فضل الحياء
الحياء فضيلة من فضائل الفطرة, وهو مادة الخير والفضيلة وبهذا وصفه النبي ﷺ بقوله: ((الحياء خير كله)) (١).
ومن فضائله أنه:
- يحبه الله:
روي في الحديث الصحيح قال ﷺ : ((عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ حَيِىٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإذا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ)) (٢).
- الحياء من سنن الأنبياء والمرسلين:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((خَمْسٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ وَالْحِلْمُ، وَالْحِجَامَةُ، وَالتَّعَطُّرُ، وَالنِّكَاحُ.)) (٣).
- الحياء خلق الإسلام:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِسْلاَمِ الْحَيَاءُ)) (٤).
- الحياء مفتاح لكل خير:
روي عن عمران بن حصين ﵁, قال النبي ﷺ : ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) (٥).
يقول ابن حجر ﵀: (إذا صار الحياء عادة وتخلق به صاحبه يكون سببًا يجلب الخير إليه فيكون منه الخير بالذات والسبب) (٦).
- الحياء مغلاق لكل شر:
وجاء في الصحيح عن أبي مسعود قال: قال النبي ﷺ ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (٧).
قال الخطابي: (الحكمة في التعبير بلفظ الأمر دون الخبر في الحديث أن الذي يكف الإنسان عن مواقعة الشر هو الحياء فإذا تركه صار كالمأمور بارتكاب كل شر) (٨).
وقال ابن القيم: (خُلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه فليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة كما أنه ليس معه من الخير شيء) (٩).
- الحياء يكسب محبة الله تعالى:
قال رسول الله ﷺ : ((إن الله إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر النعمة عليه، ويكره البؤس والتباؤس، ويبغض السائل الملحف ويحب الحيي العفيف المتعفف)) (١٠).
الترغيب والحث على الحياء من القرآن والسنة
الترغيب والحث على الحياء من القرآن الكريم:
- قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ [البقرة:٢٦]
أي: لا يمنعه الحياء من أن يضرب مثلاً ولو كان مثلاً حقيراً ما دام يثبت به الحق (١).
- وقال تعالى: وَرِيشًا وَلِبَاسُ التقوى [الأعراف:٢٦]
فُسر لباس التقوى بأنه الحياء كما روي عن الحسن (٢)، ومعبد الجهني (٣).
- وقال تعالى: فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢٥].
قال مجاهد: (يَعْنِي: وَاضِعَةً ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا لَيْسَتْ بِخَرَّاجَةٍ وَلَا وَلَّاجَةٍ) (٤).
قال الطبري: (فَأَتَتْهُ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ، وَهِيَ تَسْتَحْيِي مِنْهُ) (٥).
- وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب:٥٣].
قال ابن كثير: (وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ دُخُولَكُمْ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيَتَأَذَّى بِهِ، لَكِنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ حَيَائِهِ، ﵇، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ) (٦).
وقال الشوكاني: (أَيْ يَسْتَحْيِي أَنْ يَقُولَ لَكُمْ: قُومُوا، أَوِ اخْرُجُوا) (٧).
الترغيب والحث على الحياء من السنة النبوية:
- عن أبي مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (٨).
قال الخطابي: (قال الشيخ: معنى قوله النبوة الأولى أن الحياء لم يزل أمره ثابتاً واستعماله واجباً منذ زمان النبوة الأولى وأنه ما من نبي إلاّ وقد ندب إلى الحياء وبعث عليه وأنه لم ينسخ فيما نسخ من شرائعهم ولم يبدل فيما بدل منها) (٩).
وقال ابن دقيق العيد: (معنى قوله: "من كلام النبوة الأولى" إن الحياء لم يزل ممدوحاً مستحسناً مأموراً به لم ينسخ في شرائع الأنبياء الأولين) (١٠).
وقال المناوي: (والمراد الحياء الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر وهو محمود) (١١).
стр. 214
- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعبة، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان)) (١).
قال الخطابي: (ومعنى قوله الحياء شعبة من الإيمان أن الحياء يقطع صاحبه عن المعاصي ويحجزه عنها فصار بذلك من الإيمان) (٢).
وقال السفيري: (إنما أفرد ﷺ هذه الخصلة من خصال الإيمان في هذا الحديث وخصها بالذكر دون غيرها من باقي شعب الإيمان، لأن الحياء كالداعي إلى باقي الشعب، فإن صاحب الحياء يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر، فلما كان الحياء كالسبب لفعل باقي الشعب خص بالذكر ولم يذكر غيره معه) (٣).
وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: (هذا الحديث من جملة النصوص الدالة على أن الإيمان اسم يشمل عقائد القلب وأعماله، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان فكل ما يقرب إلى الله، وما يحبه ويرضاه، من واجب ومستحب فإنه داخل في الإيمان. وذكر هنا أعلاه وأدناه، وما بين ذلك وهو الحياء ولعل ذكر الحياء؛ لأنه السبب الأقوى للقيام بجميع شعب الإيمان. فإن من استحيا من الله لتواتر نعمه، وسوابغ كرمه، وتجليه عليه بأسمائه الحسنى، والعبد -مع هذا كثير التقصير مع هذا الرب الجليل الكبير يظلم نفسه ويجني عليها- أوجب له هذا الحياء التوقِّي من الجرائم، والقيام بالواجبات والمستحبات) (٤).
- وعن عمران بن حصين- ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : ((الحياء لا يأتي إلّا بخير)) (٥).
قال ابن بطال: (معناه أن من استحيا من الناس أن يروه يأتى الفجور ويرتكب المحارم، فذلك داعية له إلى أن يكون أشد حياء من ربه وخالقه، ومن استحيا من ربه فإن حياءه زاجر له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه؛ لأن كل ذى فطرة صحيحة يعلم أن الله تعالى النافع له والضار والرزاق والمحى والمميت، فإذا علم ذلك فينبغى له أن يستحى منه (٦).
قال ابن رجب: («الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»: فَإِنَّهُ يَكُفُّ عَنِ ارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ وَدَنَاءَةِ الْأَخْلَاقِ، وَيَحُثُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِيهَا، فَهُوَ مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ) (٧).
- ومَرَّ النَّبِى ﵇ عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِى الْحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِى حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإيمَانِ)) (٨).
стр. 215
قال ابن بطال: (معناه أن الحياء من أسباب الإيمان وأخلاق أهله. وذلك أنه لما كان الحياء يمنع من الفواحش، ويحمل على الصبر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من الفجور، ويقيده عن المعاصى ويحمله على الطاعة صار كالإيمان لمساواته له فى ذلك، وإن كان الحياء غريزة والإيمان فعل المؤمن فاشتبها من هذه الجهة) (١).
وقال العيني: (قَوْله: (فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان) أَي: من كَمَال الْإِيمَان، قَالَه أَبُو عبد الْملك، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: جعل الْحيَاء وَهُوَ غريزة من الْإِيمَان وَهُوَ الِاكْتِسَاب لِأَن المستحي يَنْقَطِع بحيائه عَن الْمعاصِي، وَإِن لم يكن لَهُ نِيَّة فَصَارَ كالإيمان الْقَاطِع بَينه وَبَينهَا) (٢).
- وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ. قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) (٣).
قال ابن رجب: (يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى: يتضمن حفظ القلب عنا لإصرار على ما حرم الله ويتضمن أيضًا حفظ البطن من إدخال الحرام إليه من المآكل والمشارب، ومن أعظم ما يجب حفظه من نواهي الله اللسان والفرج) (٤).
وقال المباركفوري في شرح الحديث:
(قوله ((استحيوا من الله حق الحياء)) (٥) أي حياء ثابتا ولازما صادقا قاله المناوي وقيل أي اتقوا الله حق تقاته.
(قلنا يا نبي الله إنا لنستحيي) لم يقولوا حق الحياء اعترافا بالعجز عنه.
(والحمد لله) أي على توفيقنا به.
(قال ليس ذاك) أي ليس حق الحياء ما تحسبونه بل أن يحفظ جميع جوارحه عما لا يرضى.
(ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس) أي عن استعماله في غير طاعة الله بأن لا تسجد لغيره ولا تصلي للرياء ولا تخضع به لغير الله ولا ترفعه تكبرا.
(وما وعى) أي جمعه الرأس من اللسان والعين والأذن عما لا يحل استعماله.
(وتحفظ البطن) أي عن أكل الحرام.
(وما حوى) أي ما اتصل اجتماعه به من الفرج والرجلين واليدين والقلب فإن هذه الأعضاء متصلة بالجوف وحفظها بأن لا تستعملها في المعاصي بل في مرضاة الله تعالى.
(وتتذكر الموت والبلى) بكسر الباء من بلى الشيء إذا صار خلقا متفتتا يعني تتذكر صيرورتك في القبر عظاما بالية.
(ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا) فإنهما لا يجتمعان على وجه الكمال حتى للأقوياء قاله القاري.
وقال المناوي لأنهما ضرتان فمتى أرضيت إحداهما أغضبت الأخرى). (٦).
стр. 216
أقوال السلف والعلماء في الحياء
- وقال عمر ﵁: (من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه) (١).
- قال ابن القيم في حقيقة الحياء: (قال صاحب المنازل: الحياء: من أول مدارج أهل الخصوص يتولد من تعظيم منوط بود إنما جعل الحياء من أول مدارج أهل الخصوص: لما فيه من ملاحظة حضور من يستحيي منه وأول سلوك أهل الخصوص: أن يروا الحق سبحانه حاضرا معهم وعليه بناء سلوكهم وقوله: إنه يتولد من تعظيم منوط بود يعني: أن الحياء حالة حاصلة من امتزاج التعظيم بالمودة فإذا اقترنا تولد بينهما الحياء والجنيد يقول: إن تولده من مشاهدة النعم ورؤية التقصير ومنهم من يقول: تولده من شعور القلب بما يستحيي منه فيتولد من هذا الشعور والنفرة حالة تسمى الحياء ولا تنافي بين هذه الأقوال فإن للحياء عدة أسباب) (٢).
