← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

نماذج من عدل الرسول ﷺ الإسلام هو دين العدالة وإن أمة الإسلام هي أمة الحق والعدل، وقد طبق الرسول ﷺ العدل وكان نموذجا في أعلى درجاته، وطبقه خلفاؤه من بعده. - فقد روى أبو نعيم في (معرفة الصحابة) ((أن رسول الله ﷺ عدل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية حليف بني عدي بن النجار قال: وهو مستنتل من الصف، فطعن رسول الله ﷺ بالقدح في بطنه، وقال: استو يا سواد فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالعدل، فأقدني قال: فقال له رسول الله ﷺ استقد قال: يا رسول الله إنك طعنتني وليس علي قميص قال: فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه، وقال: استقدقال: فاعتنقه، وقبل بطنه، وقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله، حضرني ما ترى، ولم آمن القتل، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا رسول الله ﷺ له بخير)) (١). - وعن عائشة زوج النبي ﷺ ((أن قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح فقالوا من يكلم فيها رسول الله ﷺ فقالوا ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ . فأتى بها رسول الله ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد فتلون وجه رسول الله ﷺ فقال أتشفع في حد من حدود الله فقال له أسامة استغفر لي يا رسول الله. فلما كان العشي قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) (٢). ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. - وعن خولة بنت قيس - امرأة حمزة بن عبد المطلب ﵄ قالت: ((كان على رسول الله ﷺ وَسق من تمر لرجل من بني ساعدة، فأتاه يقتضيه، فأمر رسول الله ﷺ رجلاً من الأنصار أن يقضيه، فقضاه تمراً دون تمره فأبى أن يقبله، فقال: أتردُّ على رسول الله ﷺ قال: نعم ومن أحق بالعدل من رسول الله ﷺ فاكتحلت عينا رسول الله ﷺ بدموعه ثم قال: ((صدق، ومن أحق بالعدل مني؟ لا قدّس الله أمةً لا يأخذ ضعيفها حقّه من شديدها، ولا يتعتعه)) (٣).

стр. 387

نماذج من عدالة الصحابة ﵃ عدل عمر بن الخطاب ﵁ - عمر ﵁ -الخليفة الثاني- يمثِّل العدل في الإسلام، فعن عطاء: قال كان عمر بن الخطاب ﵁ يأمر عماله أن يوافوه بالموسم، فإذا اجتمعوا قال: (يا أيها الناس، إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم، ولا من أعراضكم إِنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم. فما قام أحد إلا رجل، قام فقال: يا أمير المؤمنين إِنَّ عاملك فلاناً ضربني مائة سوط. قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه. فقام عمرو بن العاص ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، وتكن سنّة يأخذ بها مَنْ بعدك. فقال: أنا لا أُقيد وقد رأيت رسول الله ﷺ يقيد في نفسه؟ قال: فدعنا لنرضيه. قال: دونكم فأرضوه، فافتدى منه بمائتي دينار عن كل سَوْط بدينارين) (١). - وعن أنس ﵁ (أن رجلاً من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم. قال: عذتَ معَاذاً. قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين. فكتب عمر إلى عمرو ﵄ يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه. فقدم فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط واضربه. فجعل يضربه بالسوط ويقول عمر: اضرب ابن الأكرمين. قال أنس: فضرب والله لقد ضربه ونحن نحب ضربه؛ فلما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه. ثم قال للمصري: ضَعْ على صلعة عمرو. فقال: يا أمير المؤمنين إِنّما ابنه الذي ضربني وقد استَقَدْت منه. فقال عمر لعمرو؛ مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ قال: يا أمير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني) (٢). - ولما أُتي عمر بن الخطاب ﵁ بتاج كسرى وسواريه، قال: (إن الذي أدى هذا لأمين! قال له رجل: يا أمير المؤمنين، أنت أمين الله يؤدون إليك ما أديت إلى الله تعالى، فإذا رتعت رتعوا) (٣). عدل علي ﵁: وهذا نموذج آخر من إقامة العدل قام بتطبيقه أمير المؤمنين علي ﵁ وهو خليفة: فقد افتقد درعا له في يوم من الأيام ووجده عند يهودي فقال لليهودي: (الدرع درعي لم أبع ولم أهب فقال اليهودي: درعي وفي يدي فقال: نصير إلى القاضي فتقدم علي فجلس إلى جنب شريح وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((وأصغروهم من حيث أصغرهم الله)) فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين فقال: نعم هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي لم أبع ولم أهب فقال شريح: إيش تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي فقال شريح: ألك بينة يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم: قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه قضى عليه أشهد أن هذا هو الحق وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وأن الدرع درعك) (٤).

стр. 388

مفهوم خاطئ للعدل: كل من أراد أن يُسوِّق بضاعته المزجاة ويروِّج لباطله يأتي بعبارات براقة وألفاظ محبوبة تستسيقها الفطر السليمة فيقوم بتحريف معانيها على ما يريده من المعاني الباطلة، ومن ذلك تحريف معنى العدل على المفهوم الخاطئ من قبل المعتزلة، والجبرية، ودعاة التحرر من الكفرة والعلمانيين. ١ - العدل عند المعتزلة: فقد جعل المعتزلة العدل من أصولهم الخمسة وتسمية أنفسهم بأهل العدل والتوحيد: ومعنى العدل عندهم: نفي القدر، فيقولون: إن إثبات القدر جور وظلم، ويجب العدل على الله. ٢ - العدل عند الجبرية: الجبرية استعملوا العدل وأطلقوه في حق الله على كل مقدور. والجبرية يعتقدون أن الإنسان مجبور على أفعاله، ويعتقدون أن أفعاله كلها اضطرارية، كحركات المرتعش وحركات الأشجار، والفاعل هو الله، وإضافتها إلى الإنسان مجازًا. ٣ - العدل عند الكفار والعلمانيين والحداثيين: يدعي الكفرة والعلمانيون والحداثيون بأنهم أهل الحرية والعدل والمساواة وهم أبعد من العدل. والعدل والحرية الذي يدندنون حوله هو هدم ما جاءت به الشريعة الإسلامية من الأحكام.

стр. 389

العدل في واحة الشعر .. قال ابن حزم: زمام أصول جميع الفضائل ... عدل وفهم وجود وبأس فمن هذه ركبت غيرها فمن ... حازها فهو في الناس رأس كذا الرأس فيه الأمور التي ... بإحساسها يكشف الالتباس وقال الزمخشري: قدم المنصور البصرة قبل الخلافة، فنزل بواصل بن عطاء، فقال: أبيات بلغتني عن سليمان بن يزيد العدوي في العدل، فمر بنا إليه، فأشرف عليهم من غرفة فقال لواصل: من هذا الذي معك؟ قال: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فقال: رحب على رحب، وقرب إلى قرب، فقال: يحب أن يستمع إلى أبياتك في العدل، فأنشده: حتى متى لا نرى عدلاً نسر به ... ولا نرى لولاة الحق أعوانا مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلون أهل الجور ألوانا يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمى يقتاد عميانا (١) وقال الزهاوي: العدلُ كالغيثِ يحيي الأرضَ وابلهُ ... والظلمُ في الملكِ مثلُ النارِ في القصبِ وقال آخر: أدِّ الأمانةَ والخيانةَ فاجتنبْ ... واعدلْ ولا تظلمْ يطيبُ المكسبُ وقال أبو الفتح البستي: عليكَ بالعدلِ إِن وُليتَ مملكةً ... واحذرْ من الجورِ فيها غايةَ الحذرِ فالعدلُ ينفيهِ أنى احتلَّ من بلدٍ ... والجورُ ينفيح في بدوٍ وفي حضرِ وقال آخر: عن العدل لا تعدل وكن متيقظاً ... وحكمك بين الناس فليك بالقسط وبالرفق عاملهم وأحسن إليهم ... ولا تبدلن وجه الرضا منك بالسخط وحل بدر الحق جيد نظامهم ... وراقب إله الخلق في الحل والربط وقال آخر: نخاف على حاكم عادل ... ونرجو فكيف بمن يظلم إذا جار حكم امرئ ملحد ... على مسلم هلك المسلم ...

стр. 390

معنى العزم والعزيمة لغة واصطلاحاً معنى العزم والعزيمة لغة: قال ابن سيده: (العَزْم: الجد. عَزَم على الأمر يَعْزِم عَزْما ومَعْزِما، وعُزْمانا، وعَزِيما، وعَزِيمة. وعَزَمَه، واعْتَزَمه، واعتزم عليه .... وتَعَزَّم: كعَزَم ... وعزم عليه ليفعلن أقسم) (١). قال ابن منظور: (العَزْمُ الصَّبْرُ في لغة هذيل يقولون ما لي عنك عَزْمٌ أي صَبْرٌ) (٢). والصريمة والعزيمة والَعزِيم والعزيمة واحدة .. وهي الحاجة التي قد عزمت على فعلها .. يقال: طوى فلان فؤاده على عزيمة أمرٍ. إذا أسرّها في فؤاده (٣). قال أبو جعفر: (أصل العزم اعتقاد القلب على الشيء) (٤). معنى العزم والعزيمة اصطلاحاً: قال ابن عاشور العزم: (إمضاء الرأي، وعدم التردد بعد تبين السداد) (٥). وقال الهروي: (العزم تحقيق القصد طوعا أو كرها) (٦). وقال ابن الأثير: العزيمة (هي ما وكدت رأيك وعزمك عليه ووفيت بعهد الله فيه. والعزم: الجد والصبر) (٧). الفرق بين العزم والحزم والنية الفرق بين العزم والحزم في العزم والحزم وجهان: أحدهما: أن معناهما واحد وإن اختلف لفظهما. قال مؤرج: العزم: الحزم، بلغة هذيل. الثاني: معناهما مختلف: والحزم والعزم أصلان، وما قاله المبرد من أن العين قلبت حاء ليس بشيء، لاطراد تصاريف كل واحد من اللفظين، فليس أحدهما أصلاً للآخر. - وفي اختلافهما وجهان: - الحزم جودة النظر في الأمر، ونتيجته الحذر من الخطأ فيه. والعزم قصد الإمضاء وعليه فالحزم الحذر والعزم القوة، ومنه المثل: لا خير في عزم بغير حزم. الثاني: أن الحزم التأهب للأمر والعزم النفاذ فيه، ومنه قولهم في بعض الأمثال: رَوِّ بحزم فإذا استوضحت فاعزم (٨). الفرق بين العزم والنية: (الصلة بين النية والعزم: أنهما مرحلتان من مراحل الإرادة، والعزم اسم للمتقدم على الفعل، والنية اسم للمقترن بالفعل مع دخوله تحت العلم بالمنوي) (٩).

