← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 1016–1050 · переход к 1021.

стр. 1016

نقض العهد في واحة الشعر .. قال كعب بن زهير: لشتان من يدعو فيوفي بعهده ... ومن هو للعهد المؤكد خالع (١) وقال المعري: تجنب الوعد يوماً أن تفوه به ... فإن وعدت فلا يذممك إنجاز واصمت فإن كلام المرء يهلكه ... وإن نطقت فإفصاح وإيجاز وإن عجزت عن الخيرات تفعلها ... فلا يكن دون ترك الشر إعجاز (٢) وقال الغطفانيّ: أسميّ ويحك هل سمعت بغدرة ... رفع اللّواء لنا، بها في مجمع (٣) وقال كعب بن مالك: فدونَكَ واعلمْ أنّ نقض عهودِنا ... أباه الملا منا الذين تبايعوا أباه البراءُ وابنُ عمروٍ كلاهما ... وأسعدُ يأباه عليكَ ورافعُ (٤) وقال آخر: نقض العهد خائس بالأمان ... مستحل محارم الرحمن سلبتنا الوفاء والحلم طوعا ... فاعتلينا به بنو مروان ليتني كنت فيهم حسب العي ... ش طليقا أجر حبل الأماني كل عتب تعيرنيه الليالي ... فبسيفي جنيته ولساني (٥) وقال آخر: النَّاس من الْهوى على أَصْنَاف ... هَذَا نقض الْعَهْد وَهَذَا واف هَيْهَات من الكدور تبغي الصافي ... لَا يصلح للحضرة قلب جَاف (٦) وقال آخر: يا بني الإسلام من علمكم ... بعد إذ عاهدتم نقض العهود كل شيء في الهوى مستحسن ... ما خلا الغدر وإخلاف الوعود (٧) ...

стр. 1017

معنى النميمة لغة واصطلاحاً معنى النميمة لغة: النَّمُّ: التوريشُ والإغْراءُ ورَفْع الحديثِ على وجه الإشاعةِ والإفْسادِ. وقيل تَزْيينُ الكلام بالكذب. قال أَبو بكر: قال أَبو العباس: النَّمّام معناه في كلام العرب الذي لا يُمْسِك الأَحاديثَ ولم يَحْفَظْها. ويقال للنَّمَّام القَتّاتُ يقال: قَتَّ إذا مشى بالنَّميمة (١)، وَنَمَّامٌ مُبَالَغَةٌ وَالِاسْمُ النَّمِيمَةُ (٢). معنى النميمة اصطلاحاً: النميمة: (نَقْلُ الحديث من قومٍ إلى قوم على جهة الإفْسادِ والشَّرِّ) (٣). وعرفها الغزالي بقوله: (إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه) (٤). وقيل هي: (التحريش بين الناس والسعي بينهم بالإفساد) (٥).

стр. 1018

الفرق بين النميمة وبعض الصفات الفرق بين الغيبة والنميمة قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: (واختُلِفَ في الغيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متحدتان: والراجع التغاير وأن بينهما عموماً وخصوصاً وجيهاً. وذلك؛ لأن النميمة نقل حال شخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه سواء كان بعلمه أم بغير علمه. والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه فامتازت النميمة بقصد الإفساد ولا يشترط ذلك في الغيبة. وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه واشتركا في ما عدا ذلك. ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائباً والله أعلم) (١). وقال ابن حجر الهيتمي: (كل نميمة غيبة، وليس كل غيبة نميمة، فإن الإنسان قد يذكر عن غيره ما يكرهه، ولا إفساد فيه بينه وبين أحد، وهذا غيبة، وقد يذكر عن غيره ما يكرهه وفيه إفساد، وهذا غيبة، ونميمة معاً) (٢). الفرق بين القتات والنمام (قال الحافظ القتات والنمام بمعنى واحد. وقيل: النمام الذي يكون مع جماعة يتحدثون حديثا فينم عليهم. والقتات: الذي يتسمع عليهم وهم لا يعلمون ثم ينم) (٣).

стр. 1019

ذم النميمة والنهي عنها في القرآن والسنة ذم النميمة والنهي عنها من القرآن الكريم: - قال تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [القلم: ١٠ - ١٣]. نجد بأن الله أورد عدة صفات للنمام في هذه الآية، وهي كما يلي: ١ - حلاف: أي أن النمام كثير الحلف، وهو يعلم أن الناس لا يثقون به ولا يصدقونه لأنه كاذب، فهو بذلك يكثر الحلف ليدفع عن نفسه الكذب، يستقطب ثقة الناس بها. ٢ - مهين: فالنمام هين في نفسه هين عند الآخرين، فلا يحترمه أحد. ٣ - هماز: يعيب الناس ويهمزهم بالقول والإشارة. ٤ - مشاء بنميم: أي كثير المشي بالنميمة بين الناس، وبما يفسد معيشتهم وقلوبهم، ويقطع صلاتهم، ويذهب محبتهم لبعضهم. ٥ - مناع للخير: كثير المنع للخير عن نفسه وعن الآخرين، بل حتى منع عن نفسه الإيمان فلم يصل إلى قلبه. ٦ - معتد: تجاوز العدل والحق. وهو يعتدي على النبي ﷺ وعلى المؤمنين. ٧ - أثيم: أي يعمل الآثار ويرتكب الذنوب والمعاصي. ٨ - عتل: أي شديد الفضاضة والقسوة، أي أنه شخص كريه من جميع الجوانب. ٩ - زنيم: أي أنه مشهور بخبثه ولؤمه وشره. قال ابن حجر: (أي: دعيٍّ، واستنبط منه ابن المبارك أنّ ولد الزّنا لا يكتم الحديث، فعدم كتمه المستلزم للمشي بالنّميمة دليلٌ على أنّ فاعل ذلك ولد زنا) (١). - وَقَالَ تَعَالَى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١]. (قيل: اللّمزة: النّمّام. عن أبي الجوزاء، قال: قلت لابن عباس: من هؤلاء هم الذين بدأهم الله بالويل؟ قال: هم المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون أكبر العيب) (٢). وقال مقاتل: (فأما «الهمزة» فالذي ينم الكلام إلى الناس وهو النمام) (٣). - وَقَالَ تَعَالَى: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد:٤]. (قيل كانت نمّامةٌ حمّالةٌ للحديث إفسادًا بين النّاس، وسمّيت النّميمة حطبًا؛ لأنّها تنشر العداوة بين النّاس كما أنّ الحطب ينشر النّار. قال مجاهد: يعني حمالة النميمة، تمشي بالنميمة) (٤). - وَقَالَ تَعَالَى: فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا [التحريم:١٠]. (أي؛ لأنّ امرأة نوحٍ كانت تقول عنه مجنونٌ، وامرأة لوطٍ كانت تخبر قومها بضيفانه حتّى يقصدوهم لتلك الفاحشة القبيحة الّتي اخترعوها حتّى أهلكتهم بذلك العذاب الفظيع) (٥). ذم النميمة والنهي عنها من السنة النبوية: - عن حذيفة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة نمام))، وفي رواية ((قتات)) (٦). وبيّن ابن الملقن المراد بعدم دخول الجنة للنمام بقوله: (وحمل على ما إذا استحل بغير تأويل مع العلم بالتحريم، أو لا يدخلها دخول الفائزين) (٧). قال ابن بطال: (قال أهل التأويل: الهماز الذي يأكل لحوم الناس، ويقال: هم المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء العنت. والقتات: النمام عند أهل اللغة) (٨).

стр. 1020

- وعن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: إنّ محمّداً ﷺ قال: ((ألا أنبّئكم ما العضة؟ هي النّميمة القالة بين النّاس)). وإنّ محمّداً ﷺ قال: ((إنّ الرّجل يصدق حتّى يكتب صدّيقاً، ويكذب حتّى يكتب كذّاباً)) (١). قال المناوي: ((القالة بَين النَّاس)): أي كثرة القول وإيقاع الخصومة بينهما فيما يحكى للبعض عن البعض وقيل القالة بمعنى المقولة وزعم بعضهم أن القالة هنا جمع وهم الذين ينقلون الكلام ويوقعون الخصومة بين الناس) (٢). وقال ابن عثيمين: (هي النميمة: أن ينقل الإنسان كلام الناس بعضهم في بعض من أجل الإفساد بينهم، وهي من كبائر الذنوب) (٣). - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ – قَالَ: ((مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ فَأَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)) (٤). قال ابن بطال: (ومعنى الحديث: الحض على ترك النميمة) (٥). وقال ابن دقيق العيد: (فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ أَمْرِ النَّمِيمَةِ، وَأَنَّهَا سَبَبُ الْعَذَابِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّمِيمَةِ الْمُحَرَّمَةِ) (٦). وقال الشوكاني: (وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ مِنْ الْإِنْسَانِ وَوُجُوبِ اجْتِنَابِهِ وَهُوَ إجْمَاعٌ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى عِظَمِ أَمْرِهِ وَأَمْرِ النَّمِيمَةِ، وَأَنَّهُمَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ عَذَابِ الْقَبْرِ) (٧).