- وقال أيضاً: (حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء وقلة الحياء من موت القلب والروح فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم.
- قال الجنيد ﵀: الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق.
- ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيي منه وعمارة القلب: بالهيبة والحياء فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير وقال ذو النون: الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك والحب ينطق والحياء يسكت والخوف يقلق.
- وقال السري: إن الحياء والأنس يطرقان القلب فإن وجدا فيه الزهد والورع وإلا رحلا وفي أثر إلهي يقول الله : ابن آدم إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك ومحوت من أم الكتاب زلاتك وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة (٣).
- وفي أثر آخر: أوحى الله إلى عيسى ﵊: عظ نفسك فإن اتعظت وإلا فاستحي مني: أن تعظ الناس (٤).
- وقال الفضيل بن عياض: خمس من علامات الشقاوة: القسوة في القلب وجمود العين وقلة الحياء والرغبة في الدنيا وطول الأمل (٥)، وفي أثر إلهي ما أنصفني عبدي يدعوني فأستحيي أن أرده ويعصيني ولا يستحيي مني) (٦).
- وقال أبو عبيدة الناجي: سمعت الحسن يقول: (الحياء والتكرم خصلتان من خصال الخير، لم يكونا في عبد إلا رفعه الله بهما) (٧)
- (وقال ابن عطاء: العلم الأكبر: الهيبة والحياء؛ فإذا ذهبت الهيبة والحياء لم يبق فيه خير.
- وقال ذو النون المصري: الحياء وجود الهيبة في القلب، مع وحشة ما سبق منك إلى ربك تعالى.
- وقال أبو عثمان: من تكلم في الحياء ولا يستحي من الله فيما يتكلم به، فهو مستدرج.
- وقال الجريري: تعامل القرن الأول من الناس فيما بينهم بالدين، حتى رق الدين .. ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء، ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى ذهب الحياء، ثم صار الناس يتعاملون بالرغبة والرهبة.
- وقيل: من علامات المستحي: أن لا يرى بموضع يستحيا منه.) (٨)
- وقال ابن أبي الدنيا: قيل لبعض الحكماء: ما أنفع الحياء؟ قال: أن تستحي أن تسأله ما تحب وتأتي ما يكره (٩).
- وقال ربيط بني إسرائيل: (زين المرأة الحياء، وزين الحكيم الصمت) (١٠)
стр. 217
أقسام الحياء
(ينقسم الحياء باعتبار محله إلى قسمين:
١ - القسم الأول: حياء فطري: وهو الذي يولد مع الإنسان متزوداً به، ومن أمثلته: حياء الطفل عندما تنكشف عورته أمام الناس، وهذا النوع من الحياء منحة أعطاها الله لعباده.
٢ - والقسم الثاني: حياء مكتسب: وهو الذي يكتسبه المسلم من دينه، فيمنعه من فعل ما يذم شرعاً، مخافة أن يراه الله حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره.
وينقسم باعتبار متعلقه إلى قسمين:
١ - القسم الأول: الحياء الشرعي: وهو الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام، وهو محمود.
٢ - القسم الثاني: الحياء غير الشرعي: وهو ما يقع سبباً لترك أمر شرعي، وهذا النوع من الحياء مذموم، وهو ليس بحياء شرعي، وإنما هو ضعف ومهانة) (١).
стр. 218
فوائد الحياء
للحياء فوائد عديدة وسمات حميدة، فيزيد عزة المرء بنفسه، ويعظم قدره عند غيره، ويكسب رضا ربه.
فمن فوائده:
- الحياء من خصال الإيمان.
- هجر المعصية خجلا من الله .
- الإقبال على الطاعة بوازع الحب لله .
- يبعد عن فضائح الدنيا والآخرة.
- أصل كل شعب الإيمان.
- يكسو المرء الوقار فلا يفعل ما يخل بالمروءة والتوقير ولا يؤذي من يستحق الإكرام.
- لا يمنع من مواجهة أهل الباطل ومرتكبي الجرائم.
- هو دليل على كرم السجية وطيب المنبت.
- صفة من صفات الأنبياء والصحابة والتابعين (١).
- من استحى من الله ستره الله في الدنيا والآخرة.
- يعد صاحبه من المحبوبين عند الله وعند الناس.
- يمنع الشخص عن الفواحش، ويجعله يستتر بها إذا هو سقط في شيء من أوحالها.
- يدفع المرء إلى التحلي بكل جميل محبوب، والتخلي عن كل قبيح مكروه (٢).
стр. 219
درجات الحياء
قسم شيخ الإسلام الهروي الحياء إلى ثلاث درجات:
(الدرجة الأولى: حياء يتولد من علم العبد بنظر الحق إليه فيجذبه إلى تحمل هذه المجاهدة ويحمله على استقباح الجناية ويسكته عن الشكوى.
الدرجة الثانية: حياء يتولد من النظر في علم القرب؛ فيدعوه إلى ركوب المحبة ويربطه بروح الأنس ويكره إليه ملابسة الخلق.
الدرجة الثالثة: حياء يتولد من شهود الحضرة وهي التي لا تشوبها هيبة ولا تقارنها تفرقة ولا يوقف لها على غاية) (١).
стр. 220
صور الحياء
صور الحياء المحمود:
الحياء المحمود من الصفات الحميدة والأخلاق النبيلة التي حثنا عليها الشرع والتي تدل على ترك القبيح، ولهذه الصفة صور نذكر منها:
- الحياء من الله: وذلك بالخوف منه ومراقبته، وفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه، وأن يستحي المؤمن أن يراه الله حيث نهاه، وهذا الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي والآثام لأنه مرتبط بالله يراقبه في حله وترحاله.
- الحياء من الملائكة: وذلك عندما يستشعر المؤمن بأن الملائكة معه يرافقونه في كل أوقاته، ولا يفارقونه إلا عند الغائط وعند أن يأتي الرجل أهله، فهذا يدل على قوة إيمان المؤمن، وهو بهذا يستحي أن يقترف ما حرم الله.
- الحياء من الناس: وهو دليل على مروءة الإنسان؛ فالمؤمن يستحي أن يؤذي الآخرين سواء بلسانه أو بيده، فلا يقول القبيح ولا يتلفظ بالسوء، ولا يطعن أو يغتاب أو ينم على الآخرين، وكذلك يستحي من أن تنكشف عوراته فيطلع عليها الناس.
- الحياء من النفس: وذلك عندما يكون الإنسان لوحده بعيداً عن أنظار الناس، فيستحي عن اقتراف الذنوب والآثام حياء من نفسه التي بين جنبيه، وهذا الحياء هو يثبت حقيقة الحياء من الله.
- الحياء من الوالدين.
- والحياء من الضيف والمبادرة بإكرامه.
صور الحياء المذموم:
من صور الحياء المذموم الذي يرفضه الإسلام:
- الحياء في طلب العلم:
إذا تعلق الحياء بأمر ديني، يمنع الحياء من السؤال فيه أو عرضه في تعليم أو دعوة، فإن مما ينبغي العمل به هو رفع الحرج، ومدافعة هذا الحياء الذي يمنع من التحصيل العلمي أو الدعوة إلى الله سواء عند الرجال أو النساء (١).
وورد أن أم سليم ﵂ ((جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ﷺ إذا رأت الماء. فغطت أم سلمة تعني وجهها وقالت يا رسول الله وتحتلم المرأة؟ قال نعم تربت يمينك فيم يشبهها ولدها)) (٢).
وعن مجاهد، قال: (إن هذا العلم لا يتعلمه مستح ولا متكبر) (٣).
في صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب ((أن أباموسى قال لعائشة ﵂: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيءٍ وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ. فَقَالَتْ لاَ تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلاً عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ. قُلْتُ فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ قَالَتْ عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ((إذا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ)) (٤).
стр. 221
وروي عَنِ الأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ قَالَ ((أَتَيْنَا عَائِشَةَ لِنَسْأَلَهَا عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ فَاسْتَحَينَا فَقُمْنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهَا فَمَشَيْنَا لاَ أَدْرِي كَمْ ثُمَّ قُلْنَا جِئْنَا لِنَسْأَلَهَا عَنْ حَاجَةٍ ثُمَّ نَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهَا فَرَجَعْنَا فَقُلْنَا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا جِئْنَا لِنَسْأَلَكِ عَنْ شَيءٍ فَاسْتَحَيْنَا فَقُمْنَا. فَقَالَتْ مَا هُوَ سَلاَ عَمَّا بَدَا لَكُمَا. قُلْنَا أَكَانَ النَّبِي ﷺ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ قَالَتْ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَ لإِرْبِهِ مِنْكُمْ)) (١).
- الحياء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الحياء لا يمنع المسلم من أن يقول الحق أو يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، قال تعالى: وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، [الأحزاب:٥٣]
بل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سمة من سمات هذه الأمة قال : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:١١٠].
والنبي ﷺ مع شدة حيائه لم ينثني عن قول الحق، ويتبين ذلك في موقفه مع أسامة بن زيد حينما أراد أن يشفع في حد من الحدود، فلم يمنعه حياؤه ﷺ من أن يقول لأسامة في غضب أتشفع في حد من حدود الله. ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ – قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ((إِنَّ اللَّهَ لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ فَإذا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ يَا رَبِّ رَجَوْتُكَ وَفَرِقْتُ مِنَ النَّاسِ)) (٣).
