← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

هل تعلم .. هل تعلم أنَّ عِز الأمة في تمسكها بدينها وبعفتها وأخلاقها؟ هل تعلم أن أعداء الإسلام من كفار وعلمانين يحاولون نزع لباس العفة من المجتمع الإسلامي؟ هل تعلم أن القنوات الفضائية السيئة قد هدمت بيوت العفة؟ هل تعلم أن من دعته نفسه إلى الفجور ولم يستجب مخافة الله فهو عفيف؟ هل تعلم أن من استغنى عما في أيدي الناس فهو عفيف؟ هل تعلم أن من كف لسانه عن أعراض الناس فهو عفيف؟

стр. 422

لحظة من فضلك .. وأخيراً أخي القارئ الكريم هل وقف في طريقك عائق من معوقات العفة؟ وهل استطعت أن تتغلب على هذا العائق أم كنت فريسة له؟ هل حدثتك نفسك على فعل محرم فقلت لها إني أخاف الله؟ وهل سألت الله الهدى والتقى والعفاف والغنى؟

стр. 423

معنى العفو والصفح لغة واصطلاحاً معنى العفو لغة واصطلاحاً معنى العفو لغة: يقال عَفَا يَعْفُو عَفْواً فهو عافٍ وعَفُوُّ، والعَفُوُّ؛ من العَفْوِ وهو التَّجاوُزُ عن الذنب وتَرْكُ العِقابِ عليه وأَصلُه المَحْوُ والطَّمْس (١). وقال الخليل: (وكلُّ مَن استحقَّ عُقوبةً فتركْتَه فقد عفوتَ عنه. وقد يكون أن يعفُوَ الإنسان عن الشَّيء بمعنى الترك، ولا يكون ذلك عن استحقاق) (٢). معنى العفو اصطلاحاً: العفو اصطلاحاً: (هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب وأصله المحو والطمس) (٣). وقال الراغب: (العفو هو التجافي عن الذنب. قال تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ [الشورى:٤٠]، وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة:٢٣٧]، ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ [البقرة:٥٢]، إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ [التوبة:٦٦]، فَاعْفُ عَنْهُمْ [آل عمران:١٥٩]) (٤). وقيل: (هو القصد لتناول الشيء والتجاوز عن الذنب) (٥). معنى الصفح لغة واصطلاحاً معنى الصفح لغة: تقول: (صَفَحَ عنه يَصْفَح صَفْحاً أَعرض عن ذنبه وهو صَفُوحٌ وصَفَّاحٌ عَفُوٌّ والصَّفُوحُ الكريم لأَنه يَصْفَح عمن جَنى عليه واستَصْفَحَه ذنبه استغفره إِياه وطلب أَن يَصْفَحَ له عنه) (٦). معنى الصفح اصطلاحاً: الصفح: (هو ترك التأنيب وهو أبلغ من العفو فقد يعفو ولا يصفح، وصفحت عنه أوليته مني صفحة جميلة معرضا عن ذنبه بالكلية ولذلك قال: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة:١٠٩]، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح. قال: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ [الزخرف:٨٩]، فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر:٨٥]، أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا) (٧). الألفاظ المترادفة للعفو: ورد في كلام العرب ألفاظ مترادفة للعفو منها: (الصفح، والإقالة، والتغابن، والتغاضي، والغفران، والتجاوز، والعتبى) (٨).

стр. 424

الفرق بين لفظة العفو ومترادفاتها الفرق بين العفو والصفح: (العفو والصفح متقاربان في المعنى: قال الراغب: الصفح: ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو وقد يعفو الإنسان ولا يصفح. وقال البيضاوي: العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح: ترك لومه. ويدل عليه قوله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا [البقرة: ١٠٩]. ترقيا في الأمر بمكارم الأخلاق من الحسن إلى الأحسن، ومن الفضل إلى الأفضل) (١). الفرق بين العفو والعافية والمعافاة: (قيل: الأول هو التجاوز عن الذنوب ومحوها. الثاني: دفاع الله - سبحانه - الأسقام والبلايا عن العبد. وهو اسم من عافاه الله وأعفاه، وضع موضع المصدر. والثالث: أن يعافيك الله عن الناس ويعافيهم عنك، أي: يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم) (٢). الفرق بين العفو والمغفرة: (العفو: ترك العقاب على الذنب. والمغفرة: تغطية الذنب بإيجاب المثوبة. ولذلك كثرت المغفرة من صفات الله تعالى دون صفات العباد، فلا يقال: استغفر السلطان كما يقال: استغفر الله. وقيل: العفو: إسقاط العذاب. والمغفرة أن يستر عليه بعد ذلك جرمه صونا له عن عذاب الخزي والفضيحة، فإن الخلاص من عذاب النار إنما يطلب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة. فالعفو: إسقاط العذاب الجسماني. والمغفرة: إسقاط العذاب الروحاني، والتجاوز يعمهما. وقال الغزالي: (في العفو مبالغة ليست في الغفور، فإن الغفران ينبئ عن الستر والعفو ينبئ عن المحو، وهو أبلغ من الستر، لأن السبر للشيء قد يحصل مع إبقاء أصله، بخلاف المحو فإن إزالته جملة ورأسا) (٣). الفرق بين العفو والذل: (أن العفو إسقاط حقك جودا وكرما وإحسانا مع قدرتك على الانتقام فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق. بخلاف الذل فإن صاحبه يترك الانتقام عجزا وخوفا ومهانة نفس فهذا مذموم غير محمود ولعل المنتقم بالحق أحسن حالا منه قال تعالى وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى: ٣٩]) (٤).

стр. 425

العَفْو صفة من صفات الله (العفو صفةٌ فعليَّةٌ لله ثابتةٌ له بالكتاب والسنة، ومعناها الصفح عن الذنوب، و (العَفُوُّ) اسم لله تعالى. قال تعالى: إِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٤٣]. وقال تعالى: عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهمْ [التوبة: ٤٣]. وقال ﷺ في حديث الدعاء على الجنازة: ((اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه ... )) (١). وفي حديث عائشة ﵂: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك ... )) (٢). ولا يستعاذ إلا بالله أو بصفة من صفاته) (٣). وقال الحليمي في معنى العفو: (إنه الواضع عن عباده تبعات خطاياهم وآثامهم، فلا يستوفيها منهم، وذلك إذا تابوا واستغفروا، أو تركوا لوجهه أعظم ما فعلوا ليكفر عنهم ما فعلوا بما تركوا، أو بشفاعة من يشفع لهم، أو يجعل ذلك كرامة لذي حرمة لهم به وجزاء له بعمله، قال أبو سليمان: العفو وزنه فعول من العفو وهو بناء المبالغة، والعفو الصفح عن الذنب، وقيل: إن العفو مأخوذ من عفت الريح الأثر إذا درسته، فكأن العافي عن الذنب يمحوه بصفحه عنه) (٤).

стр. 426

الحث على العفو والصفح من القرآن والسنة الحث على العفو والصفح من القرآن الكريم: - وردت آيات متضافرة في ذكر العفو والصفح والترغيب فيه، ومن هذه الآيات قوله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: ٢٢]. قال ابن كثير ﵀: (هذه الآية نزلت في الصدِّيق، حين حلف ألا ينفع مِسْطَح بن أثاثة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال، ... فلما أنزل الله براءةَ أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت، وتاب الله على مَن كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على مَن أقيم عليه، شَرَع ﵎، وله الفضل والمنة، يُعطِّفُ الصدِّيق على قريبه ونسيبه، وهو مِسْطَح بن أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينًا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر، ﵁، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد وَلَق وَلْقَة تاب الله عليه منها، وضُرب الحد عليها. وكان الصديق، ﵁، معروفًا بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب. فلما نزلت هذه الآية إلى قوله: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي: فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك، وكما تصفح نصفح عنك. فعند ذلك قال الصديق: بلى، والله إنا نحب -يا ربنا -أن تغفر لنا. ثم رَجَع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا، في مقابلة ما كان قال: والله لا أنفعه بنافعة أبدًا، فلهذا كان الصدّيق هو الصديق ﵁ وعن بنته) (١). - وقال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٣٣] قال السعدي: (قوله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم -وهو امتلاء قلوبهم من الحنق، الموجب للانتقام بالقول والفعل-،هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم. وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم، لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانا إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]) (٢). - وقال سبحانه: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى:٤٠] (قال ابن عباس ﵁: من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أي إن الله يأجره على ذلك. قال مقاتل: فكان العفو من الأعمال الصالحة) (٣).

стр. 427

قال السعدي: (ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم. فمرتبة العدل: جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله. ومرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ يجزيه أجرا عظيما، وثوابا كثيرا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورا به. وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل. وأما مرتبة الظلم: فقد ذكرها بقوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم) (١). - وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التغابن: ١٤]. قال السعدي في تفسيره لهذه الآية: (هذا تحذير من الله للمؤمنين، من الاغترار بالأزواج والأولاد، فإن بعضهم عدو لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك الحذر ممن هذه وصفه والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد، فنصح تعالى عباده أن توجب لهم هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان فيها ما فيها من المحذور الشرعي ورغبهم في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده من الأجر العظيم المشتمل على المطالب العالية والمحاب الغالية، وأن يؤثروا الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية، ولما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد، فيما هو ضرر على العبد، والتحذير من ذلك، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم، والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك، من المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لأن الجزاء من جنس العمل. فمن عفا عفا الله عنه، ومن صفح صفح الله عنه، ومن غفر غفر الله له، ومن عامل الله فيما يحب، وعامل عباده كما يحبون وينفعهم، نال محبة الله ومحبة عباده، واستوثق له أمره) (٢). - وقال تعالى: وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى: ٣٧]. قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (أي: سجيتهم وخلقهم وطبعهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس، ليس سجيتهم الانتقام من الناس) (٣). الحث على العفو والصفح من السنة النبوية: - عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)) (٤). قال القاضي عياض: (وقوله: ((ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا)) (٥). فيه وجهان: أحدهما: ظاهره أن من عرف بالصفح والعفو ساد وعظم في القلوب وزاد عزه. الثاني: أن يكون أجره على ذلك في الآخرة وعزته هناك) (٦).