стр. 1021

أقوال السلف والعلماء في ذم النميمة - قال رجل لعمر بن الخطّاب- ﵁: (يا أمير المؤمنين، احذر قاتل الثّلاثة، قال: ويلك، من قاتل الثّلاثة؟ قال: الرّجل يأتي الإمام بالحديث الكذب، فيقتل الإمام ذلك الرّجل بحديث هذا الكذّاب، ليكون قد قتل نفسه، وصاحبه، وإمامه) (١). - وقيل لمحمد بن كعب القرظي: أي خصال المؤمن أوضع له؟ فقال: كثرة الكلام، وإفشاء السر، وقبول قول كل أحد (٢). - وروي أن سليمان بن عبد الملك كان جالساً وعنده الزهري، فجاءه رجل فقال له سليمان: بلغني أنك وقعت فيّ، وقلت كذا وكذا فقال الرجل ما فعلت ولا قلت فقال سليمان إن الذي أخبرني صادق فقال له الزهري لا يكون النمام صادقاً فقال سليمان صدقت ثم قال للرجل اذهب بسلام. - وقال الحسن: من نم إليك نم عليك) (٣). - وعن عطاء بن السّائب؛ قال: قدمت من مكّة، فلقيني الشّعبيّ، فقال: يا أبا زيدٍ! أطرفنا ممّا سمعت بمكّة؟ فقلت: سمعت عبد الرّحمن بن سابطٍ يقول: لا يسكن مكّة سافك دمٍ، ولا آكل ربًا، ولا مشّاءٍ بنميمةٍ، فعجبت منه حين عدل النّميمة بسفك الدّم وأكل الرّبا، فقال الشّعبيّ: وما يعجبك من هذا؟! وهل يسفك الدّم وتركب العظائم إلّا بالنّميمة؟! (٤). - وقال أبو موسى الأشعري: لا يسعى على الناس إلا ولد بغي (٥). - وسعى رجل إلى بلال بن أبي بردة برجل، وكان أمير البصرة، فقال له: انصرف حتى أكشف عنك، فكشف عنه، فإذا هو لغير رشده، يعني ولد زنا) (٦). - وعن شبيل بن عوف، قال: كان يقال: (من سمع بفاحشة، فأفشاها فهو كالذي أبداها) (٧). - وقال قتادة ذكر لنا أنّ عذاب القبر ثلاثة أثلاثٍ: (ثلثٌ من الغيبة، وثلثٌ من البول، وثلثٌ من النّميمة) (٨). - وقال ابن حزم: (وما في جميع الناس شر من الوشاة، وهم النمامون، وإن النميمة لطبع يدل على نتن الأصل، ورداءة الفرع، وفساد الطبع، وخبث النشأة، ولابد لصاحبه من الكذب؛ والنميمة فرع من فروع الكذب ونوع من أنواعه، وكل نمام كذاب) (٩). - وقال السيوطي: (قد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول، والنميمة، والغيبة بعذاب القبر وهو أن القبر أول منازل الآخرة، وفيه أنموذج ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان: حق لله وحق لعباده، وأول ما يقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد الدماء، وأما البرزخ فيقضى فيه في مقدمات هذين الحقين ووسائلهما، فمقدمة الصلاة الطهارة من الحدث والخبث، ومقدمة الدماء النميمة والوقيعة في الأعراض وهما أيسر أنواع الأذى فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما. انتهى) (١٠). - وقال أبو موسى عمران بن موسى المؤدب: (وفد على أنوشروان حكيم الهند، وفيلسوف الروم، فقال للهندي: تكلم. فقال: يا خير الناس، من ألقى سخياً، وعند الغضب وقوراً، وفي القول متأنياً، وفي الرفعة متواضعاً، وعلى كل ذي رحم مشفقاً. وقام الرومي، فقال: من كان بخيلاً ورث عدوه ماله، ومن قل شكره لم ينل النجاح، وأهل الكذب مذمومون، وأهل النميمة يموتون فقراء، فمن لم يرحم سلط عليه من لا يرحمه) (١١). - ويقال: (عمل النمام أضر من عمل الشيطان، فإن عمل الشيطان بالوسوسة، وعمل النمام بالمواجهة) (١٢). - وقيل: (النّميمة من الخصال الذّميمة تدلّ على نفسٍ سقيمةٍ وطبيعةٍ لئيمةٍ مشغوفةٍ بهتك الأستار وكشف الأسرار) (١٣).

стр. 1022

حكم النميمة النميمة محرمة في الكتاب والسنة والإجماع، وهي من كبائر الذنوب. قَالَ تَعَالَى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١]. وقال النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام) (١). وقال العلامة ابن باز: (وهي من الكبائر ومن أسباب البغضاء والشحناء بين المسلمين، فالواجب الحذر منها) (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين: (والنميمة من كبائر الذنوب، وهي سبب لعذاب القبر، ومن أسباب حرمان دخول الجنة) (٣).

стр. 1023

أقسام النميمة وللنميمة ثلاثة أقسام وهي كما يلي: ١ - النميمة المحرمة: وهي التي يكون الكلام فيها سلبي يلحق الضرر بالآخرين، وذلك بذكر أسرارهم الخاصة وسرد فضائحهم ومساوئهم. ٢ - النميمة الواجبة: وهي التي تكون للتحذير من شر واقع على إنسان ما، فيُخبر بذلك الشر ليحذره. وقال ابن الملقن وهو يتحدث عن النميمة: (أما إذا كان فعلها نصيحة في ترك مفسدة أو دفع ضرر، وإيصال خير يتعلق بالغير لم تكن محرمة ولا مكروهة، بل قد تكون واجبة أو مستحبة) (١). قال النووي: (وهذا كله إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية وإلا فهي مستحبة أو واجبة كمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصاً ظلماً فحذره منه) (٢). ٣ - النميمة المباحة: قال ابن كثير وهو يتحدث عن النميمة: (فأما إذا كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: ((ليس بالكذاب من يَنمّ خيرًا)) (٣)، أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: ((الحرب خدعة)) (٤)، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة، وجاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة) (٥). قال النّوويّ: (فلو دعت إلى النّميمة حاجةٌ فلا منع منها، كما إذا أخبره أنّ إنسانًا يريد الفتك به أو بأهله أو بماله، أو أخبر الإمام أو من له ولايةٌ بأنّ فلانًا يسعى بما فيه مفسدةٌ، ويجب على المتولّي الكشف عن ذلك) (٦). وقسم النّبيّ ﷺ قسمةً، فقال رجلٌ من الأنصار: والله ما أراد محمّدٌ بهذا وجه الله، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فتمعّر وجهه، وقال: ((رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) (٧). قال ابن بطال: (في هذا الحديث من الفقه أنه يجوز للرجل أن يخبر أهل الفضل والستر من إخوانه بما يقال فيهم مما لايليق بهم، ليعرفهم بذلك من يؤذيهم من الناس وينقصهم، ولا حرج عليه في مقابلته بذلك وتبليغه له. وليس ذلك من باب النميمة؛ لأن ابن مسعود حين أخبر النبي ﵇ بقول الأنصاري فيه وتجويره له في القسمة، لم يقل له: أتيت بما لايجوز، ونمت الأنصاري والنميمة حرام، بل رضي ذلك ﵇، وجاوبه عليه بقوله: ((يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) (٨)، وإنما جاز لابن مسعود نقل ذلك إلى النبي ﵇ لأن الأنصاري في تجويره للنبي ﵇ استباح إثمًا عظيمًا وركب جرمًا جسيمًا، فلم يكن لحديثه حرمة، ولم يكن نقله من باب النميمة) (٩).

стр. 1024

أسباب الوقوع في النميمة هناك العديد من الأسباب التي تؤدي بالفرد للوقوع في دنس النميمة ومن هذه الأسباب: ١ - أن ينشأ الفرد في بيئة دأبها النميمة والوقيعة بين الناس، فيحاكيها ويتأثر بها. ٢ - الإساءة للآخرين وإيقاع الإيذاء بهم، وهذه شهوة العدوانية في قلوب الأشرار. ٣ - التظاهر بمحبة المحكي له وكسب وده. ٤ - الخوض في الباطل وفضول الحديث للترويح عن النفس. ٥ - إقامة روابط اجتماعية مع الآخرين، لكنها بطريقة سلبية على حساب سمعة الآخرين. ٦ - عدم ردع النمام وزجره بل استحسان عمله ومسايرته. ٧ - وجود الفراغ في حياة الفرد، فيشغل وقته بالحديث عن الآخرين وذكر مساوئهم. ٨ - الغضب للانتقام من شخص ما وتشويه سمعته. ٩ - تتبع عورات الناس وحب الاطلاع عليها. ١٠ - العمل لصالح أفراد أو جهات مشبوهة. ١١ - ضعف الإيمان في قلب النمام وعدم الخوف من الله ونسيان عذاب القبر وعذاب النار. ١٢ - جهل النمام بالعواقب السيئة للنميمة التي تعود على الفرد والمجتمع. ١٣ - الحسد للآخرين، وعدم حب الخير لهم.

