← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١٢ - أن يتخذ الناس مرآة لنفسه: العاقل ينظر لغيره، ويجعلهم مرآه لنفسه، فكل ما كرهه ونفر عنه من قول، أو فعل، أو خلق – فليتجنبه، وما أحبه من ذلك واستحسنه، فليفعله. قال ابن حزم: (لكل شيء فائدة، ولقد انتفعت بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة، وهي أنه توقد طبعي، واحتدم خاطري، وحمي فكري، وتهيج نشاطي، فكان ذلك سبباً إلى تواليف عظيمة المنفعة، ولولا استثارهم ساكني، واقتداحهم كامني، ما انبعثت لتلك التواليف) (١). قال الشاعر: إن السعيد له من غيره عظة ... وفي التجارب تحكيم ومعتبر وقال الظاهر بن الحسين: إذا أعجبتك خصال امرئ ... فكنه يكن منك ما يعجبك فليس على المجد والمكرمات ... إذا جئتها حاجب يحجبك (٢) ...

стр. 37

١٣ - القدوة الحسنة: تعني القدوة هنا أن يكون المربي أو الداعي مثالا يحتذى به في أفعاله وتصرفاته، وقد أشاد القرآن الكريم بهذه الوسيلة فقال عز من قائل: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الممتحنة: ٤]، وقد كان المصطفى ﷺ – ولا يزال- قدوة للمسلمين جميعاً، والقدوة الحسنة التي يحققها الداعي بسيرته الطيبة هي في الحقيقة دعوة عملية للإسلام بكل ما يحمله من مبادئ وقيم تدعو إلى الخير وتحث على الفضيلة. ولأثر القدوة في عملية التربية، وخاصة في مجال الاتجاهات والقيم، كان الرسول ﷺ هو قدوة المسلمين طبقا لما نص عليه القرآن الكريم، وقد استطاع بفضل تلك القدوة أن يحمل معاصريه قيم الإسلام وتعاليمه وأحكامه، لا بالأقوال فقط، وإنما بالسلوك الواقعي الحي، وقد حرصوا على تتبع صفاته وحركاته ورصدها والعمل بها، وما ذلك إلا حرصا منهم على تمثل أفعاله ﷺ ، لقد كان المثل الأعلى لهم. وقد تمثلت في الرسول ﷺ صفات جليلة جعلت منه قدوة بالفعل والقدوة الحسنة هي المثال الواقعي للسلوك الخلقي الأمثل، وهذا المثال الواقعي قد يكون مثالاً حسياً مشاهداً ملموساً يقتدي به، وقد يكون مثالاً حاضراً في الذهن بأخباره وسيره وصورة مرتسمة في النفس بما أثر عنه من سير وقصص وأنباء من أقوال أو أفعال. والقدوة الحسنة تكون للأفراد على صفة أفراد مثاليين ممتازين، وتكون للجماعات على صفة جماعات مثالية ممتازة ... ووجه القرآن الكريم بصراحة تامة إلى القدوة الحسنة، فقال الله تعالى في سورة (الأحزاب): لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١]. ففي هذا النص إرشاد عظيم من الله ﵎ للمؤمنين أن يجعلوا رسول الله ﷺ قدوة حسنة لهم، يقتدون به، في أعماله، وأقواله، وأخلاقه، وكل جزئيات سلوكه في الحياة فهو خير قدوة يقتدي بها الأفراد العاديون، والأفراد الطامحون لبلوغ الكمال الإنساني في السلوك. وجعل الله الذين آمنوا معه وصدقوا وأخلصوا واستقاموا أمثلة رائعة يقتدى بها في معظم الفضائل الفردية والاجتماعية. ولئن انتقل الرسول صلوات الله عليه إلى جوار ربه، فإن سيرته التي تحتوي على جزئيات سلوكه ماثلة لنا. وفيما بلغنا من تراجم أصحابه رضوان الله عليهم ما يكفي لتجسيد القدوة الحسنة للمجتمع المسلم. ثم إن كل عصر من العصور من بعدهم لا يخلو من وجود طائفة من أمة محمد ﷺ تصلح لأن تكون قدوة حسنة، قلت هذه الطائفة أو كثرت، فقد بشر رسول الله ﷺ بذلك في قوله: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال)) (١). وروى الإمام مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)) (٢). وروى البخاري ومسلم عن معاوية قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) (٣). فلا يخلو عصر من عصور الأمة المحمدية من طائفة صالحة، تصلح لأن تكون في عصرها قدوة حسنة للأفراد.

стр. 38

١٤ - مصاحبة الأخيار وأهل الأخلاق الفاضلة: فالمرء مولع بمحاكاة من حوله، شديد التأثر بمن يصاحبه. ومجالستهم تكسب المرء الصلاح والتقوى، والاستنكاف عنهم تنكب عن الصراط المستقيم. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩]. وقال تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣]. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل الجليس الصالح والجليس السوء؛ كمثل صاحب المسك وكير الحداد: لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك، أو تجد منه ريحاً خبيثة)) (١). قال أبو حاتم: (العاقل يلزم صحبة الأخيار، ويفارق صحبة الأشرار؛ لأن مودة الأخيار سريع اتصالها، بطيء انقطاعها، ومودة الأشرار سريع انقطاعها، بطيء اتصالها، وصحبة الأشرار سوء الظن بالأخيار، ومن خادن الأشرار، لم يسلم من الدخول في جملتهم، فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب؛ لئلا يكون مريباً، فكما أن صحبة الأخيار تورث الخير، كذلك صحبة الأشرار تورث الشر) (٢). قال الشاعر: عليك بإخوان الثقات فإنهم ... قليل فصلهم دون من كنت تصحب ونفسك أكرمها وصنها فإنها ... متى ما تجالس سفلة الناس تغضب فالصداقة المتينة، والصحبة الصالحة، لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة. فإذا كان الأمر كذلك، فما أحرى بذلك اللب أن يبحث عن إخوان ثقات؛ حتى يعينوه على كل خير، ويقصروه عن كل شر. قال ابن الجوزي: (ما رأيت أكثر أذى للمؤمن من مخالطة من لا يصلح، فإن الطبع يسرق؛ فإن لم يتشبه بهم ولم يسرق منهم، فتر عن عمله) (٣). قال الناظم: أنت في الناس تقاس ... بالذي اخترت خليلا فاصحب الأخيار تعلو ... وتنل ذكراً جميلا قال العلماء: إنما سمي الصديق صديقاً لصدقه، والعدو عدواً لعدوه عليك.

стр. 39

١٥ - الغمس في البيئات الصالحة: ومن وسائل اكتساب الأخلاق الفاضلة الغمس في البيئات الصالحة، وذلك لأن من طبيعة الإنسان أن يكتسب من البيئة التي ينغمس فيها ويتعايش معها، ما لديها من أخلاق وعادات وتقاليد وأنواع سلوك، عن طريق السراية والمحاكاة والتقليد، وبذلك تتم العدوى النافعة أو الضارة، وفي الحكم السائرة: أن الطبع للطبع يسرق. ويمكن تلخيص التأثير الجماعي على الفرد بالعناصر التالية: ١ - السراية التي تفعل فعلها العميق في كيان الإنسان، وهي من خصائص الاجتماع، وكلما كبر المجتمع كان تأثيره على الفرد الذي ينخرط فيه أكثر. ٢ - القوة المعنوية الجماعية، التي يخشى الأفراد عقوباتها المادية والمعنوية، ويرجون مثوباتها المادية والمعنوية. ٣ - جاذبية الجماعة لعنصر التقليد والمحاكاة الذي يوجد عند الأفراد. ٤ - عنصر المنافسة، وهو من خصائص الجماعة. ٥ - رغبة الأفراد بتقدير الآخرين ومحبتهم له وهذا الدافع لا يتحرك إلا في وسط الجماعة، فاستغلاله من خصائص الجماعة. هذا وقوة الجماعة الخيرة يوجد نظيرها في الجماعة الشريرة الخبيثة، يضاف إليها ميل النفس بفطرتها إلى الأهواء والشهوات التي ترافق رذائل الأخلاق وقبائح الأفعال، لا سيما إذا كان مخالط الأشرار غراً صغيراً غير مضرس في الحياة، وسلطان الغرائز والأهواء فيه أقوى من سلطان العقل والوجدان والضمير.

стр. 40

١٦ - الاختلاف إلى أهل الحلم والفضل وذوي المروءات: فإذا اختلف المرء إلى هؤلاء، وأكثر من لقائهم وزيارتهم؛ تخلق بأخلاقهم، وقبس من سمتهم ونورهم. أ- يروى أن الأحنف بن قيس قال: (كنا نختلف إلى قيس بن عاصم نتعلم منه الحلم كما نتعلم الفقه). ب- كان أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ يرحلون إليه، فينظرون إلى سمته، وهديه، ودله، قال: (فيتشبهون به) (١). ج- قال الإمام مالك: قال ابن سيرين: (كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم. قال: وبعث ابن سيرين رجلاً فنظر كيف هدي القاسم (هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق) وحاله (٢). د- قال القاضي أبو يعلى ﵀: روى أبو الحسين بن المنادي بسنده إلى الحسين بن إسماعيل قال: سمعت أبي يقول: (كنا نجتمع في مجلس الإمام أحمد زهاء على خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون، والباقي يتعلمون منه حسن الأدب، وحسن السمت) (٣). هـ- قال إبراهيم بن حبيب بن الشهيد لابنه: (يا بني، إيت الفقهاء والعلماء، وتعلم منهم، وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن ذاك أحب إلي لك من كثير من الحديث) (٤). ووقال الأعمش: كانوا يأتون همام بن الحارث يتعلمون من هديه وسمته.

стр. 41

١٧ - الضغط الاجتماعي من قبل المجتمع الإسلامي: ضمن مجموعة الوسائل التي اعتمد عليها الإسلام في تقويم الأفراد وإصلاحهم، وإلزامهم بكمال السلوك وفضائل الأخلاق، اعتمد على المجتمع الإسلامي السوي، وذلك لما للمجتمع من سلطة معنوية فعالة ومؤثرة على نفوس الأفراد. وترجع هذه السلطة المعنوية إلى أن الفرد جزء من المجتمع الذي يعيش فيه، وله من مجتمعه مصالح كثيرة مادية ونفسية. وبما أن الإنسان كائن اجتماعي، ولا يستطيع أن يعيش عيشاً سوياً سليماً إلا ضمن مجتمع من الناس، كان ارتباطه بالمجتمع نابعاً من حاجته إليه، والحاجة لشيء ذي إرادة تجعل لهذا الشيء سلطاناً على من كان بحاجة إليه، إذ هو لا يحقق هذه الحاجة من نفسه ما لم يكن راضياً، عندئذ يسعى ذو الحاجة إلى تحقيق رضاه حتى ينال منه حاجته. ومن الحاجات النفسية المرتبطة بالمجتمع حاجة الإنسان إلى التقدير، ولذلك يكدح كثير من الكادحين ليظفروا بتقدير الناس لهم وثنائهم عليهم، ويمنع كثير من الناس أنفسهم من شهوات ملحة، وأهواء يتطلعون إليها، مخافة أن ينظر الناس إليهم بازدراء واحتقار، أو مخافة أن يعاقبوهم بالهجر والقطيعة، أو بالتلويم والتثريب والمذمة، وما ذلك إلا من شعور الفرد بحاجته إلى التقدير، وبحاجته إلى المحافظة على كرامة نفسه بين الناس، وهذا هو الذي يجعل للمجتمع سلطاناً على أفراده. يضاف إلى ذلك أسباب التأثير الجماعي على الفرد، ... وإذ اتخذ الإسلام – ضمن وسائله لإلزام الأفراد بالمنهج الأخلاقي الذي رسمه للناس – وسيلة الضغط الاجتماعي الذي يمارسه المجتمع الإسلامي، فقد عمل بالتربية الفردية النبوية وبالتربية الجماعية على تكوين المجتمع الإسلامي الأول، ثم جعل من هذا المجتمع رقيباً على أفراده، وحارساً ساهراً، ومحاسباً عادلاً، ومعاقباً بأنواع شتى من أنواع العقاب المعنوي، ومؤنباً، وناصحاً، وآمراً بالمعروف، وناهياً عن المنكر. فمن شأن هذا المجتمع أن يملي على من ينشأ فيه، أو ينخرط فيه، فضائل الأخلاق، ومحاسن السلوك، بصفة عملية فعالة قاسرة ...