стр. 391

الترغيب على العزم والعزيمة في فعل الخير من القرآن والسنة الترغيب والحث على العزم والعزيمة من القرآن الكريم: العزم والعزيمة على فعل الخير وعدم التردد والمسارعة لفعل الخيرات من شيم الصالحين والعزيمة هي الدافع لفعل الخير ولهذا حث الله عليها في كتابه في غير آية ومن ذلك: - قال تعالى فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩]. قال أبو الهيثم: في قوله تعالى (فإذا عزم الأمر: .. هو فاعل معناه المفعول، وإنما يُعْزم الأمر ولا يعزم، والعزم للإنسان لا للآمر) (١). وقال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: (أما قوله: فإذا عزمت فتوكل على الله فإنه يعني: فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك، أو خالفها وتوكل، فيما تأتي من أمورك وتدع، وتحاول أو تزاول، على ربك، فثق به في كل ذلك، وارض بقضائه في جميعه، دون آراء سائر خلقه ومعونتهم فإن الله يحب المتوكلين، وهم الراضون بقضائه، والمستسلمون لحكمه فيهم، وافق ذلك منهم هوى أو خالفه) (٢). وقال الجصاص: (فِي ذِكْرِ الْعَزِيمَةِ عَقِيبَ الْمُشَاوَرَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا صَدَرَتْ عَنْ الْمَشُورَةِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ قَبْلَهَا) (٣). وقال البخاري رحمه الله تعالى: (فإذا عزم الرسول ﷺ لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله) (٤). - وقال تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦]. قال الشوكاني: فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي (مما يجب عليكم أن تعزموا عليه لكونه عزمة من عزمات الله التي أوجب عليهم القيام بها) (٥). وقال الرازي: (من صواب التدبير الذي لا شك في ظهور الرشد فيه، وهو مما ينبغي لكل عاقل أن يعزم عليه، فتأخذ نفسه لا محالة به ... ولا يجوز ذلك الترخص في تركه، فما كان من الأمور حميد العاقبة معروفاً بالرشد والصواب فهو من عزم الأمور لأنه مما لا يجوز لعاقل أن يترخص في تركه) (٦). وقال ابن عاشور: (وإن تصبروا وتتّقوا تنالوا ثواب أهل العزم فإنّ ذلك من عزم الأمور) (٧). وكذلك فهو من حقيقة الإيمان ومن الأمور التي ينافس فيها من أشدها وأحسنها لما فيها من كمال الشرف والعز حسن العاقبة في الدنيا والآخرة ولايوفق لها إلا أهل العزائم والهمم العالية (٨). - وقوله تعالى: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧].

стр. 392

قال أبو حيان الأندلسي: (العزم مصدر، فاحتمل أن يراد به المفعول، أي من معزوم الأمور، واحتمل أن يراد به الفاعل، أي عازم الأمور) (١). قال القرطبي: (إن إقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور أي مما عزمه الله وأمر به قاله ابن جريج: ويحتمل أن يريد أن ذلك من مكارم الأخلاق وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة وقول ابن جريج أصوب) (٢). - وقال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُون [الأحقاف: ٣٥]. قال ابن جرير الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ، مثبته على المضيّ لما قلَّده من عبْء الرسالة، وثقل أحمال النبوّة ﷺ ، وآمره بالائتساء في العزم على النفوذ لذلك بأولي العزم من قبله من رسله الذين صبروا على عظيم ما لَقُوا فيه من قومهم من المكاره، ونالهم فيه منهم من الأذى والشدائد) (٣). وقال ابن عجيبة: (فإنك مِن جملتهم، بل من أكملهم وأفضلهم) (٤). - وقال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣]. قال الماوردي: (يحتمل قوله: إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ وجهين: أحدهما: لمن عزائم الله التي أمر بها. الثاني: لمن عزائم الصواب التي وفق لها) (٥). وقال ابن كثير: إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ أي: لمن الأمور المشكورة والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل وثناء جميل) (٦). وقال السعدي: (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ أي: لمن الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزائم والهمم، وذوو الألباب والبصائر) (٧). وقال الواحدي: (إن ذلك أَيْ: الصَّبر والغفران لمن عزم الأمور لأنَّه يوجب الثَّواب، فهو أتمُّ عزمٍ) (٨). - وقوله تعالى: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد: ٢١]. وقوله: فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ (فعن مجاهد فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ قال: إذا جد الأمر ... وقتادة فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ يقول: طواعية الله ورسوله، وقول معروف عند حقائق الأمور خير لهم) (٩). قال الرازي: (جوابه -أي جواب إذا- محذوف تقديره فَإِذَا عَزَمَ الأمر خالفوا وتخلفوا، وهو مناسب لمعنى قراءة أُبي كأنه يقول في أول الأمر قالوا سمعاً وطاعة، وعند آخر الأمر خالفوا وأخلفوا موعدهم، ونسب العزم إلى الأمر والعزم لصاحب الأمر معناه: فإذا عزم صاحب الأمر. هذا قول الزمخشري، ويحتمل أن يقال هو مجاز كقولنا جاء الأمر وولى فإن الأمر في الأول يتوقع أن لا يقع وعند إظلاله وعجز الكاره عن إبطاله فهو واقع فقال عَزَمَ والوجهان متقاربان) (١٠).

стр. 393

- وقال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥]. قال ابن الجوزي: (قوله تعالى: ولم نَجِدْ له عَزْماً العَزْمُ في اللغة: توطينُ النفس على الفعل. وفي المعنى أربعة أقوال. أحدها: لم نجد له حفظاً، رواه العوفي عن ابن عباس، والمعنى: لم يحفظ ما أُمِر به. والثاني: صبراً، قاله قتادة، ومقاتل، والمعنى: لم يصبر عمَّا نُهي عنه. والثالث: حزماً، قاله ابن السائب. قال ابن الأنباري: وهذا لا يُخرج آدم من أُولي العزم. وإِنما لم يكن له عزم في الأكل فحسب. والرابع: عزماً في العَوْد إِلى الذَّنْب) (١). وقال الرازي: (قوله: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً يحتمل ولم نجد له عزماً على القيام على المعصية فيكون إلى المدح أقرب، ويحتمل أن يكون المراد ولم نجد له عزماً على ترك المعصية أو لم نجد له عزماً على التحفظ والاحتراز عن الغفلة، أو لم نجد له عزماً على الاحتياط في كيفية الاجتهاد إذا قلنا: إنه ﵇ إنما أخطأ بالاجتهاد) (٢). ورحج ابن جرير الطبري أن تأويل وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً هو (لم نجد له عزم قلب، على الوفاء لله بعهده، ولا على حفظ ما عهد إليه) (٣). وقال ابن عاشور: (واستعمل نفي وجدان العزم عند آدم في معنى عدم وجود العزم من صفته فيما عهد إليه تمثيلا لحال طلب حصوله عنده بحال الباحث على عزمه فلم يجده عنده بعد البحث) (٤). الترغيب والحث على العزم والعزيمة من السنة النبوية: - (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ. لِيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ لاَ مُكْرِهَ لَهُ) (٥). قال المباركفوري: (عزم المسألة الشدة في طلبها والحزم به من غير ضعف في الطلب ولا تعليق على مشيئة ونحوها) (٦). وقال ابن حجر: (قوله فليعزم المسألة في رواية أحمد عن إسماعيل المذكور الدعاء ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه وأن يجزم بوقوع مطلوبه ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى وإن كان مأمورا في جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى وقيل معنى العزم أن يحسن الظن بالله في الإجابة ... وقال الداودي معنى قوله ليعزم المسألة أن يجتهد ويلح ولا يقل إن شئت كالمستثنى ولكن دعاء البائس الفقير) (٧). قال بدر الدين العيني: (قوله فليعزم المسألة أي فليقطع بالسؤال ولا يعلق بالمشيئة إذ في التعليق صورة الاستغناء عن المطلوب منه والمطلوب) (٨). قال السيوطي: (ليعزم المسألة أي يعري دعاءه وسؤاله من لفظ المشيئة) (٩).

