس ابن رئيس الحكومة الفرنسية (دلادييه).
ذهبنا إذن لنقرع الحديد مع (شباب الامبراطورية)، خاصة في الحلقة المهتمة بالجزائر، فوجدنا وجوهاً ونغمات تختلف بين ما نسميه اليوم (الرجعي) و (المعتدل) و (التقدمي)، وبين أصحاب (الخبرة)، أعني الذين يعلمون بعض الحروف الهجائية فيما يخص الشعوب المستعمرة، والذين لا يعلمون إلا أنهم يتكلمون بقريحة قلوب طيبة.
فكان علامة وخبير (الحلقة الجزائرية)، مراسل صحيفة مرسيلية، يفرط في الحديث عن الإسلام، ويفرط خاصة في اللفظ باسمه مشوهاً:
- الإسلان كذا. والإسلان (١) هكذا.
ولم يكن في حلقة المعجبين من يرد عليه، سوى رجل واحد، عرفته فيما بعد عضواً في الحركة الفوضوية، لم يكن في استطاعته تصحيح لفظ الصحافي
стр. 409
(الخبير) ولكنه كان يقاوم بعنف آراءه السياسية في الاستعمار والمستعمرات، فوقفنا إلى جانبه، فبدأ الصحافي يتقهقر ذلك اليوم وفي الأيام التالية ويتراجع عن بعض آرائه، إلا عن لفظه المنحرف بكلمة إسلام، واستمر يقول:
- الإسلان كذا ... والإسلان هكذا ...
إن العادات طبائع ثانية يصعب تغييرها.
ثم أتت صرخة النفير من جهة أُخرى، على أثر شكوى رفعتها للرأي العام سيدات المنازل بمرسيليا، بسبب ارتفاع أسعار البقول الواردة من الجزائر، ففسرت الصحافة هذه الظاهرة منذ الغد.
- إن السبب في ارتفاع الأسعار يعود إلى طريقة العمل بميناء وهران وميناء عنابة، فعمال الشحن الجزائريون يؤدون عملاً بطيئاً كسولاً ..
ويبدو أن الصفعة حركت الهمم، فجمع (التلموذي) هيئة أركان حرب النادي لدرس القضية، فكلفت بتحرير الرد الذي وجهت منه نسخة مسجلة لكل صحيفة مرسيلية، فلم تنشره واحدة بطبيعة الحال.
ولكن كانت ساحة الحلقات السياسية حافلة ذلك المساء، بمناقشات حادة في الموضوع، وكان عضو (الحركة الفوضوية) في موقف جاد لم أره فيه من قبل، فكان يختنق في مشادة كلامية مع شاب، ربما من (شباب الامبراطورية)، وكاد (سوالمية) يخنق الشاب.
فكانت معركة حامية الوطيس! ...
ولكن ستأتي معركة أشد ضراوة، كنا في شهر أيلول (سبتمبر) عام ١٩٣٨. كان العالم يدوي من صوت هتلر وموسوليني، وإذا بمقياس الحرارة يعلن درجة الانفجار يوم دخل العالم في أزمة تشيكوسلوفاكيا، فانتعشتُ لأن الساعة التي كنت أنتظرها منذ سنة ١٩٣٦ أصبحت على الأبواب.
стр. 410
بدأت برقيات الولاء ترد على الحكومة الفرنسية من الجزائر، أما حرب (مصالي الحاج)، الذي اتخذ اسماً جديداً (حزب الشعب الجزائري) منذ سار في موكب (الجبهة الشعبية) سنة ١٩٣٦، ففضل السكوت سواء في فرنسا أم الجزائر.
وبلغت الأزمة أوجها يوم ٢٨ أيلول (سبتمبر)، فنظمت ذلك اليوم الحركات اليسارية تظاهرة دعي إليها النادي فكنت ممثله، وبدأت في القاعة المكتظة الخطب حسب التقليد المألوف، فأتى دوري فتلخص خطابي في اقتراح:
- يجب على هذا المؤتمر للقوى التقدمية أن يوجه اليوم برقية إلى الحكومة يطالبها بمنح شعوب الشمال الإفريقي حقوقها، حتى تدخل المعركة من أجل الديمقراطية شاعرة بكرامتها لا بوصفها مرتزقة.
