(هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات).
قلت: ورجاله رجال الشيخين.
وفي الباب عن معاوية أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ : هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم إذا لم يكن فيه أذى.
أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وأحمد عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عنه.
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات وصححه ابن خزيمة وابن حبان كما في (الفتح).
ورواه محمد بن أبي سفيان عن أخته أم حبيبة بلفظ: قالت: رأيت النبي ﷺ يصلي وعلي وعليه ثوب واحد فيه كان ما كان).
أخرجه أحمد من طريق معاوية بن صالح قال: ثنا ضمرة بن حبيب عنه
ورجاله ثقات غير محمد بن أبي سفيان فقال الحافظ في (التقريب):
(مقبول وقيل: الصواب: عنبسة بن أبي سفيان).
قلت: وجزم بذلك الخزرجي في (الخلاصة) فإذا صح ذلك فالإسناد صحيح؛ لأن عنبسة بن أبي سفيان ثقة من رجال مسلم.
وعن عائشة قالت:
كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث حائض فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده وصلى فيه ثم يعود فإن أصابه مني شيء فعل مثل ذلك ولم يعده وصلى فيه).
стр. 72
أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي عن يحيى بن سعيد القطان: ثني جابر بن صبح قال: سمعت خلاس بن عمرو قال: سمعت عائشة به.
وهذا سند صحيح متصل بالسماع رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير جابر بن صبح - بضم المهملة وسكون الموحدة - وثقه ابن معين وفي (التقريب) أنه صدوق.
ورواه أحمد من طريق أخرى مختصرا بلفظ:
(كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه).
رواه من طريق برد بن سنان عن سليمان بن موسى عنها ورجاله ثقات لكنه منقطع بين سليمان وعائشة وبين وفاتيهما ستون سنة فأكثر.
وفي هذه الأحاديث والأحاديث المتقدمة في المسألة الأولى دلالة وجوب تطهير البدن والثياب من النجاسة وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب الشافعية إلى أن إزالتها شرط لصحة الصلاة قال النووي في (المجموع):
(وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف وعن مالك في إزالة النجاسة ثلاث روايات:
أصحها وأشهرها أنه إن صلى عالما بها لم تصح صلاته وإن كان جاهلا أو ناسيا صحت وهو قول قديم عن الشافعي.
والثانية: لا تصح الصلاة علم أو جهل أو نسي.
والثالثة: تصح الصلاة مع النجاسة وإن كان عالما متعمدا وإزالتها سنة ونقل أصحابنا عن ابن عباس وسعيد بن جبير نحوه).
стр. 73
ثم احتج النووي لما ذهب إليه الجمهور بالآية السابقة الذكر وبالأوامر الواردة في الأحاديث المتقدمة, ولا يخفى أن غاية ما تفيده هذه الأوامر هو الوجوب, والوجوب لا يستلزم الشرطية؛ لأن كون الشيء شرطا حكم شرعي وضعي لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط أو ينفي الفعل بدونه (١) نفيا متوجها إلى الصحة لا إلى الكمال أو بنفي الثمرة ولا يثبت بمجرد الأمر به كما قال الشوكاني ﵀. فالحق أن إزالة النجاسة ليست شرطا لصحة الصلاة وهو قول الشافعي في القديم وإنما هي واجبة لهذه الأوامر يأثم مخالفها فمن صلى وعلى بدنه أو ثوبه نجاسة كان تاركا لواجب وأما إن صلاته باطلة كما هو شأن فقدان شرط الصحة فلا لما عرفت. ويدل لذلك حديث أبي سعيد الآتي:
حكم من علم بنجاسة وهو في الصلاة:
(٣ - ومن علم وهو يصلي بأنه يحمل نجسا, فعليه أن يزيله ويستمر في صلاته ويبني على ما كان قد صلى قبل الإزالة وصلاته صحيحة. فقد صح عن النبي ﷺ أنه صلى ذات يوم فلما كان في بعض صلاته خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى الناس ذلك خلعوا نعالهم فلما قضى صلاته قال: (ما بالكم ألقيتم نعالكم؟) قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله ﷺ : (إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا - أو قال أذى وفي رواية: خبثا - فألقيتهما. فإذا
стр. 74
جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر في نعليه فإن رأى فيهما قذرا - أو قال: أذى وفي رواية: خبثا - فليمسحها وليصل فيهما).
هو من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم. . . إلخ.
أخرجه أبو داود والدارمي والحاكم والبيهقي وكذا الطحاوي في (شرح المعاني) والطيالسي وأحمد والسياق له والرواية الأخرى في الموضعين هي رواية له ورواية غيره أخرجوه كلهم عن حماد بن سلمة إلا أبا داود فعن حماد بن زيد كلاهما عن أبي نعامة السعدي عن أبي نضرة عنه. وقال الحاكم:
(صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي وابن الوزير في (الروض الباسم) وهو كما قالوا وصححه النووي أيضا في (المجموع)
وأخرجه ابن خزيمة أيضا وابن حبان وأما البيهقي فقد ضعفه أو حاول تضعيفه بقوله:
(حماد بن سلمة عن أبي نعامة عن أبي نضرة كل واحد منهم مختلف في عدالته).
كذا قال وثلاثتهم ثقات احتج بهم مسلم ووثقهم الحافظ في (التقريب)
وقد رد على البيهقي قوله هذا ابن التركماني في (الجوهر النقي) وأطال في ذلك وأحسن ثم إن حماد بن سلمة لم يتفرد به بل تابعه ابن زيد كما سبق على أن البيهقي نفسه روى له شاهدا من حديث أنس وقال:
(وإسناده لا بأس به).
стр. 75
أخرجه من طريق الحاكم - وهو في (المستدرك) - موسى ابن إسماعيل وإبراهيم بن الحجاج قالا: ثنا عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لم يخلع نعليه في الصلاة إلا مرة فخلع الناس فقال (مالكم؟) قالوا: خلعت فخلعنا فقال:
(إن جبريل ﵇ أخبرني أن فيهما قذرا).
قال البيهقي:
(تفرد به عبد الله بن المثنى).
قلت: وهو من رجال البخاري وكذلك ثمامة فهو صحيح على شرطه (١)
وإن كان ابن المثنى قد تكلم فيه من قبل حفظه حتى قال في (التقريب):
(صدوق كثير الغلط).
قلت: فحديثه في الشواهد لا بأس به وقد أورده الهيثمي في (المجمع) وقال:
(رواه الطبراني في (الأوسط) ورجاله رجال الصحيح ورواه البزار باختصار).