стр. 428

- وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ ((أن رسول الله ﷺ قال ثلاث والذي نفسي بيده إن كنت لحالفا عليهن لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر (١). - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم)) (٢). قال المناوي في قوله: (واغفروا يغفر لكم) (لأنه يحب أسمائه وصفاته التي منها الرحمة والعفو ويحب من خلقه من تخلق بها) (٣). - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أن رسول الله ﷺ ، قال: ((تعافوا فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)) (٤). - وعن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كم نعفو عن الخادم؟. فصمت!، ثم أعاد عليه الكلام، فصمت!، فلما كان في الثالثة، قال: (اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة)) (٥).

стр. 429

أقوال السلف والعلماء في العفو والصفح - عن جرير بن عبد الله- ﵁ (أنه قام يوم مات المغيرة بن شعبة- ﵁ فحمد الله وأثنى عليه وقال: عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له، والوقار والسكينة، حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن، ثم قال: استعفوا لأميركم، فإنه كان يحب العفو. ثم قال: أما بعد، فإني أتيت النبي ﷺ ، قلت: أبايعك على الإسلام، فشرط علي (والنصح لكل مسلم). فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني لناصح لكم، ثم استغفر ونزل) (١). - (وجلس ابن مسعود في السوق يبتاع طعاما فابتاع، ثم طلب الدراهم وكانت في عمامته فوجدها قد حلت، فقال: لقد جلست وإنها لمعي، فجعلوا يدعون على من أخذها ويقولون: اللهم اقطع يد السارق الذي أخذها، اللهم افعل به كذا، فقال عبد الله: اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة فبارك له فيها، وإن كان حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه) (٢). - وقيل لأبي الدرداء: من أعز الناس؟ فقال: (الذين يعفون إذا قدروا؛ فاعفوا يعزكم الله تعالى) (٣). - وقال الحسن بنُ علي رضي الله تعالى عنهما: (لو أنَّ رجلاً شتَمني في أذني هذه، واعتذر في أُذني الأخرَى، لقبِلتُ عذرَه) (٤). - وقال معاوية- ﵁: (عليكم بالحلم والاحتمال حتى تمكنكم الفرصة، فإذا أمكنتكم فعليكم بالصفح والإفضال) (٥). - وعن وهب بن كيسان قال سمعت عبد الله بن الزبير يقول على المنبر: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قال والله ما أمر بها أن تؤخذ إلا من أخلاق الناس والله لآخذنها منهم ما صحبتهم) (٦). - وأتي عبد الملك بن مروان بأسارى ابن الأشعث، فقال لرجاء بن حيوة: (ماذا ترى؟). قال: (إن الله- تعالى- قد أعطاك ما تحب من الظفر فأعط الله ما يحب من العفو، فعفا عنهم) (٧). - وقال مالك بن دينار: (أتينا منزل الحكم بن أيوب ليلا وهو على البصرة أمير، وجاء الحسن، وهو خائف فدخلنا معه عليه، فما كنا مع الحسن إلا بمنزلة الفراريج، فذكر الحسن قصة يوسف- ﵇ وما صنع به إخوته، فقال: باعوا أخاهم وأحزنوا أباهم، وذكر ما لقي من كيد النساء ومن الحبس، ثم قال: أيها الأمير، ماذا صنع الله به؟ أداله منهم، ورفع ذكره، وأعلى كلمته، وجعله على خزائن الأرض، فماذا صنع يوسف حين أكمل الله له أمره وجمع له أهله؟ قال: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: ٩٢]، يعرض للحكم بالعفو عن أصحابه، قال الحكم: فأنا أقول لا تثريب عليكم اليوم ولو لم أجد إلا ثوبي هذا لواريتكم تحته) (٨). - وعن عمر بن عبد العزيز قال: أحب الأمور إلى الله ثلاثة العفو في القدرة والقصد في الجدة والرفق في العبادة وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة) (٩). - وعن سعيد بن المسيب- ﵀ قال: (ما من شيء إلا والله يحب أن يعفى عنه ما لم يكن حدا عن عباده) (١٠). - وعن الحسن، قال: (أفضل أخلاق المؤمن العفو) (١١). - وقال الفضيل بنُ عياض ﵀: (إذا أتاك رجلٌ يشكو إليك رجلاً فقل: يا أخي، اعفُ عنه؛ فإنَّ العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمِل قلبي العفوَ، ولكن أنتصر كما أمرَني الله فقل له: إن كنتَ تحسِن أن تنتَصِر، وإلاّ فارجع إلى بابِ العفو؛ فإنّه باب واسع، فإنه من عفَا وأصلحَ فأجره على الله، وصاحِبُ العفو ينام علَى فراشه باللّيل، وصاحب الانتصار يقلِّب الأمور؛ لأنّ الفُتُوَّة هي العفوُ عن الإخوان) (١٢). - وقال إبراهيم النخعي: (كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا، وكانوا إذا قدروا عفوا) (١٣). - وعن أيوب قال: (لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان العفة عما في أيدي الناس والتجاوز عنهم) (١٤).

стр. 430

نماذج من عفوه ﷺ : كان النبي ﷺ قد بلغ القمة والدرجة العالية في العفو والصفح، كما هو شأنه في كل خلُقٍ من الأخلاق الكريمة، فكان عفوه يشمل الأعداء فضلاً عن الأصدقاء. (وكان ﷺ أجمل الناس صفحاً، يتلقى من قومه الأذى المؤلم فيعرض عن تلويمهم أو تعنيفهم أو مقابلتهم بمثل عملهم، ثم يعود إلى دعوتهم ونصحهم كأنما لم يلق منهم شيئاً. وفي تأديب الله لرسوله بهذا الأدب أنزل الله عليه في المرحلة المكية قوله: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [الحجر:٨٥ - ٨٦] ثم أنزل عليه قوله: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٩] فكان يقابل أذى أهل الشرك بالصفح الجميل، وهو الصفح الذي لا يكون مقروناً بغضب أو كبر أو تذمر من المواقف المؤلمة وكان كما أدبه الله تعالى. ثم كان يقابل أذاهم بالصفح الجميل، ويعرض قائلاً: سلام. وفي العهد المدني لقي الرسول ﷺ من يهود المدينة أنواعاً من الخيانة فأنزل الله عليه قوله: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣] فصبر الرسول ﷺ عليهم وعفا وصفح، حتى جاء الإذن الرباني بإجلائهم، ومعاقبة ناقضي العهد منهم) (١). - فعن أسامة بن زيد- ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى. قال الله- تعالى-: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ الآية [آل عمران: ١٨٦]. وقال: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الآية [البقرة: ١٠٩]، فكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو عنهم ما أمر الله به ... )) (٢). - وعن أبي عبد الله الجدلي قال: ((قلت لعائشة: كيف كان خلق رسول الله ﷺ في أهله قالت كان أحسن الناس خلقا لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا بالأسواق ولا يجزئ بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح)) (٣).

стр. 431

- وعن أسامة بن زيد- ﵄ ((أن النبي ﷺ ركب حمارا، عليه إكاف، تحته قطيفة فدكية. وأردف وراءه أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج. وذاك قبل وقعة بدر. حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود. فيهم عبد الله بن أبي. وفي المجلس عبد الله بن رواحة. فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه. ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلم عليهم النبي ﷺ ثم وقف فنزل. فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء لا أحسن من هذا. إن كان ما تقول حقا، فلا تؤذنا في مجالسنا. وارجع إلى رحلك. فمن جاءك منا فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا. فإنا نحب ذلك. قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود. حتى هموا أن يتواثبوا. فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة. فقال: (أي سعد، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟ يريد عبد الله بن أبي قال كذا وكذا قال: اعف عنه يا رسول الله، واصفح. فو الله لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه، فيعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه، شرق بذلك فذلك فعل به ما رأيت. فعفا عنه النبي ﷺ ) (١). - وعن عائشة ﵂ قالت: ((ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله. ) (٢). - وعن جابر بن عبد الله- ﵄ ((أنه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ ، وتفرق الناس يستظلون بالشجر فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة وعلق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي. فقال: (إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا)، فقال: من يمنعك مني؟. فقلت: (الله) (ثلاثا) ولم يعاقبه وجلس)) (٣). - موقفه ﷺ مع أهل ثقيف حينما طلب منهم الحماية وعرض عليهم نفسه فلم يجيبوه، بل قابلوه بالأذى والعدوان، فصبر عليهم وعفا عنهم حينما عرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين، فعن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبى ﷺ حدثته أنها قالت لرسول الله ﷺ يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد فقال: ((لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال فناداني ملك الجبال وسلم علي. ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله ﷺ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا)) (٤). - موقفه ﷺ مع أهل مكة:

стр. 432

((لما فتح رسول الله ﷺ مكة دخل البيت، فصلى بين الساريتين، ثم وضع يديه على عضادتي الباب، فقال: لا إله إلا الله وحده ماذا تقولون، وماذا تظنون؟ قالوا: نقول خيرا، ونظن خيرا: أخ كريم، وابن أخ، وقد قدرت، قال: فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف ﷺ : لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:٩٢])) (١). - موقفه ﷺ مع عكرمة بن أبي جهل: عن عروة بن الزبير قال: ((قال عكرمة بن أبي جهل: لما انتهيت إلى رسول الله ﷺ قلت: يا محمد، إن هذه أخبرتني أنك أمنتني، فقال رسول الله ﷺ : أنت آمن فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنت عبد الله ورسوله، وأنت أبر الناس، وأصدق الناس، وأوفى الناس، قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه، ثم قلت: يا رسول الله، استغفر لي كل عداوة عاديتكها أو موكب أوضعت فيه أريد فيه إظهار الشرك، فقال رسول الله ﷺ : اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها، أو موكب أوضع فيه يريد أن يصد عن سبيلك قلت: يا رسول الله، مرني بخير ما تعلم فأعلمه، قال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وتجاهد في سبيله ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالا في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله، ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أجنادين شهيدا في خلافة أبي بكر ﵁) (٢).

