قلت: ورواه الحاكم (١/ ١٧٦) من هذا الوجه لكنه قال: ثنا بقية بن الوليد: أخبرني الأسود بن ثعلبة به.
فلا أدري أهكذا الرواية عنده أم سقط من نسختنا ذكر علي بن علي. ثم ليس عنده الإسناد الثاني ثم قال:
(وقد استشهد مسلم ببقية بن الوليد وأما الأسود بن ثعلبة فإنه شامي معروف).
كذا قال ووافقه الذهبي مع أنه يقول في ترجمته من (الميزان):
(لا يعرف) قاله ابن المديني. وفي (التقريب):
(مجهول).
قال الشوكاني (١/ ٢٤٧):
(والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوما متعاضدة بالسنة إلى حد الصلاحية والاعتبار فالمصير إليها متعين فالواجب على النفساء وقوف أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك كما دلت على ذلك الأحاديث السابقة).
وقال الترمذي (٢٥٨):
(وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي. فإذا رأت الدم بعد الاربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الأربعين وهو قول أكثر الفقهاء وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق)
стр. 37
قلت: وما ذكره عن الشافعي هو قول له؛ وإلا فالمشهور المذكور في كتب أصحابه أن أكثر النفاس ستون يوما. وحكاه الترمذي عن عطاء بن أبي رباح والشعبي.
واختلفوا في أقل النفاس على أقوال أقربها إلى الصواب أنه لا حد لأقله لقوله فيما سبق: فإن رأت الطهر قبل ذلك. وهو قول الشافعي ومحمد وهو اختيار شيخ الإسلام (١٦) من (الاختبارات) وابن حزم (٢/ ٢٠٣).
واعلم أن النفاس كالحيض في جميع ما يحل ويحرم ويكره ويندب وقد نقل الإجماع في ذلك الشوكاني (٢٤٨) عن (البحر). وقد أجمعوا أن الحائض لا تصلي فكذلك النفساء.
[الثمر المستطاب ١/ ٤٥ - ٥٠].
غسل المستحاضة لكل صلاة
اغتسال المستحاضة لكل صلاة أو للظهر والعصر جميعا غسلا وللمغرب والعشاء جميعا غسلا وللفجر غسلا لحديث عائشة قالت: إن أم حبيبة استحيضت في عهد رسول الله ﷺ فأمرها بالغسل لكل صلاة. . الحديث.
وفي رواية عنها: " استحيضت امرأة لى عهد رسول الله ﷺ فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلا واحدا وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا وتغتسل لصلاة الصبح
стр. 38
غسلا وإسناد هذه الرواية صحيح على شرط الشيخين والأولى صحيح فقط كما بينته في " صحيح السنن " (رقم ٣٠٠ و٣٠٥)
[تمام المنة ص ١٢٢].
نقض المرأة شعرها في الغسل
ومن (غسل المرأة) قوله: " فعن عائشة أن أسماء بنت يزيد سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض قال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر. . ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها.
قالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ قال: سبحان الله تطهري بها. . وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذين ماءك. . فقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
رواه الجماعة إلا الترمذي "
قلت: فيه وهمان: الأول: أن جماعة المذكورين لم يرووا الحديث بتمامه وإنما رواه كذلك من بينهم مسلم وأبو داود وابن ماجه وأحمد (٦/ ١٤٧ - ١٤٨) والسياق له.
وأما بقية الجماعة وهم البخاري والنسائي فإنما أخرجا القسم الأول منه دون السؤال عن غسل الجنابة وهذا القدر هو الذي عزاه في " المنتقى " (١/ ٢١٧ - ٢١٨ بشرح الشوكاني) لرواية الجماعة إلا الترمذي.
стр. 39
وروى البخاري معلقا قول عائشة في آخره: " نعم النساء. . " فقال الحافظ في " شرحه " (١/ ٨٤ ا): " هذا التعليق وصله مسلم. . عن عائشة في حديث أوله: أن أسماء بنت يزيد الأنصاري سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض. ."
فهذا مما يدلك على وهم نسبته الحديث برمته إلى البخاري.
وقد وقع في هذا الوهم الشيخ محمود السبكي أيضا في " الدين الخالص " (١/ ٣١٣) والظاهر أنهما قلدا غيرهما فيه.
الثاني: أنه ليس عند أحد المذكورين ممن روى الحديث مختصرا أو تاما أن السائلة هي أسماء بنت يزيد بل هي عندهم أسماء غير منسوبة وبعضهم لم يسمها مطلقا اللهم إلا في رواية لمسلم (١/ ١٨٠) فإنه سماها: " أسماء بنت شكل " وما تقدم عن الحافظ أنها عند مسلم: " أسماء بنت يزيد الأنصاري " وهم منه ﵀ ولعله منشأ وهم المؤلف أو من نقل هو عنه والله أعلم.
ثم إن الحديث صريح في التفريق بين غسل المرأة في الحيض وغسلها من الجنابة حيت أكد على الحائض أن تبالغ في التدليك الشديد والتطهير ما لم يؤكد مثله في غسلها من الجنابة ,كما أن حديث أم سلمة المذكور في الكتاب دليل على عدم وجوب النقض في غسلها من الجنابة. وهو المراد في حديث عبيد بن عمير عن عائشة بقرينة اغتسالها مع النبي ﷺ فلا تعارض بين الأحاديث على هذا التفصيل.
فيجب النقض في الحيض ولا يجب في الجنابة خلافا لما ذهب إليه المصنف وعلى مذهبه يلزم رد حديث عائشة بدون حجة ولا يجوز.
стр. 40
وقد ذهب إلى التفصيل المذكور الإمام أحمد وصححه ابن القيم في " تهذيب السنن " فراجعه (١/ ١٦٥ - ١٦٨) وهو مذهب ابن حزم (٢/ ٣٧ - ٤٠)
[تمام المنة ص١٢٥].
١٨٨ - " انقضي شعرك واغتسلي. أي في الحيض "
[الصحيحة]
قال ﵀:
رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١/ ٢٦ / ١): أنبأنا وكيع عن هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها في الحيض: فذكره.