- فعل أمر نهى عنه الشارع:
فمن دفعه حياؤه إلى فعل أمر نهى عنه الشارع، أو إلى ترك واجب مرغوب في الدين فليس حييا شرعاً، وإنما هذا يعتبر ضعفاً ومهانة.
فليس من الحياء أن يترك الصلاة الواجبة بسبب ضيوف عنده حتى فاتته الصلاة.
وليس من الحياء أن يمتنع الشخص من المطالبة بالحقوق التي كفلها له الشرع (٤).
صور الحياء كما ذكرها ابن القيم
ذكر ابن القيم صوراً للحياء وقسمها إلى عشرة أوجه وهي:
(حياء جناية وحياء تقصير وحياء إجلال وحياء كرم وحياء حشمة وحياء استصغار للنفس واحتقار لها وحياء محبة وحياء عبودية وحياء شرف وعزة وحياء المستحيي من نفسه.
فأما حياء الجناية: فمنه حياء آدم ﵇ لما فر هاربا في الجنة قال الله تعالى: أفرارا مني يا آدم قال: لا يا رب بل حياء منك.
وحياء التقصير: كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك.
стр. 222
وحياء الإجلال: هو حياء المعرفة وعلى حسب معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه.
وحياء الكرم: كحياء النبي من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب وطولوا الجلوس عنده فقام واستحيى أن يقول لهم: انصرفوا.
وحياء الحشمة: كحياء علي بن أبي طالب ﵁ أن يسأل رسول الله عن المذي لمكان ابنته منه.
وحياء الاستحقار واستصغار النفس: كحياء العبد من ربه حين يسأله حوائجه احتقار الشأن نفسه واستصغارا لها.
وفي أثر إسرائيلي أن موسى ﵇ قال: يا رب إنه لتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك هي يا رب فقال الله تعالى: سلني حتى ملح عجينتك وعلف شاتك.
وقد يكون لهذا النوع سببان:
أحدهما: استحقار السائل نفسه واستعظام ذنوبه وخطاياه.
والثاني: استعظام مسؤوله.
وأما حياء المحبة: فهو حياء المحب من محبوبه حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه وأحس به في وجهه ولا يدرى ما سببه وكذلك يعرض للمحب عند ملاقاته محبوبه ومناجاته له روعة شديدة ومنه قولهم: جمال رائع وسبب هذا الحياء والروعة مما لا يعرفه أكثر الناس.
ولا ريب أن للمحبة سلطانا قاهرا للقلب أعظم من سلطان من يقهر البدن فأين من يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك ولذلك تعجبت الملوك والجبابرة من قهرهم للخلق.
وقهر المحبوب لهم وذلهم له فإذا فاجأ المحبوب محبه ورآه بغتة: أحس القلب بهجوم سلطانه عليه فاعتراه روعة وخوف ...
وأما الحياء الذي يعتريه منه وإن كان قادرا عليه كأمته وزوجته فسببه والله أعلم أن هذا السلطان لما زال خوفه عن القلب بقيت هيبته واحتشامه فتولد منها الحياء وأما حصول ذلك له في غيبة المحبوب: فظاهر لاستيلائه على قلبه فوهمه يغالطه عليه ويكابره حتى كأنه معه.
وأما حياء العبودية: فهو حياء ممتزج من محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده وأن قدره أعلى وأجل منها فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.
وأما حياء الشرف والعزة فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل أو عطاء وإحسان فإنه يستحيي مع بذله حياء شرف نفس وعزة وهذا له سببان: أحدهما: هذا. والثاني: استحياؤه من الآخذ حتى كأنه هو الآخذ السائل حتى إن بعض أهل الكرم لا تطاوعه نفسه بمواجهته لمن يعطيه حياء منه وهذا يدخل في حياء التلوم لأنه يستحيي من خجلة الآخذ.
وأما حياء المرء من نفسه: فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص وقناعتها بالدون فيجد نفسه مستحيا من نفسه حتى كأن له نفسين يستحيي بإحداهما من الأخرى وهذا أكمل ما يكون من الحياء فإن العبد إذا استحيى من نفسه فهو بأن يستحيي من غيره أجدر) (١).
стр. 223
من مظاهر قلة الحياء
- المجاهرة بالذنوب والمعاصي وعدم الخوف من الله.
- لبس النساء الكاسيات العاريات الملابس التي تصف الأجسام أو الضيقة أو المفتوحة من الأعلى والأسفل.
- حديث المرأة مع الرجل الأجنبي عند خروجها واختلاطها به مثل البائع وغيره.
- التلفظ والتفوه بالألفاظ البذيئة والسيئة التي تجرح الآخرين.
- كلام الرجل مع غيره بالأسرار الزوجية والأمور الخاصة التي تحصل بينه وبين زوجته.
- عدم ستر العورات، فقد ((رَأَى رسول الله ﷺ رَجُلاً يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ إِنَّ اللَّهَ حَلِيمٌ حَيِيٌ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإذا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ)) (١).
стр. 224
موانع اكتساب الحياء
- الغناء:
روى البيهقي وابن أبي الدنيا عن أبي عثمان الليثي قال: قال يزيد بن الوليد الناقص: (يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة) (١)
- ارتكاب المعاصي:
بين ابن القيم أن الذنوب والمعاصي تذهب الحياء فقال: (ومن عقوباتها ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب وهو أصل كل خير وذهاب كل خير بأجمعه وفي الصحيح عنه أنه قال: ((الحياء خير كله)) (٢). وقال: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) (٣). وفيه تفسيران أحدهما أنه على التهديد والوعيد والمعنى من لم يستح فإنه يصنع ما شاء من القبائح إذ الحامل على تركها الحياء فإذا لم يكن هناك حياء نزعه من القبائح فإنه يواقعها وهذا تفسير أبي عبيدة والثاني أن الفعل إذا لم تستح فيه من الله فافعله وإنما الذي ينبغي تركه ما يستحي فيه من الله وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية ابن هاني فعلى الأول يكون تهديدا كقوله اعملوا ما شئتم وعلى الثاني يكون إذنا وإباحة فإن قيل فهل من سبيل إلى حمله على المعنيين قلت لا ولا على قول من يحمل المشترك على جميع معانيه لما بين الإباحة والتهديد من المنافاة ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية حتى ربما أنه لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعله والحامل على ذلك انسلاخه من الحياء وإذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم يبق في صلاحه مطمع وإذا رأى إبليس طلعة وجهه) (٤).
стр. 225
الوسائل المعينة على اكتساب الحياء
الحياء موجود في فطرة الإنسان، وعلينا أن نجعله رفيقاً لنا في كل أقوالنا وأفعالنا، وهناك بعض الوسائل التي تنمي هذه الصفة وتقويها في نفوسنا، ومن هذه الوسائل:
- اتباع أوامر الله سبحانه والخوف منه ومراقبته في كل حين واستشعار معيته.
- اتباع سنة النبي ﷺ والاقتداء به في حياته القولية والفعلية.
- غض البصر عما حرم الله ، وعدم تتبع عورات الآخرين.
- الصبر عن المعصية: لأن الصبر على البعد عن المعصية تعين على ملازمة الحياء.
- تربية الأولاد على الحياء.
- مجالسة من يتصف بصفة الحياء.
стр. 226
نماذج من حياء الأنبياء والمرسلين:
- حياء أبينا آدم وأمنا حواء:
إن الحياء خاصية من الخصائص التي حبا الله بها الإنسان ليبتعد عن مزاولة الذنوب والمعاصي والشهوات، وحينما أكل آدم وحواء من شجر الجنة التي نهاهما الله عن الأكل منها، بدت لهما سوءاتهما، فأسرعا يأخذان من أوراق الجنة ليسترا عوراتهما، فتحدث القرآن الكريم عن ذلك بقوله: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ... . [الأعراف:٢٢]
وهذا يدل على أن الإنسان مفطور على الحياء، وأما قلة الحياء فهي منافية للفطرة، بل من اتباع الشيطان.
- حياء نبي الله موسى ﵇:
جاء في وصف موسى ﵇ أنه كان حيّيّا ستِّيراً، حتى كان يستر بدنه، ويستحي أن يظهر مما تحت الثياب شيئاً حتى مما ليس بعورة. وبسبب تستره الزائد آذاه بعض بني إسرائيل في أقوالهم، فقالوا: ما يبالغ في ستر نفسه إلا من عيب في جسمه، أو من أدرة (١) هو مصاب بها (٢).
فعن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة وإما آفة وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فو الله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا، أو أربعا، أو خمسا فذلك قوله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا. [الأحزاب:٦٩])) (٣).
стр. 227
نماذج من حياء الأمم السابقة:
- حياء ابنة شعيب:
قال تعالى: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢٥].
وهذه الآية تتحدث عن حياء ابنة شعيب حين جاءت إلى موسى ﵇ تدعوه إلى أبيها ليجزيه على صنيعه، فجاءت إليه تمشي على استحياء، فمن شدة حيائها، قد فاض حياؤها حتى ملأ الأرض حياء (١).
وقال عمر ﵁: (فأقبلت إليه ليست بسلفع من النساء لا خراجة ولا ولاجة، واضعة، ثوبها على وجهها) (٢).
- حياء العرب في الجاهلية:
كان أهل الجاهلية يتحرجون من بعض القبائح بدافع الحياء، فها هو هرقل يسأل أبا سفيان عن رسول الله ﷺ فيقول أبو سفيان: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت عنه) (٣)، فمنعه الحياء الافتراء على رسول الله ﷺ لئلا يوصف بالكذب، ويشاع عنه ذلك (٤).