стр. 1025

آثار ومضار النميمة للنميمة آثارها السيئة وأضرارها الجسيمة التي تعود على الفرد وتؤثر عليه في دنياه وأخراه، ومن هذه الآثار: ١ - طريق موصّل إلى النّار. ٢ - تذكي نار العداوة بين المتآلفين. ٣ - تؤذي وتضرّ، وتؤلم، وتجلب الخصام والنّفور. ٤ - تدلّ على سوء الخاتمة، وتمسخ حسن الصّورة. ٥ - عنوان الدّناءة والجبن والضّعف والدّسّ والكيد والملق والنّفاق. ٦ - مزيلة كلّ محبّة ومبعدة كلّ مودّة وتآلف وتآخ (١). ٧ - عار على قائلها وسامعها. ٨ - تحمل على التجسس وتتبع أخبار الآخرين. ٩ - تؤدي إلى قطع أرزاق الآخرين. ١٠ - تفرق وتمزق المجتمعات الملتئمة. ١١ - النميمة تأتي بثلاث جنايات: ذكر أن حكيماً من الحكماء زاره بعض إخوانه، فأخبره بخبر عن بعض أصدقائه؛ فقال له الحكيم: قد أبطأت في الزيارة، وأتيت بثلاث جنايات: بغضت أخي إليّ، وشغلت قلبي الفارغ، واتهمت نفسك الأمينة (٢). ١٢ - النميمة تحلق الدين: قال النبي ﷺ : ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)) (٣). ١٣ - النميمة تمنع نزول القطر من السماء: وروى كعبٌ: أنّه أصاب بني إسرائيل قحطٌ، فاستسقى موسى - صلّى الله وسلّم على نبيّنا وعليه - مرّاتٍ فما أجيب، فأوحى الله - تعالى - إليه أنّي لا أستجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمّامٌ، قد أصرّ على النّميمة، فقال موسى: يا ربّ من هو حتّى نخرجه من بيننا؟ فقال يا موسى: أنهاكم عن النّميمة وأكون نمّامًا، فتابوا بأجمعهم فسُقُوا (٤). ١٤ - النميمة تجعل صاحبها ذليل وحقير: اتبع رجل حكيماً سبعمائة فرسخ في سبع كلمات، فلما قدم عليه قال إني جئتك للذي آتاك الله تعالى من العلم، أخبرني عن السماء وما أثقل منها؟ وعن الأرض وما أوسع منها؟ وعن الصخر وما أقسى منه؟ وعن النار وما أحر منها؟ وعن الزمهرير وما أبرد منه؟ وعن البحر وما أغنى منه؟ وعن اليتيم وما أذل منه؟ فقال له الحكيم: البهتان على البريء أثقل من السموات، والحق أوسع من الأرض، والقلب القانع أغنى من البحر، والحرص والحسد أحر من النار، والحاجة إلى القريب إذا لم تنجح أبرد من الزمهرير، وقلب الكافر أقسى من الحجر، والنمام إذا بان أمره أذل من اليتيم (٥). ١٥ - النمام لا يستريح من عذاب القبر: عن يزيد بن كعب ﵁ قال: (اتقوا النميمة فإن صاحبها لا يستريح من عذاب القبر) (٦). ١٦ - النميمة تحرم صاحبها دخول الجنة: حدثنا نصر بن داود، ثنا سعيد بن منصور، ثنا خالد بن عبد الله، عن سليمان التيمي، عن سيار بن سلامة، عن أبي إدريس عائذ الله قال: (من تتبع الأحاديث يحدث بها الناس لم يجد رائحة الجنة). قال خالد: (يعني النميمة) (٧). ١٧ - النميمة توجب دخول النار: عن أبي العالية، أو غيره قال: حدثت أن رسول الله ﷺ قال: ((أتاني البارحة رجلان فاكتنفاني، فانطلقا بي حتى أتيا بي على رجل في يده كلاب، يدخله في فيّ رجل، فيشق شدقه حتى يبلغ لحييه، فيعود فيأخذ فيه فقلت: من هذا؟ قال: هم الذين يسعون بالنميمة)) (٨). ١٨ - النميمة تفسد الدنيا والدين: قال أبو الفرج ابن الجوزي: النميمة تفسد الدين والدنيا، وتغيّر القلوب، وتولّد البغضاء، وسفك الدماء، والشتات (٩).

стр. 1026

فوائد ترك النميمة لترك النميمة فوائد عديدة نذكر منها: - تارك النميمة من أفضل المسلمين: عن أبي موسى ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟ قال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) (١). - ترك النميمة يدخل الجنة: عن سهل بن سعد: عن رسول الله ﷺ قال: ((من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)) (٢).

стр. 1027

علاج النميمة وبما أننا وقفنا على دوافع النميمة وأضرارها، وأدركنا عواقب وآثار هذا المرض على الفرد والمجتمع، فمن السهل علينا أن نحدد العلاج له والوقاية منه وذلك بالتالي: ١ - توعية النمام بخطورة النميمة. ٢ - استشعار عظمة هذه المعصية وأنها من الكبائر. ٣ - حفظ اللسان عن النميمة، وعدم تتبع عورات الآخرين. ٤ - تصور خطر المصيبة التي يقترفها بإفساده للقلوب وتفريقه بين الأحبة. ٥ - التقرب إلى الله بكثرة الأعمال الصالحة وتقديم رضاه على رضا المخلوقين. ٦ - استشعار الفرد أن حفظ اللسان عن النميمة يكون سبباً في دخوله الجنة. ٧ - تقوية الإيمان بالعلم النافع والعمل الصالح. ٨ - عدم السماع لكلام النمام الذي ينم به عن الآخرين. ٩ - تربية الفرد تربية إسلامية سليمة قائمة على الآداب والتعاليم الإسلامية. ١٠ - إحراج النمام بأن يطلب منه ذكر محاسن الذي وقعت عليه النميمة. ١١ - استغلال وقت الفراغ، بما ينفع الفرد ويقوي إيمانه ويقربه إلى الله ، من طاعات وعبادات وعلم وتعلم. ١٢ - قناعة الفرد بما رزقه الله، ويقصر أمره في الدنيا، ويعلم أنه منتقل إلى الدار الآخرة. ١٣ - أن يوقن الفرد أنه بتتبعه عورة الناس يتتبع الله عورته ويفضحه ولو في عقر داره. ١٤ - كظم الغيظ والصبر على الغضب، كي لا يكونا دافعاً للنميمة. ١٥ - التأمل في سيرة السلف والاقتداء والتأسي بهم في طريقة مقاومتهم للنميمة والنمامين. ١٦ - أن يعلم الفرد أن الذين ينم عليهم اليوم هم خصماؤه عند الله يوم القيامة. ١٧ - أن يتذكر النمام أن قدوته وسلفه في النميمة امرأة نوح وامرأة لوط اللتين حكم الله لهما بالنار، وكذلك الوليد بن المغيرة الذي هو من أكبر عتاولة المشركين الذي مصيره النار. ١٨ - الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يؤدي إلى النميمة. ١٩ - معاقبة أولي الأمر للنمامين وزجرهم وتخويفهم فإن لم ينتهوا عزروهم. ٢٠ - مقاطعة النمام وعدم مجالسته إن لم يتب من هذا المرض الخطير.

стр. 1028

حكم وأمثال في النميمة - في المثل: (النّميمة أرثة العداوة) (١). - (وقيل في منثور الحكم: النّميمة سيفٌ قاتلٌ. - وقال بعض الأدباء: لم يمش ماشٍ شرٌّ من واشٍ. - وقال بعض الحكماء: السّاعي بين منزلتين قبيحتين: إمّا أن يكون صدق فقد خان الأمانة، وإمّا أن يكون قد كذب فخالف المروءة. - وقال بعض الحكماء: الصّدق يزيّن كلّ أحدٍ إلّا السّعاة، فإنّ السّاعي أذمّ وآثم ما يكون إذا صدق) (٢). - (وقال بعض الحكماء: احذروا أعداء العقول ولصوص المودات وهم السعاة والنمامون إذا سرق اللصوص المتاع سرقوا هم المودات. - وفي المثل السائر: من أطاع الواشي ضيع الصديق وقد تقطع الشجرة فتنبت ويقطع اللحم السيف فيندمل واللسان لا يندمل جرحه) (٣).

