← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أشر الكبر يحدثنا الإمام الذهبي عن أشر أنواعه فيقول: (وأشر الكبر الذي فيه من يتكبر على العباد بعلمه ويتعاظم في نفسه بفضيلته فإن هذا لم ينفعه علمه فإن من طلب العلم للآخرة كسره علمه وخشع قلبه واستكانت نفسه وكان على نفسه بالمرصاد فلا يفتر عنها بل يحاسبها كل وقت ويتفقدها فإن غفل عنها جمحت عن الطريق المستقيم وأهلكته ومن طلب العلم للفخر والرياسة وبطر على المسلمين وتحامق عليهم وازدراهم فهذا من أكبر الكبر ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (١).

стр. 982

الوسائل المعينة على ترك الكبر هذا وعلاج التكبر - بحيث تطهر منه النفس، ولا يعود إليها مرة أخرى - إنما يكون باتباع الأساليب والوسائل التالية: ١. تذكير النفس بالعواقب والآثار المترتبة على التكبر، سواء كانت عواقب ذاتية أو متصلة بالعمل الإسلامي، وسواء كانت دنيوية أو أخروية على النحو الذي قدمنا، فلعل هذا التذكير يحرك النفس من داخلها، ويحملها على أن تتوب، وتتدارك أمرها قبل ضياع العمر وفوات الأوان. ٢. عيادة المرضى، ومشاهدة المحتضرين وأهل البلاء وتشييع الجنائز، وزيارة القبور، فلعل ذلك أيضاً يحركه من داخله، ويجعله يرجع إلى ربه بالإخبات، والتواضع. ٣. الانسلاخ من صحبة المتكبرين، والارتماء في أحضان المتواضعين المخبتين، فربما تعكس هذه الصحبة بمرور الأيام شعاعها عليه، فيعود له سناؤه، وضياؤه الفطري كما كان عند ولادته. ٤. مجالسة ضعاف الناس وفقرائهم، وذوى العاهات منهم، بل ومؤاكلتهم ومشاربتهم، كما كان يصنع النبي ﷺ وصحبه الكرام، وكثير من السلف، فإن هذا مما يهذب النفس ويجعلها تقلع عن غيها، وتعود إلى رشدها. ٥. التفكر في النفس، وفي الكون، بل وفي كل النعم التي تحيط به من أعلاه إلى أدناه، مَن مصدر ذلك كله؟ ومن ممسكه؟ وبأي شيء استحقه العباد؟ وكيف تكون حاله لو سلبت منه نعمة واحدة فضلاً عن باقي النعم؟؟؟ فإن ذلك التفكر لو كانت معه جدية، يحرك النفس ويجعلها تشعر بخطر ما هي فيه، إن لم تبادر بالتوبة والرجوع إلى ربها. ٦. النظر في سير وأخبار المتكبرين، كيف كانوا؟ وإلى أي شيء صاروا؟ من إبليس والنمرود إلى فرعون، إلى هامان، إلى قارون، إلى أبي جهل، إلى أبي بن خلف، إلى سائر الطغاة والجبارين والمجرمين، في كل العصور والبيئات فإن ذلك مما يخوف النفس ويحملها على التوبة والإقلاع، خشية أن تصير إلى نفس المصير، وكتاب الله وسنة النبي ﷺ وكتب التراجم والتاريخ خير ما يعين على ذلك. ٧. حضور مجالس العلم التي يقوم عليها علماء ثقات نابهون، لاسيما مجالس التذكير والتزكية، فإن هذه المجالس لا تزال بالقلوب حتى ترق وتلين وتعود إليها الحياة من جديد. ٨. حمل النفس على ممارسة بعض الأعمال التي يتأفف منها كثير من الناس ممارسة ذاتية ما دامت مشروعة، كأن يقوم هذا المتكبر بشراء طعامه وشرابه وسائر ما يلزمه بنفسه، ويحرص على حمله والمشي به بين الناس، حتى لو كان له خادم، على نحو ما كان يصنع النبي ﷺ وصحبه والسلف، فإن هذا يساعد كثيراً في تهذيب النفس وتأديبها، والرجوع بها إلى سيرتها الأولى الفطرية، بعيداً عن أي التواء أو اعوجاج. ٩. الاعتذار لمن تعالى وتطاول عليهم بسخرية أو استهزاء، بل ووضع الخد على التراب وإلصاقه به، وتمكينه من القصاص على نحو ما صنع أبو ذر مع بلال لما عاب عليه النبي ﷺ تعييره بسواد أمه. ١٠. إظهار الآخرين بنعمة الله عليهم، وتحدثهم بها - لاسيما أمام المستكبرين - علهم يثوبون إلى رشدهم وصوابهم، ويتوبون ويرجعون إلى ربهم، قبل أن يأتيهم أمر الله. ١١. التذكير دوماً بمعايير التفاضل والتقدم في الإسلام: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣]. ((كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله - تعالى - من الجعلان)) (١).

стр. 983

١٢. المواظبة على الطاعات: فإنها إذا واظب عليها، وكانت متقنة لا يراد بها إلا وجه الله، طهرت النفس من كل الرذائل، بل زكتها (١). أقوال الأدباء في ذم الكبر والمتكبرين - الكبر قائد البغض. - التعزز بالتكبر ذل. - الكبر فضل حمقٍ، لم يدر صاحبه أين يضعه. - التكبر على الملوك تعرضٌ للحتوف، وعلى الأنذال من ضعة النفس، وعلى الأكفاء جهلٌ عظيمٌ وسخف. - من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه. - الكبر داءٌ يعدي. - الإفراط في الكبر يوجب البغضة، كما أن الإفراط في التواضع يوجب الذلة. - قال ابن المعتز: لما عرف أهل النقص حالهم عندي ذوي الكمال استعانوا بالكبر، ليعظم صغيراً، ويرفع حقيراً وليس بفاعلٍ. - ووصف بليغٌ متكبراً فقال: كأن كسرى حامل غاشيته. وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكأن يوسف لم ينظر إلا بمقلته، ولقمان لم ينطق إلا بحكمته. (٢). - وكان يقال: من عرف حق أخيه دام له إخاؤه، ومن تكبر على الناس ورجا أن يكون له صديق فقد غر نفسه. - وقيل: ليس للجوج تدبير، ولا لسيئ الخلق عيش، ولا لمتكبر صديق. (٣) - وقال بعضهم: من أثبت لنفسه تواضعاً، فهو المتكبر حقاً، إذ ليس التواضع إلا عن رفعة، فمتى أثبت لنفسك تواضعاً فأنت من المتكبرين (٤).

стр. 984

ذم الكبر والمتكبرين في واحة الشعر .. قال منصور الفقيه: تتيه وجسمك من نطفةٍ ... وأنت وعاءٌ لما تعلم (١) وقال آخر: جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأخلاق المماليك (٢) وقال آخر: وَكم ملكٍ قاسي العقاب مُمَنَّعٍ ... قديرٍ على قبض النُّفُوسِ مُطاعِ أَراهُ فَيَعْديِنِي مِنَ الْكِبْرِ ما بِهِ ... فَأُكْرِمُ عَنْهُ شِيمَتِي وَطِباعِي (٣) وقال آخر: كم جاهل متواضع ... ستر التوضع جهله ومميز في علمه ... هدم التكبر فضله فدع التكبر ما حييت ... ولا تصاحب أهله فالكبر عيب للفتى ... أبدا يقبح فعله وأنشد ثعلب: ولا تأنفا أن تسألا وتسلما ... فما حشي الإنسان شرا من الكبر (٤) وقال محمود الوراق: التِّيه مَفسدة للدِّين منقصة ... للعَقل لمجلبة للذمّ والسخَطِ مَنْع العطاء وبَسْط الوجه أحسنُ من ... بَذْل العطاء بوَجْه غير منبسط (٥) وقال أيضاً: بِشْرُ البخيلِ يكاد يصْلِح بُخلَه ... والتِّيهُ مَفْسدة لكلِّ جوادِ ونقيصة تبْقى على أيامه ... ومَسبَّة في الأهل والأولاد (٦) وقال آخر في الكِبر: مع الأرض يا بنَ الأرض في الطَيران ... أَتأْمُل أن تَرْقَى إلى الدَبَرَانِ فوالله ما أبصرتُ يوماً مُحلِّقاً ... ولو حَلَّ بين الجَدْي والسَّرطان حَمَاهُ مكانُ البُعد مِن أَن تَناله ... بسَهْم من البَلْوى يدُ الحَدثان (٧) وقال الحيص بيص: فتى لم يكن جَهْما ولا ذا فَظاظةٍ ... ولا بالقَطوبِ الباخل المتكبّرِ ولكن سَموحاً بالوداد وبالنَّدى ... ومبتسماً في الحادث المتنمِّرِ (٨) وقال أيضاً: وَيَكْبُرُ قَدْراً أَنْ يُرى مُتَكَبِّراً ... وَيَعْظُمُ مَجْداً أَنْ يِتَيهَ مَعَ الْعُظْمِ وَيَكْرُمُ عَدْلاً أَنْ يميلَ بِه الْهَوى ... وَيَشْرُفُ نَفْساً أنْ يَلَذَّ مَعَ الإثْمِ ...

стр. 985

معنى الكذب لغة واصطلاحاً: معنى الكذب لغة: قال ابن منظور: (الكَذِبُ نقيضُ الصِّدْقِ كَذَبَ يَكْذِبُ كَذِباً ... تقول كذَّبت الرجل إذا نسبته إلى الكذب وأكْذَبتُه إذا أخبرت أن الذي يحدث به كذب) (١). معنى الكذب اصطلاحاً: هو الأخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمدا أم خطأ (٢). وقال النووي: (الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، عمدا كان أو سهوا، سواء كان الإخبار عن ماض أو مستقبل) (٣).

