الدور الأخير مداخن هذا الحناح من العمارة تجتمع كلها في هذا الدور داخل حائط غرفتنا، التي أصبحت تتمتع هكذا بتدفئة كافية دون أي تكليف.
فوجدت هرتنا (لويزة) في هذا الجو كل ما يناسبها هرة سعيدة، ووجدت الوسط الذي أستطيع فيه العمل إلى ساعات متأخرة ليلاً وبدأت السنة.
واستأنفت حلقات التدارس مع (حمودة بن الساعي) فكان يأتي صديقي كل مساء جمعة وحده أو مع أخيه (صالح)، لتناول الطعام معنا، وقد نوّعته زوجي بشيء جديد هو رأس الخروف، ولأن الباريسيين لا يحسنون طهيه الخاص فقد جعلوه في السوق يباع بأبخس الأثمان، فتفضله خديجة لهذا السبب أو لأنها أصبحت ماهرة في طهيه منذ أقامت بالجزائر، وحالما تبعد زوجي أواني الأكل تصبح الغرفة وكأنها أعدت للعمل الفكري فقط، فيخرج صديقي قصاصات جرائد خاصة بأمور تهم، أو قصاصات ورق مكتوبة بخط ناعم لا يقرؤه إلا هو، وتبدأ مداولات تلك الحلقة.
ولم أكن أتصور إلى أي حد كانت هذه المداولات، وأحاديثي مع كل من يزورني على العموم تهم غيرنا، أعني السلطات العليا القائمة برعاية الطلبة الجزائريين بباريس.
وستكشف لي هذا الاهتمام ملاحظتان، لاحظتهما زوجي في مدة وجيزة بعدما سكنا غرفتنا، فقد كنا بحكم الظروف نتناول ماءنا مع سكان الدور من حنفية واحدة، ونستعمل مرحاضاً واحداً مشتركاً ملاصقاً لغرفتنا بالذات.
فلاحظت زوجي أن امرأة عجوزاً من سكان هذه الدور، تأتي إلى المرحاض، كلما حضر إلينا صديقي (حمودة بن الساعي) أو غيره من الزوار، فنشأ عندها تساؤل عن سبب تردد العجوز على المرحاض في المناسبات نفسها، وقامت بتحقيق سريع عن طبيعة المكان من الناحية السماعية، فتأكدت من أمر
стр. 352
هو أن المكان عندما تغلق نافذته الصغيرة يصبح صندوق صدى تدوي فيه حتى قطرة الندى، ويستطيع المرء أن يتتبع كل ما يقال في غرفتنا، فقررت أن تفتح تلك النافذة كلما أتانا زائر، فتأكدت هكذا من الأمر الثاني، وهو أن العجوز استمرت في مهمتها، فتأتي إلى المرحاض وتفتح النافذة التي أغلقتها زوجي، ثم تنساها مفتوحة عند ذهاب زائرنا.
إذن لم يبق مجال للشك أن المكان كان مرصداً لا يخلو من أهمية، إذا عقدنا الصلة بين الزيارات الخاصة التي تحظى بها تلك العجوز من طرف شخصيات دينية تتردد على غرفتها البسيطة، وبين ما كان يدور في الجو العام في تلك الفترة، لقد أصبح أسقف باريس يحرك الرأي العام تجاه المسلمين متهماً إياهم بالتواطؤ مع النازية، بحكم منطق استعماري يتهم الإسلام بالتعكير كلما تعكر الجو الدولي بسبب قضية أو أخرى.
لم يكن الأمر غريباً عن هذا المنطق تجاهي، بسبب السوابق وما تمليه الظروف الجديدة.
واستمرت عجلة الأيام تدور كعادتها، وجاء عيد الميلاد واحتفل الناس برأس السنة كالأعوام الأخرى. وعبر فرانكو نهر (الروبيكون (١)) أعني مضيق جبل طارق على رأس الطابور الريفي، وأسدل الستار على مأساة الحبشة، وارتاح الضمير الأوربي من صرخات (النجاشي)، ولم يبق على وجه الخريطة شبر أرض غير ملون بأحد ألوان السيطرة الأوربية. واحتارت الباريسيات القائمات بشؤون منزلهن في أمر رئيس الحكومة (لافال)، هل يباركن في حياته مثل زوجي بسبب سياسته الاقتصادية التي أرخصت المعيشة، حتى أصبحت تشتري زجاجة
стр. 353
الزيت بثلاثة فرنكات، أم يلعنّه بسبب مساندته للاستعمار الإيطالي؟ في ذلك الجو الذي بدأت تجتمع فيه القوى السياسية التي ستكون (الجبهة الشعبية).
لا أدري في أية منزلة من منازل صعوده كان نجم هتلر في تلك الفترة، غير أن العالم أصبح صندوق صدى لهتافات الجماهير الألمانية له، وأصبح كل من يقرأ صحيفة الصباح يردد في حديثه كلمات (ويلهيلمشتراسه).- وزارة الخارجية- وحروف (د. ن. ب) عنوان شركة الأنباء التي أذاعت أمواجها بلاغات (غوبلز) عن حريق (الريشتاخ)، وعن إلغاء معاهدة فرساي بالنسبة إلى تسليح ألمانيا، وعلى كل حدث هام من السلسلة التي ستقود العالم إلى الحرب العالمية الثانية.
بينما كانت فرنسا تتأهب للانتخابات العامة التي سيكون لها أثر كبير في الاتجاه السياسي بالجزائر، بعد ظهور (الجبهة الشعبية) في مظاهراتها الصاخبة بميدان (البستيل) يوم ١٤ تموز (يوليو) ١٩٣٦؛ لقد استطاعت بعدها الحركة (المصالية) أن تعبر البحر الأبيض المتوسط، من الشاطئ الشمالي إلى الشاطئ الجزائري، لأن زعيمها (مصالي حاج) أسهم في تلك المظاهرة الفرنسية.
وهكذا بدأت الجزائر تدخل في عهد جديد. وكان الحي اللاتيني بمثابة صدى العالم، يردد لنا أصداء كل هذه التغيرات التي كان لها أثر خاص على أعصاب (علي بن أحمد)، بينما يفرق البوليس الملاكمات التي تنشأ على الرصيف، بين الطلبة اليساريين المنتمين لـ (الجبهة الشعبية)، والطلبة اليمينيين المنادين بسقوطها على الرصيف الآخر.
وفي هذه الأثناء وصل إلى باريس وفد من علماء الأزهر من أجل تحضير شهادة الدكتوراه تحت إشراف أساتذة الصربون، ومعهم بعثة من طلاب جامعة القاهرة لتحضير شهادات أخرى، وأتيح لي ولحمودة بن الساعي أن نتعرف على
стр. 354
هؤلاء الطلبة وأولئك العلماء- ومن بينهم الشيخ (التاج) والشيخ (دراز) ﵀ بمقهى الهجار، كما أتيح لي ولصديقي أن نساعد هؤلاء الوافدين في خطواتهم الأولى في اللغة الفرنسية، وأخذت منهم في الوقت نفسه ما يفيدني من معلومات عن الحياة في الشرق، حتى بالنسبة لشروط الانتساب إلى المعاهد الأزهرية، لأنني لم ألق البتة بفكرة الهجرة إلى الشرق عرض الحائط، فبقيت تخامرني فترة بوصفي مهندساً ينشئ هناك إحدى الصناعات، وأخرى طالباً أزهرياً يبحث في مناهج التفسير.
وافتتح كعادته في شهر أيار (معرض باريس) وفيه يعرض أصحاب المصانع الصغرى، كل ما ابتكروه تلك السنة من الأدوات المنزلية إلى أجهزة الراديو، وكنت في تلك الفترة مهتماً بشمعة توليع محرك البنزين، يهمني تعويض الشمعة التي تؤدي خدمتها شهرين أو ثلاثة، بشمعة تدوم دوام حياة المحرك.
وأعتقد، بعد ثلاثين سنة، أن المسألة لا زالت تستحق الاهتمام، غير أنني تركتها في الطريق الذي نشرت على حافته كثيراً من الأحلام.
وكانت الصحافة الوطنية تعدنا كل أسبوع بحصتنا من الفرح والابتهاج، أو من السخط والاستنكار، حسب عنوان المقال أو اسم الجريدة. فتصل هكذا أنباء الوطن كتموجات صغيرة تموت على رصيف الحي اللاتيني. وإذا بموجة عارمة تكاد، ذات يوم، تلقي (علي بن أحمد) على قفاه فوق الرصيف، فصرخ:
- يا للخيانة! .. يا للخونة! ..
بينما يلتفت إليه المارة الفرنسيون متسائلين، عن الخائن الذي يشير هذا الرجل إليه، وهو يلوح بجريدة في يده فوق الرصيف، فأتى (حمودة بن الساعي) ليخبرني بالأمر، فبادرني:
- إنها النجاسة! .. إنها النجاسة! ...
стр. 355
ويده تلوح بجريدة (اتحادية النواب)، فاطلعت على المقال المتهم؛ قطعاً لم تهزني بعد قضية دار (البا) قبل خمس سنوات، صدمة مثل التي هزتني ذلك اليوم، منذ قرأت عنوان المقال (أنا فرنسا) ورأيت اسم صاحبه (فرحات عباس).
ولا شك أن الصدمة كانت كبيرة في الوطن، حسب الأنباء التي تواردت علينا، فرد الشيخ (عبد الحميد بن باديس) على (الزعيم) في مجلة (الشهاب)، رداً لم يسكن ثورة (علي بن أحمد)، ولم يشبع انتظارنا، فاتفق الرأي أثناء ندوة خاطفة انعقدت ببيتي، على أن أحرر باللغة الفرنسية رداً في جريدة الأمين العمودي (الدفاع).
ولأول مرة في حياتي، واجهت عملية توليد الفعل في مقالة اخترت لها عنواناً (مثقفون أم مُثيقِفون؟) نحت فيه المفردة الثانية، في لحظة سانحة، حربةً أرشقها بكل جهدي في كبرياء وبلادة (الزعيم) معاً، لأنني كنت على وعي تام، مع (حمودة بن الساعي) بالمهزلة التي بدأت في الجزائر، ومن الاختلاس الكبير الذي بدأت خيوطه تظهر على مسرحنا السياسي منذ ظهرت عليه (اتحادية النواب)، كما كنت أدرك أن الصراع لم يكن صراع أفكار، وإنما صراع مصالح تشرف عليه السلطات العليا، متظاهرة بمقاومته أحياناً، عندما تعلن غضبها على هذا (العدو لفرنسا) أو ذاك، حتى يرى الشعب المغرور في تلك (العداوات) بطولات توجب عليه السمع والطاعة لأصحابها.