قال عنترة:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها ...
стр. 228
نماذج من حياء النبي ﷺ :
كان النبي ﷺ أشد الناس حياءً، بل كان أشد حياء من العذراء في خدرها؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها)) (١).وكان إذا كره شيئًا عرفه الصحابة في وجهه.
قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١].
- حياؤه من الله:
ومن مظاهر حيائه ﷺ حياؤه من خالقه ؛ وذلك لما طلب موسى ﵇ من نبينا ﷺ في ليلة الإسراء أن يراجع ربه في قضية تخفيف فرض الصلاة، قال النبي ﷺ لموسى ﵇: ((استحييت من ربي)) (٢).
فحياء النبي ﷺ منعه من مراجعة ربه بعد أن سأله مرات أن يخفف عن أمته عدد الصلوات.
- حياؤه من الناس:
من ذلك ما روي عن عائشة، ((أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، ثم قال: خذي فرصة من مسك فتطهري بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قالت: فستر وجهه بطرف ثوبه وقال: سبحان الله تطهري بها. قالت عائشة: فاجتذبت المرأة فقلت: تتبعي بها أثر الدم)). (٣)
- حياؤه عند زواجه من زينب ﵂:
ومن صور حيائه ﷺ ، ما جاء في الصحيحين، عن أنس بن مالك قال: ((بني على النبي ﷺ بزينب ابنة جحش بخبز ولحم فأرسلت على الطعام داعيا فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه فقلت: يا رسول الله ما أجد أحدا أدعوه قال: ارفعوا طعامكم وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة ﵂ فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته قالت: وعليك السلام ورحمة الله كيف وجدت أهلك يا رسول الله؟ بارك الله لك؟ فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة ثم رجع النبي ﷺ فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون وكان النبي ﷺ شديد الحياء فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا فرجع حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخله والأخرى خارجة أرخى الستر بيني وبينه وأنزل آية الحجاب)) (٤).
- حياؤه في تعامله مع من بلغه عنه شيئاً:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ كَانَ النَّبِي ﷺ ((إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّيءُ لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلاَنٍ يَقُولُ وَلَكِنْ يَقُولُ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا)) (٥).
- حياء النبي ﷺ عندما يأتي أهله:
روى الخطيب في تاريخه عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا أتى امرأة من نسائه غمض عينيه وقنع رأسه زاد الخلال وقال للتي تكون تحته عليك بالسكينة والوقار)) (٦).
وكان في بيته أشد حياء من العاتق لا يسألهم طعاماً ولا يتشهاه عليهم إن أطعموه أكل وما أعطوه قبل وما سقوه شرب وكان ربما قام فأخذ ما يأكل بنفسه أو يشرب (٧).
بل كان إذا أراد أن يغتسل اغتسل بعيدًا عن أعين الناس، ولم يكن لأحد أن يراه، وإن ذلك على شيء فإنما يدل على شدة حيائه ﷺ .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتٍ، وَمَا رَأَى عَوْرَتَهُ أَحَدٌ قَطُّ)) (٨).
ومن حيائه ﷺ ما ورد عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيِيًّا لاَ يُسْأَلُ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَى)) (٩).
стр. 229
نماذج من حياء الصحابة ﵃:
- حياء أبي بكر الصديق ﵁:
خطب الصديق الناس يوماً فقال: (يا معشر المسلمين، استحيوا من الله، فو الذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنعا بثوبي استحياء من ربي (١).
- حياء عثمان بن عفان ﵁:
عرف عثمان ﵁ بشدة الحياء، حتى أن الملائكة كانت تستحي منه، فعن عائشة، قالت: ((كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيتي، كاشفا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ ، وسوى ثيابه - قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد - فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)) (٢).
وذكر الحسن البصري عن عثمان ﵁ وحياؤه: فقال: (إن كان ليكون في البيت، والباب عليه مغلق، فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه) (٣).
- حياء علي بن أبي طالب ﵁:
عَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ ((كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً فَكُنْتُ أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ)) (٤).
- حياء عائشة ﵂:
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْتِي الَّذِي دُفِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي فَأَضَعُ ثَوْبِي فَأَقُولُ إِنَّمَا هُوَ زَوْجِي وَأَبِي فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ مَعَهُمْ فَوَ اللَّهِ مَا دَخَلْتُ إِلاَّ وَأَنَا مَشْدُودَةٌ عَلَي ثِيَابِي حَيَاءً مِنْ عُمَرَ) (٥).
- حياء فاطمة بنت عتبة ﵂:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ ((جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ تُبَايِعُ النَّبِي ﷺ فَأَخَذَ عَلَيْهَا أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَزْنِينَ. الآيَةَ قَالَتْ فَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهَا حَيَاءً فَأَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَى مِنْهَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَقِرِّى أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ فَوَاللَّهِ مَا بَايَعْنَا إِلاَّ عَلَى هَذَا. قَالَتْ فَنَعَمْ إذا. فَبَايَعَهَا بِالآيَةِ)) (٦).
- حياء أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂:
عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: (تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن ولم أكن أحسن أخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من الأنصار فدعاني ثم قال (إخ إخ). ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس فعرف رسول الله ﷺ أني قد استحييت فمضى فجئت الزبير فقلت لقيني رسول الله ﷺ وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك فقال والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه قالت حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك خادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني) (٧).
стр. 230
نماذج من حياء السلف:
الأمثلة من حياء السلف كثيرة، ونذكر منها على سبيل المثال بعض النماذج:
- عن الشعبي، قال: سمع عمر بن الخطاب ﵁ امرأة تقول:
دعتني النفس بعد خروج عمرو ... إلى اللذات تطلع اطلاعا
فقلت لها عجلت فلن تطاعي ... ولو طالت إقامته رباعا
أحاذر أن أطيعك سب نفسي ... ومخزاة تحللني قناعا
فقال لها عمر: (ما الذي منعك من ذلك؟ قالت: الحياء وإكرام روحي فقال عمر: إن في الحياء لهنات ذات ألوان من استحيى اختفى ومن اختفى اتقى ومن اتقى وقي) (١).
- وقال محمد بن الفضل: (ما خطوت أربعين سنة خطوة لغير الله ، وما نظرت أربعين سنة في شيء أستحسنه حياء من الله ، وما أمليت على ملكي ثلاثين سنة شيئاً، ولو فعلت ذلك لاستحييت منهما) (٢).
- وقال الجراح الحكمي: تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع (٣).
- وروي أن عمرو بن عتبة بن فرقد كان يصلي ذات ليلة فسمعوا صوت الأسد فهرب من كان حوله، وهو قائم يصلي فلم ينصرف، فقالوا له: أما خفت الأسد؟ فقال: إني لأستحي من الله أن أخاف شيئاً سواه (٤).
- وقال جعفر الصانع: كان في جيران أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رجل ممن يمارس المعاصي والقاذورات فجاء يوماً إلى مجلس أحمد يسلم عليه فكأن أحمد لم يرد عليه رداً تاماً وانقبض منه فقال له: يا أبا عبد الله! لم تنقبض مني؟ فإني قد انتقلت عما كنت تعهدني برؤيا رأيتها قال: وأي شيء رأيت؟ قال: رأيت النبي ﷺ في النوم كأنه على علو من الأرض وناس كثير أسفل جلوس قال: فيقوم رجل رجل منهم إليه فيقول: ادع لي! فيدعو له حتى لم يبق من القوم غيري قال: فأردت أن أقوم فاستحييت من قبيح ما كنت عليه قال لي: يا فلان! لم لا تقوم إلي فتسألني أدعو لك؟ قال: قلت: يا رسول الله! يقطعني الحياء لقبيح ما أنا عليه فقال: إن كان يقطعك الحياء فقم فسلني أدع لك فإنك لا تسب أحداً من أصحابي قال: فقمت فدعا لي فانتبهت وقد بغض الله إلي ما كنت عليه قال: فقال لنا أبو عبد الله: يا جعفر! يا فلان حدثوا بهذا واحفظوه فإنه ينفع (٥).
- وكان الربيع بن خثيم من شدة غضه لبصره وإطراقه يظن بعض الناس أنه أعمى، وكان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة فإذا رأته جاريته قالت لابن مسعود: صديقك الأعمى قد جاء، فكان يضحك ابن مسعود من قولها، وكان إذا دق الباب تخرج الجارية إليه فتراه مطرقاً غاضاً بصره. (٦)
- ولما احتُضر الأسود بن يزيد بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: ما لي لا أجزعُ؟ ومَنْ أحق مني بذلك؟ والله لو أُتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه ممَّا قد صنعت، وإن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذَّنْبَ الصغير، فيعفو عنه، ولا يزال مستحييًا منه (٧).
الحياء في واحة الشعر ..