في آخر الجلسة قرئت على الحاضرين لائحة التوصيات، فلم أجد فيها اقتراحي ولا مجرد التلميح إليه، فاقتحمت المنصة لألفت النظر إلى هذا النسيان، ولم أصرح بأنه تناسٍ، فهاجت القاعة وقامت خصوصاً السيدات تهتف لي.
ولم أحصل صباح ذلك اليوم إلا على هذا الهتاف دون أن أفاجأ في الأمر بشيء، بينما العاصفة بدأت تدمدم، فكانت ريحها تهز في العالم أمواجاً عارمة، وتبعث في نفسي البشرى بالغرق العام الشامل، لسفينة أُحيطت من كل جانب، فلم يبق لمن فوقها رجاء إلا في الموت، خاصة من أخذه الهم قبل الآخرين مثلي.
ولكن مهما تكن أخطار الموت تحيطم بالمرء، فإنه يشعر بمهمات الحياة حتى اللحظة الأخيرة، لذلك لم أعد بعد خيبة الأمل التي أصابتني ذلك الصباح بمؤتمر الحركات التقدمية، أفكر في تلافي تلك الخيبة، فكلفت (سوالمية) بصرخة النفير في الأحياء التي يؤمها الجزائريون، بأن يأتوا عشية إلى النادي لاستماع خطاب على الوضع الراهن، فما دقت ساعة الوعد حتى أتت من كل حدب وصوب، حتى
стр. 411
من شارع (لو شابولييه)، حشود من العمال اكتظ بها النادي وامتلأ الشارع أمام معهد (سان جاك).
لم يكن الظرف يوحي بالتحفظ، فكنت صريحاً:
- إنه سيطلبون منكم دماءكم. فبادروهم بطلب حقوقكم! ..
كان هذا فحوى الخطاب، وكان فيما أعتقد مسجلاً في نفوس كل الحاضرين! ... ثم بقينا وبقي العالم في الانتظار حتى المساء، حين أعلنت وكالات الأنباء، أن هتلر اتفق مع (دلادييه) و (شانبرلان) على اقتسام تشكوسلوفاكيا التي قضت نحبها دولة يوم ٢٨ أيلول (سبتمبر) ٩٣٨ ١، يوم ميونيخ! .. لقد كنت في الحقيقة أنتظر إلقاء القبض علي ذلك النهار لأنني لم أكن بعد تعودت أسلوب الصراع الفكري.
ولكن بعد أيام من ذلك الأسبوع وردت علي، من أكاديمية مرسيليا دعوة للحضور، فاستقبلني المفتش بكل حفاوة:
- هل تدرس في (مركز المؤتمر الجزائري الإسلامي للثقافة)؟
- نعم، سيادة المفتش، إنني أعلم حروف الهجاء لبعض الأميين من الجزائريين.
- ولكن، ليس لديك شهادة تسوغ لك التدريس، بالإضافة إلى أن المكان نفسه لا يصلح لهذا الغرض بسبب النقص في تهويته، وعليه أراني مضطراً لإيقاف دروسك ..
قال لي الموظف هذه الكلمات بكل هدوء وتؤدة، فاتضح لي الأمر على ضوء المثال الفرنسي ((إذا أردت أن تغرق كلباً قل إنه مسعور)) ..
ولكنني أردت أن أسبر غور القضية، فقلت بكل هدوء وتؤدة:
стр. 412
- ولكن سيادة المفتش هل أكون متطفلاً إن سألت عن السبب الحقيقي؟ ..
فرأيت الموظف يرمقني بشيء من صدق العاطفة:
- أوه! .. والله لا أدري، إن الأمر صدر من فوق ..
فسكت هنيهة ثم استرسل كأنه يفسر:
- لا تجهل أن إدارة الشؤون الأهلية بشمال إفريقيا، أصبحت من الأمر الصعب منذ قضية فلسطين (١) ...