стр. 394

- و (عن ابْن مسعود، قَالَ: لَقَدْ سَأَلَنِي رجلٌ عَنْ أَمْرٍ مَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلا مُؤْدِيًا نَشِيطًا يَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا فِي الْمَغَازِي، فَيَعْزِمُ عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ لا نُحْصِيهَا؟ فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ إِلا أَنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ فَعَسَى أَنْ لا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلا مَرَّةً حَتَّى نَفْعَلَهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقَى اللَّهَ، وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيءٌ سَأَلَ رَجُلا فَشَفَاهُ مِنْهُ، وَأَوْشَكَ أَنْ لا تَجِدُوهُ، وَالَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ مَا أَذْكُرُ مَا غَبَرَ مِنَ الدُّنْيَا إِلا كَالثَّغْبِ شُرِبَ صَفْوُهُ وَبَقِي كَدَرُهُ) (١). قال بدر الدين العيني: (قوله فيعزم علينا أي الأمير يشدد علينا في أشياء لا نطيقها وقال الكرماني فيعزم إن كان بلفظ المجهول فهو ظاهر يعني لا يحتاج إلى تقدير الفاعل ظاهرا هذا إن كان جاءت به رواية قوله حتى نفعله غاية لقوله لا يعزم أو للعزم الذي يتعلق به المستثنى) (٢). - وعن جماعة من الصحابة مرفوعا (إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) (٣). قال المناوي: (عزائمه أي مطلوباته الواجبة فإن أمر الله في الرخص والعزائم واحد) (٤). قال القاري: (الرخصة إذا كانت حسنا فالعزيمة أولى بذلك) (٥). - وعن شدّاد بن أوس- ﵁ قال: ((إنّ رسول الله ﷺ كان يقول في صلاته اللهمّ إنّي أسألك الثّبات في الأمر، والعزيمة على الرّشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، ولسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم)) (٦). قال المناوي: (وأسألك عزيمة الرشد وفي رواية العزيمة على الرشد قال الحرالي وهو حسن التصرف في الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم) (٧). من أقوال العلماء في العزم والعزيمة - قال ابن منظور: (لا خَيرَ في عَزْمٍ بغير حَزْمٍ فإِن القُوَّة إِذا لم يكن معها حَذَرٌ أَوْرَطَتْ صاحبَها) (٨). - وقال فخر الدين الرازي: (منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار) (٩). - وقال الغزالي: (التَّقْوَى في قول شُيوخنا: تنزيهُ القَلْب عن ذَنْب لم يسبق منك مِثْلُه حتى يَحْصُلَ للعبدِ من قُوّة العَزْم على تركِه وِقايةٌ بينه وبين المعاصي) (١٠). - وقال ابن الجوزي) ليس في سياط التأديب أجود من سوط العزم) (١١).

стр. 395

أقسام الصفة قال الهروي: (وهو- أي العزم - على ثلاث درجات: ١ - الدرجة الأولى إباء الحال على العلم بشيم برق الكشف واستدامة نور الأنس والإجابة لإماتة الهوى. ٢ - والدرجة الثانية الاستغراق في لوائح المشاهدة واستنارة ضياء الطريق واستجماع قوى الاستقامة. والدرجة الثالثة معرفة علة العزم ثم العزم على التخلص من العزم ثم الخلاص من تكاليف ترك العزم فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثا أكرم من وقوفهم على علل العزائم) (١).

стр. 396

فوائد العزم والعزيمة ١ - مظنة قبول الدعاء: فقوة العزم والجزم في الدعاء وعدم تعليقه بالمشيئة من آداب الدعاء وأرجى للقبول. ٢ - قوة العزم والعزيمة من وسائل تهذيب النفس وتحصيل الأخلاق الفاضلة قال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣]. قال أحمد بن قدامة المقدسي: (وأشد حاجة الرائض لنفسه، قوة العزم، فمتى كان متردداً بعد فلاحه، ومتى أحس من نفسه ضعف العزم تصبر، فإذا انقضت عزيمتها عاقبها لئلا تعاود، كما قال رجل لنفسه: تتكلمين فيما لا يعنيك؟ لأعاقبنك بصوم سنة) (١) ومن صفات المؤمن القوي قوة العزم على الأمر. ٣ - قوة العزم والعزيمة تعين على تحقيق التقوى: وذلك بحمل النفس على فعل المأمورات وترك المنهيات وهذه هي حقيقة التقوى قال تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران: ١٨٦]. ٤ - قوة العزم والعزيمة تعين على ترك المعاصي. ٥ - العزم والعزيمة من وسائل التخلص من تلبيس الشيطان ووسوسته: قال الشيخ عطية سالم (إذا كانت مهمة الوسوسة التشكيك والذبذبة والتردد، فإن عمومات التكليف تلزم المسلم بالعزم واليقين والمضي دون تردد كما في قوله: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله [آل عمران: ١٥٩]، وامتدح بعض الرسل بالعزم وأمر بالاقتداء بهم فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل [الأحقاف: ٣٥] .... فمن هذا كله كانت دوافع العزيمة مستقاة من التكاليف، مما يقضي على نوازع الشك والتردد، ولم يبق في قلب المؤمن جال لشك ولا محل لوسوسة) (٢). ٦ - العزم على ترك الذنب من شروط قبول التوبة: فالتَّوْبَةُ وَاجبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْب لَهَا ثَلاثَةُ شُرُوط: ومنها العزم على عدم العودة للذنب أبدأً (٣). قال أبو حازم: (عند تصحيح الضّمائر تغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أمّه الفتوح) (٤). ٧ - قوة العزم والعزيمة من علامات التوفيق: قال ابن القيم: (الدين مداره على أصلين العزم والثبات وهما الأصلان المذكوران في (الحديث عن النبي اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأصل الشكر صحة العزيمة وأصل الصبر قوة الثبات فمتى أيد العبد بعزيمة وثبات فقد أيد بالمعونة والتوفيق) (٥). ٨ - قوة العزم والعزيمة تحصل للمرء كل مقام شريف ومنزلة رفيعة: قال ابن القيم: (فإن كمال العبد بالعزيمة والثبات فمن لم يكن له عزيمة فهو ناقص ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ناقص فإذا انضم الثبات إلى العزيمة أثمر كل مقام شريف وحال كامل ولهذا في دعاء النبي الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه: ((اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد)) (٦) ومعلوم أن شجرة الثبات والعزيمة لا تقوم إلا على ساق الصبر) (٧). ٩ - صاحب العزم والعزيمة القوية الصادقة أكثر الناس صبراً على البلاء. قال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣]. ١٠ - قوة العزم والعزيمة في الخير من صفات الأنبياء والمرسلين والصالحين قال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥]. ١١ - العزيمة دليل حسن الظّنّ. ومتانة الدّين وعلامة اليقين (٨). ١٢ - تصنع المستحيلات وتليّن الصعوبات. ١٣ - هي خير معين على طلب العلم. ١٤ - العزيمة على طلب الحقّ تثمر نور الحقّ وجلال الإيمان. ١٥ - حسن العزيمة في الجهاد يضاعف قوّة الرّجال إلى ما لا نهاية.

стр. 397

موانع اكتساب العزم والعزيمة وتقويتها ١ - مرض القلب وضعف النفس وانهزامها: إذا فقد القلب عزمه خارت قوى الجسد مهما كان قويا قال تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]. وقال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧] فإن ضعف العزيمة من ضعف حياة القلب وهي دليل على حياته، وعلى مرضه أو موته. ٢ - العجز والكسل: من أعظم المصائب الهدامة العجز والكسل، والجبن، والبخل، قال محمد إسماعيل المقدم: (وهما العائقان اللذان أكثر الرسول من التعوذ بالله سبحانه منهما (١) وقد يعذر العاجز لعدم قدرته بخلاف الكسول الذي يتثاقل ويتراخى مما ينبغي مع القدرة قال تعالى: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة: ٤٦] (٢). وقال الرسول ﷺ : ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ)) (٣). ٣ - التسويف والتمني وترك الأخذ بالأسباب: قال محمد إسماعيل المقدم (وهما صفة بليد الحس عديم المبالاة الذي كلما همت نفسه بخير- وعزمت عليه – إما يعيقها بسوف حتى يفجأه الموت فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [المنافقون: ١٠]، وإما يركب بها بحر التمني وهو بحر لا ساحل له يدمن ركوبه مفاليس العالم ... وما أحسن ما قال أبو تمام: من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا) (٤) ٤ - الخوف من الفشل: إن الخوف الدائم من الفشل ووضع نتائجه سلبية للعمل قبل تنفيذه وتوقع انتقاد الآخرين من العوامل المؤثرة في ضعف عزيمة النفس ويورث شعوراً دائما بالاستكانة وذل النفس وهوانها فيجب عليك أن تقاوم الخوف وتتأسى بأصحاب العزم الصادق الذين قال الله تعالى عن عزمهم وقوتهم في مواجهة الحياة وحسن توكلهم عليه سبحانه في تقوية عزائمهم على مواجهة الصعوبات الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤] واعلم أن عليك أن تسعى وليس عليك إدراك النجاح ويكفيك شرف المحاولة قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٢٣]. ٥ - التردد وعدم وضوح الأهداف:

стр. 398

قال محمد الغزالي: (إن الإسلام يكره لك أن تكون متردداً في أمورك تحار في اختيار أصوبها وأسلمها وتكثر الهواجس في رأسك فتخلق أمامك جو من الريبة والتوجس فلا تدري كيف تفعل وتضعف قبضتك في الإمساك بما ينفعك فيفلت منك ثم يذهب سدى) (١)، ولهذا شرع لنا الله سبحانه مشاورة أهل الرأي والخبرة من أهل الصلاح قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [الأنبياء: ٤٣]، وشرع لنا الرسول الاستخارة (٢)، إعانة للمرء على بلوغ الصواب وبعد المشاورة يكن التنفيذ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩]. ٦ - سوء الظن بالله واليأس وفقدان الأمل والنظرة التشاؤمية للحياة. إن فقدان الأمل يقعد الإنسان عن طلب المعالي ليأسه وحكمه على المستقبل بما يعيشه من واقع أليم، قال محمد الغزالي: (عمل الشيطان هو تشييع الماضي بالنحيب والإعوال هو ما يلقيه في النفس من أسى وقنوط على ما فات، إن الرجل لا يلتفت وراءه إلا بمقدار ما ينتفع به في حاضره ومستقبله أما الوقوف مع هزائم الأمس واستعادة أحزانها والتعثر في عقابيلها وتكرار لو، وليت، فليس ذلك من خلق المسلم ... قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران: ١٥٦] (٣). وانظر لنبي الله يعقوب لم يمنعه طول الزمان بعد فقدانه ليوسف في الأمل في الله أن يعيده له بل ازداد أمله بعد حبس ابنه الثاني بمصر فقال لأولاده يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧]. ٧ - قلة الصبر وعدم الثبات واستطالة الطريق واستعجال النتائج قلة الصبر وعدم الثبات تحرم الإنسان من بلوغ أي هدف وتحقيق أي كمال وما أخرج آدم ﵊ من جنة الخلد وجوار الرحمن والعيش الهني والمسكن الطيب إلى شقاء الدنيا وتعبها وهمومها إلا قلة الصبر عما نهاه الله عنه وعدم الثبات على ما أمر به قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥] (٤). ٨ - صحبة أصحاب العزائم الخاوية والبطالين: المرء على دين خليله، والناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم البعض. الفتور والغفلة: الغفلة ذهول المرء عن دوره في الحياة وتحقيق العبادة والفتور التقصير فيما ينبغي فعله وهما رأس البلاء ومكمن الداء وإن كانا يبتلى بهما الإنسان كما قال ابن القيم: (لابد من سنة الغفلة ورقاد الغفلة ولكن كن خفيف النوم) (٥) فلا يعني ذلك ترك الواجبات وفعل المحرمات ولهذا قَالَ النَّبِي ﷺ ((إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَةً وَلِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةً فَمَنْ كَانَتْ شِرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ)) (٦). ومن مظاهر ذلك: (تضييع الوقت وعدم الإفادة منه، وتزجيته بما لا يعود بالنفع، وتقديم غير المهم على المهم، والشعور بالفراغ الروحي والوقتي وعدم البركة في الأوقات، عدم إنجاز شيئاً من العمل مع طول الزمن - عدم الاستعداد للالتزام بشيء، والتهرب من كل عمل جدي؛ - الفوضوية في العمل: فلا هدف محدد، ولا عمل متقن، الأعمال ارتجالية، التنقل بين الأعمال بغير داع. - خداع النفس؛ بالانشغال مع الفراغ، وبالعمل وهي عاطلة، الانشغال بجزئيات لا قيمة لها ولا أثر يذكر، ليس لها أصل في الكتاب أو السنة، وإنما هي أعمال تافهة ومشاريع وهمية لا تسمن ولا تغني من جوع. النقد لكل عمل إيجابي؛ تنصلا من المشاركة والعمل، وتضخيم الأخطاء والسلبيات؛ تبريرا لعجزه وفتوره، تراه يبحث عن المعاذير، ويصطنع الأسباب؛ للتخلص والفرار وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: ٨١] (٧).

стр. 399

الوسائل المعينة على تقوية العزم والعزيمة - التوكل على الله وحسن الظن به سبحانه في الوصول للهدف. أرشدنا الله سبحانه لهذا بقوله سبحانه: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩] (ذكر الأستاذ المودودي في كتابه القيم: مبادئ الإسلام آثار عقيدة التوحيد ... قوة العزم والصبر والثبات لعلمه أن الله معه وأنه مؤيده وناصره، ذاكرا قول الله تعالى: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣] التي قالها إبراهيم عندما أريد إلقاءه في النار، ومحمد ﷺ عندما خوف بصناديد المشركين، وقول هود ﵇ لقومه: فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّه [هود: ٥٥ - ٥٦]) (١). ١ - الدعاء: كان النبي ﷺ يدعو بأن يهدى لأحسن الأخلاق والعزم والعزيمة من الأخلاق الحسنة فكان من دعائه: ((واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت)) (٢). ٢ - صدق الإيمان وسلامة العقيدة: قال محمد الغزالي: (العقيدة المكينة معين لا ينضب للنشاط الموصول والحماسة المذخورة واحتمال الصعاب ومواجهة الأخطار بل هي سائق حثيث يدفع إلى لقاء الموت دون تهيب إن لم يكن لقاء محب مشتاق!! تلك طبيعة الإيمان إذا تغلغل واستمكن إنه يضفي على صاحبه قوة تنطبع في سلوكه كله فإذا تكلم كان واثقا من قوله وإذا اشتغل كان راسخا في عمله وإذا اتجه كان واضحا في هدفه) (٣). ٣ - الاقتداء بذوي العزم والعزيمة من أهل الصلاح والدين: قال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥]. وقال تعالى في الاقتداء بالصالحين قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: ٤]. ٤ - مصاحبة أهل العزائم القوية والهمم العالية: فالمرء على دين خليله قال ابن تيمية: (الناس كأسراب القطا مجبولون على تشبه بعضهم ببعض) (٤)، وقال لقمان الحكيم لابنه: (من يُقارِنْ قَرِينَ السّوء لا يَسْلَمْ، ومن لا يَمْلِكْ لِسانَه يَنْدَم. يا بني كُنْ عبداً للأَخيار ولا تكن خَليلاً للأَشْرار) (٥). أحب الصالحين ولست منهم ... عسى أن يدركني بحبهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ... وإن كنا سواءً في البضاعة ٥ - المسارعة في التنفيذ وعدم التردد بعد عقد العزم على العمل: قال تعالى: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد: ٢١]. ٦ - الثبات والصبر على الصعوبات أثناء العمل: قال تعالى: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧]. ٧ - أخذ الأمور بجدية: الجدية في الحياة كلها وإلزام النفس بما يراد تحقيقه طريق الناجحين في حياتهم ومن جد وجد ومن زرع حصد , قال تعالى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: ١٢]، وقال تعالى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٦٣].

стр. 400

٨ - النجاح الحقيقي بما أنجزت لا بما ورثت: والقاعدة الإسلامية لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ولا يستوي العالم والجاهل ولا المؤمن والكافر ولا المجتهد والكسول ولا القوي والضعيف. قال المتنبي: لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي ولسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتكل نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا إذا ما المرء لم يبن افتخاراً لنفسه ... تضايق عنه ما بنته جدوده (١) ٩ - الرغبة الصادقة في تغيير الذات وتقوية العزم والعزيمة: وهذا يشمل خطوات: - تغيير العادات السلبية إلى أخرى إيجابية: السعي الحثيث لرفع العزيمة وتقويتها يبدأ بالرغبة في إصلاح مواطن الضعف في النفس والصدق في تحويلها لمواطن قوة ولهذا فلم تمنع قاتل التسعة والتسعين نفساً آثامه من السعي للتغيير بل ولما أكمل المائة مازال عازما على التوبة فبحث وسأل بل وترك ما يحب من أهل ووطن في سبيل ما يرجو حتى كانت العاقبة مغفرة الله ورضوانه (٢). - تحديد الهدف المراد تحقيقه ووضوحه. - معرفة فائدة العمل في حياتك الدينية والدنيوية. فمعرفة فائدة العمل تعين على تحمل مشاق العمل ولهذا جاءت الشريعة بنصوص الترغيب في العمل الصالح وأن ثوابه رضا الله والجنة والترهيب من المعاصي وأن عاقبتها غضب الله والنار. - تقسيم العمل إلى أهداف قصيرة ذات وقت قصير. - مكافأة النفس بعد كل عمل تنجزه والمكافأة بقدر العمل. - محاسبة النفس على التقصير ومعاقبتها بترك بعض ما تحب.

стр. 401

نماذج من عزم الأنبياء والمرسلين: نبي الله موسى ﵊ والعزم على طلب العلم (١). قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [الكهف: ٦٠]. (يخبر تعالى عن نبيه موسى ﵇، وشدة رغبته في الخير وطلب العلم، أنه قال لخادمه لا أزال مسافرا وإن طالت علي الشقة، ولحقتني المشقة، حتى أصل إلى مجمع البحرين، وهو المكان الذي أوحي إليه أنك ستجد فيه عبدا من عباد الله العالمين، عنده من العلم، ما ليس عندك، أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا أي: مسافة طويلة وهذا عزم منه جازم، فلذلك أمضاه) (٢)، ولم يمنعه من الاستمرار في رحلته قوله لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا أي تعبا ً وكذلك لم يثني عزمه ﷺ أنهم أخطأوا الطريق قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف: ٦٤ - ٦٦]. وسبب رحلة نبي الله موسى لطلب العلم أنه (بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ قَالَ مُوسَى لَا فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ) (٣).