قال الشاعر:
إذا لم تخشَ عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاءُ
يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ ... ويبقى العود ما بقي اللحاءُ
وما في أن يعيش المرء خيرٌ ... إذا ما الوجه فارقه الحياءُ
وقال أمية بن أبي الصلت يمدح ابن جدعان بالحياء:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إن شيمتك الحياءُ
وعلمك بالأمور وأنت قِرْمٌ ... لك الحسب المؤثَّلُ والثناءُ
وقالت ليلى الأخيلية تصف توبة بن الحُمَيِّر:
فإن تكن القتلى بواءً فإنكم ... فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامرِ
стр. 231
فتىً كان أحيا من فتاةٍ حييةٍ ... وأشجع من ليثٍ بخفَّان خادرِ
وقال الفضل بن عباس بن عُتبة:
إنا أناسٌ من سجيَّتنا ... صدق الحديث ورأيُنا حتْمُ
لبسوا الحياء فإن نظرتَ حسبتهم ... سقموا ولم يمسسهم سُقمُ
وقال آخر:
حياءك فاحفظه عليك فإنما ... يدل على فضل الكريم حياؤهُ
إذا قلَّ ماء الوجه قلَّ حياؤهُ ... ولا خيرَ في وجهٍ إذا قلَّ ماؤهُ
وقال آخر:
ورُبَّ قبيحةٍ ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياءُ
إذا رُزق الفتى وجهاً وقاحاً ... تقلبَ في الأمور كما يشاءُ
وقال محمد بن حازم:
وإني ليثنيني عن الجهل والخنا ... وشتم ذوي القُربى خلائقُ أربعُ
حياءٌ وإسلامٌ وتقوى وأنني ... كريمٌ، ومثلي قد يضرُّ وينفعُ
وقال آخر:
كريمٌ يغضُّ الطرفَ فضلَ حيائهِ ... ويدنو وأطراف الرماح دواني
وكالسيفِ إن لاينتهُ لانَ متنُهُ ... وحدّاهُ إن خاشنتهُ خَشِنانِ
وقال آخر:
أعاذلتي قد جربت حسبي ... وتم العقل وانكشف الغِطاءُ
فما في أن يعيش المرء خيرٌ ... إذا ما المرءُ زايله الحياءُ
يعيش المرء ما استحيا بخيرٍ ... ويبقى العود ما بقي اللحاءُ
وقال العرجي:
إذا حُرم المرء الحياء فإنه ... بكل قبيحٍ كان منه جديرُ
له قِحةٌ في كل شيءٍ، وسرُّهُ ... مباحٌ، وخدناه خناً وغرورُ
يرى الشتمَ مدحاً والدناءةَ رفعةً ... وللسمع منه في العظات نفورُ
ووجه الحياءِ ملبسٌ جلد رقةٍ ... بغيضٌ إليه ما يشين كثيرُ
له رغبةٌ في أمره وتجردٌ ... حليمٌ لدى جهل الجهولِ وقورُ
فرجِّ الفتى مادام بحيا فإنه ... إلى خير حالاتِ المنيب يصيرُ (١)
وقال آخر:
ما إن دعاني الهوى لفاحشة ... إلا نهاني الحياء والكرم
فلا إلى فاحش مددت يدي ... ولا مشت بي لريبة قدم
وقال آخر:
إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلب فيالأمور كما يشاء
ولم يك للدواء ولا لشيء ... يعالجه به فيه غناء
فما لك فيمعاتبه الذي لا ... حياء لوجهه إلا العناء
وقال آخر:
إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا ... وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع
إذا كنت تأتي المرء تعظم حقه ... ويجهل منكالحق فالصرم أوسع ...
стр. 232
وأخيراً:
أخي يا رعاك الله، بعد هذه الرحلة القصيرة في جنبات الحياء، والتعرف على فضائله وفوائده، فلننظر لأنفسنا ونقف معها وقفة صادقة، ونسألها:
هل نحن ممن يستحي من الله في الخلوات؟ ويراقبه في الظلمات؟
هل نحن ممن يتأدب بآداب الحياء؟ ويجعله رفيقاً له كظله؟
هل نحن ممن اتبع الرسول ﷺ الذي ((كان أشد حياء من العذراء في خدرها))؟ (١).
стр. 233
معنى الرحمة لغة واصطلاحاً
معنى الرحمة لغة:
قال الجوهري: الرحمة: الرقة والتعطف (١).
وقال ابن منظور: والرَّحْمَةُ في بني آدم عند العرب رِقَّةُ القلب وعطفه (٢).
ومنها الرَّحِم: وهي عَلاقة القرابة، ثم سمِّيت رَحِمُ الأنثى رَحِماً من هذا، لأنّ منها ما يكون ما يُرْحَمُ وَيُرَقّ له مِن ولد (٣).
وقد تطلق الرحمة ويراد بها ما تقع به الرحمة كإطلاق الرحمة على الرزق والغيث (٤)
معنى الرحمة اصطلاحاً:
(الرَّحْمَةُ رقّة تقتضي الإحسان إلى الْمَرْحُومِ، وقد تستعمل تارة في الرّقّة المجرّدة، وتارة في الإحسان المجرّد عن الرّقّة) (٥)
وقيل: (هي رقة في النفس تبعث على سوق الخير لمن تتعدى إليه) (٦)
وقال عبد الرحمن الميداني: (الرحمة رقة في القلب يلامسها الألم حينما تدرك الحواس أو يتصور الفكر وجود الألم عند شخص آخر أو يلامسها السرور حينما تدرك الحواس أو يتصور الفكر وجود المسرة عند شخص آخر) (٧)
стр. 234
مقتضى الرحمة
ومقتضى الرحمة هو إيصال الخير إلى الغير, حتى وإن كان هذا الخير مكروهاً إليه مبغضاً من قبله, وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀:
(الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها فهذه هي الرحمة الحقيقية فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك
فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره ويمنعه شهواته التي تعود بضرره ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه فهذه رحمة مقرونة بجهل) (١).
فأساسها قائم على ود وجزع, حب وخوف .. ود وحب للمرحوم يدفع الراحم إلى إرادة الخير له والسعي في إيصاله إليه, وجزع وخوف على المرحوم من أن يقع في مكروه أو يصيبه أذى.
قال الجاحظ: (الرّحمة خلق مركّب من الودّ والجزع، والرّحمة لا تكون إلّا لمن تظهر منه لراحمه خلّة مكروهة، فالرّحمة هي محبّة للمرحوم مع جزع من الحال الّتي من أجلها رحم) (٢).
стр. 235
الفرق بين الرحمة والرأفة
الرحمة والرأفة كلمتان مترادفتان في المعنى إلا أن بينهما فرق لطيف, فبينهما عموم وخصوص مطلق, فالرأفة خاصة في دفع المكروه عن المرحوم بينما الرحمة تشمل هذا المعنى وغيره.
قال ابن عاشور: (والرأفة: رقة تنشأ عند حدوث ضر بالمرؤوف به. يقال: رؤوف رحيم. والرحمة: رقة تقتضي الإحسان للمرحوم، بينهما عموم وخصوص مطلق) (١).
وقال القفال: (الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزالة الضرر كقوله: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢] أي لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه الانفصال والإنعام) (٢)
وقال أبو البقاء الكفوي: (الرحمة هي أن يوصل إليك المسار والرأفة هي أن يدفع عنك المضار ... فالرحمة من باب التزكية والرأفة من باب التخلية والرأفة مبالغة في رحمة مخصوصة هي رفع المكروه وإزالة الضر فذكر الرحمة بعدها في القرآن مطرداً لتكون أعم وأشمل) (٣)
وقيل أن: (الرأفة أشد من الرحمة)، وقيل: (الرحمة أكثر من الرأفة، والرأفة أقوى منها في الكيفية، لأنها عبارة عن إيصال النعم صافية عن الألم) (٤).
стр. 236
فضل الرحمة
الرحمة خلق سام, وسجية عظيمة لا بد أن يتخلق بها المؤمن ويتصف بها, فهي من مبادئ الإسلام الأساسية, وأخلاقه الكريمة.
وتتجلى أهميتها في أن الله تسمَّى واتصف بها, فمرة باسم الرحمن ومرة باسم الرحيم فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.
قال تعالى: الرحمن الرحيم فجمعهما الله في مكان واحد لتستغرقان جميع معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها (١).
وتكمن أهمية هذه الصفة أيضاً في كونها ركيزة من أهم الركائز التي يقوم عليها المجتمع المسلم بجميع أفراده, يستشعرون من خلالها معنى الوحدة والألفة فيصيرون كالجسد الواحد الذي يشتكي إذا اشتكى أحد أعضائه ويئن إذا أنَّ.
((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) (٢).
وتتضح أهميتها أيضاً في أن أهلها مخصوصون برحمة الله ﵎ دون سواهم, معنيون بها دون غيرهم فقد قال الرسول ﷺ : ((الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) (٣).
كما تتضح أهميتها في جوانب أخرى سنعرض لها عند ذكر الآيات والأحاديث الدالة على هذه الصفة العظيمة والسجية الكريمة.
стр. 237
الترغيب والحث على الرحمة في القرآن والسنة
الترغيب والحث على الرحمة من القرآن الكريم:
ذكر الله هذه الصفة العظيمة في غير آية من كتابه الكريم, إما في معرض تسميه واتصافه بها, أو في معرض الامتنان على العباد بما يسبغه عليهم من آثارها, أو تذكيرهم بسعتها, أو من باب المدح والثناء للمتصفين بها المتحلين بمعانيها, أو غير ذلك من السياقات.
وسنذكر بعض هذه السياقات القرآنية والتي يتضح من خلالها مقدار هذا الخلق العظيم الذي أثنى الله على أصحابه, وحث على التخلق به واكتسابه.
تسميه جل وعلا باسم الرحمن والرحيم واتصافه بصفة الرحمة:
وهذا كثير جداً في القرآن نذكر منه على سبيل المثال لا الحصر:
- قال الله ﵎: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ٢ - ٣] فقد سمى الله نفسه بهذين الاسمين المشتملين على صفة الرحمة, قال ابن عباس: (هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر رحمة) (١).
- ومن ذلك بيان أن من كمال رحمته قبول توبة التائبين, والتجاوز عن المسيئين, قال تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧]. وقوله تعالى وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٠٢].