وشعرت أنه كان في حرج، ففضلت ألا أزيد في حرجه فحييته وخرجت، فرحاً في الحقيقة بأن الإدارة غطت دون أن تشعر، على فضيحة كنت أخشاها، لأن النادي كان مضطراً لو تُرِك لنفسه إلى إغلاق أبوابه لعجز ميزانيته، لأن المدد المنتظر من شارع (لوشابولييه) لم يأته، وبدأ إمداد المؤسسين له يتقلص، خصوصاً من طرف أولئك الذين لم يحضروا خطاب يوم ميونيخ. مثل (التلموذي) ..
انتهى هكذا دور الشيخ الصدّيق بمرسيليا، فعادت زوجي إلى (دروكس) وعدت إلى تساؤلي: ماذا أصنع؟ ..
...
لا زالت موجة الفصاحة تستولي على جمهور المقاهي التبسية، إلا أن أسماء الفصحاء قد تغيرت، منذ أصبح (يونس بحري) يتكلم من إذاعة برلين، فغطى صوته المهدار حتى أعلى أصوات مسموعة مثل (ب ب س) وراديو (باري).
حدث بسبب ذلك تغيير كبير في توزيع جمهور المقاهي، فأصبح أغلبه
стр. 413
يتردد على مقهى (باهي) لأن صاحبه كان بعد كل حديث ليونس بحري يقوم بتفسيره.
وكان (باهي) بارعاً في هذه المهمة، كأنه ساحر كلام. يستولي على المستمعين بكلمات نصفها جد ونصفها بهتان يفتريه، على لسان يونس بحري، ويصبه في قوالب شخصية تزيد في جانب التسلية، إن لم تفد من ناحية الإعلام، وكان يستخدم في ذلك موهبة ذاكرة نادرة يستطيع بها سرد النشرة العربية لإذاعة برلين بحذافيرها، ثم يفسرها بشعر سيدي (علي بن الحفصي).
كانت شبيبة تبسة تجتمع حوله كل مساء في الساعة السادسة عندما تبتدئ النشرة، فينزل السكوت ويستولي الخشوع وتصغي الآذان، وعندما تنتهي النشرة، يبتدئ (باهي) تفسيرها دون أن ينسى افتتاحيتها:
- هنا إذاعة برلين، على موجة كذا. يونس بحري. أحيي العرب! .. يسرد النشرة ثم يبتدئ شرحها فيطول غالباً أكثر من المتن، لأن (باهي) لا يقول مجرد القول، ولكنه ينسج كلمات المتن ليونس بحري، مع أقوال سيدي (علي بن الحفصي) ومع حركاته هو وسكناته، وصرخات إعجابه تارة بالمتن وتارة بقول الشارح، خصوصاً إذا كان الإعجاب بالغاً درجة الشطحة الصوفية، فيصرخ (باهي):
- براج! .. براج! .. براج! ..
على نغمة أوحى له بها فيما يبدو، نقر الطنبور يوم كان في الجيش، فتصيح الحلقة وتتشنج أعصاب (باهي)، فيسقط شبه مغشي عليه فوق السرير الذي يجلس عليه، حتى تعود أنفاسه، بينما المارة خاصة منهم الأجنبي عن القرية، لا يمرون أمام المقهى عندما يكون (باهي) في حالته الوجدانية دون أن يمهل الخطوة أحدهم ليشاهد المنظر الغريب.
стр. 414
أما اليهودي (مرالي) الذي يسكن شقة فوق المقهى، فكان على العكس يسرع الخطوة ليتجنب قدر الإمكان، الاستماع إلى متن يونس بحري وشروح (باهي) عليه، مثله في ذلك مثل كل اليهود الساخطين على صوت إذاعة برلين في تلك الفترة، وربما كان لديه سبب خاص هو أن ابنته الحسناء أحبت وذهبت مع مختطف قلوب من سكان تبسة المسلمين، متسببة لأهلها في الوسط اليهودي، فضيحة لا يغفرها أبوها (مرالي) للمسلمين عامة.