стр. 986

الألفاظ المترادفة للكذب من الألفاظ المترادفة للكذب: (الميْن، والزُّور، والتَّخرُّص، والإفك، والباطل، والخطل، والفند، والتَّزيَّد، واللفت، والانتحال، والبَهت) (١).

стр. 987

الفرق بين الكذب وبعض الألفاظ المترادفة الفرق بين الخرص والكذب: (أن الخرص هو الحزر وليس من الكذب في شيء والخرص ما يحزر من الشيء يقال كم خرص نخلك أي كم يجئ من ثمرته وإنما استعمل الخرص في موضع الكذب لأن الخرص يجري على غير تحقيق فشبه بالكذب واستعمل في موضعه. وأما التكذيب فالتصميم على أن الخبر كذب بالقطع عليه ونقيضه التصديق) (١). الفرق بين الكذب والافتراء والبهتان: (الكذب: هو عدم مطابقة الخبر للواقع، أو لاعتقاد المخبر لهما على خلاف في ذلك. والافتراء: أخص منه، لأنه الكذب في حق الغير بما لا يرتضيه، بخلاف الكذب فإنه قد يكون في حق المتكلم نفسه، ولذا يقال لمن قال: (فعلت كذا ولم أفعل كذا) مع عدم صدقه في ذلك: هو كاذب، ولا يقال: هو مفتر، وكذا من مدح أحدا بما ليس فيه، يقال: إنه كاذب في وصفه، ولا يقال: هو مفتر، لأن في ذلك مما يرتضيه المقول فيه غالبا. وقال سبحانه حكاية عن الكفار: افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا [الأنعام: ٩٣] لزعمهم أنه أتاهم بما لا يرتضيه الله سبحانه مع نسبته إليه. وأيضا قد يحسن الكذب على بعض الوجوه، كالكذب في الحرب، وإصلاح ذات البين، وعدة الزوجة، كما وردت به الرواية، بخلاف الافتراء. وأما البهتان: فهو الكذب الذي يواجه به صاحبه على وجه المكابرة له) (٢). الفرق بين الكذب والإفك: (الكذب: اسم موضوع للخبر الذي لا مخبر له على ما هو به، وأصله في العربية التقصير ومنه قولهم كذب عن قرنه في الحرب إذا ترك الحملة عليه وسواء كان الكذب فاحش القبح أو غير فاحش القبح. والإفك: هو الكذب الفاحش القبح مثل الكذب على الله ورسوله أو على القرآن ومثل قذف المحصنة وغير ذلك مما يفحش قبحه وجاء في القرآن على هذا الوجه قال الله تعالى وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الجاثية: ٧]) (٣). الفرق بين الخلف والكذب: (الكذب فيما مضى، وهو أن تقول فعلت كذا، ولم تفعله! والخلف لما يستقبل: وهو أن تقول: سأفعل كذا ولا تفعله) (٤).

стр. 988

ذم الكذب في القرآن والسنة ذم الكذب والنهي عنه في القرآن الكريم: - قال الله تعالى: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النحل: ١٠٥]. (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ على الله وعلى رسوله شِرارُ الخلق، الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس) (١). - وقال سبحانه: وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الجاثية: ٧]. (أي: كذاب في مقاله أثيم في فعاله. وأخبر أن له عذابا أليما وأن مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ [الجاثية: ١٠] تكفي في عقوبتهم البليغة) (٢). - وقال : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣]. ٧ - وقال سبحانه: لَوْلا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور: ١٣]. - وقال في وصف المنافقين: أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ [الحشر: ١١ - ١٢]. قال السعدي في قوله: وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [التوبة: ١٠٧]: (في هذا الوعد الذي غروا به إخوانهم، ولا يستكثر هذا عليهم، فإن الكذب وصفهم، والغرور والخداع مقارنهم، والنفاق والجبن يصحبهم، ولهذا كذبهم الله بقوله، الذي وجد مخبره كما أخبر الله به، ووقع طبق ما قال، فقال: لَئِنْ أُخْرِجُوا من ديارهم جلاء ونفيا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ لمحبتهم للأوطان، وعدم صبرهم على القتال، وعدم وفائهم بوعدهم) (٣). ذم الكذب والنهي عنه في السنة النبوية: (الكذب رذيلة محضة تنبئ عن تغلغل الفساد في نفس صاحبها، وعن سلوك ينشئ الشر إنشاء، ويندفع إلى الإثم من غير ضرورة مزعجة، أو طبيعة قاهرة) (٤). ولقد حذر الإسلام من الكذب ونهى عنه: - فعن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) (٥). - وعنه أيضاً- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)) (٦). قال ابن الجوزي: (فيه تأويلان أحدها أن يروي ما يعلمه كذبا ولا يبينه فهو أحد الكاذبين والثاني أن يكون المعنى بحسب المرء أن يكذب لأنه ليس كل مسموع يصدق به فينبغي تحديث الناس بما تحتمله عقولهم) (٧). - وعن صفوان بن سليم أنه قال: ((قيل لرسول الله ﷺ أيكون المؤمن جبانا فقال نعم فقيل له أيكون المؤمن بخيلا فقال نعم فقيل له أيكون المؤمن كذابا فقال لا)) (٨).

стр. 989

- وعن ثابت بن الضحاك- ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم)) (١). (ومعنى الحديث النهي عن الحلف بما حلف به من ذلك والزجر عنه، وتقدير الكلام: من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا، فهو كما قال، يعنى فهو كاذب حقا، لأنه حين حلف بذلك ظن أن إثم الكذب واسمه ساقطان عنه لاعتقاده أنه لا حرمة لما حلف به، لكن لما تعمد ترك الصدق في يمينه، وعدل عن الحق في ذلك، لزمه اسم الكذب، وإثم الحلف، فهو كاذب كذبتين: كاذب بإظهار تعظيم ما يعتقد خلافه، وكذب بنفيه ما يعلم إثباته أو بإثبات ما يعلم نفيه. فإن ظن ظان أن في هذا الحديث دليل على إباحة الحلف بملة غير الإسلام صادقا لاشتراطه في الحديث أن يحلف به كاذبا، قيل له: ليس كما توهمت، لورود نهي النبي، ﷺ ، عن الحلف بغير الله نهيا مطلقا، فاستوى في ذلك الكاذب والصادق، وفي النهي عنه) (٢). - وعن أبي محمد، الحسن بن علي بن أبي طالب- ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة)) (٣). قال ابن رجب: (يشير إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل كما قال في حديث وابصة: ((وإن أفتاك الناس وأفتوك)) (٤) وإنما يعتمد على قول من يقول الصدق، وعلامة الصدق أنه تطمئن به القلوب، وعلامة الكذب أنه تحصل به الريبة، فلا تسكن القلوب إليه، بل تنفر منه. ومن هنا كان العقلاء في عهد النبي ﷺ إذا سمعوا كلامه وما يدعو إليه، عرفوا أنه صادق، وأنه جاء بالحق، وإذا سمعوا كلام مسيلمة، عرفوا أنه كاذب، وأنه جاء بالباطل، وقد روي أن عمرو بن العاص سمعه قبل إسلامه يدعي أنه أنزل عليه: يا وبر يا وبر، لك أذنان وصدر، وإنك لتعلم يا عمرو، فقال: والله إني لأعلم أنك تكذب) (٥).

стр. 990

أقوال السلف والعلماء في الكذب - قال عمر بن الخطاب- ﵁: (لأن يضعني الصدق- وقلما يضع- أحب إلي من أن يرفعني الكذب، وقلما يفعل) (١). - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (أعظم الخطايا الكذب، ومن يعف يعف الله عنه) (٢). - وروي عنه أيضاً أنه قال: (الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل) (٣). - وكان ابن عباس يقول: (الكذب فجور، والنميمة سحرٌ، فمن كذب فقد فجر، ومن نم فقد سحر) (٤). - وقال ابن عمر: (زعموا زاملة الكذب) (٥). - وقال الأحنف: (ما خان شريفٌ ولا كذب عاقلٌ ولا اغتاب مؤمنٌ. وكانوا يحلفون فيحنثون ويقولون فلا يكذبون) (٦). - وقال أيضاً: (اثنان لا يجتمعان أبداً: الكذب والمروءة) (٧). - وقال ميمون بن ميمون: (من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه) (٨). - وقال ابن القيم: (إياك والكذب؛ فإنه يفسد عليك تصور المعلومات على ما هي عليه، ويفسد عليك تصويرها وتعليمها للناس) (٩).