وله شاهد آخر مرسل أخرجه أبو داود: ثنا موسى - يعني ابن إسماعيل-: ثنا أبان: ثنا قتادة: ثني بكر بن عبد الله عن النبي ﷺ بهذا قال: فيهما خبث وفي الموضعين: (خبث).
стр. 76
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
وله شواهد أخرى موصولة في أسانيدها ضعف, فليراجعها من شاء في (التلخيص)
وبالجملة فالحديث بهذه الشواهد صحيح حجة لا شبهة فيه, وقد صححه من عرفت من الأئمة
والحديث دليل واضح لما احتججنا له وفي الباب عن عائشة وسيأتي في خاتمة الكلام على المسألة الرابعة. وقد قال الخطابي في (المعالم:
(قلت: فيه من الفقه أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها فإن صلاته مجزية ولا إعادة عليه).
وإلى هذا ذهب الشافعي في القديم كما قال البيهقي ,وعليه يدل عمل ابن عمر ﵁ فقد روى البيهقي عن يزيد بن هارون: أنبأ محمد بن مطرف عن زيد بن مسلم قال: رأيت ابن عمر يصلي في ردائه وفيه دم فأتاه نافع فنزع عنه ردائه وألقى عليه رداءه ومضى في صلاته.
وعن عبد الرزاق: أنبأ معمر عن الزهري عن سالم أن ابن عمر بينما هو يصلي رأى في ثوبه دما فانصرف فأشار إليهم فجاؤوه بماء فغسله ثم أتم ما بقي على ما مضى من صلاته ولم يعد.
قلت: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد قال في (باب اجتناب النجاسة) من الاختيارات العلمية):
(ومن صلى بالنجاسة ناسيا أو جاهلا فلا إعادة عليه وقاله طائفة من العلماء لأن من كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعله مخطئا أو ناسيا فلا تبطل العبادة به).
стр. 77
وقال ابن القيم في (إغاثة اللهفان):
(ومن ذلك - يعني مما سهل فيه النبي ﷺ وشدد فيها الموسوسون - ما أفتى به عبد الله بن عمر وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وطاوس وسالم ومجاهد والشعبي وإبراهيم النخعي والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري والحكم والأوزاعي ومالك وإسحاق بن راهويه وأبو ثور والإمام أحمد في أصح الروايتين وغيرهم: أن الرجل إذا رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة بعد الصلاة لم يكن عالما بها أو كان يعلمها لكنه نسيها أو لم ينسها لكنه عجز عن إزالتها أن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه)
ونسب النووي القول بذلك إلى جمهور العلماء ثم قال في (المجموع):
(قال ابن المنذر: وبه أقول وهو مذهب ربيعة ومالك وهو قوي في الدليل وهو المختار).
وإذا صح ما ذهبنا إليه؛ فالحديث دليل على أن إزالة النجاسة ليس شرطا لصحة الصلاة لأنه ﵊ بنى على ما كان صلى قبل الخلع.
فلو كانت شرطا لاستأنف الصلاة لأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط كما تقرر في الأصول قال الشوكاني:
(والحديث استدل به القائلون بأن إزالة النجاسة من شروط صحة الصلاة وهو كما عرفناك عليهم لا لهم؛ لأن استمراره على الصلاة التي صلاها قبل خلع النعل وعدم استئنافه لها يدل على عدم كون الطهارة شرطا وأجاب الجمهور عن هذا بأن المراد بالقذر هو الشيء المستقذر كالمخاط والبصاق ونحوهما ولا يلزم من القذر أن يكون نجسا وبأنه يمكن أن يكون
стр. 78
دما يسيرا معفوا عنه وإخبار جبريل له بذلك لئلا تتلوث ثيابه بشيء مستقذر ويرد هذا الجواب بما قاله في (البارع) في تفسيره قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة / ٦] أنه كنى بالغائط عن القذر. وقول الأزهري: النجس القذر الخارج من بدن الإنسان. فجعله المستقذر غير نجس أو نجس معفو عنه تحكم وإخبار جبريل في حالة الصلاة بالقذر الظاهر أنه لما فيها من النجاسة التي يجب تجنبها في الصلاة لا لمخافة التلوث لأنه لو كان لذلك لأخبره قبل الدخول في الصلاة لأن القعود حال لبسهما مظنة للتلوث بما فيها على أن هذا الجواب لا يمكن مثله في رواية الخبث المذكورة في الباب للاتفاق بين أئمة اللغة وغيرهم أن الأخبثين هما البول والغائط).
وقال ابن القيم ﵀ في (إغاثة اللهفان) بعد أن ساق الحديث:
(وتأويل ذلك على ما يستقذر من مخاط أو نحوه من الطاهرات لا يصح لو جوه:
أحدها: أن ذلك لا يسمى خبثا.
الثاني: أن ذلك لا يؤمر بمسحه عند الصلاة فإنه لا يبطلها.
الثالث: أنه لا تخلع النعل في الصلاة فإنه عمل لغير حاجة فأقل أحواله الكراهة.
الرابع: أن الدارقطني روى في (سننه) في حديث الخلع من رواية ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما دم حلمة) والحلم كبار القراد).
стр. 79
أحوال تجوز الصلاة فيها:
(٤ - وتجوز الصلاة في أحوال:
الأول: في الثياب التي هي مظنة النجاسة كثياب الحائض والمربية والمرضع والصبي فقد (كان ﵊ يصلي من الليل وعائشة إلى جانبه وهي حائض وعليها مرط وعليه بعضه) و (كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب فإذا ركع وسجد وضعها وإذا قام حملها [فصلى رسول الله ﷺ وهي على عاتقه حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها].
الحديث الأول هو من رواية عائشة ﵁ بلفظ: (وأنا) بالضمير المتكلم بدل: (وعائشة) و (وهي) وبلفظ: (وعلي) بدل: وعليها.
أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وأحمد من طريق عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة عنها.
وله طريق أخرى مختصرا بلفظ: كان نبي الله يصلي وإن بعض مرطي عليه.
أخرجه الحاكم وأحمد عن قتادة عن كثيرة بن أبي كثير عن أب عياض عنها. وقال الحاكم:
(صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي.
وهو كما قالا ورجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير كثير بن أبي كثير وهو مولى عبد الرحمن بن سمرة وقد وثقه العجلي وروى عنه أيوب أيضا.
стр. 80
ورواه أبو يعلى عنها بلفظ:
إن رسول الله ﷺ كان يصلي فوجد القر فقال:
(يا عائشة أرخي علي مرطك) قالت: إني حائض قال:
(إن حيضتك ليست في يدك). قال الهيثمي:
(وإسناده حسن).
وله شاهد من حديث ميمونة:
أن النبي ﷺ صلى وعليه مرط وعلى بعض أزواجه منه وهي حائض وهو يصلي وهو عليه.