وبكلمة مختصرة، استولى مقهى (باهي) على جمهور المستمعين التبسيين الذين هجروا النادي، حتى أصبح من يتولى شؤونه، يرفع قضيته إلى الشيخ (العربي) كقضية خيانة كبرى نحو الإصلاح.
وربما كان الرجل الطيب محقاً في هذه الدعوى أحقية لم يكن يتصورها هو نفسه؛ إذ كانت الموجة (المصالية) تكتسح البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وتتأسس الشعب والخلايا في كل قرية، فتكونت بتبسة شعبة تجتمع بباب قسنطينة بعد الغروب للحفاظ على سريتها، كما كانت تحافظ على السرية جمعية (الوحدة العربية) بباريس مما دفعني للمشاركة أيضاً في مناقشاتها، دون أن أكون عضواً في الحزب، لمجرد تلبية رغبة من تحركت قريحته نحو نشاط يخرجه من الجو المألوف، فكان (باهي) بطبيعة الحال في صدر هذه الهجرة، التي تركت الشيخ (العربي التبسي) يشعر أكثر فأكثر، بقلة الأتباع دون أن تترك السلطات رقابتها عليه، فيدعوه ذات يوم حاكم المدينة، السيد (بتستيني) ويقول له دون هوادة:
- أنتم تريدون إحياء القرآن .. بينما نريد إقباره .. إيه؟
ومما كان يزيد الطين بلة بالنسبة للشيخ، أن الهيئة المشرفة على المدرسة الإصلاحية، بدأت هي الأخرى تراقب إدارته لشؤونها، وتعقب عليها بالنقد الشديد القاسي.
стр. 415
أما أنا فكنت غير منحاز لأي طائفة لسبب بسيط هو أنني لم أكن أنتظر أي تغيير من الداخل، ولم يكن لي رجاء إلا في حرب عالمية تغير كل شيء.
فكان لهذا السبب، كل نشاطي منصباً في المحاضرات الثقافية التي ألقيها في النادي، دون أن يكون لها أثر كبير في نفوس بلغت درجة الإشباع، بسبب ما خلفت موجة الإصلاح، وبعدها موجة حركة (اتحادية النواب)، وبعدها موجة (الجبهة الشعبية) وما بدأت تلقي فيها موجة (حركة الشعب) المصالية، وما تبثه فيها يومياً إذاعة برلين، على لسان يونس بحري وشارحه (باهي).
غير أنني كنت ألهو وأتسلى عن هذا الجانب العام، بجانب خاص من أصدقاء وخصوم. كان (جزوم) لا يستدل إلا بآرائي في كل موضوع:
- سي الصدّيق قال .. سي الصدّيق يقول ...
وكان (محمد ولد فيلالي) بإيعاز لم يكن يخفى علي يردد:
الصديق؟ ... ها! ... ها! ... إنه مهندس من كلية وادي الناقوس، لا يستطيع كسب قوته ..
صحيح، إنني لم أستطع إلى ذلك اليوم أن أحصل على عمل يرزقني، وكنا في آذار (مارس) عام ١٩٣٩، وقد بدأت بشائر الربيع تعلن سنة استثنائية، وأصبحت رقعة شمال إفريقيا بساط زهور مبثوثة من تونس إلى الدار البيضاء، ظهرت فيها نباتات جديدة لم يكن الناس يعرفونها، حتى ظننت أن اتجاه محور الأرض في الفلك تغير بدرجات، دون أن أبوح بظني لأحد قبل اليوم.
فخامرت عقلي فكرة هي أن تأتي زوجي لتشاهد هذا التغيير في أرض تعودت أن ترى جدبها المصقع، تحت سماء قفر لا تثير فيها الرياح سحاباً.
стр. 416
وشجعني الأصدقاء، خاصة (حشيشي مختار) على تحقيق الفكرة رجاء من أن يكون لي وراءها استقرار.