стр. 433

نماذج من عفو الصحابة ﵃: عفو أبي بكر ﵁: - عفوه عن مسطح بن أثاثة: و ((كان مسطح بن أثاثة ممن تكلم في الإفك فلما أنزل الله براءة عائشة قال أبو بكر الصديق -وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره - والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال فأنزل الله: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ إلى قوله وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال أبو بكر الصديق بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها منه أبدا)) (١). - وعن أبي هريرة: ((أن رجلا شتم أبا بكر والنبي ﷺ جالس فجعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم فلما أكثر رد عليه بعض قوله فغضب النبي ﷺ وقام فلحقه أبو بكر فقال يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت قال إنه كان معك ملك يرد عنك فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان ثم قال يا أبا بكر ثلاث كلهن حق ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعز الله بها نصره وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة)) (٢). عفو عمر ﵁: - عن ابن عباس، ﵄، قال: ((قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا، أو شبانا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله، ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر، حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب الله)) (٣). علية بن زيد ﵁ يتصدق بعرضه: - لما حض رسول الله ﷺ الناس على الزكاة، قال علية بن زيد الحارثي: ((اللهم إنه ليس عندي شيء أتصدق به، إلا أعواد عليها شجب من ماء، ووسادة حشوها ليف، اللهم إني أتصدق بعرضي على من ناله من الناس، فأصبح رسول الله ﷺ ، فأمر مناديا فنادى: أين المتصدق بعرضه على الناس البارحة؟ فصمت، ثم أعاد ذلك مرتين أو ثلاثا، ثم قال علبة: فقال رسول الله ﷺ حين نظر إليه: ألا إن الله قد قبل صدقتك يا أبا محمد)) (٤).

стр. 434

نماذج من عفو السلف: عفو مصعب بن الزبير: - حكي عن مصعب بن الزبير أنه لما ولي العراق جلس يوما لعطاء الجند وأمر مناديه فنادى أين عمرو بن جرموز؟ وهو الذي قتل أباه الزبير، فقيل له: (أيها الأمير إنه قد تباعد في الأرض. فقال: أوَ يظن الجاهل أني أقيده بأبي عبد الله؟ فليظهر آمنا ليأخذ عطاءه موفرا) (١).

стр. 435

نماذج من عفو الملوك عفو سليمان بن عبد الملك: - (غضب سليمان بن عبد الملك على خالد القسري، فلما أدخل عليه قال: يا أمير المؤمنين إن القدرة تذهب الحفيظة وإنك تجل عن العقوبة، فإن تعف فأهل لذلك أنت، وإن تعاقب فأهل لذلك أنا، فعفا عنه) (١). - (واحتال يزيد بن راشد في الدخول على سليمان متنكراً بعد أن ولي الخلافة فقعد في السماط، وكان سليمان قد نذر أنه إن أفضت إليه الخلافة قطع لسانه لأنه كان ممن دعا إلى خلع سليمان والبيعة لعبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين كن كنبي الله أيوب ﵇، ابتلي فصبر وأعطي فشكر وقدر فغفر، قال: ومن أنت قال: يزيد بن راشد، فعفا عنه) (٢). عفو أبي جعفر المنصور: - عن مبارك بن فضالة قال: (كنا عند المنصور فدعا برجل ودعا بالسيف فقال المبارك: يا أمير المؤمنين سمعت الحسين يقول: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان يوم القيامة قام مناد من عند الله ينادي ليقم الذين أجرهم على الله فلا يقوم إلا من عفا)) فقال المنصور: خلوا سبيله) (٣). - وعن الأصمعي قال: (أتي المنصور برجل يعاقبه فقال: يا أمير المؤمنين الانتقام عدل والتجاوز فضل ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين فعفا عنه) (٤). عفو المأمون: - (أتي المأمون برجل يريد أن يقتله وعلي بن موسى الرضا جالس فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أقول: إن الله تعالى لا يزيدك بحسن العفو إلا عزاً؛ فعفا عنه. وكان المأمون مؤثراً للعفو كأنه غريزة له؛ وهو الذي يقول: لقد حبب إلي العفو حتى إني أظن أني لا أثاب عليه. - وأحضر إلى المأمون رجل قد أذنب، فقال له المأمون: أنت الذي فعلت كذا وكذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا الذي أسرف على نفسه واتكل على عفوك؛ فعفا عنه. - قال: ولما ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي أمر بإدخاله عليه، فلما مثل بين يديه قال: وليّ الثأر محكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مد له الاعتذار في الأمل هجمت به الأناة على التلف، وقد جعل الله كل ذنب دون عفوك، فإن صفحت فبكرمك، وإن أخذت فبحقك؛ قال المأمون: إني شاورت أبا إسحاق والعباس في قتلك فأشارا علي به؛ قال: أما أن يكونا قد نصحاك في عظم قدر الملك ولما جرت عليه السياسة فقد فعلا، ولكن أبيت أن تستجلب النصر إلا من حيث عودك الله، ثم استعبر باكياً؛ فقال له المأمون: ما يبكيك؟ قال: جذلاً إذ كان ذنبي إلى من هذه صفته، ثم قال: إنه وإن كان جرمي بلغ سفك دمي فحلم أمير المؤمنين وفضله يبلغاني عفوه، ولي بعد هذا شفعة الإقرار بالذنب وحرمة الأب بعد الأب؛ قال المأمون: لو لم يكن في حق نسبك ما يبلغ الصفح عن جرمك لبلغك إليه حسن تنصلك) (٥).

стр. 436

فوائد العفو والصفح ١ - (في العفو رحمة بالمسيء، وتقدير لجانب ضعفه البشري، وامتثال لأمر الله، وطلب لعفوه وغفرانه. ٢ - في العفو توثيق للروابط الاجتماعية التي تتعرض إلى الوهن والانفصام بسبب إساءة بعضهم إلى بعض، وجناية بعضهم على بعض) (١). ٣ - العفو والصفح عن الآخرين سبب لنيل مرضات الله . ٤ - العفو والصفح سبب للتقوى قال تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة: ٢٣٧]. ٥ - العفو والصفح من صفات المتقين، قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: ١٣٣]. ٦ - من يعفو ويصفح عن الناس يشعر بالراحة النفسية. ٧ - بالعفو تنال العزة، قال ﷺ : (( .. وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا .. )) (٢). ٨ - العفو والصفح سبيل إلى الألفة والمودة بين أفراد المجتمع. ٩ - في العفو والصفح الطمأنينة، والسكينة، وشرف النفس. ١٠ - بالعفو تكتسب الرفعةً والمحبة عند الله وعند الناس. وغيرها من الفوائد التي تعود على الفرد والمجتمع بالعمل بهذا الخلق النبيل.

стр. 437

قالوا عن العفو .. قالوا نثرا: - قال الأحنف: (إياك وحميّة الأوغاد؛ قيل: وما هي؟ قال: يرون العفو مغرماً والتحمل مغنماً. - وقيل لبعضهم: هل لك في الإنصاف، أو ما هو خير من الإنصاف؟ فقال: وما هو خير من الإنصاف؟ فقال: العفو. - وقيل: العفو زكاة النفس. وقيل: لذة العفو أطيب من لذة التشفي؛ لأن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفي يلحقها ذم الندم. - وقيل للإسكندر: أي شيء أنت أسرّ به مما ملكت؟ فقال: مكافأة من أحسن إليّ بأكثر من إحسانه، وعفوي عمّن أساء بعد قدرتي عليه. - وقالوا: العفو يزين حالات من قدر، كما يزين الحلي قبيحات الصور) (١). - وقال أبو حاتم: (الواجب على العاقل لزوم الصفح عند ورود الإساءة عليه من العالم بأسرهم رجاء عفو الله جل وعلا عن جناياته التي ارتكبها في سالف أيامه لأن صاحب الصفح إنما يتكلف الصفح بإيثاره الجزاء وصاحب العقاب وإن انتقم كان إلى الندم أقرب فأما من له أخ يوده فإنه يحتمل عنه الدهر كله زلاته) (٢). - وقال بعض البلغاء: (ما ذب عن الأعراض كالصفح والإعراض) (٣). - وقال بعضهم: (أحسن المكارم عفو المقتدر، وجود المفتقر) (٤) - وقال أبو حاتم: (الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة وترك الخروج لمجازاة الإساءة إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها) (٥). - وقال أيضاً: (من أراد الثواب الجزيل واسترهان الود الأصيل وتوقع الذكر الجميل فليتحمل من ورود ثقل الردى ويتجرع مرارة مخالفة الهوى باستعمال السنة التي ذكرناها في الصلة عند القطع والإعطاء عند المنع والحلم عند الجهل والعفو عند الظلم لأنه من أفضل أخلاق أهل الدين والدنيا) (٦). - (وقيل للمهلب بن أبي صفرة: ما تقول في العفو والعقوبة؟ قال: هما بمنزلة الجود والبخل فتمسك بأيهما شئت) (٧). قالوا أمثالاً: ١ - قولهم: ملكت فأسجح. أي: ظفرت فأحسن. ٢ - وقولهم: إن المقدرة تذهب الحفيظة. ٣ - وقولهم: إذا ارجحنَّ شاصياً فارفع يدا. أي: إذا رأيته قد خضع واستكان فاكفف عنه. (٨).