أخرجه أبو داود وأبو عوانة وعنه البيهقي وابن ماجه وأحمد من طريق سفيان بن عيينة عن الشيباني عن عبد الله بن شداد عنها. واللفظ لأبي داود ولأحمد نحوه وقال ابن ماجه: (بعضه عليه وعليها بعضه) ورواه البيهقي من طريق الشافعي عن سفيان بلفظ: (بعضه علي وبعضه عليه) وإسناده صحيح على شرط الشيخين وهو عند البخاري ومسلم وأحمد من طرق أخرى عن الشيباني بلفظ: كان يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض وربما أصابني ثوبه إذا سجد.
وللحديث شاهد آخر من رواية حذيفة بن اليمان قال:
بت بآل رسول الله ﷺ ليلة, فقام رسول الله ﷺ يصلي وعليه طرف اللحاف وعلى عائشة طرفه وهي حائض لا تصلي أخرجه أحمد: ثنا أبو نعيم: ثنا يونس عن الوليد بن العيزار قال: قا ل حذيفة. قال الهيثمي:
стр. 81
(رواه أحمد ورجاله ثقات).
قلت: وكلهم من رجال الشيخين لكنه ظاهر الانقطاع فقد أخرجه أحمد أيضا: ثنا وكيع عن يونس عن العيزار بن حريث عن حذيفة به مختصرا. فهذا سند صحيح رجاله رجال مسلم إن كان يونس سمعه من العيزار ولعله سمعه من ابنه الوليد بن العيزار كما في الرواية الأولى. والله أعلم.
(المرط): بكسر الميم وسكون الراء قال في (المعالم): (ثوب يلبسه الرجال والنساء يكون إزارا ويكون رداء وقد يتخذ من صوف ويتخذ من خز وغيره).
والحديث الآخر هو من رواية عمرو بن سليم الزرقي عن أبي قتادة الأنصاري ﵁.
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وكذا مالك والنسائي والدارمي والبيهقي والطيالسي وأحمد من طرق عنه. وما بين المعكوفتين زيادة في رواية لأبي داود والنسائي وأحمد وهي صحيحة الإسناد على شرط الشيخين
وقد أخرجه مسلم إلا أنه لم يسق لفظه. وفي رواية له:
رأيت النبي ﷺ يؤم الناس وفي أخرى له ولأبي داود: يصلي للناس وفي أخرى لأبي داود أنها الظهر أو العصر.
ووردت نحو هذه القصة عن أبي بكرة:
أن رسول الله ﷺ كان يصلي: فإذا سجد وثب الحسن على ظهره وعلى عنقه فيرفع رسول الله ﷺ رفعا رفيقا لئلا يصرع قال: فعل ذلك غير مرة. . . الحديث.
стр. 82
أخرجه الطيالسي وأحمد عن مبارك ابن فضالة عن الحسن: أخبرني أبو بكرة.
وهذا سند حسن.
ولهما طريق أخرى من حديث أبي هريرة بنحوها عند أحمد والطبراني في ترجمة الحسن بن علي من (المعجم الكبير) والحاكم من طريق كامل ابن العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة.
كذا قالا ورجاله رجال مسلم غير أبي صالح هذا وليس هو ذكوان بل هو مولى ضباعة وثقه ابن حبان وفي (التقريب):
(لين الحديث).
وقد أورد الحديث الهيثمي في (المجمع) وقال:
(رواه أحمد والبزار باختصار ورجال أحمد ثقات).
وللحسن والحسين قصة أخرى لعلها تأتي في السجود إن شاء الله تعالى
والحديث قال ابن القيم في (الإغاثة): (دليل على جواز الصلاة في ثياب المربية والمرضع والحائض والصبي ما لم يتحقق نجاستها) وقال النووي في (شرح مسلم):
(فيه دليل لصحة صلاة من حمل آدميا أو حيوانا طاهرا من طير وشاة وغيرهما وأن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة حتى تتحقق نجاستها. . . إلخ) ثم قال:
(وهو يدل لمذهب الشافعي ﵀ ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان الطاهر في صلاة الفرض والنفل
стр. 83
ويجوز ذلك للإمام والمأموم والمنفرد وحمله أصحاب مالك ﵁ على النافلة ومنعوا جواز ذلك في الفريضة. وهذا التأويل فاسد؛ لأن قوله: (يؤم الناس) صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة. وادعى بعض المالكية أنه منسوخ وبعضهم أنه خاص بالنبي ﷺ وبعضهم أنه كان لضرورة. وكل هذه الدعاوى باطلة مردودة, فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع, لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة ودلائل الشرع متظاهرة على هذا والأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت) ثم قال:
(فالصواب الذي لا معدل عنه: أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين).
هذا وقد يعارض ما تقدم حديث عائشة أيضا قالت: كان لا يصلي في لحف نسائه
أخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي من طريق أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق عنها. وقال الترمذي:
(حديث حسن صحيح).
قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير أشعث هذا وهو ثقة ففيه كما في (التقريب).
ثم رواه أبو داود عن حماد عن هشام عن ابن سيرين عن عائشة وهذا منقطع.
قال حماد:
стр. 84
(وسمعت سعيد بن أبي صدقة قال: سألت محمدا عنه فلم يحدثني وقال: سمعته منذ زمان ولا أدري ممن سمعت ولا أدري أسمعته من ثبت أو لا فسلوا عنه).
قلت: وكذلك رواه سلمة بن علقمة عن ابن سيرين لم يذكر شقيق في إسناده.
أخرجه البيهقي وأخرجه أحمد أيضا عنه عن ابن سيرين قال:
نبئت أن عائشة قالت:
ورواه قتادة عن ابن سيرين:
أن النبي ﷺ كره الصلاة في ملاحف النساء.
أخرجه أحمد: ثنا عفان قال: ثنا همام قال: ثنا قتادة به
ورجاله ثقات رجال الستة, لكنه مرسل فهو ضعيف لا سيما بهذا اللفظ الشاذ. ولعله رواية بالمعنى وليس هذا المعنى صحيحا؛ لأن امتناعه ﵊ من أمر لا يدل على كراهته. لا سيما إذا ثبت أنه فعله مرارا كما تقدم في تلك الأحاديث عن عائشة وميمونة وحذيفة وهي مثبتة وحديث عائشة نافٍ. والمثبت مقدم على النافي عند التعارض وعدم إمكان الجمع ولعل الجمع هنا ممكن بأن يقال: إن عائشة في حديثها هذا إنما نفت استمرار الرسول ﵊ على الصلاة في لحف نسائه لما يدل عليه صيغة: (كان) وكان لا ينفي أنه كان يفعل ذلك أحيانا ويقوي هذا الجمع أن عائشة نفسها قد روت فعله لذلك كما في الحديث الأول من هذا الفصل وأصرح منه ما سبق في المسألة الثانية عنها أيضا بلفظ:
стр. 85
كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث حائض فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده وصلى فيه. . . الحديث. فإن مفهومه أنه كان يصلي في الشعار إن لم يصبه منها شيء.