- ومن ذلك أيضاً بيان أن من رحمته عدم مؤاخذة الناس بذنوبهم, أو عقابهم بأخطائهم ومعاصيهم, وأنه لو فعل لعاجلهم بالعذاب, قال تعالى: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف: ٥٨].
- ومن ذلك امتنانه على الخلق بأن رحمته وسعت كل شيء, وأنها رغم سعتها لا يستحقها إلا الذين اتقوه واستجابوا لأمره, قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ [الأعراف: ١٥٦].
- ومن ذلك امتنانه على خلقه بما شرع لهم من أحكام وأن ذلك من كمال رحمته ورأفته بهم. قال تعالى: وكذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٤٣].
- ومن ذلك أن الله جعل هذه الصفة خلق لصفوة خلقه وخيرة عباده وهم الأنبياء والمرسلين, ومن سار على نهجهم من المصلحين, فقد قال الله تعالى ممتناً على رسوله ﷺ على ما ألقاه في قلبه من فيوض الرحمة جعلته يلين للمؤمنين ويرحمهم ويعفو عنهم, ويتجاوز عن أخطائهم: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩].
أي فبسبب رحمة من الله أودعها الله في قلبك يا محمد، كنت هينا لين الجانب مع أصحابك، مع أنهم خالفوا أمرك وعصوك (٢).
стр. 238
- ومن ذلك ثناء الله على المتصفين بالرحمة والمتخلقين بها, فقد قال تعالى واصفاً رسوله ﷺ وأصحابه الذين معه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] فهم أشداء على الكفار رحماء بينهم, بحسب ما يقتضيه منهم إيمانهم, فالإيمان بالله واليوم الآخر متى تغلغل في القلب حقاً غرس فيه الرحمة بمقدار قوته وتغلغله ولكن جعل لها طريقاً لا تتعداه (١).
وقال تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: ١١ – ١٨].
قال محمد الطاهر عاشور: خَصَّ بِالذِّكْرِ مِنْ أَوْصَافِ الْمُؤْمِنِينَ تَوَاصِيَهِمْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصِيَهِمْ بِالْمَرْحَمَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشْرَفُ صِفَاتِهِمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِلَاكُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كُلِّهَا لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ كَبْحِ الشَّهْوَةِ النَّفْسَانِيَّةِ وَذَلِكَ مِنَ الصَّبْرِ. وَالْمَرْحَمَةُ مِلَاكُ صَلَاحِ الْجَماعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ قَالَ تَعَالَى: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الْفَتْح: ٢٩].وَالتَّوَاصِي بِالرَّحْمَةِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ أَيْضًا كِنَايَةٌ عَنِ اتِّصَافِهِمْ بِالْمَرْحَمَةِ لِأَنَّ مَنْ يُوصِي بِالْمَرْحَمَةِ هُوَ الَّذِي عَرَفَ قَدْرَهَا وَفَضْلَهَا، فَهُوَ يَفْعَلُهَا قَبْلَ أَنْ يُوصِيَ بِهَا. (٢)
الترغيب والحث على الرحمة من السنة النبوية:
أما السنة فقد استفاضت نصوصها الداعية إلى الرحمة, الحاثة عليها, المرغبة فيها إما نصاً أو مفهوماً, كيف لا .. وصاحبها ﷺ هو نبي الرحمة كما وصف نفسه فقال: ((أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة)) (٣) , وهو الرحمة المهداة إلى جميع العالمين حيث قال: ((إنما أنا رحمة مهداة)) (٤).
- فعن النّعمان بن بشير- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسّهر والحمّى)) (٥).
يقول الإمام النووي – ﵀ معلقاً على هذا الحديث: (هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه) (٦).
стр. 239
وقال بن أبي جمرة: (الذي يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف وإن كانت متقاربة في المعنى لكن بينها فرق لطيف فأما التراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضاً بأخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضاً كما يعطف الثوب عليه ليقويه) (١) اهـ ملخصاً.
- وعن عائشة- ﵂ قالت: ((جاء أعرابيّ إلى النّبيّ ﷺ فقال: تقبّلون الصّبيان فما نقبّلهم، فقال النّبيّ ﷺ : أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرّحمة)) (٢).
قال ابن بطال: (رحمة الولد الصغير ومعانقته وتقبيله والرفق به من الأعمال التي يرضاها الله ويجازي عليها، ألا ترى قوله ﵇ للأقرع بن حابس حين ذكر عند النبي ﷺ أن له عشرة من الولد ماقبل منهم أحدًا: ((من لا يرحم لا يرحم)) (٣).
- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الرّاحمون يرحمهم الرّحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السّماء)) (٤).
قال شمس الدين السفيري: (فندب ﷺ إلى الرحمة والعطف على جميع الخلق من جميع الحيوانات، على اختلاف أنواعها في غير حديث، وأشرفها الآدمي، وإذا كان كافر فكن رحيماً لنفسك ولغيرك، ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك، فأقرب الناس من رحمة الله أرحمهم بخلقه، فمن كثرت منه الشفقة على خلقه والرحمة على عباده ﵀ برحمته، وأدخله دار كرامته، ووقاه عذاب قبره، وهول موقفه، وأظله بظله إذ كل ذلك من رحمته) (٥).
- وعن أبي هريرة- ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: ((لا تنزع الرّحمة إلّا من شقيّ)) (٦).
قال ابن العربي: (حقيقة الرحمة إرادة المنفعة وإذا ذهبت إرادتها من قلب شقي بإرادة المكروه لغيره ذهب عنه الإيمان والإسلام). (٧)
ويقول المناوي: (لأن الرحمة في الخلق رقة القلب ورقته علامة الإيمان ومن لا رأفة له لا إيمان له ومن لا إيمان له شقي فمن لا رحمة عنده شقي) (٨).
- وعن جرير بن عبد الله- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرحم الله من لا يرحم النّاس)) (٩).
يقول العلامة السعدي ﵀: (رحمة العبد للخلق من أكبر الأسباب التي تنال بها رحمة الله، التي من آثارها خيرات الدنيا، وخيرات الآخرة، وفقدها من أكبر القواطع والموانع لرحمة الله، والعبد في غاية الضرورة والافتقار إلى رحمة الله، لا يستغني عنها طرفة عين، وكل ما هو فيه من النعم واندفاع النقم، من رحمة الله.
стр. 240
فمتى أراد أن يستبقيها ويستزيد منها، فليعمل جميع الأسباب التي تنال بها رحمته، وتجتمع كلها في قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦] وهم المحسنون في عبادة الله، المحسنون إلى عباد الله. والإحسان إلى الخلق أثر من آثار رحمة العبد بهم) (١).
أما من كان بعيداً عن الإحسان بالخلق ظلوماً غشوماً, شقياً, فهذا لا ينبغي له أن يطمع في رحمة الله وهو متلبس بظلم عباده.
- وعن أبي هريرة- ﵁ قال: ((قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن عليّ وعنده الأقرع بن حابس التّميميّ جالسا، فقال الأقرع: إنّ لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، ثمّ قال: من لا يرحم لا يرحم)) (٢).
قال ابن بطال بعد أن ذكر عدداً من الأحاديث وذكر هذا الحديث من جملتها: (في هذه الأحاديث الحض على استعمال الرحمة للخلق كلهم كافرهم ومؤمنهم ولجميع البهائم والرفق بها. وأن ذلك مما يغفر الله به الذنوب ويكفر به الخطايا، فينبغي لكل مؤمن عاقل أن يرغب في الأخذ بحظه من الرحمة، ويستعملها في أبناء جنسه وفى كل حيوان) (٣).
وقد دل الواقع والمشاهدة أن من لا يرحم الناس ولا يعطف عليهم إذا صادف موقفاً يحتاج فيه إلى رحمتهم فإنهم لا يرحمونه ولا يعطفون عليه, وقد ذكر صاحب الأغاني أن محمد بن عبد الملك كان يقول: الرحمة خور في الطبيعة وضعف في المنة, ما رحمت شيئاً قط. فكانوا يطعنون عليه في دينه بهذا القول, فلما وضع في الثقل والحديد قال: ارحموني فقالوا له: وهل رحمت شيئاً قط فترحم. هذه شهادتك على نفسك وحكمك عليها. (٤)
واستفاضت الأحاديث الدالة على الرحمة بمفهومها وهي لا تكاد تحصى, وذلك لأنه ما من معاملة من المعاملات أو رابطة من الروابط الاجتماعية أو الإنسانية إلا وأساسها وقوام أمرها الرحمة.
فمن علاقة الإنسان بنفسه التي بين جنبيه, وعلاقته بذويه وأهله, إلى علاقته بمجتمعه المحيط به, إلى معاملته لجميع خلق الله من إنسان أو حيوان كل ذلك مبني على هذا الخلق الرفيع والسجية العظيمة.
стр. 241
أقسام الرحمة
أقسامها من حيث المدح والذم:
إن في خلق الرحمة ما هو محمود – وهو الأصل – وما هو مذموم.
أما المحمود فهو ما ذكرناه آنفاً واستدللنا عليه من كتاب الله وسنة المصطفى ﷺ بما يغني عن إعادة ذكره هنا.