فجاءت زوجي وكنت استأجرت من دون أن أدفع كثيراً، جناحاً من برج (بوذيبة) خارج السور، وفيه كانت زوجي خديجة تستطيع أن تتمتع بجمال الطبيعة بين شروق الشمس على جبل (الدير) وغروبها على جبل (الدكان)، وتسلو طيلة النهار بمرور من يأتي إلى المدينة من البادية القريبة صباحاً، وينقلب إلى منزله عشية؛ خاصة يوم الثلاثاء، حين يأتي أصحاب المواشي إلى السوق، على المسرب الذي يعبر وادي الناقوس خلف البرج (١). بينما تملأ الحيوانات ورعاتها الجو جلبة فيتخذ بسببها الطابع الريفي.
أصبحت الحياة في هذا الإطار البدائي السينما المفضلة عند زوجي، التي كانت تتذوق بشغف كل ما فيها من بساطة وطيبة وكرامة، وبدأت تكتشف جوانب أصالتها الخفية مع امرأة من سكان البرج (١) الفقراء تعيش مع ابنها (أحمد) الأبكم في غرفة كانت في الحقيقة عندما بني البرج ليكون مركزاً عسكرياً لأحد الحصون الصغيرة التي تحمي جوانبها، فكانت الغرفة لا تقي هذين المسكينين الحر في الصيف والقر في الشتاء، خاصة إذا نزل المطر على مرقدهما من ثقب السقف المنهار.
كان أحمد يرعى عنزات للجيران في النهار، دون أن يدفع له أحد أجرته، ويعود في المساء إلى الكوخ لتهيئ له أمه من الطعام ما تسمح به إمكانياتها الضعيفة جداً، لأن موردها لم يكن في الواقع من شغل ابنها ولكن من دجاجتين أو ثلاث تبيع بيضها لتشتري قليلاً من الزيت وبعض قهوة وسكر.
كانت هذه الصورة من حياة الفقر والكرامة تعرف زوجي على هذا الجانب
стр. 417
المؤلم المؤثر من المشكلة الجزائرية، أكثر مما يعرفه بعض الجزائريين حتى جعلتها هذه الصورة المثيرة تقول:
- إنني أشك أن الزعماء والمثقفين عندكم يعرفون المأساة بهذا العمق، إنه مفزع، لا تكاد الناس تصدق به عندنا في فرنسا.
واتفق في تلك الفترة أن اطلع الشيخ (العربي) على كتاب فقه جاء هدية من صاحب سعودي لاجئ إلى القاهرة، وكان عنوانه الغريب (الصراع) يُستَغرَب على غلاف كتاب يدرس الفقه، وله مقدمة أغرب من العنوان لأنها تتناول بإسهاب وبراعة نادرة دور القيم اليهودية في صياغة العالم العصري.
فقرأه الشيخ العربي واقترح أن أقرأه أيضاً لأن المقدمة لفتت نظره، ورأى أنها لو ترجمت للفرنسية لأفادت في توجيه الشباب الجزائري في تلك الفترة؛ وكان رأيه أن أضيف للمقدمة ما جادت به القريحة حتى ينشر الكل في صورة كتيب باسمي واسم الشيخ، الذي تعهد من ناحية أخرى بتكاليف الطبع من صندوق جمعية العلماء، فرأيته رأياً وجيهاً.
عكفت على القراءة، فكان انطباعي عن المقدمة كأنها من (نيتشه) كتبها مباشرة بالعربية.
ثم عكفت على الترجمة، وأردت أن يكون ما أضيفه لها مستوحى من الاعتبارات الفلسفية العامة نفسها من ناحية، ومن أخرى مستَمداً من الظروف الخاصة بالشبيبة المثقفة الجزائرية، حتى يأتي الكتيب في آخر المطاف في صورة بلاغ يشتمل على الجانب النظري والجانج التطبيقي.
فعكفت على إنجاز هذا العمل، وبينما أنا كذلك إذ دوت صرخة النفير في المدينة وفي الجزائر كلها: إن الجيش الإيطالي نزل بألبانيا واحتل ميناء
стр. 418
(دوراتزو)، ويجب الاحتجاج الشديد ضد الاستعمار الفاشيستي باسم الديمقراطية! ...