стр. 1029

مسائل متفرقة حول النميمة - موقفنا من سماع النميمة: عندما نسمع أحداً يتكلم في أعراض الناس، وينم عليهم فيجب علينا نصحه وزجره عن ذلك، فإن لم ينته فعلينا عدم الجلوس معه؛ لقول الله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام:٦٨]. وقوله : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:١٤٠]. وقول النبي ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (١). ثم احذر النميمة وسماعها، وذلك أن الأشرار يدخلون بين الأخيار في صورة النصحاء فيوهمونهم النصيحة، وينقلون إليهم في عرض الأحاديث اللذيذة أخبار أصدقائهم محرفة مموهة، حتى إذا تجاسروا عليهم بالحديث المختلق يصرحون لهم، بما يفسد موداتهم ويشوه وجوه أصدقائهم، إلى أن يبغض بعضهم بعضاً (٢). - ماذا يكون موقف من حملت إليه النميمة؟ قال ابن حجر: (وكل من حملت إليه النميمة وقيل له: إن فلاناً قال فيك كذا وكذا، أو فعل في حقك كذا، أو هو يدبر في إفساد أمرك، أو في ممالاة عدوك أو تقبيح حالك، أو ما يجري مجراه؛ فعليه ستة أمور: الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمام فاسق، وهو مردود الشهادة، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات: ٦]. الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصح له، ويقبح عليه فعله، قال الله تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ [لقمان: ١٧]. الثالث: أن يبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى ويجب بغض من يبغضه الله تعالى. الرابع: أن لا تظن بأخيك الغائب السوء لقول الله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات:١٢]. الخامس: أن لا يحملك ما حكي لك على التجسس والبحث لتحقق اتباعاً لقول الله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات:١٢]. السادس: أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه ولا تحكي نميمته؛ فتقول: فلان قد حكى لي كذا وكذا، فتكون به نماماً ومغتاباً، وقد تكون قد أتيت ما عنه نهيت) (٣). (وجاء رجل إلى علي بن الحسين ﵄ فنمَ له عن شخص، فقال: اذهب بنا إليه، فذهب معه، وهو يرى أنه ينتصر لنفسه، فلما وصل إليه قال: يا أخي إن كان ما قلت فيّ حقاً يغفر الله لي، وإن كان ما قلتَ فيّ باطلاً يغفر الله لك) (٤). (وقال الحسن: من نم لك نم عليك، وهذا إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض ولا يؤتمن، ولا يوثق بصداقته، وكيف لا يبغض وهو لا ينفك عن الكذب والغيبة والقذف والخيانة والغل والحسد والإفساد بين الناس والخديعة؟ وهو ممن سعى في قطع ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض) (٥). - قصة نمام:

стр. 1030

قال حماد بن سلمة: باع رجل عبداً، وقال للمشتري: ما فيه عيب إلا النميمة قال رضيت فاشتراه، فمكث الغلام أياماً، ثم قال لزوجة مولاه إن سيدي لا يحبك، وهو يريد أن يتسرى عليك، فخذي الموس واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات، حتى أسحره عليها فيحبك، ثم قال للزوج: إن امرأتك اتخذت خليلاً، وتريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف ذلك، فتناوم لها، فجاءت المرأة بالموس، فظن أنها تريد قتله، فقام إليها فقتلها، فجاء أهل المرأة فقتلوا الزوج، ووقع القتال بين القبيلتين (١). - النميمة تقتل صاحبها: قال صاحب بدائع السلك في طبائع الملك: (كان رجل يغشي بعض الملوك، فيقوم بحذاء الملك، ويقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه، والمسيء ستكفيه مساوئه، فحسده رجل على ذلك المقام والكلام، فسعى به إلى الملك، فقال: إن هذا الذي يقوم بحذائك، ويقول ما يقول يزعم أن الملك أبخر، فقال له الملك: وكيف يصح ذلك عندي؟ قال: تدعو به إليك، فإذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر، فقال له الملك: انصرف حتى أنظر، فخرج من عند الملك، فدعا الرجل إلى منزله، فأطعمه طعاماً فيه ثوم، فخرج الرجل من عنده، وقام بحذاء الملك، فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه، والمسيء ستكفيه مساوئه، فقال له الملك: ادن مني، فدنا منه، فوضع يده على فيه، مخافة أن يشتم الملك منه ريح الثوم، فقال الملك في نفسه: ما أرى فلاناً إلا وقد صدق، وكان الملك لا يكتب بخطه إلا جائزة أو صلة، فكتب له كتاباً بخطه إلى عامل من عماله: إذا أتاك حامل كتابي هذا، فاذبحه، واسلخه، واحش جلده تبنا، وابعث به إليّ، فأخذ الرجل الكتاب، وخرج، فلقيه الرجل الذي سعى به، فقال: ما هذا الكتاب؟ قال: خط الملك لي بصلة، فقال: هبه لي، فقال: هو لك، فأخذه، ومضى إلى العامل، فقال العامل: في كتابك: أن أذبحك، وأسلخك، قال: إن الكتاب ليس هو لي، الله الله في أمري حتى أرجع إلى الملك، فقال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه، وسلخه، وحشا جلده تبناً، وبعث به، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله، فعجب الملك وقال: ما فعل الكتاب؟ قال: لقيني فلان، فاستوهبني إياه، فوهبته له، فقال الملك: إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر، قال: ما فعلت، قال: فلم وضعت يدك على فيك؟ قال: كان أطعمني طعاماً فيه ثوم، فكرهت أن تشمه، قال: صدقت، ارجع إلى مكانك، فقد كفاك المسيء مساوئه) (٢). - خدمٌ في بريد الشيطان: (سعى رجل بزياد الأعجم إلى سليمان بن عبد الملك، فجمع بينهما للموافقة، فأقبل زياد على الرجل وقال: فأنت امرؤ إما ائتمنتك خالياً ... فخنت وإما قلت قولاً بلا علم فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم وقال رجل لعمرو بن عبيد إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر فقال له عمرو يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره ولكن أعلمه أن الموت يعمنا والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا والله تعالى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين. ورفع بعض السعاة إلى الصاحب بن عباد رقعة نبه فيها على مال يتيم يحمله على أخذه لكثرته فوقع على ظهرها السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أفضل من الربح ومعاذ الله أن نقبل مهتوكاً في مستور ولولا أنك في خفارة شيبتك لقابلناك بما يقتضيه فعلك في مثلك فتوق يا ملعون العيب فإن الله أعلم بالغيب الميت ﵀ واليتيم جبره الله والمال ثمره الله والساعي لعنه الله) (٣). بمثل هذا الأسلوب السامي نقف في وجوه هؤلاء الذين اعتادوا على نقل الكلام، ونشر ما يقال في المجالس، ونحد من نشاطهم، ونقطع الطريق عليهم. - وصية: (قال لقمان لابنه يا بني أوصيك بخلال إن تمسكت بهن لم تزل سيداً ابسط خلقك للقريب والبعيد وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم واحفظ إخوانك وصل أقاربك وآمنهم من قبول قول ساع أو سماع باغ يريد فسادك ويروم خداعك وليكن إخوانك من إذا فارقتهم وفارقوك لم تعبهم ولم يعيبوك) (٤). - فائدة: قال بعض العلماء: يُفسدُ النمام في ساعة ما لا يفسد الساحر في شهر، ولترغيب الشارع في الإصلاح بين الناس أباح الكذب فيه، ولزجره على الإفساد حرم الصدق فيه (٥).

стр. 1031

ذم النميمة في واحة الشعر .. قال أحد الشعراء: تنح عن النميمة واجتنبها ... فإن النمّ يحبط كل أجر يثير أخو النميمة كل شر ... ويكشف للخلائق كل سر ويقتل نفسه وسواه ظلماً ... وليس النم من أفعال حر ولقد أحسن من قال: عجبت لواش ظل يكشف أمرنا ... وما بسوى أخبارنا يتنفس وماذا عليه من عنائي ولوعتي ... أنا آكل الرمان والولد تضرس ورحم الله من قال: وفي النّاس من يغري الورى بلسانه ... وبين البرايا للنّميمة يحمل يرى أنّ في حمل النّميمة مكسبًا ... تراه بها بين الورى يتأكّل وقال آخر: ويحرم بهت واغتيابٌ نميمة ... وإفشاء سرٍ ثم لعن مقيدِ ورحم الله الحسن البصري حين قال: لا تفش سراً ما استطعت إلى امرئ ... يفشي إليك سرائراً يستودع فكما تراه بسر غيرك صانعاً ... فكذا بسرك لا أباً لك يصنع وقال آخر: لا تقبلن نميمة بُلِّغتها ... وتحفَظَّن من الذي أنبأكها إن الذي أهدى إليك نميمة ... سينم عنك بمثلها قد حاكها ورحم الله من قال: من نم في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه كالسيل بالليل لا يدري به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه الويل للعهد منه كيف ينقضه ... والويل للود منه كيف يفنيه وقال آخر: إذا الواشي نعى يوماً صديقاً ... فلا تدع الصديق لقول واشي وقال وضاح اليمن: فاعص الوشاة فإنما ... قول الوشاة هو الفتن إن الوشاة إذا أتوك ... تنصحوا ونهوك عن وقال آخر: يسعى عليك كما يسعى إليك فلا ... تأمن غوائل ذي وجهين كياد وقال صالح بن عبد القدوس رحمه الله تعالى: من يخبرك بشتم عن أخ ... فهو الشاتم لا من شتمك ذاك شيء لم يواجهك به ... إنما اللوم على من أعلمك وقال آخر: إن يعلموا الخير أخفوه وإن علموا ... شراً أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا وقال آخر: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا ...

