لقد شعرت بأنني وهؤلاء في اتجاه فكري واحد، وهذا ما لم أكن أشعر به مع من كنت أعاشرهم من طلبة المدارس الثانوية الملسمين. كان اسم الشيخ قد بدأ يتردد في المدينة. وتعرّفي على بعض تلامذته جعلني أدرك أننا ننتمي إلى عائلة فكرية واحدة ستسمى فيها بعد في الجزائر (حركة الإصلاح).
في هذا الوقت وقع خلاف بين الفرنسيين واليهود أثار ضجة في قسنطينة، وقد أثارت إحدى الصحف الأسبوعية حملة ضد الإسرائيلية. وفي نطاق ذلك أعلنت تلك الجريدة عن مسابقة في الجواب على هذا السؤال: ((لماذا لا يضع عصفور اللقلق في قسنطينة عشه على سقوف منازل اليهود؟)).
لقد وردت أجوبة من كل نوع من بينها رسائل من بعض طلبة المدرسة.
وقد تطور الخلاف حتى بلغ درجة سار معها اليهود في تظاهرة لمعاقبة تلك الصحيفة، فهاجموها وألقوا بأدواتها في وادي الرمل.
كانت أخبار عائلتي تصلني بصورة متقطعة، فإن والدي لم يكن يعرف كيف يسخر قلمه لذلك الواجب الأساسي، الذي يقضي عليه بأن يضع ولده في أحداث العائلة. لم أكن أذهب إلى تبسة في عطلتي عيد الميلاد وعيد الفصح. فكنت لذلك أنتظر عودة (حليمية) لأحصل منه على شيء من أنباء مدينتي.
لقد ازداد فريق تبسة واحداً هذه السنة فقد انضم إلينا (عبد الحميد نسيب)، وانتسب إلى الصف التكميلي ليحضر نفسه لدخول المدرسة في العام القادم. وعن طريق هذين الصديقين وصلتني بعض الأخبار المفصلة عن أبي وأمي وعن الأب (آدم Adam) وعن مدرستي والزملاء الذين تركتهم هناك، والذين حصلوا على عمل في المدينة بعد أن نالوا شهادة الدراسة الابتدائية أو تفرغوا لتعلُّم إحدى الحرف.
فالحياة هناك كانت تتابع سيرها واضعة كل واحد في الطريق الذي سيتحقق فيه مصيره.
стр. 72
شأن المدرسة كشأن جميع المعاهد، فقد كانت العودة من عطلة الفصح تعني نقطة فاصلة في السنة الدراسية يبدأ عندها الاستعداد للامتحانات القريبة. والقليل الذين بقوا أمناء على عادتهم في التردد على مقهى (بوعربيط) وأنا منهم، انقطعوا هذه الفترة عن ارتياده، ولم يعد أكثر الطلبة بقادرين على لعب الدومينو على حصر المقاهي التي استبدلوها بمقهى بوعربيط.
والنسق من الطلبة الذي يقف ظهر كل يوم أمام مطعم (بوكاميه) لم يعد طويلاً كالسابق، فالطلبة لم يعد لديهم الوقت للانتظار من أجل الحصول على المقعد اللماع في المطعم لكثرة ما عليه من الشحم. وفي المساء لم يكن على الشاوش أن ينتظر المتأخرين فالجميع يأوون باكراً.
وعندما تطفأ الأنوار في الساعة المعتادة دون أي رحمة كان المارة يرون عند منحدر (شارع بريغو)، أنواراً حمراء تشع عبر زجاج النوافذ في الطوابق الثلاثة لجناح المنامة، فكل طالب أشعل قنديله أو مصباحه ليتسنى له مذاكرة دروسه. فكنت ترى الأوراق الصفراء التي تضم مؤلفات قواعد اللغة العربية والفقه تعلو الأنوف، إذ من عادة هؤلاء أن يقرؤوا وهم مستلقون في الفراش كأنهم نيام.
ومتى حل موعد الامتحان تجد الجميع وقد علت الصفرة وجوههم، وشابهم الهزال وطالت شعورهم وتشعثت وكثفت لحاهم وتجعدت ياقات قمصانهم واتسخت، فلم يكن أحد منهم يجد متسعاً من الوقت لغسل قميصه في مغسلة الجناح، أو ليمرّ على الحلاق يقص شعره أو يذهب إلى الحمام ليستحم، ولم يكن بالطبع بقادر على مسح حذائه أو رفو جواربه.
وذات صباح وقف السيد (دورنون Dournon) في باحة المدرسة يقرأ أسماء أولئك الطلبة، الذين تحولوا إلى كتل من اللحم كريهة الرائحة لزجة الملمس، لكثرة ما تجمع عليها من عرق كان يتصبب في ليالي الدراسة الطويلة، ملفوفة
стр. 73
بالبرانص التي امتصت مرق (بوكاميه) أثناء العام الدراسي. لقد قسم الطلبة إلى فرق أربع، وكان كل فريق يتألف من طلبة صف واحد يسيرون سوية إلا قاعة الامتحان المعينة لهم بوداعة واستسلام، كقطيع من المواشي يساق إلى المسلخ.
لقد بدأ أسبوع الرعب، فكل ما تلقاه الطالب أثناء العام الدراسي عليه أن يفرغه على الورق المرقم والموضموع على المقعد المخصص له.
كل طالب كان يتجشأ ما عنده من معلومات طرأ عليها التغير، أو ربما فسدت خلال أيام الامتحان الخمسة أو الستة التي قضوها تحت مراقبة السيد (دورنون) الساهر اليقظ.
ولكي يتمكن الطالب من فتح كتاب أو دفتر فإنه يجب أن يكون ولداً اختصاصياً في هذا الفن، فمن الصعوبة بمكان فتح ذلك الكتاب وهو موضوع على الركبتين على الصفحة المطلوبة والقراءة عبر القندورة التي تغطيه في شبه ظلمة. فمن كانت لديهم الموهبة ينقلون صفحات بكاملها تحت نظرات المدير اليقظة.
كان الأستاذ (بوبريتي Bobreiter) يبدي منتهى القساوة مع هؤلاء (الاختصاصيين) عندما يخطئون فينقلون له صفحة عن (فنلون Fenelon) بينما يكون هو قد وضع سؤاله عن (بومارشه Beaumarchais) مثلاً.
وكان (دورنوق Dournon) يبدي بعض اللين والتساهل حيال أولئك الذين عرفوا بممارستهم للصلاة والذين يضعون العمامة و ( gandoura)، فقد كان في أعماقه- وكنا نعرف ذلك جيداً- يفضل بلادة هؤلاء على طيش من يسمون (الأتراك الشبان).
بعد انتهاء هذه الأيام المحمومة تمر المدرسة بمرحلة أخرى، تلك هي القلق. لم يكن أحد ليغير هيئته أو ملابسه انتظاراً لتلك الورقة الصغيرة الموقعة من
стр. 74
السيد (دورنون Dournon) والتي يعلقها الشاوش وراء الباب الموصل بين جناح الدراسة وجناح المنامة والذي لم يعد له الآن وجود.
خلال هذا الانتطار المؤلم يصبح الشاوش كـ (عرّافة ديلفس Delphes)، وكان الطالب القلق الذي فرغ صبره وخاصة في ربع الساعة الأخيرة قبل إعلان النتائج يسأله: ((عميمي- هل نجحت؟)) وكان عميمي هذا يتصنع الغموض ويجيب باستهزاء: ((هي ... هي ... هي ... ))
ما معنى هذا .. ؟ وإذا لم يكن أحد يتجرأ على تفسير كلمات العراف فمن الأفضل التسليم بالمقدور.
وكان عميمي صاحب طريقة خاصة في تعليق وريقة النتائج، إذ كان ينتظر الساعة التي لا يكون فيها أحد ويعلقها خلف ذلك الباب الشبيه بالمطهر.
وأخيراً فإن أول مدرسيّ يكتشف الورقة في ذلك المكان يطلق صرخة الخطر. فإذا الأربعون في الصفوف الأربعة يتزاحمون ويتدافعون؛ إنها لحظة مخيفة. فلكي يتمكن أي طالب من الاحتفاظ بمكان له في المدرسة يؤهله الوصول إلى مركز العدل في القضاء الشرعي، كان عليه أن يحافظ على منحته الدراسية. وذلك متوقف عل نتيجة الامتحان وهكذا نرى أنها بالنسبة لـ (المدرسي) مسألة حياة أو موت.
وحينما يكون هناك صف أو تدافع حول شيء ما، فإن (حليمية) يعرف كيف يكون في المكان الأفضل متهماً من حوله بأنهم يدوسون على قدمه. كان يرفع رأسه لقصر قامته الذي كان يزعجه، ويقف على رؤوس أصابع قدميه أمام ورقة (دورنون) بالذات. وبقفزة واحدة يلوح رأسه بين الرؤوس المحيطة به، ويصرخ كما اعتاد أن يفعل كلما كان لديه ما يريد أن يفاجئني به وقال: ((صديق ... نجحنا)). وهكذا حافظنا هو وأنا على المنحة الدراسية.
стр. 75
بعد ذلك اجتاحت الجميع حمى أخرى. فقد هرع كل طالب إلى حلاقه والحمام العربي، ثم بدأ بتغيير القميص والياقة، وربطة العنق كما بدأ بتنطيف حذائه .... وأخيراً تحضير الحقائب. وبذلك تتحول المدرسة إلى ورشة يستعد فيها الطلبة للرحيل.
كل واحد منا بدأ يفكر بالهدية التي سوف يحملها لعائلته ... لأنه يشعر بأنه كبر، أليس كذلك؟
أما (بن عبد الرحمن) ذو الوجه اللماع بفضل زيت القبيل الذي ربما تغذى به في ظل عائلة فقيرة، والذي تعود أن ينفجر باكياً عندما كان الشيخ (بن العابد) يذكر اسم النبي، فقد حمل معه سريراً من الحديد يعلوه الصدأ كان قدى اشتراه بعشرة أو بخمسة عشر فرنكاً من سوق البراغيث سوق الأشياء القديمة في قسنطينة ( Marché aux Puces).
...
في تِبِسَّة كانت أمي على سرير المرض وحولها تلك المجموعة من المساند رتّبتها شقيقتي الصغرى، لتحول دون أي تماس بين الجرح الموجود عند أسفل العمود الفقري والفراش.
كان الدكتور (فيكا ريلا Figarella) يزورها مرات ثلاثاً أو أربعاً في اليوم دون أن يقدم كشفاً للحساب. وقد زايل العائلة خشية في أن يبهظها المبلغ عند المطالبة به. وعندما قدم الدكتور كشف الحساب بعد ثلاث أو أربع سنوات من علاج أمي قبيل وفاتها، كان هذا الكشف لا يزيد عن ثلاثمائة فرنك، وقد اتفق الجميع في المنزل أن هذا الكافر ربما أمكنه دخول الجنة.
كانت أمي تعتمد على علم (فيكاريلا Figarella)، ولكنها كانت أيضاً تعتقد في بركة الإمام (الشيخ سليمان). هذا الشيخ الذي جاء تِبِسَّة عندما كانت تلميذاً في مدرسة المديرية.