و (الشِعار): هو الثوب الذي يستشعره الإنسان أي: يجعله مما يلي بدنه والدثار: ما يلبسه فوق الثياب وهو اللحاف
وأصرح من هذا كله حديثها الآخر قالت:
كنت مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارنا وقد ألقينا فوقه كساء فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه ثم خرج فصلى الغداة ثم جلس فقال: رجل: يا رسول الله هذه لمعة من دم فقبض رسول الله ﷺ على ما يليها فبعث بها إلى مصرورة في يد الغلام فقال: (اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي) فدعوت بقُصتي فغسلتها ثم أجففتها فأحرتها إليه فجاء رسول الله ﷺ بنصف النهار وهي عليه).
لكنه من رواية أم يونس بنت شداد قالت: حدثتني حماتي أم جحدر العامرية عنها. ولا يعرف حالهما كما في (التقريب) وقد قال الذهبي في (الميزان):
(وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها)
والحديث أخرجه أبو داود فهو صريح في صلاته ﵇ في الكساء الذي كان ملتحفا به هو زوجه حتى تبين له أن فيه لمعة الدم فأمر بغلسه ولم يعد الصلاة من أجله لأنه لو أعادها لنقلت إلينا فهو - لو صح
стр. 86
دليل آخر على أن إزالة النجاسة ليس شرطا لصحة الصلاة وهو الحق إن شاء الله تعالى كما سبق بيانه.
وبالجملة فحديث عائشة الذي نحن في صدد الكلام عليه ليس المراد منه نفي صلاة النبي ﷺ في لحف النساء وثيابهن مطلقا بل المراد نفي دوامه ﵊ على ذلك هذا ما يفيده مجموع الأحاديث الواردة في هذا الموضوع وطريقة الجمع بينها. والله أعلم
[الثمر المستطاب ١/ ٣٢٤ - ٣٤٦]
ذهاب المرأة إلى المسجد وشروطه
٢ - إتيانه من النساء بشرطين:
الأول: أن يخرجن غير متطيبات ولا متبرجات بزينة لقوله ﵊:
(إذا شهدت إحداكن المسجد (وفي لفظ: (العشاء) فلا تمس طيبا)
الحديث من رواية زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵁.
أخرجه مسلم والنسائي وأبو عوانة وأحمد واللفظ الثاني له من طريق محمد بن عجلان: ثني بكير بن عبد الله ابن الأشج عن بسر بن سعيد عنها.
وهذا سند حسن.
وقد تابعه محمد بن عبد الله بن عمرو بن هشام عن بكر به باللفظ الثاني
أخرجه أحمد والطيالسي وكذا النسائي وتابعه عنده الليث بن سعد باللفظ الأول.
стр. 87
وأخرجه مسلم من طريق مخرمة عن أبيه عن بسر بن سعيد به.
وفي الباب عن أبي هريرة وغيره كما يأتي:
(والثاني: أن يستأذن أزواجهن وعليهم الإذن لقوله ﷺ :
(لا تمنعوا نساءكم المساجد [بالليل] إذا استأذنكم إليها [ولكن ليخرجن تفلات] [وبيوتهن خير لهن]).
الحديث من رواية ابن عمر ﵁ عنهما.
وله عنه طرق:
١ - الزهري عن سالم بن عبد الله عنه.
أخرجه البخاري ومسلم والدارمي وأحمد من طرق عنه. واللفظ لمسلم وأحمد والزيادة الأولى للبخاري وزاد مسلم:
فقال بلال بن عبدالله: والله لنمنعهن قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سب مثله قط وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول: والله لنمنعهن؟
وهي عند أحمد أيضا دون قوله:
(سبًّا. . .) ألخ. (١)
стр. 88
٢ - مجاهد عنه بنحوه وفيه الزيادة الأولى.
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
والطيالسي وأحمد من طرق عنه. وزادوا جميعا إلا البخاري:
(فقال ابن لعبد الله بن عمر: لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دغلا. قال: فزبره ابن عمر قال: أقول: قال رسول الله ﷺ وتقول: لا ندعهن؟).
وفي رواية لمسلم وأحمد:
(فلطم في صدره).
وزاد أحمد في رواية أخرى:
(فما كلمه عبد الله حتى مات).
وإسنادها صحيح.
وعنده في رواية رابعة الزيادة الثانية من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد.
وليث ضعيف لكن هذه الزيادة صحيحة لورودها في أحاديث أخرى كما يأتي.
стр. 89
٣ - نافع عنه بلفظ:
(لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد من طرق عنه. وزاد البخاري في أوله:
(كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد فقيل لها: لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول رسول الله ﷺ . . . فذكره.
٤ - عبد الله بن يزيد المقرئ: ثنا سعيد بن أبي أيوب: ثنا كعب بن علقمة عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعا بلفظ:
(لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم) فقال بلال: والله لنمنعهن فقال له عبد الله: أقول قال رسول الله ﷺ وتقول أنت: لنمنعهن؟
٥ - حبيب بن أبي ثابت عنه وفيه الزيادة الأخيرة وهو بلفظ:
(لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن)
أخرجه أبو داود والحاكم وأحمد عن يزيد بن هارون: أنا العوام بن حوشب: أخبرني حبيب به وقال الحاكم:
(صحيح على شرطهما). ووافقه الذهبي وصححه ابن خزيمة أيضا كما في (الفتح) , وكذلك صححه النووي في (المجموع) والعراقي في (التقريب).
стр. 90
٦ - عمرو بن دينار عنه:
(لا تمنعوا النساء أن يأتين المساجد. فقال ابنه: والله لنمنعهن فقال ابن عمر: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول هذا؟).
أخرجه الطيالسي: ثنا هشام الدستوائي عن عمرو.
وهذا إسناد صحيح على شرط الستة.
وللحديث شواهد:
منها عن أبي هريرة مرفوعا:
(لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات)
أخرجه أبو داود والدارمي وأحمد من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه.
وهذا سند حسن وسكت عليه المنذري في (مختصره) ورواه ابن خزيمة أيضا كما في (الفتح) وعزاه العراقي في (التقريب) لمسلم وهو وهم.
ومنها عن يزيد بن خالد الجهني مرفوعا مثله.