стр. 42

١٨ - إدامة النظر في السيرة النبوية: فالسيرة النبوية تضع بين يدي قارئها أعظم صورة عرفتها الإنسانية، وأكمل هدي وخلق في حياة البشرية. قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١]. قال ابن حزم ﵀: (من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق – كلها – واستحقاق الفضائل بأسرها؛ فليقتد بمحمد رسول الله ﷺ ، وليستعمل أخلاقه، وسيره ما أمكنه، أعاننا الله على الاتساء به، بمنه، آمين) (١). وبدراسة السيرة النبوية يتم حسن الاقتداء به ﷺ ... ومعرفة شمائله، فإنها تنبه الإنسان على مكارم الأخلاق، وتذكره بفضلها، وتعينه على اكتسابها، والشمائل جمع شمال، وهي السجايا والأخلاق التي كان عليها النبي ﷺ .

стр. 43

١٩ - النظر في سير الصحابة الكرام وأهل الفضل والحلم: السلف الصالح أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الذين ورثوا عن رسول الله ﷺ هديه، وسمته، وخلقه، فالنظر في سيرهم، والاطلاع على أحوالهم – يبعث على التأسي بهم، والاقتداء بهديهم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب: ٢٣]. إن الإحاطة بتراجم أعيان الأمة مطلوبة، ولذوي المعارف محبوبة، ففي مدارسة أخبارهم شفاء للعليل، وفي مطالعة أيامهم إرواء للغليل. (فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها؟ وأي خطة رشد لم يستولوا عليها؟ تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذباً صافياً زلالا، وأيدوا قواعد الإسلام، فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالا) (١). (واعلم تحقيقاً أن أعلم أهل الزمان وأقربهم إلى الحق أشبههم بالصحابة وأعرفهم بطريق الصحابة، فمنهم أخذ الدين، ولذلك قال علي ﵁: خيرنا أتبعنا لهذا الدين) (٢). قال الناظم: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح وكذلك قراءة سير التابعين ومن جاء بعدهم في تراجمهم مما يحرك العزيمة على اكتساب المعالي ومكارم الأخلاق؛ ذلك أن حياة أولئك تتمثل أمام القارئ، وتوحي إليه بالاقتداء بهم، والسير على منوالهم. وجدير بمن لازم العلماء بالفعل أو العلم أن يتصف بما اتصفوا به، وهكذا من أمعن النظر في سيرتهم أفاد منهم (وهكذا كان شأن السلف الصالح، فأول ذلك ملازمة الصحابة – ﵃ – لرسول الله ﷺ ، وأخذهم بأقواله وأفعاله، واعتمادهم على ما يرد منه، كائناً ما كان، وعلى أي وجه صدر ... وإنما ذلك بكثرة الملازمة، وشدة المثابرة ... وصار مثل ذلك أصلاً لمن بعدهم؛ فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي ﷺ ففقهوا، ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية) (٣)، والأخلاق العلية.

стр. 44

٢٠ - سلطان الدولة الإسلامية: وللسلطة المادية التي تمارسها الدولة الإسلامية، أثر فعال في إلزام الأفراد والجماعات، بالمنهج الأخلاقي الذي رسمه الإسلام للناس، وفي تربية نفوسهم وقلوبهم على الفضائل الأخلاقية. ولذلك كان من مهمات الدولة الإسلامية ضبط انتظام الأفراد والجماعات في نظام الأخلاق الإسلامية، بما توليه من رقابة يقظة، وحراسة ساهرة، ومحاسبة للمنحرفين، وتشجيع للسابقين، وتوجيه وتربية، وبناء وصيانة. ولذلك كان من مهمات الدولة الإسلامية وضع الأنظمة المختلفة، المرغبة بالتزام المنهج الأخلاقي الرباني، والرادعة عن مخالفته، واتخاذ مختلف الوسائل النافعة التوجيهية والتربوية لحماية الأخلاق وصيانتها. وربما كان وازع السلطة الإدارية هذا أقوى وازع لإلزام الجماهير بسلوك السبيل الأقوام، وقد جاء في الأثر: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)

стр. 45

أسباب الانحراف عن الأخلاق الإسلامية (ليس للمسلم أفضل من التحلي بالأخلاق الإسلامية الفاضلة، بعيداً عن الأفكار الخاطئة التي يروجها بعض من يدعي العلم الديني، أو يقررها بعض من يريدون الشهرة، بهدف بلبلة أفكار النشء والشباب وبعده عن تعاليم الإسلام. في هذا الزمان انحرف كثير من الناس عن الأخلاق الفاضلة التي دعى إليها الإسلام، فظهر الانحلال في جميع أمور الحياة (اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، وأخلاقية) فنرى سرقة واختلاساً، وإهداراً للمال العام، وذبحاً للأخلاق، وقتلاً للفضيلة، وإعلانات عن متع محرمة، وتقليداً أعمى لأهل الشرك والضلال، وسهرات شيطانية، وتطرفاً عن الدين، وتفككاً في الأسر، وضياعاً لحقوق الزوجية ... الخ. ... فما هي الأسباب التي أدت إلى انحراف كثير من الناس عن أخلاق الإسلام الفاضلة المستمدة من كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ ؟ وهذه الأسباب تتجلى فيما يلي: السبب الأول: البعد عن الله تعالى: وهذا أهم الأسباب، حيث بعد كثير من الناس عن الله، وعن تعاليمه واتباع أوامره، والابتعاد عن نواهيه، واقترب من الشيطان فانحرفت أخلاقه وصار إنساناً شيطانياً. وما أحرى العبد من أن يتمثل كلمات الله ويقتدي بآياته، فالله مالك كل شيء ومليكه، وإن كل ما سوى الله مخلوق له، وأنه سبحانه أوجب على نفسه الرحمة: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]، فكيف لا يرحم من خلقه فسواه فعدله (١). السبب الثاني: اتباع الهوى: أعظم مشكلة تواجه الإنسان في حياته اتباع الهوى، وإذا غلب الهوى على النفس أظلم القلب، وجنح العقل، فلا يسمع الإنسان كلمة الحق، ولا يرى إلا الأباطيل والأشباح المفزعة التي تجعله في حياته تعساً شقياً. إن الهوى عدو العلم والحق، إذ يقود صاحبه لارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وصاحب الهوى ظالم لنفسه فقد حرمها نعمة الإيمان، وحجبها عن نور المعرفة، فعاش حياة الخوف والفزع، وشحن بالحقد والحسد، وأغواه الشيطان فضل عن سواء السبيل (٢)، يقول تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠]، ويقول سبحانه: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ [الروم: ٢٩]. إن أصحاب الهوى يعيشون جل حياتهم في قلق مزمن وخوف دائم، وإن تظاهروا بالسعادة، فإن الحقيقة أن بواطنهم يخيم عليها التعاسة والشقاء الدائم (٣). ويختلف عباد الهوى في ضلالهم، فمنهم من يزعم العلم وما يتبع إلا الظن، ومنهم من يتوهم الهدى وما يعبد إلا الشيطان، ومنهم من يخيل إليه الباطل حقاً والحق باطلاً، ولا يكفي أصحاب الهوى عن التعريض بالمؤمنين، فأمانيهم أن يضلوهم عن طريق الحق، فإن لم يستطيعوا كادوا لهم، وسلطوا عليهم المفسدين لظلمهم والنيل منهم (٤). وقد أمرنا الله تعالى بعدم الالتفات إلى أهل الهوى، وعدم اتباعهم، أو طاعتهم فيما يقولونه ويفعلونه، يقول تعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: ٢٨]، ويقول سبحانه: وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ [محمد: ١٤]. إن الزمان لا يخلو من أهل الهوى كما أنه لا يخلو من أهل الحق، وأهل الهوى هم المنحرفون الضالون عن الطريق المستقيم لا أخلاق لهم ولا فضيلة، وأهل الحق هم أهل الإيمان والتقوى والأخلاق الفاضلة. السبب الثالث: الافتراء على الله: وهذا السبب من الانحراف مرتبط بما قبله، فليس من الصعب على أصحاب الهوى أن يفتروا على الله تعالى بأن يقولوا على الله كذباً، وليس من اليسير أن يلتزموا أدب العبودية وأن يقنتوا لله طائعين خاشعين تائبين. على العبد أن يلتزم الأدب مع ربه، بأن يعرف أنه عبد ضعيف، والله هو القوي، وأنه عبد فقير محتاج على الدوام والله غني عن العالمين. فإذا تجاوز العبد حدوده، وأطلق العنان لهواه، فقد أغواه شيطانه ونازع الله في ملكه، واعترض على حكمه، وتطاول برأيه ليتحدى مشيئة الله وإرادته: مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا [الكهف: ٥].) (٥).

стр. 46

حث الإسلام على الخلق الحسن (لما كانت ثمرات الخلق القويم للسلوك الديني وللسلوك الشخصي عظيمة جداً، وكانت لدى المقارنة أجل من الثمرات التي تحققها المبالغة في أداء كثير من العبادات المحضة. ولما كانت سلامة النفس من المساوئ الخلقية أهم من سلامة السلوك الظاهر من طائفة من المعاصي والذنوب الظاهرة، وكان ما يتحقق بحسن الخلق من رضوان الله تعالى أكثر مما يتحقق بالاستكثار من نوافل العبادات المحضة، كالصلاة والصيام والأذكار اللسانية. لما كان كل ذلك وجدنا النصوص الإسلامية توجه الاهتمام العظيم والعناية الكبرى لقيمة حسن الخلق في الإسلام، وتذكر الخلق الحسن بتمجيد كبير، فمنها النصوص التالية: أولاً: روى الترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم)) (١). وفي حديث عمرو بن عبسة أنه سأل النبي ﷺ : أي الإيمان أفضل؟ قال: ((حسن الخلق)) (٢). فربط الرسول ﷺ الارتقاء في مراتب الكمال الإيماني بالارتقاء في درجات حسن الخلق، وذلك لأن السلوك الأخلاقي النابع من المنابع الأساسية للخلق النفسي في الإنسان، موصول هو والإيمان وظواهره وآثاره في السلوك ببواعث نفسية واحدة. فصدق العبادة لله تعالى عمل (أخلاقي) كريم، لأنه وفاء بحق الله على عبيده. وحسن المعاملة مع الناس وفاء بحقوق الناس المادية والأدبية، فهي بهذا الاعتبار من الأعمال الأخلاقية الكريمة. فإذا تعمقنا أكثر من ذلك فكشفنا أن الإيمان إذعان للحق واعتراف به، رأينا أن الإيمان أيضا هو عمل أخلاقي كريم، بخلاف الكفر بالحق فهو دناءة خلقية. فإذا ضممنا هذه المفاهيم إلى المفهوم الإسلامي العام، الذي يوضح لنا أن كل أنواع السلوك الإنساني الفاضل فروع من فروع الإسلام، والإسلام التطبيقي آثار للإيمان وثمرات عملية له. إذا جمعنا كل هذه المفاهيم وجدنا أن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، كما قال الرسول ﷺ . فأحسن الناس خلقا لابد أن يكون أصدقهم إيماناً وأخلصهم نية، وأكثرهم التزاماً بما يجب على العباد نحو ربهم من عبادة وحسن توجه له وصلة به، وأكثرهم التزاماً بحقوق الناس المادية والأدبية. ومن المستبعد جداً أن يكون الإنسان ذا خلق كريم مع الناس، محباً للحق، معطاء، متواضعاً، صبوراً عليهم، رحيماً بهم، ودوداً لهم، متسامح النفس معهم، ثم لا يكون ذا خلق كريم مع ربه، فلا يؤمن بحق ربوبيته وألوهيته، ولا يذعن له بذلك، ولا يؤدي واجب العبادة له. كما أنه ليس من المعقول أن يكون ذا خلق كريم مع الناس، وهو يأكل حقوقهم ويعتدي عليهم، ويتجاوز حدود الواجب الأدبي الذي توصي به الآداب الاجتماعية الإسلامية، فهذا مناف لما توجبه فضائل الأخلاق، لو كان حقاً ذا خلق كريم.