стр. 76
لقد خلف إماماً آخر كنت أحتفظ له بذكرى غامضة. إنني أذكر فقط أنه كان عازباً يعيش وحيداً في منزل صغير في شارع سمي فيما بعد شارع الرسول. لقد كانت له هواية خاصة به. فغالباً ما أجده في شارع الرسول بين الصلاتين مهتماً بتحريض ديكين على المبارزة، لقد ربّاهما ودرّبهما على هذه المهمة.
وأعتقد أنه لم يكن لديه اهتمام بمسؤوليته الروحية. وما كان نصيب أرواح التبسيين من اهتمامه يعادل اهتمامه بحالة العرفين الداميين لديكيه عندما يطلقهما في معركة أمام ناظريه، تسلية لنفسه ولناظري الأطفال المشدوهين مثلي ونحن نحيط بهما.
جاء الشيخ (سليمان) مدينتنا في أواخر الحرب. وسرعان ما اكتسب ثقة الناس به، فكانت الخلافات في العائلة أو بين الأفراد تجد حلها على يديه. ولم تكن أحكامه النزيهة لترضي دائماً القلوب، ولكنها كانت بكل حال مقبولة. فعمي إسماعيل الذي كان مشهوراً ببخله رضي بأن تأخذ مطلقته أحد أولاده معها، كل شيء لأن الشيخ سليمان حكم بذلك عندما قال:
((الشاهد عندنا! ينبغي أن نترك هذه المرأة المسكينة تحمل كامل جهازها)).
أصبح المسجد قلب المدينة النابض. وتولى الشيخ (سليمان) تأسيس أول جمعية خيرية فيها.
كان يحضر حفلات الزواج ومجالس الطلاق ومراسم الدفن وكان قراره هو الأخير في سائر المشاكل الناجمة.
بعض العادات التي هي على شيء من البربرية بدأت تتغير. فقد كان يدعو في خطب الجمعة إلى نبذ الندب والعويل في الجنازات، والإقلاع عن الصخب والضجيج في احتفالات الزواج. وقد جعل ذلك عجائز تبسة يلعنّ هذا الشيخ
стр. 77
الواعظ. لذا فلم تعد السيدة (دوننسان Denoncin) ترى النساء تمر أمام متجرها نادبة بصوت مرتفع في المواكب.
في الواقع لم تكن لدى الشيخ سليمان خطط إصلاحية لكنه كان يصلح بالفعل. ولم يكن يعي أنه يرسي بذلك أسس الإصلاح في الروح التِبِسّية. كان في تِبِسَّة تكاثر في الأفكار يغذيه ذلك الرهط من العلماء الذين بدؤوا يعودون من الشرق. يتابعون تقليداً قديماً أوجده شيخ من (نفطة Nafta) الواقعة على الحدود الجزائرية التونسية، وتشكل مركزا ثقافياً يذهب إليه الطلاب الذين يحفظون القرآن في زاوية سيدي (بن سعيد) أو سيدي (عبد الرحمن)، ولم تكن لديهم وسائل المال لإتمام دراستهم في جامع الزيتونة في تونس.
كان هذا المركز يشع بالثقافة الإسلامية على منطقة الجنوب القسنطيني. وفي مطلع القرن الحالي كان يديره شيخ جليل هو الشيخ سيدي (محمد بن إبراهيم)، كان هذا الشيخ يقضي بانتظام عطلة الصيف في تِبِسَّة لدى صديقه (القائد الصديق) في زمن يمكن فيه القائد أن يكون صديقاً للأدب والعلم. إن النظام الاستعماري لم يكن حتى ذلك الحين قد أفرغ كل ما يحمله من انحطاط اجتماعي ومعنوي.
فنشأ ذلك التقليد الذي تولى رعايته الشيخ (الصدوق بن خليل) والشيخ (عسول) وقد جاء بعدهما الشيخ (العربي التبسي)، فأدخل هذا التقليد في (الحركة الإصلاحية) في زمن كنت فرغت فيه من عامي الأول في المدرسة.
في ذلك الوقت كان الشيخ (سليمان) يستلم دور القيادة الروحية ليس لعلومه الدينية فحسب وإنما أيضاً بسبب تقاه وبركته؛ فقد كانت تعرض عليه الأحلام ليفسرها، ويأتي البيوت ليكون بالقرب من المرضى والمحتضرين، وكان حضوره يحمل الارتياح والعزاء. كان يأتي غالباً لزيارة أمي حين لا تجد في عناية الدكتور (فيكاريلا Figarella) ما يخفف عنها مرضها المزمن.
стр. 78
كان هناك إذن تحول لاشعوري للعادات والتقاليد التبسية، فقصاصو ألف ليلة وليلة لم تعد أعمالهم مزدهرة، جمهورهم تحول بشكل محسوس عن المقاهي العربية حيث يقيمون حلقاتهم، إلى المسجد ليستمعوا إلى دروس الشيخ سليمان بعد صلاة العشاء، أو إلى مكان آخر يستمعون فيه إلى أحاديث الشيخ الصدوق والشيخ عسول.
وتعرضت تبسة لتحول في منظرها العادي أيضاً، لقد ازداد فيها الأوربيون، خصوصاً بعد أن جاء عمال السكك الحديدية وعائلاتهم مع افتتاح الخط الحديدي لعين البيضاء وإنشاء مركز لإصلاح القطارات.
كان هؤلاء الأوربيون يقيمون حفلات ١٤ تموز (يوليو) الراقصة في ساحة (كارنو Carnot)، يرقصون حول كشك الموسيقا الذي يعتليه الأب (كابولا Capolla) رئيس فرقة تِبِسَّة الموسيقية، يزن بقدمه إيقاع رقصة ( Polka) أو رقصة من أصل بولوني (مازوركا Mazurka) من المساء حتى الفجر.
كان صدى الطبول والآلات النحاسية الموسيقية والصندوق الموسيقي ينتشر في ليل تبسة الصائف الرائع فيعم المدينة. وجدتي التي كانت لا تزال حية حين تسمع ذلك تتمتم: ((داش به سوادهم)). وتعني هذه العبارة ((ما هذه البربرية!))، ثم تأخذ إبريقها وتذهب لتغسل وجهها ويديها في الشرفة وهي تصب لعناتها على الشيطان. وكانت ابنتها خالتي (مليحة) عندما ترى موكب جنازة يتقدمها الأب (كابولا Capolla) وفرقته في طريقها إلى المقبرة الأوربية تفعل مثل ما تفعل أمها. فتلك العربة السوداء وما تتزين به هي إبليس يمر أمامها.
لقد بدأ اليهود في هذه المرحلة يتقدمون، وأوضاعهم الاجتماعية تطورت نحو الأفضل، كان ذلك واضحاً في سكناهم، فمن عادة اليهود أن يسكنوا في أطراف المدينة داخل الأسوار لأسباب تقليدية وفوائد يجنونها.
стр. 79
فحينما تقطن العائلة اليهودية بقرب السور كان ذلك يسمح لها بالاستفادة من المجال الواقع بين الدار والسور، لقضاء بعض حوائجها بعيداً عن طريق المارة كغسل الملابس مثلاً ونشرها.
بالإضافة إلى ذلك ثمة عادة قديمة تقضي بألا يقبل في قلب المدينة إلا من كان معروفاً باستقامة صحيحة. ولذلك فإن السلطة الفرنسية وضعت أول بيت للدعارة من أجل الجيش في طرف المدينة. وبعد الحرب العالمية الأولى بدأ اليهود التبسيون يهجرون حرفتهم وهي الصياغة وصب المعادن، لينطلقوا في التحارة وخاصة السمسرة. لقد تركوا أيضاً بيوتهم القديمة وبدؤوا يستقرون في الحي الأوربي.
وأصبحت ترى شبابهم يبادر إلى الحفلات الراقصة التبسية مثيراً هنا وهناك بعض الصدام مع الشباب الأوربي، حينما تكون مناقشة من أجل عيون (مارجريت أو جاكلين).
والذي يتجرأ من الجزائريين فيغامر في هذه المجالات- وهو عامة من الشباب الخارج على مجتمعه- كان لا يجد ترحيباً. لذلك عمد الشباب إلى حل ظاهري للمشكلة بأن تراقصوا فيما بينهم، كل يراقص زميله، إنما لم يمنع ذلك من وقوع بعض الحوادث. أما أنا فكانت المشكلة الكبرى لدى وصولي تبسة ذلك الصيف ربطة العنق، فلم أجرؤ على إظهارها. ومن أجل اجتياز الساحة والمرور بطريق مكتظ بالناس كان علي انتظار الليل.
كان محكوماً علي أن أمضي عطلتي متسربلاً ببرنص، وألا أسرح وأمرح إلا خارج المدينة أو في الشارع عند أطرافها. وقد بلغ عذابي قمته يوماً حينما دعاني والدي لزيارة مجاملة لرئيسه حاكم تبسة. لاشك أنه كان يباهي بولده المتعلم. لكنه كان شيئاً مخيفاً في نفسي ولست أدري كيف اجتزت تلك التجربة أو تمكنت من العيش بعدها.
стр. 80
أعتقد أنه في تلك الفترة تعرفت على صحيفة (الإقدام) التي كان يصدرها الأمير خالد. كما تعرفت على صحيفة (الراية L'étendard) التي كان يصدرها (دندان)، وكان أبي يتلقاها باستمرار. وكانت صحيفة تونسية تكتب بالعربية هي (العصر الجديد) قد بدأت تصل إلى تبسة لأنها تخصصت بشؤون العالم الإسلامي، فقد كان الاهتمام بها أكبر من زميلتها التونسية القديمة (الزهرة) التي كانت تولي عنايتها بالشؤون التونسية.
وعندما كنت أخرج مع ابن خالي (صالح) لنقوم بتلك النزهة التي يقوم بها سائر الشبان التبسيين، في كل مساء من أمسيات الصيف انطلاقاً من بوابة قسنطينة حتى وادي الناقوس، كنت أجد محمّص القهوة العجوز الذي يتولى تحميص القهوة لسائر مقاهي البلدة يجلس في مكانه المعتاد، ثم يقرأ بصوت شبه مرتفع جريدة (الزهرة)، على نور باهت يشعه قنديل وضع على الباب الأثري (باب قسنطسينة).
كان يجلس على أحد ذلك الصفين من الحجارة الموضوعة لجلوس المتنزهين، من التبسيين الذين لا يرغبون في التوغل بعيداً في نزهاتهم يتنشقون عليها الهواء. وها هو ذا قد أصبح الآن يقرأ جريدة (العصر الجديد) بدلاً من جريدة (الزهرة).
...
مرة أخرى كان علي ذات صباح أن أتلقى (ماء العودة) على عتبة البيت وقد صبته أختي على قدمي.
فاجأتْ عودتي لقسنطينة الجميع كما فوجئت أنا، فقد نما جسدي كثيراً خلالا العطلة، فأصبح جسد رجل على الرغم من أن الكتفين بقيتا على شيء من الضيق.
والشاوش الذي وقف يرقب على عتبة المدرسة زبونه الجديد تساءل لدى رؤيته لي بسخريته المعتادة: ((هي/ هي/ هي/ صديق؟ ... كم كبرت!))