стр. 1032

وأخيراً: إياك أخي أن تكون ممن يعمل في بريد الشيطان، فتزرع العداوة بين الإخوان، وتغضب الرحمن، فتحرم دخول الجنان. وإياك أن تكون ممن يباعد بين حبيبين أو يشعل النار بين صديقين. وإياك إياك أن تقع فريسة للنميمة، فهي لا تترك وحدة إلا فرقتها، ولا مودة إلا أفسدتها، ولا ضغينة إلا أشعلتها، ولا عداوة إلا جددتها. فهلا فهمنا معنى النميمة وعرفناها حق المعرفة؟؟

стр. 1033

معنى اليأس والقنوط لغة واصطلاحاً معنى اليأس لغة واصطلاحاً معنى اليأس لغة: (اليأس: القنوط، وقيل: اليأس نقيض الرجاء أو قطع الأمل، يئس من الشيء ييأس وييئس؛ والمصدر اليأس واليآسة واليأس، وقد استيأس وأيأسته وإنه ليائس ويئس ويؤوس ويؤس، والجمع يؤوس) (١) معنى اليأس اصطلاحاً: قال العسكري: (اليأس: انقطاع الطمع من الشيء) (٢). وقال ابن الجوزي: (اليأس: القطع على أن المطلوب لا يتحصل لتحقيق فواته) (٣). معنى القنوط لغة واصطلاحاً معنى القنوط لغة: قال ابن منظور: (القُنُوط: اليأْس، وَفِي التَّهْذِيبِ: اليأْس مِنَ الْخَيْرِ، وَقِيلَ: أَشدّ اليأْس مِنَ الشَّيْءِ. والقُنُوط، بِالضَّمِّ، الْمَصْدَرُ. وقَنَط يَقْنِطُ ويَقْنُطُ قُنُوطاً مِثْلَ جلَس يجلِس جُلوساً، وقَنِطَ قَنَطاً وَهُوَ قانِطٌ: يَئِسَ؛ وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: قَنَطَ يَقْنَطُ كأَبى يَأْبَى، وَالصَّحِيحُ مَا بدأْنا بِهِ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ قَنِطَ يَقْنَطُ قَنَطاً، مِثْلَ تعِب يَتْعَب تَعَبًا، وقَناطة، فَهُوَ قَنِطٌ؛ وَقُرِئَ: وَلَا تَكُنْ مِنَ القاَنِطِين) (٤). معنى القنوط اصطلاحاً: قال المناوي: (القنوط: اليأس من الرحمة) (٥). وقال الشوكاني: (القنوط: الإياس من الرحمة) (٦). وقال صاحب (اللباب في علوم الكتاب): (القنوط: شدة اليأس من الخير) (٧).

стр. 1034

الفرق بين اليأس والقنوط والخيبة: الفرق بين اليأس والقنوط: أكثر العلماء على أنهما بمعنى واحد (١).ويرى البعض وجود اختلاف بينهما (٢). الفرق بين اليأس والخيبة: ١ - الخيبة لا تكون إلا بعد أمل لأنها امتناع نيل ما أمل. ٢ - اليأس: قد يكون قبل الأمل وقد يكون بعده (٣).

стр. 1035

ذم اليأس والقنوط في القرآن والسنة ذم اليأس والقنوط في القرآن الكريم: وقال تعالى: قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٥ – ٥٦]. قال الطبري: (قال ضيف إبراهيم له: بشرناك بحقّ يقين، وعلم منَّا بأن الله قد وهب لك غلاما عليما، فلا تكن من الذين يقنطون من فضل الله فييأسون منه، ولكن أبشر بما بشرناك به واقبل البُشرى، .. - فقال - إبراهيم للضيف: ومن ييأس من رحمة الله إلا القوم الذين قد أخطأوا سبيل الصواب وتركوا قصد السبيل في تركهم رجاء الله، ولا يخيب من رجاه، فضلوا بذلك عن دين الله) (١). قال الواحدي: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ: من الآيسين، والقنوط: اليأس من الخير. قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ [الحجر: ٥٦] .. قال ابن عباس: يريد ومن ييئس من رحمة ربه إلا المكذبون، وهذا يدل على أن إبراهيم لم يكن قانطا، ولكنه استبعد ذلك، فظنت الملائكة به قنوطا، فنفى ذلك عن نفسه وأخبر أن القانط من رحمة الله ضال) (٢). وقال تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦]. قال السعدي: (يخبر تعالى عن طبيعة أكثر الناس في حالي الرخاء والشدة أنهم إذا أذاقهم الله منه رحمة من صحة وغنى ونصر ونحو ذلك فرحوا بذلك فرح بطر، لا فرح شكر وتبجح بنعمة الله. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي: حال تسوؤهم وذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من المعاصي. إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ييأسون من زوال ذلك الفقر والمرض ونحوه. وهذا جهل منهم وعدم معرفة) (٣). قال الماوردي: (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ فيه وجهان: أحدهما: أن القنوط اليأس من الرحمة والفرج, قاله الجمهور، الثاني: أن القنوط ترك فرائض الله في اليسر, قاله الحسن) (٤). قال البغوي: (إذا هم يقنطون، ييأسون من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن - فإنه يشكر الله عند النعمة ويرجو ربه عند الشدة) (٥). وقال تعالى قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣] قال السعدي: (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أي: لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار) (٦). وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [الشورى: ٢٨].

стр. 1036

قال ابن كثير: (وقوله: وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا أي: من بعد إياس الناس من نزول المطر، ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه، كقوله: وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ [الروم: ٤٩]. وهو الولي الحميد أي: هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله) (١). وقال تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ [فصلت: ٤٩]. قال الطبري: (فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ يقول: فإنه ذو يأس من روح الله وفرجه، قنوط من رحمته، ومن أن يكشف ذلك الشرّ النازل به عنه) (٢). ذم اليأس والقنوط في السنة النبوية: - عن أبي هريرة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنّ الله خلق الرّحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة. وأرسل في خلقه كلّهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكلّ الّذي عند الله من الرّحمة لم ييأس من الجنّة، ولو يعلم المسلم بكلّ الّذي عند الله من العذاب لم يأمن من النّار)) (٣). - وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ((لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك -أخطأ من شدة الفرح)) (٤). قال ابن حجر: (المذكور لما أيس من وجدان راحلته استسلم للموت فمن الله عليه برد ضالته) (٥). - وعن حذيفة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنّ رجلا حضره الموت، فلمّا يئس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا متّ فاجمعوا لي حطبا كثيرا وأوقدوا فيه نارا، حتّى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت فخذوها فاطحنوها ثمّ انظروا يوما راحا فاذروه في اليمّ، ففعلوا. فجمعه الله فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله له)) (٦). - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد)) (٧). قال بدر الدين العيني: (لم ييأس من الجنة من اليأس وهو القنوط .. - وقوله - (لم ييئس من الجنة) قلت: قيل: المراد أن الكافر لو علم سعة الرحمة لغطى على ما يعلمه من عظيم العذاب فيحصل له الرجاء، وقيل: المراد أن متعلق علمه بسعة الرحمة مع عدم التفاته إلى مقابلها يطمعه في الرحمة) (٨). - وعن ابن عباس- ﵄ أنه قال: ((إن رجلا قال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: الشرك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله)) (٩). - وعن فضالة بن عبيد- ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده، فلا تسأل عنهم. وثلاثة لا تسأل عنهم: رجل نازع الله- رداءه فإن رداءه الكبرياء وإزاره العزة، ورجل شك في أمر الله، والقنوط من رحمة الله)) (١٠).

стр. 1037

من أقوال السلف والعلماء في ذم اليأس والقنوط - قال علي بن أبي طالب –﵁: (الفقيه حقّ الفقيه: من لم يقنّط النّاس من رحمة الله ولم يرخّص لهم في معاصي الله، ولم يؤمّنهم من عذاب الله) (١). - وقال ابن مسعود: (الهلاك في اثنتين، القنوط، والعجب) (٢). - وقال أيضاً: (الكبائر ثلاث: اليأسُ من رَوْح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله) (٣). - وقال محمد بن سيرين: (الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله تعالى) (٤). - وقال أيضاً: (لا تيأس فتقنط فلا تعمل) (٥). - وقال سفيان بن عيينة: (من ذهب يقنط الناس من رحمة الله، أو يقنط نفسه فقد أخطأ) (٦). - وقال الطحاوي: (الأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة) (٧). - وقال البغوي: (القنوط من رحمة الله كبيرة كالأمن من مكره) (٨).