كانت هذه حالتي النفسية أثناء تحرير المقال، عندما انتهيت منه في الليلة نفسها، وأيقظت زوجي لأقرأه عليها، قالت:
- لا أعتقد أنه من تحريرك، بل أراه من وحي السماء.
فعلاً لا زلت أتذكر إلى اليوم، أنني صببت في سطوره الجحيم الذي كان بين
стр. 356
جنبيّ، فأخذ منه (حمودة) نسخة نسخها بيده، ليقرأها على الطلبة بالحي اللاتيني، خاصة منهم الذين على مشرب (فرحات عباس)، ثم أرسلت نسخة إلى (الأمين العمودي) للنشر في جريدته.
وأصبحنا ننتظر أعدادها، فوصل منها الأول والثالث دون أن تنشر المقالة. كأنني رشقت حربتي في الضباب.
لماذا لم ينشر (الأمين العمودي) مقالي؟
تركت الجواب على هذا السؤال للأيام، بينما بدأت السنة الدراسية تأخذ منعطف الامتحانات، ولم يبق لي أي مجال للحديث مع (حمودة بن الساعي)، ولا لزيارة الهجار مساء السبت.
ربما كنا في أواخر شهر أيار (مايو)، وكانت زوجي توقظني في الصباح بعد أن تهيئ القهوة، لأنني أواصل العمل في الليل إلى ساعات متأخرات.
ولكنني استيقظت وحدي ذلك اليوم مبكراً، بينما لم تكن أشعة النهار بدأت تضيء الغرفة إلا قليلاً من نافذتها المستديرة أو (عين البقرة) كما يقولون، المشرفة على فناء العمارة؛ إذ من المعلوم أن أول من يستيقظ بباريس عصافيرها، المعشعشة على حافة أسقفها تحت مجاري الأمطار وتكون أعشاشها بعد تناسل الربيع ممتلئة بالسكان، خاصة في هذا الركن الهادئ فقد بقيت الشوارع محافظة على طابع عتيق، وبقيت الحياة تجري على نسق يطيب للمتجول الباحث عن السكون والعزلة.
إن عصفور باريس هو ديكها الذي يعلن بزوغ الفجر على سطحها، فعندما فتحت عينيّ سمعت ذلك العيد اليومي، تدخل وشوشته إلى الغرفة من النافذة مع أشعة النهار الضئيلة .. وها هي ذي الهرة (لويزة) ترفع جانباً من الغطاء ويظهر رأسها على الوسادة بيني وبين زوجي، ثم شرعت بكل تأن ودقة في قرقرتها.
стр. 357
تتبعت هذه الحركات تلقائياً بينما كان يعود الشعور إليّ رويداً رويداً، لقد كنت في تلك اللحظة الحاسمة التي سأنطلق منها قريباً بوصفي مهندساً حصّل تحصيلاً جيداً، وقد اكتشف قيمته منذ أيام قليلة ...
فشعرت أنني سأتبع طريقاً تحفه الزهور والانتصارات، والشهرة، وإذا بشيء يصعد من أعماقي، دون أن أحدد بالضبط في تلك اللحظة معناه، فانفجر الدمع في مقلتيّ حتى اختنقت به، وأنا أردد:
- لا يا ربي! .. لا يا ربي! .. لا أريد حصتي في هذه الدنيا ...
كانت زوجي تردد النفس بجنبي بكل هدوء، بينما الهرة (لويزة) تنطلق، بعد قرقرتها، نحو الصفحة المعدة لها لتتناول وجبتها الأولى من الطعام.
هذه الواقعة تحت سطح من أسطح باريس، هي اليوم ورائي بأكثر من ثلاثين سنة، لم أسر خلالها على طريق تحفه الزهور، بل في أحد مسارب الحياة زرعته الأقدار بكل نوع من الشوك، وكم طرأ علي في هذه الحقبة من لحظات شعرت فيها بثقل المحنة ثقلاً جعل الدمع يخنقني، وأنا أتضرع:
- يا ربي! .. رحماك! .. لا تؤاخذني بكلمتي بالحرف!.
لقد استيقظت خديجة وحضرت القهوة كعادتها، وكان يوم كالأيام الأخرى عملت فيه عملي كعادتي ...
وبدأ الناس يتحدثون في العالم عن زواج الميس (سيمبسون) بولي عهد المملكة المتحدة البريطانية (البرنس دوغالس)، وأثار هذا النبأ في إنجلترا موجة من الاستنكار بلغت أوجها عندما تدخل أسقف (كنتربوري) للدفاع عن حقوق العرش، ولصيانة التقليد الملكي الذي يقضي ألا يتزوج ملك إنجلترة بامرأة مطلقة. وصمم الأسقف على موقفه حتى تنازل البرنس عن حقوقه في العرش ليتم
стр. 358
زواجه، فأثار هذا الحدث، بسبب المكان الذي احتله في الصحافة والرأي العام، غضب جمهور من المثقفين الفرنسيين الذين يرون مثل هذا الاهتمام عبثاً، في الوقت الذي بدأت تصل فيه إلى فرنسا أفواج اللاجئين الإسبان، عندما انتصر نهائياً (فرانكو).
وبدأت أنا أفكر فيها بعد دراستي، متوقعاً الصعوبات التي سأجدها، حتى في التمرين الضروري الذي يختم دراسة المهندس:
- لماذا لا أتمرن بإيطاليا في صناعة أدوات التنوير؟
خطرت هذه الفكرة في بالي لما كنت أعلم من تعارض شديد بين الإمبريالية الفاشية المتمثلة في شخص (موسوليني)، وبين الإمبريالية الفرنسية، لعل هذا التعارض بين مطامح إيطاليا في إفريقيا الشمالية والمصالح الاستعمارية الفرنسية يتيح لي الفرصة لتقديم مطلبي للسفارة الإيطالية بباريس، ثم لأن صناعة أدوات التنوير في مستوى الإمكانيات حتى في بلد مستعمر مثل الجزائر.
فحررت طلبي وسلمته خديجة نفسها للسفارة، وأتت فترة الامتحانات، وربما أتاني جواب السفارة في تلك الفترة فخفق قلبي سروراً عندما وجدت الظرف وعليه شعار أسرة (سافوا) (١)، وإذا بالظرف لا يحتوي على شيء سوى كلمات أدبية، لا تقول ((لا)) بوضوح، ولا ((نعم))، وهي بالتالي ((لا)) غير صريحة.
فأدركت أن الاستعمار الإيطالي هو الآخر، له اختياراته فيما تسميه الإدارة الجزائرية (الشؤون الإسلامية)، فرأيته يفضل مثل زميله الاستعمار الفرنسي التعامل مع (زعيم) مستعد لتعديل وتره على نغمة الموسيقا (الموسولينية)، يفضل ذلك على التفاهم مع مثقف يسعى من أجل تثبيت بعض الأفكار التكنية والاجتماعية على أرض بلاده، فلا يستطيع بسبب ذلك أن ينقر على وتره نغمات
стр. 359
(الدوتشي)، ولا أية نغمة أخرى غير التي يعرفها التاريخ في أعماق الروح لدى أي كبير أو صغير من بلاده.
ويجب أن نقول الحقيقة للتاريخ: إن الوطن لم يكن يبحث عن أفكار تكنية؛ وربما كنت الجزائري الوحيد الذي لا ينام من أجلها، وربما كانت الجزائر حينئذ في منعطف سيبعدها حتى عن الأفكار التي ولدت على أرضها، فتراها في تلك الفترة بالذات تولي ظهرها للأفكار الإصلاحية حتى في تلك اللحظة التي يتوجها المؤتمر الجزائري الإسلامي.
انعقد فعلاً هذا المؤتمر.
ووصل نبأ كان كصاعقة دوّى بها الحي اللاتيني، ولست أتذكر بالضبط ما كان صداه على أعصاب (علي بن أحمد)، ولا أتذكر بالحرف العبارات التي تلقيت بها النبأ، ولكنني أتذكر الهزة الوجدانية التي كانت تهزني، وأنا أنقله لزوجي على مائدة الطعام.
قد كنا متفقين على أن المؤتمر أكبر انتصار حققه الشعب الجزائري على نفسه أولاً ثم على كل القوى التي تسعى لإبقائه في الوحل.
إنه من الصعب أن نعبّر عما يختلج في نفس الآخرين في ظرف يهزنا هزاً، وإنما كنت واثقاً من أن الظرف رج الأستعمار رجّاً، وأنه دق في معسكره ساعة خطيرة.
ولكن كان يجب على معسكرنا أن يعرف كيف يحافظ على انتصار دفع ثمنه الغالي، ذلك الثمن الذي كانت (أثينة) تعرف وتقدر قيمته، القيمة التي توحي لـ (فيدياس) ذلك التمثال الرمزي الذي أضافه إلى بناء معبد (الأكروبول)، والذي يسمى (الانتصار فاقد الجناحين): الانتصار الذي لا يطير من المعسكر الأثيني.
стр. 360
ولكن الجزائر التي كانت تستطيع كسب انتصار كبير على الاستعمار بثمن غالٍ، لم تكن بعد تجيد الحفاظ عليه، إذ أنها عوضاً عن أن تبقي المعركة على الأرض التي تحقق عليها نصرها، تنقلها وتورطها على أرض الخصم.
ربما زارني (حمودة بن الساعي) وأخوه (صالح) ليخبراني بوصول وفد جزائري على رأسه رئيس (اتحادية النواب) وفرقة من أعضائها مثل (فرحات عباس)، ومعهم كل هيئة أركان حزب الإصلاح، من الشيخ (بن باديس) إلى الشيخ (العقبي).
وفي هذه الأثناء انتهت فترة الامتحانات، ورجعت زوجي إلى بيت (أمي مورناس) التي عزّلت (١) مرة أخرى على عادتها، بعد أن باعت بطريقة مربحة بيتها بـ (لوات كليري)، واشترت بمدينة (دروكس) بيتاً يشرف على النهر الصغير الذي يمر تحت الجسر أمام مصنع الغاز.