- وأما المذموم: فهو ما حصل بسببه تعطيل لشرع الله أو تهاون في تطبيق حدوده وأوامره, كمن يشفق على من ارتكب جرماً يستحق به حداً, فيحاول إقالته والعفو عنه, ويحسب أن ذلك من رحمة الخلق وهو ليس من الرحمة في شيء, بل الرحمة هي إقامة الحد على المذنب, والرأفة هي زجره عن غيِّه وردُّه عن بغيه بتطبيق حكم الله فيه, قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (إنَّ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ كُلَّهَا أَدْوِيَةٌ نَافِعَةٌ يُصْلِحُ اللَّهُ بِهَا مَرَضُ الْقُلُوبِ وَهِيَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ الدَّاخِلَةِ فِي قَوْله تَعَالَى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:١٠٧] فَمَنْ تَرَكَ هَذِهِ الرَّحْمَةَ النَّافِعَةَ لِرَأْفَةِ يَجِدُهَا بِالْمَرِيضِ فَهُوَ الَّذِي أَعَانَ عَلَى عَذَابِهِ وَهَلَاكِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ إلَّا الْخَيْرَ إذْ هُوَ فِي ذَلِكَ جَاهِلٌ أَحْمَقُ) (١).
لذا نهى الله تعالى المؤمنين أن تأخذهم رأفة أو رحمة في تطبيق حدود الله وإقامة شرعه فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: ٢]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إِنَّ دِينَ اللَّهِ هُوَ طَاعَتُهُ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ الْمَبْنِيَّ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا؛ فَإِنَّ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ مَا لَمْ تَكُنْ مُضَيِّعَةً لِدِينِ اللَّهِ) (٢).
ومن الرحمة المذمومة ما كانت سببا في فساد المرحوم وهلاكه, كما يفعل كثير من الآباء من ترك تربية الأبناء وتأديبهم وعقوبتهم رحمة بهم, وعطفاً عليهم, فيتسببون في فسادهم وهلاكهم وهم لا يشعرون قال شيخ الإسلام: (مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ الْجُهَّالِ بِمَرْضَاهُمْ وَبِمَنْ يُرَبُّونَهُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَغِلْمَانِهِمْ وَغَيْرِهِمْ فِي تَرْكِ تَأْدِيبِهِمْ وَعُقُوبَتِهِمْ عَلَى مَا يَأْتُونَهُ مِنْ الشَّرِّ وَيَتْرُكُونَهُ مِنْ الْخَيْرِ رَأْفَةً بِهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ فَسَادِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ) (٣).
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (إن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه وشقت عليها فهذه هي الرحمة الحقيقية فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل ويشق عليه في ذلك بالضرب وغيره ويمنعه شهواته التي تعود بضرره ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه فهذه رحمة مقرونة بجهل كرحمة الأم) (٤).
أقسامهما من حيث الغريزة والاكتساب:
يقول العلامة السعدي ﵀: (والرحمة التي يتصف بها العبد نوعان:
النوع الأول: رحمة غريزية، قد جبل الله بعض العباد عليها، وجعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والحنان على الخلق، ففعلوا بمقتضى هذه الرحمة جميع ما يقدرون عليه من نفعهم، بحسب استطاعتهم. فهم محمودون مثابون على ما قاموا به، معذورون على ما عجزوا عنه، وربما كتب الله لهم بنياتهم الصادقة ما عجزت عنه قواهم.
والنوع الثاني: رحمة يكتسبها العبد بسلوكه كل طريق ووسيلة، تجعل قلبه على هذا الوصف، فيعلم العبد أن هذا الوصف من أجل مكارم الأخلاق وأكملها، فيجاهد نفسه على الاتصاف به، ويعلم ما رتب الله عليه من الثواب، وما في فواته من حرمان الثواب; فيرغب في فضل ربه، ويسعى بالسبب الذي ينال به ذلك. ويعلم أن الجزاء من جنس العمل. ويعلم أن الأخوة الدينية والمحبة الإيمانية، قد عقدها الله وربطها بين المؤمنين، وأمرهم أن يكونوا إخوانا متحابين، وأن ينبذوا كل ما ينافي ذلك من البغضاء، والعداوات، والتدابر) (٥).
стр. 242
فوائد الرحمة وآثارها
للتحلي بخلق الرحمة فوائد عظيمة وثمار جليلة, فما إن يتحلى المؤمن بهذه الحلية ويتجمل بهذه السجية حتى تظهر آثارها وتؤتي أكلها .. ليس عليه فقط بل عليه وعلى من حوله, وسنعرض لبعض هذه الآثار والفوائد إجمالاً, فمن ذلك:
١. أنها سبب للتعرض لرحمة الله, فأهلها مخصوصون برحمته جزاء لرحمتهم بخلقه.
٢. ومن أعظم ثمارها أن المتحلي بها يتحلى بخلق تحلى به رسول الله ﷺ .
٣. أن من ثمارها محبة الله للعبد, ومن ثم محبة الناس له.
٤. أنها ركيزة عظيمة ينبني عليها مجتمع مسلم متماسك يحس بعضه ببعض, ويعطف بعضه على بعض, ويرحم بعضه بعضاً.
٥. أنها تشعر المرء بصدق انتمائه للصف المسلم, إذ أن من لا يرحم لا يستحق أن يكون فرداً في المجتمع أو جزء منه لذا قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا)) (١).
٦. على قدر حظ الإنسان من الرحمة تكون درجته عند الله ﵎, لذا كان الأنبياء هم أشد الناس رحمة, وكان الرسول ﷺ أوفرهم حظاً منها.
٧. أنها سبب لمغفرة الله ﵎ وكريم عفوه, كما أن نقيضها سبب في سخطه وعذابه.
٨. أن في الاتصاف بها دليل على أن الإسلام دين رحمة للبشرية لا كما يقول أعداؤه أنه دين يقوم على العنف وسفك الدماء.
٩. ومن أعظم فوائدها أنها خلق متعدٍ إلى جميع خلق الله من إنسان أو حيوان, بعيد أو قريب, مسلم أو غير مسلم.
١٠. أنها سبب للالتفات إلى ضعفة المجتمع من الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام والكبار والعجزة, فمجتمع يخلو من هذا الخلق لا يلتفت فيه إلى هؤلاء ولا يهتم بشأنهم.
وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي يجنيها المجتمع المسلم من هذا الخلق الكريم.
стр. 243
صور الرحمة
ولعلنا بعد هذا نستعرض بعضاً من مظاهر الرحمة وجانباً من تطبيقاتها على الواقع ومن ذلك:
١ - شفقة الإمام برعيته, وتجنب ما من شأنه أن يجلب المشقة لهم:
عن عائشة- ﵂ قالت: ((أعتم النّبيّ ﷺ ذات ليلة، حتّى ذهب عامّة اللّيل، وحتّى نام أهل المسجد ثمّ خرج فصلّى، فقال: إنّه لوقتها لولا أن أشقّ على أمّتي)) (١).
عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلّى أحدكم للنّاس فليخفّف، فإنّ في النّاس الضّعيف والسّقيم وذا الحاجة)) (٢).
٢ - الأمر بالتوسط في العبادات وعدم الإشقاق على النفس وإجهادها:
عن عائشة ﵂: ((أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها امرأة، قال: من هذه. قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال: مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا. وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه)) (٣).
٣ - البر بالوالدين .. وخفض جناح الذل من الرحمة لهما:
عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: ((سألت النّبيّ ﷺ : أيّ العمل أحبّ إلى الله ؟ قال: الصّلاة على وقتها. قال: ثمّ أيّ؟ قال: برّ الوالدين. قال: ثمّ أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله)) (٤).
عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: هاجر إلى رسول الله ﷺ رجل من اليمن. فقال له رسول الله ﷺ : ((هجرت الشّرك ولكنّه الجهاد. هل باليمن أبواك؟. قال: نعم. قال: أذنا لك قال: لا. فقال رسول الله ﷺ : ارجع إلى أبويك فإن فعلا، وإلّا فبرّهما)) (٥).
٣ - الحث على الاستيصاء بالمرأة خيراً والإحسان إليها:
((استوصوا بالنساء خيراً؛ فإنهن عوانٌ عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)) (٦).
٤ - الشفقة على الأبناء والعطف عليهم والحزن إذا أصابهم مكروه:
عن عائشة- ﵂ قالت: جاء أعرابيّ إلى النّبيّ ﷺ فقال: تقبّلون الصّبيان فما نقبّلهم، فقال النّبيّ ﷺ : ((أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرّحمة)) (٧).
وعن أسامة بن زيد- ﵄ قال أرسلت ابنة النّبيّ ﷺ إليه: إنّ ابنا لي قبض، فأتنا. فأرسل يقرأ السّلام ويقول: ((إنّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلّ عنده بأجل مسمّى. فلتصبر ولتحتسب. فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينّها. فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى رسول الله ﷺ الصّبيّ ونفسه تتقعقع, قال حسبته أنّه قال: كأنّها شنّ ففاضت عيناه. فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟. فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنّما يرحم الله من عباده الرّحماء)) (٨).
٥ - الرحمة بمن هم تحت اليد من العبيد والخدم والعمال وغيرهم:
стр. 244
(عن المعرور بن سويد- رحمه الله تعالى- قال: لقيت أبا ذرّ بالرّبذة وعليه حلّة وعلى غلامه حلّة فسألته عن ذلك فقال: إنّي ساببت رجلا فعيّرته بأمّه فقال لي النّبيّ ﷺ : ((يا أبا ذرّ أعيّرته بأمّه؟ إنّك امرؤ فيك جاهليّة، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم)) (١).
٦ - الأمر بإحسان القتلة والذبحة:
عن شدّاد بن أوس- ﵁ أنّه قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ، قال: ((إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبح، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)) (٢).
٧ - النهي عن تعذيب الحيوان أو إخافته أو إجهاده أو إجاعته:
عن عبدالله بن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض)) (٣).