стр. 81
إنه أمر مغضب، فلم يعد شيء في الواقع يناسب جسدي. الحذاء الأبيض الجميل الذي أوصيت عليه قبل أشهر ثلاثة لأدهش الفتيات الأوربيات في تبسة أصبح يؤلم قدمي. والبرنص بات قصيراً، لقد أصبحت ملابسي جميعها ضيقة. السروال لم يعد يجاوز ركبتي، أما الحزام فكان يشد وسطي.
وكان هذا الأمر مغضباً لصالح حليمية إذ ما فتئت قامته القصيرة مصدر تعاسته في الحياة. وأضحى نموي الجديد يذكي تعاسته. وعندما نكون معاً على رصيف بصحبة (عبد الحميد نسيب) الذي جاء ينضم إلينا في المدرسة، ويمر شخص ذو قامة معتدلة أمامنا، كان يتعمد السير بالقرب منه ثم يعود إلينا ليقنعنا بقوله: ((انظروا، إن لي قامة هذا الرجل)).
كان الطلبة العائدون من العطلة متعطشين لملذات المدينة الكبيرة: السينما وحصيرة المقهى العربية.
(بوكاميه) بدأ يتتابع زبائنه المدرسيون يقصدونه كلما فرغ واحدهم مما حمله من زاد، والحياة في المدرسة عادت لنظامها، والمستجدون من الطلبة بدؤوا يندمجون فيها بعد أن كانوا لأيامهم الأولى دهشين مرتبكين. قمت بزياراتي المعتادة لخالتي (بهية) فوجدتها هذه المرة أكثر شيخوخة وأفقر، وبدا لي منزلها أبلغ تهدماً من قبل. وكان خالي (علاوة) يجلس في هدوء بالقرب منها ويحك لها ظهرها من آن لآخر.
في ذلك البيت المتواضع استعدت ذكريات قديمة فيها شيء من الورع. فداخل هذا المنزل القسنطيني مع محتوياته المادية التي لا قيمة لها يتحدث مع ذلك عن روح ثقافة بروح حضارة. حضارة لاشك متهدمة كمنزل خالتي بهية، إنما هذه الأشياء تحمل على الرغم من بلاها شهادة تثير الحنين إلى ماضٍ وَلَّى ووعد غامض يتجه نحو المستقبل.
стр. 82
كانت أحاسيسي في تبسة تختلف عنها في قسنطينة، فهناك الحياة الطبيعية والرجل البسيط الجاف، كان هؤلاء جميعاً يحاورون روحي. أما قسنطينة فالتاريخ والمجتمع ومأساته الواضحة الماثلة بشكل ظاهر، تسائلني دون أن أدري في الغالب تساؤلاتها ولكنني مع ذلك أشعر بها.
ولكن هناك أيضاً في قسنطينة جانب (المدرسة) الذي كان يحدثني عن المستقبل. خاصة عندما بات الاتصال بين المدرسيين وتلاميذ الشيخ (بن باديس) أقرب في مقهى بن يمينة. لقد ورث بن يمينة والده بعد أن مات منذ فترة يسيرة فأدخل على المقهى بعض التجديد. لقد ألقى بالحصر جانباً، ورأيت لأول مرة في مقهى عربي آلة كبيرة لغلي القهوة ( Percolateur)، كان ذلك ثورة. وقد أحدثت من ناحية أخرى ضجة في وسط المعمرين الأوربيين الذين كانوا يريدون المحافظة على خصائصنا (نحن أبناء المستعمرات Indigène)؛ أي المحافظة على الحصيرة التي تستعمل في الوقت نفسه للبصاق حينما يستدير لاعب الدومينو ويرفع طرفها ليبصق تحتها، ثم يتنحنح بصوت مرتفع ليريح حنجرته ورئته.
في النهاية أصبح مقهى بن يمينة الحي العام للمدرسيين. وعلى بعد خطوات منها كان مكتب الشيخ (بن باديس). كان يستقبل فيه أصدقاءه وتلاميذه ويدير مؤسسته الصغيرة، التي اتخذت شكل شركة ذات أسهم تصدر مجلة (الشهاب)، التي جاءت في أعقاب احتجاب (المنتقد)، ولم تكن قد ظهرت إلا لفترة قصيرة ثم منعت الإدارة المحلية صدورها.
إذن كان حي الطلبة العام مجاوراً لذلك المكان الذي سوف يصبح مهد (حركة الإصلاح)، وكان مرور تلاميذ الشيخ بن باديس أمام مقهى بن يمينة يوثق عرا الصلات بيننا وبينهم.
стр. 83
في تلك الفترة- على ما أذكر- تعرفت على الشيخ (حَمّ العيد) شاعرنا الكبير فيما بعد، الذي ترك حلقة أستاذه مزوَّداً ببضاعة تقليدية مسيَّسة politisé بشعور عالمٍ وطني هو عبد الحميد بن باديس.
هذا العلم ذوالنفحة السياسية جاء مع بعض الباديسيين أمثال (حَمّ العيد) و (الهادي السنوسي) مؤلف كتاب (مختارات من الشعر الجزائري) و (خباش) وآخرين، ليتصل في مقهى بن يمينة بالتيار الناشئ في المدرسة نفسها. وأعتقد أن هذا اللقاء قد شكل تمهيداً تاريخياً إن لم يكن رسمياً للذي أضحى حركة تجديد من ناحية وحركة وطنية من ناحية أخرى.
كان في المدرسة مجدّون لا يهمهم غير دروسهم، هؤلاء عدول المستقبل أو أي شيء آخر، يلمحون من بعيد وظيفتهم في الإدارة. وكان كذلك الحالمون يبنون قصوراً في إسبانيا، وآخرون يهتمون بقص شعورهم على آخر طراز؛ أما صالح حليمية فكان فريقاً وحده، كان شرهاً شراهة جعلته يعاني بصورة مستمرة آلام الأمعاء وسوء الهضم.
وكنت من الفريق الذي يقرأ كل شيء إلا محاضرات المدرسة، وأذكر أنه في تلك السنة كانت لي هوايتان: فمحاضرات الشيخ (بن العابد) أستاذ الشريعة الإسلامية تأتي بانتظام من الساعة الحادية عشرة حتى الظهر. وكنت أثناءها أرسم بانتظام رأس الشيخ إلى أن يأتي جرس عميمي الشاوش في باحة المدرسة، فيؤذننا بساعة الانصراف والإسراع إلى مطعم (بوكاميه) الذي بدأ يتخذ شكلاً حسناً، بفضل الدراهم التي تدخل إليه في نهاية كل شهر من المدرسة.
أما هوايتي الأخرى خلال الفرصة بين الدروس فهي أن أبقى في الصف، هناك خارطة حائط كبيرة للصحراء، كنت أتسلق كرسياً وأتابع الخارطة باحثاً عن طريق للوصول إلى (تمبوكتو). كانت هذه الهواية بوحي من
стр. 84
كتاب (أنتينيا Antinéa) الذي ظهر في تلك الفترة فمنحني هذه الهواية. لقد سيطرت على نفسي طويلاً حتى بعد السنة الثانية من المدرسة التي كانت من وجوه عديدة فاصلة في تحديد اتجاهي.
(تمي Timmi) و (تميمون Timimoun) و (عين صالح): هذه الأسماء استهوتني واستوقفتني مراراً أمام خريطة الصف؛ فالصحراء كانت تفتنني، وقد ظل سحرها يلف روحي طويلاً حين استفاقت إلى آفاق بعيدة، وسوف أدرك فيما بعد واقعها الساحر الذي مارسته في روح نشيطة كروح (ارنست بسيكاري Ernest psicare)، كما وعيت في ذلك الوقت الدسم اللذيذ الذي صبته فيّ روح ايزابيل ابرهارت ( Ysabelle Ebrhardt)، وقد تولى (فيكتور بروكان Victor Berucand) تعريف العالم بكتابها الرائع الجذاب.
لقد قرأت مراراً كتاب تلك المرأة المغامرة التي أنهت حياتها في (عين صفرا) في ظروف مشؤومة مؤسفة. كنت أبكي وأنا أقرأ ذلك الكتاب المسمى ( A l’ombre chaude de l’islam في ظلال الإسلام الدافئة) والذي عرفت فيه شاعرية الإسلام وحنين الصحراء.
كان رهطنا يقرأ قراءات مشتركة وكان لكل واحد منا ما يرغب فيه من قراءات خاصة به، وفي ذلك الزمن عثر مدرسيّ من (باتنه Batna) يدعى أحمد المعلم على كتاب (أم القرى)، ولست أدري كيف عثر عليه، وقد قرأناه كله في ليلة.
هذا الكتاب ترك فينا بسبب خصائصه الخيالية تأثيراً عجيباً، لقد استشعرت صدمة أكملت ما تركه في نفسي كتاب (في ظلال الإسلام الدافئة). فالكتاب الأخير (في ظلال الإسلام الدافئة) وضع أمامي إسلاماً شاعرياً، ولكنه إسلام غير مبال يبحث عن النسيان في المخدرات. أما كتاب (أم القرى)
стр. 85
فقد عرفني بإسلام بدأ ينظم صفوفه ليدافع عن نفسه ويقوم بحركة بعث جديد. إنه كتاب خيالي لكنه مُعَبِّر يحمل شعوراً بدأ يعتمل في العالم الإسلامي على الأقل في بعض الأنفس كالكواكبي.
لم أكن أشك بأنه كتاب خيال ولكن أثره في نفسي كان عميقاً. وعندما أعدت قراءة كتاب (الإفلاس المعنوي للسياسة الغربية في الشرق) كما اعتدت أن أفعل، كان تأثير تلك المطالعات البناءة يزداد في نفسي رسوخاً.
كنا نلقي بما نقرؤه في أتون تلك المناقشات الحادة والمثيرة التي اعتدنا أن نجريها في مقهى بن يمينة، يغذيها من ناحية التيار الفكري الباديسي، ومن ناحية أخرى تيار المدرسة الفكري.
كان ذلك العصر على ما أعتقد مسرح الحدث المفاجئ الذي قلب حياتي.
كان أمام المدرسة كشك لبيع الصحف، ولست أدري إذا كان موجوداً الآن، وكان المساء لطيفاً والشمس تنشر دفئاً في الجو، وأشعتها المتأهبة للرحيل ترسم على كتل الغيوم ألواناً حمراء باهتة، وتُرسي تاجها الذهبي على قمة (سيدي المجيد) الخضراء، فيما تهرع مضايق الرمل إلى العتمة.
لا أعرف بالضبط لِمَ اخترت هذه اللحظة بالذات للخروج والتوجه إلى حيث تباع الصحف، والحصول على (صحيفة الشؤون العامة لقسنطينة Dépêché de Constantine) والعودة بها لأقرأها على باب المدرسة.
قرأت هذا الخبر: لقد جرح في مصر ضابط بريطاني (السردار)، وإثر ذلك أمرت الحكومة البريطانية بنفي الزعيم الوفدي زغلول باشا إلى جزر السيشل. لقد أوردت هذه الصحيفة الخبر وأرفقته بتعليقات منتظرة من صحيفة تتولى الدفاع في قسنطينة عن مصالح الاستعمار الكبرى.