стр. 47

فالأسس الأخلاقية والأسس الإيمانية ذات أصول نفسية واحدة، وإن كانت بعض التطبيقات العملية التي يطالب بها الإسلام المستند إلى الإيمان قد لا تستدعيها الأسس الأخلاقية وحدها منفصلة عن الإيمان، فلا يظهر بذلك ارتباطها بها، فهي أحكام شرعية، يقتضي الإيمان العمل بها، نظراً إلى أنها أوامر ربانية، والأوامر الربانية توجب الأسس الأخلاقية طاعتها، بوصف كونها طاعة لمن تجب طاعته، لا بوصف كون المطلوب بها ظاهرة لأساس خلقي. فحينما يأمرنا الله تعالى بعبادة خاصة على وجه مخصوص كصلاة ركعات معينة محددة بصفات خاصة وشروط خاصة، فليس من اللازم أن تكون هذه الصلاة بصفاتها الخاصة ظاهرة من ظواهر السلوك الأخلاقي، وذات صلة مباشرة بالأسس الأخلاقية العامة، إذ لله تعالى أن يختار لعبادته أي عمل من الأعمال، وعلى أي شكل من الأشكال، سواء أكان ذلك مما يتصل بالأسس الأخلاقية العامة أو لا يتصل بها. ومع ذلك نقول: إن الفضيلة الخلقية توجب القيام بهذه الطاعة من جهة أن الله أمر بها، إذ الفضيلة الخلقية توجب طاعة الله لأنه الخالق المنعم المالك. ونظير هذا نقول في طاعة الوالدين وبرهما، وفي طاعة أولي الأمر من المسلمين المؤمنين، وهكذا. أما قول الرسول ﷺ في الحديث: ((وخياركم خياركم لنسائهم)) (١). فيكشف الرسول ﷺ فيه أدق الموازين والكواشف التي تكشف عن حقيقة خلق الإنسان، فأحسن الناس خلقاً في معاملة ومعاشرة النساء هم أحسنهم خلقاً، فهم بسبب ذلك خيارهم، لأن خير الناس هم أحسنهم خلقاً. ومن المعروف أن الإنسان قادر على أن يتصنع التظاهر بمكارم الأخلاق وفضائل السلوك إلى فترة معينة، ومع بعض الناس، أما أن يتصنع ذلك في كل الأوقات ومع كل الناس فذلك من غير الممكن ما لم يكن فعلا ذا خلق كريم. والمحك الذي يمتحن فيه الإنسان امتحاناً صحيحاً ودقيقاً لمعرفة حقيقة خلقه الثابت، هو المجتمع الذي يكون له عليه سلطة ما، وله معه معاشرة دائمة، ومعاملة مادية وأدبية. فإرادة التصنع تضعف حينما يشعر الإنسان بأن له سلطة ونفوذاً، ثم تشتد ضعفاً حينما تطول معاشرته لمن له عليه سلطة، ثم تتلاشى هذه الإرادة حينما تتدخل المعاملة المادية والأدبية، فإذا ظل الإنسان محافظاً على كماله الخلقي في مجتمع له عليه سلطة، وله معه معاشرة دائمة، ومعاملة مادية وأدبية، فذلك هو من خيار الناس أخلاقاً. وأبرز أمثلة هذا المجتمع الذي تتوافر فيه هذه الشروط هو مجتمع أسرة الإنسان، وماله من سلطان فيه على نسائه، وهن الضعيفات بالنسبة إليه. يضاف إلى ذلك أن النساء قد تبدو منهن تصرفات أو مطالب تخرج الحليم عن حلمه، والرصين عن رصانته، والسمح عن سماحته، والصدوق عن التزام الصدق، فإذا ثبت الإنسان على خلقه الفاضل رغم وطأة محرجاتهن التي يتبعن فيها أهواءهن، فإنه من خيار الناس خلقاً. وكم يظهر الإنسان أنه حسن الخلق، فإذا سافرت معه أو عاملته بالدرهم والدينار انكشف عن صاحب خلق سيء. ثانياً: وروى الترمذي بإسناد صحيح عن أبي الدرداء، أن النبي ﷺ قال: ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)) (٢).

стр. 48

أي يبغض الذي يفعل الفحش ويقول الفحش، ويتكلم ببذيء الكلام، وهو رديئه وقبيحه، الذي يتحدث عن العورات والرذائل وما ينبغي من الأشياء والأعمال ستره. وفي هذا الحديث يقرر الرسول ﷺ أن أثقل الفضائل في ميزان المؤمن يوم القيامة الخلق الحسن. وقد يشكل هذا على بعض الناس فيقول: إن الإيمان بالله وحسن الصلة به أفضل الأعمال، وكذلك توحيد الله والإخلاص له في العبادة، وإذا كانت هذه أفضل الأعمال فهي أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة؛ فكيف يقول الرسول ﷺ : ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق))؟! ولكن هذا الإشكال لا يلبث أن ينحل إذا عرفنا أن الإيمان وعبادة الله مما توجبه الأسس الأخلاقية، ومن أولى الواجبات التي تفرضها مكارم الأخلاق. وأن الكفر بالله ورفض عبادته وطاعته من أقبح رذائل الأخلاق – كما سبق بيانه في شرح الحديث السابق – لأنه إنكار للحق من عدة وجوه: فهو إنكار لربوبية الله – مع أن كون الله رب كل شيء وخالق كل شيء؛ حقيقة تفرض نفسها على كل منصف محب للحق – وهو جحود لألوهية الله واستكبار عن عبادته، وهو تمرد على حق الله تجاه عباده في أن يعبدوه ويطيعوه، مع أن المنعم عليهم بالنعم الكثيرة التي لا يحصونها، وظاهر أن جحود النعمة وعدم القيام بواجب الشكر عليها من أقبح رذائل الأخلاق. فالإيمان الذي هو أثقل الفضائل عند الله تعالى هو مظهر من مظاهر الكمال الخلقي في الإنسان، وإذا تتبعنا الأعمال وجدنا العبادات أيضاً من مظاهر الكمال الخلقي في الإنسان. وعندئذ يتضح لنا بجلاء أن أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة حسن خلقه، لأن صدق إيمانه وسلامة يقينه وإخلاص نيته، كل ذلك من ثمرات فضائله الخلقية. ولما كان الفحش والبذاءة من مظاهر الرذائل الخلقية النفسية كان الفاحش البذيء من الذين يبغضهم الله . ثالثاً: وروى الترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: ((تقوى الله وحسن الخلق. وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الفم والفرج)) (١). فتقوى الله وحسن الخلق من أحب الأعمال إلى الله، فهما أكثر ما يدخل الناس الجنة. وفي كون الفم والفرج أكثر ما يدخل الناس النار إشارة إلى عناصر متصلة بسوء الخلق، إذ جعلها الرسول ﷺ في مقابل التقوى وحسن الخلق. والمراد من الفم والفرج ما يعمل الإنسان بهما من أعمال محرمة، فالفم يصدر عنه الكفر بالله، والكذب، وشهادة الزور، والغيبة، والنميمة، والطعن، والتعبير والتنقيص، واللمز، والتنابز بالألقاب، والدعوة إلى الباطل، ونشر الباطل، والحكم بغير الحق، وغير ذلك من أمور كثيرة، تنافي التقوى وتنافي مكارم الأخلاق. والفرج يصدر عنه أعمال محرمة أخرى تنافي التقوى وتنافي مكارم الأخلاق. رابعاً: وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً)) (٢).

стр. 49

وروى الترمذي بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن من أحبكم إلى وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون)) (١). الثرثارون: هم الذين يكثرون الكلام ويتكلفونه. المتشدقون: هم الذين يتكلمون بملء أفواههم، ويتصنعون القول تصنعاً مع التعاظم به والتعالي به على الناس. خامساً: وروى أبو داود عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)) (٢). ويظهر أن السبب في هذا أن من يلزم التقيد بالأخلاق الحسنة ابتغاء مرضاة الله، لابد أن يتعرض في حياته الاجتماعية إلى ما يستدعي منه أخلاقاً حسنة في معظم أوقاته، وهذا يجعله في حالة عبادة دائمة، يغالب فيها نفسه بالصبر وتحمل مشقة مخالفة الهوى، لذلك فهو يدرك بحسن خلقه درجة الصائم الذي لا يفطر، ودرجة القائم الذي لا يفتر. يضاف إلى هذا أن حسن الخلق عبادة ذات آثار اجتماعية تنفع خلق الله، وتوحد كلمتهم، وتبعد عنهم عوامل الفرقة والخلاف، أما الصيام والقيام فهما عبادتان قد لا تنتج عنهما بشكل مباشر آثار اجتماعية تنفع عباد الله، وقد يكون أمرهما قاصراً على فاعلهما، وصلة خاصة يتوجه بها الإنسان إلى ربه، ولا يخفى أن عبادة الله ذات أثرين أعلى من عبادة ذات أثر واحد. على أن حسن الخلق لا يغني عن فروض العبادات، وكذلك كل الفروض الإسلامية لا يغني بعضها عن بعض، فالصلاة المفروضة لا تغني عن الصيام المفروض، وأداء الصلاة والصيام المفروضين لا يغني عن أداء الزكاة، ولا عن أداء فريضة الحج، وكل هذه الفروض لا تغني عن فريضة الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. سادساً: وروى أبو داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)) (٣). زعيم: أي كفيل. ربض الجنة: ربض المكان نواحيه وما حوله من خارجه، كحريم المسجد، وكالأبنية التي تكون حول المدن، وهي الأمكنة التي تربض فيها الأنعام. فمن ترك المراء – أي الجدل في أمور الدنيا ولحظ النفس – بني الله له بيتاً في ربض الجنة، أي استحق دخول الجنة لهذا العمل الذي يخالف فيه هوى نفسه. ومن ترك الكذب في كل الأحوال ومنها حالات المزاح بنى الله له بيتاً في وسط الجنة، لأن من يحفظ لسانه من كل الكذب ابتغاء مرضاة الله هو ذو مرتبة عالية في الأخلاق الحميدة وفي تقوى الله وأعمال البر، إذ ترك الكذب والتزام الصدق مجمع لجملة كبيرة من الفضائل الخلقية، والمصالح الاجتماعية العلمية والعملية. أما جماع الفضائل كلها فهو حسن الخلق بوجه عام.

стр. 50

سابعاً: وروى مسلم عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)) (١). البر: هو جماع أفعال الخير، وقد عرفه الرسول ﷺ بأنه حسن الخلق، فهذا يدل على أن حسن الخلق يشتمل على جماع أفعال الخير، والاتساع فيما يقرب إلى الله تعالى ويرضيه سبحانه. أما كون الإثم ما حاك في نفس الإنسان وكره أن يطلع عليه الناس، ففيه إشارة إلى الضمير الأخلاقي الذي فطر الله الناس عليه، وهذا الضمير يحس بالفضيلة الخلقية كما يحس الإثم، وحينما يحس بالإثم يلامس نفسه شعور خاص به، وحينما يحدث هذا الشعور في النفس يقدر الإنسان أن ما أحس به من شأنه أن يحس به كل إنسان آخر إذا اطلع عليه، لأن الناس يشتركون معه في القدرة على الإحسان بالإثم، لذلك فهو يكره أن يطلع عليه الناس، لئلا يخسر مكانته في نفوسهم حينما يعلمون أنه امرؤ آثم. وهذا المقياس النبوي مقياس صحيح دقيق عند ذوي القلوب المؤمنة، التي لم تفسد موازينها الفطرية بارتكاب القبائح والآثام. ثامناً: وروى البخاري ومسلم عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : ((إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)) (٢). الألد: هو شديد الخصومة. الخصم: هو كثير الخصومة، المولع بها حتى تصير الخصومة عادة له. وظاهر أن الخصم الألد سيء الخلق من درجة شديدة القبح، وقد أبان الرسول ﷺ أنه أبغض الرجال إلى الله. تاسعا: وروى الترمذي بإسناد حسن عن أبي ذر وعن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ قال: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) (٣). ففي هذا الحديث إرشاد إلى قواعد السلوك الكبرى، التي من التزمها فقد أخذ سبيله لارتقاء مراتب المجد والكمال الإنساني. وهذه القواعد ترشد إلى المنهج الخلقي العام، الشامل لجانبي علاقة الإنسان بربه وعلاقة الإنسان بالناس. أما ما يدعو إليه الواجب الأخلاقي بالنسبة إلى علاقة الإنسان بربه، فهو تقوى الله في أي مكان ظاهر أو خفي يكون فيه الإنسان، وذلك لأن الواجب الأخلاقي يفرض على الإنسان طاعة من خلقه فسواه فعدله، فأنعم عليه بالنعم التي لا يستطيع إحصاءها، ويفرض عليه أيضاً حمده وشكره وعبادته، وكل هذه الواجبات يجمعها تقوى الله في السر والعلن، وهذا ما دلت عليه القاعدة الأولى: ((اتق الله حيثما كنت)). وحينما يتقي الإنسان ربه في كل أحواله الظاهرة والباطنة فلابد أن يكون مخلصاً لله في تقواه، وفي هذا تكمن الروح الأخلاقية السامية البعيدة عن النفاق والرياء والسمعة وطلب الثناء من الناس، أو اجتلاب المصالح النفسية أو المادية منهم. هذه هي القاعدة الأولى: وأما القاعدة الثانية وهي قول الرسول ﷺ : ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها)) ففيها إرشاد إلى منهج الإصلاح والتقويم، وتدارك النهوض بالنفس بعد سقوطها بارتكاب السيئة، وهذا المنهج ترسمه هذه القاعدة أضبط رسم. فمن سقط بارتكابه السيئة في حالة من حالات الضعف الإنساني فعليه أن يتبع هذه السيئة حسنة مستمدة من منابع الضمير الأخلاقي، فإن للحسنات قوة سبق عجيبة بفضل الله، إذ تمر على السيئات التي كانت قد انطلقت قبلها فتردها وتمحو أثرها عند الله، وتعود نفس المؤمن بالله إلى براءتها ونقائها الخلقي، بعد أن أصابها ما أصابها من أدناس السيئات. وهذه القاعدة مستمدة من قول الله تعالى في سورة (هود):