وأخرجه ابن ماجه (٦٤١) من طريق ابن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع به.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. وهو عندهما في أثناء حديث عائشة في قصة حيضها في حجة الوداع وأن النبي ﷺ قال لها:
" انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن عمرتك .. الحديث وليس فيه " واغتسلي " وهي زيادة صحيحة بهذا السند الصحيح، وسياق الشيخين، يقتضيها ضمنا، وإن لم يصرح بها لفظا. ولعل هذا هو وجه استدراك السندي على البوصيري قوله في " الزوائد ": " وهذا إسناد رجاله ثقات "
стр. 41
فقال السندي " قلت: ليس الحديث من الزوائد، بل هو في الصحيحين وغيرهما ".
وأقول: ولكل وجهة، فالسندي راعى المعنى الذي يقتضيه السياق كما أشرت إليه
والبوصيري راعى اللفظ، ولا شك أنه بهذه الزيادة " واغتسلي " إنما هو من الزوائد على الشيخين، ولذلك أورده البوصيري، وتكلم في إسناده ووثقه.
وكان عليه أن يصرح بصحته كما فعل المجد ابن تيمية في " المنتقى " والله الموفق.
ولا تعارض بين الحديث وبين ما رواه أبو الزبير عن عبيد بن عمير قال:" بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فقالت: يا عجبا لابن عمرو هذا، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن!
أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات ".
أخرجه مسلم (١/ ١٧٩) وابن أبي شيبة (١/ ٢٤ / ١ - ٢) والبيهقي (١/ ١٨١) وأحمد (٦/ ٤٣).
أقول: لا تعارض بينه وبين هذا لأمرين:
الأول: أنه أصح من هذا. فإن هذا وإن أخرجه مسلم فإن أبا الزبير مدلس وقد عنعنه.
стр. 42
الثاني: أنه وارد في الحيض، وهذا في الجنابة، كما هو ظاهر، فيجمع بينهما بذلك، فيقال يجب النقض في الحيض دون الجنابة. وبهذا قال الإمام أحمد وغيره من السلف.
وهذا الجمع أولى، فقد جاء ما يشهد لهذا الحديث، عن أم سلمة قالت:" قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال:" لا إنما يكفيك إن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك فتطهرين ".
стр. 43
كِتَابُ اَلصَّلَاةِ
عورة المرأة
٥ - وأما المرأة فكلها عورة إلا وجهها وكفيها:
وأما كونها عورة فلقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ الآية [٣١ سورة النور].
قال ابن حزم في (المحلى):
(فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر وفيه نص على إباحة كشف الوجه لا يمكن غير ذلك وقوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يحل ابداؤه).
وفي قوله: وفيه نص على إباحة كشف الوجه) نظر لأن العلماء اختلفوا في المراد من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.قال الحافظ ابن كثير:
(أي: لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب. يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب ,فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكنها إخفاؤها. ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود: الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء
стр. 44
وإبراهيم النخعي وغيرهم. وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي نهين عن إبدائها كما قال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله قال في قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾: الزينة: القرط والدملوج والخلخال والقلادة.
قال الحافظ: ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين وهذا هو المشهور عند الجمهور ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في (سننه): ثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا: ثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: (يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا) - وأشار إلى وجهه وكفيه -. لكن قال أبو داود وأبو حاتم: هو مرسل خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ﵂
قلت: وكل هذه الآثار والأقوال أو جلها ذكرها ابن جريج بأسانيدها في (التفسير) ثم اختار قول ابن عباس ومن تابعه فقال:
(وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من عنى بذلك الوجه والكفين ويدخل في ذلك - إن كان كذلك - الكحل والخاتم والسوار والخضاب. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال لإجماع الجميع أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وأن
стр. 45
عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبدي من ذراعها إلى قدر النصف. فإذ كان كذلك من جميعهم إجماعا كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلوما أنه مما استنثاه الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؛ لأن كل ذلك ظاهر منها).
ومال إلى هذا القول القرطبي أيضا فإنه ذكر في (تفسيره) قول ابن عطية:
(ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك فـ ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه). فقال القرطبي:
(قلت: هذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂. . .) ثم ذكر الحديث السابق عند ابن كثير. ثم قال:
(فهذا أقوى في جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها)
واعلم أن العلماء اتفقوا كما في (مراتب الإجماع) على أن شعر الحرة وجسمها - حاشا وجهها ويدها - عورة. واختلفوا في الوجه اليدين حتى أظفارهما: أعورة هي أم لا؟.
стр. 46
وقد ظهر لك من تفسير الآية الكريمة أنها تدل دلالة دقيقة على أن الوجه والكفين منها ليس بعورة وذلك ما دلت عليه السنة كما يأتي.
(وقوله ﷺ : (المرأة عورة)
وهو من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وتمامه: (فإذا خرجت استشرفها الشيطان)
أخرجه الترمذي من طريق همام عن قتادة عن مورق عن أبي الأحوص عنه. وقال:
(حديث حسن). وفي نسخة:
(حسن صحيح) (١)
قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم. قال المناوي في (فيض القدير):
(ورواه عنه باللفظ المذكور الطبراني وزاد: (وإنها أقرب ما تكون من الله وهي في قعر بيتها) قال الهيثمي: رجاله موثقون. ورواه أيضا ابن حبان عنه)
قلت: وبالزيادة المذكورة أخرجه الخطيب في (تاريخه) من طريق المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يحدث عن قتادة عن أبي الأحوص به فاسقط من الإسناد مورقا.
стр. 47
(وأما أن وجهها وكفيها ليسا بعورة فلقوله في الآية السابقة:: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على قول ابن عباس وغيره: إن المراد الوجه والكفان. ويشهد لذلك من السنة:
(١) عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ حسناء من أحسن الناس [قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط] فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه [وجافى يديه] فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر / ٢٤].
أما قول ابن عباس فرواه ابن جرير كما سبق. وروى نحوه الطحاوي في (شرح المعاني) والبيهقي في (سننه) عن سعيد بن جبير عنه.