стр. 86
في (الشارع الوطني National) بين المدرسة وثانوية البنات المقابلة كانت الحركة خفيفة والهدوء مسيطراً حولي. وقد سمح لي ذلك بقراءة صحيفتي، وبعبارة أدق المقال الذي يروي أحداث القاهرة. فما إن فرغت من القراءة حتى بقيت ساهماً دون شيء محدد في ذهني، وفجأة استعدت فكري، ولو كان في تلك اللحظه بقربي شخص يراقبني لأدرك في نظراتي وميضاً غير مألوف.
كان الذي استبدّ بي شعور جديد، شعور لم يفارقني مدى الحياة قد اعتمل بحدة في وجودي: (كنت وطنياً J'était nationaliste)، ومنذ تلك اللحظة أصبحت قارئاً مثابراً لسائر الصحف التي أشتريها من كشك المرحوم جدي.
ثم اخترت بين قراءاتي السياسية صحيفة شيوعية (الإنسانية L'Humanité) كانت تروي أكثر ظمئي الوطني. فمقالات (كاشان Cachin) و (فايان كوتوريه Vaillant Couturier) تثير في نفسي ثورة الغضب أو تصب في قلبي أطيب العزاء. قرأت أيضاً (الكفاح الاجماعي La lutte sociale) التي يصدرها (فيكتور سبولمان Victor Spulmun) وكانت تأتينا إلى الجزائر بصورة متقطعة.
لقد اتخذت أفكاري منعطفاً جديداً، فالأشياء قد أصبح لها معنى جديد في نفسي، وحينما كنت أذهب إلى خالتي بهية كان يخالجني شعور بالضيق، وحينما كنت أتنزه مع صديقي (شوات Chaouatt) الذي كان والده مترجماً في مراكش، كان ثمة عمليات غريبة تعتمل في نفسي في تلك الشوارع الأوربية في قسنطينة، فقد كانت الدور المترفة تفضح أمام ناظري بؤس خالتي بهية.
كنت أختار من تلك المنازل المترفة المنزل الذي سوف أسكنه في المستقبل، وكان صديقي يفعل ما أفعل فيختار منها لنفسه أيضاً.
بالإجمال لم تكن فكرة (الممتلكات الخالية Bien vacant) فكرة جديدة، فقد راودت في ذلك الزمن روح شابين مدرسيين، وهما في طريقهما ليتناولا كوباً
стр. 87
من الحمص أو قطعة من كلب البحر لدى (بوكاميه). بالطبع فإن ذلك كله كانت له نتائجه في حياتنا في المدرسة، فقد أصبحتُ بسرعة في عيني (دورنون Dournon) ( الفتى التركي) الأخطر.
كانت قراءاتي مراقبة، وكانت أعرف أنني حينما أذهب إلى الدرس يأتي الشاوش ودورلون ليفتشا تحت فراشي، حيث كنت أخبئ صحيفة (الإنسانية L’Humanité).
وأصبحت هكذا سلفاً المسؤول عن كل ما يحدث من شر في المدرسة. وحين يكتشف المدير اختفاء شيء ما أو حدوث كسر أو عطل كان يقول فوراً: ((طبعاً- طبعاً. لابد أنه الصدّيق فعل ذلك)). وهذه الشكوك المنتظمة أورثت بعض الأعمال السيئة وقد ارتكبت الكثير منها. فذات يوم أفرغت أنا وصالح حليمية كل ما في علبة تبغ العطوس في بركة المدرسة، فمات ما فيها من أسماك حمر جميلة كان يربيها المدير. وكان تعليق المدير: ((طبعاً- طبعاً. إنه الصدّيق أيضاً)). لقد طفح الكيل وهكذا قدمت أنا وصالح حليمية استقالتنا إلى المدير بصفتنا موظفين.
لقد انزعج المدير لأنه كان لدينا ما نتهمه به من أمور لها مساس بإدارته للمدرسة. ولكن هذا الرجل كان طيبا في أعماقه، فأنذر والدي بالوضع فحضر وسوّى القضية.
وهكذا استمرت بي هواية رسم رأس الشيخ (بن العابد)، وفي تخيل المسالك إلى بلاد (أنتينيا Antinéa) و (تمبو كتو). ولم يكن يستأثر باهتمامي غير دروس (بوبريتي Bobreiter) التي أفادتني بما حققت مع الأستاذ كثيراً من التقدم.
كان يعطيني كل أسبوع تشجيعاً لي عدده من مجلة (الأخبار الأدبية Nouvelle Littéraire)، فأسرع إلى قراءته بنهم. وقد كان يعيرني على
стр. 88
ما أظن مجلة (كونفيرانسيا Conferencia)، وفي أحد أعداد هذه المجلة اكتشفث في ذلك العصر (رابندرانت طاغور). لقد كان لذلك الأدب القادم من بعيد أثر في نفسي، إذ أضاف أبعاداً جديدة في عالمي الفكري. فرابليه وفيكتور هوجو وامرؤ القيس وحافظ إبراهيم هؤلاء أعطوا عالمي الفكري أبعاد اللغة الفرنسية والعربية، أما اكتشافي لطاغور فقد أضاف بعداً ثالثاً ذلك هو (الفيدا Des Védas).
وهناك شيء آخر؛ ففي ذلك العصر كان أبناء جيلي يبحثون دون أن يدركوا عن الهروب أو التحرر، وقد فتح لي طاغور باب ذلك الهروب فلم تعد أفكاري تسرح نحو تمبوكتو، فقد بدأت الرياح أيضاً تسوقها إلى الهند الغامضة.
كانت تشدني إليها على الرغم من أني لا أعرف عنها شيئاً غير أنها مستعمرة إنكليزية.
كان انجرافي نحو شاعرها الكبير مظهراً من مظاهر التحرر في نفسي. فالعبقرية لا تولد فقط على ضفاف (السين Seine) أو ضفاف (التاميز Tamise)، إنها يمكن أن تولد أيضاً على ضفاف (الغانج)، فمع طاغور وجدت هذا الموقف المدعوم لرجل مُستعمَر. لقد حررتني هن عبودية ذاتِ وقعٍ أثقلت أو ما تزال تثقل غالباً، فكر المثقفين العرب تجاه عبقرية أوروبا وثقافتها. لم أعد أذكر على وجه الدقة ما هو أول كتاب قرأته لطاغور، إنما هذا الشاعر حررني من إفريقيتي بعض الشيء وأطلق ذهني من قيود فرضها الاستعمار.
فقد كانت في روحي قوة منبّهة تقود كل ما يقع أمام بصري إلى اهتمام مركزي عميق. وكان الإسلام هو ذلك الاهتمام. فربما لم يكن لطاغور ذلك الشغف في نفسي لو لم يرتبط بذلك الألم المفترس، الألم الذي حمله جدي حين لجأ إلى طرابلس الغرب قبل الحرب العالمية الأولى، والذي حملته جدتي (الحاجة بايا) حينما تدلى بها الحبل من فوق السور هاربة من قسنطينة، يوم دخلها الجنود
стр. 89
الفرنسيون. فالأجيال تتناقل رسالة ذات طابع سري لكنها لا تقرأ بطريقة واحدة، لأن شبكة رموزها التي يعطيها التاريخ لكل جيل كيما يقرأ هذه الرسالة ليست هي ذاتها.
في تلك الفترة اكتشف أبناء جيلي من المدرسيين (أوجين يونغ Eugène Yung)، وقد تعرفت عليه من خلال كتابه (الإسلام بين الحوت والدب L’Islam entre la baleine et L’Ours). لقد مات مؤلف هذا الكتاب بعد عشرين عاماً في غرفة صغيرة في باريس مجهولاً من الناس منسياً من الجميع، ولست أدري إن كان قد دفن في مقبرة عامة.
ومع ذلك فقد رفع كتابه حرارة التيار المعادي للاستعمار في أبناء جيلي، وإني لأتساءل اليوم عما إذا كان الوطنيون والإصلاحيون يخامرهم شك في أنهم يحملون في عروقهم، آراء وأفكار ومشاعر جاءتهم من آفاق مختلفة.
ومع ذلك فهذه الأفكار والمشاعر كانت تجتمع في مقهى بن يمينة لتتلأقى هناك مع تلك التي تولد على بعد خطوات من المقهى. أعني ذلك المكتب الصغير الذي يشغله (الشيخ بن باديس). لم أكن قد عرفته بعد، إنما كنت أشاهده يمر أمام المقهى.
كان الحديث في مقهى (بن يمينة) بالعربية والفرنسية، أما في مكتب الشيخ فمن الطبيعي أن يكون الحديث بعربية فصيحة. أما في المدينة فلم تكن اللغة عربية ولا فرنسية، إنما لغة محلية، وهذه الحال كانت في الجزائر جميعها وخاصة في العاصمة، إذ أضاف القوم هناك إلى عاميتهم لهجة غير مستحبة.
وفي علمي أن تبسة هي المدينة الوحيدة التي يتكلم أهلها لغة عربية، ربما ليست أدبية. إنما هي بكل حال على درجة من الصفاء والأصالة في مفرداتها وطريقة نطقها.
стр. 90
وكان لي في هذا الجو المدرسي المحموم جانب شخصي. كانت هناك أمي المريضة تشغل ذهني وكذلك الحنين للصحراء لا يفارق فكري.
وكانت هناك جريدة (الإنسانية L’Humanité) تحمل إلي غضبتها ومهدئاتها. وكانت لذلك تثأر لي من ذلك الوضع الذي سوف نسميه (النظام الاستعماري)، الذي عبّأَنا ضده في تلك الفترة- من غير أن نشعر- تلك القوة التي انصبت فيها بعد في الاتجاه الإصلاحي والتيار الوطني.
لقد بدأ الحوار الصحفي بين رئيس بلدية قسنطينة القوي (مورينو Morinaud) والأمير خالد، كنا ننتظر مجلتي (الإقدام) و (الجهوري Le Républicain) كل أسبوع، لنتابع حوارهما كجمع من الأنصار حول حلبة يتبارز فيها بطلان.
كان لقلم بطلنا الوزن الذي يزن، وأظن أنه كان متفوقاً على خصمه، إنما الشيء الأكيد أنه أثار العواصف في أفكارنا ومشاعرنا.
فـ (الإقدام) وضعت في فكري الحدود السياسية الدقيقة، فكانت تكشف عمليات استغلال الفلاح الجزائري وقد بلغت درجة لا توصف في تلك الفترة. فقد ضاقت بالمستعمرين في الشمال مزارع الكرمة والحمضيات والزيتون والتبغ فأخذت تتجه نحو الجنوب حيث أراضي الحبوب. فقد بدأ عدد من المعمرين يستقرون في (خنشلة) و (باتنه) و (عين البيضاء) حتى إن واحداً منهم استقر في (مسكيانا) قريباً من تبسَّة.
فكانت مجلة (الإقدام) تفضح رجعية الإدارة المستعمرة وسوء استغلالها للسلطة. فالأرقام التي كانت تنشرها عن مساحة الأراضي الممنوحة للمعمرين، وعن عدد الأولاد الجزائريين الذين لا يذهبون إلى المدارس تثيرنا وتوجهنا.