стр. 51

وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود: ١١٤]. وأما القاعدة الثالثة وهي قول الرسول ﷺ : ((وخالق الناس بخلق حسن)): فهي تحدد المنهج العام الذي يجب على الإنسان أن يسلكه في علاقاته بالناس، وعنوان هذا المنهج أن يخالق الناس بخلق حسن، أي أن يعاملهم في كل علاقاته معهم بالخلق الحسن. عاشراً: ولما كان حسن الخلق يحتل هذه القيمة العظيمة في الإسلام؛ كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً. روى البخاري ومسلم عن أنس قال: ((كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً)) (١). وأختار الله للثناء على رسوله من دون سائر صفاته العظيمة ما يتحلى به من خلق حسن عظيم، إذ خاطبه بقوله له: وإنك لعلى خلق عظيم. وصح عن الرسول ﷺ أنه قال: ((بعثت لأتمم حسن الخلق)) (٢). رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة، ورواه الإمام مالك في الموطأ. وعن جابر أن النبي ﷺ قال: ((إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال)) (٣)) (٤).

стр. 52

موقف أعداء المسلمين من الأخلاق الإسلامية أدرك أعداء المسلمين الحقائق عن مكارم الأخلاق، فعملوا على إفساد أخلاق المسلمين بكل ما أوتوا من مكر ودهاء، وبكل ما أوتوا من وسائل مادية وشياطين إغواء، ليبعثروا قواهم المتماسكة بالأخلاق الإسلامية العظيمة، وليفتتنوا وحدتهم التي كانت مثل الجبل الراسخ الصلب قوة، ومثل الجنة الوارفة المثمرة خضرة وبهاء وثمراً وماء. إن أعداء المسلمين قد عرفوا أن الأخلاق الإسلامية في أفراد المسلمين تمثل معاقد القوة، فجندوا لغزو هذه المعاقد وكسرها جيوش الفساد والفتنة. ولقد كان غزوهم للأخلاق الإسلامية من عدة جبهات: ١ - لقد عرفوا أن النبع الأساسي الذي يزود الإنسان المسلم بالأخلاق الإسلامية العظيمة، إنما هو الإيمان بالله واليوم الآخر، فصمموا على أن يكسروا مجاري هذا النبع العظيم، ويسدوا عيونه، ويقطعوا شرايينه. ٢ - وعرفوا أن تفهم مصادر الشريعة الإسلامية تفهماً سليماً هو الذي يمد نبع الإيمان بما يتطلبه من معارف، فمكروا بالعلوم الإسلامية، وبالدراسات المتعلقة بها مكراً بالغاً، وذلك ما بين حجب لها تارة، وتلاعب بمفاهيمها أخرى، وتشويه لها أو جحود ومضايقة لروادها ومبلغيها، كل ذلك في حرب مستمرة لا تعرف كللاً ولا مللاً. ٣ - وعرفوا قيمة الإفساد العملي التطبيقي، فوجهوا جنودهم لغمس أبناء المسلمين في بيئات مشحونة بالانحلال الخلقي، بغية إصابتهم بالرذائل الخلقية عن طريق العدوى، وسراية الفساد بقوة تأثير البيئة، واستمراء الشهوات المرتبطة برذائل الأخلاق. ٤ - وعرفوا قيمة إفساد المفاهيم والأفكار، فجندوا جيوش المضللين الفكريين، الذين يحملون إلى أبناء المسلمين الأفكار والمفاهيم والفلسفات الباطلة، ضمن واردات المعارف المادية الصحيحة، ذات المنجزات الحضارية المدهشة، وعن طريق هذا الغزو الفكري الخطير يدخلون السم في الدسم. من أقوال أعداء الإسلام والمسلمين (١): ١ - جاء في خطاب ... (صموئيل زويمر) رئيس إرسالية التبشير في البحرين منذ أوائل القرن العشرين الميلادي، الذي خطبه في مؤتمر القدس التبشيري، الذي انعقد برئاسته سنة (١٩٥٣م) ما يلي: ( ... ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريماً، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام، ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي فلا صلاة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به خلال الأعوام المائة السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم دول المسيحية والمسيحيون جميعاً كل التهنئة ... )!! ٢ - وجاء في نشرة المشرق الأعظم الماسوني الفرنسي لسنة (١٩٢٣م) ما يلي: ( ... وبغية التفريق بين الفرد وأسرته عليكم أن تنتزعوا الأخلاق من أسسها، لأن النفوس تميل إلى قطع روابط الأسرة والاقتراب من الأمور المحرمة، لأنها تفضل الثرثرة في المقاهي على القيام بتبعات الأسرة ... ). ٣ - وجاء في البروتوكول الثاني من المقررات اليهودية السرية ما يلي: ( ... إن الطبقات المتعلمة ستختال زهواً أمام أنفسها بعلمها، وستأخذ جزافاً في مزاولة المعرفة التي حصلتها من العلم الذي قدمه إليها وكلاؤنا، رغبة في تربية عقولهم حسب الاتجاه الذي توخيناه. ولا تتصوروا أن كلماتنا جوفاء، ولاحظوا هنا أن نجاح (دارون) و (ماركس) و (نيتشه) والأثر غير الأخلاقي لاتجاه هذه العلوم في الفكر الأممي – أي عند غير اليهود – سيكون واضحاً لنا على التأكيد)!! ٤ - وجاء في البيان الشيوعي الذي أصدره معلم الشيوعية الأول اليهودي (كارل ماركس) ورفيقه (انجلز) ما يلي: (إن القوانين والقواعد الأخلاقية والأديان أوهام بورجوازية تتستر خلفها مصالح بورجوازية)!! (٢).

стр. 53

الرد على من يقول بنسبية الأخلاق في خطة خبيثة لهدم أبنية الأخلاق، أخذ فريق من الماديين الملحدين ينشرون فكرة شيطانية، يزعمون فيها أن الأخلاق أمور اعتبارية نسبية لا ثبات لها، فهي تختلف من شعب إلى شعب، ومن أمة إلى أمة، ومن زمان إلى زمان. فبعض الأمور تعتبر منافية لمكارم الأخلاق عند شعب من الشعوب، أو أمة من الأمم، في حين أنها غير منافية لمكارم الأخلاق عند شعب آخر أو أمة أخرى، وبعض الأمور كانت في زمان مضى أموراً منافية لمكارم الأخلاق، ثم صارت بعد ذلك أموراً غير منافية لها؛ وهذا يدل على أن الأخلاق مفاهيم اعتبارية تتواضع عليها الأمم والشعوب، وليس لها ثبات في حقيقتها، وليس لمقاييسها ثبات. وحين يتبصر الباحث في أقوال هؤلاء، يستطيع أن يكتشف عناصر المغالطات التي يلتجئون إليها، للتضليل بأفكارهم؛ وهذه المغالطات ترجع إلى مد عنوان الأخلاق مداً يشمل التقاليد والعادات والآداب وبعض الأحكام الدينية التي لا علاقة لها بموضوع الأخلاق من حيث ذاتها، ومفاهيم بعض الناس للأخلاق ولأسسها، مع أنها مفاهيم غير صحيحة، إلى غير ذلك من أمور ليست هي من الأخلاق أصلاً. والغرض من ذلك استغلال أمثلة تخضع للتغير والتبدل من هذه الأمور؛ لنقض حقيقة ثبات الأخلاق بها، ثم لنقض الأخلاق نقضاً كلياً، ونقض الأسس الأخلاقية، والإقناع بأن الأخلاق أمور اعتبارية نسبية تتواضع عليها الأمم، وليس لها ثبات في واقع حالها. وبذلك يسهل على هؤلاء المضلين إفساد الأجيال، حتى تتمرد على جميع الضوابط الأخلاقية، التي تمثل في الأمم قوى ترابطها وتماسكها، وعناصر ارتقائها الإنساني. ومنشأ المشكلة يرجع إلى الخطأ في تحديد مفهوم الأخلاق، وتحديد دوافعها وغاياتها، وتحديد مستوياتها، من قبل كثير من الناس، بما فيهم كثير من الباحثين في علم الأخلاق، من فلاسفة ومفكرين؛ وهذا هو الذي يفتح الثغرة الفكرية التي يعبر منها الخبثاء الماكرون، ليهدموا الأبنية الأخلاقية الحصينة التي تتمتع بها الشعوب العريقة بأمجادها، لاسيما المسلمون الذين سبق أن رفعتهم الأخلاق العظيمة إلى قمة مجد لم يطاولهم فيها أحد. وحين يتبصر الباحث بالأسس الأخلاقية، التي تم فيها تحديد مفهوم الأخلاق وتحديد دوافعها وغاياتها، وتحديد مستوياتها، وفق المفاهيم المقتبسة من التعاليم الإسلامية، يتبين له بوضوح تساقط أقوال الذين يزعمون أن الأخلاق نسبية أو اعتبارية تتواضع عليها الأمم، وليس لها حقائق ثابتة، وذلك لأنه يستطيع أن يكتشف بسرعة عناصر المغالطة التي يصطنعها هؤلاء المضللون، إذ يأتون بأمثلة جزئية يزعمون أنها من الأخلاق، ثم يثبتون أنها أمور اعتبارية أو نسبية تتواضع عليها الأمم، وليس لها حقائق ثابتة في ذاتها، ثم ينقضون بها ثبات الأخلاق نقضاً كلياً، بطريقة تعميمية لا يقبل بها العلم، حتى ولو كانت هذه الأمثلة من الأخلاق فعلاً، لأنه لا يجوز الحكم على النوع من خلال الحكم على بعض أفراده، مالم يثبت أن سائر الأفراد مشتركة بمثل الصفة التي كانت علة صدور الحكم على بعض الأفراد ... إن عمليتهم هذه قد تضمنت مغالطة مركبة تمت على مرحلتين. المرحلة الأولى: إدخال ما ليس من أفراد الأخلاق تحت عنوان الأخلاق. المرحلة الثانية: تعميم حكمهم على هذه الأفراد الدخيلة، وجعله شاملاً لجميع أفراد الأخلاق الحقيقية.