стр. 438

العفو والصفح في واحة الشعر .. قال الشافعي- ﵀: لما عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من هم العداوات إني أحيي عدوي عند رؤيته ... لأدفع الشر عني بالتحياتي وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنما قد حشى قلبي محباتي الناس داء، وداء الناس قربهم ... وفي اعتزالهم قطع المودات وقال أيضاً: قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم ... إن الجواب لباب الشر مفتاح فالعفو عن جاهل أو أحمق أدب ... نعم وفيه لصون العرض إصلاح إن الأسود لتخشى وهي صامتة ... والكلب يحثى ويرمى وهو نباح وقال منصور بن محمد الكريزي: سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن كثرت منه إلى الجرائم فما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف فضله ... وأتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي دوني فإن قال صنت عن ... إجابته عرضي وإن لام لائم وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الحلم للفضل حاكم وقال أبو الفتح البستي: خذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين ولن في الكلام لكل الأنام ... فمستحسن من ذوي الجاه لين وقال آخر: إذا كنت لا أعفو عن الذنب من أخ ... وقلت أكافيه فأين التفاضل ولكنني أغضي جفوني على القذى ... وأصفح عما رابني وأجامل متى أقطع الإخوان في كل عثرة ... بقيت وحيدا ليس لي من أواصل ولكن أداريه، فإن صح سرني ... وإن هو أعيا كان عنه التجاهل ...

стр. 439

وختاماً ... ؟ أخي القارئ الكريم، هل مر عليك موقف يتطلب منك أن تعفو أو أن يعفو عنك؟ هل تجد صعوبة بالنطق بكلمات عفوت عنك، سامحتك؟ ومتى تجد نفسك مستعداً بالنطق بهذه الكلمات؟ هل تحب أن يقال لك عفوت عنك، سامحتك، صفحت عنك؟ وما هو شعورك عندما تسمع هذه الكلمات؟

стр. 440

علو الهمة • معنى علو الهمة لغة واصطلاحاً. • الفرق بين الهمة والهم. • الحث على علو الهمة من القرآن والسنة. • أقوال السلف والعلماء في علو الهمة. • درجات علو الهمة. • صور علو الهمة. • موانع اكتساب علو الهمة. • أسباب علو الهمة. • نماذج في علو الهمة. • دلائل عالي الهمة. • أوصاف عالي الهمة. • علو الهمة في واحة الشعر ...

стр. 441

معنى علو الهمة لغة واصطلاحاً معنى العلو لغة: قال ابن منظور: (عُلْو كل شيء وعِلْوه وعَلْوُه وعُلاوَتُه وعالِيه وعالِيَتُه أَرْفَعُه، ... وعلا الشيءُ عُلُوًّا فهو عَليٌّ وعَلِيَ وتَعَلَّى، ... ويقال عَلا فلانٌ الجَبَلَ إذا رَقِيَه يَعْلُوه عُلُوّاً وعَلا فلان فلاناً إذا قَهَرَه والعَليُّ الرَّفيعُ وتَعالَى تَرَفَّع) (١). معنى الهمة لغة: الهَمَّةُ والهِمَّةُ ما هَمَّ به من أَمر ليفعله وتقول إِنه لَعظيمُ الهَمّ وإِنه لَصغيرُ الهِمّة وإِنه لَبَعيدُ الهِمَّةِ والهَمّةِ بالفتح والهُمامُ الملكُ العظيم الهِمّة (٢). وقال ابن القيم في تعريف الهمة: (والهمة فعلة من الهم، وهو مبدأ الإرادة، ولكن خصوها بنهاية الإرادة، فالهم مبدؤها، والهمة نهايتها) (٣). معنى علو الهمة اصطلاحاً: (هو استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، وطلب المراتب السامية، واستحقار ما يجود به الإنسان عند العطية، والاستخفاف بأوساط الأمور، وطلب الغايات، والتهاون بما يملكه، وبذل ما يمكنه لمن يسأله من غير امتنان ولا اعتداد به) (٤). وقال المناوي: (عظم الهمة عدم المبالاة بسعادة الدنيا وشقاوتها) (٥). وقال الراغب الأصفهاني: (والكبير الهمة على الإطلاق هو من لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه فلا يصير عبد رعاية بطنه وفرجه بل يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة) (٦).

стр. 442

الفرق بين الهمة والهم الهمة: اتساع الهم وبعد موقعه ولهذا يمدح بها الإنسان فيقال فلان ذو همة وذو عزيمة، وأما قولهم فلان بعيد الهمة وكبير العزيمة، فلان بعض الهمم يكون أبعد من بعض وأكبر من بعض، وحقيقة ذلك أنه يهتم بالأمور الكبار. والهم: هو الفكر في إزالة المكروه واجتلاب المحبوب ومنه يقال أهم بحاجتي (١).

стр. 443

الحث على علو الهمة من القرآن والسنة الحث على علو الهمة من القرآن الكريم علو الهمة خلق رفيع وغاية نبيلة، تتعشقه النفوس الكريمة وتهفو إليه الفطر القويمة، وعلو الهمة من الأسس الأخلاقية الفاضلة وإليه يرجع مجموعة من الظواهر الخلقية، كالجد في الأمور، والترفع عن الصغائر والدنايا، وكالطموح إلى المعالي (١). والإسلام يحث على هذا الخلق النبيل، وقد وردت آيات من القرآن الكريم، وأحاديث من السنة النبوية تدل على ذلك، فمن القرآن الكريم: - قوله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]. ففي هذه الآية (ندب الله عباده إلى المبادرة إلى فعْل الخيرات والمسارعة إلى نَيْل القُرُبات) (٢) وهو أمر من الله بالهمة العالية. - وقال تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥]. فهذه الآية فيها ثناء (على أصحاب الهمم العالية، وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلون وفي مقدمتهم أولو العزم من الرسل، وعلى رأسهم خاتمهم محمد ﷺ ... وقد تجلت همتهم العالية في مثابرتهم وجهادهم ودعوتهم إلى الله ، كما أوضحه الله في قصص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) (٣) - وقال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب: ٢٣]. وصف الله المؤمنين بوصف الرجال الذين هم أصحاب الهمم العالية فصدقوا ما عاهدوا الله (وفوا به، وأتموه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في مرضاته، وسبلوا أنفسهم في طاعته. فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ أي: إرادته ومطلوبه، وما عليه من الحق، فقتل في سبيل الله، أو مات مؤديا لحقه، لم ينقصه شيئا. وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ تكميل ما عليه، فهو شارع في قضاء ما عليه، ووفاء نحبه ولما يكمله، وهو في رجاء تكميله، ساع في ذلك، مجد) (٤). - وقال سبحانه: رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ [النور: ٣٧]. فهؤلاء الرجال هم أصحاب الهمم العالية (ليسوا ممن يؤثر على ربه دنيا، ذات لذات، ولا تجارة ومكاسب، مشغلة عنه، لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وهذا يشمل كل تكسب يقصد به العوض، فيكون قوله: وَلا بَيْعٌ من باب عطف الخاص على العام، لكثرة الاشتغال بالبيع على غيره، فهؤلاء الرجال، وإن اتجروا، وباعوا، واشتروا، فإن ذلك، لا محذور فيه. لكنه لا تلهيهم تلك، بأن يقدموها ويؤثروها على ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ بل جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم، ونهاية مقصدهم، فما حال بينهم وبينها رفضوه) (٥). - وقال الله بعد أن ذكر عدداً من الأنبياء ومواقفهم، ودعوتهم لقومهم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] الحث على علو الهمة من السنة النبوية

стр. 444

- عن الحسين بن علي- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى يحب معالي الأمور، وأشرافها، ويكره سفسافها)) (١). قال المناوي: (وهي الأخلاق الشرعية والخصال الدينية لا الأمور الدنيوية فإن العلو فيها نزول (ويكره) في رواية البيهقي ويبغض (سفسافها) بفتح أوله أي حقيرها ورديئها فمن اتصف من عبيده بالأخلاق الزكية أحبه ومن تحلى بالأوصاف الرديئة كرهه وشرف النفس صونها عن الرذائل والدنايا والمطامع القاطعة لأعناق الرجال فيربأ بنفسه أن يلقيها في ذلك وليس المراد به التيه فإنه يتولد من أمرين خبيثين إعجاب بنفسه وازدراء بغيره والأول يتولد بين خلقين كريمين إعزاز النفس وإكرامها وتعظيم مالكها فيتولد من ذلك شرف النفس وصيانتها وقد خلق لكل من القسمين أهلا لما مر أن بني آدم تابعون للتربة التي خلقهم منها فالتربة الطيبة نفوسها علية كريمة مطبوعة على الجود والسعة واللين والرفق لا كزازة ولا يبوسة فيها فالتربة الخبيثة نفوسها التي خلقت منها مطبوعة على الشقوة والصعوبة والشح والحقد وما أشبهه) (٢). - وعن حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله)) (٣). قال ابن بطال: (فيه ندب إلى التعفف عن المسألة، وحض على معالي الأمور، وترك دنيئها، والله يحب معالي الأمور) (٤). - وقال ﷺ : ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)) (٥). (وعامة نصوص الترغيب والترهيب في الوحيين الشريفين إنما ترمي إلى توليد قوة دافعة تحرك قلب المؤمن، وتوجهه إلى إقامة الطاعات، وتجنب المعاصي والمخالفات، وإلى بعث الهمة وتحريكها واستحثاثها للتنافس في الخيرات، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصر) (٦). ومن الأحاديث التي تبعث الهمة بالترغيب قوله ﷺ : - لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا. - وقوله ﷺ : ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارق، ورتل، كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها)) (٧).

стр. 445

أقوال السلف والعلماء في علو الهمة - روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (لا تصغرن همتكم فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم) (١). - وقال الإمام مالك (وعليك بمعالي الأمور وكرائمها، واتق رذائلها وما سف منها؛ فإن الله تعالى يحب معالي الأمور ويكره سفسافها) (٢). - وعن دكين الراجز قال: (أتيت عمر بن عبد العزيز بعد ما استخلف أستنجز منه وعدا كان وعدنيه وهو والي المدينة، فقال لي: يا دكين، إن لي نفسا توّاقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة) (٣). - وقال ابن الجوزي: (من علامة كمال العقل علو الهمة، والراضي بالدون دني) (٤). - وقال ابن القيم: (فمن علت همته وخشعت نفسه اتصف بكل خلق جميل ومن دنت همته وطغت نفسه اتصف بكل خلق رذيل) (٥). - وقال أيضا: (الهمة العلية لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء تعرف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة وملاحظة لمنة تزداد بملاحظتها شكر أو إطاعة وتذكر لذنب تزداد بتذكره توبة وخشية فإذا تعلقت الهمة بسوى هذه الثلاثة جالت في أودية الوساوس والخطرات من عشق الدنيا نظرت إلى قدرها عنده فصيرته من خدمها وعبيدها وأذلته ومن أعرض عنها نظرت إلى كبر قدره فخدمته وذلت له إنما يقطع السفر ويصل المسافر بلزوم الجادة وسير الليل فإذا حاد المسافر عن الطريق ونام الليل كله فمتى يصل إلى مقصده؟) (٦). - وقال أيضاً: (العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة) (٧). - وقال أيضاً: (لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة) (٨).