فكانت (اتحادية النواب) أول من أسرع لتنظيم (يوم ألبانيا) دفاعاً عن الديمقراطية المتمثلة في شخص الملك (أحمد زوغو)، وتقرر أن يكون الاحتجاج في المقابر الإسلامية، ووزعت في الوطن منشورات تدعو وتحث على ذلك.
بدت لي مند اللحظة الأولى هذه الفكرة- بما تتضمن من إثارة للعاطفة الدينية- غريبة عن تلك الرؤوس الفارغة التي لم تنتج يوماً من الأيام فكرة محكمة واحدة، للوصول في الميدان السياسي إلى أهداف مهمة بوسائل بسيطة، ولم يبق علي إذن إلا أن أفسرها في نطاق المخطط الذي وضعته السلطات الاستعمارية العليا لمواجهة الموقف الدولي الجديد. ولم أكن فيما أعتقد وحدي، غير أن الصف الإصلاحي كان ممزقاً بين مخافة القمع العنيف المحتمل من طرف الحكومة، وبين عاطفتهم الوطنية، حتى وصل المنشور الذي طبع على مطابع الإصلاح بمطبعة (الشهاب) وقرئ على الملأ بنادي تبسة، فلم يبق تردد في الإسهام في (يوم ألبانيا) الذي سيقام في اليوم المعين بعد صلاة العصر في المقبرة، لينطلق موكب المتظاهرين نحو المدينة في مسيرة السخط على الاستعمار الفاشيستي!!.
انتدب أحد أقاربي ليتصل بي، كي أكون أحد الخطباء فرفضت ...
وأتى اليوم الموعود فاحتجبت مثل يوم العيد المئوي ..
ورجعت الأمور إلى مجاريها، واستمر (باهي) في شرحه لمتن يونس بحري كل يوم، وانتهيت من عملي في مقدمة كتاب (الصراع)، فسلمت نسخة لبعض الأصدقاء، منهم سي (محمد المكي) النجار و (خالدي) و (مشري النوري)، ليقدموها للشيخ (العربي) فقدموها له، فأبدى بعض التحفظات: إن هذه الرسالة لن يسمح بنشرها، فلا بد من تعديلات في بعض سطورها. حتى يتحقق طبعها.
стр. 419
عندما رجع إلي الأصدقاء بهذا الجواب، قررت أن أرى الشيخ حتى أتفق معه مباشرة في الموضوع، وكي أهدئ شيئاً من تصوراته المتشائمة بخصوص مصير الرسالة:
- يا فضيلة الشيخ لعلك تخشى علينا بعض العواقب، فمن الممكن أن يبقى اسمي وحده على غلاف الرسالة حتى لا تتورط جمعية العلماء ...
فلم ير هذا الرأي، واحتج عليه:
- إن الحكومة لا تسمح بنشر هذه الرسالة مهما يكن الاسم على غلافها، ما دام محتواها كما هو دون أي تعديل.
فاحتججت بدوري:
- فلنترك الحكومة تأخذ مسؤوليتها في الأمر، دون أن نساعدها عليه بإحجامنا! ..
وفرغنا من المناقشة دون اتفاق، وخرجت منها بفكرة واضحة عن اختلاف طريقة التفكير بيننا، لأن الطريقتين تأتي كل واحدة منهما من ناحية تختلف تماماً عن الناحية الأخرى، وليست القضية مجرد تلقين معلومات، أو تكلم بلغة عصرية كما يقولون اليوم، إذ كثيراً ما شاهدت الاختلاف نفسه مع مثقفين مطربشين أو حاسري الرأس، مثل الدكتور (خالدي)، أتفق معه في كل فكرة وأختلف معه كل مرة على تطبيقها، وكثيراً ما لاحظت في حياتي أن المسلم المثقف مهما يكن نوع ثقافته، يخلق من نفسه المعوقات التي تحول دون العمل إن لم يجدها في طريقه.