ثم رواه البيهقي من طريق عكرمة عنه ثم قال: وروينا عن أنس بن مالك مثل هذا ثم روى بإسناد عن عقبة بن الاصم عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة ﵁ قالت: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: الوجه والكفان.
لكن عقبة بن الأصم ضعيف.
ثم قال البيهقي: وروينا عن ابن عمر أنه قال: الزينة الظاهرة: الوجه والكفان. وروينا معناه عن عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وهو قول الأوزاعي.
وقال ابن حزم:
(وقد روينا عن ابن عباس في ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ , قال: الكف والخاتم والوجه. وعن ابن عمر: الوجه والكفان.
стр. 48
وعن أنس: الكف والخاتم. وكل هذا عنهم في غاية الصحة وكذلك أيضا عن عائشة وغيرها من التابعين).
ثم روى البيهقي حديث عائشة مرفوعا:
(إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا - وأشار إلى قول البيهقي:
(مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة ﵃ في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة فصار القول بذلك قويا) والله تعالى أعلم.
وأما حديث ابن عباس فهو حديث جيد. رواه نوح بن قيس الحداني عن عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء عنه.
وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال مسلم غير عمرو بن مالك وهو ثقة كما قال في (الميزان).
أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه والحاكم والطيالسي وأحمد وابن جرير في (تفسيره) والطبري في (الكبير) من طرق عنه. والزيادة والأول عند ابن جرير والأخرى عن الحاكم وقال:
(صحيح الإسناد). وقال عمرو بن علي:
(لم يتكلم أحد في نوح بن قيس الطاحي بحجة)
قال الذهبي في (التلخيص):
(قلت: هو صدوق خرج له مسلم) وأما الترمذي فأعلّه بقوله:
стр. 49
(وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه ولم يذكر فيه عن ابن عباس وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح).
قلت: رواية جعفر هذه أخرجها ابن جرير من طريق عبد الرزاق عنه مسندة عن أبي الجوزاء قال في قول الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ , قال المستقدمين منكم في الصلاة والمستأخرين.
قلت: وهذه الرواية المرسلة والموقوفة لا تعلل عندي الرواية الأولى الموصولة المرفوعة, لأن مع راويها زيادة علم وقبولها واجب كما تقرر في المصطلح. وأيضا فإن الرواية المرسلة لفظها يدل على أنها رواية مستقلة عن الرواية المرفوعة لأنها مختصرة جدا.
والظاهر أن أبا الجوزاء كان إذا روى الحديث مرفوعا رواه بتمامه في سبب نزول الآية وإذا ذكر الآية مفسرا لها رواه مختصرا غير رافعه ولا مسنده إلى ابن عباس وإن كان هو في الأصل قد أخذه عنه. فظهر بهذا أن الرواية المرسلة لا تعل الرواية الموصولة.
والله أعلم.
وأما قول الحافظ ابن كثير في (تفسيره):
(وهذا الحديث فيه نكارة شديدة) فغير مسلم؛ لأن ذلك البعض الذي كان ينظر من تحت إبطه جاز أن يكون من المنافقين أو من جهلة الأعراب وهذا واضح لا يخفى ,فلا نكارة ولا إشكال. ولذلك لم نر أحدا ممن خرج الحديث أو ذكره وصفه بالنكارة الشديدة حتى ولا الحافظ الذهبي المعروف
стр. 50
بنقده الدقيق للمتون بل صححه كما علمت وهو الذي يقول فيه ابن كثير في (تاريخه) وقد ذكر وفاته سنة:
(وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه ﵀.
والحديث دليل على أن النساء كن يصلين وراء النبي ﷺ مكشوفات الوجوه ويشهد لذلك حديث عائشة ﵂: كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس.
أخرجه الشيخان وغيرهما وقد مضى في المواقيت رقم (٥) من الفجر فإن مفهومه أنهن يعرفن لو لم يكن الغلس ولا يعرفن عادة إلا من الوجوه
ففيه دليل على أن وجه المرأة ليس بعورة في الصلاة وهو إجماع كما يفيده كلام ابن جرير السابق في تفسير الآية. وإذا كان الأمر كذلك فوجهها ليس بعورة خارجها من باب أولى لأن العلماء متفقون على أن الصلاة يطلب فيها ما لا يطلب خارجها فإذا ثبت في الشرع جواز أمر ما داخلها كان ذلك دليلا على جوازه خارجها كما لا يخفى على أنه قد جاء الدليل الصريح على أنه ليس بعورة خارج الصلاة أيضا وهو قولنا:
(٢) عن جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: (تصدقن فإن أكثركن
стр. 51
حطب جهنم) فقامت امراة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال:
(لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير).
قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن).
وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم والنسائي والدارمي وأحمد من طرق عن عبدالملك بن أبي سليمان قال: ثنا عطاء عنه.
قوله: (سطة). كذا هو عند مسلم ورواية الباقين: (سفلة). ولعل تلك الرواية محرفة أو مصحفة من هذه. قال النووي في (شرح مسلم):
(هكذا هو في النسخ (سطة) بكسر السين وفتح الطاء المخففة وفي بعض النسخ: واسطة النساء. قال القاضي: معناه من خيارهن والوسط العدل والخيار قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغير في كتاب مسلم وأن صوابه: من سفلة النساء. وكذا رواه ابن أبي شيبة في (مسنده) والنسائي في (سننه). وفي رواية لابن أبي شيبة: امرأة ليست من علية النساء. وهذا ضد التفسير الأول ويعضده قوله بعده: سفعاء الخدين. هذا كلام القاضي. وهذا الذي أدعوه من تغيير الكلمة غير مقبول بل هي صحيحة وليس المراد بها من خيار النساء كما فسره هو بل المراد امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن. قال الجواهري وغيره من أهل اللغة: يقال: وسطت القوم أسطهم وسطأ وسطة أي: توسطتهم
قوله: (سفعاء الخدين) بفتح السني المهملة أي: فيها تغير وسواد) اهـ كلام النووي.
стр. 52
وهذا الحديث يدل على أن النساء كن يحضرن الصلاة مكشوفات الوجوه ولذلك استطاع الرواي أن يصف بعضهن بأنها سفعاء الخدين.
