← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

نماذج من رحمة النبي ﷺ : قال تعالى واصفاً نبيه الكريم ﷺ : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨]. فقد كان رسول الله ﷺ أرحم الناس بالناس وأرأفهم بهم, وعندما نقول (الناس) فإننا لا نعني المؤمنين فقط, ولكننا نعني المؤمنين ومن لم يكن يدين بدين الإسلام أصلاً, بل إن رحمته ﷺ تعدت ذلك إلى الحيوان والجماد وسنعرض هنا بعض النماذج من رحمته ﷺ : رحمته ﷺ بالكفار: - (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ أنّها قالت للنّبيّ ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟. قال: ((لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت. وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثمّ قال: يا محمّد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النّبيّ ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا)) (١). يقول الإمام ابن حجر ﵀: (في هذا الحديث بيان شفقة النبي ﷺ على قومه ومزيد صبره وحلمه وهو موافق لقوله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩] , وقوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]). (٢) رحمته ﷺ بالحيوان: عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: ((أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفا أو حائش نخل قال فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفراه فسكت فقال: من رب هذا الجمل لمن هذا الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه)) (٣).? - عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: ((كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حمّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمّرة فجعلت تفرّش جاء النّبيّ ﷺ فقال: (من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها ورأى قرية نمل قد حرّقناها، فقال: من حرّق هذه؟. قلنا: نحن، قال: إنّه لا ينبغي أن يعذّب بالنّار إلّا ربّ النّار)) (٤). رحمته بالجماد: - عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ : ((كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرا؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي ﷺ فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يسكن. قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها)) (٥).

стр. 247

نماذج من رحمة الصحابة: وقد سار صحابة رسول الله ﷺ على نهجه واقتدوا به في التمسك بهذا الخلق الكريم, حتى صار الرجل المعروف بشدته وصرامته هيناً ليناً رحيماً رؤوفاً: - فهذا عمر بن الخطاب ﵁ الذي عرف بشدته وقوته تغير الرحمة من طباعه فيصبح رقيقاً يمتلأ قلبه رحمة ويفيض فؤاده شفقة، ومما يدل على ذلك قوله لعبد الرحمن بن عوف حينما أتاه يكلمه في أن يلين لهم لأنه أخاف الناس حتى خاف الأبكار في خدورهن، فقال: (إني لا أجد لهم إلاَّ ذلك، والله لو أنهم يعلمون ما لهم عندي من الرأفة والرحمة والشفقة لأخذوا ثوبي عن عاتقي) (١). - و (رآه عيينة بن حصن يوماً يقبل أحد أبنائه وقد وضعه في حجره وهو يحنو عليه، فقال عيينة: أتقبل وأنت أمير المؤمنين؟ لو كنت أمير المؤمنين ما قبلت لي ولداً. فقال عمر: الله، الله حتى استحلفه ثلاثاً، فقال عمر: فما أصنع إن كان الله نزع الرحمة من قلبك؟ إن الله إنما يرحم من عباده الرحماء) (٢). - (واشتهى الحوت يوماً، فقال: لقد خطر على قلبي شهوة الطري من حيتان، فخرج يرفأ في طلب الحوت لعمر ﵁، ورحل راحلته، فسار ليلتين مدبراً، وليلتين مقبلاً، واشترى مكتلاً، وجاء بالحوت، ثم غسل يرفأ الدابة، فنظر إليها عمر فرأى عرقاً تحت أذنها، فقال: عذبت بهيمة من البهائم في شهوة عمر، لا والله لا يذوقه عمر، عليك بمكتلك) (٣). (ومرّ ﵁ براهب فوقف ونودي بالراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطَّلَع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترْكِ الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال عمر: قد علمت ولكني رحمته، ذكرت قول الله : عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً [الغاشية: ٣ - ٤] رحمتُ نصبَه واجتهاده وهو في النار) (٤). - وتُحدثنا أم المؤمنين عائشة ﵂ عن امرأة من الصحابة تجلت فيها أروع صور الرحمة وأعظمها وهي الرحمة بالولد والشفقة عليه .. تقول عائشة ﵂ قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها. فأطعمتها ثلاث تمرات. فأعطت كل واحدة منهما تمرة. ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها. فاستطعمتها ابنتاها. فشقت التمرة، التي كانت تريد أن تأكلها، بينهما. فأعجبني شأنها. فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ . فقال ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة. أو أعتقها بها من النار)) (٥). - وهذا أبو برزة الأسلمي ﵁ من رحمته أنه كان له جفنة من ثريد غدوة , وجفنة عشية للأرامل واليتامى والمساكين (٦).

стр. 248

نماذج من رحمة السلف: رحمة عمر بن عبد العزيز ﵀: (كتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى حيان بمصر إنه بلغني أن بمصر إبلا نقالات يحمل على البعير منها ألف رطل فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل وكتب إلى صاحب السكك أن لا يحملوا أحدا بلجام ثقيل من هذه الرستنية ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة) (١).

стр. 249

نماذج من رحمة العلماء المتقدمين: رحمة شيخ الإسلام ابن تيمية: قال الحافظ عمر بن علي البزار: (وحدثني من أثق به أن الشيخ ﵁ كان ماراً يوماً في بعض الأزقة فدعا له بعض الفقراء وعرف الشيخ حاجته ولم يكن مع الشيخ ما يعطيه فنزع ثوباً على جلده ودفعه إليه وقال بعه بما تيسر وأنفقه واعتذر إليه من كونه لم يحضر عنده شيء من النفقة) (١).

стр. 250

نماذج من رحمة العلماء المعاصرين: رحمة الشيخ ابن باز ﵀: يقول الشيخ محمد بن موسى الموسى: (في يوم من الأيام طلب مني أحد السائقين لدى سماحة الشيخ أن يتصل عبر الهاتف بأهله خارج البلاد أي يريد الاتصال من الهاتف الذي في منزل سماحة الشيخ فقلت له: لا بد من الاستئذان من سماحته فأتيت إلى سماحة الشيخ وقلت له: فلان طلب مني الإذن له بالاتصال بأهله. فقال سماحته: لعلك منعته فقلت: لا بد من إذن سماحتكم, فقال: اتركه يتصل, لا تمنعوهم ارحموهم, أما لكم أولاد أعوذ بالله, الرسول ﷺ يقول: ((من لا يرحم لا يرحم))) (١).

стр. 251

قالوا عن الرحمة: يقول العلامة السعدي ﵀ عن علامة وجود الرحمة في قلب العبد: (وعلامة الرحمة الموجودة في قلب العبد، أن يكون محبا لوصول الخير لكافة الخلق عموما، وللمؤمنين خصوصا، كارها حصول الشر والضرر عليهم. فبقدر هذه المحبة والكراهة تكون رحمته) (١). فمتى ما وجدت هذه العلامة في قلب العبد دلت على أن قلبه عامر بالرحمة, مفعم بالرأفة. وقال الرافعي: (إن الرحمة الإنسانية التي هي وحدها الحقيقة الكبرى إنما هي هذا الحب، بادئًا من الولد لأبويه، وهو الحب الخاص؛ ثم من المحب لحبيبته، وهو الحب الأخص، ثم من الإنسان للإنسانية، وهو الحب مطلقًا بعمومه وبغير أسبابه الملجئة من الحاجة والغريزة؛ وهي درجات كدرجات الحياة نفسها من طفولتها إلى شبابها إلى الشيخوخة، ومن العاطفة إلى الرغبة إلى العقل) (٢). وقال مصطفى لطفي المنفلوطي: (إن الرحمة كلمة صغيرة .. ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظرها, والشمس في حقيقتها. لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا مغبون ولا مهضوم ولأقفرت الجفون من المدامع ولاطمأنت الجنوب في المضاجع. ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام. أيها الإنسان ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها ولم يترك لها غير صبية صغار ودموع غزار ارحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها فتؤثر الموت على الحياة. ارحم الزوجة أم ولدك وقعيدة بيتك ومرآة نفسك وخادمة فراشك لأنها ضعيفة ولأن الله قد وكل أمرها إليك وما كان لك أن تكذب ثقته بك. ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه فإنك إلا تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين. ارحم الجاهل لا تتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل والظلم ولا تتخذ عقله متجراً تربح فيه ليكون من الخاسرين. ارحم الحيوان لأنه يحس كما تحس ويتألم كما تتألم ويبكي بغير دموع ويتوجع. ارحم الطير لا تحبسها في أقفاصها ودعها تهيم في فضائها حيث تشاء وتقع حيث يطيب لها التغريد والتنقير إن الله وهبها فضاء لا نهاية لها فلا تغتصبها حقها فتضعها في محبس لا يسع مد جناحها أطلق سبيلها وأطلق سمعك وبصرك وراءها لتسمع تغريدها فوق الأشجار وفي الغابات وعلى شواطئ الأنهار وترى منظرها وهي طائرة في جو السماء فيخيل إليك أنها أجمل من منظر الفلك الدائر والكوكب السيار. أيها السعداء أحسنوا إلى البائسين والفقراء, وامسحوا دموع الأشقياء وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) (٣).