وقد أتيح لي من خلال تلك الصحيفة أن أسمع لأول مرة عن (الشركة
стр. 91
الجنوية Geneuoise) في سطيف وعن الشركة الجزائرية في (قالما Guelma). ثمة صوت ارتفع وانضم إلى أصداء (الإقدام)، ففي عنابة جاء المقدم (دندان Denden) ينشئ صحيفة الراية، وهكذا غدا الصراع مثيراً في الحلبة الجزائرية.
في أوروبا كانت جمهورية (ويمر) تلفظ أنفاسها تحت طعنات القديسة (سانت وين Sainte Wehn)، هذه المنظمة الوطنية الإرهابية الألمانية التي كانت تسعى لتخليص ألمانيا، من الحكم الذي فرضته عليها معاهدة فرساي.
وفي قرية صغيرة في هولندا كان الامبراطور (غليوم الثاني) الهارب من بلاده يمضي أيامه في نشر الخشب، بينما السلطان (عبد المجيد) آخر خلفاء بني عثمان، يقضي أيامه مستشفياً من مرض الروماتيزم في المدن الأوربية ذات الينابيع الحارة، بعد أن طرده من استانبول الغازي (مصطفى كمال). أما الإمبراطورة (زيتا Zita) فكانت تقيم على ضفاف بحيرة ليمان تفكر في مأساة آل هابسبورغ. وفي هذا الوقت كان دوقات وأرشيدقات روسيا المقدسة قد تحولوا إلى سائقين لسيارات الأجرة في باريس.
كان (لينين) يثبت دعائم نظامه في موسكو، بينما كان (ويغان) يعود لفرنسا. في جنيف كانوا يحتفلون بتأسيس عصبة الأمم، وفي باريس وضعوا الحجر الأساسي لذلك المسجد الذي سيصبح فيما بعد إقطاعاً لـ (بن غبريط) الذي قام بجولة في بلدان العالم الإسلامي جامعاً الأموال الضرورية لبنائه.
وكانت تصل مقهى (بن يمينه) أخبار من أماكن أبعد. فكانت صحيفة (الشؤون العامة لقسنطسينة La Dépêché de constantine) تتحدث عن أنباء الصين. لم تكن تدرك حقيقة ما يحدث غير أن أسماء جديدة أخذت تطرق آذاننا (كانتون وشنغهاي وكومنتانغ وتشانغ كاي تشيك).
لم يكن الحديث يجري حول (ماوتسي تونغ)، إلا أن الخطر الأصفر كان حديث الساعة، وكان أكثر الأخبار حول أميركا. لم يكن بالطبع أخبار الحقوق
стр. 92
التي أراد رئيسها أن يمنحها الشعوب عقب الحرب لتقرير مصيرها، إنما هي أحاديث حول الأفلام السينمائية وموسيقا الجاز والدولار والسائح الأميركي، الذي تمكن واحد من أبناء (بيسكرا) أن يبيعه مزماراً من القصب لا يساوي قرشين بخمسة أو ستة دولارات.
لم يكن فندق (سيرتا Cirta) في قسنطينة ليخلو من أولئك السواح الأميركيين، الذين كانوا يتجهون بعد ذلك إلى الواحات الجنوبية مع ما يحملون من رزمات الدولارات، وما يظهرونه من تصرفات مستغربة.
وإذا كانت أوربا في تلك الفترة تتوق لأن تحكم بإدارة أميركية فإن باعة الجنوب الجزائري تمنوا أن تصبح الجزائر مستعمرة أميركية، ليأخذوا من أبنائها ستة دولارات ثمناً للمزمار المصنوع من القصب.
في ذلك العصر كانت تشغلني بصورة خاصة مشكلة: إنها الأب (زويمر)، ذلك الأب الأنجليكاني الذي وضع في فكري قضية جديدة؛ إنها تنصير المسلمين.
لقد عولج هذا الموضوع في كتاب لم أعد أذكر عنوانه، إلا أنه كان متداولاً بين أيدينا يثير فينا مناقشات جادة.
كان الحديث شائعاً في محيطنا عن (لافيجاري Lavigerie) الكاردينال الفرنسي الذي عاش بين سنتي ١٨٢٥ و ١٨٩٢، وأسس أخويّة الآباء البيض، وعن الوسائل النافعة لتنصير أطفال (بيسكرا والقبائل).
غير أن هذه المشكلة بدت أمامي بوجهها الحقيقي مع الأب (زويمر)، فقد اتخذت حلبة الصراع في ذهني أبعاداً جديدة. فهذه المرة ثمة أبطال وحلبة أخرى. أما الحلبة فإفريقيا وآسيا والبطلان المتصارعان هنا الإسلام والمسيحية.
فلو قيل لي إن (مورينو) انتصر على الأمير خالد، لما ترك هذا المعنى في نفسي أثراً كالأثر الذي يتركه قولهم لي ((انهزم الإسلام)).
стр. 93
لم أكن أعلم في ذلك الحين طبيعة موقفي إن كان صحيحاً أم خاطئاً على الصعيد السياسي، ولكنه على كل حال منبثق من ضرورات تسمو على عقلي وتفكيري، فتلك غريزة متأصلة في كياني. اليوم أدرك أن الغريزة لا تخطئ.
لقد اتخذ تفكيرنا في ذلك الحين ومع الأب (زويمر) اتجاهاً جديداً يهدف للبحث في مرامي مستقبل ذلك الصراع.
وقد أدى بنا هذا البحث لاكتشاف (ايديان E. Dinet) وهو رسام كبير بل أكبر مصوري الصحراء، غير أن واحدة من لوحاته لا تعرض في متحف اللوفر. وقد كان لهذا الرسام قلم قوي وضعه في خدمة الإسلام بعد أن اعتنقه. وجاءنا شاهد آخر من باريس حيث (غرنييه Grenier) نائب ( Jura) يثير ضجة فيها، إذ يذهب أمام قصر البوربون ليتوضأ من نهر السين ويصلي على رصيفه.
وصدى من مكان آخر تناهى إلينا، فقد سمعنا لأول مرة بالسيد أمير علي وكتاب (روح الإسلام Spirit of Islam)، هذا الكتاب الذي لم نتمكن من الحصول على نسخة واحدة منه من مكتبة النجاح إن بالعربية أو الفرنسية، باختصار كانت الجولة تجري في جو طبيعي .. فالأب (زويمر) يمكنه الانتظار ... هذا ما كنا نفكر فيه في مقهى (بن يمينه).
لقد كنا ننفعل بالأحداث كما لو كنا أنفسنا فوق الحلبة، في عصر لم يكن الأدب فيه قد أوجد تلك المفردات التي تتحدث عن المالتزام والملتزمين.
ولأننا أصبحنا مرة أخرى في فترة ليالي الامتحان فعلى كل طالب في المدرسة أن يحتفظ بمنحته المدرسية. وهكذا استعادت المدرسة جمهورها، وعاد هؤلاء لوضع وريقاتهم الصفراء فوق أنوفهم، كما استعادوا الأرق والنظرات المحمومة وهيئاتهم الهزيلة المهملة وقمصانهم المجعدة وياقاتهم المتسخة.
стр. 94
أما (بوبريتي Bobreiter,) فكان ينظر إلى هذه التحولات نظرة يصعب تحديدها، فقد كنت أعرفه ساخراً دوماً. والشيخ (عبد المجيد) يرسل التهديد والوعيد، ويفجر غضبه خاصة ضد أولئك الذين لم يحفظوا ما ورد في كتاب (قطر الندى وبل الصدى)؛ وهو كتاب (قواعد اللغة العربية) المقرر لطلاب السنة الثانية. أما الشيخ (بن العابد) فكان يُعِدّ لنا تسامحه، وكان كل منا يأخذ ذلك باعتباره.
ولم يكن الشيخ (مولود) يقول شيئاً أو يتفوه بكلمة تظهر من خلالها رابطة شخصية أو عاطفية تربطه بالطالب، كان ينظر إلينا نظرة متعالية، والمدير (دورنون Dournon) يبدو أقسى، والشاوش البواب يتهكم ((هي ... هي ... هي)). تلك كانت إجابته مع ضحكته الساخرة يلقيها على أي سؤال يوجهه إليه طالب. وكانت هذه الإجابة تثير الرعب، إذ كان يظن بأن الشاوش على علم بنيات المدير وأنه يعاون في تدبير مؤامرات نهاية العام ضد الطلبة المساكين. وهكذا يصبح تعبيره الساخر ((هي ... هي ... هي)) أحجية تجعل العرق البارد يتصبب على ظهر الطالب، الذي يتلقاه ليستنتج منه جازماً أنه سيفقد منحته الدراسية.
وفي هذا الامتحان نجحت أيضاً كما نجح (حليمية). وكان ذلك بمثابة المعجزة.
أعتقد أنني إثر هذا الامتحان قررت أن أستبدل بالسروال البنطال الأوربي، لم أكن أجرؤ على ذلك في المدرسة. فالشيخ عبد المجيد والشيخ مولود يرفضان هذه الملابس الكافرة. وكان ارتداء البنطال الطويل في المدرسة يعني فقدان المنحة عن طريق سؤال في قواعد اللغة العربية يختار بعناية. ولم يكن أحد يتجرأ لتعريض نفسه لهذه المخاطرة. وبما أني مسافر لتِبِسَّة فقد تركت حل المشكلة لما بعد.
***
стр. 95
لاحت لي قمة (قرص السكر Le Pain de Sucre) في منعطف منحدر (حلوفة). وقد بدت لي المنطقة جرداء أكثر من قبل.
كنت أحب الأمسية الأولى التي أقضيها في تبسة بعد عودتي من قسنطينة، ولذّ لي كثيراً أول طعام أتناوله بعد غياب طويل مع عائلتي.
وكنت ذلك المساء مسروراً خاصة، فقد تبددت مخاوفي من البنطال ولبسه، بسرورِ أمي به. فحين رأتني قادماً إليها قالت بعد أن قبلت يدها: ((حسناً فعل بخلعه ذلك السروال الثقيل الذي كان يتأرجح بين رجليه، وهو الآن أرشق)).
وشقيقتاي اللتان أصبحتا الآن متزوجتين وجّهتا نظرات تنم عن الرضى، أما جدتي فقد تلقت مني قبلة على جبينها، ثم خفضت رأسها ترقب حبات سُبحة كانت في يدها.
أما والدي فقد كنت أعرف أنه يتبنى كما هي العادة آراء أمي. لقد تحسنت صحتها دون أن يكتب لها الشفاء التام. وكان الحديث تلك الليلة طليّاً والمائدة شيقة.
وعند خروجي ذلك المساء بعد تناولنا العشاء الأول تمتعت بلقاء أصدقائي القدماء؛ ابن خالي (صالح) والخياط (شريف سنوسي) و (محمود أزميرلي) الذي كان يدير مقهى في (حمام عباس) اعتدنا أن نشرب فيه القهوة ونكسر له الفناجين لنثير حنقه.