(٣) وعن ابن عباس أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله ﷺ في حجة الوداع [يوم النحر] والفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ . الحديث فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها وكانت امرأة حسناء [وتنظر إليه] فأخذ رسول الله ﷺ الفضل فحول وجهه من الشق الآخر زاد غيره: فقال له العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما).
الحديث أخرجه أحمد والنسائي وعنه ابن حزم من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن سليمان بن يسار أخبره أن ابن عباس أخبره به.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.
وقد أخرجه البخاري من طريق شعيب عن الزهري به نحوه وفيه الزيادة الأولى.
وكذلك أخرجه البيهقي. ورواه مالك في (الموطأ) عن ابن شهاب به نحوه وفيه الزيادة الثانية
وهو عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي أيضا وكذا أحمد كلهم عن مالك به
ثم رواه النسائي وابن ماجه وأحمد من طرق أخرى عن الزهري نحوه وفيه الزيادة الأولى.
стр. 53
وأما الزيادة الأخيرة فمن طريق غير ابن عباس فهي من حديث علي بن أبي طالب ﵁
أخرجه الترمذي وأحمد وابنه عبد الله في (زوائد المسند) من طرق عن عبد الرحمن بن الحارث عن ابن عياش بن أبي ربيعة عن زيد بن علي بن حسين بن علي عن أبيه علي ابن حسين عن عبيد الله بن رافع مولى رسول الله ﷺ عنه في حديث له في صفة الحج.
وهذا سند جيد رجاله ثقات وقال الترمذي:
(حسن صحيح)
والحديث فيه دلالة واضحة على أن الوجه من المرأة ليس بعورة؛ لأنه (لو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها ﵇ على كشفه بحضرة الناس ولأمرها أن تسبل عليه من فوق ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء) قاله بن حزم.
فثبت بذلك كله أن وجهها ليس بعورة لا في الصلاة ولا خارجها وهو قول أكثر العلماء في (بداية المجتهد) وهو مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم كما في (المجموع). واحتج بذلك بعض الفقهاء بالنظر أيضا وهو أن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والعطاء فلم يجعل ذلك عورة.
(٤) عن عائشة ﵂:
أن هند بنت عتبة قالت: يا نبي الله بايعني؟ [فنظر إلى يدها فـ] قال: (لا أبايعك حتى تغيري كفيك كأنهما كفا سبع).
стр. 54
وهذا حديث حسن أخرجه أبو داود في (السنن): ثنا مسلم بن إبراهيم: ثتني غبطة بنت عمرو المجاشيعة قالت: ثتني عمتي أم الحسن عن جدتها عنها.
وهذا سند مسلسل بالمجهولات من النساء لكن قال الذهبي في (الميزان):
(فصل في النسوة المجهولات: وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها).
وله طريق آخر وشواهد يتقوى بها قال ابن أبي حاتم كما في (تفسير ابن كثير): ثنا نصر بن علي: ثني أم عطية بنت سليمان: ثني عمتي عن جدتي عن عائشة قالت:
جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه فنظر إلى يدها فقال: (اذهبي فغيري يدك) فذهبت فغيرتها بحناء ثم جاءت فقال: (أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا) فبايعته وفي يدها سواران من ذهب فقالت ما تقول في هذين السوراين؟ فقال: (جزئين من نار جهنم)
سكت عليه ابن كثير وسنده كالذي قبله وأورده الهيثمي في (المجمع) بأتم منه ثم قال:
(رواه أبو يعلى وفيه من لم أعرفهن)
ومن شواهده:
(١) عن ابن عباس أن امرأة أتت النبي ﷺ تبايعه فقالت ولم تكن مختضبة فلم يبايعها حتى اختضبت.
стр. 55
رواه البزار وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وبقية رجاله ثقات كما في (المجمع)
(٢) عن مسلم بن عبد الرحمن قال:
رأيت رسول الله ﷺ يبايع النساء عام الفتح على الصفا فجاءت امراة كأن يدها رجل فابى أن يبايعها حتى ذهبت فغيرت يدها بصفرة قال الهيثمي:
(رواه الطبراني والبزار وفيه سميسة بنت نبهان ولم أعرفها وبقية رجاله ثقات).
قلت: كذا في الأصل (سميسة) بالسين المهملة ولعله بالمعجمة كما في (الاستيعاب) و (الإصابة) لكن وقع فيه بتقديم السين المهملة على المثناة التحتية والظاهر أنه تحريف أيضا.
والحديث قال الحافظ:
(رواه أبو علي بن السكن والبخاري أيضا والطبراني من طريق عباد بن كثير الرملي عن شمسية بنت نبهان عن مولاها مسلم بن عبدالرحمن به). ثم قال:
(قال ابن حبان: ما أرى حديثها محفوظا)
(٣) عن محمد بن إسحاق عن ابن ضمرة بن سعيد عن جدته عن امرأة من نسائهم وكانت قد صلت القبلتين مع النبي ﷺ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فقال: (اختضبي تترك إحداكن الخضاب حتى تكون يدها كيد الرجل) قالت: فما تركت الخضاب حتى لقيت الله تعالى وإن كانت لتختضب وهي بنت ثمانين.
стр. 56
أخرجه أحمد: ثنا يزيد بن هارون: أنا محمد بن إسحاق به. قال الهيثمي:
(رواه أحمد وفيه من لم أعرفهم وابن إسحاق وهو مدلس).
قلت: ابن ضمرة بن سعيد أورده في (التعجيل) ثم قال:
(كذا وقع في نسخة وفي النسخ المعتمدة: محمد بن إسحاق عن ضمرة ابن سعيد ليس فيه (ابن) وهو الصواب).
قلت: وعليه فليس فيه من لا يعرف غير جدة ضمرة بن سعيد فإنها لم تسم وأما هو - أعني ضمرة بن سعيد - فثقة من رجال مسلم.
(٤) عن السوداء قالت: أتيت النبي ﷺ لأبايعه, فقال: (اذهبي فاختضبي ثم تعالي حتى أبايعك). قال الهيثمي:
(رواه الطبراني في (الأوسط) و (الكبير) وفيه من لم أعرفه).