стр. 54

ولهؤلاء المضللين مغالطة أخرى حول الموضوع نفسه، وهي اعتمادهم على مفاهيم بعض الناس للأخلاق، واعتبار هذه المفاهيم جزءاً من حقيقة الأخلاق، مع أن مفاهيم الناس قد تصدق وقد تكذب، فهي لا تمثل جزءاً من حقيقة الشيء الذي هو موضوع البحث، وإنما تمثل مقدار إدراك أصحابها لحقيقة الشيء، فقد يكون هذا الإدراك مطابقاً، وقد يكون مخالفاً، وقد يكون كاملاً وقد يكون ناقصاً، وهو لا يؤثر بحال من الأحوال على حقيقة الشيء. لقد كان للفلاسفة القدماء مفاهيم عن السماء، وهذه المفاهيم مخالفة لواقع حال السماء، ومع ذلك فلا يقبل العقل اعتبار هذه المفاهيم جزءاً من حقيقة السماء. وللناس مفاهيم كثيرة باطلة عن الخالق، ولا يجوز أن تكون هذه المفاهيم جزءاً من حقيقة الخالق. وينكر كروية الأرض منكرون، ولكن مفاهيم هذه لا يمكن أن تجعل الأرض في واقع حالها غير كروية. وهكذا يدخل فريق من الناس في الأخلاق ما هو ليس من الأخلاق؛ كتقاليد وعادات وأحكام وضعية. ويجحد فريق من الناس بعض ما هو من الأخلاق، فيزعم أنه لا داعي للتقيد بقواعد الأخلاق فيها، فلا يؤثر هؤلاء ولا هؤلاء على الحقيقة المطلقة للأخلاق، فليست مفاهيم الناس هي التي تصنع الحقائق، وإنما وظيفتها أن تعمل على إدراك الحقائق، حتى تكون صورة مطابقة لها. قال المغالطون – الذين زعموا أن الأخلاق نسبية اعتبارية، وليس لها حقيقة مطلقة ثابتة، وهي قابلة للتغير والتبدل من زمان إلى زمان، ومن أمة إلى أمة -: إن مما يدل على ذلك أن بعض الشعوب ترى خروج النساء بدون حجاب عملاً منافياً للأخلاق بينما ترى شعوب أخرى أن هذا العمل أمر طبيعي لا ينافي ضوابط الأخلاق بحال من الأحوال. ويدل على ذلك أيضاً أن بعض الأمم تحرم أكل بعض أنواع من اللحوم، وتحرم شرب بعض أنواع من الأشربة، وتعتبر مخالفة ذلك عملاً منافياً للأخلاق، بينما ترى أمم أخرى أنه لا شيء من ذلك محرم أو مناف للأخلاق. ويأتون أيضاً بمثال تعدد الزوجات وإباحته عند أمة وتحريمه عند أمة أخرى، وبأمثلة الطقوس السائدة في البلاد الأوقيانوسية، ومنها تحريمهم الطعام تحت سقف والمكث في المسكن إذا كان الإنسان مريضاً، وتحريمهم استعمال الأيدي في تناول الغذاء بعد فراغ الإنسان من حلق شعره، أو بعد فراغه من صنع زورق، ويقولون: هذه أمور منافية للأخلاق عندهم، مع أنها عند غيرهم أمور عادية لا تنافي الأخلاق مطلقا. أليس عجيباً جداً أن يدخلوا مثل هذه الأمثلة في باب الأخلاق مع أنها في جوهرها من أبواب غير باب الأخلاق، فهي إما أحكام دينية، أو طقوس وعادات وتقاليد!! وإدخالها في باب الأخلاق خطأ فادح يجر إلى خطأ آخر أكبر منه بكثير، إنه خطأ يجعل الأخلاق أموراً نسبية اعتبارية تتواضع عليها الأمم، وليس لها حقيقة ثابتة في ذاتها!! وما قيمة مفاهيم الناس حول حقيقة من الحقائق، ولنفرض أن بعض الناس استحسنوا رذائل الأخلاق، ولم يجدوا أي رادع من ضمائرهم يردعهم عنها، فمارسوا الظلم بمثل الجرأة التي يمارسون بها العدل، ومارسوا الخيانة بمثل الجرأة التي يمارسون بها الأمانة، ومارسوا قسوة القلب بمثل الجرأة التي يمارسون بها الشفقة والرحمة، ومارسوا الكذب الضار بمثل الجرأة التي يمارسون بها الصدق النافع؛ أفيغير ذلك واقع حال الرذائل فيجعلها من قبيل الفضائل؟! كم نشاهد من شعوب تألف القذارات وتعيش فيها ولا تشعر بأنها تعمل عملاً غير مستحسن أو غير جميل، فهل تغير مفاهيمهم من واقع حال القذارة القبيح شيئاً؟! إن فساد مفاهيم الناس حول حقيقة من حقائق المعرفة لا يغير من واقع حال هذه الحقيقة شيئاً، وجميع حقائق المعرفة تتعرض لمشكلة فساد مفاهيم الناس عنها، وفساد تصور الناس لها.

стр. 55

إن موضوع حجاب المرأة وسفورها، أمر لا علاقة له بالأخلاق من حيث ذاته، إنما هو في حدوده الشرعية حكم ديني يهدف إلى تحقيق مصالح دينية واجتماعية يقصدها الشارع، فإدخالهم هذا الحكم في موضوع الأخلاق جزء من عناصر المغالطة أو من عناصر الغلط إذا حسنا الظن. وكذلك موضوع الأطعمة والأشربة، فهو غير ذي علاقة بالأخلاق، وأحكام الأطعمة والأشربة أحكام دينية تهدف إلى تحقيق مصالح دينية وصحية يقصدها الشارع، فإدخالهم هذه الأحكام في موضوع الأخلاق جزء من عناصر المغالطة، أو من عناصر الغلط إذا حسنا الظن. ونظير ذلك سائر الأمثلة التي أوردوها لنقض ثبات الأخلاق، إنها أمثلة من العادات والتقاليد الاجتماعية، أو من الظواهر الجمالية الأدبية، أو من الأحكام المدنية، أو من الأحكام الدينية لدين صحيح أو لدين وضعي من وضع البشر، ونحو ذلك، وليست في حقيقة ذاتها من الأخلاق. ويوجد سبب ثالث للخطأ الذي يقع فيه الباحثون في علم الأخلاق، هو اعتمادهم على أفكارهم وضمائرهم فقط، وجعلها المقياس الوحيد الذي تقاس به الأخلاق، ونسبوا إلى هذا المقياس العصمة عن الخطأ، مع أنه مقياس غير كاف وحده، فقد يخطئ، وقد يصاب عند بعض الناس بعلة من العلل المرضية، فيعشى أو يعمى أو تختل عنده الرؤية، فيصدر أحكاماً فاسدة. ومما سبق يتضح لنا أن أسباب الغلط أو المغالطة عند أصحاب فكرة نسبية الأخلاق، ترجع إلى ثلاثة: الأول: تعميمهم اسم الأخلاق على أنواع كثيرة من السلوك الإنساني، فلم يميزوا الظواهر الخلقية، عن الظواهر الجمالية والأدبية، وعن العادات والتقاليد الاجتماعية، وعن التعاليم والأحكام المدينة أو الدينية البحتة، فحشروا مفردات كل هذه الأمور تحت عنوان الأخلاق، فأفضى ذلك بهم إلى الخطأ الأكبر، وهو حكمهم على الأخلاق بأنها أمور اعتبارية نسبية. الثاني: أنهم جعلوا مفاهيم الناس عن الأخلاق مصدراً يرجع إليه في الحكم الأخلاقي، مع أن في كثير من هذه المفاهيم أخطاء فادحة، وفساداً كبيراً، يرجع إلى تحكم الأهواء والشهوات والعادات والتقاليد فيها، ويرجع أيضاً إلى أمور أخرى غير ذلك، والتحري العلمي يطلب من الباحثين أن يتتبعوا جوهر الحقيقة، حيث توجد الحقيقة، لا أن يحكموا عليها من خلال وجهة نظر الناس إليها، فكل الحقائق عرضة لأن يثبتها مثبتون، وينكرها منكرون، ويتشكك بها متشككون، ويتلاعب فيها متلاعبون، ومع ذلك تبقى على ثباتها، لا تؤثر عليها آراء الناس فيها. الثالث: اعتمادهم على أفكارهم وضمائرهم فقط، وجعلها المقياس الوحيد الذي تقاس به الأخلاق. أما مفاهيم الإسلام فإنها .... قد ميزت الأخلاق عما سواها، وميزت السلوك الأخلاقي عن سائر أنواع السلوك الإنساني، فلم تعمم تعميماً فاسداً، ولم تدخل في مفردات الأخلاق ما ليس منها، وهي أيضاً لم تعتمد على مفاهيم الناس المختلفة، ولم تتخذها مصدراً يرجع إليه في الحكم الأخلاقي، وأما العقل والضمير فإنها لم تهملهما وإنما قرنتهما بعاصم يردهما إلى الصواب كلما أخطأ سبيل الحق والهداية والرشاد، وهذا العاصم هو الوحي الذي نزل بدين الله لعباده، وشرائعه لخلقه، وتعاليمه التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، لأنها تنزيل من عزيز حكيم، وقد بلغها رسله. أما صورتها المثلى المحفوظة من التغيير فهي ما ثبت في نصوص الشريعة الإسلامية، المنزلة على رسول الله محمد صلوات الله وسلاماته عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.

стр. 56

فمن تبصر بالأصول العامة للأخلاق في المفاهيم الإسلامية، وتبصر بأن الأخلاق الإسلامية مقترنة بالوصايا والأوامر والنواهي الربانية، وتبصر بأن هذه الوصايا والأوامر والنواهي محفوفة بقانون الجزاء الإلهي بالثواب العقاب، فإنه لابد أن يظهر له بجلاء أن الأخلاق الإسلامية هي حقائق في ذاتها، وهي ثابتة مادام نظام الكون ونظام الحياة ونظام الخير والشر أموراً مستمرة ثابتة، وهي ضمن المفاهيم الإسلامية الصحيحة غير قابلة للتغير ولا للتبدل من شعب إلى شعب، ولا من زمان إلى زمان. أما الأمة الإسلامية فهي أمة واحدة، وهي لا تتواضع فيما بينها على مفاهيم تخالف المفاهيم التي بينها الإسلام، والتي أوضحها في شرائعه ووصاياه. وإذا رجعنا إلى مفردات الأخلاق الإسلامية وجدنا أن كل واحدة منها – ضمن شروطها وقيودها وضوابطها – ذات حقيقة ثابتة، وهي غير قابلة في المنطق السليم للتحول من حسن إلى قبيح، أو من قبيح إلى حسن. إن حسنها حسن في كل زمان، وقبيحها قبيح في كل زمان، ولا يؤثر على حقيقتها أن تتواضع بعض الأمم على تقبيح الحسن منها، أو تحسين القبيح، تأثراً بالأهواء، أو بالشهوات، أو بالتقاليد العمياء. إن الإسلام يقرر أن حب الحق وكراهية الباطل فضيلة خلقية، ويقرر أن كراهية الحق وحب الباطل رذيلة خلقية، فهل يشك أحد سوى عاقل في أن هذه الحقيقة حقيقة ثابتة غير قابلة للتحول ولا للتغير، وإن تواضع على خلافها جماعة ذات أهواء؟! وهكذا سائر الأمثلة الأخلاقية الإسلامية. أما طريقة دهاة التضليل لهدم الأبنية الأخلاقية فهي تتلخص بما يلي: ١ - أن يقنعوا الأجيال بأن الأخلاق نسبية اعتبارية لا ثبات لها، وليس لها حقائق ثابتة في ذاتها، فهي خاضعة للتبدل والتغير. ٢ - أن يستغلوا بخبث بعض النظيرات الفلسفية التي من شأنها تقليل قيمة الأخلاق في نفوس الناس، إذ تقيمها على أسس واهنة ضعيفة، أو على شفا جرف هار!! ومتى قامت في نفوس الناس على مثل ذلك تداعت الأبنية الأخلاقية التقليدية، ثم انهارت، وحلت محلها أنانيات فوضوية، تعتمد على القوة والحيلة، والإباحية المطلقة لكل شيء مستطاع، فلا خير إلا ما تدعمه القوة، ولا شر إلا ما تضعف القوة عن تحقيقه. ٣ - أن يلفقوا من عند أنفسهم نظريات فلسفية يخدعون بها الناس، لاسيما الناشئون منهم، ويستغلون فيهم رغبات المراهقة بالتمرد على الحق والواجب، تطلعاً لمجد موهوم، وقد تطول فترة المراهقة عند بعض الناشئين، حتى تكتسح عمر الشباب منهم، وجزءاً من عمر الكهولة، وسبب ذلك الاستسلام التام لعواطف طور المراهقة، ووجود المغذيات الشيطانية الخبيثة، وضعف التربية الإسلامية أو انعدامها. ومتى وجدت هذه الظروف المواتية لنمو الشر، فليس من البعيد أن يصير الإنسان شيخاً في سنه وجسمه ويبقى مراهقاً في عقله ونفسه. ٤ - اتخاذ الوسائل العملية التطبيقية لإفساد أخلاق الأمم، وأهمها الغمس في بيئات موبوءة بالأخلاق الفاسدة، حتى تكون الانحرافات عادات مستطابات (١).