كان ذلك جمعي في تِبِسّة، وقد وجدتهم عندما خرجت؛ وكانت الآراء حول البنطال مختلفة، غير أن صديقي صاحب المقهى أبدى وحده شيئاً من التحفظ، لقد علق قائلاً: ((هل يسمحون لك في المدرسة حيث تتلقى العلم بارتداء زي
стр. 96
كافر؟)) إنه لم يكن يستطيع أن يفرق بين نظرته إلى العلم ونظرته إلى اللباس. فبالنسبة له كان واضحاً أن الثوب يصنع الراهب.
وحينما نجتاز بوابة (سيدي سعيد) ونحن في طريقنا إلى الكاتدرائية، أو نعبر بوابة قسنطينة إذا قررنا المسير إلى (وادي الناقوس)، فإن الليل في صيف تِبِسَّة ينشر سحره الفاتن أمام أبصارنا.
وكنا نحن بصورة عامة نختار الطريق الأول في نزهاتنا، فيبعدنا ذلك عن جمهور المتنزهين الذين يؤثرون الطريق الآخر؛ فهو لعله يغري الشبان بالمرور في الحي الأوربي، لرؤية الحسناوات الأوربيات بينما المتقدمون في السن تقودهم العادة إلى سلوكه.
وحين يكون القمر بدراً يطل علينا قرصُه الأحمر في طريقنا، فيبدو بارزاً بين (بورمان) الذي يحد الأفق في الجنوب والدير الذي يحده من الشرق.
وكنا نرى أشعته الأولى تسقط على مقام الوالي المرابطي سيدي (محمد بن شريف) الناصع البياض فيحدث انعكاسات باهتة. وهذا المقام يعلو قليلاً (عين مغوطة)، وهناك في أيام السوق كان الذين يقصدون تبسة لبيع غنمهم يتوقفون قليلاً عند هذه العين يسقون منها أو يتوضؤون بمائها.
كانت الأشياء تبدو سامجة في عتمة خفيفة فتحيي صورتها ذكريات قديمة مشتركة، حينما كنا نسطو على تلك الحدائق التي بدت الآن مهملة، فشاد فيها الناس بعد ذلك بناءً وغدت اليوم حياً يعرف بحي الكاتدرائية.
وفي الكاتدرائية هناك كان يستخفنا اللعب، فنسرع إلى اللهو بين حجارتها الكبيرة لنقبض على الجرذان الخضر التي تختبئ عادة فيها، فيعرضنا ذلك أحياناً لعقص الدبابير التي كانت تكثر فيها.
стр. 97
ومع ارتفاع القمر في الأفق كانت السماء تُبذل شيئاً فشيئاً لونها حتى يبدو كأساً من الفضة تسبح تحته الطبيعة، والأشياء في جو لبني اللون ساحر ( Opaline). وفي سيرنا أو جلوسنا على حافة ندلي فيها أرجلنا كنا نتجاذب الحديث، فآخذ منه طرفه الأكبر، لأن الحياة في تِبسَّة لم تكن قد تطورت والأحداث لم تكن قد أخذت تلك السرعة والغزارة التي جاءتها بعد ذلك لسنوات عدة.
على كل حال فلقد كان الشيخ (سليمان) يتابع رسالته الإصلاحية في البلدة، بينما الشيخ (الصدوق بن خليل) والشيخ (عسول) يتنافسان على استمالة المستمعين من شباب تبسة، هؤلاء الذين أصبحوا فيما بعد، وحينما عاد (الشيخ العربي التبسي) من الأزهر في القاهرة، روّاد مواعظه وتوجيهاته.
أما أنا فقد كنت أقصّ على أصدقائي ما أعرفه من أخبار الشيخ (بن باديس) وأخبار (الطواطي) الذي ينتمي إلى سيدي (بن سعيد)، وكان من طلبة العلم ثم اعتنق البروتستانتية فأصبح مدير البعثة الإنجيلية في قسنطينة.
كانوا يعرفونه جميعاً، وصديقي (شريف سنوسي) الخياط يبدي كما سمع خبراً مستغرباً دهشة فيها شيء من براءة الأطفال، فكلما تحدثت عن (الطواطي) كان يقول مستغرباً: ((آه ... هو الآن كافر! من كان يقول: إن ذلك الطالب الذي يحفظ ستين سورة من القرآن يصبح هكذا؟))
كنا نتحدث عن أشياء أخرى ويلذّ لي أن أتكبر على صديقي (شريف). فقد كنت أعرف أنه مولع بفتاة يهودية من تبِسَّة، ولكنه لا يتجرأ أن يقول لها كلمة واحدة. وهكذا يكتفي بالمرور مساء كل يوم تحت شرفة حبيبته موجهاً إليها نظرات خجولة حيِيَّة. ولا أظن تلك اليهودية قد بادلته النظرات، غير أنه كان يضع دائماً عواطفه ومشاعره خارج الزمان والمكان.
стр. 98
وحينما نمر أمام منزل صديقي صاحب المقهى. لا ينسى أن يأخذ منه الجرن والمدقة (الهاون)، فنجلس في ضوء القمر الذي كان يضفي على الكاتدرائية جواً شاعرياً رائعاً.
بين تلك الحجارة التي تعود لألفي سنة مضت كنا نقضي الوقت بسحق السكر مع فستق العبيد أو (الزغولي) والصنوبر، وهي حبوب زيتية يستخرجها حطابو تبسة من ثمار شجر الصنوبر ويبيعونها في المدينة لزيادة مداخيلهم الهزيلة. تلك التسليات البريئة كانت تدخل البهجة في قلوبنا كما لو كنا أطفالاً.
في تلك الفترة كان صاحب مقهى جزائري يقع في حي البلدية، قد أدخل تجديداً على مقهاه باستيراده أسطوانة مصرية. وكان هذا يحدث لأول مرة في الجزائر.
والواقع أن الأسطوانة المصرية سوف تلعب فيما بعد دوراً بارزاً في تطور البلاد الفني والسياسي.
وكان الفضل في إدخال ذلك العنصر على الحياة الجزائرية يعود لتبسة. ففي قسنطينة كان الناس لا يزالون مع (المالوف malouf) (١) ، أما في مدينة الجزائر فلم يكن هناك شيء محدد من الموسيقا ... وقد هزت أول أسطوانة مصرية أسمعها كياني بأنغام القانون الذي سمعته لأول مرة بكلمات وصوت سلامة حجازي.
كانت تلك مرحلة بطولية تمكنت فيها هذه الألحان الجديدة من أن تعيد للموسيقا العربية في نفوسنا مكانتها، فتثأر لنا من موسيقا الجاز وسيطرتها. خاصة أن ظهور تلك الموسيقا في المدينة كان من آثاره أن أصبح شاب يهودي يأخذ في المدينة مكان الأب (كابولا Capolla) ، على كشك ساحة (كارنو Carnot) الموسيقي في حفلة ليلة الرابع عشر من تموز (يوليو).
стр. 99
وفي الوقت الذي كان فيه الذوق الأوربي (يتأمرك) أخذ ذوقنا نحن الجزائريين (يتمصَّر)، ولعل من ميزات ذلك الزمن أن الأسطوانة المصرية لم تكن قد بدأت بعد في خلق المشاكل أمام الإدارة المستعمرة.
وميزة أخرى في ذلك العصر كانت طواف السيارات في المدينة. لقد عفّى الزمن على تلك السيارة الطويلة المكشوفة ( Corpédo) من إنتاج مؤسسة ( Buriali)، التي كانت تجمع وراءها حشداً من الأولاد وكنت أحدهم، والتي كان صاحبها يتجول فيها أحياناً ولكن دون أن يضع على عينيه النظارات الكبيرة التي تغطي نصف وجهه، والرداء المصنوع من جلد الماعز الذي يعطيه شكلاً ضخماً.
لقد عفّى الزمن على تلك السيارات وأضحى الَان اسم (سيتروين) يشغل بأحرف منيرة أعلى برج إيفل في باريس، وأخذت تؤمن الاتصال بين تبسة والمناطق المحيطة شاحنات صغيرة من إنتاج (سيتروين) ومن (طراز ب ١٢). أما العربات التي كانت تتولى نقل البضائع من المدينة إلى أسواق الشريعة والقلعة والجرداء فلم يعد لها وجود. ذلك أن أصحابها قد انسحبوا من ميدان النقل وخلوا مكانهم لأصحاب السيارات من إنتاج (سيتروين) و (رينو) أيضاً.
وقد تولى السلطة في الوحدة المختلطة ( La commune misete) حاكم إداري جديد. فقد رغبت الإدارة في تعيين رجل يهتم بشؤون الحكم. إن (ريجاس Reygasse) كان رجل علم أكثر منه رجل إدارة. وقد استدعي إلى جامعة الجزائر ليشغل فيها كرسي مادة (ما قبل التاريخ) وقد أثارت تعابيره الفنية يوماً جدلاً صحافياً لأن تعبير ( Libyco) اختلط مع ( Bicot).
ذلك عصر جديد قد بدأ. وفي الفسحات الداخلية لدور تبسة، كثيراً ما كانت النساء يتوقفن عن صنع الكسكوسي أو عجين الخبز أو غسل الغسيل لينظرن إلى أعلى، يتابعن طائرة تمر فوق المنازل بينما الأطفال يأخذون في الصياح. ((الطيارة ... الطيارة ... الطيارة .. !))
стр. 100
كان السباق في تبسة ذا شهرة كبيرة في منطقة قسنطينة بفضل الخيول الأصيلة التي كانت في المنطقة. وفي يوم السباق بالذات يتجمع حول بوابة قسنطينة عدد كبير من الخيول ذات الدماء النقية، وجمع من مختلف القبائل على تلك الأرض التي كانت تستعمل أثناء الحرب العالمية ساحة للمناورات. فهناك كثيراً ما كنا خلال الحرب العالمية الأولى نرى أثناء ذهابنا إلى المدرسة جنود الرماة يتدربون على القتال قبل إرسالهم إلى جبهة (فردان).
وهناك تعرفت لأول مرة إلى المدفع الرشاش الذي كان يقذف كالغاضب الحانق لهيباً صغيراً، واحداً تلو الآخر بقدر ما في المشط المتصل به من قذائف.
كان موعد السباق يأتي عقب انتهاء الناس من الحصاد والدرس في الحقول. وقليلاً ما كان يتهيأ لي أن أشاهد هذا المهرجان لأنه بمثابة إنذار بقرب انتهاء العطلة الصيفية.
ما زالت أمي مريضة ولكنها كانت تحقق بعض التحسن بفضل وصفات الدكتور (فيكاريلا Figarella) وبركات (الشيخ سليمان). وأحيانا كان خالي (أحمد الشاوش) يعتني بها سراً. إذ كانوا يحرصون على أن يخفوا عن الدكتور (فيكاريلا Figarella) أمر طبيب من أهل البلاد مجبِّر يعتني بها في الوقت نفسه. وحين كان الطبيب يقابل وهو في طريقه إلى غرفة أمي خالي أحمد المجبِّر كان يبادره قائلاً: ((ماذا أنت تفعل هنا؟)).
وكانت أمي توضح له بسرعة أنه قادم لزيارتها فقط. لقد أصبحت الآن جيدة بفضل ما قدمه لها كل من الطب والبركة والتجبير.