فاصطحبتُ زوجي، ريثما أساعدها في نقل أثاثنا من باريس، ثم رجعت وحدي لأنه كان لي مستقر مع حمودة وصالح بغرفتهما، وقررنا زيارة الوفد الجزائري الذي نزل بـ (جراند هوتيل).
صاحبنا (علي بن أحمد) وطالب في الطب، كنت أحبه لصلتي بوالده الشيخ (صالح بن العابد)، وعندما وصل وفدنا إلى الفندق وجدنا الشيخ (عبد الرحمن اليعلاوي) كأنه كان ينتظرنا عند الباب فسألناه:
- هل الوفد هنا؟
- لا، إنه خرج في مهمة.
فالتفت (علي بن أحمد) إلينا كأنه غير واثق من صحة الجواب:
стр. 361
- علينا بالدخول على أية حال.
فانهزم الشيخ (اليعلاوي) كأنه متأثر من موقفنا. وإذا بـ (الأمين العمودي)، وقد كان ضمن الوفد الجزائري، على عتبة الباب، وكان لي معه حساباً فانصرف بالنا عن الشيخ (اليعلاوي) فقلت:
- هيه ياسي العمودي ... إنك لم تنشر مقالي عن (المثيقفين)؟
- نعم إنني لم أنشره عن رويّة حتى لا أحطم مستقبل (فرحات عباس) في الحلبة السياسية.
إن ثلث قرن قد مر على ذلك الحين، وقد تصفحت أكثر من مرة ذكريات ذلك العهد، ورأيت عن كثب النتائج السلبية لهذا التفكير الذي واجهني به ذلك اليوم على عتبة (جراند هوتيل) وعن حسن نية مدير جريدة (الدفاع)، إنه لم يتصور مسؤوليته في عدم نشر مقالي إلا في مستوى من ليس له أي خبرة في مجال الصراع الفكري، إذ أنه لم ير أن مقالي قد وصل على أية حال إلى علم الاستعمار وأفاده في زيادة خبرته في شؤوننا، دون أن يؤدي أي دور في توعية الشعب الجزائري، وما كانت نتيجته بالتالي إلا وبالاً على صاحبه، دون أي فائدة للوطن. لقد رشقت فعلاً حربتي في الضباب.
وعلى أية حال فقد وجدنا يومئذ الوفد الجزائري موزعاً في بناء الفندق؛ حلقة الشيخ (بن باديس) من المعمَّمين من ناحية، وحلقة المطربشين من ناحية أخرى، فتوجهنا إلى الأولى فقد كان حول الشيخ زملاؤه من جمعية العلماء، مثل الشيخ (الإبراهيمي) والشيخ (العقبي)، وبجنبه المحامي (سي بلقاضي) المنتمي إلى الإصلاح على الرغم من صلته المهنية بالحلقة الأخرى.
وبعد السلام والتحيات شرعت في مرافعة شديدة.
- يا أصحاب الفضيلة، ماذا أتيتم تفعلون؟ ولماذا في هذا الفندق المترف
стр. 362
تنزلون؟ أترون حولكم من أحبار اليهود وقساوسة المسيحية؟. وهل؟. وهل؟ ..
كان كل سؤال موجهاً للشيخ (بن باديس) خاصة، فكان الأستاذ (بلقاضي) هو الذي يرد عنه بجدارة المحامي المتمرن على أسلوب الدفاع.
لم أكن في الحقيقة مدركاً لجوهر الموقف تمام الإدراك، وعندما أدركت بعد مرور السنوات، فهمت أن مفهوم الإصلاح لا يعني شيئاً واحداً في عقل تمرن في المنطق (الكارتزياني)، وفي عقل كونه علم الكلام.
فلما رجعت إلى (دروكس) تلقتني زوجي:
- يا صدّيق إنني سأخبرك بشيء لا يسرك ...
لاشك أن الإصبع الذي يضغط على زر آلة الكترونية، يحدث في كل أجهزتها حركات دقيقة، كذلك حرّكت كلمات (خديجة) في عقلي تياراً من الاحتمالات المشؤومة، بينما أتلقى من يدها ورقة بعنوان مدرستي.
إنه مر على ذلك الحين أكثر من ثلاثين سنة، ولكنني ما زلت أتذكر ما قرأت في الخطاب كأنني أقرأه اليوم: (( ... إن سكرتارية المدرسة الخاصة للمكانيك والكهرباء، تخطركم بأنكم لم تستوفوا شروط الامتحان في بعض المواد ... ))
قرأت هذا، ولا أدري إذا كان المحتوى قد هالني في رجاء خاب بطريقة غير متوقعة، أم مسّني أكثر بمعناه الأخلاقي؟ ..
كنت أقدس العلم لأنني أؤمن بقيمته الأخلاقية، وكانت تلك القيمة مشخصة في نظري، في المدير (سودرية)، فقد كان تقديسي العلم ينعكس على شخصه، فانهار في لحظة إيماني بالعلم والعلماء ذلك اليوم.
ولكن الأحداث التي توالت في تلك الفترة كانت على نحو جعل كل فاجعة
стр. 363
منها تغطي على الفاجعة السابقة، وكان الضرر الذي يأتي اليوم يضمد بقساوته الضرر الذي شعرنا به الأمس.
وإذا بالصحافة تنقل نبأ مقتل مفتي الجزائر الشيخ (بن كحول) وتعزوه إلى (جمعية العلماء)، وإذا بالصحافة تنقل في الأسبوع نفسه، أن زعيم حركة (اتحادية النواب) الذي كان على رأس الوفد الجزائري، عاد إلى فرنسا في زيارة خاطفة، وأنه عند نزوله من الباخرة بميناء مرسيليا، قد استنطقته الصحافة:
- ما هي علاقتكم بجمعية العلماء؟
ففهم الزعيم بالضبط معنى السؤال الخبيث في ذلك الجو، فما زالت جثة مفتي الجزائر تستقطب كل الأحاديث السياسية، فقال رداً على السؤال:
- لا علاقة لنا مع من أيدهم مخضبة بالدم! ..
لم تكن هذه الكلمات طعنة من الخلف موجهة ضد الحركة الإصلاحية، ولكن الظرف كان يضفي عليها معنى الطعنة في صدر المؤتمر بالذات، الطعنة التي ألقته فعلاً قتيلاً في مهده، بعد شهر فقط من ولادته، وتبخرت في لحظة تلك الوحدة المقدسة التي ضمت في صف واحد كل القوى الشعبية، بعد ربع قرن من سير حثيث موفق نحوها.
والآن بعد ثلث قرن لم يتغير حكمي في القضية: إن الظروف السانحة وضعت العلماء أمناء على مصلحة الشعب، فسلموا الأمانة لغيرهم لأنهم لم يكونوا في مستواها العقلي، وسلموها لمن يضعها تحت أقدامه لتكون سلماً يصعد عليه للمناصب السياسية.
ولا مجال هنا لبحث القضية في جوهرها الحضاري، لفحص الأسباب التي جعلت العلماء أي الطائفة المتكونة من بوتقة ما نسميه (الثقافة التقليدية) لا يستطيعون القيام بالمهام الكبرى.
стр. 364
لم يكن الفصل مريحاً ولم يأت بتسلية.
إن إيطاليا الفاشية لم تعطني فرصة، و (سودرية) ومدرسة الميكانيك والكهرباء خيبا رجائي، والأمين العمودي لم ينشر مقالي في صحيفته، والمؤتمر الجزائري تبخر، وخاب ظني في الإصلاح والعلماء المصلحين، وأصحت أتساءل: - ماذا أفعل؟
بدأ هذا السؤال الذي طالما تردد في نفسي بعد خروجي من مدرسة قسنطينة، يتردد على ذهني من جديد دون جواب.
وبدأت أشتم في نفسي رائحة الغرق:
- ماذا أفعل؟
لعلي أكرر تجربتي مع السفارة المصرية الآن وقد أصبح لي أصدقاء من بين العلماء الأزهريين الوافدين على (الصربون).
توجهت ذات صباح إلى سفارة فاروق الذي خلف فؤاد، فكانت الصدمة أقسى من أختها، لأنني كنت هذه المرة معززاً بتوصيات أصدقائي الأزهريين.
لم يكن في استطاعتي في تلك الظروف أن أتراجع، وربما يجدر القول هنا إن الأقدار كانت مني على الدوام في موقف لا ألين معه إذا قسا الظرف، وأقسو إذا لان: فوردت ببالي فكرة أخرى في دائرة أفكاري العادية في الهجرة:
- لو أهاجر إلى الأفغان؟
وتوجهت في الغد إلى السفارة، فوجدت من طرف السفير كل الكياسة المنتظرة من ممثل بلاد جمال الدين الأفغاني، وفي أثناء الحديث الذي دار بيني وبينه بخصوص تطور وطنه بعد (أمان الله خان) تذكر:
стр. 365
- إن شاباً جزائرياً آخر، زارني منذ سنة للغرض نفسه اسمه؟.
وبينما كان سعادته يستعيد ذاكرته، بقيت أتساءل عن هذا الجزائري الذي سبقني على هذه الدرب، حتى استرجع السفير الاسم.
- آه .. السيد (صالح بن الساعي)! ..
فلم أشعر بغرابة في الأمر، إذ أن مرضنا واحد، المرض الذي يجعل طائفة من المثقفين الجزائريين في تلك الفترة تعيش ماسكة دوماً في يدها عصا الترحال، فقال السفير في نهاية الحديث:
- إنني أشرت على السيد (صالح بن الساعي)، الاتصال بالهيئة الفرنسية المختصة بتقديم مثل هذه الطلبات إلى السلطات في (كابل)، وأشير عليك كذلك.
فخرجت من مكتبه بالانطباع الذي أعتقد أن صديقي (صالح بن الساعي) خرج به يوم زاره قبل سنة.
بقيت مصراً على فكرة الهجرة:
- لو أهاجر إلى ألبَانيا؟
استقبلني سفير الملك (أحمد زوغو) بمرح وبشاشة كان لها أطيب الأثر في الحديث إذ طبعه بطابع الصداقة والمود، ويسر لي سعادته كل الإجراءات اللازمة للسفر بالمجان.