стр. 57

أحاديث لا أصل لها أو موضوعة في الأخلاق زعم بعض الناس أن مكارم الأخلاق تثبت بالأحاديث الضعيفة لأنها من باب الفضائل وهذا الظن مردود في غير هذا الموضع، ولكن الذي يثير المسلم غضباً لله ورسوله أن يصبح هؤلاء القوم يكتالون الأحاديث الواهية من كل حدب وصوب حتى أنهم روجوا أحاديث لا أصل لها أو موضوعة أو ضعيفة جداً، ودونك بعضها لتحذرها وتحذر منها لئلا يقع المسلمون في الكذب على رسول الله ﷺ . (١) ١ - ((سوء الخلق ذنب لا يغفر، وسوء الظن خطيئة تفوح)) (٢) ٢ - ((تخلقوا بأخلاق الله)) (٣) ٣ - ((أفضل الأعمال الصلاة لوقتها، وخير ما أعطي الإنسان حسن الخلق؛ إن حسن الخلق خلق من أخلاق الله)). (٤) ٤ - ((إن أحسن الحسن الخلق الحسن)). (٥) ٥ - ((ثلاث من أخلاق الإيمان: من إذا غضب لم يدخله غضبه في باطل، ومن إذا رضي لم يخرجه رضاه من حق، ومن إذا قدر لم يتعاط ما ليس له)). (٦) ٦ - ((سوء الخلق شوم وشراركم أسوؤكم خلقا)). (٧) ٧ - ((ليس من أخلاق المؤمن الملق، إلا في طلب العلم)). (٨) ٨ - ((التوكؤ على عصا من أخلاق الأنبياء، كان لرسول الله عصا يتوكأ عليها، ويأمرنا بالتوكؤ عليها)). (٩) ٩ - ((لا تطغوا على أهل الصوف والخرق؛ فإن أخلاقهم أخلاق الأنبياء، ولباسهم لباس الأنبياء)). (١٠) ١٠ - ((ما من شيء إلا له توبة، إلا صاحب سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه)). (١١) ١١ - ((الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السوء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل)). (١٢) ١٢ - ((مكارم الأخلاق عشرة تكون في الرجل ولا تكون في إبنه، وتكون في الابن ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في سيده، فقسمها الله لمن أراد السعادة: صدق الحديث، وصدق البأس، وحفظ اللسان، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والتذمم من الجار، والتذمم للصاحب، وإقراء الضيف، ورأسهن الحياء)). (١٣)

стр. 58

معنى الإحسان لغة واصطلاحاً معنى الإحسان لغة: الإحسان ضد الإساءة. والحَسَنَةُ ضِدُّ السَّيِّئَةِ. يقال رجل مُحْسِنٌ ومِحْسانٌ. ويقالُ: أَحْسِنْ يا هذا فإِنَّك مِحْسانٌ، أَي لا تَزالُ مُحْسِناً (١). معنى الإحسان اصطلاحا: (الإحسان نوعان: - إحسان في عبادة الخالق: بأن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه. وهو الجد في القيام بحقوق الله على وجه النصح، والتكميل لها. - وإحسان في حقوق الخلق) (٢). (والإحسان إلى الخلق: هو بذل جميع المنافع من أي نوع كان، لأي مخلوق يكون، ولكنه يتفاوت بتفاوت المحسن إليهم، وحقهم ومقامهم، وبحسب الإحسان، وعظم موقعه، وعظيم نفعه، وبحسب إيمان المحسن وإخلاصه، والسبب الداعي له إلى ذلك) (٣). وقال الجرجاني: (الحسن هو كون الشيء ملائما للطبع كالفرح وكون الشيء صفة الكمال كالعلم وكون الشيء متعلق بالمدح كالعبادات وهو ما يكون متعلق المدح في العاجل والثواب في الآجل) (٤).

стр. 59

الفرق بين الإحسان وبعض الصفات الفرق بين الحسن والحسنة والحسنى: (والفرق بين الحسن والحسنة والحسنى أن الحسن: يقال في الأعيان والأحداث. وكذلك الحسنة: إذا كانت وصفا، وإذا كانت اسما فمتعارف في الأحداث. والحسنى: لا يقال إلا في الأحداث دون الأعيان. والحسن: أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر، يقال: رجل حسن وحسان، وامرأة حسناء وحسانة) (١). الفرق بين الإحسان والإنعام: (أَن الإحسانَ يكون لنفسِ الإنسان ولغيره تقول أَحْسَنْتُ إلى نفسي والإنعامُ لا يكون إلا لغيره) (٢). الفرق بين الإحسان والإفضال: (أن الإحسان: النفع الحسن. والإفضال: النفع الزائد على أقل المقدار وقد خص الإحسان بالفضل ولم يجب مثل ذلك في الزيادة لأنه جرى مجرى الصفة الغالبة كما اختص النجم بالسماك ولا يجب مثل ذلك في كل مرتفع) (٣). الفرق بين الإحسان والفضل: (أن الإحسان قد يكون واجبا وغير واجب. والفضل لا يكون واجبا على أحد وإنما هو ما يتفضل به من غير سبب يوجبه) (٤).

стр. 60

الأمر بالإحسان والترغيب فيه من القرآن والسنة الأمر بالإحسان والترغيب فيه من القرآن الكريم: - وقال سبحانه: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:٩٠] قال السعدي: (العدل هو ما فرضه الله عليهم في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأمرهم بسلوكه، ومن العدل في المعاملات أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات، بإيفاء جميع ما عليك فلا تبخس لهم حقا ولا تغشهم ولا تخدعهم وتظلمهم. فالعدل واجب، والإحسان فضيلة مستحب وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والعلم، وغير ذلك من أنواع النفع حتى إنه يدخل فيه الإحسان إلى الحيوان البهيم المأكول وغيره وخص الله إيتاء ذي القربى -وإن كان داخلا في العموم- لتأكد حقهم وتعين صلتهم وبرهم، والحرص على ذلك. ويدخل في ذلك جميع الأقارب قريبهم وبعيدهم لكن كل ما كان أقرب كان أحق بالبر) (١). - وقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ [البقرة: ٨٣] أي: (أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين، أو عدم الإحسان والإساءة، لأن الواجب الإحسان، والأمر بالشيء نهي عن ضده. وللإحسان ضدان: الإساءة، وهي أعظم جرما، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى، والمساكين، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعد، بل تكون بالحد. ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما فقال: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب. ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله، أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار) (٢). - وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٧٨] - وقوله: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: ٧٧] قال الشوكاني: في تفسير قوله: وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ (أي: أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بما أنعم به عليك من نعم الدنيا) (٣). - وقال عز من قائل: إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:٥٦]

стр. 61

قال ابن القيم: (وقوله تعالى إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:٥٦] فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته ورحمته قريب من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفا وطمعا فقرب مطلوبكم منكم وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه منكم وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم فإن الله تعالى هو الغني الحميد وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. وقوله إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله ودلالة بمفهومه فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان ودلالته بتعليله وإيمانه على أن هذا القرب مستحق بالإحسان فهو السبب في قرب الرحمة منهم ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة. وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان لأن الجزاء من جنس العمل فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته. وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة بعدا ببعد وقربا بقرب فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته والله سبحانه يحب المحسنين وببغض من ليس من المحسنين ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه والإحسان هاهنا هو فعل المأمور به سواء كان إحسانا إلى الناس أو إلى نفسه فأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله والإقبال عليه والتوكل عليه وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة وخشية فهذا هو مقام الإحسان كما قال النبي وقد سأله جبريل عن الإحسان فقال: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) (١) (٢). الأمر بالإحسان والترغيب فيه من السنة النبوية: - عن شداد بن أوس ﵁ قال: ثنتان حفظتهما عن رسول الله ﷺ ؛ قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته)) (٣) قال المباركفوري: (أي إلى كل شيء أو على بمعنى في أي أمركم بالإحسان في كل شيء، والمراد منه العموم الشامل للإنسان حيا وميتا. قال الطيبي: أي أوجب مبالغة لأن الإحسان هنا مستحب وضمن الإحسان معنى التفضل وعداه بعلى. والمراد بالتفضل إراحة الذبيحة بتحديد الشفرة وتعجيل إمرارها وغيره. وقال الشمني على هنا بمعنى اللام متعلقة بالإحسان ولا بد من على أخرى محذوفة بمعنى الاستعلاء المجازي متعلقة بكتب، والتقدير كتب على الناس الإحسان لكل شيء) (٤). - عن ابن مسعود- ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية، قال: ((من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر)) (٥). - وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ((أقبل رجل إلى نبي الله ﷺ فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله. قال: فهل من والديك أحد حي؟ قال: نعم، بل كلاهما. قال: أفتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما)) (٦).

стр. 62

- وعن سليمان بن عمرو بن الأحوص؛ قال: حدثني أبي، أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ . فحمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ. فذكر في الحديث قصة فقال: ((ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا. فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)) (١). - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رجل لرسول الله ﷺ : ((كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت؟ قال النبي ﷺ : إذا سمعت جيرانك يقولون: أن قد أحسنت فقد أحسنت. وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت، فقد أسأت)) (٢).

стр. 63

أقوال السلف والعلماء في الإحسان - قال ابن عيينة: (سئل علي ﵁ عن قول الله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل: ٩٠] فقال: العدل: الإنصاف، والإحسان: التفضّل) (١). - وقرأ الحسن البصري (هذه الآية إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل: ٩٠] الآية ثم وقف فقال إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة فوالله ما ترك العدل والإحسان شيئا من طاعة الله إلا جمعه ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئا إلا جمعه) (٢). - وقال ابن القيم: (مفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الخالق والسعي في نفع عبيده) (٣). - وقال أيضاً: (فإن الإحسان يفرح القلب ويشرح الصدر ويجلب النعم ويدفع النقم وتركه يوجب الضيم والضيق ويمنع وصول النعم إليه فالجبن ترك الإحسان بالبدن والبخل ترك الإحسان بالمال) (٤). - وقال في موضع آخر: (ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإحسان؛ وهي لب الإيمان وروحه وكماله وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل فجميعها منطوية فيها وكل ما قيل من أول الكتاب إلى هاهنا فهو من الإحسان) (٥) - وقال رجلٍ لبعض السلطان: (أحق الناس بالإحسان من أحسن الله إليه، وأولاهم بالإنصاف من بسطت القدرة بين يديه؛ فاستدم ما أوتيت من النعم بتأدية ما عليك من الحق) (٦)

стр. 64

أقسام الإحسان الإحسان ينقسم إلى نوعين: النوع الأول إحسان في عبادة الله. النوع الثاني: الإحسان إلى عباد الله وهو على قسمين: (أحدهما: واجب، وهو الإنصاف، والقيام بما يجب عليك للخلق بحسب ما توجه عليك من الحقوق) (١). (بأن تقوم بحقوقهم الواجبة، كالقيام ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنصاف في جميع المعاملات، بإعطاء جميع ما عليك من الحقوق، كما أنك تأخذ مالك وافيا. قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. [النساء: ٣٦]. فأمر بالإحسان إلى جميع هؤلاء) (٢). قال ابن رجب في شرحه لحديث ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء ... )) (٣): (وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب. والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ [الأنعام:١٢٠]. فهذا القدر من الإحسان فيها واجب. وأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع. والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله، والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب. والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأوحاها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه. وهذا النوع هو الذي ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيل المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) (٤) والقتلة والذبحة بالكسر، أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل. وهذا يدل على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يباح إزهاقها على أسهل الوجوه. وقد حكى ابن حزم الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة، وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حق الكفار: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:٤]، وقال تعالى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ [الأنفال:١٢]. وقد قيل: إنه عين الموضع الذي يكون الضرب فيه أسهل على المقتول وهو فوق العظام دون الدماغ) (٥). (والثاني: إحسان مستحب. وهو ما زاد على ذلك من بذل نفع بدني، أو مالي، أو علمي، أو توجيه لخير ديني، أو مصلحة دنيوية، فكل معروف صدقة، وكل ما أدخل السرور على الخلق صدقة وإحسان. وكل ما أزال عنهم ما يكرهون، ودفع عنهم ما لا يرتضون من قليل أو كثير، فهو صدقة وإحسان) (٦).