قلت: ورواه ابن سعد في (الطبقات) عن شيخيه عبد العزيز بن الخطاب وإسماعيل بن أبان الوراق كلاهما عن نائلة الكوفية مولاة أبي العيزار عن أم عاصم عنها.
ونائلة هذه لم أجد من ذكرها, وأم عاصم لعلها مولاة سلمة بن المحبق وهي مقبولة كما في (التقريب).
(٥) عن عائشة قالت: مدت امرأة من وراء الستار بيدها كتابا إلى رسول الله ﷺ فقبض النبي ﷺ يده وقال: (ما أدري أيد رجل أو يد امرأة) فقالت: بل امرأة فقال: (لو كنت امرأة غيرت أظفارك بالحناء).
стр. 57
أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والبيهقي من طريق مطيع بن ميمون العنبري يكنى أبا سعيد قال: حدثتني صفية بنت عصمة عنها.
وهذا سند لين.
ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن كف المرأة ليس بعورة؛ لأنه ﵇ نظر إليه وأمر بخضبه, ليكون ذلك فارقا من الفوارق بين الرجل والمرأة. وفي ذلك إقرار منه ﷺ لكشفه من المرأة.
وفي الباب عن ابن عباس ﵁ قيل له: أشهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى, ثم خطب ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة فرأيتهن يهوين بأيديهن يقفنه في ثوب بلال ثم انطلق هو وبلال إلى بيته.
أخرجه البخاري ومن طريقه ابن حزم وأبو داود وعنه البيهقي والنسائي من طريق سفيان الثوري قال: ثني عبد الرحمن بن عابس عنه.
ولم يورد ابن حزم في الباب غيره قال:
(فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله ﷺ رأى أيديهن فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا عورة وما عداهما ففرض عليها ستره).
стр. 58
حكم الصلاة بدون خمار
(٦ - وإن صلت المرأة بغير خمار يغطي رأسها فصلاتها غير مقبولة لقوله ﵇: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار).
الحديث صحيح أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي وأحمد عن حماد بن سلمة وابن حزم في (المحلى) عن حماد بن زيد كلاهما عن قتادة عن ابن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة مرفوعا به. وقال الترمذي:
(حديث حسن) والحاكم:
(صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
ورواه أيضا ابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما) وإسحاق بن راهويه كما في (نصب الراية) وعزاه للطيالسي أيضا في (مسنده) ولم أجده فيه والله أعلم.
وأعل بعضهم الحديث بأنه روي عن ابن سيرين عن عائشة بدون ذكر صفية بينهما فهو منقطع.
رواه أحمد.
وعن الحسن أن رسول الله ﷺ قال. . . فذكره
رواه الحاكم والبيهقي فهو مرسل. وليس يخفى أن هذا ليس يقدح في رواية من رواه موصولا لأن ثقة وقد جاء بزيادة وهي مقبولة كما تقرر في المصطلح.
وللحديث شاهد من حديث أبي قتادة بلفظ:
стр. 59
(لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تواري زينتها ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر).
أخرجه الطبراني في (الصغير) وفي (الأوسط) أيضا.
وفي إسناده من لا يعرف
والحائض في الحديث: من بلغت سن المحيض لا من هي ملابسة للحيض فإنها ممنوعة من الصلاة وهو مبين في رواية ابن خزيمة بلفظ:
(لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار). قال الترمذي:
(والعمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها وهو قول الشافعي قال: لا تجوز صلاة المرأة وشيء من جسدها مكشوف قال الشافعي: وقد قيل: إن كان ظهر قدميها مشكوفا فصلاتها جائزة).
حكم الثياب الشفافة في الصلاة
(٧ - ولا يجوز أن تكون ثيابها - خمارا كان أو جوربا أو غير ذلك - سخيفا أو شفافا يحكى ما تحته ويصفه لقوله ﷺ :
(سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤسهن كأسنمة البخت العنوهن فإنهن ملعونات). زاد في حديث آخر:
(لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا).
стр. 60
الحديث الأول رواه الطبراني في (الصغير) عن ابن عمرو بإسناد حسن والآخر عند مسلم وغيره عن أبي هريرة. وهما مخرجان في (المصنف) لذا فلا حاجة إلى تخريجهما هنا
والحديث من معجزات النبي ﷺ وتنبآته الصادقة التي نبأه الله بها حتى ترى ما فيه منطبقا تمام الانطباق على أكثر نساء أهل زماننا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(فإذا خشيت شيئا مما ذكرت فلتجعل تحت الثياب غلالة, كما قال ﷺ وعلل ذلك في نفس الحديث بقوله: (فإني أخاف أن تصف حجم عظامها).
الحديث إسناده حسن وهو من رواية أسامة بن زيد قال: كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: (ما لك لم تلبس القبطية؟) قلت: كسوتها امرأتي فقال: (مُرها فلتجعل تحتها غلالة, فإني أخاف أن تصف حجم عظامها).
أخرجه أحمد والبيهقي من طريق عبد الله بن محمد ابن عقيل عن محمد بن أسامة بن زيد عنه.
والحديث أورده في (المجمع) وقال:
(رواه أحمد والطبراني وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وحديثه حسن وفيه ضعف)
قلت: وله شاهد من حديث دحية نفسه.
أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن أيوب: ثني موسى بن جبير أن عباس ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب حدثه عن خالد بن يزيد بن
стр. 61
معاوية عن دحية بن خليفة به نحوه. وفيه أن دحية نفسه الذي أعطاه رسول الله ﷺ القبطية وقال له ﵇:
(اجعل صديعها قميصا وأعط صاحبتك صديعا تختمر به) فلما ولى دعاه قال:
(مرها تجعل تحته شيئا لئلا يصف) ولعلها قصة أخرى ثم قال البيهقي:
(وقال بعضهم: عباس بن عبيد الله) قال البخاري:
(من قال: ابن عبيد الله أكثر) وذكر فيمن قال ابن عبيد الله: يحيى بن أيوب وابن جريج. قال البيهقي:
(ورواه عبد الله بن لهيعة عن موسى بن جبير أن عبيد الله بن عباس حدثه).