стр. 446

درجات علو الهمة قسم الهروي درجات علو الهمة على ثلاث: ١ - (الدرجة الأولى: همة تصون القلب عن وحشة الرغبة في الفاني، وتحمله على الرغبة في الباقي، وتصفيه من كدر التواني) (١). يقول ابن القيم: (الفاني الدنيا وما عليها. أي يزهد القلب فيها وفي أهلها. وسمى الرغبة فيها وحشة لأنها وأهلها توحش قلوب الراغبين فيها، وقلوب الزاهدين فيها. أما الراغبون فيها: فأرواحهم وقلوبهم في وحشة من أجسامهم. إذ فاتها ما خلقت له. فهي في وحشة لفواته. وأما الزاهدون فيها: فإنهم يرونها موحشة لهم. لأنها تحول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم. ولا شيء أوحش عند القلب مما يحول بينه وبين مطلوبه ومحبوبه. ولذلك كان من نازع الناس أموالهم، وطلبها منهم أوحش شيء إليهم وأبغضه. وأيضا: فالزاهدون فيها: إنما ينظرون إليها بالبصائر. والراغبون ينظرون إليها بالأبصار فيستوحش الزاهد مما يأنس به الراغب. كما قيل: وإذا أفاق القلب واندمل الهوى ... رأت القلوب ولم تر الأبصار وكذلك هذه الهمة تحمله على الرغبة في الباقي لذاته. وهو الحق سبحانه. والباقي بإبقائه: هو الدار الآخرة. وتصفيه من كدر التواني أي تخلصه وتمحصه من أوساخ الفتور والتواني، الذي هو سبب الإضاعة والتفريط. والله أعلم) (٢). ٢ - قال الهروي: (الدرجة الثانية: همة تورث أنفة من المبالاة بالعلل، والنزول على العمل والثقة بالأمل) (٣). يقول ابن القيم: (العلل هاهنا: هي علل الأعمال من رؤيتها، أو رؤية ثمراتها وإرادتها. ونحو ذلك. فإنها عندهم علل. فصاحب هذه الهمة: يأنف على همته، وقلبه من أن يبالي بالعلل. فإن همته فوق ذلك. فمبالاته بها، وفكرته فيها: نزول من الهمة. وعدم هذه المبالاة: إما لأن العلل لم تحصل له؛ لأن علو همته حال بينه وبينها. فلا يبالي بما لم يحصل له. وإما لأن همته وسعت مطلوبه، وعلوه يأتي على تلك العلل، ويستأصلها. فإنه إذا علق همته بما هو أعلى منها تضمنتها الهمة العالية. فاندرج حكمها في حكم الهمة العالية. وهذا موضع غريب عزيز جدا. وما أدري قصده الشيخ أو لا؟ وأما أنفته من النزول على العمل: فكلام يحتاج إلى تقييد وتبيين. وهو أن العالي الهمة مطلبه فوق مطلب العمال والعباد. وأعلى منه. فهو يأنف أن ينزل من سماء مطلبه العالي، إلى مجرد العمل والعبادة، دون السفر بالقلب إلى الله، ليحصل له ويفوز به. فإنه طالب لربه تعالى طلبا تاما بكل معنى واعتبار في عمله، وعبادته ومناجاته، ونومه ويقظته، وحركته وسكونه، وعزلته وخلطته، وسائر أحواله. فقد انصبغ قلبه بالتوجه إلى الله تعالى أيما صبغة. وهذا الأمر إنما يكون لأهل المحبة الصادقة. فهم لا يقنعون بمجرد رسوم الأعمال، ولا بالاقتصار على الطلب حال العمل فقط. وأما أنفته من الثقة بالأمل: فإن الثقة توجب الفتور والتواني. وصاحب هذه الهمة: ليس من أهل ذلك، كيف؟ وهو طائر لا سائر.) (٤). ٣ - قال الهروي: (الدرجة الثالثة: همة تتصاعد عن الأحوال والمعاملات. وتزري بالأعواض والدرجات. وتنحو عن النعوت نحو الذات) (٥). يقول ابن القيم: (أي هذه الهمة أعلى من أن يتعلق صاحبها بالأحوال التي هي آثار الأعمال والواردات، أو يتعلق بالمعاملات. وليس المراد تعطيلها. بل القيام بها مع عدم الالتفات إليها، والتعلق بها. ووجه صعود هذه المهمة عن هذا: ما ذكره من قوله: تزري بالأعواض والدرجات، وتنحو عن النعوت نحو الذات، أي صاحبها لا يقف عند عوض ولا درجة. فإن ذلك نزول من همته. ومطلبه أعلى من ذلك. فإن صاحب هذه الهمة قد قصر همته على المطلب الأعلى، الذي لا شيء أعلى منه. والأعواض والدرجات دونه. وهو يعلم أنه إذا حصل له فهناك كل عوض ودرجة عالية. وأما نحوها نحو الذات فيريد به: أن صاحبها لا يقتصر على شهود الأفعال والأسماء والصفات. بل الذات الجامعة لمتفرقات الأسماء والصفات والأفعال.) (٦).

стр. 447

صور علو الهمة مظاهر وصور علو الهمة كثيرة جداً فالأعمال الجادة كلها تحتاج إلى علو الهمة وسنتحدث عن بعض مظاهر علو الهمة وهي كالتالي: ١ - علو الهمة في طلب العلم: من مظاهر علو الهمة الاهتمام في طلب العلم فبالعلم تعلو الهمة ويُرفع طالبه قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١]. قال الشوكاني في الحث على علو الهمة في طلب العلم: (فإن الله سبحانه قد قرن العلماء في كتابه بنفسه وملائكته فقال شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [آل عمران:١٨]. وقصر الخشية له التي هي سبب الفوز لديه عليهم فقال (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر:٢٨]. وأخبره عباده بأنه يرفع علماء أمته درجات فقال يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة:١١] وأخبرنا رسول الله ﷺ بأن العلماء ورثة الأنبياء. وناهيك بهذه المزية الجليلة والمنقبة النبيلة فأكرم بنفس تطلب غاية المطالب في أشرف المكاسب وأحبب برجل أراد من الفضائل ما لا تدانيه فضيلة ولا تساميه منقبة ولا تقاربه مكرمة) (١). ٢ - علو الهمة في الدعوة إلى الله: من مظاهر علو الهمة الدعوة إلى الله فالمسلم يدعو إلى الله بما علم قال ﷺ : ((بلغوا عني ولو آية)) (٢) والداعية إلى الله همه هداية الناس ودعوتهم إلى الحق فيقوم ببذل نفسه في سبيل الدعوة إلى الله، قال ابن حزم: (لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها وليس ذلك إلا في ذات الله في دعاء إلى حق وفي حماية الحريم وفي دفع هوان لم يوجبه عليك خالقك تعالى وفي نصر مظلوم وباذل نفسه في عرض دنيا كبائع الياقوت بالحصى) ولنا برسول الله ﷺ وصحابته وسلف الأمة القدوة الحسنة، فقد بذلوا كل غال ونفيس في سبيل الدعوة إلى الله. ٣ - علو الهمة في الجهاد في سبيل الله: من مظاهر علو الهمة الاندفاع إلى الجهاد في سبيل الله بثبات فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغى القتل والموت مظانه ... )) (٣) والمواقف من الصحابة والسلف كثيرة في اندفاعهم إلى الجهاد في سبيل الله والبذل والعطاء الذي قدموه لهذا الدين. ٤ - علو الهمة في العبادة: من مظاهر علو الهمة الجد والاجتهاد في عبادة الله والاستقامة على دينه و (لقد فقه سلفنا الصالحون عن الله أمره، وتدبروا في حقيقة الدنيا، ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشوا من فتنتها، وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وتناءت قلوبهم من مطامعها، وارتفعت همتهم على السفاسف، فلا تراهم إلا صوَّامين قوامين، باكين والهين، ولقد حفلت تراجمهم بأخبار زاخرة تشير بعلو همتهم في التوبة والاستقامة، وقوة عزيمتهم في العبادة والإخبات، وهاك طرفاً من عباراتهم ... قال الحسن: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره وقال وهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل) (٤). ويقول ابن حزم في علو همة من امتحن بمكروه وعاقه عن هذا الطريق: (ووجدت العامل للآخرة إن امتحن بمكروه في تلك السبيل لم يهتم بل يسر إذ رجاؤه في عاقبه ما ينال به عون له على ما يطلب وزايد في الغرض الذي إياه يقصد ووجدته إن عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم إذ ليس مؤاخذا بذلك فهو غير مؤثر في ما يطلب ورأيته إن قصد بالأذى سر وإن نكبته نكبة سر وإن تعب فيما سلك فيه سر فهو في سرور متصل أبدا) (٥).