ومرة أخرى أيضاً صباح يوم من الأيام الأخيرة في شهر أيلول (سبتمبر) تولت شقيقتي الكبرى صب (ماء العودة) بين قدمي عند عتبة دارنا.
***
стр. 101
في قسنطينة كان (بن يمينة) الابن قد أدخل المزيد من التغييرات في مقهاه. فقد امتدت الطاولات الجديدة على الرصيف كله، بل اجتاحت الرصيف المقابل في (الشارع الوطني National) وأوجدت هكذا اتساعاً لرصيفها هناك على حافة (وادي الرمل).
لقد أصبح المقهى الجزائري الأول في المدينة، فأضحى مثالاً تحتذي به باقي المقاهي التي أخذت تنزع حصرها من الأرض لتستبدل بها الكراسي والطاولات الحديثة، مجبرة زبائنها القدماء على الانكفاء نحو مقاهٍ متخلّفة، يجدون فيها بغيتهم من الدومينو والبصاق تحت الحصر.
لقد كان ذلك بداية لمرحلة من التغيرات النفسية والاجتماعية التي ستسمى فيما بعد (النهضة).
(بوكاميه) أدخل أيضاً على حانوته بعض التحسينات بفضل الأموال التي تدخله عن طريق طلبة (المدرسة)، فقد انخفضت كمية الشحوم التي كانت تغطي المقاعد والقدور. والمأكولات المقلية أو المسلوقة التي كان يعرضها للزبائن على طاولة موضوعة أمام باب الحانوت، دون أن يكون فوقها ما يحميها من الذباب والغبار، أصبحت الآن تحفظ داخل غطاء من الشريط المعدني الأحمر ذي القرشين للمتر، والذي كان يغطي (الدف) الأسمر الممتلئ بقطع الكبد وكلب البحر المعروضة للزبائن.
(بوكاميه) نفسه اتخذ مظهراً أفضل. لقد تحضر قليلاً فلم يعد يُرى لابساً ذلك القميص الذي كان أكثر تشحّماً من (طناجره)، فهو اليوم بعد ساعات العمل أعني بعد الانتهاء من ذلك النسق من المدرسيين، نراه مرتدياً برنصه
стр. 102
يتجاذب الحديث مع صديقه الحميم الشاوش (بواب المدرسة) وهي صداقة وثقتها المصلحة.
ويمكن ملاحظة هذه الصداقة قبل ابتداء العطل، فالشاوش عميمي يكون نوعاً ما مساعداً لـ (بوكاميه). وعشية توزيع المنح كنا نرى الرجلين يتحادثان أمام باب المدرسة أو أمام الحانوت، وربما كان الحديث حول الطلبة الذين يتأخرون عن تسديد ما عليهم لـ (بوكاميه). وطلبة المدرسة من هذه الناحية يشكلون في كل مكان طبقة من الزبائن غير مأمونين.
فالذي يدفع نقداً ثمن طعامه لا يسبب معضلة. أما الطالب الذي يريد أن يدفع في نهاية الشهر فهناك مشكلة مهمة. (بوكاميه) رجل أمي ولذا فالزبون هو الذي يتولى تسجيل ما عليه في دفتره، والطالب يستطيع أن يسجل بأمانة وصدق أو أن يعمد إلى القسمة فيختزل قسماً مما عليه.
وليس هذا كل شيء، فبعد عملية الاختزال يستطيع أن يفكر بما عليه من مصاريف أخرى؛ ربطة عنق أو قميص أو رداء أو حذاء.
وكان (بوكاميه) تقريباً على ثقة من أن زبائنه لن يسددوا حساب الشهر الأخير من السنة الدراسية، ولذا فقد شعر بحاجة للمساعدة. وليس هناك من يساعده أكثر من الشاوش الذي يمسك بزمام المنح المدرسية ولأنه يتولى توزيعها في نهاية الشهر. من هنا كان لنا أن نتفهم أسس الصداقة التي تربط الرجلين: (بوكاميه والشاوش).
في هذه السنة ظهرت صحيفة جديدة باللغة العربية. لقد عاد الشيخ (الطيب العقبي) من الشرق حيث كان يدير في مكة صحيفة (أم القرى)، التي كانت هناك العنصر الوحيد للصحافة في المملكة العربية، كما كان الزورق الذي أعطي للملك حسين في نهاية الحرب هو أسطوله كله. لقد جاء يؤسس هنا مع (السيد اللمودي) في مدينة (بيسكرا) صحيفة (صدى الصحراء).
стр. 103
وقد ضمت هذه الصحيفة صوتها إلى صوت جريدة (الشهاب)، ليس هذا فقط بل كانت تطبع على تلك المطبعة الصغيرة التي كان يتولى إدارتها (بوشنال) والواقعة في شارع (بن شريف).
وقد كنت أرافق قديماً المرحوم جدي حين كان يذهب ليلعب الداما مع بعض أصدقائه. ذلك الشارع الذي يضم في طرفٍ مقهى بن يمينة وفي طرفٍ آخر مطبعة الشهاب، ويتوسطه مكتب الشيخ (بن باديس)، قد أضحى للمدينة شارع الفكر فيها كما كان لها شوارع أخرى للتجارة.
لقد أخذ يكثر في ذلك الشارع مرور أولئك الذين يرتدون ملابس بيضاء، وعلى رؤوسهم عمامة ذات طرف مرخى إلى الوراء يشير إلى أن صاحبها من أنصار (الحركة الإصلاحية)، في محيط لم تكن فيه تلك الحركة قد أصبح لها عقيدتها المحددة وتنظيماتها.
وكان يُرى قوم منهم يأتون من الداخل كما يأتي التجار إلى سوق المدينة ليحملوا إلى مراكزهم بضاعة تموينهم. فكانت هذه العمائم البيضاء تأتي إلى شارع (بن شريف) لتمون الداخل بالأفكار الجديدة.
هذه الأفكار المتداولة في شارع (بن شريف) كانت كمنشار يقوم بعملية تقسيم غامض لطبقات هذا الوسط، وقد كان قبل منسجماً موحَّداً في الجزائر.
كان هذا التقسيم يحدث في الأشخاص والأفكار مرة واحدة. فكثير من المعتقدات الباطلة والأوهام التي تعبر عن جهل بالعالم بدأت تُحتَضَر. فالجهل عادة يحمل احتراماً وثنياً لكل ما هو مكتوب. والجزائر بقابليتها للاستعمار وبالاستعمار كان لديها اعتقاد بخرافة الورقة المكتوبة، فقيمتها السحرية لا تمارسها فقط في النساء العجائز اللواتي يضعن لأطفالهن (حروزاً) يقينهم بها من العين الشريرة،
стр. 104
بل إنها تمارس قيمتها السحرية أيضاً في ذلك الوسط الذي تكوّن في الزوايا الصوفية، إذ تستعمل فيه حجة لا جواب عليها في المناقشات.
((إنه كتبي)) يقولها واحد للتأكيد إذا آنس في وجه مستمعه بعض الشك. ((إنه كتبي))، أي إنه في (كتاب)، يقولها وهكذا يسقط الشك وتنحني الرؤوس أمام الحجة الدامغة.
لقد فقد الفكر النقاد الذي توقف بتلك الكلمة السحرية كل حقل. وقد ظل متوقفاً بهذه الطريقة خلال أجيال. أما الآن فقد بدأ (الكتبي) يفقد سلطانه الساحر في العقول، ويفقد شيئاً فشيئاً أنصاره. والانقسام الذي مارس عمله في الأفكار بدأ في الواقع آلياً يمارسه في عالم الأشخاص.
لقد بدأت الآن عناصر جديدة تختلط مع الطلبة المدرسيين وتلاميذ الشيخ (بن باديس) في مقهى (بن يمينة)، وبذلك تتبلور الأفكار التي نسميها اليوم تقدمية. وكل ذلك يحدث يإسهام أولئك المواطنين العاديين من سائر طبقات المدينة الذين يأتون ليأخذوا حصتهم من الجدال والمناقشة. وواحد من الوجوه التي أضيفت إلى هذه الصورة كان حقاً فاتناً.
الشيخ (محمد طاهر العنيزي) كان قد غادر قديماً الجزائر مع والده سيدي (حمدان) أحد الوجوه الجميلة للعالم التقليدي، ويحتمل أنه عاصر الشيخ (عبد القادر المجاوي) والشيخ (بن مهنا) في قسنطينة. وربما كان هذا الشيخ المحترم ذا يد في تلك الاضطرابات التي سادت فترة من الزمن في منطقة (سيرتا) القديمة، فقد بذر فيها هؤلاء العلماء في نهاية القرن الماضي تلك الأفكار التي- إن جاز التعبير- نسميها (الإصلاح المحلي). ولعل المسنين من رجال قسنطينة يذكرون أي الوسائل استعملتها الإدارة الفرنسية لاستعادة سلطتها ولإعادة النظام والقانون.
стр. 105
لقد ترك سيدي (حمدان) الجزائر وذهب إلى المدينة المنورة ورافقه في هجرته هذه الشيخ (محمد طاهر العنيزي) وقد كان فتياً آنذاك.
وهناك قام والد الفتى بتدريس الحديث تحت قبة مسجد الرسول ثم مات. أما ابنه الذي لم يستطع التكيف مع عادات تلك البلاد، فقد قفل راجعاً إلى الجزائر تصحبه والدته العجوز في الفترة التي نتحدث عنها الآن.
ولكنه هنا في قسنطينة لم يستطع الاندماج في العادات والتقاليد، فكان يفاجئ الناس بلباسه الغريب ومواقفه وتصرفاته.
وغدت هذه الشخصية الطريفة من زبائن مقهى (بن يمينة). فكان يتحدث بلهجة البدوي القادم من الجزيرة العربية. لقد كانت ثقافته عربية ويضع على رأسه بصورة دائمة الكوفية والعقال، ولذلك كله أضحى مقبولاً في وسطنا.
لقد كانت هذه الغرابة لا تأتلف مطلقاً مع تلك الخصائص التي تتوافر لتلك الشخصية الثائرة على بعض الانحرافات، والتي سميت فيما بعد (العالم الإصلاحي).
لقد كان ثائراً على كل شيء، ولم أره يوماً يمدح أحداً أو شيئاً من الأشياء، كان ينتقد الناس جميعاً والأشياء كلها. وكان ذلك نوعه، ولم يكن هذا النوع يثير مشكلة في مجتمع لم يتمكن بعد من تكوين عقيدة له خاصة، لذا فقد وضع كثيراً من القضايا موضع بحث وتدقيق، إنما هو لم يوفق في بعض الأحيان للوصول بنهاية تفكيره إلى نتائج اجتماعية حاسمة.
هكذا كان نسق ثورته، يضع قشاً على الجمرة المشتعلة في النفوس التي تلتقي في مقهى (بن يمينة)، وفصاحته العربية كانت تمارس تأثيرها في العقول التي تفكر أو تتكلم الفرنسية.
стр. 106
أما حكاياته ومغامراته- وهي في غالبها من نتاج مخيلته، إذ كنت في ذلك العصر أعرف حبه للخرافات- فقد كان يقصها علينا فتجد لدينا آذاناً صاغية.