стр. 991

ما يباح من الكذب الأصل في الكذب عدم الجواز لكن هنالك حالات يباح فيها الكذب وهي كالآتي: ١ - (في الحرب؛ لأن الحرب خدعة، ومقتضياتها تستدعي التمويه على الأعداء، وإيهامهم بأشياء قد لا تكون موجودة، واستعمال أساليب الحرب النفسية ما أمكن، ولكن بصورة ذكية لبقة. ٢ - في الصلح بين المتخاصمين؛ حيث إن ذلك يستدعي أحياناً أن يحاول المصلح تبرير أعمال كل طرف وأقواله بما يحقق التقارب ويزيل أسباب الشقاق، وأحياناً ينسب إلى كل من الأقوال الحسنة في حق صاحبه ما لم يقله، وينفي عنه بعض ما قاله؛ وهو ما يعوق الصلح ويزيد شقة الخلاف والخصام. ٣ - في الحياة الزوجية؛ حيث يحتاج الأمر أحياناً إلى أن تكذب الزوجة على زوجها، أو يكذب الزوج على زوجته، ويخفي كل منهما عن الآخر ما من شأنه أن يوغر الصدور، أو يولد النفور، أو يثير الفتن والنزاع والشقاق بين الزوجين، كما يجوز أن يزف كل منهما للآخر من معسول القول ما يزيد الحب، ويسر النفس، ويجمل الحياة بينهما، وإن كان ما يقال كذباً؛ لأن هذا الرباط الخطير يستحق أن يهتم به غاية الاهتمام، وأن يبذل الجهد الكافي ليظل قوياً جميلاً مثمراً) (١). فعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن النبي ﷺ أخبرته: أنها سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرا وينمي خيرا)). قال ابن شهاب ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. (٢).

стр. 992

آثار ومضار الكذب ١ - الكذب وسيلة لدمار صاحبه أمما وأفرادا. ٢ - الكذب سراب يقرب البعيد ويبعد القريب. ٣ - الكذب يذهب المروءة والجمال والبهاء. ٤ - الكاذب مهان ذليل. ٥ - الأمم التي كذبت الرسل لاقت مصيرها من الدمار والهلاك. ٦ - يورث فساد الدين والدنيا. ٧ - دليل على خسة النفس ودناءتها. ٨ - احتقار الناس له وبعدهم عنه (١). ٩ - (الكاذب يصور المعدوم موجودا والموجود معدوما. والحق باطلا، والباطل حقا، والخير شرا والشر خيرا، فيفسد عليه تصوره وعلمه عقوبة له، ثم يصور ذلك في نفس المخاطب) (٢). ١٠ - الكذاب لص؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك. ١١ - الكذب فجور. ١٢ - الكذاب لا تسكن القلوب إليه بل تنفر منه. ١٣ - الكذاب لا يفلح أبداً. ١٤ - الكذب من علامات النفاق. ١٥ - الكذاب توعده الله بجهنم.

стр. 993

صور الكذب للكذب صور كثيرة منها: ١ - الكذب على الله تعالى ورسوله: وهذا أعظم أنواع الكذب، (والكذب على الله نوعان: النوع الأول أن يقول: قال الله كذا، وهو يكذب. والنوع الثاني: أن يفسر كلام الله بغير ما أراد الله، لأن المقصود من الكلام معناه، فإذا قال: أراد الله بكذا كذا وكذا، فهو كاذب على الله، شاهد على الله بما لم يرده الله ، لكن الثاني إذا كان عن اجتهاد وأخطأ في تفسير الآية فإن الله تعالى يعفو عنه؛ لأن الله قال: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨] وقال: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] وأما إذا تعمد أن يفسر كلام الله بغير ما أراد الله، اتباعاً لهواه أو إرضاء لمصالح أو ما أشبه ذلك، فإنه كاذب على الله (١). وقال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام: ٩٣]. (يقول تعالى: لا أحد أعظم ظلما، ولا أكبر جرما، ممن كذب على الله. بأن نسب إلى الله قولا أو حكما وهو تعالى بريء منه، وإنما كان هذا أظلم الخلق، لأن فيه من الكذب، وتغيير الأديان أصولها، وفروعها، ونسبة ذلك إلى الله ما هو من أكبر المفاسد. ويدخل في ذلك، ادعاء النبوة، وأن الله يوحي إليه، وهو كاذب في ذلك، فإنه -مع كذبه على الله، وجرأته على عظمته وسلطانه يوجب على الخلق أن يتبعوه، ويجاهدهم على ذلك، ويستحل دماء من خالفه وأموالهم. ويدخل في هذه الآية، كل من ادعى النبوة، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي والمختار، وغيرهم ممن اتصف بهذا الوصف) (٢). قال الله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠]. وقال سبحانه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ... [الأعراف: ٣٧]. وقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣]. وقال الرسول ﷺ ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) (٣). وقال: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين)) (٤). (وأكثر الناس كذبًا على رسول الله هم الرافضة الشيعة، فإنه لا يوجد في طوائف أهل البدع أحد أكثر منهم كذبًا على رسول الله ﷺ ، كما نص على هذا علماء مصطلح الحديث ﵏، لما تكلموا على الحديث الموضوع قالوا: إن أكثر من يكذب على الرسول هم الرافضة الشيعة، وهذا شيء مشاهد ومعروف لمن تتبع كتبهم) (٥). ٢ - الكذب على الناس:

стр. 994

(كذب يظهر الإنسان فيه أنه من أهل الخير والصلاح والتقى والإيمان وهو ليس كذلك، بل هو من أهل الكفر والطغيان والعياذ بالله، فهذا هو النفاق، النفاق الأكبر الذين قال الله فيهم: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨] لكنهم يقولون بألسنتهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون، وشواهد ذلك في القرآن والسنة كثيرة، إنهم - أعني المنافقين أهل الكذب يكذبون على الناس في دعوى الإيمان وهم كاذبون، وانظر إلى قول الله تعالى في سورة (المنافقون) حيث صدر هذه السورة ببيان كذبهم حيث قال تعالى: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون: ٢] أكدوا هذه الجملة بكم مؤكد؟ بثلاثة مؤكدات، (نشهد) (إن) (اللام) ثلاثة مؤكدات، يؤكدون أنهم يشهدون أن محمدًا رسول الله، فقال الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١] في قولهم (نشهد إنك لرسول الله) هذا أيضًا من أنواع الكذب، وهو أشد أنواع الكذب على الناس؛ لأن فاعله والعياذ بالله منافق) (١). ٣ - الكذب في الحديث بين الناس: (الكذب في الحديث الجاري بين الناس يقول: قلت لفلان كذا وهو لم يقله، قال فلان كذا وهو لم يقله، جاء فلان وهو لم يأت وهكذا، هذا أيضاً محرم ومن علامات النفاق كما قال النبي ﷺ : ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب ... )) (٢)) (٣). ٤ - كذب الحكام على الشعوب: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة: الشيخ الزاني، والإمام الكاذب، والعائل المزهو)) (٤). ٥ - الكذب لإضحاك الناس: روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ويل له ويل له)) (٥). قال المناوي في شرحه للحديث: (كرره إيذانا بشدة هلكته؛ وذلك لأن الكذب وحده رأس كل مذموم، وجماع كل فضيحة، فإذا انضم إليه استجلاب الضحك الذي يميت القلب ويجلب النسيان ويورث الرعونة كان أقبح القبائح، ومن ثم قال الحكماء: إيراد المضحكات على سبيل السخف نهاية القباحة) (٦). قال ابن عثيمين: (وهذا يفعله بعض الناس ويسمونها (النكت)، يتكلم بكلام كذب ولكن من أجل أن يضحك الناس، هذا غلط، تكلم بكلام مباح من أجل أن تدخل السرور على قلوبهم، وأما الكلام الكذب فهو حرام) (٧). (والحكمة من هذا المنع أنه يجر إلى وضع أكاذيب ملفقة على أشخاص معينين يؤذيهم الحديث عنهم، كما أنه يعطي ملكة التدرب على اصطناع الكذب وإشاعته فيختلط في المجتمع الحق بالباطل والباطل بالحق) (٨). ٦ - المبالغة في الإطراء والمدح:

стр. 995

(تمدح الناس مدرجة إلى الكذب، والمسلم يجب أن يحاذر حينما يثني على غيره فلا يذكر إلا ما يعلم من خير، ولا يجنح إلى المبالغة في تضخيم المحامد وطيِّ المثالب، ومهما كان الممدوح جديراً بالثناء فإن المبالغة في إطرائه ضرب من الكذب المحرم) (١). فعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : ((أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المداحين التراب)) (٢). قال النووي: (اعلم أن مدح الإنسان والثناء عليه بجميل صفاته قد يكون في حضور الممدوح، وقد يكون بغير حضوره، فأما الذي في غير حضوره، فلا منع منه إلا أن يجازف المادح ويدخل في الكذب، فيحرم عليه بسبب الكذب لا لكونه مدحا، ويستحب هذا المدح الذي لا كذب فيه إذا ترتب عليه مصلحة ولم يجر إلى مفسدة بأن يبلغ الممدوح فيفتتن به، أو غير ذلك) (٣). ٧ - كذب التاجر في بيان سلعته: فعن عبد الله بن أبي أوفى قال: أن رجلا أقام سلعة في السوق فحلف بالله: لقد أعطي بها مالم يعط ليوقع فيها رجلا من المسلمين فنزلت إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ... [آل عمران: ٧٧]. وقال ﷺ : ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم ... )) (٤). ٨ - الكذب على الأولاد: فكثيرًا ما يكذب الوالدان على أولادهما الصغار؛ رغبةً في التخلص منهم، أو تخويفاً لهم؛ كي يكفُّوا عن العبث واللعب، أو حفزًا لهم كي يجِدّوا في أمر ما، أو غير ذلك (٥). ٩ - شهادة الزور: (الحيف في الشهادة من أشنع الكذب، فالمسلم لا يبالي إذا قام بشهادة ما أن يقرر الحق ولو على أدنى الناس منه وأحبهم إليه، لا تميل به قرابة ولا عصبية، ولا تزيغه رغبة أو رهبة. وتزكية المرشحين لمجالس الشورى، أو المناصب العامة، نوع من أنواع الشهادة فمن انتخب المغموط في كفايته وأمانته، فقد كذب وزوَّر، ولم يقم بالقسط) (٦). فعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا قلنا: بلى، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وكان متكئا فجلس وقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت)) (٧). ١٠ - المبالغة في المعاريض: لا ريب أن في المعاريض مندوحةً عن الكذب، ولكن هناك من يبالغ في المعاريض، ويتوسع فيها توسعًا يخرجه عن طوره، ويجعله يدخل فيها ما ليس منها، فتجده يقلب الحقائق، وينال من الآخرين، ويُلبس عليهم، ويحصل على مآربه بالمراوغة والمخاتلة، مما يوقعه في الكذب، فَتُفْقَدُ الثقة به، وبحديثه (٨). ١١ - الكذب السياسي: الكذب الذي يقوم على القاعدة الميكافيلية التي تقول: إن الغاية تبرر الوسيلة أو الغاية تسوغ الواسطة. وهذه القاعدة الفاجرة الكافرة يأخذ بها غالبية السياسيين (٩).