أخرجه أحمد عن عبد الرحمن بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن هشام عن بسر بن سعيد عنه. وفي (المجمع):
(رواه أحمد والبزار والطبراني في (الكبير) وإسناده حسن)
كذا قال ورجال أحمد رجال مسلم غير محمد بن عبد الله بن عمرو بن هشام قال في (الخلاصة):
стр. 91
(روى عن بكير بن الأشج وعنه إبراهيم بن سعد وثقه ابن حبان).
وفي (التقريب):
(إنه مقبول).
والحديث رواه ابن حبان أيضا كما في (الفتح).
ومنها عن عائشة مثله.
أخرجه أحمد: ثنا الحكم: ثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال فقال أبي يذكره عن أمه عنها به. قالت عائشة:
(ولو رأى حالهن اليوم منعهن).
وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير عبد الرحمن بن أبي الرجال وهو صدوق ربما أخطأ كما في (التقريب).
وأم أبي الرجال اسمها عمرة بنت عبد الرحمن.
وقد رواه عنها يحيى بن سعيد مقتصرا على قول عائشة بلفظ:
(لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعه نساء بني إسرائيل)
أخرجه مالك ومن طريقه البخاري وكذا أبو داود ورواه مسلم وأحمد من طرق عن يحيى به.
ولأبي هريرة حديث آخر في الباب بلفظ:
(أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة).
стр. 92
أخرجه مسلم وأبو داود (١) من طريق بسر بن سعيد عنه.
ثم رواه هو وابن ماجه من طريق عاصم بن عبيد الله عن عبيد مولى أبي رهم عن أبي هريرة قال:
لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب ولذيلها إعصار فقال: يا أمة الجبار جئت من المسجد؟ قالت: نعم قال: وتطيبت: قالت: نعم قال: إني سمعت حبي أبا القاسم ﷺ يقول:
(لا تقبل صلاة لامرأة تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة).
وهذا سند ضعيف.
عاصم بن عبيد الله ضعيف.
وشيخه عبيد مولى أبي رهم - وهو ابن أبي عبيد - مقبول كما في (التقريب).
ومن هذا الوجه أخرجه الطيالسي وأحمد ثم أخرجه من طريق زائدة عن ليث عن عبد الكريم عن مولى أبي رهم به نحوه.
وليث هو ابن أبي سليم وهو ضعيف.
وشيخه عبد الكريم هذا غير معروف كما في (التعجيل).
وقد جاء من طريق أخرى خير من هذه مختصرا:
стр. 93
(إذا خرجت المرأة إلى المسجد فلتغتسل من الطيب كما تغتسل من الجنابة).
أخرجه النسائي من طريق إبراهيم بن سعد قال: سمعت صفوان بن سليم - ولم أسمع من صفوان غيره - يحدث عن رجل ثقة عن أبي هريرة مرفوعا به. وقال النسائي عقبه:
(مختصر).
ورجاله ثقات كلهم غير الرجل الذي لم يسم فإنه مجهول عندنا ولعله عبيد مولى أبي رهم المسمى في الطريق الأولى.
وفي الحديث دليل على جواز حضور النساء المساجد للصلاة بالشروط المذكورة ,ومع ذلك فصلاتهن في بيوتهن خير لهن كما قال ﵊ في الزيادة الأخيرة وفي معناها أحاديث أخرى لعلها تأتي إن شاء الله تعالى في (صلاة الجماعة).
وفي (الفتح):
(قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث عام في النساء إلا أن الفقهاء خصوه بشروط: منها أن لا تتطيب وهو في بعض الروايات: (وليخرجن تفلات). قلت: هو بفتح المثناة وكسر الفاء أي: غير متطيبات ويقال: امرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح. قال: ويلحق بالطيب ما في معناه لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال. وفرق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها وفيه نظر لأنها إذا عريت مما ذكر وكانت مستترة حصل الأمن عليها. ولا سيما إذا كان ذلك بالليل وقد ورد
стр. 94
في بعض طرق الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد)
قلت: فذكر الزيادة الأخيرة وما في معناها مما أشرنا إليه ثم قال:
(ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة ومن ثم قالت عائشة ما قالت وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقا. وفيه نظر إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم لأنها علقت على شرط لم يوجد بناء على ظن ظنته فقالت: لو رأى لمنع. فيقال عليه: لم ير ولم يمنع. فاستمر الحكم حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع ,وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع ,وأيضا فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن فما أوحى إلى نبيه بمنعهن, ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى ,وأيضا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن. فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثن والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته ﷺ إلى ذلك بمنع التطيب والزينة وكذلك التقييد بالليل كما سبق)
قلت: وهذا التقييد يدل على أن الإذن إنما يؤمر به الرجال الأزواج إذا كان طلب الخروج منهن إلى المسجد ليلا وأما إن كان نهارا فلا يؤمرون به فإن شاؤوا أذنوا وإن شاؤا منعوا. قال الحافظ في (شرح التقريب):
(قال ابن بطال: وفي هذه الرواية دليل على أن النهار بخلاف ذلك لنصه على الليل قال: وهذا الحديث يقضي على المطلق, ألا ترى إلى قول عائشة: ما يعرفهن أحد من الغلس).
стр. 95
(وشرط ثالث: وهو أن ينصرفن إلى بيوتهن فور سلامهن مع الإمام الذي يمكث في مكانه ومن وراءه من الرجال حتى يخرجن منه ف (إن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله [وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل [أن يدركهن] الرجال] [فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ ] فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال).
الحديث من رواية أم سلمة.
أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وأحمد من طرق عن ابن شهاب: أخبرتني هند بنت الحارث الفراسية أن أم سلمة أخبرتها به والسياق للبخاري والنسائي وأحمد. والزيادة الأولى لأبي داود والبيهقي وأحمد. وللبخاري نحوها وفيها زيادة:
(أن يدركهن).
والزيادة الأخيرة له أيضا.
قال الحافظ:
(وفي الحديث مراعاة الإمام أحوال المأمومين والاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحذور, وفيه اجتناب مواضع التهم وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلا عن البيوت ومقتضى التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا رجالال فقط أن لا يستحب هذا المكث وعليه حمل ابن قادمة حديث عائشة أنه ﷺ كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار
стр. 96
ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. أخرجه مسلم وفيه أن النساء كن يحضرن الجماعة في المسجد).
دخول الحائض المسجد:
(٣ - دخول الحائض لا سيما لحاجة لحديث عائشة ﵁ قالت: قال لي رسول الله:
(ناوليني الخمرة من المسجد) فقلت: إني حائض فقال:
(إن حيضتك ليست في يدك) [فناولتها إياه]).
الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه والدارمي والطيالسي وأحمد من طريق الأعمش عن ثابت بن عبيد عن القاسم بن محمد عنها. والزيادة للطيالسي وليس عنده: (من المسجد).