стр. 252

الرحمة في واحة الشعر .. قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: بادر إلى الخير يا ذا اللب مغتنما ... ولا تكن من قليل العرف محتشما واشكر لمولاك ما أولاك من نعمٍ ... فالشكر يستوجب الإفضال والكرما وارحم بقلبك خلقَ الله وارعَهُم ... فإنَّما يرحم اللهُ منْ رَحِما وقال الحافظ زين الدين العراقي: إنْ كنتَ لا ترحم المسكين إن عَدِما ... ولا الفقير إذا يشكو لك العَدما فكيف ترجو من الرحمن رحمته ... وإنَّما يرحم الرحمنُ من رَحِما وقال الحافظ أبو الفضل بن حجر: إنّ منْ يرحمُ أهلَ الأرضِ قد عَدِما ... جاءنا يرحمه من في السَّما فارحمِ الخلقَ جميعاً إنّما ... يرحمُ الرحمنُ منّا الرُّحما وقال الحافظ رضوان: الحبُّ فيكَ مسلسلٌ بالأوّل ... فاحْنِنْ ولا تسمع كلامَ العُذَّلِ ارحمْ عبادَ الله يا من قد علا ... من يرحمِ السُّفلاء يرحمْه العلي وقال صاحبنا الشهاب المنصوري: يا ملوكَ الجمال نحن أُسارى ... في هواكم وقد عدمنا الفداءَ فارحمونا فإنَّما يرحم اللـ ... ـه تعالى من خلقه الرحماءَ وقال أيضاً: أخْلِقْ بمن يظلم أن يُظلما ... وبالذي يرحم أن يُرحما من لم يكن يرحم بالقلب منْ ... في الأرض لم يرحمه من في السَّما وقال أيضاً: إن تُرِدْ أن تكونَ من رحمة اللـ ... ـه قريباً وفي النعيم مقيما فارحمِ الناسَ رأفةً واعف عنهم ... إنَّما يرحمُ الرحيم الرحيما وقال أبو الفتح محمد بن أحمد الكندي: سامحْ أخاك الدَّهر مهما بدَتْ ... منه ذنوبٌ وقعُها يعظُمُ وارحم لتلقى رحمة في غدٍ ... فربُّنا يرحمُ من يرحمُ (١) وقال ابن معصوم المدني: معصيتي أعظمُ من طاعَتي ... لكن رجائي منهما أعظمُ وأنت ذو الرحمَة يا سيِّدي ... إن لم تكن ترحمُ من يَرحمُ وقال السهمي: خالل خليل أخيك وأخو إخاءه ... واعلم بأن أخا أخيك أخوكا وبنيك ثم بني بنيك فكن بهم ... براً فإن بني بنيك بنوكا وارفق بجدك رحمة وتعطفاً ... ترحم فإن أبا أبيك أبوكا (٢) وقال آخر يا راحم الضعفاء نظرة رحمة ... لمعذب مضني الفؤاد تشوقا يرجوك فضلا أن تمن ترحما ... بشفاعة تمحو ذنوبا سبقا (٣) وقال ابن يعقوب: إن كنت ترجو من الرحمن رحمته ... فارحم ضعاف الورى يا صاح محترماً واقصد بذلك وجه الله خالقنا ... سبحانه من إله قد برى النسما واطلب جزا ذاك من مولاك رحمته ... فإنما يرحم الرحمن من رحما (٤) وقال ابن الرومي: أرائمتي رجِّي من اللَّه رحمةً ... مُوكَّلةً بالأمهاتِ الروائمِ وإنّ الذي تَسترْحِمُ الأمُّ لابنِها ... بها وبه لاشكَّ أرْحَمُ راحم (٥) وقال ابن الشوائطي: بادر إلى الخير يا ذا اللب واللسن ... واشكر لربك ما أولى من المنن وارحم بقلبك خلق الله كلهم ... ينلك رحمته في الموقف الخشن (٦) ...

стр. 253

معنى الرفق لغة واصطلاحاً معنى الرفق لغةً: قال ابن منظور: (الرِّفْق ضد العنْف رَفَق بالأَمر وله وعليه يَرْفُق رِفْقاً ورَفُقَ يَرْفُقُ ورَفِقَ لطف ورفَقَ بالرجل وأَرْفَقه بمعنى وكذلك تَرفَّق به) (١). معنى الرفق اصطلاحاً: قال ابن حجر في تعريف الرفق: (هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف) (٢). وقال القاري: (هو المداراة مع الرفقاء ولين الجانب واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها) (٣).

стр. 254

الترغيب والحث على الرفق في القرآن والسنة الترغيب والحث على الرفق من القرآن الكريم: (أوصى الإسلام بالرفق وحث عليه، واعتبر المحروم منه محروم من خير كثير، وذلك لأن الرفق في الأمور من شأنه أن يصلح ويعطي أفضل النتائج وأجود الثمرات، بخلاف العنف فمن شأنه أن يفسد ويعطي نتائج سيئة) (١). قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩]. (يقول تعالى مخاطبا رسوله ﷺ ، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته، المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ أي: أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم) (٢). وقال سبحانه مخاطباً الرسول: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ٢١٥] (أي: أرفق بهم وألن جانبك لهم) (٣). وقال سبحانه: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: ٤٣ - ٤٤]. فقوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا (أي: سهلا لطيفا، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف، ولا غلظة في المقال، أو فظاظة في الأفعال، لَّعَلَّهُ بسبب القول اللين يَتَذَكَّرُ ما ينفعه فيأتيه، أَوْ يَخْشَى ما يضره فيتركه، فإن القول اللين داع لذلك، والقول الغليظ منفر عن صاحبه) (٤). الترغيب والحث على الرفق من السنة النبوية: - عن عائشة- ﵂ ((أن يهود أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: السام عليكم. فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله وغضب الله عليكم. قال: مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش. قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟. قال: أو لم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في)) (٥). - وعن جرير- ﵁ عن النبي ﷺ قال: من يحرم الرفق يحرم الخير (٦). قال ابن عثيمين: (يعني أن الإنسان إذا حرم الرفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنه يحرم الخير كله أي فيما تصرف فيه، فإذا تصرف الإنسان بالعنف والشدة فإنه يحرم الخير فيما فعل وهذا شيء مجرب ومشاهد أن الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف والشدة؛ فإنه يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرفق والحلم والأناة وسعة الصدر؛ حصل على خيرٍ كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائماً رفيقاً حتى ينال الخير) (٧). - وعن عائشة- ﵂ قالت: ((سمعت من رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به)) (٨).

стр. 255

قال ابن عثيمين: (قد يظن بعض الناس أن معنى الرفق أن تأتي للناس على ما يشتهون ويريدون وليس الأمر كذلك بل الرفق أن تسير بالناس حسب أوامر الله ورسوله ولكن تسلك أقرب الطرق وأرفق الطرق بالناس ولا تشق عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله فإن شققت عليهم في شيء ليس عليه أمر الله ورسوله فإنك تدخل في الطرف الثاني من الحديث وهو الدعاء عليك بأن يشق الله عليك) (١). - وعنها أيضاً ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)) (٢). - وعن أبي الدرداء- ﵁ عن النبي ﷺ قال: من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الخير)) (٣) (إذ به تنال المطالب الأخروية والدنيوية وبفوته يفوتان) (٤). وهذه النصوص التي مرت معنا تدل (على أن الرفق في الأمور والرفق بالناس واللين والتيسير من جواهر عقود الأخلاق الإسلامية، وأنها من صفات الكمال، وأن الله تعالى من صفاته أنه رفيق، وأنه يحب من عباده الرفق، فهو يوصيهم به ويرغبهم فيه، ويعدهم عليه عطاءً لا يعطيه على شيءٍ آخر. ويفهم من النصوص أن العنف شَيْن خلقي، وأنه ظاهرة قبيحة، وأن الله لا يحبه من عباده) (٥).

стр. 256

أقوال السلف والعلماء في الرفق - (بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن جماعة من رعيته اشتكوا من عماله فأمرهم أن يوافوه فلما أتوه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أيتها الرعية إن لنا عليكم حقا النصيحة بالغيب والمعاونة على الخير أيتها الرعاة إن للرعية عليكم حقا فاعلموا أنه لا شيء أحب إلى الله ولا أعز من حلم إمام ورفقه، ليس جهل أبغض إلى الله ولا أغم من جهل إمام وخرقه واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهريه يرزق العافية ممن هو دونه) (١). - و (روي أن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية أما بعد: فإن الفهم في الخير زيادة رشد وإن الرشيد من رشد عن العجلة وإن الجانب من خاب عن الأناة وإن المتثبت مصيب أو كاد أن يكون مصيبا وإن العجل مخطئ أو كاد أن يكون مخطئا وأن من لا ينفعه الرفق يضره الخرق ومن لا ينفعه التجارب لا يدرك المعالي) (٢). - وقال عمرو بن العاص لابنه عبد الله ما الرفق قال: (تكون ذا أناة فتلاين الولاة قال فما الخرق قال معاداة إمامك ومناوأة من يقدر على ضررك) (٣). - وعن عروة بن الزبير قال: (كان يقال: الرفق رأس الحكمة) (٤). - وعن الشعبي قال: (غشي على مسروق في يوم صائف، وكانت عائشة قد تبنته فسمى بنته عائشة، وكان لا يعصي ابنته شيئاً، قال: فنزلت إليه فقالت: يا أبتاه أفطر واشرب، قال: ما أردت لي يا بُنية؟ قالت: الرفق، قال. يا بنية، إنما طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)، وفي رواية: (إنما طلبت الرفق لتعبي) - وقال سفيان لأصحابه: (تدرون ما الرفق قالوا قل يا أبا محمد قال أن تضع الأمور من مواضعها الشدة في موضعها واللين في موضعه والسيف في موضعه والسوط في موضعه) (٥). - قال وهب بن منبه: (الرفق ثني الحلم) (٦). - وعن قيس بن أبي حازم قال كان يقال: (الرفق يمن، والخرق شؤم) (٧). - وعن حبيب بن حجر القيسيّ قال: (كان يقال: ما أحسن الإيمان يزينه العلم وما أحسن العلم يزينه العمل وما أحسن العمل يزينه الرفق) (٨). - وقال ابن القيم: (من رَفَقَ بعبادِ الله رَفَقَ الله به، ومن رحمهم رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد الله عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن منعهم خيره منعه خيره، ومن عامل خلقه بصفةٍ عامله الله بتلك الصِّفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه) (٩). - قال ابن حجر: (لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب) (١٠). - وقال أَبُو حاتم: (الواجب على العاقل لزوم الرفق في الأمور كلها وترك العجله والخفة فيها إذ اللَّه تعالى يحب الرفق في الأمور كلها ومن منع الرفق منع الخير كما أن من أعطي الرفق أعطي الخير ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شيء من الأشياء على حسب الذي يحب إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة) (١١). - وقال أيضاً: (العاقل يلزم الرفق في الأوقات والاعتدال في الحالات لأن الزيادة على المقدار في المبتغى عيب كما أن النقصان فيما يجب من المطلب عجز وما لم يصلحه الرفق لم يصلحه العنف ولا دليل أمهر من رفق كما لا ظهير أوثق من العقل ومن الرفق يكون الاحتراز وفي الاحتراز ترجى السلامة وفي ترك الرفق يكون الخرق وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة) (١٢).