стр. 448

موانع اكتساب علو الهمة ١ - (الذنوب والمعاصي: قال ابن القيم – ﵀: (فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب، والقلب إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي ستسيره، فإذا زالت بالكلية انقطع عن الله انقطاعاً يبعد تداركه، فالله المستعان). ٢ - الخوف والهم والحزن: آفات قلبية وعوائق نفسية توهن الهمة وتضعف الإرادة، وتقود إلى الخور والفتور؛ ولهذا فقد كان النبي ﷺ يكثر من الاستعاذة منها فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال)) (١). ٣ - فتنة الفقر أو الغنى: كلاهما قد يشغل القلب عن غايته والوصول إلى هدفه، وربما يشتت همته، ويفرق جمعيته، ولهذا فقد استعاذ النبي ﷺ من شر الفتنة بهما فقال: ((اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، وفتنة القبر وعذاب القبر، ومن شر فتنة الغنى، ومن شر فتة الفقر)) (٢). قال الإمام النووي: (وأما استعاذته ﷺ من فتنة الغنى وفتنة الفقر فلأنهما حالتان تخشى الفتنة فيهما بالتسخط وقلة الصبر، والوقوع في حرام أو شبهة للحاجة، ويخاف في الغنى من الأشر والبطر والبخل بحقوق المال، أو إنفاقه في إسراف أو في باطل أو في مفاخر) (٣). ٤ - اليأس والتشاؤم: عندما يرى فريق من الدعاة تفوق الأعداء، وتفرق الأصدقاء، والتضييق على الدعاة، وتشريدهم، والزج بهم في السجون، ونحوها من الابتلاءات، ييأسوا ويتشاءموا ويدب الوهن إلى قلوبهم؛ فتضعف هممهم، ويقعدوا عن العمل، ويفقدوا الأمل .. على الرغم من انتصارات الدعوة والبشائر التي تبدو في الأفق؛ ولكن يأبى بعضهم إلا النظرة المتشائمة. ٥ - مجالسة القاعدين: مجالس البطالين والقاعدين توهن العزائم وتضعف الهمم بما يعلق في القلب من أقوالهم من الشبه، وما يحصل بمجالستهم من ضياع للوقت، وإشغال بتوافه الأمور .. وكلما أردت العمل ثبطك وقال: (أمامك ليل طويل فارقد). ٦ - الإكثار من الطعام والنوم والكلام: لأن الشبع من أسباب موت القلب وصدئه، كما قال أبو سليمان الداراني – ﵀: لكل شيء صدأ، وصدأ القلب شبع البطن. ٧ - الانشغال الكثير بالدنيا: لابد للمرء من اشتغال بشيء من الدنيا ليكف به نفسه عن سؤال الناس، وقد كان أنبياء الله – صلوات الله وسلامه عليهم – يعملون بأيديهم ويتكسبون؛ ولكن الشين هو الانشغال بها والركض وراءها واللهث الدائم عليها ابتغاء المزيد من متاعها (٤).

стр. 449

أسباب علو الهمة (إن الارتقاء بالهمة والعلو بها عن السفاسف يحتاج إلى جهد ومجاهدة وصبر ومصابرة، وهناك بعض الأسباب التي لها أثر كبير في كبر الهمة وارتفاعها: ١ - العلم: العلم يعلي الهمة، ويرفع طالبه به، قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١]، فهو يرشد طالبه إلى العمل ويحث عليه، كما يعرفه بمخاطر الطريق وعوائق السبيل، ويحذره من آفات القعود وأمراض الجمود. فكلما ازداد العلم وخلصت النية علت الهمة وازداد العمل؛ ولهذا كانت همم العلماء الصادقين أكبر من غيرهم عملا ودعوة وجهاداً. ٢ - الذكر: من أفضل أسباب قوة القلب، وعلو همته ذكر الله ودوام الصلة به بأنواع العبادات، قال الإمام ابن القيم – ﵀ – وهو يعدد فوائد الذكر: (السادسة عشرة: أنه يورث حياة القلب. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية – قدس الله تعالى روحه – يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك؛ فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟! السابعة عشرة: أنه قوت القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته). ٣ - الدعاء: وهو من خير الأسلحة التي يقاوم بها فتور الهمة وضعف العزيمة. ولذلك كان يدعو رسول الله ﷺ : ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل ... )) (١). ٤ - تذكر اليوم الآخر: تذكر الموت وسكراته، والقبر وضمته، والحشر وكربته والصراط وزلته. هذه المواقف تبعث في القلب الهمة .. توقظه عن غفلته، وتبعثه من رقدته وسكرته؛ ولذا كان من أسلوب القرآن للحث على العمل وبعث الهمم التذكير باليوم الآخر وبالجنة والنار. تدبر قوله – وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]، وكان ﷺ يذكر أصحابه بالجنة والنار كما روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه عن طلحة الأسدي) (٢). ٥ - طبيعة الإنسان: (فهناك من الناس من جبل على علو الهمة، فلا يرضى بالدون، ولا يقنع بالقليل، ولا يلتفت إلى الصغائر، ولا تغدو بلبه الدنايا ومحقرات الأمور. ولهذا قيل: ذو الهمة إن حط فنفسه تأبى إلا علواً، كالشعلة في النار يصوبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعاً (٣). قال عمر بن عبد العزيز: إن لي نفساً تواقة؛ لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلما نلتها تاقت إلى الخلافة، فلما نلتها تاقت إلى الجنة! (٤) ٦ - أثر الوالدين، ودورهما في التربية الصحيحة: فأثر الوالدين في التربية عظيم، ودورهما في إعلاء همم الأولاد خطير وجسيم؛ فإذا كان الوالدان قدوة في الخير، وحرصا على تربية الأولاد، واجتهدا في تنشئتهم على كريم الخلال وحميد الخصال، مع تجنيبهم ما ينافي ذلك من مساوئ الأخلاق ومرذول الأعمال – فإن لذلك أثراً عظيماً في نفوس الأولاد؛ لأن الأولاد سيشبون – بإذن الله – متعشقين للبطولة، محبين لمعالي الأمور، متصفين بمكارم الأخلاق، مبغضين لسفساف الأمور، نافرين عن مساوئ الأخلاق. ٧ - النشأة في مجتمع مليء بالقمم: فمن بواعث الهمة، ومهيئات النبوع – أن يشب الناشئ الذكي في مجتمع مليء بالقمم الحقيقية من الأبطال المجاهدين، والعلماء العاملين؛ فهذا مما يحرك همته، ويبعث عزمته؛ كي يحذو حذوهم، ويسير على نولهم. ٨ - تقديم النوابغ، ورعاية المواهب:

стр. 450

فالنوابغ يحتاجون إلى توجيه مستمر، وإلى رعاية وصيانة، وإلى أن تهيء لهم مقومات النبوغ والألمعية. فإذا نشأ الألمعي النابغة في مجتمع يقدره قدره، وينظر إليه بعين الإكبار والتجلة – هفت نفسه لكل فضيلة، ورنت عينه إلى كل بطولة، فيزداد بذلك جدا في الطلب، وسعياً إلى أقصى درجات الكمال. ٩ - وجود المربين الأفذاذ، والمعلمين القدوات: الذين يستحضرون عظم المسؤولية، ويستشعرون ضخامة الأمانة، والذين يتسمون ببعد النظرة، وعلو الهمة، وسعة الأفق وحسن الخلق، والذين يتحلون بالحلم والعلم، والصبر والشجاعة، وكرم النفس والسماحة. ١٠ - الأحداث التي تمر بالأمة: فالأحداث الجسام التي مرت بالأمة هي مما يبعث الهمم، ويوقظ العزائم؛ لأن تلك الأحداث بمثابة جرس الإنذار، وناقوس الخطر الذي يؤذن بهلاك الأمة وفنائها. فإذا رأت الأمة ما هي عليه من الضعف، والتردي، وتسلط الأعداء – بدأت في التفكير السليم، والعمل الجاد، الذي ترد به المعتدي، وتستعيد به عزها ومجدها. ١١ - المواقف التي تمر بالإنسان: فكما أن الأحداث والمواقف التي تمر بالأمة تكون سبباً من أسباب علو الهمة – فكذلك الفرد نفسه إذا مرت به أحداث ومواقف، وتقلبات في حياته، من محن، وبلايا وغير ذلك – فإنها تؤثر فيه، وتترك أثرها في نفسه، وقد تكون سبباً لنهوضه ورفعته. ١٢ - مطالعة سير الأبطال والمصلحين والنابغين: فإن مطالعة سيرهم، وقراءة تراجمهم، المحررة بأقلام تشرح نواحي العظمة فيهم، وتصف آثارهم، وتبين ما يخصه بهم عظماء الرجال من تقدير وتمجيد – كل ذلك مما يبعث الهمة، ويوقظ العزمة؛ ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام القارئ، وتوحي بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم. ١٣ - استشعار المسؤولية: وذلك بأن يستشعر الإنسان مسؤوليته، ويعمل ما في وسعه ومقدوره، ويحذر كل الحذر من التهرب من المسؤولية، والإلقاء باللائمة والتبعة على غيره؛ ذلك أن المسؤولية في الإسلام عامة، تشمل كل فرد من المسلمين؛ فهم جميعاً داخلون في عموم قوله – ﷺ : ((كلكم راع وكلم مسؤول عن رعيته)) (١). فالمسؤولية مشتركة، كل امرئ بحسبه، هذا بتعليمه وكلامه، وهذا بوعظه وإرشاده، وهذا بقوته وماله، وهذا بجاهه وتوجيهه إلى السبيل النافع وهكذا. ١٤ - السلامة من الغرور ومن المبالغة في احتقار النفس: فهذان الأمران من أعظم الأسباب لدنو الهمم، والسلامة منهما من أعظم الأسباب لعلوها. أما الغرور فهو أن يحتقر المرء كل من عداه، وأن يتطاول إلى ما ليس في قدرته، وأن يتدخل فيما ليس من شأنه، وأن يحكم على ما لم يخط به علمه ... أما المرض الثاني فهو المبالغة في احتقار النفس؛ فتجد من الناس من هو محطم النفس، مسلوب الإرادة، فاقد الأمل، قليل الثقة بنفسه وبأمته، لا يرى أن باستطاعته أن يقوم بشيء في هذه الحياة. وما أقسى هذا الداء، وما أمره على الأمة؛ إذ يشل حركتها، ويجعلها ذليلة أمام كل جبار، ضعيفة أمام كل قوي) (٢).