стр. 996

أسباب الوقوع في الكذب (دوافع الكذب كثيرة، منها الخوف من النقد، والخوف من العقاب أو العتاب، ومنها إيثار المصلحة العاجلة، ومنها قلة مراقبة الله والخوفِ منه، ومنها اعتياد الكذب وإلفه، ومنها البيئة والمجتمع، ومنها سوء التربية إلى غير ذلك من دوافع الكذب) (١). قال ابن أبي الدنيا: (وأما دواعي الكذب فمنها: - اجتلاب النفع واستدفاع الضر، فيرى أن الكذب أسلم وأغنم فيرخص لنفسه فيه اغترارا بالخدع، واستشفافا للطمع. وربما كان الكذب أبعد لما يؤمل وأقرب لما يخاف؛ لأن القبيح لا يكون حسنا والشر لا يصير خيرا. وليس يجنى من الشوك العنب ولا من الكرم الحنظل. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((تحروا الصدق وإن رأيتم أن فيه الهلكة فإن فيه النجاة، وتجنبوا الكذب وإن رأيتم أن فيه النجاة فإن فيه الهلكة)) (٢). وقال عمر بن الخطاب ﵁: لأن يضعني الصدق وقلما يفعل، أحب إلي من أن يرفعني الكذب وقلما يفعل (٣). وقال بعض الحكماء: الصدق منجيك وإن خفته، والكذب مرديك وإن أمنته. وقال الجاحظ: الصدق والوفاء توأمان، والصبر والحلم توأمان فيهن تمام كل دين، وصلاح كل دنيا، وأضدادهن سبب كل فرقة وأصل كل فساد. - ومنها: أن يؤثر أن يكون حديثه مستعذبا وكلامه مستظرفا، فلا يجد صدقا يعذب ولا حديثا يستظرف، فيستحلي الكذب الذي ليست غرائبه معوزة، ولا ظرائفه معجزة. وهذا النوع أسوأ حالا مما قبل؛ لأنه يصدر عن مهانة النفس ودناءة الهمة. وقد قال الجاحظ: لم يكذب أحد قط إلا لصغر قدر نفسه عنده. وقال ابن المقفع: لا تتهاون بإرسال الكذبة من الهزل فإنها تسرع إلى إبطال الحق. - ومنها: أن يقصد بالكذب التشفي من عدوه فيسمه بقبائح يخترعها عليه، ويصفه بفضائح ينسبها إليه. ويرى أن معرة الكذب غنم وأن إرسالها في العدو سهم وسم. وهذا أسوأ حالا من النوعين الأولين؛ لأنه قد جمع بين الكذب المعر والشر المضر. ولذلك ورد الشرع برد شهادة العدو على عدوه. - ومنها: أن تكون دواعي الكذب قد ترادفت عليه حتى ألفها، فصار الكذب له عادة، ونفسه إليه منقادة، حتى لو رام مجانبة الكذب عسر عليه؛ لأن العادة طبع ثان. وقد قالت الحكماء: من استحلى رضاع الكذب عسر فطامه. وقيل في منثور الحكم: لا يلزم الكذاب شيء إلا غلب عليه) (٤).

стр. 997

١ - كذبة إبريل: يقوم بعض الناس في الدول الغربية في اليوم الأول من أبريل بإطلاق الأكاذيب، وقلدهم في ذلك بعض المسلمين، ويُطلقون على من يُصدِّق هذه الأكاذيب اسم ضحية كذبة إبريل. ويقصدون بفعلهم هذا المزاح، ولا شك أن هذا من الكذب الحرام ويضاف إليه أنه من التشبه بالكفار وقد قال ﷺ : ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (١). قال الشيخ ابن عثيمين: (أحذر إخواني المسلمين مما يصنعه بعض السفهاء من كذبة إبريل هذه الكذبة التي تلقوها عن اليهود والنصارى والمجوس وأصحاب الكفر فهي مع كونها كذبٌ والكذب محرم شرعاً ففيها تشبه بغير المسلمين والتشبه بغير المسلمين محرم وقد قال النبي ﷺ ((من تشبه بقومٍ فهو منهم)) (٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إسناده جيد وأقل أحواله التحريم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم وهي مع تضمنها لهذين المحظورين فيها إذلالٌ للمسلم أمام عدوه لأن من المعلوم بطبيعة البشر أن المقلد يفخر على من قلده ويرى أنه أقدر منه ولذلك ضعف مقلده حتى قلده فهي فيها إذلالٌ للمؤمن بكونه ذليلاً وتبعاً للكفار، المحظور الرابع: أن غالب هذه الكذبة الخبيثة تتضمن أكلاً للمال بالباطل أو ترويعاً للمسلم فإنه ربما يكذب فيكلم أهل البيت ويقول إن فلاناً يقول: ترى عندنا جماعة اليوم فيطبخون غداءً كثيراً ولحماً وما أشبه ذلك أو ربما يخبرهم بأمرٍ يروعهم كأن يقول قيّمكم دعسته سيارة وما أشبه ذلك من الأمور التي لا تجوز بدون أن تكون بهذه الحال فعلى المسلم أن يتقي الله وأن يكون عزيزاً بدينه فخوراً به) (٣).

стр. 998

٢ - الكذب الأبيض والأسود: يظن بعض الناس أن هناك كذب أبيض وهو حلال، وكذب أسود وهو حرام، والأمر ليس كذلك، فالكذب كله حرام قال ابن عثيمين: (والكذب حرام وكلما كانت آثاره أسوأ كان أشد إثما وليس في الكذب شيء حلالا وأما ما ادعاه بعض العامة حيث يقولون إن الكذب نوعان أسود وأبيض فالحرام هو الأسود والحلال هو الأبيض فجوابه أن الكذب كله أسود ليس فيه شيء أبيض لكن يتضاعف إثمه بحسب ما يترتب عليه فإذا كان يترتب عليه أكل مال المسلم أو غرر على مسلم صار أشد إثما وإذا كان لا يترتب عليه أي شيء من الأضرار فإنه أخف ولكنه حرام) (١).

стр. 999

علامات تدل على الكذاب قال ابن أبي الدنيا: (واعلم أن للكذاب قبل خبرته أمارات دالة عليه. - فمنها: أنك إذا لقنته الحديث تلقنه ولم يكن بين ما لقنته وبين ما أورده فرق عنده. - ومنها: أنك إذا شككته فيه تشكك حتى يكاد يرجع فيه، ولولاك ما تخالجه الشك فيه. - ومنها: أنك إذا رددت عليه قوله حصر وارتبك ولم يكن عنده نصرة المحتجين، ولا برهان الصادقين. ولذلك قال علي بن أبي طالب: الكذاب كالسراب. - ومنها: ما يظهر عليه من ريبة الكذابين وينم عليه من ذلة المتوهمين؛ لأن هذه أمور لا يمكن الإنسان دفعها عن نفسه؛ لما في الطبع من آثارها. ولذلك قالت الحكماء: العينان أنم من اللسان. وقال بعض البلغاء: الوجوه مرايا تريك أسرار البرايا. وقال بعض الشعراء: تريك أعينهم ما في صدورهم إن العيون يؤدي سرها النظر. وإذا اتسم بالكذب نسبت إليه شوارد الكذب المجهولة، وأضيفت إلى أكاذيبه زيادات مفتعلة حتى يصير الكاذب مكذوبا عليه، فيجمع بين معرة الكذب منه ومضرة الكذب عليه) (١).