قلت: حديث ابن لهيعة أخرجه في (سننه) وقال عقبه:
(رواه يحيى بن أيوب فقال عباس بن عبيد الله بن عباس).
وهو الصواب كما قال الحافظ في (التقريب) قال:
(وهو مقبول والراوي عنه موسى بن جبير مستور).
فالحديث بهذا الإسناد ضعيف لكنه يتقوى بما قبله. والله أعلم
وقد رواه الحاكم أيضا وصححه وأعله الذهبي بالانقطاع.
стр. 62
في كم تطيل ثيابها ؟
(٨ - ويجوز لها بل يجب عليها أن تطيل ذيلها شبرا من الكعبين أو شبرين لا تزيد عليه.
وذلك سترا لأقدامهن, لقوله ﵊:
(من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال:
(يرخين شبرا) فقالت: إذن تنكشف أقدامهن قال:
(فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه).
الحديث أخرجه النسائي والترمذي عن عبد الرزاق
قال: ثنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعا به (١) ... .
وقال الترمذي:
(هذا حديث حسن صحيح).
وهو كما قال. ورجاله كلهم ثقات رجال الشيخين لكنه قد اختلف فيه على نافع فرواه معمر عن أيوب عنه هكذا.
وتابعه العمري عن نافع عن ابن عمر:
أن رسول الله ﷺ رخص للنساء أن يرخين شبرا. . . الحديث نحوه
стр. 63
أخرجه أحمد.
ورواه يحيى بن أبي كثير عن نافع عن أم سلمة:
أنها ذكرت لرسول الله ﷺ ذيول النساء. . . الحديث
أخرجه النسائي. ثم أخرجه عن أيوب بن موسى عن نافع عن صفية عن أم سلمة:
أن النبي ﷺ لما ذكر في الإزار ما ذكر قالت أم سلمة ... . الحديث
وتابعه أبو بكر بن نافع عن أبيه عن صفية بنت أبي عبيد أنها أخبرته به.
أخرجه مالك ومن طريقه أبو داود.
وتابعه محمد بن إسحاق عن نافع به.
أخرجه الدارمي والبيهقي وأحمد.
ثم أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد من طرق عن عبيد الله ابن عمر عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة به.
وفي رواية لأحمد عن يحيى عن عبيد الله: أخبرني نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال:
(من جر ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة).
قال: وأخبرني سليمان بن يسار أن أم سلمة ذكرت النساء. . . الحديث.
فهذه أربعة أوجه من الاختلاف على نافع:
стр. 64
١ - عنه عن ابن عمر مباشرة
٢ - عنه عن أم سلمة مباشرة
٣ - عنه عنها بواسطة صفية بنت أبي عبيد
٤ - عنه عنها بواسطة سليمان بن يسار
والراجح عندي من هذه الروايات الأخيرتان:
أما الأولى منهما فلاتفاق ثلاثة من الثقات عليها وهم أيوب بن موسى وأبو بكر بن نافع ومحمد بن إسحاق.
وأما الأخرى فراويها عن نافع عبيد الله بن عمر وهو ثقة ثبت قدمه أحمد بن صالح عن مالك في نافع كما قال الحافظ في (التقريب) فهو بأن يقدم على أيوب أحرى وأولى لا سيما وأن روايته مفصلة حيث صرح بأن الحديث الأول: من جر ثوبه. . . إلخ هو من رواية نافع عن ابن عمر, وأما الحديث الآخر فصرح بأنه من رواته نافع عن سليمان بن يسار عنه ورواية أيوب مجملة ليس فيها هذا التفصيل ومتابعة العمري له لا تنهض به لأنه ضعيف الحفظ - وهو عبد الله بن عمر المكبر - لا سيما وقد خالفه أخوه عبيد الله المصغر الثقة الثبت ثم وجدت ما يدل على أن رواية أيوب قد وردت مفصلة أيضا فقال الإمام أحمد: ثنا إسماعيل: أنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
(إن الذي يجر ثوبه. . .) الحديث قال نافع:
(فأنبئت أن أم سلمة قالت. . . الحديث قال نافع:
فأنبئت أن أم سلمة قالت. . . الحديث
стр. 65
فهذا إسماعيل - وهو ابن إبراهيم بن علية الثقة الحافظ - يبين أيضا أن رواية أيوب مثل رواية عبيد الله من حيث التفصيل غير أن هذا قد سمى الواسطة التي أبهمها أيوب وهي زيادة مقبولة حتما.
والذي يظهر أن هذه الروايات كلها صحيحة وأن نافعا كان تارة يرسل الحديث وتارة يوصله وأن له فيه شيخين: سليمان بن يسار وهو ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة واحتج به الشيخان وصفية بنت أبي عبيد وهي ثقة من رواة مسلم وهي زوج ابن عمر ﵁.
وللحديث طريق أخرى عن ابن عمر أخرجه أبو داود وابن ماجه وأحمد عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر قال: رخص رسول الله ﷺ لأمهات المؤمنين في الذيل شبرا ثم استزدنه فزادهن شبرا فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعا
ورجاله ثقات رجال مسلم غير زيد العمي وهو ضعيف كما في (التقريب) , فإن صحت هذه الرواية عن ابن عمر فلعله أخذها عن زوجه صفية بنت أبي عبيد التي روت الحديث عن أم سلمة كما سبق آنفا قال الحافظ في (الفتح):
(وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة).
وله شاهد من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ أمر فاطمة أو أم سلمة ﵄ أن تجر الذيل ذراعها.
أخرجه ابن ماجه وأحمد من طريق حماد بن سلمة عن أبي المهزم عنه.
стр. 66
وخالفه حبيب المعلم فرواه عن أبي المهزم عن أبي هريرة عن عائشة نحوه.
أخرجه ابن ماجه أيضا وكذا أحمد.
وأبو المهزم متفق على تضعيفه كما في (الزوائد) وقال الحافظ في (التقريب):
(متروك) (١)
وقال: رواه بعضهم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحين عن أبيه عن أم سلمة.
قلت: وعلي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف.
والحديث يدل على وجوب ستر قدمي المرأة وهو مذهب الشافعي وغيره.