стр. 402

نماذج من عزم الصحابة ﵃: - عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلاَمَهُ سَبْعَةٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعَمَّارٌ وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ وَصُهَيْبٌ وَبِلاَلٌ وَالْمِقْدَادُ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ أَبِى طَالِبٍ وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فَأَخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ وَصَهَرُوهُمْ فِي الشَّمْسِ فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا إِلاَّ بِلاَلاً فَإِنَّهُ قَدْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللَّهِ وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ فَأَخَذُوهُ فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ أَحَدٌ أَحَدٌ) (١). قال السيوطي: (قد وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقية والتقية في مثل هذه الحال جائزة لقوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل: ١٠٦]، والصبر على أذاهم مستحب وقد علموا على الرخصة وعمل بلال على العزيمة) (٢). - عزيمة لا يخمدها إلا الموت (أنس بن النضر ﵁. قال ابن الجوزي: (ولولا جد أنس بن النضر في ترك هواه وقد سمعت من أثر عزمته لئن أشهدني الله مشهداً ليرين الله ما أصنع، فأقبل يوم أحد يقاتل حتى قتل فلم يعرف إلا ببنانه فلولا هذا العزم ما كان انبساط وجهه يوم حلف والله لا تكسر سن الربيع) (٣). - زيد بن ثابت يتعلم العبرية في نصف شهر: عن زيد بن ثابت- ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلّم له كتاب يهود قال: ((إنّي والله ما آمن يهود على كتاب))، قال: فما مرّ بي نصف شهر حتّى تعلّمته له. قال: فلمّا تعلّمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم) (٤). - هؤلاء لو أرادوا هدم الجبال لفعلوا: أرسل يزدجرد كسرى فارس إلى ملك الصين يطلب المدد لمحاربة المسلمين الذين استولوا على بلاد فارس في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، فأرسل ملك الصين يعتذر عن نجدته بقوله: (إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها ولو خلي سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف فسالمهم وارض منهم بالمساكنة ولا تهجهم ما لم يهيجوك) (٥). - من صفوف الخدم إلى صفوف الأمراء: في (سنة سبع وثمانين وأربعمائة في شهر ربيع، وقيل في جمادى الأولى، أمير الجيوش: أبو النجم بدر الجمالي كان مملوكاً أرمنياً لجمال الدولة بن عمار، فلذلك عرف: بالجمال، وما زال يأخذ بالجد من زمن سبيه فيما يباشره، ويوطن نفسه على قوة العزم، وينتقل في الخدم، حتى ولي إمارة دمشق من قبل المستنصر) (٦).

стр. 403

متفرقات في العزم والعزيمة - قوة العزم تذيب الحجرا (١). - رَوِّ بحزم فإذا استوضحت فاعزم (٢). - قد أحزم لو أعزم (٣). - العمر فرصة واحدة فلاتكن نسيا منسيا واترك أثراً طيباً قبل الرحيل. - أنت تستطيع فأعط لنفسك فرصة للنجاح. - رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة. - ليكن عزمك من إمكانياتك وقدراتك لا من قدرات الآخرين. - لا تكلف نفسك إلا ما تطيق وقم بما تستطيع من الأعمال. - عليك أن تسعى والله يقدر ما شاء ويكفيك فخراً شرف المحاولة. - لكل عمل ناجح خطوات وأسباب فخذ بالأسباب مطبقاً للخطوات مستعينا في ذلك كله بالله .

стр. 404

العزم والعزيمة في واحة الشعر .. إذا هَمّ ألقَى بين عينيه عزمه ... ونَكَّب عن ذِكْر العواقب جانباً ولم يستَشِرْ في أمره غَير نفسه ... ولم يَرْضَ إلا قَائم السيف صاحباً (١) قال امرؤ القيس: ولو أنما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنَّما أسعى لمجد مؤثَّل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي (٢) وقال أبودُلَف: وليس فراغ القلب مجداً ورفعة ... ولكنَّ شغل القلب للمرء رافع إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ ... فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ ... كطعم الموت في أمرٍ عظيم وقال المتنبي: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها ... وتصغر في عين العظيم العظائم ...

стр. 405

معنى العفة لغة واصطلاحاً: معنى العفة لغة: تقول عَفَّ عن الحرام يعِف بالكسر عِفَّةٌ وعَفًّا وعَفَافَةً أي كفَّ فهو عَفُّ وعَفِيفٌ والمرأة عَفَّةٌ وعَفِيفَةٌ وأعَفَّهُ الله واسْتَعَفَّ عن المسألة أي عفَّ وتَعَفَّفَ تكلف العِفَّةَ. والعِفّة الكَفُّ عما لا يَحِلّ ويَجْمُلُ عَفَّ عن المحارِم والأُطْماع الدَّنِية. والاسْتِعْفاف طلَبُ العَفافِ (١). معنى العفة اصطلاحاً: هي: (هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة والخمود الذي هو تفريطها فالعفيف من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة) (٢). وقيل هي: (ضبط النّفس عن الشّهوات وقصرها على الاكتفاء بما يقيم أود الجسد ويحفظ صحّته فقط، واجتناب السّرف في جميع الملذّات وقصد الاعتدال) (٣). وقيل هي: (ضبط النّفس عن الملاذّ الحيوانيّة، وهي حالة متوسّطة من إفراط وهو الشّره وتفريط وهو جمود الشّهوة) (٤).

стр. 406

الأمر بالعفة الأمر بالعفة في القرآن الكريم: - قال تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ. [النور:٣٠] - وقال سبحانه: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور: ٣٣] (أي: ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة، حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي: يوسع عليهم من رزقه) (١). - وقال سبحانه: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ [النور: ٦٠] (وقوله: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ أي: وترك وضعهن لثيابهن وإن كان جائزًا خير وأفضل لهن، والله سميع عليم) (٢). - وقال سبحانه: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٧٣] (الْجَاهِل بحالهم أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أي من تعففهم عن السؤال وقناعتهم يظن من لا يعرف حالهم أنهم أغنياء، والتعفف التفعل من العفة وهي الترك يقال: عف عن الشيء إذا كف عنه وتعفف إذا تكلف في الإمساك. تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ السيماء والسيمياء والسمة: العلامة التي يعرف بها الشيء، واختلفوا في معناها هاهنا، فقال مجاهد: هي التخشع والتواضع، وقال السدي: أثر الجهد من الحاجة والفقر، وقال الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع والضر وقيل رثاثة ثيابهم، لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا قال عطاء: إذا كان عندهم غداء لا يسألون عشاء، وإذا كان عندهم عشاء لا يسألون غداء، وقيل: معناه لا يسألون الناس إلحافا أصلا لأنه قال: من التعفف، والتعفف ترك السؤال) (٣). - وقوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً [النساء:٦]

стр. 407

(أي: من كان في غُنْية عن مال اليتيم فَلْيستعففْ عنه، ولا يأكل منه شيئا. قال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم) (١). الأمر بالعفة في السنة النبوية: - عن أبي هريرة- ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)) (٢). (أي العفة من الزنا. قال الطيبي: إنما آثر هذه الصيغة إيذانا بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي تفدح الإنسان وتقصم ظهره، لولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها العفاف لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى ترقى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين) (٣). - وعن عبادة بن الصامت- ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم)) (٤). قال ابن عبد البر في شرحه لهذا الحديث: (اضمنوا لي ستا: من الخصال ((من أنفسكم)) بأن تداوموا على فعلها ((أضمن لكم الجنة)) أي دخولها ((اصدقوا إذا حدثتم)) أي لا تكذبوا في شيء من حديثكم إلا إن ترجح على الكذب مصلحة أرجح من مصلحة الصدق في أمر مخصوص كحفظ معصوم ((وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا ائتمنتم)) (٥). ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)) قال البيهقي ودخل فيه ما تقلد المؤمن بإيمانه من العبادات والأحكام وما عليه من رعاية حق نفسه وزوجه وأصله وفرعه وأخيه المسلم من نصحه وحق مملوكه أو مالكه أو موليه فأداء الأمانة في كل ذلك واجب ((واحفظوا)) أيها الرجال والنساء ((فروجكم)) عن فعل الحرام لثنائه تعالى على فاعليه بقوله وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ [الأحزاب: ٣٥] ((وغضوا أبصاركم)) كفوها عما لا يجوز النظر إليه ((وكفوا أيديكم)) امنعوها من تعاطي ما لا يجوز تعاطيه شرعا فلا تضربوا بها من لا يسوغ ضربه ولا تناولوا بها مأكولا أو مشروبا حراما ونحو ذلك فمن فعل ذلك فقد حصل على رتبة الاستقامة المأمور بها في القرآن وتخلقوا بأخلاق أهل الإيمان) (٦). - وعن أبي سعيد الخدري- ﵁ أنه قال: ((إن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ ، فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم. حتى إذا نفد ما عنده. قال: ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم. ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله. ومن يصبر يصبره الله. وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر)) (٧). قال ابن عبد البر: (فيه الحض على التعفف والاستغناء بالله عن عباده والتصبر وأن ذلك أفضل ما أعطيه الإنسان وفي هذا كله نهي عن السؤال وأمر بالقناعة والصبر) (٨). - وعن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: ((سرحتني أمي إلى رسول الله ﷺ ، فأتيته وقعدت فاستقبلني وقال: من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله ومن استكفى كفاه الله ومن سأل وله قيمة أوقية، فقد ألحف فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية فرجعت ولم أسأله)) (٩). - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول: ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)) (١٠). قال النووي ﵀: (أما العفاف والعفة فهو التنزه عما لا يباح والكف عنه والغنى هنا غنى النفس والاستغناء عن الناس وعما في أيديهم) (١١).