стр. 1000

ما قيل في المعاريض عن عمران بن حصين أنه قال: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب) (١). وقال عمر بن الخطاب ﵁: (ما في المعاريض ما يغنى الرجل عن الكذب) (٢). (والمعاريض أن يريد الرجل أن يتكلم الرجل بالكلام الذي إن صرح به كان كذبا فيعارضه بكلام آخر يوافق ذلك الكلام في اللفظ ويخالفه في المعنى فيتوهم السامع أنّه أراد ذلك) (٣). قال النووي: (اعلم أن هذا الباب من أهم الأبواب، فإنه مما يكثر استعماله وتعم به البلوى، فينبغي لنا أن نعتني بتحقيقه، وينبغي للواقف عليه أن يتأمله ويعمل به) (٤). وقال أيضاً: (واعلم أن التورية والتعريض معناهما: أن تطلق لفظا هو ظاهر في معنى، وتريد به معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ، لكنه خلاف ظاهره، وهذا ضرب من التغرير والخداع. قال العلماء: فإن دعت إلى ذلك مصلحة شرعية راجحة على خداع المخاطب أو حاجة لا مندوحة عنها إلا بالكذب، فلا بأس بالتعريض، وإن لم يكن شيء من ذلك فهو مكروه وليس بحرام، إلا أن يتوصل به إلى أخذ باطل أو دفع حق، فيصير حينئذ حراما، هذا ضابط الباب) (٥). أمثلة للمعاريض: (لما هَزم الحجاجُ عبدَ الرحمن بن الأشعث وقتَل أصحابَه وأسرَ بعضهم، كتب إليه عبدُ الملك بن مَرْوان أن يَعْرِض الأسرى على السيف، فمَن أقرَّ منهم بالكفر خلِّى سبيلَه، ومَن أبَى يَقْتله، فأُتي منهم بعامر الشًعبي ومطرِّف بن عبد الله بن الشخير وسعيد بن جُبَير؟ فأمّا الشعبي ومطرِّف فذَهبا إلى التعريض والكناية ولم يُصرِّحا بالكفر، فَقبِل كلامهما وعفا عنهما؟ وأمّا سعيد ابن جُبير فأبى ذلك فقتل. وكان مما عرَّض به الشعبي، فقال؛ أَصلح الله الأمير، نَبا المنزل، وأَحْزَن بنا الجَناب، واستَحلَسْنا الخوفَ، واكتَحلنا السهرَ، وخَبطتنا فتنةٌ لم نكن فيها برَرَة أتقياء، ولا فَجَرة أقوياء. قال؛ صدقَ والله، ما بَرُّوا بخروجهم علينا ولا قَوُوا، خَلّيا عنه. ثم قُدِّم إليه مُطرِّف بن عبد الله، فقال له الحجّاج: أَتُقِرّ على نفسِك بالكفر؟ قال: إنّ مَن شق العصا، وسَفَك الدماء، ونكث البَيْعة، وأخاف المسلمين لجديرٌ بالكفر؟ قال: خليا عنه. ثمّ قُدّم إليه سعيد بن جُبير، فقال له: أتقِر على نفسك بالكُفر؟ قال: ما كفرتُ بالله مذ آمنت به؟ قال: اضربوا عُنقه) (٦). وقال النخعي ﵀: (إذا بلغ الرجل عنك شيء قلته فقل: الله يعلم ما قلت من ذلك من شيء، فيتوهم السامع النفي، ومقصودك الله يعلم الذي قلته) (٧). (وكان النخعي إذا طلبه رجل قال للجارية: قولي له اطلبه في المسجد. وقال غيره: خرج أبي في وقت قبل هذا. وكان الشعبي يخط دائرة ويقول للجارية: ضعي أصبعك فيها وقولي: ليس هو هاهنا) (٨).

стр. 1001

الأمثال والحكم في الكذب ١ - (إنَّ الكَذُوب قد يَصْدُق: يقال في الرجل المعروف بالكذب تكون منه الصدقة الواحدة أحياناً) (١). ٢ - (جاء بالحظر الرطب: إذا جاء بكثرة الكذب) (٢). ٣ - (عند النوى يكذبك الصادق: قالوا يضرب مثلا للرجل يعرف بالصدق ثم يحتاج إلى الكذب) (٣). ٤ - (أكذب من دب ودرج: أي أكذب الكبار والصغار دب لضعف الكبر ودرج لضعف الصغر وقيل بل معناه أكذب الأحياء والأموات. والدبيب للحي والدروج للميت يقال درج القوم إذا انقرضوا) (٤). ما قيل في الحكم: - (قيل في منثور الحكم: الكذاب لص؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك. - وقال بعض البلغاء: الصادق مصان خليل، والكاذب مهان ذليل) (٥). - (وقيل لكذوب: أصدقت قط؟ قال: أكره أن أقول لا فأصدق) (٦). - (ويقال: الأذلاء أربعة: النمام والكذاب والمدين والفقير) (٧).

стр. 1002

ذم الكذب في واحة الشعر .. قال الشاعر: لا يكذبُ المرءُ إِلا من مهانتِه ... أو عادةِ السوءِ أو من قلةِ الأدبِ لعضُّ جيفةِ كلبٍ خيرُ رائحةٍ ... من كذبةِ المرءِ في جدٍ وفي لعبِ وقال آخر: لا عُذْرَ للسيدِ حين يكذبُ ... إِذا ليس يرجو أحداً أو يرهبُ وليس معذوراً إِذا ما يغضَبُ ... إِذا العقابُ عندَه لا يصعبُ وقال آخر: الكذبُ عارٌ وخيرُ القول أصدقُهُ ... والحَقَّ ما مسَّه من باطلٍ زهقا وقال آخر: الكذبُ راقَكَ أنه متجملٌ ... والصدقُ ساءكَ أنه عريانُ من ساءَ من مرضٍ عضالٍ طبعهُ ... يستقبحُ الأيامَ وهي حسانُ وقال آخر: الكذب مرديك وإن لم تخف ... والصدق منجيك على كل حال فانطق بما شئت تجد غبه ... لم تبتخس وزنة مثقال وقال آخر: إِن الكريمَ إِذا ما كانَ ذا كذبٍ ... شانَ التكرمَ منه ذلكَ الكذبُ الصدقُ أفضلُ شيءٍ أنت فاعلهُ ... لا شيءَ كالصدقِ لا فخرٌ ولا حسبُ وقال آخر: إِذا عرفقَ الكذابُ بالكذبِ لم يزلْ ... لدى الناسِ كذباً وإِن كان صادقاً ومن آفةِ الكذابِ نسيانُ كذبهِ ... وتلقاهُ ذا حَفِظ إِذا كان صادقاً كذبتَ ومن يكذبْ فإِن جزاءَه ... إِذا ما أتى بالصدقِ أن لا يُصَدَّقا وقال آخر: الكذبُ راقَكَ أنه متجملٌ ... والصدقُ ساءكَ أنه عريانُ من ساءَ من مرضٍ عضالٍ طبعهُ ... يستقبحُ الأيامَ وهي حسانُ ...

стр. 1003

معنى نقض العهد لغة واصطلاحاً معنى النقض لغة واصطلاحاً معنى النقض لغة: وفي الصحاح: النَقْضُ: نَقْضُ البناءِ والحَبْلِ والعهدِ (١). وقال ابن منظور: نقض: النقض: إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء (٢) وقال ابن فارس: النون والقاف والضاد أصل صحيح يدل على نكث شيء (٣) معنى النقض اصطلاحاً: قال القرطبيّ: النّقض: إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد (٤). وقال الرّاغب: النّقض: انتثار العقد من البناء والحبل والعقد، وهو ضدّ الإبرام، ومن نقض الحبل والعقد استعير نقض العهد (٥). معنى العهد لغة واصطلاحاً: معنى العهد لغة: العهد: الوصية والأمان والموثق والذمة ومنه قيل للحربي يدخل بالأمان ذو عهد ومعاهد (٦). وقد عَهِدْتُ إليه، أي أوصيته، ومنه اشتُقَّ العَهْدُ الذي يكتب للوُلاةِ (٧). معنى العهد اصطلاحا: قال الجرجانيّ: العهد: حفظ الشّيء ومراعاته حالا بعد حال. هذا أصله ثمّ استخدم في الموثق الّذي يلزم مراعاته (٨).

стр. 1004

معاني العهد ويأتي العهد على عدة معان، وهي (١): ١ - العهد: الموثق واليمين يحلف بها الرجل والجمع كالجمع، تقول: علي عهد الله وميثاقه، وقيل: ولي العهد، لأنه ولي الميثاق الذي يؤخذ على من بايع الخليفة. ٢ - والعهد: الوصية، يقال عهد إلي في كذا: أوصاني. ٣ - والعهد: التقدم للمرء في الشيء، ومنه العهد الذي يكتب للولاة، والجمع: عهود، وقد عهد إليه عهداً. ٤ - والعهد: الوفاء والحفاظ ورعاية الحرمة. ٥ - والعهد: الأمان، قال شمر: العهد الأمان، وكذلك الذمة، تقول: أنا أعهدك من هذا الأمر، أي: أؤمنك منه، ومنه اشتقاق العهدة. ٦ - والعهد: الالتقاء، وعهد الشيء عهدا عرفه، وعهدته بمكان كذا أي لقيته وعهدي به قريب. ٧ - والعهد: ما عهدته فثافنته، يقال:؛ عهدي بفلان وهو شاب، أي: أدركته فرأيته كذلك. ٨ - والعهد: المنزل الذي لا يزال القوم إذا انتأوا عنه رجعوا إليه، ويقال له: المعهد - أيضا- وكذلك المنزل المعهود به الشيء يقال له: العهد، قال ذو الرمة: هل تعرف العهد المحيل رسمه. ٩ - والعهد: أول مطر، والولي الذي يليه من الأمطار، وفي الصحاح: العهد: المطر الذي يكون بعد المطر، وقد عهدت الأرض فهي معهودة أي: ممطورة. ١٠ - والعهد: الزمان، كالعهدان - بالكسر -. ١١ - والعهد: التوحيد. ١٢ - والعهد: الضمان. ١٣ - والعهد: الذي يحب الولايات والعهود.

стр. 1005

الفرق بين العهد وبعض الكلمات الفرق بين العهد والوعد: قيل العهد ما يكون من الجانبين وأما ما يكون من جانب فوعد ونقضه خلف وعد (١). الفرق بين النّقض والخيانة: أنّ الخيانة تقتضي نقض العهد سرّا، أمّا النّقض فإنّه يكون سرّا وجهرا، ومن ثمّ يكون النّقض أعمّ من الخيانة ويرادفه الغدر، وضدّ الخيانة الأمانة، وضدّ النّقض: الإبرام (٢).