واعلم أنه لا فرق في ذلك بين الحرة والأمة لعدم وجود دليل الفرق نعم جاءت بعض الأحاديث في الفرق؛ لكنها ضعيفة الأسانيد لا تقوم بها حجة وقد بين ضعفها الحافظ ابن حجر في (التلخيص) فليراجعها من شاء.
وما أحسن ما قال ابن حزم ﵀:
(وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله تعالى واحد والخلقة والطبيعة واحدة فكل ذلك في الحرائر والإماء سواء حتى يأتي نص في الفرق بينهما في شيء فيوقف عنده) ثم قال:
стр. 67
(وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريم الأمة وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق وأن تعرض الحرة في التحريم كتعرض الأمة ولا فرق ولهذا وشبهه وجب أن لا يقبل قول أحد بعد رسول الله ﷺ إلا بأن يسنده إليه ﵇.
[الثمر المستطاب ١/ ٣٠٨ - ٣٢٤].
من شروط الصلاة
طهارة البدن والثوب والمكان
(١ - ويجب تطهير البدن من كل نجس لقوله ﷺ : (عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا من البول) وقوله: (فإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي).
الحديث الأول حسن كما قال النووي في (المجموع) وهو من حديث ابن عباس عند الدارقطني وقال:
(لا بأس به).
وله طريقان ذكرناهما في (التعليق الرغيب).
والحديث الثاني صحيح متفق عليه وقد مضى.
وفي الباب أحاديث الاستنجاء.
стр. 68
وقد يقال: إن الحديث الأول خاص بالبول والثاني بدماء النساء. ولا يخفى أن قياس النجاسات الأخرى عليهما قياس صحيح بجامع اشتراكها في علة النجاسة فيجب التنزه من كل نجاسة وغسلها إذا أصابت البدن. وقد قال الخطابي:
(إن جميع النجاسات بمثابة الدم لا فرق بينه وبينها إجماعا) كما نقله في (الفتح).
(٢ - ولذلك يجب تطهير الثياب من كل نجاسة لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر / ٤].
أي: اغسلها بالماء. قال ابن زيد:
(كان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه).
وفي الآية أقوال أخرى أوردها ابن كثير وغيره, والقول المذكور هو الأظهر وهو الذي رجحه النووي في (المجموع) تبعا للبيهقي واختاره ابن جرير وكذا ابن حزم في (المحلى) وقال:
(ومن ادعى أن المراد بذلك القلب فقد خص الآية بدعواه بلا برهان والأصل في اللغة التي بها نزل القرآن: أن الثياب هي الملبوسة والمتوطأة ولا ينقل عن ذلك إلى القلب والعرض إلا بدليل).
وذهب ابن كثير إلى أن الآية قد تشمل الأقوال التي ذكرها وفيها هذا القول الذي رده ابن حزم أي طهارة القلب قال:
(فإن العرب تطلق الثياب عليه).
وابن حزم لم ينكر هذا وإنما أنكر تخصيص الآية بالقلب.
стр. 69
وقد ذهب إلى ما ذهب إليه ابن كثير وابن القيم ولعلهما أخذاه من شيخهما ابن تيمية ﵀ فقال ابن القيم في (إغاثة اللهفان) - بعد أن ساق الأقوال المشار إليها:
(قلت: الآية تعم هذا كله - وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم إن لم تتناول ذلك لفظا. فإن المأمور به إن كان طهارة القلب فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك, فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة, كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك ,ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع بنهي النبي ﷺ عن ذلك في عدة أحاديث صحاح لا معارض لها لما تكسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات, فإن الملابسة الظاهرة تسري إلى الباطن, ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور لما يكتسب القلب من الهيئة التي تكون لمن ذلك لبسه من النساء وأهل الفخر والخيلاء. والمقصود أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب وكمالها فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها والمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورا به, وإن كان مأمورا به طهارة القلب وتزكية النفس فلا يتم إلا بذلك فتبين دلالة القرآن على هذا وهذا).
(وقوله ﷺ : (إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ثم تصلي فيه).
هو من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت:
سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع فيه؟ فقال رسول الله ﷺ . . . الحديث.
стр. 70
أخرجه مالك وعنه البخاري ومسلم وأبو داود عن هاشم بن عروة عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير عنها.
وأخرجه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه والدارمي وابن ماجه والبيهقي والطيالسي وأحمد والطيالسي عن هشام ومحمد بن إسحاق عن فاطمة به نحوه.
وله شاهد من حديث أم قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب؟ قال: (حديه بضلع واغسليه بماء وسدر).
أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه والبيهقي وأحمد عن سفيان قال: ثني ثابت الحداد عن عدي بن دينار عنها.
وهذا سند حسن رجاله ثقات غير ثابت وهو ابن هرمز صدوق يهم كما في (التقريب).
والحديث يدل على وجوب تطهير الثياب من النجاسات, وهو وإن كان واردًا في الدم, فسائر النجاسات بمثابته لا فرق بينها في القياس كما قال الخطابي في (المعالم) وفي الباب الأمر بغسل الثوب من بول الجارية وقد مضى في أول الكتاب.
(وسأل رجل النبي ﷺ : أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي؟ قال: (نعم إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله).
هو من حديث جابر بن سمرة قال: سأل. . . إلخ
أخرجه أحمد وابن ماجه عن عبيد الله بن عمر وعن عبد الملك بن عمير عنه. قال في (الزوائد):
стр. 71
(هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات).
قلت: ورجاله رجال الشيخين.
وفي الباب عن معاوية أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ : هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم إذا لم يكن فيه أذى.
أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وأحمد عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عنه.
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات وصححه ابن خزيمة وابن حبان كما في (الفتح).
ورواه محمد بن أبي سفيان عن أخته أم حبيبة بلفظ: قالت: رأيت النبي ﷺ يصلي وعلي وعليه ثوب واحد فيه كان ما كان).
أخرجه أحمد من طريق معاوية بن صالح قال: ثنا ضمرة بن حبيب عنه
ورجاله ثقات غير محمد بن أبي سفيان فقال الحافظ في (التقريب):
(مقبول وقيل: الصواب: عنبسة بن أبي سفيان).