стр. 408

أقوال السلف والعلماء في العفة - قال عمر بن الخطاب ﵁: (المروءة مروءتان: مروءة ظاهرة، ومروءة باطنة، فالمروءة الظاهرة الرياش، والمروءة الباطنة العفاف.) (١). - وقال ﵁ وهو على المنبر: (لا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة الكسب؛ فإنكم متى كلفتموها ذلك كسبت بفرجها، ولا تكلفوا الصغير الكسب؛ فإنه إذا لم يجد يسرق، وعفوا إذا أعفكم الله، وعليكم من المطاعم بما طاب منها) (٢). - وقال عبد الله بن عمر- ﵄: (نحن معشر قريش نعد الحلم والجود السؤدد، ونعد العفاف وإصلاح المال المروءة) (٣). - وقدم وفد على معاوية فقال لهم: (ما تعدون المروءة؟ قالوا: العفاف وإصلاح المعيشة، قال اسمع يا يزيد) (٤). - وقال محمد بن الحنفية (الكمال في ثلاثة: العفة في الدين، والصبر على النوائب، وحسن التدبير في المعيشة) (٥). - وقال عمر بن عبد العزيز: (خمس إذا أخطأ القاضي منهن خطة كانت فيه وصمة: أن يكون فهما حليما عفيفا صليبا، عالما سؤولا عن العلم) (٦). - وقال أيوب السختياني: (لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عن أموال الناس، والتجاوز عنهم) (٧). - وقال الحسن البصري: (لا يزال الرجل كريماً على الناس حتى يطمع في دينارهم، فإذا فعل ذلك استخفوا به وكرهوا حديثه وأبغضوه) - وقال الشافعي ﵀: (الفضائل أربع: إحداها: الحكمة, وقوامها الفكرة. والثانية: العفّة, وقوامها الشهوة. والثالثة: القوة, وقوامها الغضب. والرابعة: العدل, وقوامه في اعتدال قوى النفس). - وقال أبو حاتم ﵀: (أعظم المصائب سوء الخلق والمسألة من الناس والهم بالسؤال نصف الهرم فكيف المباشرة بالسؤال ومن عزت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينيه ولا ينبل الرجل حتى يعف عما في أيدي الناس ويتجاوز عما يكون منهم والسؤال من الإخوان ملال ومن غيرهم ضد النوال) (٨). - وعن المديني قال: (كان يقال مروءة الصبر عند الحاجة والفاقة بالتعفف والغنى أكثر من مروءة الإعطاء) (٩).

стр. 409

أقسام العفة (العفة نوعان: أحدهما العفة عن المحارم والثاني العفة عن المآثم فأما العفة عن المحارم فنوعان: أحدهما: ضبط الفرج عن الحرام. والثاني: كف اللسان عن الأعراض. فأما ضبط الفرج عن الحرام فلأنه مع وعيد الشرع وزاجر العقل معرة فاضحة، وهتكة واضحة ... وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((أحب العفاف إلى الله تعالى عفاف الفرج والبطن)) (١) ... وأما العفة عن المآثم فنوعان: أحدهما: الكف عن المجاهرة بالظلم، والثاني: زجر النفس عن الإسرار بخيانة) (٢).

стр. 410

آثار وفوائد العفة من آثار وفوائد العفة: ١ - أن من عف عن محارم الله لا تمسه النار: قال ﷺ : ((ثلاثة أعين لا تمسهم النار عين باتت تحرس في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين عفت عن محارم الله)) (١). ٢ - سلامة المجتمع من الفواحش: فالمجتمع الذي تتسم فيه العفة يكون بعيدا من الفواحش والرذائل. ٣ - أن العفيف من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ٤ - العفة سبب للنجاة من الابتلاءات والمضائق: فقد جاء في قصة أصحاب الغار، الذين انطبقت عليهم الصخرة أن أحدهم توسل إلى الله بقوله: ((اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي وأني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمئة دينار فطلبتها حتى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها فقالت اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وتركت المئة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا)) (٢). ٥ - أن العفيف من أول من يدخل الجنة: كما أخبر بذلك النبي ﷺ قال: ((عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد وعفيف متعفف ... )) (٣). ٦ - إعانة الله لمن أراد العفاف: إن الله تكفّل بمقتضى وعده إعانة من يريد النكاح حتى يعف، فقد روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة حقّ على الله عونهم: المكاتَب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله)) (٤).

стр. 411

شروط العفة ذكر الراغب الأصفهاني شروطاً للعفة في كتابه (الذريعة) وهي كالتالي: ١ - (أن لا يكون تعففه عن الشيء انتظارا لأكثر منه. ٢ - أو لأنه لا يوافقه. ٣ - أو لجمود شهوته. ٤ - أو لاستشعار خوف من عاقبته. ٥ - أو لأنه ممنوع من تناوله. ٦ - أو لأنه غير عارف به لقصوره. فإن ذلك كله ليس بعفة بل هو إما اصطياد، أو تطبب، أو مرض، أو خرم، أو عجز، أو جهل، وترك ضبط النفس عن الشهوة أذم من تركها عن الغضب. فالشهوة مغتالة مخادعة، والغضب مغالب والمتحيز عن قتال المخادع أردأ حالا من المتحيز عن قتال المغالب. ولهذا قيل عبد الشهوة أذل من عبد الرق، وأيضا بالشره قد يجهل عيبه) (١).

стр. 412

صور العفة ١ - العفة عما في أيدي الناس: وهي أن يعف عما في أيدي الناس وعدم سؤالهم المسألة فعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا وأتكفل له بالجنة)). فقال ثوبان أنا. فكان لا يسأل أحدا شيئا. (١). ٢ - العفة عما حرم الله: وهي أن يعف عن المحرمات والفواحش ونذكر هنا عفة نبي الله يوسف ﵇ حيث وجدت دواعي الفتنة ولم يستسلم أمام التهديدات والإغراءات وقد (ذكر الله عن نبيه يوسف ﵇ من العفاف أعظم ما يكون، فإن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره، فكان شاب في ريعان الشباب، مكتمل الرجولة، رائع الفتوة، تدعوه إلى نفسها امرأة ذات منصب وجمال، والأبواب مغلقة، والسبل ميسرة كما حكى القرآن الكريم: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف: ٢٣]. فماذا كان موقفه أمام هذا الإغراء وتلك الفتنة التي تخطف الأبصار هل لانت نفسه فاستسلم وخان عرضا اؤتمن عليه؟ كلا إنما قال: مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [يوسف: ٢٣]. ولقد حاولت امرأة العزيز بكيدها ومكرها وبكل ما لديها من ألوان الإغراء والتهديد أن تذيب من صلابته وتضعضع من شموخه، وأعلنت ذلك للنسوة في ضيق وغيظ: وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: ٣٢]. كانت فتنة بين ضمير المؤمن وخشيته الربانية ومغريات الإثم ففشلت المغريات وانتصر الإيمان) (٢). - نموذج آخر في العفة عما حرم الله، وهو جريج العابد؛ تتعرض له بغي من بغايا بني إسرائيل، فيعف نفسه ولم يلتفت إليها فتحاول أن تنتقم منه لامتناعه: فقد روى مسلم في (صحيحه) من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه (( ... تذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها فقالت إن شئتم لأفتننه لكم - قال - فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت فلما ولدت قالت هو من جريج. فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه فقال ما شأنكم قالوا زنيت بهذه البغي فولدت منك. فقال أين الصبي فجاءوا به فقال دعوني حتى أصلي فصلى فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال يا غلام من أبوك قال فلان الراعي - قال - فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا نبني لك صومعتك من ذهب. قال لا أعيدوها من طين كما كانت (٣). ٣ - كف اللسان عن الأعراض: يجب على المسلم كف لسانه عن أعراض الناس، وأن لا يقول إلا طيباً فعن عبد الله بن عمرو، ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) (٤). وعن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به قال: قل ربي الله ثم استقم قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا. (٥)

стр. 413

موانع وعوائق العفة المعوقات التي تقف في طريق العفة في هذا الزمن كثيرة جداً وقد كشر المفسدون عن أنيابهم حتى يُعلوا الرذيلة في المجتمع المسلم واتخذوا الوسائل العديدة فمنها: ١ - وسائل الإعلام: فإن الناظر إلى أغلب وسائل الإعلام الموجودة في البلاد الإسلامية فضلا عن غيرها، يجد فيها الكثير من الفساد سواء كان في القنوات الفضائية، أوالشبكة العنكبوتية، أوالإذاعة والمجلات والصحف، فتجدها تبث السموم وتنشر الرذيلة، وبذلك تضيع العفة. ٢ - الاختلاط: (إن العِفَّة حجاب يُمَزِّقه الاختلاط، ولهذا صار طريق الإسلام التفريق والمباعدة بين المرأة والرجل الأجنبي عنها، فالمجتمع الإسلامي مجتمع فردي لا زوجي، فللرجال مجتمعاتهم، وللنساء مجتمعاتهن، ولا تخرج المرأة إلى مجتمع الرجال إلا لضرورة أو حاجة بضوابط الخروج الشرعية. كل هذا لحفظ الأعراض والأنساب، وحراسة الفضائل، والبعد عن الرِّيب والرذائل، وعدم إشغال المرأة عن وظائفها الأساس في بيتها، ولذا حُرِّم الاختلاط، سواء في التعليم، أم في العمل، والمؤتمرات، والندوات، والاجتماعات العامة والخاصة، وغيرها؛ لما يترتب عليه من هتك الأعراض ومرض القلوب، وخطرات النفس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال الحياء، وتقلص العفة والحشمة، وانعدام الغيرة) (١). قال تعالى وإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعَاً فَسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٣] وعن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: ((إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو قال الحمو الموت.)) (٢). وقال ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان)) (٣). ٣ - تبرج النساء: قال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب: ٣٣]، وقال: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور: ٣١]، قال السعدي في تفسيره لهذه الآية: (أي، لا يضربن الأرض بأرجلهن، ليصوت ما عليهن من حلي، كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بسببه، فيكون وسيلة إلى الفتنة. ويؤخذ من هذا ونحوه، قاعدة سد الوسائل، وأن الأمر إذا كان مباحا، ولكنه يفضي إلى محرم، أو يخاف من وقوعه، فإنه يمنع منه، فالضرب بالرجل في الأرض، الأصل أنه مباح، ولكن لما كان وسيلة لعلم الزينة، منع منه) (٤). ٤ - استماع الأغاني والمعازف: فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي عامر الأشعري ﵁ قال: ((والله ما كذبني سمع النبي ﷺ يقول ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)) (٥). (والحكمة في التحريم ظاهرة: حيث أن المتتبع لمجالس الغناء الفاسق ومسارح الطرب وأماكن اللهو وما يصاحبها من معازف وآلات في ذلك يجد الرقص الخليع الفاجر من نساء امتهنَّ الرذيلة والفاحشة ويجد العربدة والصياح المتعالي من أفواه السكارى ويجد الكلمات البذيئة الفاحشة العارية من الحياء والخجل والمتخمة بالوقاحة وسوء الأدب، يجد الاختلاط الشائن بين عوائل متحللة حيث التخلع والمراقصة وهدر النخوة والشرف ... وباختصار يجد التحلل والإباحية في أسوأ تبذلها ومظاهرها) (٦). قال الفُضَيل بن عِيَاض: الغناء رُقْيَة الزنا. (٧). وقال ابن القيم ﵀: (فإنه رُقْيَة الزنا ومُنبِت النفاق وشَرَك الشيطان وخمرة العقل، وصَدُّه عن القرآن أعظم من صدِّ غيره من الكلام الباطل؛ لشدة ميل النفوس ورغبتها فيه) (٨).