стр. 257

فوائد الرفق ١ - طريق موصل إلى الجنة. ٢ - دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام. ٣ - يثمر محبة الله ومحبة الناس. ٤ - ينمي روح المحبة والتعاون بين الناس. ٥ - دليل على صلاح العبد وحسن خلقه. ٦ - بالرفق ينشأ المجتمع سالما من الغل والعنف. ٧ - عنوان سعادة العبد في الدارين. ٨ - الرفق يزين الأشياء. ٩ - رفق الوالي بالرعية مدعاة لأن يرفق الله بالرعية ١٠ - الرفق بالحيوان في إطعامه أو ذبحه من مظاهر الإحسان. ١١ - الرفيق دليل على فقهه وأناته وحكمته (١). ١٢ - الرفق ينتج منه حسن الخلق. ١٣ - بالرفق ينال الخير.

стр. 258

صور الرفق ١ - الرفق بالنفس في أداء ما فرض عليه: المسلم لا يحمل نفسه من العبادة مالا تطيقه فالإسلام دين يسر وسهولة فالمتبع له يوغل فيه برفق، قال ﷺ : ((إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة، وشيء من الدلجة)) (١). وعن عائشة ﵂: أن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها وعندها رسول الله ﷺ قالت فقلت هذه الحولاء بنت تويت وزعموا أنها لا تنام بالليل فقال رسول الله ﷺ لا تنام بالليل خذوا من العمل ما تطيقون فو الله لا يسأم الله حتى تسأموا (٢). قال ابن القيم: (نهى النبي ﷺ عن التشديد في الدين بالزيادة على المشروع، وأخبر ﷺ أن تشديد العبد، على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه إما بالقدر وإما بالشرع. فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس. فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر، حتى استحكم ذلك وصار صفة لازمة لهم) (٣). ٢ - الرفق مع الناس عامة: ويكون بلين الجانب وعدم الغلظة والجفاء، والتعامل مع الناس بالسماحة، قال ﷺ : ((المؤمنون هينون لينون، كالجمل الأنف، إن قيد انقاد، وإذا أنيخ على صخرة استناخ)) (٤) وقال ﷺ : ((إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)) (٥). ٣ - الرفق بالرعية: الراعي سواء كان حاكما، أو رئيسا، أو مسؤولا عليه أن يرفق برعيته، فيقضي حاجتهم، ويؤدي مصالحهم برفق، قال ﷺ : ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)) (٦). وقال ﷺ : ((إن شر الرعاء الحطمة)) (٧). (وقد ضرب الرسول ﷺ في هذا الحديث مثلاً لكل راع عنيف قاس شديد لا رحمة في قلبه على رعيته من الناس، سواء أكان ولي أسرة، أو صاحب سلطان، صغرت دائرة رعيته أو كبرت، فشر الرعاة من الناس على الناس هو الحطمة الذي لا رفق عنده، ولا رحمة في قلبه تلين سياسته وقيادته، فهو يقسو ويشتد على رعيته، ويوسعهم عسفاً وتحطيماً، ويدفعهم دائماً إلى المآزق والمحرجات، ولا يعاملهم بالرفق والحكمة في الإدارة والسياسة) (٨). قال ابن عثيمين: (أما ولاة الأمور فيجب عليهم الرفق بالرعية والإحسان إليهم واتباع مصالحهم وتولية من هو أهل للولاية ودفع الشر عنهم وغير ذلك من مصالحهم لأنهم مسئولون عنهم أمام الله (٩). ٤ - الرفق بالمدعوين:

стр. 259

الداعية عليه أن يرفق في دعوته، فيشفق على الناس ولا يشق عليهم، ولا ينفرهم من الدين بأسلوبه الغليظ والعنيف، (وأولى الناس بالتخلق بخلق الرفق الدعاة إلى الله والمعلمون، فالدعوة إلى الله لا تؤثر ما لم تقترن بخلق الرفق في دعوة الخلق إلى الحق، وتعليم الناس لا يؤتي ثمراته الطيبات ما لم يقترن بخلق الرفق الذي يملك القلوب بالمحبة) (١). قال تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]. فيدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ويتلطف مع العاصي بكلام ليِّن وبرفق ولا يعين الشيطان عليه، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (إذا رأيتم أخاكم قارف ذنباً فلا تكونوا أعواناً للشيطان عليه، تقولوا: اللهم أخزه، اللهم العنه، ولكن سلوا الله العافية، فإنا أصحاب محمد ﷺ كنا نقول في أحد شيئاً حتى نعلم علام يموت؟ فإن ختم له بخير علمنا أن قد أصاب خيراً، وإن ختم بشر خفنا عليه) (٢). وانظر إلى رفق إبراهيم ﵇ مع أبيه قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم: ٤٧]. قال الشنقيطي: (بين الله جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين وإيضاح الحق والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ومن عذاب الله تعالى وولاية الشيطان خاطبه هذا الخطاب العنيف وسماه باسمه ولم يقل له يا بني في مقابلة قوله له يا أبت وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان أي معرض عنها لا يريدها لأنه لا يعبد إلا الله وحده جل وعلا وهدده جل وعلا وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه قيل بالحجارة وقيل باللسان شتما والأول أظهر ثم أمره بهجره مليا أي زمانا طويلا ثم بين أن إبراهيم قابل أيضا جوابه العنيف بغاية الرفق واللين في قوله: قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ... [مريم: ٤٧]) (٣). ٥ - الرفق بالخادم والمملوك: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول لله ﷺ : ((للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق)) (٤). قال الشنقيطي: (فأوجب على مالكيهم الرفق والإحسان إليهم، وأن يطعموهم مما يطعمون، ويكسوهم مما يلبسون، ولا يكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، وإن كلفوهم أعانوهم; كما هو معروف في السنة الواردة عنه ﷺ مع الإيصاء عليهم في القرآن) (٥). ٦ - الرفق بالحيوان: فمن الرفق بالحيوان أن تدفع عنه أنواع الأذى كالعطش والجوع والمرض والحمل الثقيل، فعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: - ((بينا رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا، فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر)) (٦). - وعن سعيد بن جبير قال: ((مر ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر من فعل هذا لعن الله من فعل هذا إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا)) (٧).

стр. 260

نماذج في الرفق نماذج من رفق النبي ﷺ : كان النبي ﷺ رفيقاً هيناً ليناً سهلاً في تعامله وفي أقواله وأفعاله، وكان يحب الرفق، ويحث الناس على الرفق، ويرغّبهم فيه، فعن عبادة بن شرحبيل قال: أصابنا عام مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطا من حيطانها، فأخذت سنبلا ففركته فأكلته، وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط، فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت النبي ﷺ ، فأخبرته، فقال للرجل ما أطعمته إذ كان جائعا، أو ساغبا، ولا علمته إذ كان جاهلا، فأمره النبي ﷺ ، فرد إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق (١). - وكان ﷺ رفيقا بقومه رغم أذيتهم له، فعن عروة أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حدثته أنها قالت للنبي ﷺ هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي ﷺ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا (٢). - وكان ﷺ رفيقا في تعليمه للجاهل، فعن أنس بن مالك ﵁ قال ((بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله ﷺ مه مه. قال: قال رسول الله ﷺ لا تزرموه دعوه. فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن. أو كما قال رسول الله ﷺ . قال فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه)) (٣). - وعن معاوية بن الحكم السلمي قال ((بينا أنا أصلى مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)) (٤).