стр. 1006

حكم نقض العهد: نقض العهد كبيرة من كبائر الذنوب: وقد أمر الله المؤمنين بالوفاء بالعهود وحرم عليهم نقضها فقال: وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً [الإسراء: ٣٤]. وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]. وتوجد الكثير من الأدلة في الكتاب والسنة التي تأمر بوجوب الوفاء بالعهد وتحرم نقضه، ولذلك فقد عد بعض العلماء نقض العهود من الكبائر، ومن هؤلاء العلماء: الإمام ابن عطية ﵀ قال: وكل عهد جائز بين المسلمين فنقضه لا يحل (١). وكذلك الإمام الذهبي ﵀ فقد عدها كبيرة من الكبائر حيث قال: الكبيرة الخامسة والأربعون: الغدر وعدم الوفاء بالعهد (٢). وأيضاً الإمام ابن حجر ﵀، فقد عدها أيضاً من الكبائر، وقال: عَدُّ هذا من الكبائر هو ما وقع في كلام غير واحد (٣).

стр. 1007

النهي عن نقض العهد في القرآن والسنة ذم نقض العهد والنهي عنه من الكتاب: - قال تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ [التوبة: ١٢]. قال السدي: إن نكثوا عهدهم الذي عاهدوا على الإسلام وطعنوا فيه، فقاتلوهم (١). وقال القرطبيُّ: (إذا حارب الذمي نقضَ عهدَه، وكان ماله وولده فيئا معه) (٢). وقال الرازي: وإن نكثوا أيمانهم أي نقضوا عهودهم (٣). - وقوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [البقرة: ٢٧]. قال الطبري: وما يضل به إلا التاركين طاعة الله، الخارجين عن اتباع أمره ونهيه الناكثين عهود الله التي عهدها إليهم في الكتب التي أنزلها إلى رسله وعلى ألسن أنبيائه باتباع أمر رسوله محمد ﷺ وما جاء به وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس، وإخبارهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبا عندهم أنه رسول من عند الله مفترضة طاعته. وترك كتمان ذلك لهم ونكثهم ذلك، ونقضهم إياه هو مخالفتهم الله في عهده إليهم فيما وصفت أنه عهد إليهم بعد إعطائهم ربهم الميثاق بالوفاء بذلك كما وصفهم به جل ذكره (٤). وقال السدي: هو ما عهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه (٥). وقال السعدي: وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه والذي بينهم وبين عباده الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يبالون بتلك المواثيق; بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه; وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق (٦). - وقال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ١٥٥]. قال ابن كثير: وهذه من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم (٧). قال ابن عباس: (هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه) (٨). قال الزمخشري: وأما التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك (٩). قال الخازن: (فبسبب نقضهم ميثاقهم لعناهم وسخطنا عليهم وفعلنا بهم ما فعلنا) (١٠). - وقَوْلِهِ تَعَالَى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣].

стр. 1008

قال الطبري: مَعْنَى الْكَلَامِ: فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل , فنقضوا الميثاق , فلعنتهم , فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم , فاكتفى بقوله: فبما نقضهم ميثاقهم [النساء: ١٥٥] من ذكر فنقضوا (١). قال ابن كثير: أي: فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم، أي أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى (٢). - وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [الفتح: ١٠]. قال ابن كثير: إنما يعود وبال ذلك على الناكث، والله غني عنه (٣). قال السمرقندي: فمن نكث يعني: نقض العهد، والبيعة فإنما ينكث على نفسه يعني: عقوبته على نفسه (٤). وقال ابن عطية: أنّ من نكث يعني من نقض هذا العهد فإنّما يجني على نفسه، وإيّاها يهلك، فنكثه عليه لا له (٥). ذم نقض العهد والنهي عنه من السنة: - عن علي ﵁ قال: ما عندنا شيء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي ﷺ وفيها: ((ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدل)) (٦). قال النووي ﵀: (قوله ﷺ : ((ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم)) المراد بالذمة هنا الأمان. معناه: أن أمان المسلمين للكافر صحيح، فإذا أمّنه به أحد المسلمين حرُم على غيره التعرُّض له ما دام في أمان المسلم، وللأمان شروط معروفة ... وقوله ﷺ : ((فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله)) معناه: من نقض أمانَ مسلم فتعرّض لكافر أمَّنه مسلم، قال أهل اللغة: يقال: أخفرتُ الرجل إذا نقضتُ عهده، وخفرته إذا أمَّنته) (٧). وقال ابن حجر ﵀: (قوله: ((ذمّة المسلمين واحدة)) أي: أمانهم صحيح، فإذا أمَّن الكافرَ واحدٌ منهم حرُم على غيره التعرّض له ... وقوله: ((يسعى بها)) أي: يتولاها ويذهب ويجيء، والمعنى: أن ذمّة المسلمين سواء صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أمّن أحد من المسلمين كافرا وأعطاه ذمّةً لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحرّ والعبد؛ لأن المسلمين كنفس واحدة ... وقوله: ((فمن أخفر)) بالخاء المعجمة والفاء أي: نقض العهد، يقال: خفرته بغير ألف أمّنته، وأخفرته نقضت عهده) (٨). قال ابن تيمية: جاء الكتاب والسنة بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود وبأداء الأمانة ورعاية ذلك والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك (٩)

стр. 1009

- وقال رسول الله ﷺ : ((خمس بخمس، قيل: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلا سلَّط الله عليهم عدوَّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت الفاحشة فيهم إلا فشا فيهم الموت، ولا طفَّفوا الكيل إلا مُنِعوا النبات وأُخِذوا بالسنين، ولا منعوا الزَّكاة إلا حُبس عنهم المطر)) (١). قال المناوي: (ما نقض قوم العهد) أي: ما عاهدوا الله عليه أو ما عاهدوا عليه قوما آخرين (إلا سلط عليهم عدوهم) جزاء بما اجترحوه من نقض العهد المأمور بالوفاء به (٢). - وعن أبي بكر الصديق- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى الصبح، فهو في ذمة الله. فلا تخفروا الله في عهده. فمن قتله، طلبه الله حتى يكبه في النار على وجهه)) (٣). قال المباركفوري: أي في عهده وأمانه في الدنيا والآخرة وهذا غير الأمان الذي ثبت بكلمة التوحيد ((فلا تخفروا الله في ذمته)) قال في النهاية: خفرت الرجل أجرته وحفظته وأخفرت الرجل إذا نقضت عهده وذمامه) (٤). وقال السندي: (فهو في ذمة الله) أي: أمانه وعهده، أو أنه تعالى أوجب له الأمان (فلا تخفروا الله) من أخفره إذا نقض عهده (٥). - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته)) (٦). قال ابن رجب: ((فلا تخفروا الله في ذمته))، أي: لا تغدروا بمن له عهد من الله ورسوله، فلا تفوا له بالضمان، بل أوفوا له بالعهد (٧). وقال القاري: أي لا تخونوا الله في عهده، ولا تتعرضوا في حقه من ماله، ودمه، وعرضه، أو الضمير للمسلم أي فلا تنقضوا عهد الله (٨). وقال حمزة محمد قاسم: ((فلا تخفروا الله في ذمته)) أي فلا تنقضوا عهد الله فيه، ولا تخونوه بانتهاك حقوقه، فإن أي اعتداء عليه هو خيانة لله ورسوله، ونقض لعهدهما، وإهدار لكرامة الإسلام (٩).

стр. 1010

أقوال السلف والعلماء في ذم نقض العهد - قال ابن حجر: (كان عاقبة نقض قريش العهد مع خزاعة حلفاء النّبيّ ﷺ أن غزاهم المسلمون حتّى فتحوا مكّة واضطرّوا إلى طلب الأمان، وصاروا بعد العزّة والقوّة في غاية الوهن إلى أن دخلوا في الإسلام، وأكثرهم لذلك كاره) (١). - وقال أيضاً: (الغدر حرمته غليظة لا سيّما من صاحب الولاية العامّة لأنّ غدره يتعدّى ضرره إلى خلق كثير، ولأنّه غير مضطرّ إلى الغدر لقدرته على الوفاء) (٢). - وقال ابن عطيّة- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [الفتح: ١٠]: فَمَنْ نَكَثَ أي فمن نقض هذا العهد فإنما يجني على نفسه وإياها يهلك، فنكثه عليه لا له) (٣). - وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ... [النحل: ٩٢] الآية. شبهت هذه الآية الذي يحلف أو يعاهد أو يبرم عقدة بالمرأة التي تغزل غزلها وتفتله محكما، وشبه الذي ينقض عهده بعد الإحكام بتلك الغازلة إذا نقضت قوى ذلك الغزل فحلته بعد إبرامه) (٤). - وقال ابن كثير: (إنّ من صفات المنافقين أنّ أحدهم إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدّث كذب، وإذا ائتمن خان. ولذلك كان حال هؤلاء الأشقياء ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون كما أنّهم اتّصفوا بخلاف صفاتهم في الدّنيا فأولئك كانوا يوفون بعهد الله ويصلون ما أمر الله به أن يوصل. وهؤلاء ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) (٥). - وقال محمّد بن كعب القرظيّ- رحمه الله تعالى- (ثلاث خصال من كنّ فيه كنّ عليه: البغي، والنّكث، والمكر، وقرأ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: ٤٣]، يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [يونس: ٢٣]، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ [الفتح: ١٠]) (٦). - وصف أعرابيّ قوما فقال: (أولئك قوم أدّبتهم الحكمة، وأحكمتهم التّجارب، ولم تغررهم السّلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التّسويف الّذي قطع النّاس به مسافة آجالهم، فقالت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال، كان يقال: آفة المروءة خلف الوعد) (٧). - و (دخل بعض السلف على مريض مكروب فقال له: عاهد الله على التوبة لعله أن يقيلك صرعتك فقال: كنت كلما مرضت عاهدت الله على التوبة فيقيلني فلما كان هذه المرة ذهبت أعاهد كما كنت أعاهد فهتف بي هاتف من ناحية البيت: قد أقلناك مرارا فوجدناك كذابا ثم مات عن قريب) (٨). - وتاب بعض من تقدم ثم نقض فهتف به هاتف بالليل: سأترك ما بيني وبينك واقفا ... فإن عدت عدنا والوداد مقيم تواصل قوما لا وفاء لعهدهم ... وتترك مثلي والحفاظ قديم (٩) - وقال أبو العالية: (ستّ خصال في المنافقين إذا كانت فيهم الظّهرة على النّاس أظهروا هذه الخصال: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظّهرة عليهم أظهروا الخصال الثّلاث: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا) (١٠).