стр. 1038

حكم اليأس والقنوط أجمع العلماء على تحريم اليأس والقنوط، ومن اليأس والقنوط ما يخرج من الملة وهو ما انعدم معه الرجاء، ومنه مالا يخرج من الملة وإنما هو من الكبائر. وهما عموماً من أكبر الكبائر بل أشد تحريما من الكبائر الظاهرة كالزنا وجعلهما القرطبي في الكبائر بعد الشرك من حيث الترتيب (١). قال عبد الله بن مسعود ﵁: (الكبائر أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله) (٢). وقال العدوي: (الإياس من الكبائر) (٣). ما يباح من اليأس: اليأس ليس مذموما في كل الأحوال بل قد يتطلب في بعض المواضع منها: - اليأس مما في أيدي الناس: لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ مرفوعا: ((إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع ولا تكلم بكلام تعتذر منه واجمع الإياس مما في أيدي الناس)) (٤). قال الملا علي القاري: (وأجمع الإياس: المعنى اعزم على قطع اليأس أو أجمع خاطرك على قصد اليأس وترك الطمع مما في أيدي الناس أي قناعة بالكفاية المقدرة بالقسمة المحررة المقررة. في قوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف: ٣٢] إلى أن قال: وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٣٥] وفي الحديث إشارة إلى أن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس، وأن الغنى القلبي هو الإياس مما بأيدي الناس) (٥). قال ابن رجب: (كان عمر- ﵁ يقول في خطبته على المنبر: إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه) (٦). واليأس مما في أيدي الناس شرط لتحقيق الإخلاص قال ابن القيم: (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص) (٧). - ذكر نصوص الوعيد والعذاب لمن غلب رجاؤه وانهمك في المعاصي: قال البخاري: (كان العلاء بن زياد يذكر النار، فقال رجل لم تقنط الناس، قال: وأنا أقدر أن أقنط الناس، والله يقول: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣] ويقول وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر: ٤٣] ولكنكم تحبون أن تبشروا بالجنة على مساوئ أعمالكم، وإنما بعث الله محمدا ﷺ مبشرا بالجنة لمن أطاعه، ومنذرا بالنار من عصاه) (٨).

стр. 1039

أقسام اليأس من رحمة الله ١ - اليأس التام: وهذا يخرج من الإسلام إذا لم يوجد الرجاء معه تماما. ٢ - يأس ناقص: وهو يأس عصاة المسلمين بسب كثرة المعاصي وهذا لا يخرج من الملة ولكنه من كبائر الذنوب (١).

стр. 1040

آثار ومضار اليأس والقنوط ١ - اليأس والقنوط من صفات الكافر: قال تعالى: قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٥ - ٥٦]. وقال تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧]. قال السعدي: (يخبر تعالى عن طبيعة الإنسان، أنه جاهل ظالم بأن الله إذا أذاقه منه رحمة كالصحة والرزق، والأولاد، ونحو ذلك، ثم نزعها منه، فإنه يستسلم لليأس، وينقاد للقنوط) (١). قال ابن عطية: (اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين) (٢). ٢ - اليأس والقنوط ليس من صفات المؤمنين: قال البغوي: (إذا هم يقنطون، ييأسون من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن فإنه يشكر الله عند النعمة ويرجو ربه عند الشدة) (٣). قال القاسمي: (الجزع واليأس من الفرج عند مسّ شر قضى عليه. وكل ذلك مما ينافي عقد الإيمان) (٤). ٣ - اليأس والقنوط فيه تكذيب لله ولرسوله: قال ابن عطية: (اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين. إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى) (٥). قال القرطبي: (اليأس من رحمة الله، .. فيه تكذيب القرآن، إذ يقول وقوله الحق: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦] وهو يقول: لا يغفر له، فقد حجر واسعا. هذا إذا كان معتقدا لذلك، ولذلك قال الله تعالى: إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧]، وبعده القنوط، قال الله تعالى: وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ [الحجر: ٥٦]) (٦). ٤ - اليأس فيه سوء أدب مع الله : قال سيد العفاني: (الخوف الموقع في الإياس: إساءة أدب على رحمة الله التي سبقت غضبه وجهل بها) (٧). ٥ - سبب في الوقوع في الكفر والهلاك والضلال: قال القاسمي: (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً [الإسراء: ٨٣] إشارة إلى السبب في وقوع هؤلاء الضالين في أودية الضلال. وهو حب الدنيا وإيثارها على الأخرى، وكفران نعمه تعالى. بالإعراض عن شكرها، والجزع واليأس من الفرج عند مسّ شر قضى عليه) (٨). قال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني- في تفسير قوله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٥٩]-: (الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله تعالى) (٩). ٦ - الفتور والكسل عن فعل الطاعات والغفلة عن ذكر الله: قال ابن حجر الهيتمي: (القانط آيس من نفع الأعمال ومن لازم ذلك تركها) (١٠).

стр. 1041

قال فخر الدين الرازي: (وإذا مسه الشر كان يؤسا أي إذا مسه فقر أو مرض أو نازلة من النوازل كان يؤوسا شديد اليأس من رحمة الله ... إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها فنسي ذكر الله، وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر الله تعالى فهذا المسكين محروم أبدا عن ذكر الله) (١). ٧ - الاستمرار في الذنوب والمعاصي: قال أبو قلابة: (الرجل يصيب الذنب فيقول: قد هلكت ليس لي توبة فييأس من رحمة الله، وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، قال الله تعالى: إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧]) (٢). ٨ - سبب في الحرمان من رحمة الله ومغفرته: قال المباركفوري: (إن اعتقد أو ظن- الإنسان - أن الله لا يقبلها- أعماله - وأنها لا تنفعه فهذا هو اليأس من رحمة الله وهو من الكبائر ومن مات على ذلك وكل إلى ما ظن كما في بعض طرق حديث-: ((أنا عند ظن عبدي بي- فيظن بي عبدي ما شاء))) (٣). ٩ - سبب لفساد القلب: قال ابن القيم وهو يعدد الكبائر: (الكبائر: .. القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله .. ، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريما من الزنا، وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظاهرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها، والتوبة منها، وإلا فهو قلب فاسد، وإذا فسد القلب فسد البدن) (٤). ١٠ - ذهاب سكينة القلب والشعور الدائم بالحرمان والحزن والهم: قال عبد الله الجربوع: (اليأس من روح الله والقنوط من رحمته؛ يؤدي إلى ترك العمل، إذ لا فائدة منه بزعمه، وهذه طامة من الطوام وكبيرة من كبائر الذنوب، تُخرج القلب عن سكينته وأنسه إلى انزعاجه وقلقه وهمه) (٥). قال الشوكاني: (إذا مسه- الإنسان - الشر من مرض أو فقر كان يؤسا شديد اليأس من رحمة الله وإن فاز بالمطلوب الدنيوي، وظفر بالمقصود نسي المعبود، وإن فاته شيء من ذلك استولى عليه الأسف، وغلب عليه القنوط، وكلتا الخصلتين قبيحة مذمومة) (٦).

стр. 1042

صور اليأس والقنوط مظاهر وصور اليأس والقنوط كثيرة ومن هذه الصور: ١ - اليأس والقنوط من مغفرة الله للذنوب. ٢ - اليأس والقنوط من زوال الشدائد وتفريج الكروب. ٣ - اليأس من التغيير للأفضل: ويتمثل في يأس الإنسان من تحصيل ما يرجوه في أمر من أمور الدنيا كجاه أو مال أو زوجة أو أولاد وغيرهم. ٤ - اليأس من نصر الإسلام وارتفاع الذل والمهانة عن المسلمين. ٥ - اليأس والقنوط من توبة العصاة والتخذيل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ويكون التخذيل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدعوى عدم وجود تغير ملموس وفائدة، كما قال تعالى حكاية عن بعض الناس وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف: ١٦٤]. قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور، واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك، وأنكرت واعتزلتهم. وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه، ولكنها قالت للمنكرة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [الأعراف: ١٦٤]؟ أي: لم تنهون هؤلاء، وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله؟ فلا فائدة في نهيكم إياهم. قالت لهم المنكرة: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي: نفعل ذلك مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي: فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يقولون: ولعل بهذا الإنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه، ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم) (١) ..