стр. 414

الوسائل المعينة للعفة ١ - أن يتقي الله في سره وعلانيته: قال الله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام:٣] ويقول تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: ١٩] قال ابن عباس في قوله تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ قال: (هو الرجل يكون بين الرجال، فتمر بهم امرأة فينظر إليها، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره) (١). ٢ - أن يدعو الله بأن يصرف عنه السوء والفحشاء: قال عن نبيه يوسف ﵇ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف: ٣٣]، قال ابن تيمية ﵀: (فلا بد من التقوى بفعل المأمور والصبر على المقدور كما فعل يوسف ﵇ اتقى الله بالعفة عن الفاحشة وصبر على أذاهم له بالمراودة والحبس واستعان الله ودعاه حتى يثبته على العفة فتوكل عليه أن يصرف عنه كيدهن وصبر على الحبس) (٢). ٣ - تنشئة الأبناء على التربية الإسلامية: التربية الإسلامية تغرس الفضيلة والعفة في الأبناء، وتربيهم على الالتزام بالأحكام الشرعية منذ صغرهم ٤ - الزواج: الزواج المبكر من أقوى الوسائل المعينة للعفاف، قال ﷺ : ((يا معشر الشاب من استطاع منكم الباءة؛ فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)) (٣). ٥ - سد الذرائع التي تؤدي إلى الفساد: - عدم الخلوة بالمرأة الأجنبية. قال ﷺ : ((الحمو الموت))، وقال: ((ما خلى رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)) (٤). قال ابن تيمية ﵀: (ولهذا حرمت الخلوة بالأجنبية لأنها مظنة الفتنة والأصل أن كل ما كان سببا للفتنة فإنه لا يجوز؛ فإن الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة؛ ولهذا كان النظر الذي يفضي إلى الفتنة محرما إلا إذا كان لمصلحة راجحة مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما فإنه يباح النظر للحاجة لكن مع عدم الشهوة) (٥). - عدم التبرج: قال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:٣٣]. - الاستئذان عند الدخول: وقد جعل الاستئذان من أجل البصر كما قال ﷺ ، وقال سبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور: ٢٧]. - غض البصر: قال تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور: ٣٠]. قال ابن القيم: (فلما كان غض البصر أصلا لحفظ الفرج بدأ بذكره ... وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته) (٦).

стр. 415

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه)) (١). وكما قال الشاعر: كل الحوادث مبدؤها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين العين موقوف على الخطر كم نظرة فعلت في قلب صاحبها ... فعل السهام بلا قوس ولا وتر يسر ناظره ما ضر خاطره ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر - التفريق في المضاجع: لابد من التفريق في المضاجع بين الإخوة، كما أمر بذلك النبي ﷺ : ((مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)) (٢). قال بكر أبو زيد ﵀: (فهذا الحديث نص في النهي عن بداية الاختلاط داخل البيوت، إذا بلغ الأولاد عشر سنين، فواجب على الأولياء التفريق بين أولادهم في مضاجعهم، وعدم اختلاطهم، لغرس العفة والاحتشام في نفوسهم، وخوفاً من غوائل الشهوة التي تؤدّي إليها هذه البداية في الاختلاط، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه) (٣). ٦ - إقامة الحدود: فإقامة الحدود تردع لمن تسول له نفسه أن يقوم بأمر حذر منه الشارع.

стр. 416

النبي ﷺ نموذجاً في العفة: - كان النبي ﷺ في أعلى درجات العفة، فعن أبي هريرة- ﵁ أنه قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله ﷺ : ((كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة)) (١). - وعنه أيضاً عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي، ثم أرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها)) (٢). - وعن أنس بن مالك- ﵁ أنه قال: مر النبي ﷺ بتمرة في الطريق قال: ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)) (٣).

стр. 417

نماذج من عفة الصحابة ﵃: عفة حكيم بن حزام ﵁: - عن حكيم بن حزام ﵁، قال: ((سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل، ولا يشبع اليد العليا خير من اليد السفلى قال حكيم، فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا فكان أبو بكر، ﵁، يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه ثم إن عمر، ﵁، دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا فقال عمر إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي)) (١). عفة مرثد بن أبي مرثد ﵁: - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: ((كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها: عناق وكانت صديقة له، وإنه كان وعد رجلا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط فلما انتهت إليَّ عرَفَتْ، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد. فقالت: مرحبا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة. قال: قلت: يا عناق حرم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أُسراءَكم، قال: فتبعني ثمانية وسلكت الخندمة فانتهيت إلى كهف أو غار فدخلت، فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا فظل بولهم على رأسي وعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أكبله فجعلت أحمله ويعييني حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله ﷺ فلم يرد علي شيئا حتى نزلت الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، فقال رسول الله ﷺ : يا مرثد الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، فلا تنكحها)) (٢). عفة عثمان بن طلحة ﵁: - حادثة تبين لنا عفة وشهامة عثمان بن طلحة ﵁، ولنترك المجال لصاحبة الموقف أم سلمة ﵂ تروي لنا القصة فتقول: (( ... وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت: ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسى سنة أو قريبا منها، حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها، قالت: فقالوا: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: ورد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني، قالت: فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحد من خلق الله، قالت: قلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: أين يا بنت أبي أمية؟ قالت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أو ما معك أحد؟ قلت: لا والله إلا الله وبني هذا، قال: والله مالك من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي به، فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني، حتى إذا نزلنا استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني، فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاد بي حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلا - فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا إلى مكة، قال: وكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب أبو سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة)) (٣).

стр. 418

نماذج من عفة السلف: عفة سالم بن عبد الله بن عمر: - قال ابن عيينة: (دخل هشام الكعبة، فإذا هو بسالم بن عبد الله، فقال: سلني حاجة. قال: إني أستحيي من الله أن أسأل في بيته غيره. فلما خرجا، قال: الآن فسلني حاجة. فقال له سالم: من حوائج الدنيا، أم من حوائج الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا. قال: والله ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟) (١). عفة الربيع بن خثيم ﵀: - عن سعدان قال: (أمر قوم امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خثيم فلعلها تفتنه وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه ثم تعرضت له حين خرج من مسجده فنظر إليها فراعه أمرها فأقبلت عليه وهي سافرة فقال لها الربيع كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين أم كيف بك لو قد ساءلك منكر ونكير فصرخت صرخة فسقطت مغشيا عليها فوالله لقد أفاقت وبلغت من عبادة ربها أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق) (٢). عفة الأشرف، صاحب دمشق: - قال سبط الجوزي: (كان الأشرف يحضر مجالسي بحران، وبخلاط، ودمشق، وكان ملكا عفيفا، قال لي: ما مددت عيني إلى حريم أحد، ولا ذكر ولا أنثى، جاءتني عجوز من عند بنت صاحب خلاط شاه أرمن بأن الحاجب عليا أخذ لها ضيعة، فكتبت بإطلاقها. فقالت العجوز: تريد أن تحضر بين يديك. فقلت: باسم الله، فجاءت بها، فلم أر أحسن من قوامها، ولا أحسن من شكلها، فخدمت، فقمت لها، وقلت: أنت في هذا البلد وأنا لا أدري؟ فسفرت عن وجه أضاءت منه الغرفة، فقلت: لا، استتري. فقالت: مات أبي، واستولى على المدينة بكتمر، ثم أخذ الحاجب قريتي، وبقيت أعيش من عمل النقش وفي دار بالكراء. فبكيت لها، وأمرت لها بدار وقماش، فقالت العجوز: يا خوند، ألا تحظى الليلة بك؟ فوقع في قلبي تغير الزمان وأن خلاط يملكها غيري، وتحتاج بنتي أن تقعد هذه القعدة، فقلت: معاذ الله، ما هذا من شيمتي. فقامت الشابة باكية تقول: صان الله عواقبك) (٣).