وقد تابعه عبد الملك بن حميد بن أبي غنية عن ثابت بن عبيد به.
أخرجه أحمد.
وهذه متابعة قوية عبد الملك هذا ثقة احتج به الستة. وقد أخرجه مسلم عنه وعن حجاج معا عن ثابت.
وله طريق أخرى:
أخرجه ابن ماجه عن أبي الأحوص والطيالسي عن سلام كلاهما عن أبي إسحاق عن عبد الله البهي عنها به.
وهذا إسناد صحيح.
وخالفهما إسرائيل فقال: عن أبي إسحاق عن البهي عن عبد الله بن عمر عنها.
стр. 97
أخرجه أحمد.
وكذلك رواه شريك عن أبي إسحاق.
رواه أحمد أيضا.
وخالفهم جميعا زهير فقال: عن أبي إسحاق عن البهي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال لعائشة. . . الحديث
أخرجه أحمد.
فجعله من مسند ابن عمر لا من روايته عن عائشة, وأغلب الظن أن هذا الاختلاف إنما هو من أبي إسحاق نفسه لا من الرواة عنهم فإنه كان قد اختلط في آخر عمره.
ويترجح عندي أن الصواب رواية من قال عنه عن البهي عنها. فقد تابعه إسماعيل السدي.
أخرجه الدارمي وأحمد والعباس بن ذريح عند أحمد كلاهما عن البهي عنها به.
وفي رواية السدي: أنه ﵊ كان في المسجد حين قال ذلك. لكن السدي هذا - وهو الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن - وإن كان ثقة ففيه كلام وفي (التقريب):
(صدوق يهم).
فمثله إذا تفرد بزيادة دون جميع الرواة لا تطمئن النفس لثبوتها. أقول هذا وإن كانت هذه الزيادة قد صحت عن صحابي آخر وهو أبو هريرة كما
стр. 98
يأتي إلا أنه يحتمل أن تكون هذه قصة أخرى بل هذا هو الأقرب إلى ظاهر الرواية ولفظها.
عن أبي هريرة قال:
بينما رسول الله ﷺ في المسجد فقال:
(يا عائشة ناوليني الثوب) فقالت: إني حائض فقال:
(إن حيضتك ليست في يدك). فناولته.
أخرجه مسلم والنسائي وأحمد عن يحيى بن سعيد عن يزيد ابن كيسان عن أبي حازم عنه.
ويدلك أن الواقعة متعددة أن المطلوب في هذه هو: (الثوب) وفي تلك: (الخمرة) - وهي حصير أو نسيج خوص ونحوه من النباتات كما سبق - والقول بأنها واقعة واحدة يحتاج إلى كثير من التكلف كما بينه السندي في حاشيته على مسلم:
أولا: أن المطلوب في الأصل هو الخمرة والثوب معا لكن بعض الرواة اقتصر على ذكر أحدهما أو نسي. وهذا فيه توهيم الراوي ونسبته إلى القصور بدون أي دليل ولا يخفى ما فيه.
ثانيا: أن قوله: (من المسجد) ليس من صلب الحديث ولا من كلامه ﵊ وإنما هو من قول عائشة فهو متعلق بقولها: قال. أفاده النووي في (شرح مسلم) نقلا عن القاضي.
فأصل الحديث عندهم هكذا: قال لي رسول الله ﷺ من المسجد: (ناوليني الخمرة) وهذا خلاف ظاهر الحديث ويبعد جدا أن
стр. 99
يكون أصل الحديث ما ذكروا ثم يتفق جميع الرواة على روايته بصورة لا يتبادر إلى الذهن إلا أن قوله: (من المسجد) هو من قوله ﵊ وأنه متعلق بقوله: (من المسجد) هو من قوله ﵊ وأنه متعلق (ناوليني) يؤيد ما ذكرنا أن أصحاب السنن الأربعة إلا النسائي ترجموا للحديث بما يدل عليه ظاهره فقالوا:
(باب الحائض تتناول الشيء من المسجد). وقال الترمذي:
(حديث عائشة حسن صحيح وهو قول عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك: بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئا من المسجد). وقال الخطاب في (المعالم):
(وفي الحديث من الفقه أن للحائض أن تتناول الشيء بيدها من المسجد.
وأن من حلف لا يدخل دارا أو مسجدا فإنه لا يحنث بإدخال يده أو بعض جسده فيه ما لم يدخله جميع بدنه).
وكلامه هذا يشير إلى أنه فهم من الحديث أن عائشة إنما أدخلت يدها فقط إلى المسجد, ولذلك استنبط منه ما ذكر من الحلف وهو فهم خفي وتقييد للحديث بما ليس فيه مما يدل عليه ,ولعل الخطابي ممن يرون أن ليس للحائض الدخول إلى المسجد لدليل قام عنده بذلك فقيد الحديث به. وهذا كان سائغا لو أن الدليل صح بذلك ولكنه لم يصح كما سيأتي فينبغي إبقاء الحديث على إطلاقه
وقد جاء ما يؤيد الإطلاق والعموم فقال الإمام: ثنا سفيان عن منبوذ عن أمه قالت:
стр. 100
كنت عند ميمونة فأتاها ابن عباس فقالت: يا بني ما لك شعثا رأسك؟ قال: أم عمار مرجلتي حائض. قالت: أي بني وأين الحيضة من اليد؟ كان رسول الله ﷺ يدخل على أحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن وهي حائض ثم تقوم إحدنا بخمرتها فتضعها في المسجد. أي بنى وأين الحيضة من اليد؟
وأخرجه النسائي عن محمد بن منصور عن سفيان به مختصرا بلفظ:
(فتبسطها وهي حائض). قال الشوكاني:
(ومحمد بن منصور ثقة ومنبوذ وثقه ابن معين وقد أخرجه بنحو هذا اللفظ عنها عبد الرزاق وابن أبي شيبة والضياء في (المختارة).
وللحديث شواهد.
قلت: لكن أم منبوذ قال في (التقريب):
(مقبولة).
وكذلك قال في ابنها أنه:
(مقبول).
فالإسناد حسن في الشواهد.
ثم قال الشوكاني:
(فهو حجة لمن قال بجواز دخول الحائض المسجد للحاجة ومؤيد لتعليق الجار والمجرور في الحديث الأول بقوله: (ناوليني)؛ لأن دخولها المسجد لوضع الخمرة فيه لا فرق بينه وبين دخولها لإخراجها).
стр. 101
ومن شواهد الحديث التي أشار إليها الشوكاني فيما سبق:
عن ابن عمر:
أن رسول الله ﷺ قال لعائشة:
(ناوليني الخمرة من المسجد) قالت: إنها حائض قال:
(إنها ليست في كفك).