وفي المساء قطعت في شركة إيطالية للسياحة تذكرة سفر عن باريس إلى (دوراتزو) الميناء الوحيد للمملكة الألبانية في ذلك العهد، وفي مساء الغد كنت في قطار (سانبلون) الذي يقطع الحدود الإيطالية في مدينة (بريشيا)،
стр. 366
متوجهاً بعد ذلك نحو ميناء (باري)، في عقب (الجزمة) كما يعبر الايطاليون عن بلادهم، بسبب صورتها على الخريطة.
ولكن الطريق طويل، ويقتضي تغيير القطار أكثر من مرة في أرض لا أعرف لغة أهلها، فسلمتني الصدفة الحسنة إلى بحار شاب مسافر في الاتجاه نفسه، في طريق عودته من إجازة إلى وحدته في البحرية الحربية.
واستسلمت إلى أنس رفقاء العربة الإيطاليين، وإلى سحر المنظر الطبيعي الجميل، الذي يتغير من المنطقة الجبلية في الشمال، إلى سهول إيطاليا الوسطى، ومن اللون القاتم بسبب الغابات إلى اللون الشاحب، وكلما أوغل القطار نحو الجنوب سيطر طابع الجدب والقفر على المنظر.
وصل القطار إلى إحدى محطات الطريق، فنزل عدد من الركاب للترفيه عن أنفسهم ببعض الخطوات على رصيف المحطة، أو ببعض الفاكهة المتنوعة الجميلة الجيدة المعروضة، في ذلك الفصل في كل محطات إيطاليا، فلم نلبث إلا قليلاً حتى تحركت القاطرة من دون إنذار بنصف القطار فقط، لذلك بقي بعض من بقي على الرصيف وحقائبهم في العربات التي أقلعت، ثم دعي باقي الركاب إلى العربات التي كنت في إحداها، والتي أقلعت بدورها تجرها قاطرة أخرى، ولكن الأمر بلبل جمهور الركاب فاستمر بعضهم في المرح كعادة كل جمهور إيطالي في الظروف العادية، وانتقل الآخرون إلى اعتبار الحدث من زاوية سياسية، وبدأ الطرف الأول، وجلُّه من أبناء الشمال الإيطالي المعروفين بالقامة الطويلة واللون الأحمر، يعاتب الطرف الثاني، وجلُّه من أبناء الجنوب ذوي القامة المتوسطة أو الصغيرة واللون الأسمر، عن زهده في الأمور الجدية.
لم أكن أعرف الإيطالية ولكنني أتتبع معناها لقرب اشتقاقها من اللغة الفرنسية، فكنت أتتبع ما يقال، وإذا بأحد الركاب يصرخ وهو يمسح قطرات عرق على جبينه:
стр. 367
- إنني سأبرق غداً إلى موسوليني بصدد هذا الإهمال وهذا العبث!
يبدو أن الرجل كان من الشمال من الملتزمين الايديولوجيا الفاشية، فبقي سائر الركاب في مرحهم، بعضهم يغني وبعضهم يعزف على الجيتار.
وعندما وصلنا في صباح الغد إلى (باري)، والراكب محطم القفا من المقاعد الخشبية في القطار الإيطالي، أخذني دليلي- الشاب البحار الإيطالي- بكل لطف ولم يترك لي حقيبتي المثقلة بكتبي الهندسية، فشالها على كتفه حتى سلمني إلى عربة (حنطور) وأوصى صاحبها ليأخذني إلى الميناء.
وذهبت في هذا الركب عبر المدينة التي كانت تلفت نظر الزائر نظافة شوارعها، وتحفة ميادينها إذ توجد في وسط كل ميدان هضيبة زهور تضفي على النظر جمالاً ربيعياً.
لا أتذكر من قال لي إن (باري) من منشآت العهد النابولي، ولكن عندما اجتزنا سورها العتيق، بدا لي أن أصل المدينة أقدم من مملكة نابولي (١)، وعلى أية حال كانت المدينة تجذبني حتى كنت مسروراً بقضاء يومي فيها حتى إقلاع الباخرة منها في المساء:
- لا يا سيدي، إن الباخرة تقلع غداً مساء ...
قال لي هذه الكلمات موظف الجمرك، عندما وصلنا إلى الميناء؛ فتركت في نفسي بعض القلق دون أن أشعر أنها كلمات القدر. بينما كنت عند أخذ تذكرة السفر بباريس، قد تأكدت جهد استطاعتي من مواقيت السفر.
لم يبق لي إذن إلا الرجوع إلى المدينة حيث وجدت، لا أدري في أي
стр. 368
(أفيا) (١) وجدت كرفة في (بنسيون)، استدرجني إلى النوم سريرها المريح مثل كل أسِرّة ايطالية، فاستسلمت للنوم تفادياً للتعب الذي أنهكني أثناء السفر.
لم أستيقظ إلا في صباح الغد، فقد خرجت لأتناول القهوة على سطح مقهى قريب من (البنسيون)، فناولني الخادم القهوة مع كأس ماء، وناولته الكلمة الإيطالية الوحيدة التي تعلمتها من باريس إلى باري:
(جرازيا)! ... شكراً.
ثم سألته عن المطاعم القريبة فلم يفهمني ولم أفهمه، وإذا بصوت من خلفي:
- هل أنت فرنسي يا سيدي؟
فالتفتّ إلى المرأة التي تسألني، فرأيتها تجيب على الأسئلة التي وجهتها إلى خادم المقهى، وبجنبها ابنتها المراهقة.
ثم استرسل الحديث: كانت المرأة من مدينة (ليون)، فقد تزوجت ثيّباً بعد زواج سابق برجل من ألبانيا تركها ورجع إلى بلاده، فأتت تبحث عنه دون جدوى، فقلت:
- أنا متوجه اليوم إلى (تيرانا) ...
وقد قصدت بكلمتي استدراج السيدة للحديث عن شؤون البلاد التي رجعت منها بعد ما أقامت بها مدة، فقالت:
- ماذا تريد أن تصنع هناك؟ لا يوجد شيء إلا الفقر والبؤس ...
فبدأت أفكار مترددة تدور في عقلي وتساؤلات مضطربة تنشأ فيه:
стр. 369
- لو أنني لم أجد في البلاد مأوى وعملاً فماذا أصنع بعد ما ينتهي ما لدي من نقود؟ بأي شيء أعود إذا ما اضطررت للعودة؟
كانت لحظات مزعجة يتصارع فيها تصميمي على مواصلة الطريق، مع الجبن الذي بدأ يتفشى في أعصابي، مع كل كلمة تضيفها السيدة.
لم تكن الحياة القاسية قد علمتني بعد أن أحطم ورائي كل جسور الرجعة، فبدأت أتراجع وأقول في نفسي:
- لعلي بباريس وحتى بالجزائر لم أستنفد كل الإمكانيات ...
كان تصميمي عندما قمت من سطح المقهى على آخر رمق، بدأت أخبار الجزائر الأخيرة التي وردت للحي اللاتيني قبل مغادرتي باريس، تعود إلى فكري.
كانت الحكومة الاستعمارية قد ألقت القبض منذ أسبوع على الشيخ (العقبي) بتهمة الإسهام في اغتيال مفتي الجزائر، فقررت أن أوجه له في السجن برقية تأييد. فرأيت على وجه موظفة البريد علامة التعجب من الأمر، ربما بسبب المرسَل إليه وخاصة بسبب عنوانه ...
...
تنبأ بغض علماء الفلك بكارثة اصطدام ممكنة بين الأرض، وبين أحد الأجرام في السماء. وأتذكر أنني قرأت هذا النبأ في صحيفة مسائية بمقهى الهجار، بعد أيام قلائل من عودتي من رحلتي، فتقبلته بكثير من الرجاء.
إن المرء يعيش هذه الحالات النفسية عندما لا يبقى أمامه إلا رجاء الفناء. ولاشك أن (غوبلز) مر بها في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عندما أصبح (الريش الثالث) وشيكاً من حتفه، خصوصاً ذلك اليوم الذي صرخ فيه (غوبلز) من إذاعة برلين:
стр. 370
- إن ألمانيا ستطلق الكلمة إلى سلاحها السري الذي لا يبقي ولا يذر، حتى لا يبقى أحد يتساءل عما يحدث في الغد، لأن بعده لا معنى لسؤال عما بعد ...
فالآن وأنا بينما أراجع ذكرياتي، أرى أن (غوبلز) لم يكن يومئد يهدد العالم بسلاح سري لم يكن تحت يده، وإنما كان يعلل نفسه بالفناء ...
بينما كان الرأي العام الفرنسي حينذاك منقسماً تجاه الهجرة الإسبانية التي أصبحت شغله الشاغل، بين يمين يشيد بانتصار (فرانكو)، ويسار يتجند بكل ما يضم من أشخاص وهيئات، من أجل إيواء وتشغيل المهاجرين، حتى أصبحت أوازن عبثاً هذا الموقف الإنساني للتقدميين الفرنسيين- كما نقول اليوم- بموقفهم الجامد إزاء البؤس الفظيع الذي يتجلى في حياة العمال المغاربة، الجزائريين خاصة، الذين يتيهون في أتعس الأحياء الباريسية دون أن تنشط أي همة إسعاف نحوهم، بينما القانون يضعهم في إطار الجنسية الفرنسية.
ولم تكن هذه الموازنة كلها عبثاً لأنها تأتي ضمن سلسلة الظروف التي جعلتني أدرك بصورة واقعية، أن الروابط البشرية لا تصوغها القوانين الموضوعة، وإنما تنشأ بين أفراد مجتمع حدد التاريخ مصيره بوصفه كُلاً.
عشت تلك الفترة بين دروكس وباريس، فكان إطار حياتي بـ (دروكس) الطبيعة الجميلة على ضفة نهر (الأور)، في تلك الحقول المفروشة كبساط أو كحلة خضراء تحت السماء، أذهب مع زوجي و (أمي مورناس) بعد الغداء، لاقتطاف قوت أرانبنا اليومي، من كل طيب ولذيد من النبات.
وكم تعلمت في هذه المدرسة من المرأتين، لأنهما تعطيان لكل نوع من النبات اسمه الخاص، وتسميان كل حشرة باسم خاص، دون أن يكون لها أي اطلاع بعلم النبات ولا بعلم الحشرات، شأنهما في ذلك شأن أي راع عندما يسمي الأشياء بأسمائها التي علمها الله لآدم يوم خلق الكون.
стр. 371
بينما يكني المثقفون عندنا كل نوع من النبات (نباتاً) وكل حشرة (حشرة).