стр. 419

أساس العفة وتمامها قال الراغب الأصفهاني وهو يبين أساس وتمام العفة: (وأسها يتعلق: بضبط القلب عن التطلع للشهوات البدنية وعن اعتقاد ما يكون جالباً للبغي والعدوان. وتمامها يتعلق: بحفظ الجوارح، فمن عدم عفة القلب يكون منه التمني وسوء الظن اللذان هما أس كل رذيلة، لأن من تمنى ما في يد غيره حسده، وإذا حسده عاداه، وإذا عاداه نازعه، وإذا نازعه ربما قتله. ومن أساء الظن عادى وبغى وتعدى ولذلك نهى الله سبحانه عنهما جميعاً فقال: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء: ٣٢] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: ١٢] فأمر فيهما بقطع شجرتين يتفرع عنهما جل الرذائل والمآثم. ولا يكون الإنسان تام العفة حتى يكون عفيف اليد واللسان والسمع والبصر. فمن عدمها في اللسان: السخرية والتجسس والغيبة والهمز والنميمة والتنابز بالألقاب. ومن عدمها في البصر: مد العين إلى المحارم وزينة الحياة الدنيا المولدة للشهوات الرديئة. ومن عدمها في السمع: الإصغاء إلى المسموعات القبيحة. وعماد عفة الجوارح كلها ألا يطلقها صاحبها في شيء مما يختص بكل واحد منهما إلا فيما يسوغه العقل والشرع دون الشهوة والهوى) (١).

стр. 420

العفة في واحة الشعر .. قال الشافعي: عفوا تعفُّ نساؤكم في المحرم ... وتجنبوا ما لا يليق بمسلم إن الزنا دين إذا أقرضته ... كان الوفا من أهل بيتك فاعلم يا هاتكاً حرم الرجال وقاطعاً ... سبل المودة عشت غير مُكرم لو كنت حراً من سلالة ماجدٍ ... ما كنت هتّاكاً لحرمه مسلم من يزن ُيزن به ولو بجداره ... إن كنت يا هذا لبيباً فافهم وقال معن بن أوس: لعمرك ما أهويتُ كفي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبةٌ ... من الدهر إلا قد أصابتْ فتى قبلي ولست بماشٍ ما حييتُ لمنظر ... من الأمر لا يسعى إلى مثله مثلي ولا موتراً نفسي على ذي قرابة ... وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي وقال آخر: تقنع بالكفاف تعش رخيا ... ولا تبغ الفضول من الكفاف ففي خبز القفار بغير أدم ... وفي ماء الفرات عني وكاف وفي الثوب المرقع ما يغطى ... به من كل عرى وانكشاف وكل تزين بالمرء زين ... وأزينه التزين بالعفاف وقال آخر: لا تخضعن لمخلوق على طمع ... فإنّ ذلك نقص منك في الدين لن يقدر العبد أن يعطيك خردلة ... إلا بإذن الذي سواك من طين فلا تصاحب غنياً تستعز به ... وكن عفيفاً وعظم حرمة الدين واسترزق الله مما في خزائنه ... فإن رزقك بين الكاف والنون ...

стр. 421

هل تعلم .. هل تعلم أنَّ عِز الأمة في تمسكها بدينها وبعفتها وأخلاقها؟ هل تعلم أن أعداء الإسلام من كفار وعلمانين يحاولون نزع لباس العفة من المجتمع الإسلامي؟ هل تعلم أن القنوات الفضائية السيئة قد هدمت بيوت العفة؟ هل تعلم أن من دعته نفسه إلى الفجور ولم يستجب مخافة الله فهو عفيف؟ هل تعلم أن من استغنى عما في أيدي الناس فهو عفيف؟ هل تعلم أن من كف لسانه عن أعراض الناس فهو عفيف؟

стр. 422

لحظة من فضلك .. وأخيراً أخي القارئ الكريم هل وقف في طريقك عائق من معوقات العفة؟ وهل استطعت أن تتغلب على هذا العائق أم كنت فريسة له؟ هل حدثتك نفسك على فعل محرم فقلت لها إني أخاف الله؟ وهل سألت الله الهدى والتقى والعفاف والغنى؟

стр. 423

معنى العفو والصفح لغة واصطلاحاً معنى العفو لغة واصطلاحاً معنى العفو لغة: يقال عَفَا يَعْفُو عَفْواً فهو عافٍ وعَفُوُّ، والعَفُوُّ؛ من العَفْوِ وهو التَّجاوُزُ عن الذنب وتَرْكُ العِقابِ عليه وأَصلُه المَحْوُ والطَّمْس (١). وقال الخليل: (وكلُّ مَن استحقَّ عُقوبةً فتركْتَه فقد عفوتَ عنه. وقد يكون أن يعفُوَ الإنسان عن الشَّيء بمعنى الترك، ولا يكون ذلك عن استحقاق) (٢). معنى العفو اصطلاحاً: العفو اصطلاحاً: (هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب وأصله المحو والطمس) (٣). وقال الراغب: (العفو هو التجافي عن الذنب. قال تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ [الشورى:٤٠]، وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة:٢٣٧]، ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ [البقرة:٥٢]، إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ [التوبة:٦٦]، فَاعْفُ عَنْهُمْ [آل عمران:١٥٩]) (٤). وقيل: (هو القصد لتناول الشيء والتجاوز عن الذنب) (٥). معنى الصفح لغة واصطلاحاً معنى الصفح لغة: تقول: (صَفَحَ عنه يَصْفَح صَفْحاً أَعرض عن ذنبه وهو صَفُوحٌ وصَفَّاحٌ عَفُوٌّ والصَّفُوحُ الكريم لأَنه يَصْفَح عمن جَنى عليه واستَصْفَحَه ذنبه استغفره إِياه وطلب أَن يَصْفَحَ له عنه) (٦). معنى الصفح اصطلاحاً: الصفح: (هو ترك التأنيب وهو أبلغ من العفو فقد يعفو ولا يصفح، وصفحت عنه أوليته مني صفحة جميلة معرضا عن ذنبه بالكلية ولذلك قال: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة:١٠٩]، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح. قال: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ [الزخرف:٨٩]، فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:٨٥]، أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا) (٧). الألفاظ المترادفة للعفو: ورد في كلام العرب ألفاظ مترادفة للعفو منها: (الصفح، والإقالة، والتغابن، والتغاضي، والغفران، والتجاوز، والعتبى) (٨).

стр. 424

الفرق بين لفظة العفو ومترادفاتها الفرق بين العفو والصفح: (العفو والصفح متقاربان في المعنى: قال الراغب: الصفح: ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو وقد يعفو الإنسان ولا يصفح. وقال البيضاوي: العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح: ترك لومه. ويدل عليه قوله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا [البقرة: ١٠٩]. ترقيا في الأمر بمكارم الأخلاق من الحسن إلى الأحسن، ومن الفضل إلى الأفضل) (١). الفرق بين العفو والعافية والمعافاة: (قيل: الأول هو التجاوز عن الذنوب ومحوها. الثاني: دفاع الله - سبحانه - الأسقام والبلايا عن العبد. وهو اسم من عافاه الله وأعفاه، وضع موضع المصدر. والثالث: أن يعافيك الله عن الناس ويعافيهم عنك، أي: يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم) (٢). الفرق بين العفو والمغفرة: (العفو: ترك العقاب على الذنب. والمغفرة: تغطية الذنب بإيجاب المثوبة. ولذلك كثرت المغفرة من صفات الله تعالى دون صفات العباد، فلا يقال: استغفر السلطان كما يقال: استغفر الله. وقيل: العفو: إسقاط العذاب. والمغفرة أن يستر عليه بعد ذلك جرمه صونا له عن عذاب الخزي والفضيحة، فإن الخلاص من عذاب النار إنما يطلب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة. فالعفو: إسقاط العذاب الجسماني. والمغفرة: إسقاط العذاب الروحاني، والتجاوز يعمهما. وقال الغزالي: (في العفو مبالغة ليست في الغفور، فإن الغفران ينبئ عن الستر والعفو ينبئ عن المحو، وهو أبلغ من الستر، لأن السبر للشيء قد يحصل مع إبقاء أصله، بخلاف المحو فإن إزالته جملة ورأسا) (٣). الفرق بين العفو والذل: (أن العفو إسقاط حقك جودا وكرما وإحسانا مع قدرتك على الانتقام فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق. بخلاف الذل فإن صاحبه يترك الانتقام عجزا وخوفا ومهانة نفس فهذا مذموم غير محمود ولعل المنتقم بالحق أحسن حالا منه قال تعالى وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى: ٣٩]) (٤).

стр. 425

العَفْو صفة من صفات الله (العفو صفةٌ فعليَّةٌ لله ثابتةٌ له بالكتاب والسنة، ومعناها الصفح عن الذنوب، و (العَفُوُّ) اسم لله تعالى. قال تعالى: إِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٤٣]. وقال تعالى: عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهمْ [التوبة: ٤٣]. وقال ﷺ في حديث الدعاء على الجنازة: ((اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه ... )) (١). وفي حديث عائشة ﵂: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك ... )) (٢). ولا يستعاذ إلا بالله أو بصفة من صفاته) (٣). وقال الحليمي في معنى العفو: (إنه الواضع عن عباده تبعات خطاياهم وآثامهم، فلا يستوفيها منهم، وذلك إذا تابوا واستغفروا، أو تركوا لوجهه أعظم ما فعلوا ليكفر عنهم ما فعلوا بما تركوا، أو بشفاعة من يشفع لهم، أو يجعل ذلك كرامة لذي حرمة لهم به وجزاء له بعمله، قال أبو سليمان: العفو وزنه فعول من العفو وهو بناء المبالغة، والعفو الصفح عن الذنب، وقيل: إن العفو مأخوذ من عفت الريح الأثر إذا درسته، فكأن العافي عن الذنب يمحوه بصفحه عنه) (٤).
следующие страницы →