стр. 261

- كما أنه ﷺ كان يبين للناس توضيح الأمور بالرفق، ومن ذلك الشاب الذي طلب منه أن يأذن له بالزنى، فعن أبي أمامة قال ((إن فتى شابا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا مه مه فقال أدنه فدنا منه قريبا قال فجلس قال أتحبه لأمك قال لا والله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لأمهاتهم قال أفتحبه لابنتك قال لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لبناتهم قال أفتحبه لأختك قال لا والله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لأخواتهم قال أفتحبه لعمتك قال لا والله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لعماتهم قال أفتحبه لخالتك قال لا والله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لخالاتهم قال فوضع يده عليه وقال اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء)) (١). - وكان ﷺ رفيقاً بنسائه، فعن أنس ((أن النبي ﷺ أتى على أزواجه وسَوَّاق يسُوقُ بهنّ يُقال له: أَنْجَشَة، وكان يَحْدُو للإبل ببعض الشعر حتى تسرع على حِدَائه، فقال له النبي: ويحك يا أَنْجَشَة، رُوَيدًا سَوْقَك القوارير)) (٢). - كما أنه ﷺ كان يرفق بأبناء المسلمين، فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الآخر، ثم يضمهما، ثم يقول: اللهم ارحمهما، فإني أرحمهما)) (٣). نماذج من رفق الصحابة ﵃: رفق عمر بن الخطاب ﵁: - عن زيد بن وهب قال: خرج عمر ﵁ ويداه في أذنيه وهو يقول يا لبيكاه يا لبيكاه قال الناس ماله قال جاءه بريد من بعض أمرائه أن نهرا حال بينهم وبين العبور ولم يجدوا سفنا فقال أميرهم اطلبوا لنا رجلا يعلم غور الماء فأتي بشيخ فقال إني أخاف البرد وذاك في البرد فأكرهه فأدخله فلم يلبثه البرد فجعل ينادي يا عمراه يا عمراه فغرق فكتب إليه فأقبل فمكث أياما معرضا عنه وكان إذا وجد على أحد منهم فعل به ذلك ثم قال ما فعل الرجل الذي قتلته قال يا أمير المؤمنين ما تعمدت قتله لم نجد شيئا يعبر فيه وأردنا أن نعلم غور الماء ففتحنا كذا وكذا وأصبنا كذا وكذا فقال عمر ﵁ لرجل مسلم أحب إلي من كل شيء جئت به لولا أن تكون سنة لضربت عنقك اذهب فأعط أهله ديته واخرج فلا أراك (٤). - وعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال خرجت مع عمر بن الخطاب، ﵁، إلى السوق فلحقت عمر امرأة شابة فقالت يا أمير المؤمنين هلك زوجي وترك صبية صغارا والله ما ينضجون كراعا، ولا لهم زرع، ولا ضرع وخشيت أن تأكلهم الضبع وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري وقد شهد أبي الحديبية مع النبي ﷺ فوقف معها عمر ولم يمض ثم قال مرحبا بنسب قريب ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطا في الدار فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاما وحمل بينهما نفقة وثيابا ثم ناولها بخطامه ثم قال اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير فقال رجل يا أمير المؤمنين أكثرت لها قال عمر ثكلتك أمك والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنا زمانا فافتتحاه ثم أصبحنا نستفيء سهمانهما فيه (٥). - وكان عمر بن الخطاب ﵁ يذهب إلى العوالي كل يوم سبت فإذا وجد عبدا في عمل لا يطيقه وضع عنه (٦).

стр. 262

الرفق في واحة الشعر .. قال المنتصر بن بلال: الرفق ممن سيلقى اليمن صاحبه ... والخرق منه يكون العنف والزلل والحزم أن يتأنى المرء فرصته ... والكف عنها إذا ما أمكنت فشل والبر لله خير الأمر عاقبة ... والله للبر عون ماله مثل خير البرية قولا خيرهم عملا ... لا يصلح القول حتى يصلح العمل (١) وقال القاضي التنوخي: الق العدو بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات فأحزم الناس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من مودات الرفق يمن وخير القول أصدقه ... وكثرة المزح مفتاح العداوات (٢) وقال منصور بن محمد الكريزي: الرفق أيمن شيء أنت تتبعه ... والخرق أشأم شيء يقدم الرجلا وذو التثبت من حمد إلى ظفر ... من يركب الرفق لا يستحقب الزللا (٣) وقال النابغة: الرفق يمن والأناة سلامة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا (٤) وقال أحمد بن موسى الأزرق: وزن الكلام إذا نطقت، فإنما ... يبدي العقول أو العيوب المنطق لا ألفينك ثاوياً في غربة ... إن الغريب بكل سهم يرشق لو سار ألف مدجج في حاجة ... لم يقضها إلا الذي يترفق (٥) وقال آخر: ينال بالرفق ما يغني الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل وقال محمد بن حبيب الواسطي: بني إذا ما ساقك الضر فاتئد ... فللرفق أولى بالأريب وأحرز فلا تحمين عند الأمور تعززاً ... فقد يورث الذل الطويل التعزز (٦) وقال أبو عثمان التجيبي: خذ الأمور برفق واتئد أبدا ... إياك من عجل يدعو إلى وصب الرفق أحسن ما تؤتى الأمور به ... يصيبه ذو الرفق أو ينجو من العطب (٧) وقال المنتصر بن بلال: وعليك في بعض الأمور صعوبة ... والرفق للمستصعبات مدان وبحسن عقل المرء يثبت حاله ... وعلى المغارس تثمر العيدان (٨) وقال أبو الحسن الربعي: الرفق ألطف ما اتخذت رفيقا ... ويسوء ظنك أن تكون شفيقا فخذ المجاز من الزمان وأهله ... ودع التعمق فيه والتحقيقا وإذا سألت الله صحبة صاحب ... فاسأله في أن يصحب التوفيقا وانظر بعينك حازماً متعذراً ... في حيث شئت وعاجزا مرزوقا (٩) ...

стр. 263

معنى السماحة لغة واصطلاحاً معنى السماحة لغة: سَمُحَ، ككَرُمَ، سَماحاً وسَماحَةً وسُموحاً وسُموحَةً وسَمْحاً وسِماحاً (١). ومادة (سمح) تدل عَلَى سَلَاسَةٍ وَسُهُولَةٍ (٢). والمسامَحة: المساهَلة. وتَسامحوا: تَساهَلوا (٣). معنى السماحة اصطلاحاً: السماحة في الاصطلاح تطلق على معنيين: الأول: (السماحة: هي بذل ما لا يجب تفضلا) (٤). الثاني: (في معنى التسامح مع الغير في المعاملات المختلفة ويكون ذلك بتيسير الأمور والملاينة فيها التي تتجلى في التيسير وعدم القهر، وسماحة المسلمين التي تبدو في تعاملاتهم المختلفة سواء مع بعضهم أو مع غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى) (٥).

стр. 264

الترغيب على السماحة من القرآن والسنة الترغيب على السماحة من القرآن الكريم: - قال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩]. قال السعدي: (هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به الناس، أن يأخذ العفو، أي: ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، بل يشكر من كل أحد ما قابله به، من قول وفعل جميل أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم ويغض طرفه عن نقصهم) (١). - وقال سبحانه: وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة: ٢٣٧]. قال ابن عاشور: (ومعنى كون العفو أقرب للتقوى: أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه، لكثرة أسبابها فيه) (٢). - ونفى الله عن رسوله الفظاظة وغلظ القلب فقال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]. قال السعدي: (أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك. وَلَوْ كُنتَ فَظًّا أي: سيئ الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ أي: قاسيه، لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ) (٣). - وقال تعالى: وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٨٠]. ففي هذه الآية (وجه الله الدائنين إلى التيسير على المدينين المعسرين، فعلمهم الله بذلك سماحة النفس، وحسن التغاضي عن المعسرين) (٤). الترغيب على السماحة من السنة النبوية: - وعن جابر بن عبد الله، ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)) (٥). قال ابن بطال: (فيه الحضُ على السماحة وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة في البيع، وذلك سبب إلى وجود البركة فيه لأن النبي ﵇ لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم في الدنيا والآخرة) (٦).

стр. 265

وقال المناويّ: (رحم الله عبدا) دعاء أو خبر وقرينة الاستقبال المستفاد من إذا تجعله دعاء (سَمْحا) بفتح فسكون جوادا أو متساهلا غير مضايق في الأمور وهذا صفة مشبهة تدل على الثبوت ولذا كرر أحوال البيع والشراء والتقاضي حيث قال: (إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى) أي وفى ما عليه بسهولة (سمحا إذا اقتضى) أي طلب قضاء حقه وهذا مسوق للحث على المسامحة في المعاملة وترك المشاححة والتضييق في الطلب والتخلق بمكارم الأخلاق وقال القاضي: رتب الدعاء على ذلك ليدل على أن السهولة والتسامح سبب لاستحقاق الدعاء ويكون أهلا للرحمة والاقتضاء والتقاضي وهو طلب قضاء الحق) (١). - وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ ((ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار على كل قريب هين سهل)) (٢). قال القاري: (أي: تحرم على كل سهل طلق حليم لين الجانب، قيل: هما يطلقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف، ... (قريب) أي: من الناس بمجالستهم في محافل الطاعة وملاطفتهم قدر الطاعة (سهل) أي: في قضاء حوائجهم، أو معناه أنه سمح القضاء سمح الاقتضاء سمح البيع سمح الشراء) (٣). - وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ ((إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب)) (٤). قال الطيبي: (ولما كانت الأوصاف الأربعة ظاهرة في الإنسان والأرض أجريت على حقيقتها، وأولت الأربعة الأخيرة لأنها من الأخلاق الباطنة، فإن المعني بالسهل الرفق واللين، وبالحزن الخرق والعنف، وبالطيب الذي يعني به الأرض العذبة المؤمن الذي هو نفع كله، بالخبيث الذي يراد به الأرض السبخة الكافر الذي هو ضر كله، والذي سبق له الحديث هو الأمور الباطنة؛ لأنها داخلة في حديث القدر بالخير والشر، وأما الأمور الظاهرة من الألوان، وإن كانت مقدرة فلا اعتبار لها فيه) (٥). (والنفس السمحة كالأرض الطيبة الهينة المستوية، فهي لكل ما يراد منها من خير صالحة، إن أردت عبورها هانت، وإن أردت حرثها وزراعتها لانت، وإن أردت البناء فيها سهلت، وإن شئت النوم عليها تمهدت) (٦). - وروي عن مكحول مرسلاً، قال رسول الله ﷺ : ((المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف، إن قيد انقاد، وإن أنيخَ على صخرةٍ، استناخ)) (٧). (والمراد بالهين سهولته في أمر دنياه ومهمات نفسه ... واللين لين الجانب وسهولة الانقياد إلى الخير والمسامحة في المعاملة (كالجمل) أي كل واحد منهم) (٨). - وعن حذيفة قال ((أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالا فقال له ماذا عملت فى الدنيا - قال ولا يكتمون الله حديثا - قال يا رب آتيتني مالك فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز فكنت أتيسر على الموسر وأنظر المعسر. فقال الله أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي)) (٩). قال النووي: (والتجاوز والتجوز معناهما المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء وقبول ما فيه نقص يسير كما قال وأتجوز في السكة وفي هذه الأحاديث فضل إنظار المعسر والوضع عنه إما كل الدين وإما بعضه من كثير أو قليل وفضل المسامحة في الاقتضاء وفي الاستيفاء سواء استوفي من موسر أو معسر وفضل الوضع من الدين وأنه لا يحتقر شيء من أفعال الخير فلعله سبب السعادة والرحمة) (١٠). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما السماحة والصبر فخلقان في النفس. قال تعالى: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد: ١٧] وهذا أعلى من ذاك وهو أن يكون صبارا شكورا فيه سماحة بالرحمة للإنسان وصبر على المكاره وهذا ضد الذي خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا؛ فإن ذاك ليس فيه سماحة عند النعمة ولا صبر عند المصيبة) (١١).