стр. 1011

آثار نقض العهد كما أن الوفاء بالعهد والميثاق له آثاره النافعة، فإن نقض العهد والميثاق يترك آثارًا ضارة يقع ضررها على الفرد والمجتمع، ومن هذه المضار: ١ - كفر من نقض عهد الله: قرن الله بين الكفر ونقض العهد في أكثر من موضع في القرآن الكريم، ولا شك بكفر من نقض عهده مع الله وأخلّ بميثاقه الذي أخذه عليه فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٩٣]. ٢ - الخسران: الخسران عاقبة من نكث بعهده ونقض ميثاقه، قال تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة: ٢٧]. ٣ - اللعن وقسوة القلوب والطبع عليها: قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً [المائدة: ١٣]. ٤ - الإغراء بالعداوة والبغضاء: لما نقض النصارى الميثاق والعهود وبدّلوا دينهم، وضيّعوا أمر الله، أورثهم الله العداوة والبغضاء، قال تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: ١٤]. ٥ - تحريم الطيبات: عندما نقض بنو إسرائيل الميثاق حرم الله عليهم الطيبات، قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً [النساء:١٦٠]. ٦ - القتل والتشريد: ونقض المواثيق تؤدي إلى القتل والتشريد، قال تعالى: الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأنفال: ٥٦، ٥٧]. ٧ - الضلال عن سواء السبيل: لما كفر بنو إسرائيل بالله وخانوا مواثيقه أضلهم الله عن الطريق المستقيم، قال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ [المائدة: ١٢] ثم قال في آخر الآية بعد تفصيل الميثاق: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة: ١٢]. ٨ - الخزي في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة: لما ذكر الله تعالى المواثيق التي أخذها على بني إسرائيل ذكر خيانتهم وغدرهم ونكثهم للعهود والمواثيق، ثم هددهم قائلا: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة: ٨٥]. ٩ - الجناية على النفس: نقض العهود تعود جناتها على النفس، قال تعالى: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ [الفتح: ١٠] فالناقض لعهده يجني على نفسه ويوبقها، وهذه الآثار هو سببها، وهو حطبها ووقودها (١).

стр. 1012

صور نقض العهد من صور نقض العهد (١): ٩ - نقض العهد الذي وصى الله به خلقه من فعل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال وترك ما لا يحبه الله ولا يرضاه من الأقوال والأفعال، والذي تضمنته كتبه المنزلة وبلغه رسله عليهم الصلاة والسلام، ومعنى نقض هذا العهد ترك العمل به. ١٠ - نقض العهد الذي للإمام ونائبه على المسلمين من وجوب الطاعة في المعروف ونصرة دين الله دون مبرر شرعي يقتضي ذلك. ١١ - نقض العهد الذي أعطاه الشارع الحكيم للكفار غير المحاربين من أهل الذمة والمستأمنين وكذلك المعاهدين دون مبرر شرعي يقتضي ذلك، قال ﷺ ((ألا من قتل نفساً معاهدة له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين خريفاً)) (٢). ١٢ - خلف الموعد بأن يعطي موعداً وفي نيته عدم الوفاء أما إذا أعطى موعداً وفي نيته الوفاء ولم يف لأمر خارج عن إرادته فلا يعد ذلك نقضاً لحديث: ((إذا وعد الرجل أخاه، ومن نيته أن يفي فلم يف ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه)) (٣). ١٣ - نقض الحكام والولاة عهد الله بعدم تطبيقهم لشرعه والسير على منهجه.

стр. 1013

أسباب الوقوع في نقض العهد ٨ - ضعف الإيمان بالله. ٩ - النسيان. ١٠ - الحرص على المصالح الدنيوية. ١١ - طول الأمد قد يتسبب في نقض العهد كما حصل مع قوم موسى. ١٢ - عدم وفاء الطرف الآخر بالعهد. ١٣ - خوف الإنسان من غير خالقه، وتعظيمه.

стр. 1014

الوسائل المعينة على ترك نقض العهد ٨ - إخلاص الإيمان لله وتقويته. ٩ - تأمل الآثار السيئة لنقض العهد على الفرد والمجتمع. ١٠ - تحلي أفراد المجتمع بالوفاء بالعهد. ١١ - تأمل الآيات القرآنية التي حذرت من نقض العهد والميثاق. ١٢ - ترك الطمع واللهث وراء الدنيا. ١٣ - مجاهدة النفس وتربيتها على التحلي بالوفاء بالعهد.

стр. 1015

مسائل متفرقة حول نقض العهد - من أقوال الحكماء: - قالوا: من نقض عهده، ومنع رفده، فلا خير عنده (١). - وقالوا: من علامات النفاق، نقض العهد والميثاق (٢). - وقالوا: الغالب بالغدر مغلول، والناكث للعهد ممقوت مخذول (٣). - وفي بعض الكتب المنزّلة: إن مما تعجّل عقوبته من الذنوب ولا يؤخر: الإحسان يكفر، والذّمة تحفر (٤). - مثل لناقض العهد في القرآن: وَضرب الله فِي نَاقض الْعَهْد مثلا فَقَالَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نقضت غزلها من بعد قُوَّة أنكاثا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانكُم دخلا بَيْنكُم أَن تكون أمة هِيَ أربى من أمة إِنَّمَا يبلوكم الله بِهِ وليبينن لكم يَوْم الْقِيَامَة مَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون [النحل: ٩٢] فَقَالَ مثل الَّذِي نقض الْعَهْد كَمثل الْغَزل الَّتِي نقضت تِلْكَ الْمَرْأَة الحمقاء كان لعمرو بن كعب بن سعد بنت تسمى ريطة وكانت إذا غزلت الصوف أو شيئا آخر نقضته لحمقها فقال ولا تنقضوا أي لا تنكثوا العهود بعد توكيدها كما نقضت تلك الحمقاء غزلها من بعد قوة من بعد إبرامه أنكاثا يعني نقضا فلا هو غزل تنتفع به ولا صوف ينتفع به فكذا الذي يعطي العهد ثم ينقضه لا هو وفى بالعهد إذا أعطاه ولا هو ترك العهد فلم يعطه وضرب مثلا آخر لناقض العهد فقال وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانكُم دخلا بَيْنكُم فتزل قدم بعد ثُبُوتهَا وتذوقوا السوء بِمَا صددتم عَن سَبِيل الله وَلكم عَذَاب عَظِيم [النحل: ٩٤] أي عهودكم بالمكر والخديعة فتزل قدم بعد ثبوتها يقول إن ناقض العهد يزل في دينه عن الطاعة كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة (٥). - نار الحلف في الجاهلية: كانوا – في الجاهلية- إذا أرادوا عقد حلف أوقدوا النار وعقدوا الحلف عندها، ويذكرون خيرها، ويدعون بالحرمان من خيرها على من نقض العهد، وحلّ العقد. قال العسكري (وإنما كانوا يخصّون النار بذلك لأن منفعتها تختص بالإنسان، لا يشاركه فيها شيء من الحيوان غيره) (٦). قال الزمخشري: كانوا يوقدون ناراً عند التحالف، فيدعون الله بحرمان منافعها، وإصابة مضارها على من ينقض العهد، ويخيس بالعقد، ويقولون في الحلف: الدم الدم، والهدم الهدم، لا يزيده طلوع الشمس إلا شداً، وطول الليالي إلا مداً، ما بل بحر صوفة، وما أقام رضوى بمكانه (٧). - نقض العهد عند اليهود: إن تاريخ اليهود مليء بصفحاته السوداء التي تحكي موقفهم من العهود والمواثيق، فكم من مرة نقض اليهود عقوداً عقدوها، ومواثيق أبرموها، فلا يحفظون لأحد عهداً، ولا يرعون له وعداً، والقرآن الكريم سطر لنا الكثير من المواقف التي نقض فيها اليهود، العهود والمواثيق مع الأنبياء والمرسلين، ولم يحترموا عهودهم مع النبي ﷺ بل نقضوها وحاولوا قتله أكثر من مرة، كما حاولوا إشعار نار الفتنة بين صفوف المسلمين. قال ابن تيمية: (إن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود وهم: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة وكان بنو قينقاع والنضير حلفاء الخزرج وكانت قريظة حلفاء الأوس فلما قدم النبي ﷺ هادنهم ووادعهم مع إقراره لهم ولمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم وعهدهم الذي كانوا عليه حتى أنه عاهد اليهود على أن يعينوه إذا حارب ثم نقض العهد بنو قينقاع ثم النضير ثم قريظة) (٨). وقال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنّ بني قينقاع كانوا أوّل يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد. قال ابن هشام: وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال: كان من أمر بني قينقاع أنّ امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصّائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلمّا قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصّائغ فقتله وكان يهوديّا وشدّ اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشّرّ بينهم وبين بني قينقاع (٩).