بدأت هذه الملاحظات، عن الاختزال Schématisme الذي يطبع التكوين الفكري عندنا، تلفت نظري بالتدريج إلى الفارق الكبير بين التثقيف والتعليم.
وبدأت في هذه الفترة، أطالع بكل إمعان كتب (بلزاك)؛ لأن (أمي مورناس) كانت تحتفظ بكل إنتاجه على رف من رفوف خزانة أواني الطعام، فكانت هذه المطالعة تزيد كثيراً في معلوماتي عن حياة المجتمع الفرنسي عندما بدأت، بعد العهد النابليوني، انطلاقته في العهد الصناعي، بكل التفاصيل الحميمة التي تتسم بها الحياة الفرنسية بكبريائها وضآلتها كما تصفها (الكوميديا الإنسانية) (١).
كانت هذه المطالعة وهذه الملاحظات وهذه الموازنات حقلاً خصيباً لأفكاري الاجتماعية الناشئة، أحملها معي إلى باريس، عندما أذهب للبحث عن الشغل، فأوزعها على حلقتي من طلبة وعمال جزائريين بمقهى الهجار، وكنت أهتم بالطلبة خصوصاً، لأنهم شرعوا في امتطاء الحزب (المصالي) من أجل الوصول إلى مآربهم أو إلى الزعامة، حتى ألفت نظرهم إلى مشكلات التغيير النفسي والاجتماعي الأساسية، التي لا تتكون بدون دولة.
لقد كانت الحركة الوطنية تستهدف أهدافاً سامية؛ دون أن ترسم خطتها ودون أن تحدد وسائلها، فأصبحت تتطور في جو من الفوضى لا يصلح إلا لمن يعمل من أجل مصلحته، لذلك لم يكن لحديثي مع الطلبة والعمال أي أثر عملي، كأنني أخطب في صحراء، غير أنني كنت أجد في الحي اللاتيني السلوى من طرف أصدقائي.
стр. 372
كان (صالح بن الساعي) يواصل كفاحه البطولي من أجل تثبيت قدميه على الأرض على الرغم من مناورات الاستعمار، يواجه كل عقبة في طريقه بالابتسام، ولا زال (حمودة) في جبهة المعركة ولم يركن بعد إلى الانزواء الذي سيجعل منه رجلاً يعيش إلى اليوم، على هامش المجتمع بحكم عقدته ضد كل حياة اجتماعية.
ولا زال (علي بن أحمد) ساخطاً على الجميع، يلعن شياطين الإنس والجن عن يمينه وعن شماله، ويهدي التحية الهتلرية لمن يعرف ولمن لا يعرف على الرصيف، وكان أكبر سخطه موجهاً في تلك الفترة إلى جمعية العلماء، ينتقدها حتى لتعيينها الشيخ (الورتلاني) نائباً عنها في باريس، فيعلن سخطه:
- إنهم تعدوا على كرامتنا نحن، أنا، و (بن الساعي).
وكنت في الحقيقة على الرغم من مودتي للشيخ (الورتلاني) ﵀، أشعر أن تعيينه عن جمعية العلماء بباريس، كان انتقاصاً من موقفنا أمام السلطات الاستعمارية، التي طالما وقفنا منها بوصفنا مناضلي الفكرة الإصلاحية. ولكن لعل الظروف تصرفت وحدها في القضية كما سيفسر لي ذلك الشيخ (العربي التبسي) في إحدى مناظراتنا، بعد هذا العهد بكثير.
وبقيت أيضاً على اتصال بـ (أنا كليتو)، أزوره في تلك المناسبات بسبب ما أجد في حديثه عن الإسلام والمسلمين من ألوان جديدة تنعش نفسي وتفيدني من الناحية الفكرية.
وفي أحد هذه التجولات الباريسية، توجهت لدرستي لطلب شهادة عادية كنت في حاجة إليها، فأشار علي الموظف المكلف بهذا الإجراء، أن أرجع في الغد لسحبها، فصادف بعد خروجي من المدرسة، أن التقيت بالمدير (سودريه) على رصيف بالحي اللاتيني، فنظرت في وجهه دون أن أجد فيه ملامح الوقار والعلم
стр. 373
التي اكتشفتها فيه يوم رأيته لأول مرة ومرات بعدها، فمررت في طريقي دون أن أحييه.
ولعل النظرة تكشف خفايا النفس لمن تنظر إليه، ولعل المدير (سودريه) شعر في نظرتي إليه، بما يختلج في نفسي نحوه من احتقار لشخصه واستصغار له؛ فعندما عدت في الغد إلى المدرسة لسحب الشهادة قال لي الموظف: إنها على مكتب المدير الذي يرجوني أن أستلمها من يده.
فقابلني بوجه بشوش متلطف كأنه يريد التكفير عن سيئته:
- السيد الصدّيق ... هل تريد أن تسهم في امتحان تجريه وزارة الدفاع من أجل اختيار بعض اختصاصي الحساب لقسم هندسة المدفعية؟
فقلت:
- والله .. إنني في صدد البحث عن شغل يا سيادة المدير.
- اذهب في الحين من طرفي إلى الكومندان فلان ليسجل اسمك، وسأتصل به.
استقبلني بعد لحظات الكومندان بكل حفاوة:
- إن المسيو (سودريه) اتصل بي في شأنك، فالامتحان يجري غداً، وملفك ليس جاهزاً، عليك أن تجهزه بعد الامتحان ...
حاولت الشكر، ولكن الضابط لم يمهلني:
- إنك تكون هنا في السابعة والنصف غداً.
فخرجت أنشد في نفسي نشيد الفرح، بينما تتردد على فكري ألف فكرة فيما يخص ترتيب حياتي بباريس بعد الامتحان.
стр. 374
وفي الغد مضت الأشياء في الصباح على النسق العادي، وكنت بعد الغداء أول من دعي للامتحان الشفاهي، فوجدت في القاعة لجنة الامتحان وعلى رأسها جنرال ببزته العسكرية، وبجنبه الكومندان الذي استقبلني، رجل ببزة مدنية من ناحية أخرى، فأحسست في تلك اللحظة بانقباض في نفسي نحوه.
كان الجنرال هو الذي يسأل، وكان الجواب على السبورة، ومن العلوم أن المسؤول يشعر بقدرة إجابته من خلال نتيجته ... ومما زادني شعوراً بالتوفيق موقف الجنرال بعد الاختبار.
- الصدّيق؟ .. الصدّيق؟ .. هذا اسم جزائري من أي ناحية أنت؟
- من تِبسة يا سيدي.
فالتفت الجنرال إلى الكومندان بجنبه:
- إنني بدأت الخدمة العسكرية في هذه الناحية بمدينة (باتنة).
لقد كان الجو مرحاً إلى أن أصبح الجنرال يستعيد ذكريات بعيدة، ثم التفت إلى الرجل الآخر:
- متى تعلن النتيجة؟
- سنعلقها بعد عشرة أيام تقريباً ...
فشعرت في تلك اللحظة شعوراً متشائماً، لأن رجائي في نتيجة الامتحان بالنسبة لي، كان كله على أساس المفاجأة التي أتاحت لي قرب تسجيل اسمي من يوم الامتحان، لذلك لم يكن في وسع الاعتبار السياسي أن يتدخل، في برهة زمن قصيرة جداً، أما وقد أُجِّل إعلان النتيجة عشرة أيام، فقد انفسح المجال لكل الاعتبارات الخاصة في النطاق الإداري.
стр. 375
كنت عندما أعود إلى بيتي من باريس، بعد كل ما يصيبني من تعب البحث عن الشغل، وبعد كل مسامراتي المرهقة بمقهى الهجار والحي اللاتيني، أعود وعلى وجهي ملامح تفزع زوجي:
- والله لكأنك عدت من ارتكاب جريمة.
تقول هذه الكلمات لا ترى في عيني من آثار حمى التعب، التي تترك شعري مشعثاً على رأسي، في هيئة من يعود من مغامرة خطيرة.
ولكن لا تمر إلا ليلة واحدة من الراحة في بيتي حتى تعود ملامحي إلى عادتها في أنس الأسرة وهدوء الطبيعة ..
كان الأمر كذلك هذه المرة، فاسترجعت حتى بعض الأمل في نتيجة الامتحان، ولكنه أمل الأطفال الذين يستطيعون، بمنة من الله عليهم، أن يستعيدوا في لحظة وجيزة المرح الذي يطمسه على وجوههم البريئة ظرف قاسٍ.
لقد كان البريد شحيحاً بالنسبة لي، لذلك لا أنتظره عادة؛ بالإضافة إلى أن الجزائريين قد وجدوا حلاً صارماً لهذه المشكلة: فلا أحد يكاتب أحداً ...
وإنما كنت في انتظار خطاب قسم هندسة المدفعية، فجاء في موعده، يتضمن سطراً: ((إنكم لم تستوفوا شروط الامتحان)).كأنما أصبحت هذه العبارة المفتاح الذي تفتح به أو تغلق،- لا أدري- قضيتي كلما عرضت على الإدارة ...
لو أستطيع العدول عن الإدارة؟ ... لعل الهيئة الدينية لا تحاكم المسلم بجرم دينه؟ .. فتذكرت اسم رجل دين، هو أستاذ بمعهد للدراسات المسيحية قرب باريس، قد كنت تعرفت عليه أثناء زيارته للجزائر، قبل ثلاث أو أربع سنوات، فكاتبته في شأني، وحالما وصل خطابي إليه لم يتأخر ذلك الرجل الطيب بالجواب: إنني أوجه في الحين رسالتك إلى أحد أصدقاء المسلمين بباريس.
стр. 376
آه يا للرجل الطيب! .. إنه تعود في حياته العادية الطرق الواضحة، دون أن يعلم شيئاً عن المسارب الملتوية في حياة المستعمرات! ..
لقد تصورت في ذلك الحين لأي (صديق المسلمين) وُجهت رسالتي، ومع ذلك فضلت أن أترك زوجي ترتاح من كربها ريثما يأتي النبأ، فلم يمض إلا يومان أو ثلاثة أيام، حتى أتاني خطاب من الأستاذ (مسينيون) يطلب حضوري.