стр. 266

فوائد سماحة النفس - (يستطيع سمح النفس الهين اللين أن يغنم في حياته أكبر قسط من السعادة وهناءة العيش، لأنه بخلقه هذا يتكيف مع الأوضاع الطبيعية والاجتماعية بسرعة مهما كانت غير ملائمة لما يحب أو لما يهوى نفسه. - ويستطيع أن يستقبل المقادير بالرضى والتسليم مهما كانت مكروهة للنفوس. - ويستطيع سمح النفس الهين اللين أن يظفر بأكبر قسط من محبة الناس له، وثقة الناس به، لأنه يعاملهم بالسماحة والبشر ولين الجانب، والتغاضي عن السيئات والنقائص، فإذا دعاه الواجب إلى تقديم النصح كان في نصحه رفيقاً ليناً، سمحاً هيناً، يسر بالنصيحة، ولا يريد الفضيحة، يسد الثغرات، ولا ينشر الزلات والعثرات. - ويعامل الناس أيضاً بالسماحة في الأمور المادية، فإذا باع كان سمحاً وإذا اشترى كان سمحاً، وإذا أخذ كان سمحاً، وإذا أعطى كان سمحاً، وإذا قضى ما عليه كان سمحاً وإذا اقتضى ما له كان سمحاً. - ويجلب سمح النفس الهين اللين لنفسه الخير الدنيوي بتسامحه، وذلك لأن الناس يحبون المتسامح الهين اللين، فيميلون إلى التعامل معه، فيكثر عليه الخير بكثرة محبيه والواثقين به. - ويجلب سمح النفس الهين اللين لنفسه رضى الله تعالى والخير الأخروي العظيم، ما ابتغى بسماحته رضوان الله (١).

стр. 267

صور السماحة (الناس على اختلاف مستوياتهم في الذكاء واختلاف نماذجهم الخلقية يوجد فيهم من يتمتعون بخلق سماحة النفس، فهم هينون لينون سمحاء، ويوجد فيهم آخرون نكدون متشددون يتذمرون من كل شيء لا يوافق هواهم) (١). وقد قال ﷺ كما مر معنا في الحديث: ((رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)) (٢) وصور سماحة النفس كثيرة فمنها: ١ - السماحة في التعامل مع الآخرين: ويكون بعدم التشديد والغلظة في التعامل مع الآخرين حتى ولو كان خادماً فعن أنس قال ((خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أف، ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا صنعت)) (٣). ٢ - السماحة في البيع والشراء: وتكون السماحة في البيع والشراء، بأن لا يكون البائع مغالياً في الربح، ومكثرا في المساومة، بل عليه أن يكون كريم النفس. وبالمقابل على المشتري أيضاً أن يتساهل وأن لا يدقق في الفروق البسيطة، وأن يكون كريماً مع البائع وخاصة إذا كان فقيراً. ٣ - السماحة في قضاء الحوائج: فإن الذي يقضي حوائج الناس فينفس كربتهم وييسر على معسرهم ييسر الله عنه في الدنيا والآخرة، فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، قال: ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) (٤). ٤ - السماحة في الاقتضاء: قال تعالى: وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٨٠]. قال السعدي: (وَإِن كَانَ المدين ذُو عُسْرَةٍ لا يجد وفاء فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وهذا واجب عليه أن ينظره حتى يجد ما يوفي به وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إما بإسقاطها أو بعضها) (٥). فمن السماحة في الاقتضاء أن يراعي حال المدين، وأن لا يطالبه بشدة وأمام الناس، قال ﷺ : ((من طلب حقا فليطلبه في عفاف، واف أو غير واف)) (٦).

стр. 268

وسائل اكتساب خلق سماحة النفس هناك وسائل لاكتساب خلق سماحة النفس فمنها: ١ - (التأمل في الترغيبات التي رغب الله بها الذين يتحلون بخلق السماحة، والفوائد التي يجنونها في العاجلة والآجلة، والسعادة التي يظفرون بها في الحياة الدنيا والآخرة. ٢ - التأمل في المحاذير التي حذر الله منها النكدين المشتددين العسيرين، وما يجلبه لهم خلقهم وظواهره السلوكية من مضار عاجلة وآجله، ومتاعب وآلام كثيرة، وخسارة مادية ومعنوية. ٣ - الاقتناع الإيماني بسلطان القضاء والقدر، وأنه هو المهيمن على كل الأحداث التي تخرج عن حدود الإرادة الإنسانية المسؤولة عن الأعمال الصادرة عنها) (١).

стр. 269

نماذج من سماحة النبي ﷺ : كان رسول الله ﷺ سمحاً في تعامله وهو المثل الأكمل في السماحة، يحكي لنا أنس ﵁ ما لاقاه من النبي ﷺ من حسن المعاملة فيقول: ((خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أف، ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا صنعت)) (١). وروى عنه أنه قال: (خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين، خدمته عشر سنين، فما لامني على شيء قط أتي فيه على يدي، فإن لامني لائم من أهله قال: دعوه فإنه لو قضي شيء كان) (٢). - وعنه أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله ﷺ فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، قال فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: ((يا أنيس ذهبت حيث أمرتك؟ قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله)) (٣). - ومن سماحته ﷺ قضاء حوائج الناس فقد روى البخاري عن أنس قال: (إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت) (٤). - ومن سماحته ﷺ عفوه عمن أراد قتله، فعن جابر ﵁ أنه غزا مع النبي ﷺ قبل نجد فلما قفل رَسُول اللَّهِ ﷺ قفل معهم فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رَسُول اللَّهِ ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رَسُول اللَّهِ ﷺ تحت سمرة فعلق بها سيفه، ونمنا نومة فإذا رَسُول اللَّهِ ﷺ يدعونا وإذا عنده أعرابي فقال: ((إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا قال: من يمنعك مني؟ قلت: اللَّه ثلاثا، ولم يعاقبه وجلس)) (٥). - ومن سماحته ﷺ تعامله مع الأعرابي الذي جذب رداءه بشدة ليأمر له بعطاء، فعن أنس قال: ((كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، ورجع نبي الله ﷺ في نحر الأعرابي، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم ضحك ثم أمر له بعطاء)) (٦).

стр. 270

نماذج من سماحة السلف مع غير المسلمين: - في خلافة أبي بكر ﵁ كتب خالد بن الوليد ﵁ في عقد الذمة لأهل الحيرة بالعراق- وكانوا من النصارى -: (وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله) (١). - كما أن أبا بكر ﵁ كان يوصي الجيوش الإسلامية بقوله: (وستمرون على قوم في الصوامع رهبانا يزعمون أنهم ترهبوا في الله فدعوهم ولا تهدموا صوامعهم) (٢). - ومر عمر بن الخطاب ﵁ بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) (٣) والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه. - وأوصى عمر ﵁ الخليفة من بعده بأهل الذمة أن يوفى لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم (٤). - وأن عبد الله بن عمرو ذبحت له شاة في أهله فلما جاء قال أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)) (٥). - وفي خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀ كتب إلى عدي بن أرطأة: (وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه) (٦). - وعندما أمر عمر بن عبد العزيز ﵀ مناديه ينادي: (ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي من أهل حمص فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله قال: وما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي. والعباس جالس، فقال له عمر: يا عباس ما تقول؟ قال: نعم أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد وكتب لي بها سجلا، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى، فقال عمر: نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد قم فاردد عليه ضيعته فردها عليه) (٧).