أخرجه أحمد من طريق ابن أبي ليلى عن نافع عنه.
ورجاله رجال الشيخين غير ابن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ
وقد خالفه عبيد الله بن عمر فرواه موقوفا على ابن عمر
(إنه كان يأمر جاريته أن تناوله الخمرة من المسجد فتقول: إني حائض. فيقول: إن حيضتك ليست في كفك. فتناوله).
هكذا أخرجه الدارمي: أخبرنا محمد بن عيينة عن علي بن مسهر عنه
وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عيينة وقد وثقه ابن حبان وروى عنه جماعة من الثقات. لكن الحديث وإن كان موقوفا فإنه من حيث المعنى مرفوع لأنه لا ينطبق إلا على النبي ﷺ . والله أعلم.
ومنها عن أبي بكرة:
أن النبي ﷺ قال لخادمه:
(ناوليني الخمرة من المسجد) فقالت: إني حائض فقال:
(ناوليني). قال في (المجمع):
стр. 102
(رواه الطبراني في (الكبير) ورجاله موثقون).
ومنها عن أم أيمن قالت:
قال النبي ﷺ :
(ناوليني الخمرة من المسجد). قلت: إني حائض قال:
(إن حيضتك ليست في يدك). قال الهيثمي:
(رواه الطبراني في (الكبير) وفيه أبو نعيم عن صالح بن رستم؛ فإن كان هو أبو نعيم الفضل بن دكين فرجاله ثقات كلهم وإن كان ضرار بن صرد فهو ضعيف).
وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود من طريق الأفلت بن خليفة قال: ثتني جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة ﵁ تقول:
جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد) ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن ينزل فيهم رخصة فخرج إليهم بعد فقال:
(وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (١) ... .
فهو حديث مختلف فيه ولا يصح لاضطرابه ولتفرد جسرة بنت دجاجة به وهي ليست بالمشهورة فرواه أفلت عنها هكذا.
стр. 103
ورواه محدوج الذهلي عنها قالت: أخبرتني أم سلمة به مختصرا بلفظ:
دخل رسول الله ﷺ صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته:
(إن المسجد لا يحل لجنب ولا لحائض).
أخرجه ابن ماجه وابن أبي حاتم في (العلل) كلاهما من طريق أبي نعيم: ثنا ابن أبي غنية عن أبي الخطاب الهجري عن محدوج به. وزاد في (العلل): (إلا للنبي ولأزواجه وعلي وفاطمة بنت محمد). قال في (الزوائد):
(إسناد ضعيف: محدوج لم يوثق وأبو الخطاب مجهول).
وكذلك قال ابن حزم في أبي الخطاب وقال في (محدوج) أنه:
(ساقط يروي المعضلات عن جسرة). ثم قال ابن أبي حاتم:
(قال أبو زرعة: يقولون: عن جسرة عن أم سلمة. والصحيح عن عائشة).
وفيه إشارة إلى أن محدوجا لم ينفرد به وهو كذلك فقد قال ابن حزم:
(رويناه عن عبد الوهاب عن عطاء الخفاف عن ابن أبي غنية عن إسماعيل عن جسرة بنت دجاجة عن أم سلمة به وفيه الزيادة). ثم رده ابن حزم بقوله:
(عطاء الخفاف هو عطاء بن مسلم: منكر الحديث وإسماعيل مجهول)
قلت: كذا في (المحلى):
(عبد الوهاب عن عطاء الخفاف). وعلى هامشه:
стр. 104
(في اليمنية: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف وهو خطأ).
قلت: وما في النسخة اليمنية هو الموافق لما نقله ابن القيم في (تهذيب السنن) عن ابن حزم ولتعقبه عليه من حيث قال:
(ثم رواه (يعني ابن حزم) من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف. قال ابن حزم: عبد الوهاب بن عطاء منكر الحديث وإسماعيل مجهول. وليس الأمر كما قال أبو محمد (يعني ابن حزم) فقد قال ابن معين: إنه ثقة وقال صالح بن محمد: أنكروا على الخفاف حديثا رواه لثور بن يزيد عن مكحول عن كريب عن ابن عباس في فضل العباس وما أنكروا عليه غيره. . وأما إسماعيل؛ فإن كان إسماعيل بن رجايء بن رشد الزبيدي فإنه ذكر في ترجمة ابن أبي عتبة (كذا ولعل الأصل: غنية كما في (المحلى) وإن كان وقع في نقل ابن القيم أيضا عنه عتبة كما هنا والله أعلم) أنه روى عن إسماعيل هذا ولم يذكر في شيوخه إسماعيل غيره فهو ثقة روى له مسلم في (الصحيح). وبعد فهذا الاستثناء (يعني الزيادة المتقدمة) باطل موضوع من زيادة بعض غلاة الشيعة ولم يخرجه ابن ماجه في الحديث).
والخلاصة: أن ابن حزم إنما ألان القول في (عطاء بن مسلم الخفاف) كما صريح كلامه المذكور آنفا وابن القيم ظن أنه إنما عنى به ولده عبد الوهاب بن عطاء فشرع في الرد على ابن حزم ونقل أقوال الأئمة في الثناء عليه وهو بلا شك أحسن حالا من أبيه عطاء كما يتبين ذلك بمراجعة أقوال الأئمة فيهما. وفي (التقريب):
(عبد الوهاب بن عطاء الخفاف صدوق ربما أخطأ) وقال في ترجمة والده عطاء:
стр. 105
(صدوق يخطيء كثيرا).
لكن لم يتبين لي هل راوي الحديث عن ابن أبي غنية هو الوالد أو الولد نظرا لاختلاف النسخ كما سبق. وإن كان المعلق على (المحلى) وهو القاضي أحمد محمد شاكر جزم بالأول وخطأ النسخة المخالفة ولعل حجته في ذلك كلام ابن حزم على عطاء دون عبد الوهاب وعليه يرد هذا السؤال: من يكون عبد الوهاب هذا؟ فإن قيل: إنه ابن عطاء المذكور قلنا بأنا لم نجد من ذكره في الرواة عن أبيه وإن كان غيره فلم أعرفه. والله أعلم
وعلى كل حال فمدار هذا الحديث على جسرة كما في الذين قبله وهي ليست مشهورة بالثقة والعدالة بحيث تطمئن النفس بالاحتجاج بخبرها استقلالا ولم يوثقها أحد من المتقدمين ممن توثيقهم حجة بل قد غمزها البخاري كما يأتي ولذلك ضعف حديثها جماعة من المحدثين أشار إليهم الخطابي في (المعالم) وقال أبو محمد عبد الحق:
(لا يثبت من قبل إسناده).