لا مناص من مواصلة الطريق الذي سطّرته الأقدار إلى آخر خطوة. وإذن لم يكن هناك بد من خطوة أخرى إلى (مسينيون)، أجلسني كالمرة الأولى أمام مكتبه ولم يسألني عن شيء، سوى الظرف الذي تعرفت فيه بالقس الفاضل الذي وجّه خطابي إليه، كأنه يجري تحقيقاً في هذه القضية بالذات دون اهتمام بسواها إلا في نهاية الحديث:
- إنك تطلب شيئاً هاماً.
ودعني بهذه الكلمات عند باب الشقة.
ربما كنا في أوائل سنة ١٩٣٧، ولا أدري كيف بلغني أن الإدراة بتونس قد شرعت في فتح طريق بالجنوب التونسي، وأنها تطلب تكنيين من أجل إنجازه، غير أنني أتذكر شعوري في هذه المناسبة بضرورة تغيير خطة السعي:
- أن أقصد رجلاً يلبس جبة الراهب لا يحقق شيئاً في مجتمع علماني كما دلت على ذلك تجربتي الأخيرة. عليَّ إذن بالتذرع برجل يتصف بـ (الفكر الحر).
وقد كان كل ساكن من سكان (دروكس) يعلم أن عمدة المدينة في أعلى رتبة من سلم (الماسونية): ..
- عليّ به، لعل الفتح يكون على يده ...
стр. 377
ولا أجحد أن ممثل الجمهورية الثالثة الفرنسية المحترم تدخل فعلاً في تأييد طلبي. ولم تمض إلا أيام قليلة حتى أبلغ لي الرد الذي ورد عليه بهذا الصدد: ((إننا لا نستطيع التصديق على هذا الطلب، لأن الطريق المشروع في إنجازه طريق عسكري.))
شعرت ببؤس تلك السمكة المتمردة وهي من النوع المفترس الصغير، طالما مزقت تقلباتها المتحدية خيوط الشبكة المعدة لصيد السمك الهادئ في المستنقعات السياسية ...
إنهم لا يريدون الآن اقتلاع بعض حراشف جلدها فقط، ولا اقتلاع بعض أنياب فمها فحسب ... لا بل يريدون مرة واحدة أن يلقوها في المقلاة فيقلوها ويشووها حتى تصير لقمة سائغة للآكلين.
كان الشتاء في آخره، وبدأت طبقة الجليد تذوب على أرصفة (دروكس)، وشرعت الأشجار تنزع لباسها من البرد الأبيض، وبدأت العصافير تبني العش الجديد، والفراشات الملونة تطير وتسرح وتمرح كأنها تداعب الحياة. وكان الجو عذباً هادئاً معتدلاً سعيداً بعودة الربيع. فأبقى ساعات متكئاً على حافة نافذة مشرفة على وادي (الأفر) الصغير، عندما يبرز ماؤه الشفاف من تحت أقواس الجسر قرب بيتنا، ليصير المرآة التي تنعكس على سطحها هذه الحركات السعيدة، فلا أرى شيئاً كأنني أجني على كل ما يصب ويدب في هذه الطبيعة المرفرفة، كأنني محجوب عنها بما يضطرم بين جنبي، وما يعصف بينها من عواصف هوجاء، لقد أصبحت أعيش داخل نفسي كالسجين داخل سجنه.
ولم تكن الزيارات التي تأتينا كثيرة، وإنما كان أصدقائي من (الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين) يترددون علينا من حين لآخر بمناسبة عطلة آخر الأسبوع. ولكني بدأت أشعر على الرغم من صداقتنا، أنني أجنبي عليهم، محجوب عنهم بمشكلة الاستعمار الغريبة عنهم.
стр. 378
وكانت تزورنا أيضاً أسرة، هي رجل وامرأته؛ كان الزوج شاباً طيباً جداً يشتغل في دار باريسية للنشر تخصصت في طباعة وتوزيع الكتب العلمية المبسطة، فأتى الحديث بطبيعة الحال على الصعوبات التي أواجهها، فأشار علينا الزوجان بأن أتعاقد مع الدار، التي رأت فعلاً من مصلحتها أن تمد نشاطها إلى الجزائر.
تم التعاقد وتقرر موعد السفر وجهزتني زوجي من صنع يدها، لأن شراء الملبس من السوق أصبح متعذراً بالنسبة إلى إمكاناتنا، فاشترت قطعة قماش صوفي من دكان يهودية تشتري بضاعتها بالكيلو من المصانع، وتبيعها بالمتر لنساء المدينة، ففصلت لي زوجي من قماش لمعاطف السيدات (بدلة) لأن خزانة ملابسي لم تجدد تلك السنة كالعادة.
ثم أقام مدير الدار الباريسية مأدبة غداء على شرفي، وسافرت مع صديقي. كنت حريصاً عند وصولي إلى الجزائر، أن أتحسس نتائج الأحداث التي أثرت في انهيار المؤتمر الجزائري الإسلامي، بعد قتل المفتي (بن كحول) واعتقال الشيخ (الطيب العقبي)، فوجدت الكساد مخيماً في ربوع المدينة، خصوصاً في نادي الترقي الذي كان معقل الإصلاح في العاصمة.
ووجدت (محمد الشريف جوجلاريه) منزوياً في مقهى بالحي الشعبي، يحرر خطابات الأميين إلى ذويهم؛ فتأثر عندما رآني لجأت إلى ترويج العلم المبسط وسيلة عيش، ولم يكن هذا الرجل الطيب يدري، ولم أكن أدري أن هذه الوسيلة ذاتها لا تجدي في يد مسلم يعمل بها.
ومنذ الغد شرعت في العمل، يصحبني صديقي في المحاولات الأولى، حتى يرشدني إن اقتضى الحال، فوجدني أدرى منه في الموضوع كما قال لي ذلك بكل صراحة، فتركني لشأني بعد اتفاق على خريطة نشاطنا في الأحياء الأوربية، حتى لا نطرق كلانا الباب نفسه.
стр. 379
ولكنني لم أتغلب على عقدة ورثتها من طفولتي، فمن يسألني عن اسمي أقول (الصدّيق)، بدأت كلما دخلت مكتباً أو منزلاً أتقدم كذلك لصاحبه، فتتحرك في نفسه منذ اللحظة الأولى العقيدة الاستعمارية؛ ومما يزيده اشتباهاً في أمري أنه يجدني- عندما يصغي لحديثي- أتكلم لغة لم يتعودها حتى عند باعة العلم المبسط، فأراه عندئذ يلطف العبارات لستر العورات، ثم يودعني على الباب بأطيب التحيات ...
تكررت هذه التجربة يومين أو ثلاثة أيام، عرفت خلالها أن عملاً، حتى مثل هذا، يستحيل عليّ في مجتمع صنعه الاستعمار في كل جزئية من كيانه.
فاستأذنت من صديقي وسافرت إلى تبسة. ربما في شهر أيار (مايو) ظهر لي الجدب والقحط يسودان تحت شمس محرقة ليس فيها هوادة، تحرق أشعتها كل شيء في المنظر الذي لم يشهد منذ زمن طويل سقوط تلك الثلوج التي طالما تمرغت فيها في طفولتي.
ولكن بدا لي المنظر الاجتماعي أكثر جدباً وأفشى قحطاً، لم تبق فيه تلك الرابطة التي كان المرء يشعر بها بين القلوب والعقول المجتمعة حول قضية في جو يضفي عليها القداسة ... بل هذه القضية نفسها أصبحت كأنها ذابت وتبخرت في طوفان من كلام، إذ أصبح كل مقهى سوق عكاظ وكل مائدة فيها أصبحت منصة يخطب من حولها بما شاء ولمن شاء وكيفما شاء.
لقد فقدت الكلمة قيمتها بانتقالها من النادي أو المسجد إلى المقهى، منذ سلّمت القيادة (المعمَّمة) زمام الأمر للقيادة (المطربشة)، حتى على رأس المؤتمر الجزائري الإسلامي، الذي ذهب أول ضحية لهذا التسليم، وبدأ ظهور (الجبهة الشعبية) بفرنسا يضيف مفعوله الخاص إلى الانهيار الذي حدث بالجزائر، فأصبح كل جزائري ذا اهتمام سياسي يعلن عضويته في الحزب الاشتراكي الفرنسي، حتى بعض هيئة أركان حزب الإصلاح.
стр. 380
ولم يخطر ببال أحد أن يصرخ بكلمة (الخيانة)! .. في جو بدأ فيه (مصالي حاج) ينصب الخلايا لحزبه بمدينة الجزائر .. وبدأ الوطن يهجر حلبة الواجبات ويتجه إلى ميدان الحقوق .. والتقدمية ..
وإنني لأرى، وأنما أحرر هذه السطور بعد مضي ثلث قرن، نتائج هذا الانحراف في المظاهرة الطلابية التي تمر هذه اللحظة في الشارع تحت نافذتي، منادية بسقوط شخصية عربية أعلنت اليوم استقالتها من الحكم بعد الهزيمة النكراء، بينما لم أر همة هذا الشباب تتحرك قبل أسبوع لينادي بسقوط (موشي دايان).
إن هذا الظرف يكشف عن ظاهرة الفرار من الواجب بالتظاهر والمظاهرات، تلك الظاهرة التي لم تكن بعد نتائجها واضحة في الميدان السياسي ولكنها أصبحت في منتهى الوضوح في الحقل النفسي.
أصبح كل الناس يتكلمون بينما لم أمنح يوم ولادتي موهبة كبار المغنين، فكنت أبقى غالباً ملازماً الصمت إلا في بعض المناسبات، عندما يتغيب الشيخ (العربي التبسي) ليلة جمعة، لأنه تعود أن يتحدث تلك الليلة في (نادي الشبيبة الإسلامية) فإذا تغيب يطلب مني أن أنوب عنه، فأغتنمها فرصة لمقاومة التيار الجارف، فأتحدث فيما يتصل بالواجبات أو بمشكلات الحضارة.
ولكنها صخرة (سيزيف) يرفعها إلى القمة، فتسقط مرة أخرى في الهاوية السحيقة. كذلك أصبح ضمير الجمهور الجزائري لا يرتفع في لحظة موفقة إلى مستوى المشكلات الحيوية، دون أن يهوى مرة أخرى في الثرثرة والمظاهرت، بتأثير جاذبية الظهور، جاذبية محكمة يجيد الاستعمار تسليطها على الحركات الناشئة لتعكس اتجاهها إلى أسفل.