стр. 1016

نقض العهد في واحة الشعر .. قال كعب بن زهير: لشتان من يدعو فيوفي بعهده ... ومن هو للعهد المؤكد خالع (١) وقال المعري: تجنب الوعد يوماً أن تفوه به ... فإن وعدت فلا يذممك إنجاز واصمت فإن كلام المرء يهلكه ... وإن نطقت فإفصاح وإيجاز وإن عجزت عن الخيرات تفعلها ... فلا يكن دون ترك الشر إعجاز (٢) وقال الغطفانيّ: أسميّ ويحك هل سمعت بغدرة ... رفع اللّواء لنا، بها في مجمع (٣) وقال كعب بن مالك: فدونَكَ واعلمْ أنّ نقض عهودِنا ... أباه الملا منا الذين تبايعوا أباه البراءُ وابنُ عمروٍ كلاهما ... وأسعدُ يأباه عليكَ ورافعُ (٤) وقال آخر: نقض العهد خائس بالأمان ... مستحل محارم الرحمن سلبتنا الوفاء والحلم طوعا ... فاعتلينا به بنو مروان ليتني كنت فيهم حسب العي ... ش طليقا أجر حبل الأماني كل عتب تعيرنيه الليالي ... فبسيفي جنيته ولساني (٥) وقال آخر: النَّاس من الْهوى على أَصْنَاف ... هَذَا نقض الْعَهْد وَهَذَا واف هَيْهَات من الكدور تبغي الصافي ... لَا يصلح للحضرة قلب جَاف (٦) وقال آخر: يا بني الإسلام من علمكم ... بعد إذ عاهدتم نقض العهود كل شيء في الهوى مستحسن ... ما خلا الغدر وإخلاف الوعود (٧) ...

стр. 1017

معنى النميمة لغة واصطلاحاً معنى النميمة لغة: النَّمُّ: التوريشُ والإغْراءُ ورَفْع الحديثِ على وجه الإشاعةِ والإفْسادِ. وقيل تَزْيينُ الكلام بالكذب. قال أَبو بكر: قال أَبو العباس: النَّمّام معناه في كلام العرب الذي لا يُمْسِك الأَحاديثَ ولم يَحْفَظْها. ويقال للنَّمَّام القَتّاتُ يقال: قَتَّ إذا مشى بالنَّميمة (١)، وَنَمَّامٌ مُبَالَغَةٌ وَالِاسْمُ النَّمِيمَةُ (٢). معنى النميمة اصطلاحاً: النميمة: (نَقْلُ الحديث من قومٍ إلى قوم على جهة الإفْسادِ والشَّرِّ) (٣). وعرفها الغزالي بقوله: (إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه) (٤). وقيل هي: (التحريش بين الناس والسعي بينهم بالإفساد) (٥).

стр. 1018

الفرق بين النميمة وبعض الصفات الفرق بين الغيبة والنميمة قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: (واختُلِفَ في الغيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متحدتان: والراجع التغاير وأن بينهما عموماً وخصوصاً وجيهاً. وذلك؛ لأن النميمة نقل حال شخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه سواء كان بعلمه أم بغير علمه. والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه فامتازت النميمة بقصد الإفساد ولا يشترط ذلك في الغيبة. وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه واشتركا في ما عدا ذلك. ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائباً والله أعلم) (١). وقال ابن حجر الهيتمي: (كل نميمة غيبة، وليس كل غيبة نميمة، فإن الإنسان قد يذكر عن غيره ما يكرهه، ولا إفساد فيه بينه وبين أحد، وهذا غيبة، وقد يذكر عن غيره ما يكرهه وفيه إفساد، وهذا غيبة، ونميمة معاً) (٢). الفرق بين القتات والنمام (قال الحافظ القتات والنمام بمعنى واحد. وقيل: النمام الذي يكون مع جماعة يتحدثون حديثا فينم عليهم. والقتات: الذي يتسمع عليهم وهم لا يعلمون ثم ينم) (٣).

стр. 1019

ذم النميمة والنهي عنها في القرآن والسنة ذم النميمة والنهي عنها من القرآن الكريم: - قال تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ [القلم: ١٠ - ١٣]. نجد بأن الله أورد عدة صفات للنمام في هذه الآية، وهي كما يلي: ١ - حلاف: أي أن النمام كثير الحلف، وهو يعلم أن الناس لا يثقون به ولا يصدقونه لأنه كاذب، فهو بذلك يكثر الحلف ليدفع عن نفسه الكذب، يستقطب ثقة الناس بها. ٢ - مهين: فالنمام هين في نفسه هين عند الآخرين، فلا يحترمه أحد. ٣ - هماز: يعيب الناس ويهمزهم بالقول والإشارة. ٤ - مشاء بنميم: أي كثير المشي بالنميمة بين الناس، وبما يفسد معيشتهم وقلوبهم، ويقطع صلاتهم، ويذهب محبتهم لبعضهم. ٥ - مناع للخير: كثير المنع للخير عن نفسه وعن الآخرين، بل حتى منع عن نفسه الإيمان فلم يصل إلى قلبه. ٦ - معتد: تجاوز العدل والحق. وهو يعتدي على النبي ﷺ وعلى المؤمنين. ٧ - أثيم: أي يعمل الآثار ويرتكب الذنوب والمعاصي. ٨ - عتل: أي شديد الفضاضة والقسوة، أي أنه شخص كريه من جميع الجوانب. ٩ - زنيم: أي أنه مشهور بخبثه ولؤمه وشره. قال ابن حجر: (أي: دعيٍّ، واستنبط منه ابن المبارك أنّ ولد الزّنا لا يكتم الحديث، فعدم كتمه المستلزم للمشي بالنّميمة دليلٌ على أنّ فاعل ذلك ولد زنا) (١). - وَقَالَ تَعَالَى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: ١]. (قيل: اللّمزة: النّمّام. عن أبي الجوزاء، قال: قلت لابن عباس: من هؤلاء هم الذين بدأهم الله بالويل؟ قال: هم المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون أكبر العيب) (٢). وقال مقاتل: (فأما «الهمزة» فالذي ينم الكلام إلى الناس وهو النمام) (٣). - وَقَالَ تَعَالَى: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد:٤]. (قيل كانت نمّامةٌ حمّالةٌ للحديث إفسادًا بين النّاس، وسمّيت النّميمة حطبًا؛ لأنّها تنشر العداوة بين النّاس كما أنّ الحطب ينشر النّار. قال مجاهد: يعني حمالة النميمة، تمشي بالنميمة) (٤). - وَقَالَ تَعَالَى: فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا [التحريم:١٠]. (أي؛ لأنّ امرأة نوحٍ كانت تقول عنه مجنونٌ، وامرأة لوطٍ كانت تخبر قومها بضيفانه حتّى يقصدوهم لتلك الفاحشة القبيحة الّتي اخترعوها حتّى أهلكتهم بذلك العذاب الفظيع) (٥). ذم النميمة والنهي عنها من السنة النبوية: - عن حذيفة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة نمام))، وفي رواية ((قتات)) (٦). وبيّن ابن الملقن المراد بعدم دخول الجنة للنمام بقوله: (وحمل على ما إذا استحل بغير تأويل مع العلم بالتحريم، أو لا يدخلها دخول الفائزين) (٧). قال ابن بطال: (قال أهل التأويل: الهماز الذي يأكل لحوم الناس، ويقال: هم المشاءون بالنميمة المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء العنت. والقتات: النمام عند أهل اللغة) (٨).

стр. 1020

- وعن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: إنّ محمّداً ﷺ قال: ((ألا أنبّئكم ما العضة؟ هي النّميمة القالة بين النّاس)). وإنّ محمّداً ﷺ قال: ((إنّ الرّجل يصدق حتّى يكتب صدّيقاً، ويكذب حتّى يكتب كذّاباً)) (١). قال المناوي: ((القالة بَين النَّاس)): أي كثرة القول وإيقاع الخصومة بينهما فيما يحكى للبعض عن البعض وقيل القالة بمعنى المقولة وزعم بعضهم أن القالة هنا جمع وهم الذين ينقلون الكلام ويوقعون الخصومة بين الناس) (٢). وقال ابن عثيمين: (هي النميمة: أن ينقل الإنسان كلام الناس بعضهم في بعض من أجل الإفساد بينهم، وهي من كبائر الذنوب) (٣). - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ – قَالَ: ((مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ فَأَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)) (٤). قال ابن بطال: (ومعنى الحديث: الحض على ترك النميمة) (٥). وقال ابن دقيق العيد: (فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ أَمْرِ النَّمِيمَةِ، وَأَنَّهَا سَبَبُ الْعَذَابِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّمِيمَةِ الْمُحَرَّمَةِ) (٦). وقال الشوكاني: (وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ مِنْ الْإِنْسَانِ وَوُجُوبِ اجْتِنَابِهِ وَهُوَ إجْمَاعٌ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى عِظَمِ أَمْرِهِ وَأَمْرِ النَّمِيمَةِ، وَأَنَّهُمَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ عَذَابِ الْقَبْرِ) (٧).
следующие страницы →