بل كنا ندفع عنه ثمن القهوة لنسمعه يتحدث كما يتحدث. وفي زيارة لمكتبة (النجاح) وقد اعتدنا أن نتردد من آنٍ لآخر نتعرف على ما جدّ من نتاج الأدب العربي، تعرفنا على شخصية لا تقل غرابة وقد لعبت أيضاً بطريقة لا شعورية دوراً مؤلِّفاً لأفكارنا واندفاعها في اتجاه معين.
إنه (يونس البحري) وكان آنذاك شاباً بين العشرين والثلاثين. ولم نكن نعلم كيف وصل من بغداد وحل في مدينتنا ضيفاً على عمي إسماعيل وتعرفنا عليه.
لقد شرح لنا مدير مكتبة النجاح بطريقة غامضة حكاية ضيفه الذي وصل من مكان غير معروف عبر طنجة. وكان يظهر مرتدياً الجلابية المغربية، وقد أثار وجوده في قسنطينة انتباه المسؤولين عن الأمن والنظام. فاستشعروا (خطراً) وراء ذلك اللباس المغربي.
ولكن ذلك العصر لم يكن بعد العصر الذي بات فيه من الضروري مراقبة الأشخاص الذين تفوح منهم رائحة الخطر، فكان إذن على (يونس البحري) أن يكون له كفيل من أبناء البلد.
تقدم عمي إسماعيل من السلطات ليكون مسؤولاً عن (يونس البحري)، وهكذا أُخِذ إلى مطبعته ذلك الشخص (غير المرغوب فيه) فسنحت لنا فرصة التعرف عليه.
حين عرفناه لم يكن يرتدي الجلابية، بل كان قد تخلى عنها وتزيّا بالزي الحديث، الطربوش وربطة العنق والبنطال. وكان بناؤه الرياضي يعطيه مظهراً جميلاً بالإضافة إلى أنه يملك ناصية اللغة العربية. وقد جعلت له هذه
стр. 107
الملكة تأثيراً عميقاً في جماهير شمالي إفريقيا، حين أخذ يتحدث إليها من مذياع برلين أثناء الحرب العالمية الثانية، بعدما وضع نفسه في خدمة دوائر الدعاية الألمانية التي كان يشرف عليها (غوبلز).
إذن كان الرجل يملك ما تتعطش إليه تلك العقول المجتمعة في مقهى (بن يمينة)، الباحثة عن الجديد سواء كان في السياسة أو الأدب أو الأخبار العادية.
وكانت لديه أقاصيصه الشخصية، وسواء كانت صحيحة أم مُخْتَلَقة فقد داعبت أحلامنا. وكان يبدو لي خاصة أحد الرحالة أو الباحثين عن الآفاق الجديدة. وحينما حدثني عن رحلته إلى أستراليا وهي في الغالب خيالية فتح لنزعتي إلى التنقل والتشرد بعداً جديداً.
وفي المدرسة منذ عودتي من تبسة واجهت مشكلة ملابسي الجديدة، فلم يكن الشيخ (عبد المجيد) يسمح لي بحضور دروسه مرتدياً البنطال. وأعتقد أنه قد ينبهني إلى ذلك بالفعل، أما الشيخ (مولود) فإن نظرته القاسية إليه كانت تفصح عن رأيه حول هذا الموضوع. ولما كانت علاقتي بالمدير (دورنون) سيئة، فقد فضلت ألا أحمل على كاهلي أعداء جدداً. ولذا فقد أخذت أدخل قاعات الدرس مرتدياً سروال صديقي (عبد الحميد نسيب) الطالب الذي كان في السنة الثانية في ذلك الوقت، وعماد الحركة الرياضية في (المدرسة)، وعزاء الأستاذ (بوبريتي Bobreiter).
لقد كانت رفقة صديقي نسيب مغرقة في تخلّفها. فهي تضم على ما أظن أكثر النفوس قذارة وكسلاً والذين لم تنتج المدرسة مثلهم من قبل. ولم يكن واحد منهم يرتاد مقهى بن يمينة. وحبهم للدومينو والتحلق في دوائر يتحدثون فيها اضطرهم لارتياد المقاهي التي لا تزال تحافظ على الحصر والوجاق. كانت لأحدهم على ما أذكر ميزة تميزه: ((الضحك بلا سبب)).
стр. 108
وكانت لهم جميعاً خاصة واحدة هي: أنهم لا يفعلون شيئاً. لقد كانوا سواء في الوسط المدرسي، يختلطون برفاق السوء من شارع (ايشيل Echelle)، وحينما كان الأستاذ (بوبريتي Bobreiter) يدخل إليهم ليلقي دروسه في تلك الفرقة التي اختارتها الصدفة لتمثل العدم، لم يكن يجد أمامه من يستحق اسم (طالب) غير (عبد الحميد نسيب).
وفيما يتعلق بالمدينة كنت أذهب نادراً إلى خالتي (بهية). فقد تابعت المأساة القسنطينية فصولها. فلم يعد التحدث عن العيسوية إلا قليلاً. وحينما يتاح لي المرور أمام الزاوية المغلقة كان شيء ما يعصر قلبي.
ففي الطور الذي يحدث فيه التغيير يصبح فيه الإنسان متناقضاً. فهو من جهة يهدم الماضي بيديه ومن جهة أخرى يستشعر في ذاته ضغط ذلك الماضي وأتره. ولست أدري إنما كان ذلك صحيحاً أم لا، إنما على كل حال كان هذا هو الوضع بالنسبة لي.
في مقهى بن يمينة شعرت في الواقع بالانقسام الايديولوجي، الذي أوجد انطلاقاً من باب المدرسة أو من باب المقهى، حدوداً أخلاقية فاصلة بين أولئك الذين كانوا يعملون في البحث عن طريق أفضل، وأولئك الذين لا يزالون مدمنين على قراءة (ألف ليلة وليلة).
ولكن في شوارع قسنطينة بدأت أستشعر ذلك الانقسام الاقتصادي الذي بدأ تأثيره منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. فالنظام الاجتماعي القديم بدأ يتفسخ بوضوح؛ وفي ساحة سوق العصر بين أكوام الملابس الرخيصة الثمن تكونت طبقة بورجوازية جيدة.
أما البورجوارية القديمة فكانت تعرض آخر ما تبقى لديها، من مجوهرات وحلي للبيع كما واجهتها مصاريف طارئة لمرض أو حادث غير مرتقب.
стр. 109
وأعمال يهود قسنطينة بدت في ازدهار كبير يدر عليهم الذهب في تلك الظروف المضطربة، فكانوا يقرضون الأموال بفوائد تصل إلى ٥٠% أو ٦٠% سنوياً، وكثيراً ما كان (سيدي المسلم) يوقع على بياض السندات والأوراق التي يقدمها تجار شارع فرنسا.
وفي الفترة بين عامي ١٩٢٠ و ١٩٢٥ تمت في تلك الحوانيت تصفية ما تبقى من ثروات لدى عائلات قسنطينة العريقة في بورجوازيتها. وفي تلك الحوانيت أيضاً كان الفلاحون يتخلون عن آخر قطعة من أراضيهم في مقاطعة (سطيف) أو (قالما) أو (عنابة). والطريقة كانت واحدة، إنها التوقيع على سندات بيضاء.
وهذه الإجراءات فرضت حصاراً مخيفاً حول ملكية الجزائريين أبناء البلاد. وقد أصبحت حوانيت اليهود عبارة عن واسطة لانتقال الملكية من أيدي الجزائريين إلى أيدي المعمرين، وكان ذلك سهلاً؛ فالبورجوازي من أجل أن يقيم حفلة زواج، والفلاح من أجل أن يشتري سيارة (سيترون) ليأتي بها ويقضي سهرة في شارع (ايشيل Echelle) في قسنطينة كان بحاجة للمال. واليهودي كان مستعداً دائماً ليقرضه بفائدة ٦٠%، والفائدة المتجمعة بهذه النسبة تنقل آلياً بعد عام أو عامين ملكيتهم من أيديهم إلى أيدي المعمرين.
(وسيدي المسلم) لا يحسب الفائدة مطلقاً، عندما يقدم له الدائن اليهودي الشاي والنعناع أو قهوة تركية جيدة الصنع، في الساعة التي يحين فيها توقيع السندات. ولم يكن ليدرك حقيقة ما فعل إلا حين يطرق حاجب المحكمة بابه.
الانقسام الاقتصادي تابع هكذا سيره بتأثير مزدوج. فمن ناحية حَوَّل الملكية من أيدي الجرائريين إلى أيدي اليهود والأوربيين، ومن ناحية أخرى فقد نقلها من أيدٍ بورجوازية توارثت الثروة والجاه إلى أيدٍ بورجوازية أثْرَت من تعاطي التجارة. ذلك كله من وجهة نظرية لا يترجم سائر المأساة الإنسانية لتلك الفترة.
стр. 110
كنت أشعر بالمأساة في كل مرة أذهب فيها لزيارة خالتي بهية، فأرى خالي (علاوة) جالساً بقربها كولد صغير أو بتعبير أصح كصورة للبؤس البشري.
وكنت أحسّ بالمأساة بصورة قوية في تِبِسَّة أيضاً وخاصة في زيارتي الأخيرة في عطلة الصيف، حينما رأيت آخر واحد من عائلة (بن شريف) العريقة - وهي تحمل الاسم نفسه لعائلة شريفة أخرى في قسنطينة- يغادر دار العائلة القديم في ساحة (الكنيسة)، ليستأجر غرفة صغيرة في حي المسلخ القذر، يطل بابها على الشارع فيتخد قسماً منها لتعليم القرآن لأطفال الحي وآخر لسكنه. أما دار العائلة عائلة (بن شريف) المهجورة المهدمة فكانت تحكي للمارة ببابها المغلق نهائياً مأساة أمةٍ وبلد. وكان هذا الشعور يزايلني أيضاً حين أمر أمام الدور التي كانت تقطنها في الماضي الفروع المختلفة لعائلة الشاوش العريقة في شارع (بريزون Prison).
في ذلك العام وقع حادث صغير، إلا أن نتائجه على تفكيري كانت كبيرة للغاية. ففي مكتبة المدرسة كان (دورنون Dournon) يتولى إعارة الكتب للطلبة؛ وقد استعرت يوماً كتاب ابن خلدون في ترجمة فرنسية قام بها (سلفستر ساسي) و (مروج الذهب للمسعودي) في ترجمة فرنسية لم أعد أذكر صاحبها.
وكانت إعارة الكتب تحدث مرة في الأسبوع. وفي إحدى المرات وضعت الصدف بين يدي كتاباً للفيلسوف الفرنسي (كونديلا Condillae) الذي عاش في القرن الثامن عشر والذي يمكن أن يعد إلى حد ما أستاذاً لمدرسة علم النفس الفرنسية.
وقد أسرني هذا الكتاب على الرغم من ضخامته وصعوبة فهمه بالقياس إلى طالب مثلي.
لم أعد في فترات الاستراحة التي تتخلل الدروس أفكر في تلك الرحلات الخيالية إلى تمبوكتو، كما لم أعد أجد لذة في رسم رأس الشيخ (بن العابد) أثناء