ولم يكن في استطاعة العلماء مواجهة هذا التيار، لأنهم بادئ ذي بدء
стр. 381
لا يشعرون به ولا يؤيدون من يشعر بخطورته، فقد كانوا يفضلون من يخون عهدهم ويرضي غرورهم، على من يخلص لهم وينقد سلوكهم، لذلك نشأ في هذه الفترة بالذات بيني وبين الشيخ (العربي التبسي) ما يشبه القطيعة، لأنني توليت وحدي المرافعة ضد الزعيم الذي تبرأ منذ سنة في صحيفة فرنسية من جمعية العلماء، التي نصّبته على رأس المؤتمر الجزائري، فكان الشيخ ﵀، يقوم بدور المحامي عنه بدعوى أنه الرجل الأوحد؛ بينما كان الرجل يقوم علانية بدور من ينقض الغزل كلما غزله الشعب منذ ربع قرن؛ فيرفض بوصفه رئيساً للمؤتمر فكرة دعوته لسنته الثانية، رفضاً كان بمثابة إلغاء لمبدأ نفسه، في فترة لم يكن العالم فيها قد عرف بعد حق (الفيتو) الذي سيكون له شأن في مداولات الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.
انتصر الاستعمار في هذه المعركة من دون أي بذل ولا تضحية، ثم انتصر في معركة أخرى على أرض الإصلاح بالذات، يوم قرر (الرجل الأوحد) وزملاؤه من (اتحادية النواب) أن تقام بمدينة قسنطينة (زردة) (١)، بعد أن قضى الإصلاح على مثل هذه العادات التي كانت تشوه الدين.
ولا أدري ما فكرت مدام (دوننسان) يوم أقيمت (الزردة)، ولكن كل جزائري كان يعلم أن كل كبار المستعمرين مَوّلوها من مالهم الخاص، حتى تقدم مجاناً للرأي العام، بينما بدأت مخازن اليهود التي حطمها الشعب منذ سنتين عندما نقل إليه نبأ مصطنع بققل (الرجل الأوحد)، تبيع اليوم أقمشة مطبوعة باسمه.
لم يكن التنفس بالأمر اليسير في هذا الجو المتعفن.
كنت لا أخرج من بيتي إلا في المساء، لأتناول شاياً على سطح النادي، إلى جانب (حشيشي مختار) الذي كان هو الآخر يضم في جيبه بطاقة عضويته في
стр. 382
الحزب الاشتراكي الفرنسي، لأن العدوى كانت شاملة، ولكنه مع ذلك بقي محتفظاً بفطرته البدوية السليمة، فقد كان لا يترك فرصة تفوته للتعبير عن سخطه بلغة فرنسية مهلهلة، نعلمها في مداولات المقاهي الأوربية يوم كان قمَّاراً:
- يا جيل الضفادع.
كانت هذه الكلمات تتصدر كل خطبه السياسية التي كنا أنا وخالدي، نحرص على استماعها أكثر من أي خطبة زعيم آخر لا نجد فيها من روح الصدق والإخلاص.
وقد كنت ألاحظ بارتياح على وجه (خالدي) علامة النقاهة الروحية الناجعة منذ بدأ قراءة (نيتشه)، كما أشرت عليه بذلك قبل سنتين، فأصبح محصناً بأفكار الفيلسوف الألماني من تلك العقبات التي توضع في طريق شبابنا الجامعي حتى اليوم، لتحيله إلى طريق تفكير وإحساس تجعله أجنبياً عن الشعب شاذاً على نسق حياته.
ولا شك أن الإنسانية ستتكبد خسارة كبرى من جراء ما تقوم به اليوم لجنة مختصة، من تعديل تدخله على كتب (نيتشه) لتصيّرها صالحة لمكتبة عالمية، ترفض الأصالة وحرارة الإيمان ومضاء الأفكار، ولا ترجو من الكتاب إلا التوقيع تحت كل ما يجول ويدور.
فقدت الميل إلى الفن المصري، الذي طالما قربني من مقهى (باهي) ومن حلقة (صادق شقة) بالتبعية، وأصبحت أسأم من كل شيء بينما كان العالم لا يستطيع التنفس، وهو يرزح تحت ثقل جبار لحضارة مثقلة بكل مطامع ومطامح استعمارهم.
وكنت أمر بباب الساعة، في الوقت الذي يفتح بجنبه باب الثكنة لتوزع فيه، مخلفات أكل الجيش على الفقراء من أطفال وشيوخ يتراكمون على باب
стр. 383
الثكنة للحصول على حصة طعام، يتناولونها في علب قصدير يلتقطونها من مزابل المدينة، ويخفونها تحت أسمالهم لينقلبوا إلى أهليهم.
كان هذا المنظر يذكرني بمأساة الشعب الذي يعيش في عالم لا تعرفه القيادات، ويحدثني يومياً عن التدهور الاجتماعي الفظيع الذي يواجهه الشعب وحده دون مساعدة رسمية ولا إرشادات أخوية.
وقد اتفق الرأي بمناسبة عيد فطر أو أضحى، أن نوزع بعض الملابس على الأطفال، وإذا بعدد منهم لم نكن نتوقعه يأتي من كل حدب وصوب، وزوجي التي التحقت بي في هذه الأثناء، تتتبع من إحدى نوافذ بيتنا عملية التوزيع، لأنها كانت تجري في شارعنا، وقد تجمعت مند الصباح الباكر، جموع من الأسمال والأسقام كان أثر منظرها على أعصاب زوجي مثل الصدمة النفسية، حتى إنني عندما عدت إلى البيت، سمعتها تقول وكأنها في حالة وجدانية غريبة:
- والله لو وضعوا رشاشة في مدخل هذا الشارع، ورشاشة أخرى في مدخله الثاني، ثم حصدوا هؤلاء الأبرياء بالرصاص، لكانوا أرحم بهم من أن يتركوهم تائهين هكذا! ..
كنا في عهد (الانشلوس) (١) وتأخر المستشار (دلفوس) عن الحكم أو أخروه، وأصبحت طريق فيينا مفتوحة، فوصل هتلر والطبل يدق دقاته العسكرية، وألقى خطاباً عقّبت الجماهير على كل كلمة منه بهتاف تنقله أمواج الأثير كصدى عاصفة اجتاحت العالم.
كانت ليلة لا نظير لها. كنت أسمع الخطاب في مخزن (سي الصادق بو ذراع)، مع (خالدي إبراهيم)، فكانت كل موجة تصب في قلبي الرجاء بفناء قريب.
стр. 384
ولكن إلى أن يتحقق هذا الرجاء، ماذا أصنع؟
كنت أتعجب من عبث هذه الشبيبة التي تقضي يومها بمقهى (باهي) تخطب، أليس من الأجدى أن تتجند للقيام بأي أمر إيجابي حتى تتكون عندها روح الخدمة والتضحية؟
بدا لي أن لو تطوع بعض الشبان لتنظيف مقبرة المسلمين التي كانت بالقياس إلى المقابر الأخرى خاصة لمقبرة اليهود، في حالة إهمال يُرثى لها، كان الأموات مهملين فيها، مثل الأحياء في الشوارع، لو تطوعوا لكان قيامهم بهذا المشروع بمثابة تمرين لهم تجاه الواجبات، ودرساً نافعاً للمجتمع الذي اقتنع حتى ذلك العهد بالمطالبة بحق الأموات، راجياً من البلدية الاستعمارية بناء سور حول المقبرة وتنظيف داخلها، فلو تحركت همة بعض الشبان في تنظيف المكان، لتحركت همم أخرى بجمع المال ولتقدم البناؤون للعمل الخيري بالمجان. وإذن لتبين لهذا الشباب أن السياسة الحقيقية التي تغير وجه الأشياء ووضع الشعب، ليست في المطالبة بحق، ولكنها في القيام بالواجب.
عرضت مشروعي على طائفة من الشبان اجتمعوا لاستماعي بمقهى (باهي)، وهتفوا لمقالي عندما انتهيت، وسررت وسعدت، ثم تفرقنا ولم يتحقق المشروع.
ولو راجعت اليوم هذه الصفحة المعبرة عن لافعاليتنا، لوجدت فيها ما يتصل بموقف الشبان من الناحية النفسية، وما يتصل بموقفي من الناحية الفكرية.
ومما زاد الطين بلة في تلك الفترة أن (الجبهة الشعبية) كان لها على الحياة العامة الجزائرية التأثير نفسه الذي كان لها في فرنسا، وخاصة أنه قد فتحت في الجزائر محابس الكلام، فاستولى على كل فرد داء الكلام كلامه أو كلام جاره، وإنه لداء قتال!
стр. 385
حتى إن بعض المصابين كان ذات يوم مع الجمهور التبسي، يستمع إلى خطباء يتكلمون بقاعة المهرجانات، فطلب الكلمة فلم تعط له فصرخ:
- إنني سأنفجر إن لم أتكلم! ..
فأراد بعض الحاضرين- وأعتقد أنه (حشيشي مختار) وربما معه (خالدي) - أن يتفادوا الانفجار فقالوا:
- أعطوه الكلمة! .. أعطوه! ..
قفز المريض على المنصة ومكنسة بيده، لا أدري أين وجدها وقال:
- يجب أن نكنس الاستعمار هكذا! ..
هذا كل ها قاله وهو يلوح بالمكنسة، ثم نزل مرتاحاً كمن تنفس بعد أن ضاق صدره؛ ولا يستطيع أحد تقدير ما تكبدنا من خسائر جوهرية منذ استولى علينا مرض الكلام، ومنذ أصبح المجتمع سفينة تائهة، بعد إخفاق المؤتمر.
كانت الأفكار قبل ذلك صافية، والنوايا خالصة صادقة، والقلوب رحيمة خيرة، فاستحال كل ذلك إلى الخلط والخبط والتباغض والانتهازية والثرثرة.
وأصبح كل فرد مهتماً بـ (معزوفته) الشخصية في العزف العام، ويسعى لمصلحته الخاصة باسم الإصلاح أو باسم الوطنية. وبدأت الخرافات التي طردت من الباب تعود من النافذة، وبدأ الجمهور الذي هجر الزوايا الطرقية، حتى أغلقت أبوابها، يعود إليها لتفتح أبوابها من جديد، وأصبحت أسمع من بيتي نقرات البندير بزاوية القادرية وزاوية العمارية، كل ليلة جمعة كما كنت أسمعها في شبابي، وكما كانت تسمعها في ليالي الزفاف مدام (دوننسان).