стр. 271

علامات سمح النفس هناك علامات للمتصف بخلق السماحة منها: ١ - (طلاقة الوجه واستقبال الناس بالبشر، ومشاركتهم بالسمع والفكر والقلب. وطلق الوجه حسن البشر بالناس محبب إليهم، مألوف في نفوسهم، قريب إلى قلوبهم. وقد حث الرسول ﷺ على هذه الظاهرة بقوله وعمله، فمن ذلك ما يلي: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك)) (١) ... وهكذا يكون سمح النفس طلق الوجه باسماً مشرق المحيَّا، بخلاف النكد الصعب، حتى يبدو كأنه قرف من كل شيء فإذا واجه الناس واجههم بسحنة منقبضة لا انبساط فيها ولا بشر، وإذا اجتمع معهم لم يشاركهم بمشاعره ولا بحواسه، وكان بينهم كأنه غريب عنهم، وكأنهم غرباء عنه، وفي وجهه ولسانه ونفسه، وهذا الوضع يجعله ممقوتا مكروهاً بعيدا عن قلوب الناس، لأنه وضع يلازمه في معظم أحواله بسبب نكد نفسه الملازم له ... ٢ - مبادرة الناس بالتحية والسلام والمصافحة وحسن المحادثة: فمن كان سمح النفس بادر إلى هذه المحاسن، ووجودها في الإنسان طبيعية غير متكلفة، يدل على أنه سمح هين لين رقيق حاشية النفس، ألوف ودود لا فظ ولا غليظ ... ٣ - حسن المصاحبة والمعاشرة والتغاضي وعدم التشدد في الأمور: فمن كان سمح النفس كان حسن المصاحبة لإخوانه، ولأهله، ولأولاده، ولخدمه، ولكل من يخالطه، ولكل من يرعاه. وكان حسن المعاشرة خفيف المحاسبة والمؤاخذة، متغاضياً عن المخالفات التي تتعلق به، لا يتشدد في الأمور، ولا يعظم الصغائر، بل يلتمس العذر لمن يقصر معه أو لا يعطيه من الاحترام أو الخدمة حقه (٢).

стр. 272

سماحة الإسلام كما دعا الإسلام المسلمين إلى التحلي بخلق السماحة، فإن السماحة من خلق الإسلام نفسه ... فمن السماحة عفو الله ومغفرته للمذنبين من عباده، وحلمه ﵎ على عباده، وتيسير الشريعة عليهم، وتخفيف التكاليف عنهم، ونهيهم عن الغلو في الدين، ونهيهم عن التشديد في الدين على عباد الله (١). - قال تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]. - وقال مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٦]. - وقال سبحانه: يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨]. - وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: ((إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)) (٢). - ونهى النبي عن التنطع والتشدد في الدين، فعن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ((هلك المتنطعون)). قالها ثلاثا (٣). - ودعا الرسول ﷺ على من يشق على المسلمين فقال: ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به)) (٤). - وأمر بالتخفيف على المسلمين ونهى عن التثقيل في أمور الدين فعن أبي مسعود، ﵁، قال: ((أتى رجل النبي ﷺ فقال إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا قال فما رأيت رسول الله ﷺ قط أشد غضبا في موعظة منه يومئذ قال: فقال يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم المريض والكبير وذا الحاجة)) (٥). - ومن سماحة الإسلام تيسيره لشؤون مناسك الحج فعن عبد الله بن عمرو بن العاص: ((أن رسول الله ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل فقال لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال اذبح، ولا حرج فجاء آخر فقال لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال ارم، ولا حرج فما سئل النبي ﷺ عن شيء قدم، ولا أخر إلا قال افعل، ولا حرج)) (٦). - سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين؛ فالإسلام لم تقتصر سماحته على المسلمين فحسب بل أبعد من ذلك ليشمل غير المسلمين من اليهود والنصارى والمشركين، حتى في حالة الحرب، فنهى الإسلام عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة، فعن بريدة قال كان رسول الله ﷺ ((إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام)) (٧). - وقال ﷺ : ((إذا فتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا)) (٨).

стр. 273

السماحة في واحة الشعر .. قال زهير: على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل (١). وقال أوس بن حجر: أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا إن الذي جمع السماحة والنجدة ... والحزم والقوى جمعا (٢). وقال محمد بن أشكاب العجمي: وإذا جدت للصديق بوعد ... فصل الوعد بالفعال الجميل ليس في وعد ذي السماحة مطل ... إنما المطل في عدات البخيل (٣). وقال آخر: الحمد لله الذي ... جعل السماحة خير متجر (٤). وقال الشافعي: وكنْ رجلاً على الأهوالِ جلداً ... وشيمتكَ السماحة ُ والوفاءُ وإنْ كثرتْ عيوبكَ في البرايا ... وسَركَ أَنْ يَكُونَ لَها غِطَاءُ تَسَتَّرْ بِالسَّخَاء فَكُلُّ عَيْب ... يغطيه كما قيلَ السَّخاءُ ولا ترجُ السماحة من بخيلٍ ... فَما فِي النَّارِ لِلظْمآنِ مَاءُ وقال آخر: قد تحابى الجواد نائبة الدَّهْر ... وفيهَا على الْبَخِيل وقاحة كم رَأينَا من نعْمَة قادها الْبُخْل ... وأخرى تذود عَنْهَا السماحة (٥). ...

стр. 274

معنى الشجاعة لغة واصطلاحاً معنى الشجاعة لغة: شجع من باب ظرف فهو شجاعٌ وقوم شِجْعَةٌ وشِجْعَانٌ نظير غلام وغلمة وغلمان ورجل شَجِيعٌ وقوم شُجْعانٌ مثل جريب وجربان، وشُجَعاءُ كفقيه وفقهاء، وهي: شدَّة القلب عند البأس (١). معنى الشجاعة اصطلاحاً: هي: (هيئة حاصلة للقوة الغضبية بين التهور والجبن بها يقدم على أمور ينبغي أن يقدم عليها كالقتال مع الكفار ما لم يزيدوا على ضعف المسلمين) (٢). وقيل هي: (الإقدام على المكاره والمهالك عند الحاجة إلى ذلك، وثبات الجأش عند المخاوف، والاستهانة بالموت) (٣). وقال ابن حزم: (حد الشجاعة: بذل النفس للموت عن الدين والحريم وعن الجار المضطهد وعن المستجير المظلوم وعن الهضيمة ظلماً في المال والعرض وفي سائر سبل الحق سواء قل من يعارض أو كثر) (٤).

стр. 275

الفرق بين الشجاعة وبعض الصفات الفرق بين البسالة والشجاعة: (أن أصل البسل الحرام: فكأن الباسل حرام أن يصاب في الحرب بمكروه لشدته فيها وقوته. والشجاعة الجرأة: والشجاع الجريء المقدام في الحرب ضعيفا كان أو قويا، والجرأة قوة القلب الداعي إلى الإقدام على المكاره فالشجاعة تنبئ عن الجرأة والبسالة تنبئ عن الشدة) (١). الفرق بين الشجاعة والجرأة: (أن الشجاعة من القلب: وهي ثباته واستقراره عند المخاوف وهو خلق يتولد من الصبر وحسن الظن فإنه متى ظن الظفر وساعده الصبر ثبت كما أن الجبن يتولد من سوء الظن وعدم الصبر فلا يظن الظفر ولا يساعده الصبر ... وأما الجرأة: فهي إقدام سببه قلة المبالاة وعدم النظر في العاقبة بل تقدم النفس في غير موضع الإقدام معرضة عن ملاحظة العارض فإما عليها وإما لها) (٢).

стр. 276

الترغيب في الشجاعة من القرآن والسنة الترغيب في الشجاعة من القرآن الكريم: - أمر الله المسلمين بالقتال في سبيل الله والثبات عليه والإقدام في الحروب، وعدم الجبن، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: ١٦] - وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال: ٦٥] قال السعدي: (يقول تعالى لنبيه ﷺ : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ أي: حثهم وأنهضهم إليه بكل ما يقوي عزائمهم وينشط هممهم، من الترغيب في الجهاد ومقارعة الأعداء، والترهيب من ضد ذلك، وذكر فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتب على ذلك من خير في الدنيا والآخرة، وذكر مضار الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم) (١). - وقال سبحانه: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:١٩٠] - وأمر الله المسلمين بالثبات في الجهاد فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:٤٥] - وقال تعالى في حق المؤمنين أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:٢٩] الترغيب في الشجاعة من السنة النبوية: - عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان)) (٢). قال النووي: (والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على العدو في الجهاد، وأسرع خروجا إليه، وذهابا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها، ومحافظة عليها، ونحو ذلك) (٣). - وعن عمرو بن ميمون الأودي قال كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول ((إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة اللهم إني أعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر فحدثت به مصعبا فصدقه)) (٤). قال المهلب: (أما استعاذته ﷺ من الجبن فإنه يؤدي إلى عذاب الآخرة؛ لأنه يفر من قرنه في الزحف فيدخل تحت وعيد الله لقوله: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ [الأنفال: ١٦] الآية، وربما يفتن في دينه، فيرتد لجبن أدركه) (٥). - وعن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده قال ((بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)) (٦). - الأحاديث التي ترغب وتحث على الجهاد والاستشهاد في سبيل الله وهي كثيرة.