стр. 451

نماذج من علو همة النبي ﷺ : (الرسول ﷺ هو الأسوة الحسنة، والقدوة الرائعة، في علو الهمة والشجاعة والإقدام، وقد ثبت أنه ﷺ كان إذا حمي الوطيس في الحرب كان أكثر الناس شجاعة، وأعظمهم إقداماً، وأعلاهم همة، وقد قاد صلوات الله عليه بنفسه خلال عشر سنين سبعاً وعشرين غزاة، وكان يتمنى أن يقوم بنفسه كل البعوث التي بعثها والسرايا التي سيرها، ولكن أقعده عن ذلك أنه كان لا يجد ما يزود به جميع أصحابه للخروج معه في كل بعث، وكان أكثرهم لا تطيب نفسه أن يقعد ورسول الله قد خرج إلى الجهاد. - روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده، لولا أن رجالاً من المسلمين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيى، ثم أقتل ثم أحيى، ثم أقتل ثم أحيى، ثم أقتل)) (١). فأية همة علية أعلى من هذه الهمة النبوية) (٢). - وكان ﷺ القدوة في الهمة العالية في العبادة فعن عائشة ﵂ قالت أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يارسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (٣). - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ليلة فأطال القيام، حتى هممت بأمر سوء، قيل وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه (٤). فعلو همته ﷺ لا تنحصر بالأمثلة فحياته كانت مليئة بالهمم العالية.

стр. 452

نماذج للصحابة في علو الهمة: الصحابة ﵃ قد ضربوا لنا أروع الأمثلة في الهمة العالية والتضحية في سبيل هذا الدين سواء كان في الجهاد في سبيل الله أو في طلب العلم وكذا سار التابعون على منوالهم وإليك بعض من النماذج. علو الهمة في طلب العلم: ١ - عبد الله بن مسعود: - عن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال: ((يا غلام، هل من لبن؟ قال: قلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال: فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ فأتيته بشاة، فمسح ضرعها، فنزل لبن، فحلبه في إناء، فشرب، وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: اقلص فقلص، قال: ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله، علمني من هذا القول، قال: فمسح رأسي، وقال: يرحمك الله، فإنك غليم معلم)) (١). - وعنه أيضاً قال: (والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم) (٢)، قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادا يقول غير ذلك ٢ - أبو هريرة ﵁: - عن أبي هريرة ﵁، قال: يقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث، والله الموعد، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه؟ وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينا، ألزم رسول الله ﷺ على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقال النبي ﷺ يوما: ((لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها، حتى قضى النبي ﷺ مقالته، ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق، ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا، والله لولا آيتان في كتاب الله، ما حدثتكم شيئا أبدا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى [البقرة: ١٥٩] إلى قوله الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٠])) (٣). - وعنه أيضاً قال: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودي، ولا صفق بالأسواق إني إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها وأكلة يطعمنيها، فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه (٤). ٣ - جابر بن عبد الله الأنصاري:

стр. 453

- عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيرا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرا، حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني، واعتنقته، فقلت: حديثا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت، أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يحشر الناس يوم القيامة - أو قال: العباد - عراة غرلا بهما. قال: قلنا: وما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار، أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق، حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولأحد من أهل النار عنده حق، حتى أقصه منه، حتى اللطمة قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عراة غرلا بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات)) (١). ٤ - عبد الله بن عباس ﵄: - عن ابن عباس ﵁ قال: (لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبا لك يا ابن عباس، أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم، قال: فتركت ذاك وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ ما جاء بك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك؟، فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، قال: فأسأله عن الحديث، فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألوني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني) (٢). علو الهمة في الجهاد: ١ - أنس ابن النضر ﵁: - عن أنس، ﵁ قال: ((غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس كنا نرى، أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية (٣). ٢ - سعد بن خيثمة ﵄: - عن سليمان بن بلال- ﵁ أن رسول الله ﷺ لما خرج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعا الخروج معه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأمر أن يخرج أحدهما، فاستهما، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد- ﵄: إنه لابد لأحدنا من أن يقيم، فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنة لأثرتك به، إني أرجو الشهادة في وجهي هذا، فاستهما، فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر، فقتله عمرو بن عبد ود ... الحديث (٤). ٣ - عمير بن أبي وقاص ﵁: - عن سعد- ﵁ قال: رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله ﷺ يوم بدر يتوارى، فقلت: ما لك يا أخي؟، قال: إني أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال: فعرض على رسول الله ﷺ فرده، فبكى فأجازه، فكان سعد- ﵁ يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره فقتل وهو ابن ست عشرة سنة (٥).

стр. 454

نماذج للسلف في علو الهمة: علو الهمة في طلب العلم: ١ - سفيان الثوري: - عن أبي شهاب الحناط قال: بعثت أخت سفيان الثوري معي بجراب إلى سفيان وهو بمكة فيه كعك وخشكنانج. فقدمت مكة فسألت عنه فقيل لي إنه ربما قعد دبر الكعبة مما يلي باب الحناطين. قال فأتيته هناك. وكان لي صديقا. فوجدته مستلقيا فسلمت عليه فلم يسائلني تلك المسائلة ولم يسلم علي كما كنت أعرف منه. فقلت له: إن أختك بعثت إليك معي بجراب فيه كعك وخشكنانج. قال: فعجل به علي. واستوى جالسا. فقلت: يا أبا عبد الله أتيتك وأنا صديقك فسلمت عليك فلم ترد علي ذاك الرد. فلما أخبرتك أني أتيتك بجراب كعك لا يساوي شيئا جلست وكلمتني. فقال: يا أبا شهاب لا تلمني فإن هذه لي ثلاثة أيام لم أذق فيها ذواقا. فعذرته (١). وعن سفيان بن عيينة، قال: جاع سفيان الثوري جوعا شديدا مكث ثلاثة أيام لا يأكل شيئا فمر بدار فيها عرس فدعته نفسه إلى أن يدخل فعصمه الله ومضى إلى منزل ابنته فأتته بقرص فأكله وشرب ماء فتجشى ثم قال: سيكفيك عما أغلق الباب دونه ... وضن به الأقوام ملح وجردق وتشرب من ماء فرات وتغتدي ... تعارض أصحاب الثريد الملبق تجشى إذا ما هم تجشوا كأنما ... ظللت بأنواع الخبيص تفتق ٢ - القاضي شريك بن عبد الله النخعي: - عن يزيد بن يحيى قال: (مر شريك القاضي بالمستنير بْن عَمْرو النخعي، فجلس إليه فَقَالَ: يا أبا عَبْد اللهِ، من أدبك؟ قال: أدبتني نفسي والله، ولدت ببخارى من أرض خراسان، فحملني ابن عم لنا حتى طرحني عند بني عم لي بنهر صرصر، فكنت أجلس إِلَى معلم لهم تعلق بقلبي يعلم القرآن؛ فجئت إِلَى شيخهم فقلت: يا عماه الذي كنت تجري علي ها هنا أجره علي بالكوفة أعرف بها السنة والجماعة وقومي، ففعل؛ قَالَ: فكنت بالكوفة أضرب اللبن وأبيعه فأشتري دفاتر وطروساً فأكتب فيها العلم والحديث ثم طلب الفقه فقلت: ما نرى ? فَقَالَ المستنير بْن عَمْرو لولده: قد سمعتم قول ابن عمكم وقد أكثرت عليكم، فلا أراكم تفلحون فِيْهِ فليؤدب كل رجل نفسه ثم من أحسن فلها، ومن أساء فعليها) (٢). - وعن عمر بن الهياج بن سعيد: قال: (كنت من صحابة شريك، فأتيته يوما وهو في منزله باكرا، فخرج إلي في فرو ليس تحته قميص، عليه كساء. فقلت له: قد أضحت عن مجلس الحكم، فقال: غسلت ثيابي أمس فلم تجف، فأنا أنتظر جفوفها، اجلس. فجلست فجعلنا نتذاكر باب العبد يتزوج بغير إذن مواليه، فقال: ما عندك فيه؟ ما تقول فيه؟ ... ) (٣).

стр. 455

نماذج للعلماء المتقدمين في علو الهمة: ١ - أبو الفرج ابن الجوزي: يصف ابن الجوزي علو همته في طلب العلم وهو يخاطب ابنه فيقول: (وانظر يا بني إلى نفسك عند الحدود، فتلمَّح كيف حِفظُكَ لها؟ فإنه من راعى رُوعي، ومن أهملَ تُرِك ... فإني أذكر نفسي ولي همةٌ عالية وأنا في المكتب ولي نحو من ست سنين، وأنا قرينُ الصبيان الكبار قد رُزِقتُ عقلاً وافرًا في الصغر يزيدُ على عقلِ الشيوخ، فما أذكر أني لعبتُ في طريقٍ معَ صبيٍ قط، ولا ضحِكتُ ضحكًا جارحًا، حتى إني كنتُ ولي سبعُ سنين أو نحوُها أحضرُ رحبةَ الجامع، ولا أتخيّرُ حلقةَ مشعبذٍ، بل أطلب المحدّث، فيتحدث بالسند الطويل، فأحفظُ جميعَ ما أسمع، وأرجع إلى البيت فأكتبه. ولقد وُفِّقَ لي شيخنا أَبُو الفضل ابن ناصر ﵀، فكان يحملني إلى الأشياخ، وأسمعني (المسندَ) وغيرَه من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يُراد مني، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت، فناولني ثبتها، ولازمته إلى أن توفي ﵀، فأدركتُ به معرفة الحديث والنقل. ولقد كان الصبيان ينزلون دِجلة، ويتفرجون على الجسر، وأنا في زمن الصغر آخذ جزءًا، وأقعد حُجزةً من الناس إلى جانب الرِّقة فأتشاغلُ بالعلم) (١). ثم قال: (ولم أقنع بفن واحد من العلم، بل كنت أسمع الفقه والوعظ والحديث وأتّبع الزهاد. ثم قرأت اللغة ولم أترك أحدًا ممن قد انزوى أو يعظ، ولا غريبًا يقدُمُ إلا وأحضره وأتخيّر الفضائل ... ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفَسي من العَدْوِ لئلا اُسبَق، وكنت أصبح وليس لي ما آكل، وأمسي وليس لي شيء، وما أذلني الله لمخلوق، ولكنه ساق رزقي لصيانة عِرضي، ولو شرحتُ أحوالي لطال الشرح) (٢). ٢ - يحيى بن شرف النووي: كان النووي عالي الهمة في طلب العلم منذ صغره، فقد ذكر ابن داود العطار عن ياسين بن يوسف المراكشي قال: (رأيت الشيخ محيي الدين، وهو ابن عشر سنين بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم، ويبكي، لإكراههم، ويقرأ القرآن في هذه الحالة فوقع في قلبي محبته، وجعله أبوه في دكان فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن، قال: فأتيت الذي يقرئه القرآن، فوصيته به، وقلت له: هذا الصبي يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم، وينتفع الناس به، فقال لي: أمنجم أنت؟ فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك، فذكر ذلك لوالده، فحرص عليه، إلى أن ختم القرآن وقد ناهز الاحتلام (٣).