وعاد (باهي) ينقر البندير بمهارة العسكري الذي تمرن على الطنبور، فيجر وراءه جمهور المقهى إلى الزاوية القادرية وجمهور الزاوية إلى المقهى.
стр. 386
وظهرت من جديد المواكب الصاخبة في تشييع الجنازات، ولا أدري كيف فسرت مدام (دوننسان) هذه الظاهرة.
وذات يوم من هذه الأيام انطلق (البراح (١)) يعلن وصول (الزعيم) ليلقي خطاباً للجماهير تلك العشية. ولا أدري إذا فكرت مدام (دوننسان) أن الاستعمار شرع يدفع في حلبة الصراع جنده الجديد من المطربشين المتكونين على مقاعد الثانويات والجامعات.
وسمعت القيل والقال عندما ارتفعت حرارة الوطنية بدرجات في الجو، وتوجه الناس إلى جسر وادي الناقص لاستقبال (الزعيم)، كانت منقلباً إلى بيتي لأختفي، كما فعلت لست عشرة سنة خلت، يوم العيد المئوي لنزول الجيش الفرنسي، فلقيني أحد أهالي المدينة ممن يعرف موقفي من هذه المهرجانات، فقال لي إنه سمع أحد الشبان من البادية يسأل آخر:
- هل للزعيم (جطاية) (٢) من ذهب؟ ..
يا لها من هزيمة مجتمع فقد رشده! ..
وفي المساء أقيمت مأدبة عشاء للزعيم بدار (سي الصادق بو ذراع) فدعيت لها مع (خالدي) وقريبي (صالح حواس)، و (سي محمد المكي)، فألح علي أصدقائي أن أحضر معهم لنسأل الزعيم عن أسباب موت المؤتمر الجزائري الإسلامي، فحضرنا وبعد الطعام تناولت الحديث.
ولكن الزعيم كان أمكر من ثعلب وكنت أبلد من خرتيت. فتكلمت وسكت، وتولى الرد على أسئلتي المحرجة أحد زملائه ممن سيكشفه الرأي العام بعد
стр. 387
ذلك بوصفه رقماً من أرقام قلم المخابرات الفرنسي، ولكن بعد أن أدى في الحياة السياسية الجزائرية كل مهماته.
كانت مرافعتي أحر من الجحيم، ولكن وطيسها لم يحرق إلا الفراغ وبالتالي بقي النصر للزعيم، وفزت أنا بقصب الخطابة.
وكتب للزعيم انتصار آخر ذلك المساء، لأنه دعي إلى حفلة شاي بعد العشاء، فحضرها الشيخ (العربي التبسي) من بين من حضرها، فتكلم هذه المرة (الزعيم) يسوّغ موقفه إزاء الجمهور التبسي، فيما يخص موقفه من جمعية العلماء بعد قتل مفتي العاصمة.
فاعتبرت أن واجب المرافعة يقع هذه المرة على عاتق الشيخ العربي بصفته الشخصية الثانية أو الثالثة في جمعية العلماء بعد الشيخ (بن باديس)، ولكن العالم سكت فانقلب الزعيم مكللاً بانتصارين: مرة لأنه سكت، ومرة لأنه تكلم.
ومضى العالم في طريقه نحو الحرب العالمية الثانية، تحت هتاف الجماهير الألمانية التي تملكتها الشطحة الصوفية، بينما بدأ (الدوتشي) هو الآخر، يرفع صوته مهدداً ذات اليمن وذات الشمال، ويشهر (سيفا الإسلام) الذي قدمه له بعض الوجهاء الليبيين، تحت قوس نصر شيد من أجل ذلك، في منتضف الطريق بين طرابلس وبنغازي، وقد بقي هيكله بعد الحرب العالمية الثانية، شهادة على عبث وجبروت الإنسان، كما تشهد على ذلك الآثار الرومانية التي سبقته في المكان نفسه بألفي سنة.
ولكن عندما بدأت محطة (باري) إذاعتها، كانت حلقة (باهي) وحتى حلقة (صادق شقة)، تتحولان إلى حلقة واحدة من المستمعين إلى صوتها، ذلك الصوت الذي كان يذكرني فيما يخصني، بمحاولتي العابثة مع السفارة الإيطالية، وفي سفري الفاشل إلى (باري) بالذات قبل سنة.
стр. 388
ولا زلت أعاني المشكلة نفسها: ماذا أصنع؟
كان طوق الاستعمار يزيد كل يوم في خنق جميع وجوه النشاط حتى أتفهها، ولا يحصل عليه من يطلبه إلا بتدخل ذي جاه في قلم المخابرات.
وأصبح صديقي (حشيشي مختار) يواجه هو الآخر صعوبات بعد سنوات جدب متكررة، وكان بحكم استقامته الفطرية، لا يحاول إيجاد مخرج له من شباك البركات الحكومية، غير أن الصدفة أعانته على إيجاد نشاط له في صفقات الحيل التي بدأت الجزائر تصدرها في تلك الفترة، لاستهلاك الجزارين الفرنسيين؛ فأعانه مادياً أحد تجار المدينة، لذلك أصبح صديقي يتردد بين الجرائر ومرسيليا بصفقاته، مستفيداً منها بقدر فائض ثمن البيع بنسبته من ثمن الشراء، ولكن ما طال الزمن حتى بدأ هذا القدر من الكسب يتقلص بسبب الجزارين الفرنسيين الذين خفضوا أكثر فأكثر تسعيرة الشراء، وبسبب شركات الملاحة التي رفعت تكاليف النقل، فما تغير مع ذلك صديقي ولا تلوثت مروءته في هذه الهزيمة العامة.
وبقي خاصة وفياً لصداقتي في جو يتجنبني فيه كل من له ولاء للاستعمار أو رجاء في بركاته ...
وإذا بصديقي يفاجئني عند عودته هذه المرة من مرسيليا:
- ياسي (الصدّيق) هيئ نفسك لتسافر معي في صفقتي المقبلة.
- كيف هذا ياسي (مختار)؟
ففسر لي الأمر بإيجاز:
- إن بعض الإخوان أسسوا بمرسيليا منذ بضعة أشهر، نادياً أطلقوا عليه
стр. 389
(نادي المؤتمر الجزائري الإسلامي) من أجل تثقيف إخواننا العمال هناك، واسترشدوني في مدير لمؤسستهم فأشرت عليهم باسمك فهم ينتظرونك.
لا أدري هل شغلتني أكثر: الفرحة بالفرار المقبل من جو لم يبق لي فيه متنفس، أم العبرة من وفاء رجل الشعب الجزائري لفكرة (المؤتمر الجزائري الإسلامي) التي قضت نحبها في الرؤوس المثقفة مطربشة كانت أم مُعَمّمة؟
على أية حال لم يبق لي بتبسة ناقة ولا جمل، خاصة منذ رجعت زوجي إلى (دروكس) في منتصف الصيف، وبدأت الأشياء التي كانت تربطني بها عندما أعود في العطلات السنوية تعكس سيرها وتمشي القهقرى. ولم يبق مجال للقول لمن يعتقد أن واجبه أن يقول شيئاً، لأن كل ذي أذن أصبح ذا فم يتكلم ..
وأصبحت الحياة التبسية تفقد كل ما كنت أتذوقه في بساطتها شبه البدوية، فلم يبق لي أي تعويض فيها، حتى في جانبها الطبيعي الذي استولى عليه هو الآخر، أو استمر فيه التدهور العام، يزيد كل يوم درجة في مَحْل الطبيعة وشبراً في قفرها.
فوجدت إذن فيما عرضه علي (حشيشي مختار) سفينة النجاة، وبعد أيام وصلت معه وصفقته من الخيل إلى مرسيليا.
...
حانة (المرايا) من الحانات الموجودة في ذلك الشارع الذي تؤمه بنات السوء وأولاده، لذلك يغشاها زبائن من نوع خاص؛ ولكنها مع ذلك المركز الذي يجتمع فيه أعضاء (نادي المؤتمر الاسلامي الجزائري) لأن صاحبها (التلموذي) هو مؤسس النادي.
كان (التلموذي) من أهل (عنابة)، وربما كان يدين لهذا السبب بانسجامه التام في وسطه الجديد، فلم يكن من لا يعرفه خاصة يفرق بينه وبين
стр. 390
أي صاحب حانة مرسيلي، يجيد الحرفة في كيفية مناولة زبونه كأس (البسطيس) (١) وكيفية الحذيث معه حتى يقضي وطره.
فعندما اصطحبني (حشيشي مختار) إلى هذه الحانة، شعرت بالحرج المزعج عندما دخلتها، إذ كنت في حالة من يتصور دور القس المسيحي على صورة مثالية، يراه يقضي مهمته التبشيرية في معبد، دون أن يتصور شيئاً عن مهمته الكبرى في النواحي المتدهورة من المجتمع.
عانيت ذلك اليوم هذه العقدة التي تذكرني الآن بالحالة النفسية التي طالما شاهدت أثرها في سلوك المثقفين المسلمين، الذين يتعالون عن المهمات المتواضعة لأنها لا تغذي فيهم النزعة إلى الظهور، كما سأشاهد ذلك يوماً في سلوك أحد الطلبة التبسيين الذي أبى أن يتولى في مدرسة تبسة قسم الصبيان، لأنه تخرج من جامع الزيتونة فتوليته أنا.
وليست هذه العقدة خاصة بطبقتنا المثقفة، سواء المطربشة أو المعمَّمة، بل نجد أثرها في سلوك أحد الوجوه اللامعة للأدب الفرنسي في القرن السابع عشر (بوسييه) الذي كان مكلفاً بمصلى الملك، لأنه كان خطيباً مصقعاً، فأبى في صلاة يوم أحد أن يلقي كعادته، خطبته الوعظية لأن الملك والأميرات لم يكونوا في القاعة.
أما عقدتي فلم تكن مستولية عليَّ إلى هذا الحد، فالظروف التي أعيشها كانت تحد من تأثيرها في سلوكي، إذ لو طلب مني في تلك الفترة، أن أدخل لتعليم الحروف في حفرة إصطبل تجمع فيها أبوال الحمير، لدخلت بلا تردد فراراً من واقع مرير.
ومما أعانني على التغلب عليها، أنني تعرفت منذ وصولي إلى حانة (المرايا)