стр. 277

ما قيل في الشجاعة - قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه لخالد بن الوليد: (احرص على الموت توهب لك الحياة) (١). - وقال عمر بن الخطاب ﵁: (الجبن والشجاعة غرائز في الناس تلقى الرجل يقاتل عمن لا يعرف وتلقى الرجل يفر عن أبيه) (٢). - وخطب عبد الله بن الزبير الناس لما بلغه قتل مصعب أخيه فقال: (إن يقتل فقد قتل أبوه وأخوه وعمه. إنا والله لا نموت حتفاً، ولكن نموت قعصاً بأطراف الرماح، وموتاً تحت ظلال السيوف. وإن يقتل مصعب فإن في آل الزبير خلفاً منه) (٣). - وكتب زياد إلى ابن عباس: (أن صف لي الشجاعة والجبن والجود والبخل فكتب إليه: كتبت تسألني عن طبائع ركبت في الإنسان تركيب الجوارح، اعلم أن الشجاع يقاتل عمن لا يعرفه، والجبان يفر عن عرسه، وأن الجواد يعطي من لا يلزمه، وأن البخيل يمسك عن نفسه.) (٤). - وقالوا: (حد الشجاعة سعة الصدر بالإقدام على الأمور المتلفة. - وسئل بعضهم عن الشجاعة فقال: جبلة نفس أبية، قيل له: فما النجدة؟ قال: ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت، حتى تحمد بفعلها دون خوف. - وقيل لبعضهم: ما الشجاعة؟ فقال: صبر ساعة. وقال بعض أهل التجارب: الرجال ثلاثة: فارس، وشجاع، وبطل، فالفارس: الذي يشد إذا شدوا، والشجاع: الداعي إلى البراز والمجيب داعيه، والبطل: الحامي لظهور القوم إذا ولوا. قال يعقوب بن السكيت في كتاب الألفاظ: العرب تجعل الشجاعة في أربع طبقات، تقول: رجلٌ شجاعٌ، فإذا كان فوق ذلك، قالوا: بطلٌ، فإذا كان فوق ذلك، قالوا: بهمةٌ، فإذا كان فوق ذلك، قالوا: اليس. - وقال بعض الحكماء: جسم الحرب: الشجاعة، وقلبها: التدبير، ولسانها: المكيدة، وجناحها: الطاعة، وقائدها: الرفق، وسائقها: النصر. - وعن أبي بكر بن عياش قال قيل للبطال: ما الشجاعة قال صبر ساعة) (٥). - وقال عمرو بن معد يكرب: (الفزعات ثلاثة فمن كانت فزعته في رجليه فذاك الذي لا تقله رجلاه ومن كانت فزعته في رأسه فذاك الذي يفر عن أبويه ومن كانت فزعته في قلبه فذاك الذي لا يقاتل) (٦). - وقال ابن تيمية: (ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم بين الله سبحانه أنه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك ومن تولى عنه بإنفاق ماله أبدل الله به من يقوم بذلك) (٧). - وقال ابن القيم: (الجبن والشجاعة غرائز وأخلاق فالجبان يفر عن عرسه والشجاع يقاتل عن من لا يعرفه كما قال الشاعر: يفر جبان القوم من أم نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه والشجاع ضد البخيل لأن البخيل يضن بماله والشجاع يجود بنفسه كما قال القائل: كم بين قوم إنما نفقاتهم ... مال وقوم ينفقون نفوسا) (٨). - وقال الذهبي: (الشجاعة والسخاء أخوان، فمن لم يجد بماله، فلن يجود بنفسه) (٩). - وقال أعرابي: (الله مخلف ما أتلف الناس، والدهر متلف ما جمعوا؛ وكم من منية علتها طلب الحياة، وحياة سببها التعرض للموت) (١٠).

стр. 278

أقسام الشجاعة ذكر الراغب الأصفهاني في كتابه (الذريعة) خمسة أنواع للشجاعة وهي: - (سبعية كمن أقدم لثوران غضب وتطلب غلبة. - وبهيمية كمن حارب توصلا إلى مأكل أو منكح. - وتجريبية كمن حارب مرارا فظفر. فجعل ذلك أصلا يبني عليه. - وجهادية كمن يحارب ذبا عن الدين. - وحكمية وهي ما تكون في كل ذلك عن فكر وتمييز وهيئة محمودة بقدر ما يجب وعلى ما يجب، ألا ترى أنه يحمد من أقدم على كافر غضبا لدين الله أو طمعا في ثوابه أو خوفا من عقابه أو اعتمادا على ما رأى من إنجاز وعد الله في نصرة أوليائه، فإن كل ذلك محمود وإن كان محض الشجاعة هو أن لا يقصد بالإقدام حوز ثواب أو دفع عقاب ... ومن الشجاعة المحمودة مجاهدة الإنسان نفسه أو غيره، وكل واحد منهما ضربان: - مجاهدة النفس بالقول: وذلك بالتعلم. وبالفعل: وذلك بقمع الشهوة، وتهذيب الحمية. - ومجاهدة الغير بالقول. وذلك تزيين الحق وتعليمه، وبالفعل وذلك مدافعة الباطل ومتعاطيه بالحرب) (١).

стр. 279

فوائد وآثار الشجاعة الشجاعة لها فوائد تعود على الفرد والمجتمع فمنها: ١ - الشجاعة سبب لانشراح الصدر: قال ابن القيم: (فإن الشجاع منشرح الصدر واسع البطان متسع القلب والجبان أضيق الناس صدرا وأحصرهم قلبا لا فرحة له ولا سرور ولا لذة له ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي وأما سرور الروح ولذتها ونعيمها وابتهاجها فمحرم على كل جبان كما هو محرم على كل بخيل وعلى كل معرض عن الله سبحانه غافل عن ذكره جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته ودينه متعلق القلب بغيره) (١). ٢ - الشجاعة أصل الفضائل: فمن يتصف بالشجاعة يتحلى أيضاً بكبر النفس، والنجدة، وعظم الهمة، والثبات، والصبر، والحلم، وعدم الطيش، والشهامة، واحتمال الكد. ٣ - الشجاعة تحمل صاحبها على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم: قال ابن القيم: (والشجاعة تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته وتحمله على كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنائها ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش كما قال: ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد: الذي يملك نفسه عند الغضب وهو حقيقة الشجاعة وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه) (٢). ٤ - الرجل الشجاع يحسن الظن بالله: قال ابن القيم: (والجبن خلق مذموم عند جميع الخلق وأهل الجبن هم أهل سوء الظن بالله وأهل الشجاعة والجود هم أهل حسن الظن بالله كما قال بعض الحكماء في وصيته عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن الظن بالله والشجاعة جنة للرجل من المكاره والجبن إعانة منه لعدوه على نفسه فهو جند وسلاح يعطيه عدوه ليحاربه به وقد قالت العرب الشجاعة وقاية والجبن مقتلة وقد أكذب الله سبحانه أطماع الجبناء في ظنهم أن جبنهم ينجيهم من القتل والموت فقال الله تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ [الأحزاب: ١٦] ولقد أحسن القائل وهو قطري بن الفجاءة الساري: أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال ويحك لن تراعي فإنك لو سألت بقاء يوم ... على الأجل الذي لك لن تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع وما ثوب الحياة بثوب عز ... فيطوي عن أخي الخنع اليراع سبيل الموت غاية كل حي ... وداعيه لأهل الأرض داعي ومن لم يعتبط يسام ويهرم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عد من سقط المتاع) (٣). ٥ - لا تتم مصلحة الإمارة والسياسة إلا بالشجاعة:

стр. 280

قال ابن تيمية: (لا يتم رعاية الخلق وسياستهم إلا بالجود الذي هو العطاء والنجدة التي هي الشجاعة بل لا يصلح الدين والدنيا إلا بذلك ولهذا كان من لا يقوم بهما سلبه الأمر ونقله إلى غيره كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة: ٣٨ - ٣٩] وقال تعالى: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد: ٣٨]، وقد قال الله تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:١٠] فعلق الأمر بالإنفاق الذي هو السخاء والقتال الذي هو الشجاعة وكذلك قال الله تعالى في غير موضع: وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: ٤١]) (١). وقال في موضع آخر: (كما أن عليهم- أي ولاة الأمور - من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك) (٢). وأيضاً من آثار الشجاعة: ٦ - كبر النفس: وهو الاستهانة باليسير والاقتدار على حمل الكرائه فصاحبه أبدا يؤهل نفسه للأمور العظام مع استخفافه لها. ٧ - النجدة: وهي ثقة النفس عند المخاوف حتى لا يخامرها جزع. ٨ - عظم الهمة: وهي فضيلة للنفس تحتمل بها سعادة الجد وضدها حتى الشدائد التي تكون عند الموت. ٩ - الثبات: وهو فضيلة للنفس تقوى بها على احتمال الآلام ومقاومتها في الأهوال خاصة. ١٠ - الحلم: وهو فضيلة للنفس تكسبها الطمأنينة فلا تكون شغبة ولا يحركها الغضب بسهولة وسرعة. ١١ - السكون: وهو عدم الطيش فهو إما عند الخصومات وإما في الحروب التي يذب بها عن الحريم أو عن الشريعة. وهو قوة للنفس تقسر حركتها في هذه الأحوال لشدتها. ١٢ - الشهامة: وهي الحرص على الأعمال العظام توقعا للأحدوثة الجميلة. ١٣ - احتمال الكد: وهو قوة للنفس بها تستعمل آلات البدن في الأمور الحسية بالتمرين وحسن العادة) (٣).