وعلى نقيض هذه الصورة ذكر رسول الله ﷺ صورة أخرى لامرأة غفر الله لها ذنبها بسبب كلب:
عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : ((بينما كلب يطيف بركيّة كاد يقتله العطش، إذ رأته بغيّ من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به)) (٤).
قال السعدي ﵀ معلقاً على هذين الحديثين: (ومن ذلك ما هو مشاهد مجرب، أن من أحسن إلى بهائمه بالإطعام والسقي والملاحظة النافعة، أن الله يبارك له فيها. ومن أساء إليها، عوقب في الدنيا قبل الآخرة، وقال تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة: ٣٢] وذلك لما في قلب الأول من القسوة والغلظة والشر، وما في قلب الآخر من الرحمة والرقة والرأفة، إذ هو بصدد إحياء كل من له قدرة على إحيائه من الناس، كما أن ما في قلب الأول من القسوة، مستعد لقتل النفوس كلها) (٥) ا. هـ.
وغير ذلك من الأحاديث التي تدل بمفهومها على الرحمة والحث عليها والتخلق بها.
стр. 245
الأسباب المعينة على التخلق بخلق الرحمة
يقول العلامة السعدي ﵀: (فلا يزال العبد يتعرف الأسباب التي يدرك بها هذا الوصف الجليل، ويجتهد في التحقق به، حتى يمتلئ قلبه من الرحمة، والحنان على الخلق. ويا حبذا هذا الخلق الفاضل، والوصف الجليل الكامل. وهذه الرحمة التي في القلوب، تظهر آثارها على الجوارح واللسان، في السعي في إيصال البر والخير والمنافع إلى الناس، وإزالة الأضرار والمكاره عنهم) (١).
وهاك أخي الكريم بعض الأسباب المعينة على التخلق بهذا الخلق الكريم والسجية العظيمة:
من أهم الأسباب المعينة على التخلق بهذا الخلق الكريم القراءة في سيرة رسول الله ﷺ والتدبر في معالمها, والتأسي به في مواقف رحمته ﷺ .
مجالسة الرحماء ومخالطتهم, والابتعاد عن ذوي الغلظة والفضاضة, فالمرء يكتسب من جلسائه طباعهم وأخلاقهم.
تربية الأبناء على هذا الخلق العظيم ومحاولة غرسه في قلوبهم, ومتى نشأ الناشئ على الرحمة ثبتت في قلبه وأصبحت سجية له.
معرفة جزاء الرحماء وثوابهم , وأنهم هم الجديرون برحمة الله دون غيرهم, ومعرفة عقوبة الله لأصحاب القلوب القاسية, فإن هذا مما يدفع للرحمة ويردع عن القسوة.
معرفة الآثار المترتبة عن التحلي بهذا الخلق, والثمار التي يجنيها الرحماء في الدنيا قبل الآخرة.
الاختلاط بالضعفاء والمساكين وذوي الحاجة فإنه مما يرقق القلب ويدعو إلى الرحمة والشفقة بهؤلاء وغيرهم.
٧ - التعرض لرحمة الله والسعي وراء أسبابها, فالله ﵎ لا يرحم إلا الرحماء.
стр. 246
نماذج من رحمة النبي ﷺ :
قال تعالى واصفاً نبيه الكريم ﷺ : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨].
فقد كان رسول الله ﷺ أرحم الناس بالناس وأرأفهم بهم, وعندما نقول (الناس) فإننا لا نعني المؤمنين فقط, ولكننا نعني المؤمنين ومن لم يكن يدين بدين الإسلام أصلاً, بل إن رحمته ﷺ تعدت ذلك إلى الحيوان والجماد وسنعرض هنا بعض النماذج من رحمته ﷺ :
رحمته ﷺ بالكفار:
- (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ أنّها قالت للنّبيّ ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟. قال: ((لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت. وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا وأنا بقرن الثّعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلّم عليّ، ثمّ قال: يا محمّد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النّبيّ ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا)) (١).
يقول الإمام ابن حجر ﵀: (في هذا الحديث بيان شفقة النبي ﷺ على قومه ومزيد صبره وحلمه وهو موافق لقوله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: ١٥٩] , وقوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]). (٢)
رحمته ﷺ بالحيوان:
عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: ((أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفا أو حائش نخل قال فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفراه فسكت فقال: من رب هذا الجمل لمن هذا الجمل فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه)) (٣).?
- عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: ((كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته فرأينا حمّرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمّرة فجعلت تفرّش جاء النّبيّ ﷺ فقال: (من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها ورأى قرية نمل قد حرّقناها، فقال: من حرّق هذه؟. قلنا: نحن، قال: إنّه لا ينبغي أن يعذّب بالنّار إلّا ربّ النّار)) (٤).
رحمته بالجماد:
- عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ : ((كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرا؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي ﷺ فضمه إليه، تئن أنين الصبي الذي يسكن. قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها)) (٥).
стр. 247
نماذج من رحمة الصحابة:
وقد سار صحابة رسول الله ﷺ على نهجه واقتدوا به في التمسك بهذا الخلق الكريم, حتى صار الرجل المعروف بشدته وصرامته هيناً ليناً رحيماً رؤوفاً:
- فهذا عمر بن الخطاب ﵁ الذي عرف بشدته وقوته تغير الرحمة من طباعه فيصبح رقيقاً يمتلأ قلبه رحمة ويفيض فؤاده شفقة، ومما يدل على ذلك قوله لعبد الرحمن بن عوف حينما أتاه يكلمه في أن يلين لهم لأنه أخاف الناس حتى خاف الأبكار في خدورهن، فقال: (إني لا أجد لهم إلاَّ ذلك، والله لو أنهم يعلمون ما لهم عندي من الرأفة والرحمة والشفقة لأخذوا ثوبي عن عاتقي) (١).
- و (رآه عيينة بن حصن يوماً يقبل أحد أبنائه وقد وضعه في حجره وهو يحنو عليه، فقال عيينة: أتقبل وأنت أمير المؤمنين؟ لو كنت أمير المؤمنين ما قبلت لي ولداً. فقال عمر: الله، الله حتى استحلفه ثلاثاً، فقال عمر: فما أصنع إن كان الله نزع الرحمة من قلبك؟ إن الله إنما يرحم من عباده الرحماء) (٢).
- (واشتهى الحوت يوماً، فقال: لقد خطر على قلبي شهوة الطري من حيتان، فخرج يرفأ في طلب الحوت لعمر ﵁، ورحل راحلته، فسار ليلتين مدبراً، وليلتين مقبلاً، واشترى مكتلاً، وجاء بالحوت، ثم غسل يرفأ الدابة، فنظر إليها عمر فرأى عرقاً تحت أذنها، فقال: عذبت بهيمة من البهائم في شهوة عمر، لا والله لا يذوقه عمر، عليك بمكتلك) (٣).
(ومرّ ﵁ براهب فوقف ونودي بالراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطَّلَع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترْكِ الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني، فقال عمر: قد علمت ولكني رحمته، ذكرت قول الله : عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً [الغاشية: ٣ - ٤] رحمتُ نصبَه واجتهاده وهو في النار) (٤).
- وتُحدثنا أم المؤمنين عائشة ﵂ عن امرأة من الصحابة تجلت فيها أروع صور الرحمة وأعظمها وهي الرحمة بالولد والشفقة عليه .. تقول عائشة ﵂ قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها. فأطعمتها ثلاث تمرات. فأعطت كل واحدة منهما تمرة. ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها. فاستطعمتها ابنتاها. فشقت التمرة، التي كانت تريد أن تأكلها، بينهما. فأعجبني شأنها. فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ . فقال ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة. أو أعتقها بها من النار)) (٥).
- وهذا أبو برزة الأسلمي ﵁ من رحمته أنه كان له جفنة من ثريد غدوة , وجفنة عشية للأرامل واليتامى والمساكين (٦).
стр. 248
نماذج من رحمة السلف:
رحمة عمر بن عبد العزيز ﵀:
(كتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى حيان بمصر إنه بلغني أن بمصر إبلا نقالات يحمل على البعير منها ألف رطل فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل وكتب إلى صاحب السكك أن لا يحملوا أحدا بلجام ثقيل من هذه الرستنية ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة) (١).
стр. 249
نماذج من رحمة العلماء المتقدمين:
رحمة شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال الحافظ عمر بن علي البزار: (وحدثني من أثق به أن الشيخ ﵁ كان ماراً يوماً في بعض الأزقة فدعا له بعض الفقراء وعرف الشيخ حاجته ولم يكن مع الشيخ ما يعطيه فنزع ثوباً على جلده ودفعه إليه وقال بعه بما تيسر وأنفقه واعتذر إليه من كونه لم يحضر عنده شيء من النفقة) (١).
стр. 250
نماذج من رحمة العلماء المعاصرين:
رحمة الشيخ ابن باز ﵀:
يقول الشيخ محمد بن موسى الموسى: (في يوم من الأيام طلب مني أحد السائقين لدى سماحة الشيخ أن يتصل عبر الهاتف بأهله خارج البلاد أي يريد الاتصال من الهاتف الذي في منزل سماحة الشيخ فقلت له: لا بد من الاستئذان من سماحته فأتيت إلى سماحة الشيخ وقلت له: فلان طلب مني الإذن له بالاتصال بأهله. فقال سماحته: لعلك منعته فقلت: لا بد من إذن سماحتكم, فقال: اتركه يتصل, لا تمنعوهم ارحموهم, أما لكم أولاد أعوذ بالله, الرسول ﷺ يقول: ((من لا يرحم لا يرحم))) (١).