ولم يبق علينا إلا أن نفكر في وسيلة أخرى لنشر الرسالة بوصفها صرخة نفير للضمير الجزائري في ظروف تستعجلنا، بينما كان العالم يستعد للحرب على قدم وساق، وقد بدأت زوبعة ممر (دانتزيغ) تجرفه نحو الحرب العالمية الثانية، بينما
стр. 420
أصبح اليهودي (مرالي) يعجل أكثر فأكثر خطواته أمام المقهى الذي تحت منزله، لأن صاحبه (باهي) أصبح يفسر متن يونس بحري بألغاز لا يفهمها أحد من حلقته، حتى شاع الخبر بأن عقله دار إلى الناحية الأخرى، وأنه صار يتفوه في بيته بكلمات تروع والدته الحنون، عندما تسمعه يصرخ:
- أنا المهدي! .. أعطوني السيف حتى أحرر الجزائر! .. كانت الظروف تستعجلنا فعلاً من كل ناحية. ففكر بعض الأصدقاء من الشعبة المصالية، أن نوجه نسخة من الرسالة إلى الهيئة المركزية لحزبهم بالعاصمة؛ فتقرر الرأي أن نوججهها مع أحد الشبان، فاكتتبنا من أجل تكاليف السفر، وسافر ذات يوم (مشري النوري) حاملاً الرسالة التي جعلتني المناسبة أفكر في عنوان لها، فعنونتها (الخطوة الجزائرية (١)).
كنا في أواخر شهر حزيران (يونيو) عام ١٩٣٩، فاتصل (مشري النوري) بالهيئة المركزية التى كانت تصدر جريدة (البرلمان) تعبيراً عن مطالب الشعب، وتعويضاً لجريدة (الأمة) التي كان يصدرها الحزب في باريس، فكان أثناء اتصاله يُرْجَأ من الصباح إلى المساء ومن المساء إلى الصباح طيلة أسبوع، وبعد ذلك سرحوه بخطاب لي، يشكرونني فيه على المجهود الذي بذلته، ويخبرونني بأن أعضاء الهيئة في إجازة الصيف، بينما كان (هتلر وموسوليني، ودلادييه وتشمبرلين وستالين) على ثغراتهم.
رجع (مشري النوري) بخفي حنين ولم يبق مجال لنشر (الخطوة الجزائرية) والعالم على أبواب الحرب، ولم تبق لدي إلا فرصة تعويض القبة بالحبة والقنطار بالقطمير، فحررت مقالاً يعبر عن العواطف العامة في تلك
стр. 421
الظروف، تحت هذا العنوان: (لا مع الفاشية ولا مع الشيطانية)، وقد نحتُّ فيه الكلمة الأخيرة نحتاً يعني اشتقاقاً (سلطة الشيطان) وشكلاً (السلطة الديمقراطية)، ووجهته إلى جريدة (البرلمان) فلم تنشره، ربما لأن قيادة الحزب الشعبي الجزائري لا زالت في إجازتها وربما لأسباب أخرى.
فترجمنا المقال إلى العربية ووجهناه إلى جريدة الحزب الحر الدستوري بتونس، فلم تنشره كأختها ..
وإذا بانفجار هائل يهز الرأي العام العالمي، في منتصف شهر تموز (يوليو)، عندما نقلت وكالات الأنباء، أن الاتفاق قد تم في موسكو، بين (فون روبينتروب) وزير خارجية ألمانيا، و (مولوتوف) وزير خارجية الاتحاد السوفياتي، ونشرت الصحف ابتسامة الوزيرين على إثر الاتفاق ... مع نبأ رجوع الوفدين الفرنسي والإنجليزي من موسكو بخفي حنين، فكانت فضيحة لا مثيل لها، وتبلبل الرأي العام في الغرب إلى حد لا يُتَصور.
ولكن ابتسامة (مولوتوف) كان لها أثرها الخاص في الوسط التبسي، فقد أصبح هؤلاء التقدميون الذين كانوا يعرضون عني بسبب انتمائهم لـ (الجبهة الشعبية) بدعوى أنني أنا رجل رجعي، أصبح هؤلاء الناس يلقونني في الشوارع بالابتسام وانشراح الصدر.