стр. 281

مراتب الشجعان تحدث ابن القيم عن مراتب الشجعان فذكر: (أول مراتبهم الهمام: وسمي بذلك لهمته وعزمه وجاء على بناء فعال كشجاع. الثاني المقدام: وسمي بذلك من الإقدام وهو ضد الإحجام وجاء على أوزان المبالغة كمعطاء ومنحار لكثير العطاء والنحر وهذا البناء يستوي فيه المذكر والمؤنث كامرأة معطار كثيرة التعطر ومذكار تلد الذكور. الثالث الباسل: وهو اسم فاعل من بسل يبسل كشرف يشرف والبسالة الشجاعة والشدة وضدها فشل يفشل فشالة وهي على وزنها فعلا ومصدرا وهي الرذالة. الرابع البطل: وجمعه أبطال وفي تسميته قولان: أحدهما: لأنه يبطل فعل الأقران فتبطل عند شجاعة الشجعان فيكون بطل بمعنى مفعول في المعنى لأن هذا الفعل غير متعد والثاني: أنه بمعنى فاعل لفظا ومعنى لأنه الذي يبطل شجاعة غيره فيجعلها بمنزلة العدم فهو بطل بمعنى مبطل ويجوز أن يكون بطل بمعنى مبطل بوزن مكرم وهو الذي قد بطله غيره فلشجاعته تحاماه الناس فبطلوا فعله باستسلامهم له وترك محاربتهم إياه الخامس: الصنديد بكسر الصاد) (١).

стр. 282

صور الشجاعة ١ - الإقدام في ساحات الوغى في الجهاد في سبيل الله والاستهانة بالموت. ٢ - الجرأة في إنكار المنكر وبيان الحق: قال ﷺ : ((أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)). ٣ - الشجاعة في الأعمال التي تحتاج إلى تحمل المخاطر ورباطة الجأش: كرجال المطافئ، وعمال المناجم، والأطباء والممرضون وغيرهم ... ٤ - (حضور الذهن عند الشدائد: من أكبر مظاهر الشجاعة حضور الذهن عند الشدائد، فشجاع من إذا عراه خطب لم يذهب برشده، بل يقابله برزانة وثبات ويتصرف فيه بذهن حاضر وعقل غير مشتت) (١). ٥ - الشجاعة الأدبية: ونعني بها أن يبدي الإنسان رأيه، وما يعتقد أنه الحق مهما ظن الناس به أو تقولوا عليه من غضب عظيم، يقول الحق بأدب وإن تألم منه الناس، ويعترف بالخطأ وإن نالته عقوبة، ويرفض العمل بما لا يراه صواباً (٢).

стр. 283

وسائل اكتساب خلق الشجاعة خلق الشجاعة كسائر الأخلاق، فالأخلاق كلها منها ما هو فطري ومنها ما هو مكتسب، فمن الشجاعة شجاعة فطرية، ومنها شجاعة مكتسبة. ولاكتساب خلق الشجاعة وسائل ومن تلك الوسائل: ١ - اللجوء إلى الله بالدعاء والذكر: قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:٤٥] ( ... أمر بالثبات عند قتال الكفار، كما في الآية قبلها النهي عن الفرار عنهم، فالتقى الأمر والنهي على سواء. وهذا تأكيد على الوقوف للعدو والتجلد له. قوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ للعلماء في هذا الذكر ثلاثة أقوال: الأول: اذكروا الله عند جزع قلوبكم، فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد. الثاني: اثبتوا بقلوبكم، واذكروه بألسنتكم، فإن القلب لا يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين، ويثبت اللسان على الذكر، ويقول ما قاله أصحاب طالوت: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٥٠]. وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوة المعرفة، واتقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس. الثالث: اذكروا ما عندكم من وعد الله لكم في ابتياعه أنفسكم ومثامنته لكم) (١). ٢ - (ترسيخ عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وأن الإنسان لن يصيبه إلا ما كتب الله له. ٣ - ترسيخ عقيدة الإيمان باليوم الآخر. ٤ - غرس اليقين بما أعده الله من النعيم في الجنة، للذين يقاتلون في سبيل الله. ٥ - التدريب العملي بدفع الإنسان إلى المواقف المحرجة التي لا يتخلص منها إلا بأن يتشجع. ٦ - الإقناع بأن معظم مثيرات الجبن لا تعدو أنها أوهام لا حقيقة لها. ٧ - القدوة الحسنة وعرض مشاهد الشجعان، وذكر قصصهم. ٨ - إثارة دوافع التنافس، ومكافأة الأشجع بعطاءات مادية) (٢).

стр. 284

نماذج من شجاعة النبي ﷺ : كان ﷺ أشجع الناس، وأمضاهم عزما وإقداما، كان الناس يفرون وهو ثابت (١). - وقال رجل للبراء ((يا أبا عمارة أفررتم يوم حنين قال لا والله ما ولى رسول الله ﷺ ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم جمع هوازن وبني نصر فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به فنزل فاستنصر وقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب. ثم صفهم)) (٢). - وعن علي ﵁ قال: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا) (٣). - وعن أنس قال ((كان النبي ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول لن تراعوا لن تراعوا وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج في عنقه سيف فقال لقد وجدته بحرا، أو إنه لبحر)) (٤). - وعن ابن عمر، قال: ((ما رأيت أحدا أجود ولا أنجد ولا أشجع ولا أرضى من رسول الله ﷺ ) (٥). - وعن عمران بن الحصين، قال: ((ما لقي النبي ﷺ كتيبة إلا كان أول من يضرب)) (٦). - وعن عباس بن عبد المطلب ﵁ قال: ((شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار قال عباس وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ أي عباس ناد أصحاب السمرة. فقال عباس وكان رجلا صيتا فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة قال فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. فقالوا يا لبيك يا لبيك - قال - فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار قال ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث بن الخزرج. فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله ﷺ هذا حين حمى الوطيس)) (٧).

стр. 285

نماذج من شجاعة الصحابة ﵃: (وقد كان الموروث صلوات الله وسلامه عليه أشجع الناس فكذلك وارثه وخليفته من بعده أشجع الأمة بالقياس ويكفي أن عمر بن الخطاب سهم من كنانته وخالد بن الوليد سلاح من أسلحته والمهاجرون والأنصار أهل بيعته وشوكته وما منهم إلا من اعترف أنه يستمد من ثباته وشجاعته) (١). شجاعة أبي بكر الصديق ﵁: (وكان الصديق ﵁ أشجع الأمة بعد رسول الله ... برز على الصحابة كلهم بثبات قلبه في كل موطن من المواطن التي تزلزل الجبال وهو في ذلك ثابت القلب ربيط الجأش يلوذ به شجعان الصحابة وأبطالهم فيثبتهم ويشجعهم ولو لم يكن له إلا ثبات قلبه يوم الغار وليلته وثبات قلبه يوم بدر وهو يقول للنبي يا رسول الله كفاك بعض مناشدتك ربك فإنه منجر لك ما وعدك وثبات قلبه يوم أحد وقد صرخ الشيطان في الناس بأن محمدا قد قتل ولم يبق أحد مع رسول الله إلا دون عشرين في أحد وهو مع ذلك ثابت القلب ساكن الجأش وثبات قلبه يوم الخندق وقد زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وثبات قلبه يوم الحديبية وقد قلق فارس الإسلام عمر بن الخطاب حتى إن الصديق ليثبته ويسكنه ويطمئنه وثبات قلبه يوم حنين حيث فر الناس وهو لم يفر وثبات قلبه حين النازلة التي اهتزت لها الدنيا أجمع وكادت تزول لها الجبال وعقرت لها أقدام الأبطال وماجت لها قلوب أهل الإسلام كموج البحر عند هبوب قواصف الرياح وصاح لها الشيطان في أقطار الأرض أبلغ الصياح وخرج الناس بها من دين الله أفواجا وأثار عدو الله بها أقطار الأرض عجاجا وانقطع لها الوحي من السماء وكاد لولا دفاع الله لطمس نجوم الاهتداء وأنكرت الصحابة بها قلوبهم وكيف لا وقد فقدوا رسولهم من بين أظهرهم وحبيبهم وطاشت الأحلام وغشي الآفاق ما غشيها من الظلام واشرأب النفاق ومد أهله الأعناق ورفع الباطل رأسا كان تحت قدم الرسول موضوعا وسمع المسلمون من أعداء الله ما لم يكن في حياته بينهم مسموعا وطمع عدو الله أن يعيد الناس إلى عبادة الأصنام وأن يصرف وجوههم عن البيت الحرام وأن يصد قلوبهم عن الإيمان والقرآن ويدعوهم إلى ما كانوا عليه من التهود والتمجس والشرك وعبادة الصلبان فشمر الصديق ﵁ من جده عن ساق غير خوار وانتضى سيف عزمه الذي هو ثاني ذي الفقار وامتطى من ظهور عزائمه جوادا لم يكن يكبو يوم السباق وتقدم جنود الإسلام فكان أفرسهم إنما همه اللحاق وقال والله لأجاهدن أعداء الإسلام جهدي ولأصدقنهم الحرب حتى تنفرد سالفتي أو أفرد وحدي ولأدخلنهم في الباب الذي خرجوا منه ولأردنهم إلى الحق الذي رغبوا عنه فثبت الله بذلك القلب الذي لو وزن بقلوب الأمة لرجحها جيوش الإسلام وأذل بها المنافقين والمرتدين وأهل الكتاب وعبدة الأصنام حتى استقامت قناة الدين من بعد اعوجاجها وجرت الملة الحنيفية على سننها ومنهاجها وتولى حزب الشيطان وهم الخاسرون وأذن مؤذن الإيمان على رؤوس الخلائق فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة: ٥٦]. هذا وما ضعفت جيوش عزماته ولا استكانت ولا وهنت بل لم تزل الجيوش بها مؤيدة ومنصورة وما فرحت عزائم أعدائه بالظفر في موطن من المواطن بل لم تزل مغلوبة مكسورة تلك لعمر الله الشجاعة التي تضاءلت لها فرسان الأمم والهمة التي تصاغرت عندها عليات الهمم ويحق لصديق الأمة أن يضرب من هذا المغنم بأوفر نصيب وكيف لا وقد فاز من ميراث النبوة بكمال التعصب) (٢).
следующие страницы →