стр. 456

نماذج للعلماء المعاصرين في علو الهمة: ١ - محمد الأمين الشنقيطي: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب (أضواء البيان) (حفظ القرآن في بيت أخواله وعمره عشر سنوات، وتعلم رسم المصحف العثماني عن ابن خاله وقرأ عليه التجويد في مقرأ نافع برواية ورش، وقالون من رواية أبي نشيط، وعمره ست عشرة سنة ... وقد صور الشيخ شدة انشغاله في شأن طلب العلم في شبابه، بقوله ﵀: ومما قلت في شأن طلب العلم، وقد كنت في أخريات زمني في الاشتغال بطلب العلم دائم الاشتغال به عن التزويج؛ لأنه ربما عاق عنه، وكان إذ ذاك بعض البنات ممن يصلح لمثلي يرغب في زواجي ويطمع فيه، فلما طال اشتغالي بطلب العلم عن ذلك المنوال، أيست مني، فتزوجت ببعض الأغنياء، فقال لي بعض الأصدقاء: إن لم تتزوج الآن من تصلح لك؛ تزوّجتْ عنك ذوات الحسب والجمال، ولم تجد من يصلح لمثلك. يريد أن يُعجلني عن طلب العلم، فقلت في ذلك هذه الأبيات: دعاني الناصحون إلى النكاح ... غداة تزوجت بيض الملاح فقالوا لي تزوج ذات دلٍّ ... خلوب اللحظ جائلة الوشاح ضحوكاً عن مؤشرة رقاق ... تمج الراح بالماء القراح كأن لحاظها رشقات نبل ... تذيق القلب آلام الجراح ولا عجب إذا كانت لحاظ ... لبيضاء المحاجر كالرماح فكم قتلت كميا ذا دلاص ... ضعيفات الجفون بلا سلاح فقلت لهم دعوني إن قلبي ... من الغيِّ الصُّراح اليوم صاح ولي شغل بأبكار عذاري ... كأن وجوهها غرر الصحاح أبيت مفكرا فيها فتضحي ... لفهم الفدم خافضة النجاح) (١) ٢ - محمد ناصر الدين الألباني: كان الشيخ الألباني همته عالية وشغفه بالعلم ليس له حدود في عصر وصف بـ (عصر الفتن والغوايا وخساسة الهمم، عصر الزهد في العلم، والقصور في طلبه) (٢). فقيض الله لهذه الأمة عالماً (بكَّر في طلبه للعلم ودوَّنه، وصبر على تلقيه صبرا طويلا، وحرض شباب الأمة على طلبه، ودلهم على مصادره ومظانه) (٣). فاهتم بعلم الحديث وأصبح شغله الشاغل (حتى كان يغلق محله ويذهب إلى المكتبة الظاهرية ويبقى فيها اثنتي عشرة ساعة، لا يفتر عن المطالعة والتعليق والتحقيق، إلا أثناء فترات الصلاة، وكان يتناول طعامه البسيط في المكتبة في كثير من الأحيان فيها ... ولهذا قدّرته إدارة المكتبة، فخصصت له غرفة خاصة به؛ ليقوم فيها مع بعض أمهات المصادر بأبحاثه العلمية المفيدة، فكان يدخل قبل الموظفين صباحاً، وفي بعض الأحيان كان من عادة الموظفين الانصراف إلى بيوتهم ظهرا ثم لا يعودون؛ ولكن الشيخ يبقى في المكتبة ما شاء الله له البقاء فربما يصلي العشاء ثم ينصرف. وإن كل من رآه في المكتبة يعرف مدى اجتهاده وحرصه على الاستفادة من وقته ... وكان يجيب عن بعض الأسئلة التي توجه إليه وهو ينظر في الكتاب، دون أن يرفع بصره إلى محدثه، بأوجز عبارة تؤدي إلى الغرض ... ) (٤). (ويقول محمد بن إبراهيم الشيباني: الشيخ لم تسنح له الفرصة ليكتب قصة حياته بنفسه؛ لانشغاله بطلب العلم والتنقل في فنونه، وإلا لأصبحت قصته مؤثرة حزينة مبكية، وقد قال لي يوماً: لو كان عندي فسحة من الوقت، لكتبت ما لم تسمع به من القصص. ومن شدة العنت والفقر الذي عاشه الشيخ، أنه كان لا يملك قيمة ورقة يشتريها ليسودها بما مَنَّ الله تعالى عليه من علم فيها فكان يطوف في الشوارع والأزقة يبحث عن الأوراق الساقطة فيها من هنا وهناك ليكتب على ظهرها) (٥).

стр. 457

دلائل عالي الهمة توجد هناك دلائل لأهل الهمم العالية تظهر تلك الهمم نذكرها على شكل نقاط وهي كالتالي: ١ - الزهد في الدنيا. ٢ - المسارعة في الخيرات والتنافس في الصالحات. ٣ - الحياء. ٤ - التطلع إلى الكمال والترفع عن النقص. ٥ - الترفع عن محقرات الأمور وصغائرها ونشدان معالي الأمور وكمالاتها (١). ٦ - الأخذ بالعزائم. ٧ - الاستدراك على ما فات. ٨ - أداء الواجبات وتحمل المسؤوليات. ٩ - الاهتمام بواقع الأمة والسعي لإصلاحه. ١٠ - حسن إدارة الأوقات (٢).

стр. 458

أوصاف عالي الهمة يقال: فلان خطير النفس، رفيع الأهواء، بعيد الهمة، وبعيد مرتقى الهمة، وإن له همة بعيدة المرمى، ونفسا رفيعة المصعد، وإنه ليسمو إلى معالي الأمور، ويصبو إلى شريف المطالب، وتطمح نفسه إلى خطير المساعي، وتنزع همته إلى سني المراتب، وتحفزه إلى بعيد المدارك، وتحثه على طلب الأمور العالية، وتوقل الدرجات الرفيعة، وبلوغ الأقدار الخطيرة. وإن فلانا لطلاع ثنايا، وطلاع أنجد، أي يؤم معالي الأمور، وإنه ليجري في غلاء المجد، ويتوقل في معارج الشرف (١).

стр. 459

علو الهمة في واحة الشعر .. قال علي ﵁: إذا أظمأتك أكف الرجال ... كفتك القناعة شبعاً وريا فكن رجلاً رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا وقال: ما اعتاضَ باذلُ وجهٍ بسؤالهِ ... عِوَضاً ولو نالَ المنى بسؤالِ وإِذا السؤالُ معَ النوالِ وزنتَه ... وجَحَ السؤالُ وخفَّ كُلُّ نوالِ وإِذا ابتُليْتَ ببذلِ وجهِكَ سائلاً ... فابذلْهِ للمتكرمِ المفضالِ وقال: ومحترسٍ من نفسِه خوفَ ذلةٍ ... تكونُ عليه حجةً هي ماهي فقَلِّصَ بُرْدَيهِ وأفضى بقلبهِ ... إِلى البِرِّ والتقوى فنالَ الأمانيا وجانب أسبابَ السفاهةِ والخَنا ... عفافاً وتنزيهاً فأصبحَ عاليِا وصانَ عن الفحشاءِ نفساً كريمةً ... أبتْ همةً إلا العلى والمعاليا تراهُ إِذا ما طاشَ ذو الجهلِ والصَّبا ... حليماً وقوراً ضائنَ النفسِ هاديا له حِلْمُ كهلٍ في صرامةِ حازمٍ ... وفي العينِ إِن أبصرتَ أبصرتَ ساهياً يروقُ صفاءُ الماءِ منه بوجهِه ... فأصبحَ منه الماءُ في الوجهِ صافياً ومن فضلِه يرعى ذِماماً لجارهِ ... ويحفظُ منه العهد إِذا ظلَّ راعيا صَبوراً على صَرْفِ اليالي ودرئِها ... كَتوماً لأسرارِ الضميرِ مُداريا له هِمَّةُ تعلو على كُلِّ همةٍ ... كما قد علا البَدرُ النجومَ الداريا (١) وقال المتنبي: لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال وله أيضا: وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام (٢) وقال أيضاً: ولم أر في عيوب الناس عَيْبًا ... كنقص القادرين على التَّمامِ وقال ابن هانئ الأندلسي: ولم أجِد الإِنسانَ إِلا ابن سعيِه ... فمن كان أسعى كان بالمجدِ أجدرا وبالهمةِ العلياءِ يرقى إِلى العلا ... فمن كان أرقى هِمَّةٍ كان أظهرا ولم يتأخرْ من يريد تقدماً ... ولم يتقدمْ من يريدُ تأخراً (٣) ...

стр. 460

معنى الغيرة لغة واصطلاحاً معنى الغيرة لغة: الغَيْرة بالفتح المصدر من قولك غار الرجل على أَهْلِه قال ابن سيده: وغار الرجل على امرأَته والمرأَة على بَعْلها تَغار غَيْرة وغَيْراً وغاراً وغِياراً (١). معنى الغيرة اصطلاحاً: الغيرة: كراهة الرجل اشتراك غيره فيما هو حقه (٢). وقال الجرجاني: (الغيرة كراهة شركة الغير في حقه) (٣). وقال النووي: (الغيرة بفتح الغين وأصلها المنع والرجل غيور على أهله أي يمنعهم من التعلق بأجنبي بنظر أو حديث أو غيره) (٤).
следующие страницы →