ومرت الأيام الأخيرة من شهر تموز (يوليو)، وقبل نهايتها بيوم أو يومين وصلت إلى والدي برقية رسمية تدعوه بالشخوص أمام طبيب معين بقسنطينة، كي يجري عليه فحصاً من أجل رجوعه إلى وظيفته، فطار والدي فرحاً بعد أن ذهبت سدىً كل محاولاته للرجوع إلى منصبه، منذ فقده على إثر محاضرتي الأولى بباريس في شهر كانون الأول (ديسمبر) عام ١٩٣١.
ولكن وصلني ببريد اليوم نفسه كتاب غريب العنوان (الهتلرية ضد
стр. 422
الإسلام) ولا يوجد على الطرد اسم مرسله، ولا أحد يستطيع أن يقرأ على وجه الكتاب اسم من ألفه بالعربية، لأنه كتب بطريقة توهم القارئ أنه اسم مكتوب بخط دقيق، بينما لا يجده يعني شيئاً تحت آلة مكبرة.
فخشيت منذ ذلك الحين على فرحة والدي، لأنني أدركت الغرض من الكتاب الذي وصلني في تلك الظروف، إذ كان المنتظر مني بكل وضوح، أن أقوم بسلسلة محاضرات عن (الخطر الهتلري)، كما أدركت الأسباب التي عطلت نشر مقالتي في جريدة الحزب الوطني الجزائري أو جريدة الحزب الوطني التونسي، حتى لا يتعطل بسبب نشرها منطلق المحاضرات المنتظرة مني، فكانت إذن فرحة والدي البريء قيد تصرفي دون أن أبوح له بذلك إلى اليوم، وهو شيخ كبير في الخامسة والثمانين من العمر، قد قضى أكثرها في المحنة بسببي.
كنت ذلك اليوم مصمماً على ألا أدفع ثمن فرحة والدي ولو كان في موقفي تجاهه ما كان من القسوة، أرجو الله أن يعوضها له بالرحمة والغفران ..
ودقت ساعة الحرب، فأتاني (خالدي) بخبرها في الصباح:
- إن الجيش الألماني عبر حدود بولونيا في الساعة الخامسة من صباح اليوم.
لم أكد أصدق لطول انتظاري، ولكن شرع البوليس في التفتيش ذلك اليوم، فسلمت محفظة تضم كل أوراقي لأم الدكتور خالدي، وذهبت مع زوجي تلك العشية بمنشور عن قضية فلسطين، فدفناه في علبة معدنية خلف البيت على ضفة وادي الناقوس، حتى يبقى للتاريخ.
ولكن لم يأت التفتيش إلى بيتي، وفسر لي ذلك في العشية أحد الشرطة:
- إنني أقنعت رئيسي بأنك لا تهتم بالسياسة.
ومنذ الغد بدأت الأسعار ترتفع في السوق والبضاعة تختفي، ودخل هكذا
стр. 423
العالم في الحرب العالمية الثانية، وشعرت أنه لم يبق لي بتبسة ناقة ولا جمل، فقررت العودة إلى فرنسا مع زوجي، ويوم ٢٢ أيلول (سبتمبر) عام ١٩٣٩، تسلقت سلم الباخرة بميناء عنابة مع زوجي والهرة (لويزة) وسلحفة أهدتها لنا أم أحمد عند التوديع، وكان معنا خالدي في طريق عودته إلى جامعة (تلولوز).
وعندما بدأت الأرض الجزائرية تغيب في الافق، وجدت نفسي أقول وأنا متكئ على حافة الباخرة:
- يا أرضاً عقوقاً .. تطعمين الأجنبي وتتركين أبناءك للجوع، إنني لن أعود إليك إن لم تصبحي حرة! ..
بينما بدأ ظلام الليل يسدل ستاره رويداً رويداً على بحر هائج تتراكم أمواجه بعضها فوق بعض.
انتهى الأصل الفرنسي يوم ١٤/ ١/ ١٩٦٩ في الساعة الرابعة مساء.
والتعريب ٢ رمضان ١٣٨١ هـ في الساعة ١١ ليلاً (١).