стр. 1043

أسباب اليأس والقنوط ١ - الجهل بالله : قال ابن عادل: (القنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا عند الجهل بأمور: أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادرا عليه. وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالما باحتياج ذلك العبد إليه. وثالثها: أن يجهل كونه تعالى، منزها عن البخل، والحاجة. والجهل بكل هذه الأمور سبب للضلال، والقنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكره) (١). وقال ابن القيم: (الكبائر: .. القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله .. وتوابع هذه الأمور إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب، وترك القيام بها) (٢). ٢ - الغلو في الخوف من الله سبحانه وتعالي: قال ابن القيم: (لا يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط، واليأس من رحمة الله. فإن هذا الخوف مذموم، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: حد الخوف ما حجزك عن معاصي الله. فما زاد على ذلك: فهو غير محتاج إليه، وهذا الخوف الموقع في الإياس: إساءة أدب على رحمة الله تعالى، التي سبقت غضبه، وجهل بها) (٣). ولغلبة هذا الخوف على قلب اليائس أسباب منها: (إدراك قلبه من معاني الأسماء والصفات ما يدل على عظمة الله وجبروته وسرعة عقابه وشدة انتقامه، وحجب قلبه عن الأسماء الدالة على الرحمة واللطف والتوبة والمغفرة ... الخ، فيسيطر على القلب الخوف فيسلمه ذلك إلى اليأس من روح الله والقنوط من رحمته) (٤). ٣ - مصاحبة اليائسين والقانطين والمقنطين: فإن مصاحبة هؤلاء تورث اليأس والقنوط من رحمة الله إما مشابهة أوعقوبة للاختلاط بهم. ٤ - التعلق بالأسباب: قال فخر الدين الرازي: (الكافر يعتقد أن السبب في حصول تلك النعمة سبب اتفاقي الاتفاق أو بسبب أن الإنسان حصلها بسبب جده وجهده، فحينئذ لا يشتغل بشكر الله تعالى على تلك النعمة، ثم إنه يستبعد حدوث ذلك الاتفاق مرة أخرى فلا جرم يستبعد عود تلك النعمة فيقع في اليأس) (٥). ٥ - التشدد في الدين وترك الأخذ بالرخص المشروعة: قال المناوي: (قال الغزالي ﵀: هذا قاله – يقصد حديث إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته- تطييبا لقلوب الضعفاء حتى لا ينتهي بهم الضعف إلى اليأس والقنوط فيتركوا الميسور من الخير عليهم لعجزهم عن منتهى الدرجات فما أرسل إلا رحمة للعالمين كلهم على اختلاف درجاتهم وأصنافهم) (٦). ٦ - قلة الصبر واستعجال النتائج: إن ضعف النفوس عن تحمل البلاء والصبر عليه واستعجال حصول الخير يؤدي للإصابة باليأس والقنوط لاسيما مع طول الزمن واشتداد البلاء على الإنسان، فعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يزال يستجاب للعبد، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء)) (٧). قال القرطبي: (والقائل قد دعوت فلم أر يستجاب لي ويترك قانطا من رحمة الله وفي صورة الممتن على ربه ثم إنه جاهل بالإجابة فإنه يظنها إسعافه في عين ما طلب فقد يعلم الله تعالى أن في عين ما طلب مفسدة) (٨).

стр. 1044

وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: ((قد كان من قبلكم يؤخذ لرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)) (١). وقال ابن القيم: (من استطال الطَّرِيق ضعف مَشْيه وَمَا أَنْت بالمشتاق إِن قلت بَيْننَا ... طوال اللَّيَالِي أَو بعيد المفاوز) (٢). ٧ - تعلق القلب بالدنيا: فمن أسباب اليأس والقنوط الأساسية تعلق القلب بالدنيا والفرح بأخذها والحزن والتأسف على فواتها بكل ما فيها من جاه وسلطان وزوجة وأولاد ومال وعافية قال تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦]. ٨ - دنو الهمة والاستسلام للواقع وضعف الرغبة في التغيير: قال محمد بن إبراهيم الحمد: (اليأس من الإصلاح يقع فيه كثير من الناس فإذا عاين الشرور المتراكمة والمصائب والمحن والفتن ومن الفرقة والتناحر والاختلاف الذي يسري في صفوف المسلمين يأس من الإصلاح .. ومثل ذلك في شأن كثير من الناس ممن يسرف على نفسه بالمعاصي ويتيه في أودية الرذيلة فتجده ييأس من إصلاح حاله والرقي بها إلى الأمثل بل ربما ظن أن التغيير مستحيل .. وهذا كله مظهر من مظاهر دنو الهمة وصغر النفس والعجز عن مواجهة المتاعب والمصاعب) (٣). ٩ - التركيز على جانب الترهيب فقط في الدعوة إلى الله تعالى.

стр. 1045

الوسائل المعينة للتخلص من اليأس والقنوط ١ - الإيمان بأسماء الله وصفاته: أن العلم والإيمان بأسماء الله وصفاته وخاصة التي تدل على الرحمة والمغفرة والكرم والجود تجعل المسلم لا ييأس من رحمة الله وفضله، قال علوي السقاف: (إذا علم العبد وآمن بصفات الله من الرحمة، والرأفة، والتَّوْب، واللطف، والعفو، والمغفرة، والستر، وإجابة الدعاء؛ فإنه كلما وقع في ذنب؛ دعا الله أن يرحمه ويغفر له ويتوب عليه، وطمع فيما عند الله من سترٍ ولطفٍ بعباده المؤمنين، فأكسبه هذا رجعة وأوبة إلى الله كلما أذنب، ولا يجد اليأس إلى قلبه سبيلاً، كيف ييأس من يؤمن بصفات الصبر، والحلم؟! كيف ييأس من رحمة الله من علم أن الله يتصف بصفة الكرم، والجود، والعطاء) (١). ٢ - حسن الظن بالله ورجاء رحمته: قال السفاريني: (حال السلف رجاء بلا إهمال، وخوف بلا قنوط. ولابد من حسن الظن بالله تعالى) (٢). فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي، أقبلت إليه أهرول)) (٣). وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة)) (٤). قال الشافعي: ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي دون عفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما فإن تنتقم مني فلست بآيس ... ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما ولولاك لم يغوى بإبليس عابد ... فكيف وقد أغوى صفيك آدما وإني لآتي الذنب أعرف قدره ... وأعلم أن الله يعفو ترحما (٥) ٣ - تعلق القلب بالله والثقة به: لا بد على المرء أن يعلق قلبه بالله ويجعل الثقة به في كل أحواله و (لا يليق بالمسلم أن ييأس من روح الله ولا يقنط من رحمته، ولا يكون نظره مقصوراً على الأمور المادية والأسباب الظاهرة، بل يكون متلفتا في قلبه في كل وقت إلى مسبب الأسباب إلى الكريم الوهاب متحريا للفرج واثقا بأن الله سيجعل بعد العسر يسرا ومن هنا ينبعث للقيام بما يقدر عليه من النصح والإرشاد والدعوة ويقنع باليسير إذا لم يمكن الكثير وبزوال بعض الشر وتخفيفه إذا تعذر غير ذلك) (٦). ٤ - أن يكون بين الخوف والرجاء: قال تعالى في مدح عباده المؤمنين: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء: ٩٠].

стр. 1046

قال السفاريني: (نص الإمام - أحمد – ﵁: ينبغي للمؤمن أن يكون رجاؤه وخوفه واحدا. فأيهما غلب صاحبه هلك. وهذا هو العدل، ولهذا من غلب عليه حال الخوف أوقعه في نوع من اليأس والقنوط، إما في نفسه، وإما في أمور الناس، ومن غلب عليه حال الرجاء بلا خوف أوقعه في نوع من الأمن لمكر الله، إما في نفسه وإما في الناس) (١). ٥ - الإيمان بالقضاء والقدر: إذا علم المرء وأيقن أن كل ما حصل له هو بقضاء الله وقدره يستريح قلبه ولم ييأس لفوات شيء قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢]. وقال سبحانه: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن: ١١]. قال ابن القيم: (إذا جرى على العبد مقدور يكرهه فله فيه ستة مشاهد أحدها مشهد التوحيد وأن الله هو الذي قدره وشاءه وخلقه وما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن الثاني مشهد العدل وأنه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه الثالث مشهد الرحمة وأن رحمته في هذا المقدور غالبه لغضبه وانتقامه ورحمته حشوه الرابع مشهد الحكمة وأن حكمته سبحانه اقتضت ذلك لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا الخامس مشهد الحمد وأن له سبحانه الحمد التام على ذلك من جميع وجوهه السادس مشهد العبودية وأنه عبد محض من كل وجه تجري عليه أحكام سيده وأقضيته بحكم كونه ملكه وعبده فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه) (٢). ٦ - الصبر عند حدوث البلاء: وذلك أن الله سبحانه ذم اليائسين من رحمته عند حصول البلاء واستثنى من الذم الصابرين على البلاء وجعل لهم الثواب العظيم. فقال تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [هود: ٩ - ١١]. ونهى النبي ﷺ عن تمني الموت بسبب البلاء فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتمنين أحدكم الموت لضرر أصابه. فإن كان لا بد فاعلا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي)) (٣). ٧ - الدعاء مع الإيقان بالإجابة: قال تعالى عن نبيه يعقوب ﵇ لما عوتب في تذكر يوسف ﵊ بعد طول الزمان وانقطاع الأمل وحصول اليأس في رجوعه قال بلسان المؤمن الواثق في وعد الله برفع البلاء عن الصابرين وإجابة دعوة المضطرين قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [يوسف: ٨٦]. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه)) (٤).