قلت: وجزم بذلك الخزرجي في (الخلاصة) فإذا صح ذلك فالإسناد صحيح؛ لأن عنبسة بن أبي سفيان ثقة من رجال مسلم.
وعن عائشة قالت:
كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث حائض فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده وصلى فيه ثم يعود فإن أصابه مني شيء فعل مثل ذلك ولم يعده وصلى فيه).
стр. 72
أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي عن يحيى بن سعيد القطان: ثني جابر بن صبح قال: سمعت خلاس بن عمرو قال: سمعت عائشة به.
وهذا سند صحيح متصل بالسماع رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير جابر بن صبح - بضم المهملة وسكون الموحدة - وثقه ابن معين وفي (التقريب) أنه صدوق.
ورواه أحمد من طريق أخرى مختصرا بلفظ:
(كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه).
رواه من طريق برد بن سنان عن سليمان بن موسى عنها ورجاله ثقات لكنه منقطع بين سليمان وعائشة وبين وفاتيهما ستون سنة فأكثر.
وفي هذه الأحاديث والأحاديث المتقدمة في المسألة الأولى دلالة وجوب تطهير البدن والثياب من النجاسة وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب الشافعية إلى أن إزالتها شرط لصحة الصلاة قال النووي في (المجموع):
(وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف وعن مالك في إزالة النجاسة ثلاث روايات:
أصحها وأشهرها أنه إن صلى عالما بها لم تصح صلاته وإن كان جاهلا أو ناسيا صحت وهو قول قديم عن الشافعي.
والثانية: لا تصح الصلاة علم أو جهل أو نسي.
والثالثة: تصح الصلاة مع النجاسة وإن كان عالما متعمدا وإزالتها سنة ونقل أصحابنا عن ابن عباس وسعيد بن جبير نحوه).
стр. 73
ثم احتج النووي لما ذهب إليه الجمهور بالآية السابقة الذكر وبالأوامر الواردة في الأحاديث المتقدمة, ولا يخفى أن غاية ما تفيده هذه الأوامر هو الوجوب, والوجوب لا يستلزم الشرطية؛ لأن كون الشيء شرطا حكم شرعي وضعي لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط أو ينفي الفعل بدونه (١) نفيا متوجها إلى الصحة لا إلى الكمال أو بنفي الثمرة ولا يثبت بمجرد الأمر به كما قال الشوكاني ﵀. فالحق أن إزالة النجاسة ليست شرطا لصحة الصلاة وهو قول الشافعي في القديم وإنما هي واجبة لهذه الأوامر يأثم مخالفها فمن صلى وعلى بدنه أو ثوبه نجاسة كان تاركا لواجب وأما إن صلاته باطلة كما هو شأن فقدان شرط الصحة فلا لما عرفت. ويدل لذلك حديث أبي سعيد الآتي:
حكم من علم بنجاسة وهو في الصلاة:
(٣ - ومن علم وهو يصلي بأنه يحمل نجسا, فعليه أن يزيله ويستمر في صلاته ويبني على ما كان قد صلى قبل الإزالة وصلاته صحيحة. فقد صح عن النبي ﷺ أنه صلى ذات يوم فلما كان في بعض صلاته خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى الناس ذلك خلعوا نعالهم فلما قضى صلاته قال: (ما بالكم ألقيتم نعالكم؟) قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله ﷺ : (إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا - أو قال أذى وفي رواية: خبثا - فألقيتهما. فإذا
стр. 74
جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر في نعليه فإن رأى فيهما قذرا - أو قال: أذى وفي رواية: خبثا - فليمسحها وليصل فيهما).
هو من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم. . . إلخ.
أخرجه أبو داود والدارمي والحاكم والبيهقي وكذا الطحاوي في (شرح المعاني) والطيالسي وأحمد والسياق له والرواية الأخرى في الموضعين هي رواية له ورواية غيره أخرجوه كلهم عن حماد بن سلمة إلا أبا داود فعن حماد بن زيد كلاهما عن أبي نعامة السعدي عن أبي نضرة عنه. وقال الحاكم:
(صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي وابن الوزير في (الروض الباسم) وهو كما قالوا وصححه النووي أيضا في (المجموع)
وأخرجه ابن خزيمة أيضا وابن حبان وأما البيهقي فقد ضعفه أو حاول تضعيفه بقوله:
(حماد بن سلمة عن أبي نعامة عن أبي نضرة كل واحد منهم مختلف في عدالته).
كذا قال وثلاثتهم ثقات احتج بهم مسلم ووثقهم الحافظ في (التقريب)
وقد رد على البيهقي قوله هذا ابن التركماني في (الجوهر النقي) وأطال في ذلك وأحسن ثم إن حماد بن سلمة لم يتفرد به بل تابعه ابن زيد كما سبق على أن البيهقي نفسه روى له شاهدا من حديث أنس وقال:
(وإسناده لا بأس به).
стр. 75
أخرجه من طريق الحاكم - وهو في (المستدرك) - موسى ابن إسماعيل وإبراهيم بن الحجاج قالا: ثنا عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لم يخلع نعليه في الصلاة إلا مرة فخلع الناس فقال (مالكم؟) قالوا: خلعت فخلعنا فقال:
(إن جبريل ﵇ أخبرني أن فيهما قذرا).
قال البيهقي:
(تفرد به عبد الله بن المثنى).
قلت: وهو من رجال البخاري وكذلك ثمامة فهو صحيح على شرطه (١)
وإن كان ابن المثنى قد تكلم فيه من قبل حفظه حتى قال في (التقريب):
(صدوق كثير الغلط).
قلت: فحديثه في الشواهد لا بأس به وقد أورده الهيثمي في (المجمع) وقال:
(رواه الطبراني في (الأوسط) ورجاله رجال الصحيح ورواه البزار باختصار).
وله شاهد آخر مرسل أخرجه أبو داود: ثنا موسى - يعني ابن إسماعيل-: ثنا أبان: ثنا قتادة: ثني بكر بن عبد الله عن النبي ﷺ بهذا قال: فيهما خبث وفي الموضعين: (خبث).