وتعقبه ابن القطان بما لا يكفي ولا يشفي حيث قال: كما في (نصب الراية):
(وجسرة بنت دجاجة تابعية وقول البخاري في (تاريخه الكبير):
(عندها عجائب) لا يكفي في إسقاط ما روت روى عنها أفلت وقدامة ابن عبد بن عبده العامري).
قلت: فكان ماذا؟ وقدامة هذا ليس بالمشهور أيضا وفي (التقريب):
(قيل هو فليت العامري مقبول).
стр. 106
وذكر في (التهذيب) في الرواة عنه: محدوجا ,وهو مجهول كما سبق وعمر بن عمير بن محدوج ولم أجد له ترجمة.
وبالجملة: فكل من روى عن جسرة غير معروف بالعدالة - حاشا أفلت- فيكف تجعل روايته عنها توثيقا لها. نعم قد صرح بتوثيقها العجلي وابن حبان حيث ذكرها في (الثقات) وتساهله في التوثيق وكذا العجلي معروف لدى من يتبع كلامهما في الرواة المختلف فيهم.
ولذلك ترى الحافظ لم يعتمد على توثيقهما بالرغم من نقله ذلك عنهما في (التهذيب) فقال في (التقريب):
(إنها مقبولة).
يعني أن حديثها ضعيف إذا تفردت كما ذكر في المقدمة وهو قوله:
(السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله وإليه الإشارة بلفظ: (مقبول) حيث يتابع وإلا فلين الحديث).
ومما سبق بيانه تعلم أن قول الشوكاني أن الحديث صحيح تبعا لابن خزيمة غير صحيح وقوله:
(قال ابن سيد الناس: ولعمري إن التحسين لأقل مراتبه لثقة رواته ووجود الشواهد له من خارج).
ففيه نظر أيضا؛ لأن هذه الشواهد كَلا شواهد؛ لأن مدارها على جسرة كما سبق. فلم يرد الحديث من غير طريقها من وجه مقبول وإلا لذهبنا إليه
стр. 107
نعم رواه ابن حزم من طريق محمد بن الحسن بن زبالة عن سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ لم يكن أذن لأحد أن يجلس في المسجد ولا يمر فيه وهو جنب إلا علي بن أبي طالب.
ثم قال:
(ومحمد بن الحسن مذكور بالكذب وكثير بن زيد مثله)
كذا قال وكثير بن زيد هو الأسلمي السهمي ولم ينحط إلى هذه المنزلة ولم يتهم بالكذب, وإنما هو مختلف فيه وثقه بعضهم وضعفه آخرون وفي (التقريب):
(صدوق يخطئ).
وقال في ابن زبالة:
(كذبوه).
فهو علة الحديث.
والمطلب بن عبد الله هو المخزومي وهو كثير التدليس والإرسال كما قال الحافظ فالحديث مرسل أيضا.
وأخرجه الترمذي والبزار أيضا كما في (تخريج الكشاف) من طريق سالم بن أبي حفصة عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا:
(يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك). وقال:
стр. 108
(حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث فاستغربه).
قلت: وهذا سند ضعيف لأن عطية هو العوفي ضعيف.
وسالم بن أبي حفصة صدوق في الحديث إلا أنه شيعي غال كما في (التقريب) وقال البزار:
(كان شيعيا لكنه لم يترك ولم يتابع على هذا) (١).
ثم رواه البزار من رواية الحسن بن زياد عن خارجة بن سعد عن أبيه سعد مثله سواء وقال:
(لا نعلمه عن سعد إلا بهذا الإسناد).
قلت: والحسن بن زياد هو اللؤلؤي تلميذ أبي حنيفة وقد كذبه جماعة الأئمة كابن معين وغيره
فتبين مما تقدم أنه لا يثبت أي حديث في تحريم دخول الحائض وكذا الجنب إلى المسجد والأصل الجواز فلا ينقل عنه إلا بناقل صحيح تقوم به الحجة. لا سيما وقد صح ما يؤيد هذا الأصل وهو قوله ﵊ المذكور في الاصل: (ناوليني الخمرة من المسجد) وغيره مما يأتي:
قال ابن حزم:
стр. 109
(وجائز للحائض والنفساء أن يتزوجا وأن يدخلا المسجد وكذلك الجنب؛ لأنه لم يأتي نهي عن شيء من ذلك وقد قال ﷺ : (المؤمن لا ينجس) وقد كان أهل الصفة يبيتون في المسجد بحضرة رسول الله ﷺ وهم جماعة كثيرة ولا شك في أن فيهم من يحتلم فما نهوا قط عن ذلك.
وقال قوم: لا يدخل المسجد الجنب والحائض إلا مجتازين. هذا قول الشافعي وذكروا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء / ٤٣] فادعوا أن زيد بن أسلم أو غيره قال: معناه: لا تقربوا مواضع الصلاة.
قال ابن حزم: ولا حجة في قول زيد ولو صح أنه قاله لكان خطأ منه لأنه لا يجوز أن يظن أن الله تعالى أراد أن يقول: لا تقربوا مواضع الصلاة. فيلبس علينا قوله فيقول: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ وروي أن الآية في الصلاة نفسها عن علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة.
وقال مالك: لا يمر فيه أصلا.
وقال أبو حنيفة وسفيان: لا يمرا فيه فإن اضطرا إلى ذلك تيمما ثم مرا فيه واحتج من منع ذلك بحديث. . .)
قلت: فساق حديث عائشة وأم سلمة والمطلب بن عبد الله المتقدم آنفا وقال:
(وهذا كله باطل).
стр. 110
ثم بين عللها بنحو ما سبق ثم ما روى من طريق البخاري بسنده عن عائشة أم المؤمنين:
أن وليدة سوداء كانت لحي من العرب فأعتقوها فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت فكان لها خباء في المسجد أو حفش. قال ابن حزم:
(فهذه امرأة ساكنة في مسجد النبي ﷺ والمعهود من النساء الحيض فما منعها ﵊ من ذلك ولا نهى عنه وكل ما لم ينه ﵊ عنه فمباح). قال:
(ولو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك ﵊ عائشة إذ حاضت فلم ينهها إلا عن الطواف بالبيت فقط ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها ﵊ عن ذلك ويقتصر على منعها من الطواف. وهذا قول المزني وداود وغيرهما)
وفي (تفسير القرطبي):
(ورخصت طائفة في دخول الجنب المسجد واحتج بعضهم بقول النبي ﷺ : (المؤمن ليس بنجس) قال ابن المنذر: وبه نقول).
قلت: وتوسط بعضهم فقال بجواز الدخول إذا توضأ ففي (تفسير العماد ابن كثير):
(وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد لما روى هو وسعيد بن منصور في (سننه) بسند صحيح: أن