стр. 1047

وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: ((لا يزال يستجاب للعبد، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل)) (١). قال القرطبي:- ينبغي - (استدامة الدعاء وترك اليأس من الإجابة وداوم رجائهما واستدامة الإلحاح في الدعاء فإن الله يحب الملحين في الدعاء) (٢). والمرء مع إلحاحه في الدعاء عليه أن يوقن بأن (النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا) (٣). ٨ - الأخذ بالأسباب: يظهر لنا جلياً في قصة يوسف ﵇ الأخذ بالأسباب وترك الاستسلام لليأس فقد قال نبي الله يعقوب ﵇ لأولاده لما أبلغوه فقد ابنه الثاني: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧]. قال السعدي: (ورد النهي عن تمني الموت للضر الذي ينزل بالعبد، من مرض أو فقر أو خوف، أو وقوع في شدة ومهلكة، أو نحوها من الأشياء. فإن في تمني الموت لذلك مفاسد. .. منها: أنه يضعف النفس، ويحدث الخور والكسل. ويوقع في اليأس، والمطلوب من العبد مقاومة هذه الأمور والسعي في إضعافها وتخفيفها بحسب اقتداره، وأن يكون معه من قوة القلب وقوة الطمع في زوال ما نزل به. وذلك موجب لأمرين: اللطف الإلهي لمن أتى بالأسباب المأمور بها، والسعي النافع الذي يوجبه قوة القلب ورجاؤه .. فيجعل العبد الأمر مفوضا إلى ربه الذي يعلم ما فيه الخير والصلاح له، الذي يعلم من مصالح عبده ما لا يعلم العبد، ويريد له من الخير ما لا يريده، ويلطف به في بلائه كما يلطف به في نعمائه) (٤). ٩ - الزهد في الدنيا: فمن أسباب اليأس والقنوط الأساسية تعلق القلب بالدنيا والفرح بأخذها والحزن والتأسف على فواتها بكل ما فيها من جاه وسلطان وزوجة وأولاد ومال وعافية .. الخ فاعلم أن الله سبحانه يعطي الدنيا لمن لا يحب ومن يحب ولا يعطي الآخرة إلا لمن أحب وقد منع أحب الخلق إليه وأكرمهم عليه نبينا محمد ﷺ الدنيا وما فيها فخرج وما ملأ بطنه من خبز البر ثلاث أيام متواليات، وأن المرء لن يأخذ أكثر مما قدر له فلا ييأس ولا يقنط لفوات شيء.

стр. 1048

قصص في اليأس والقنوط إذا استحكم اليأس والقنوط من زوال البلاء عجزت النفوس وضاقت السبل وضاعت الحيل حتى تعجز الأقدام عن حمل أصحابها ومن تلك القصص: ١ - قصة نبي الله يعقوب ﵇: فقصة نبي الله يعقوب عند فقد ابنه يوسف عليهما الصلاة والسلام درس عظيم في ترك اليأس وحسن الظن بالله والصبر على البلاء ورجاء الفرج من الله في عدة مواضع منها: - عندما جاءه نعي أحب أولاده إليه يوسف ﵊ وهذا أعظم المصائب على قلب الأب لم يفقد صوابه وقابل قدر الله النازل بالصبر والاستعانة والحلم والاستكانة بالله سبحانه في رفعه. قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف: ١٨] - ولما عظمت المصيبة بفقد ابنه الثاني ازداد صبره وعظم رجاؤه في الفرج من الله سبحانه فقال لأبنائه قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف: ٨٣]. - حين عوتب في تذكر يوسف ﵊ بعد طول الزمان وانقطاع الأمل وحصول اليأس في رجوعه قال بلسان المؤمن الواثق في وعد الله برفع البلاء عن الصابرين وإجابة دعوة المضطرين قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [يوسف: ٨٦]. - وأخذ بالأسباب في السعي والبحث عن يوسف وأخيه فقال لأبنائه: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧]. - فكانت العاقبة لمن صبر وأمل ورضي ولم يتسخط قال تعالى: فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ من عند الحبيب مبشراً باللقاء القريب أَلْقَاهُ قميص يوسف عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا فرجع البصر وبلغ الأمل وزال الكرب وحصل الثواب لمن صبر ورضي وأناب قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [يوسف: ٩٦]. ٢ - ذكر التنوخي بسنده عن: (عبيد الله بن سليمان، يقول في وزارته: قال: لي أبي: كنت يوما في حبس محمد بن عبد الملك الزيات، في خلافة الواثق، آيس ما كنت من الفرج، وأشد محنة وغما، حتى وردت علي رقعة أخي الحسن بن وهب، وفيها شعر له: محن أبا أيوب أنت محلها ... فإذا جزعت من الخطوب فمن لها إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره فيك يحسن حلها فاصبر فإن الله يعقب فرجة ... ولعلها أن تنجلي ولعلها وعسى تكون قريبة من حيث لا ... ترجو وتمحو عن جديدك ذلها قال: فتفاءلت بذلك، وقويت نفسي، فكتبت إليه: صبرتني ووعظتني وأنالها ... وستنجلي بل لا أقول لعلها ويحلها من كان صاحب عقدها ... ثقة به إذ كان يملك حلها قال: فلم أصل العتمة ذلك اليوم، حتى أطلقت، فصليتها في داري، ولم يمض يومي ذاك، حتى فرج الله عني، وأطلقت من حبسي، وروي أن هاتين الرقعتين وقعتا بيد الواثق، الرسالة والجواب، فأمر بإطلاق سليمان، وقال والله، لا تركت في حبسي من يرجو الفرج، ولا سيما من خدمني، فأطلقه على كره من ابن الجراح الزيات لذلك) (١). ٣ - من يائس من تعلم علم النحو إلى إمام فيه: قال الشيخ ابن عثيمين: (قد حدثني شيخنا المثابر عبد الرحمن السعدي ﵀ أنه ذكر عن الكسائي إمام أهل الكوفة في النحو أنه طلب النحو فلم يتمكن، وفي يوم من الأيام وجد نملة تحمل طعاماً لها وتصعد به إلى الجدار وكلما صعدت سقطت، ولكنها ثابرت حتى تخلصت من هذه العقبة وصعدت الجدار، فقال الكسائي: هذه النملة ثابرت حتى وصلت الغاية، فثابر حتى صار إماماً في النحو، فينبغي أن نثابر ولا نيأس فإن اليأس معناه سد باب الخير، وينبغي لنا ألا نتشاءم بل نتفاءل وأن نعد أنفسنا خيراً) (٢).

стр. 1049

كلمات في اليأس والقنوط أخي الكريم لا تيأس ولا تقنط فإن: ١ - المؤمن يذنب ويتوب ووعد سبحانه بأنه يغفر لمن تاب. ٢ - كتب ربكم على نفسه الرحمة. ٣ - يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرت الله غفر لك. ٤ - الذي خلقك هو أعلم بما يصلحك. ٥ - ليس دوما يبتلى العبد ليعذب بل ليصطفى ويهذب. ٦ - إنما يوجد الذهب في بطون الجبال لا في قارعة الطريق فتأمل. ٧ - يأس من قبلك فضاع عمره وفسد قلبه وتنكدت حياته فاحذر. ٨ - تفاءل بالخير تجده. ٩ - لا تنظر للنصف الفارغ من الكوب. ١٠ - إن مع العسر يسرا ولن يغلب عسرا يسرين. ١١ - لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر. ١٢ - أنعم الله عليك فلا تنكر نعم الله. ١٣ - ميزك الله بقدرات ليست فيمن حولك فحاول أن تكتشفها. ١٤ - لا تيأس ولا تقنط؛ فالأذان رفع فوق الكعبة بعد سنين من بعثة النبي ﷺ . - وكان يقال لو أسلم حمار الخطاب لأسلم عمر، ثم كان الفاروق. - ويتحول الفضيل بن عياض من لص قاطع الطريق إلى إمام في الدين. - ويُرفع الصليب على المسجد الأقصى تسعون سنة ثم يُرفع فيه الأذان. - ويُنصر المسلمون على التتار بعد ٤١ عاماً من القتل والأسر والتشريد. وهكذا دواليك ...

стр. 1050

اليأس والقنوط في واحة الشعر .. قال ابن دريد: أنشدني أبو حاتم السجستاني: إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيب وأوطأت المكاره واطمأنت ... وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضر وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب أتاك على قنوط منك غوث ... يمن به اللطيف المستجيب وكل الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها الفرج القريب (١) وقال آخر: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنها لا تفرج (٢) وقال ابن القيم: بالله أبلغ ما أسعى وأدركه ... لابي ولا يشفع لي من الناس إذا أيست وكاد اليأس يقطعني ... جاء الرجا مسرعا من جانب اليأس (٣) وقال النابغة: واليأس مما فات يعقب راحة ... ولرب مطمعة تكون ذباحاً (٤) وقال القحطاني: ولأحسمن عن الأنام مطامعي ... بحسام يأس لم تشبه بناني (٥) ...