стр. 65

آثار وفوائد الإحسان ١ - (للإحسان ثمرة عظيمة تتجلى في تماسك بنيان المجتمع وحمايته من الخراب والتهلكة ووقايته من الآفات الاجتماعية الناجمة عن الخلل الاقتصادي. ٢ - الإحسان هو المقياس الذي يقاس به نجاح الإنسان في علاقته بالحياة - وهي علاقة ابتلاء. ٣ - المحسن يكون في معية الله ، ومن كان الله معه فإنه لا يخاف بأسا ولا رهقا. ٤ - المحسن يكتسب بإحسانه محبة الله . ٥ - إذا أحب الله العبد جعله محبوبا من الناس، وعلى ذلك فالمحسنون أحباء للناس يلتفون حولهم ويدافعون عنهم إذا أحدق بهم الخطر. ٦ - للمحسنين أجر عظيم في الآخرة حيث يكونون في مأمن من الخوف والحزن. ٧ - من ثمرات الإحسان التمكين في الأرض. ٨ - المحسن قريب من رحمة الله . ٩ - للمحسن البشرى بخيري الدنيا والآخرة. ١٠ - الإحسان هو وسيلة المجتمع للرقي والتقدم، وإذا كان صنوه أي العدل وسيلة لحفظ النوع البشري فإن الإحسان هو وسيلة تقدمه ورقيه لأنه يؤدي إلى توثيق الروابط وتوفير التعاون. ١١ - الإحسان وسيلة لحصول البركة في العمر والمال والأهل. ١٢ - الإحسان وسيلة لاستشعار الخشية والخوف من الله تعالى، كما أنه وسيلة لرجاء رحمته . ١٣ - الإحسان وسيلة لإزالة ما في النفوس من الكدر وسوء الفهم وسوء الظن ونحو ذلك. ١٤ - الإحسان وسيلة لمساعدة الإنسان على ترك العجب بالنفس لما في الإحسان من نية صادقة. ١٥ - الإحسان طريق ييسر لصاحبه طريق العلم ويفجر فيه ينابيع الحكمة. ١٦ - الدفع بالحسنة- وهي إحدى صور الإحسان- يقضي على العداوات بين الناس ويبدلها صداقة حميمة ومودة رحيمة وتنطفئ بذلك نار الفتن وتنتهي أسباب الصراعات، أما الدفع بالسيئة، أي مقابلة السيئة بمثلها فإنه يؤدي إلى تدهور العلاقات وإشعال نيران الفتن وتفاقم أسباب الصراع ويهبط بالنوع البشري إلى حضيض التخلف ويعرض بقاءه لخطر الفناء. ١٧ - إذا اقترن إسلام الوجه لله بالإحسان فإن ذلك يثمر الاستمساك بالعروة الوثقى التي يرجى معها خير الدنيا والآخرة، أي أن المحسن يحتاط لنفسه بأن يستمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه. ١٨ - لبعض أنواع الإحسان ثمار خاصة تعود على المحسن بالخير العميم في الدنيا والآخرة، فمن ذلك: أ- إحسان المرء وضوءه وخشوعه وركوعه يكفر السيئات الماضية، ويستمر التكفير ما استمر الإحسان. ب- إحسان المرء إلى جاره علامة صادقة على حسن إسلامه. ج- إحسان المرء في تربية بناته والسعي على رزقهن يجعل من هذه البنات سترا له من النار. د- في الإحسان إلى النساء في الكسوة والطعام وما أشبه ذلك قيام بحقهن يثمر الترابط الأسري، ويحقق الاستقرار العائلي) (١). ١٩ - الإحسان بعبادة الخالق يمنع عن المعاصي. قال ابن القيم: (فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه عن المعاصي، فإن من عبد الله كأنه يراه، لم يكن كذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه، بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك سيحول بينه وبين إرادة المعصية، فضلا عن مواقعتها، فإذا خرج من دائرة الإحسان، فاته صحبة رفقته الخاصة، وعيشهم الهنيء، ونعيمهم التام، فإن أراد الله به خيرا أقره في دائرة عموم المؤمنين) (٢). ٢٠ - الإحسان إلى الناس سبب من أسباب انشراح الصدر:

стр. 66

الذي يحسن على الناس ينشرح صدره ويشعر بالراحة النفسية، وقد ذكر ابن القيم في (زاد المعاد) أن الإحسان من أسباب انشراح الصدر فقال: (الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه والنفع بالبدن وأنواع الإحسان فإن الكريم المحسن أشرح الناس صدرا وأطيبهم نفسا وأنعمهم قلبا والبخيل الذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرا وأنكدهم عيشا وأعظمهم هما وغما) (١). ٢١ - الإحسان إلى الناس يطفئ نار الحاسد. (إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه فكلما ازداد أذى وشرا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا وله نصيحة وعليه شفقة وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلا عن أن تتعاطاه فاسمع الآن قوله وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: ٣٤ - ٣٦] وقال أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [القصص: ٥٤]. وتأمل حال النبي الذي حكى عنه نبينا أنه ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلت الدم عنه ويقول ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) (٢) كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه أحدها عفوه عنهم والثاني استغفاره لهم الثالث اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون الرابع استعطافه لهم بإضافتهم إليه فقال اغفر لقومي كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به هذا ولدي هذا غلامي هذا صاحبي فهبه لي واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس ويطيبه إليها وينعمها به اعلم أن لك ذنوبا بينك وبين الله تخاف عواقبها وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به إساءتك فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه وتقابل به إساءتهم ليعاملك الله هذه المعاملة فإن الجزاء من جنس العمل فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاء وفاقا فانتقم بعد ذلك أو اعف وأحسن أو اترك فكما تدين تدان وكما تفعل مع عباده يفعل معك فمن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى ما أساء إليه هذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة كما قال النبي للذي شكى إليه قرابته وأنه يحسن إليهم وهم يسيئون إليه فقال ((لا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك)) (٣) هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه ويصيرون كلهم معه على خصمه فإنه كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير وهو مسيء إليه وجد قلبه ودعاءه وهمته مع المحسن على المسيء وذلك أمر فطري فطر الله عباده فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكرا لا يعرفهم ولا يعرفونه ولا يريدون منه إقطاعا ولا خبرا هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده وينقاد له ويذل له ويبقى من أحب الناس إليه وإما أن يفتت كبده ويقطع دابره إن أقام على إساءته إليه فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة والله هو الموفق المعين بيده الخير كله لا إله غيره وهو المسئول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك بمنه وكرمه) (٤).

стр. 67

صور الإحسان قبل أن نفصل في صور الإحسان يحسن بنا أن نورد فيه كلاما مجملا للشيخ أبي بكر الجزائري قال: (والإحسان في باب العبادات أن تؤدى العبادة أيا كان نوعها من صلاة أو صيام أو حج أو غيرها أداء صحيحا, باستكمال شروطها وأركانها, واستيفاء سننها وآدابها, وهذا لا يتم للعبد إلا إذا كان شعوره قويا بمراقبة الله حتى كأنه يراه تعالى ويشاهده، أو على الأقل يشعر نفسه بأن الله تعالى مطلع عليه، وناظر إليه, فبهذا وحده يمكنه أن يحسن عبادته ويتقنها, فيأتي بها على الوجه المطلوب, وهذا ما أرشد إليه الرسول ﷺ في قوله: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) (١). وفي باب المعاملات فهو للوالدين ببرهما بالمعروف، وطاعتهما في غير معصية الله، وإيصال الخير إليهما، وكف الأذى عنهما، والدعاء والاستغفار لهما, وإنفاذ عهدهما, وإكرام صديقهما. وهو للأقارب ببرهم ورحمتهم والعطف عليهم، وفعل ما يجمل فعله معهم وترك ما يسيء إليهم. وهو لليتامى بالمحافظة على أموالهم، وصيانة حقوقهم، وتأديبهم وتربيتهم بالحسنى، والمسح على رؤوسهم. وهو للمساكين بسد جوعهم، وستر عورتهم، وعدم احتقارهم وازدرائهم، وعدم المساس بهم بسوء، وإيصال النفع إليهم بما يستطيع وهو لابن السبيل بقضاء حاجته, وسد خلته, ورعاية ماله, وصيانة كرامته, وبإرشاده إن استرشد, وهدايته إن ضل. وهو للخادم بإتيانه أجره قبل أن يجف عرقه، وبعدم إلزامه ما لا يلزمه، أو تكليفه بما لا يطيق, وبصون كرامته، واحترام شخصيته. وهو لعموم الناس بالتلطف في القول لهم, ومجاملتهم في المعاملة، وبإرشاد ضالهم، وتعليم جاهلهم، والاعتراف بحقوقهم، وبإيصال النفع إليهم، وكف الأذى عنهم. وهو للحيوان بإطعامه إن جاع، ومداواته إن مرض، وبعدم تكليفه ما لا يطيق وحمله على ما لا يقدر، وبالرفق به إن عمل، وإراحته إن تعب. وهو في الأعمال البدنية بإجادة العمل، وإتقان الصنعة، وبتخليص سائر الأعمال من الغش، وهكذا) (٢). انتهى كلام الشيخ الجزائري وقد ذكر صور عدة للإحسان وإليك تفاصيل هذه الصور: ١ - الإحسان في عبادة الله: (والإحسان في عبادة الله له ركن واحد بينه النبي ﷺ بقوله: ((بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) (٣). فأخبر النبي ﷺ أن مرتبة الإحسان على درجتين، وأن المحسنين في الإحسان على درجتين متفاوتتين، الدرجة الأولى: وهي ((أن تعبد الله كأنك تراه)) (٤). الدرجة الثانية: أن تعبد الله كأنه يراك، والمعنى إذا لم تستطع أن تعبد الله كأنك تراه وتشاهده رأي العين، فانزل إلى المرتبة الثانية، وهي أن تعبد الله كأنه يراك. فالأولى عبادة رغبة وطمع، والثانية عبادة خوف ورهب) (٥). ٢ - الإحسان إلى الوالدين: جاءت نصوص كثيرة تحث على حقوق الوالدين وبرهما والإحسان إليهما قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:٢٤]

стр. 68

قال القرطبي: (قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة له والإذعان من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان، فقال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ) (١). وقوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام: ١٥١] وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها. قال قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)) (٢). قال الإمام الرازي: (أجمع أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين والإحسان إليهما إحسانا غير مقيد بكونهما مؤمنين لقوله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:٨٣] [النساء:٣٦] و [الأنعام:١٥١] و [الإسراء:٢٣]) (٣). ٣ - الإحسان إلى الجار: عن أبي شريح الخزاعي أن النبي ﷺ قال ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت)) (٤). ٤ - الإحسان إلى اليتامى والمساكين: ومن الإحسان إلى اليتامى والمساكين المحافظة على حقوقهم والقيام بتربيتهم، والعطف عليهم، ومد يد العون لهم قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ [البقرة: ٨٣]. (فإن الإحسان إليهم والبر بهم وكفالة عيشهم وصيانة مستقبلهم من أزكى القربات بل إن العواطف المنحرفة تعتدل في هذا المسلك وتلزم الجادة: فعن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى رسول الله قسوة قلبه فقال: ((امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين)) (٥). وفي رواية: أن رجلا جاءه يشكو قسوة قلبه فقال له: ((أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك)) (٦). وذلك أن القلب يتبلد في المجتمعات التي تضج بالمرح الدائم والتي تصبح وتمسى وهي لا ترى من الحياة غير آفاقها الزاهرة ونعمها الباهرة والمترفون إنما يتنكرون لآلام الجماهير لأن الملذات التي تُيسر لهم تغلف أفئدتهم وتطمس بصائرهم فلا تجعلهم يشعرون بحاجة المحتاج وألم المتألم وحزن المحزون والناس إنما يرزقون الأفئدة النبيلة والمشاعر المرهفة عندما ينقلبون في أحوال الحياة المختلفة ويبلون مس السراء والضراء .. عندئذ يحسون بالوحشة مع اليتيم وبالفقدان مع الثكلى وبالتعبة مع البائس الفقير) (٧). ٥ - الإحسان في المعاملة:

стр. 69

(قد أمر الله تعالى بالعدل والإحسان جميعا، والعدل سبب النجاة فقط وهو يجري من التجارة مجرى سلامة رأس المال، والإحسان سبب الفوز ونيل السعادة وهو يجري من التجارة مجرى الربح، ولا يعد من العقلاء من قنع في معاملات الدنيا برأس ماله فكذا في معاملات الآخرة. ولا ينبغي للمتدين أن يقتصر على العدل واجتناب الظلم ويدع أبواب الإحسان وقد قال الله تعالى: وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧] وقال : إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل: ٩٠] وقال سبحانه: إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦] وينال المعامل رتبة الإحسان بواحد من ستة أمور: الأول: في المغابنة فينبغي أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة، فأما أصل المغابنة فمأذون فيه لأن البيع للربح ولا يمكن ذلك إلا بغبن ولكن يراعى فيه التقريب، ومن قنع بربح قليل كثرت معاملاته واستفاد من تكررها ربحا كثيرا وبه تظهر البركة. الثاني: في احتمال الغبن، والمشتري إن اشترى طعاما من ضعيف أو شيئا من فقير فلا بأس أن يحتمل الغبن ويتساهل ويكون به محسنا وداخلا في قوله ﵇: رحم الله سهل البيع وسهل الشراء (١)، وأما احتمال الغبن من الغني فليس محمودا بل هو تضييع مال من غير أجر ولا حمد، وكان كثير من السلف يستقصون في الشراء ويهبون من ذلك الجزيل من المال، فقيل لبعضهم في ذلك فقال: إن الواهب يعطي فضله، وإن المغبون يغبن عقله. الثالث: في استيفاء الثمن وسائر الديون والإحسان فيه مرة بالمسامحة وحط البعض ومرة بالإمهال والتأخير ومرة بالمساهلة في طلب جودة النقد، وكل ذلك مندوب إليه ومحثوث عليه، وفي الخبر: من أقرض دينارا إلى أجل فله بكل يوم صدقة إلى أجله، فإذا حل الأجل فأنظره بعده فله بكل يوم مثل ذلك الدين صدقة (٢)، ونظر النبي ﷺ إلى رجل يلازم رجلا بدين فأومأ إلى صاحب الدين بيده أي: ضع الشطر ففعل، فقال للمديون: قم فأعطه. (٣). الرابع: في توفية الدين، ومن الإحسان فيه حسن القضاء وذلك بأن يمشي إلى صاحب الحق ولا يكلفه أن يمشي إليه يتقاضاه فقد قال ﷺ : خيركم أحسنكم قضاء، ومهما قدر على قضاء الدين فليبادر إليه ولو قبل وقته، وإن عجز فلينو قضاءه مهما قدر، ومهما كلمه مستحق الحق بكلام خشن فليتحمله وليقابله باللطف اقتداء برسول الله ﷺ لما ردد عليه كلامه صاحب الدين فهم به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا (٤)، ومن الإحسان أن يميل الحكم إلى من عليه الدين لعسره.

стр. 70

الخامس: أن يقيل من يستقيله فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع، ولا ينبغي أن يرضى لنفسه أن يكون سبب استضرار أخيه، وفي الخبر من أقال نادما صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة (١). السادس: أن يقصد في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة وهو في الحال عازم على أن لا يطالبهم إن لم يظهر لهم ميسرة، وكان من السلف من يقول لفقير: خذ ما تريد فإن يسر لك فاقض وإلا فأنت في حل منه وسعة) (٢). ٦ - الإحسان إلى المسيء: (ومن أجل أنواع الإحسان: الإحسان إلى من أساء إليك بقول أو فعل. قال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٤، ٣٥] ومن كانت طريقته الإحسان أحسن الله جزاءه: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]) (٣). قال ابن القيم: (ومن أعظم أنواع الإحسان والبر أن يحسن إلى من أساء ويعفو عمن ظلم ويغفر لمن أذنب ويتوب على من تاب إليه) (٤). وذكر الهروي أن من منازل إياك نعبد وإياك نستعين (الفتوة) وقال: (هي على ثلاث درجات، الدرجة الأولى ترك الخصومة، والتغافل عن الزلة، ونسيان الأذية. والدرجة الثانية أن تقرب من يقصيك، وتكرم من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجني عليك، سماحة لا كظماً، ومودة لا مصابرة) (٥). قال ابن القيم في ذلك: (هذه الدرجة أعلى مما قبلها وأصعب فإن الأولى: تتضمن ترك المقابلة والتغافل وهذه تتضمن الإحسان إلى من أساء إليك ومعاملته بضد ما عاملك به فيكون الإحسان والإساءة بينك وبينه خطتين فخطتك: الإحسان. وخطته: الإساءة. وفي مثلها قال القائل: إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ مع الناس يجدها بعينها) (٦). ٧ - الإحسان في الكلام: قال تعالى: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: ٥٣] قال ابن كثير: (يأمر تعالى رسوله ﷺ أن يأمر عباد الله المؤمنين، أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة؛ فإنهم إذا لم يفعلوا ذلك، نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإن الشيطان عدو لآدم وذريته من حين امتنع من السجود لآدم، فعداوته ظاهرة بينة؛ ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزغ في يده، أي: فربما أصابه بها) (٧). ٨ - الإحسان في الجدال: يقول الله ﵎: وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] قال الشوكاني: (أي: بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة. وإنما أمر سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقاً وغرضه صحيحاً، وكان خصمه مبطلاً وغرضه فاسداً) (٨). ٩ - الإحسان إلى الحيوان:

стр. 71

ومن الإحسان إلى الحيوان، إطعامه والاهتمام به، وحد الشفرة عند ذبحه، وأن لا يحد الشفرة أمامه، وعدم الحمل إليه أكثر من طاقته. قال ﷺ : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ... )) (١) وكره أبو هريرة أن تحد الشفرة والشاة تنظر إليها، وروى أن النبي ﷺ رأى رجلا أضجع شاة، فوضع رجله على عنقها، وهو يحد شفرته فقال له ﷺ : ويلك، أردت أن تميتها موتات؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها (٢) وكان عمر بن الخطاب ينهى أن تذبح الشاة عند الشاة (٣). وقوله ﷺ : ((في كل كبد رطبة أجر)) (٤). قال النووي: (معناه في الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه أجر، وسمي الحي ذا كبد رطبة، لأن الميت يجف جسمه وكبده. ففي الحديث الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله. فأما المأمور بقتله فيمتثل أمر الشرع في قتله، والمأمور بقتله كالكافر الحربي والمرتد والكلب العقور والفواسق الخمس المذكورات في الحديث وما في معناهن. وأما المحترم فيحصل الثواب بسقيه والإحسان إليه أيضا بإطعامه وغيره سواء كان مملوكا أو مباحا، وسواء كان مملوكا له أو لغيره) (٥). وقال ﷺ : عُذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل خشاش الأرض (٦).

стр. 72

الأمثال في الإحسان ١ - اُسْقِ رَقَاشِ إِنَّها سَقَّايَة: يضرب في الإحسان إلى المحسن (١). ٢ - إنَّما يَجْزِي الفَتى ليْسَ الجَمَل: ومعناه إنما يجزي على الإحسان بالإحسان من هو حر وكريم فأما من هو بمنزلة الجمل في لؤمه وموقه فإنه لا يوصل إلى النفع من جهته إلا إذا اقتسر وقهر (٢). ٣ - إنَّما هُوَ كَبَارحِ الأَرْوَى قَلِيلاً ما يُرى: وذلك أن الأرْوَى مساكنُها الجبالُ فلا يكاد الناس يرونها سانحةً ولا بارحةً إلا في الدهر مرة. يضرب لمن يرى منه الإحسان في الأحايين (٣). ٤ - جَزَيْتُهُ كَيْلَ الصَّاعِ بِالصّاعِ: إذا كافأتَ الإحسانَ بمثله والإساءةَ بمثلها (٤). ٥ - وَجْدْتُ النَّاسَ إنْ قارضْتُهُمْ قارَضُوكَ: أي: إن حسنت إليهم أحسنوا إليك وإن أسأت فكذلك (٥). ٦ - إنَّ الكَذُوبَ قَدْ يَصْدُقُ: قال أبو عبيد: هذا المثل يضرب للرجل تكون الإساءة الغالبةَ عليه ثم تكون منه الهَنَةُ من الإحسان (٦).

стр. 73

الإحسان في واحة الشعر .. قال أبو الفتح البستي: زيادةُ المرءِ في دنياهُ نقصانُ ... وربحهُ غيرَ محضِ الخير خسرانُ أحسنْ إلى الناسِ تَسْتَعبِدْ قلوبَهمُ ... فطالما استعبدَ الإنسانَ إِحسانُ من جادَ بالمالِ مالَ الناسُ قاطبةً ... إليه والمالُ للإنسانِ فتانُ أَحْسِنْ إِذا كانَ إِمكانٌ وَمَقْدِرَةٌ ... فلن يدومَ على الإِنسانِ إِمكانُ حياكَ من لم تكن ترجو تحيتهُ ... لولا الدراهمُ ما حياكَ إِنسانُ وقال المتنبي: وَللتَّرْكُ للإِحسانِ خيرٌ لمحسنٍ ... إِذا جَعَلَ الإحسانَ غيرَ ربيبِ وقال أبو الفتح البستي: إن كنتَ تطلبُ رتبةَ الأشرافِ ... فعليكَ بالإِحسانِ والإِنصافِ وإِذا اعتدى خِلٌ عليكَ فخلِّهِ ... والدهرُ فهو له مكافٍ كافِ وقال أحمد الكيواني: من يغرسِ الإحسانَ يجنِ محبةً ... دونَ المسيءِ المبعد المصرومِ أقلِ العثارَ تُقَلْ ولا تحسدْ ولا ... تحقدْ فليس المرءُ بالمعصومِ وقال ابن زنجي: لا تَحْقِرَنَّ من الإِحسانِ محقرةً ... أحْسِنْ فعاقبةُ الإِحسانِ حُسناه وقال آخر: والله ما حلي الإمام بحلية ... أبهى من الإحسان والإنصاف فلسوف يلقى في القيامة فعله ... ما كان من كدر أتاه وصافي وقال أبو العتاهية: لا تمشِ في الناسِ إِلا رحمةً لهمُ ... ولا تعاملهمُ إِلا بإِنصافِ واقطعْ قوى كلِ حقدٍ أنتَ مضمرهُ ... إِن زلَّ ذو زلةٍ أو إِن هفا هافِ وارغبْ بنفسِك عما لا صلاحَ له ... وأوسعِ الناسَ من بِرٍ وإِلطافِ وإِن يكنْ أحدٌ أولاكَ صالحةً ... فكافِه فوقَ ما أولى بأضعافِ ولا تكشِّفْ مسيئاً عن إِساءته ... وصلُ حبالَ أخيكَ القاطعِ الجافي ...

стр. 74

معنى الألفة لغة واصطلاحاً معنى الألفة لغة: (الْإِلْفُ بِالْكَسْرِ الْأَلِيفُ وَجَمْعُ الْأَلِيفِ: أَلَائِفُ كَتَبِيعٍ وَتَبَائِعَ وَالْأُلَّافُ: جَمْعُ آلِفٍ، وَفُلَانٌ قَدْ أَلِفَ هَذَا الْمَوْضِعَ بِالْكَسْرِ يَأْلَفُهُ إِلْفًا بِالْكَسْرِ أَيْضًا وَآلَفَهُ إِيَّاهُ غَيْرُهُ وَيُقَالُ أَيْضًا آلَفْتُ الْمَوْضِعَ أُولِفُهُ إِيلَافًا وَآلَفْتُ الْمَوْضِعَ أُؤَالِفُهُ مُؤَالَفَة) (١). وقال أَبو عُبَيْدٍ: (أَلِفْتُ الشَّيْءَ وآلَفْتُه بِمَعْنًى وَاحِدٍ لَزِمْتُهُ، فَهُوَ مُؤْلَفٌ ومأْلُوفٌ ... وقال أَبو زَيْدٍ: أَلِفْتُ الشيءَ وأَلِفْتُ فُلَانًا إِذَا أَنِسْتَ بِهِ، وأَلَّفْتُ بَيْنَهُمْ تأْلِيفاً إِذَا جَمَعْتَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقٍ) (٢). معنى الألفة اصطلاحاً: الألفة: اتفاق الآراء في المعاونة على تدبير المعاش (٣). وقال الراغب: (الإلف: اجتماع مع التئام، يقال: ألفت بينهم، ومنه: الألفة) (٤).

стр. 75

الترغيب والحث على الألفة من القرآن والسنة الترغيب والحث على الألفة من القرآن الكريم: · قال تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: ١٠٣]. قال الراغب الأصفهاني: (قوله: (وَلَا تَفَرَّقُوا) حث على الألفة والاجتماع، الذي هو نظام الإيمان واستقامة أمور العالم، وقد فضل المحبة والألفة على الإِنصاف والعدالة، لأنه يحُتاج إلى الإِنصاف حيث تفقد المحبة. ولصدق محبة الأب للابن صار مؤتمنا على ماله، والألفة أحد ما شرف الله به الشريعة سيما شريعة الإِسلام) (١). · وقال تعالى: وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: ١٠٣]. قال الزمخشريّ: (كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبة، فتحابوا وتوافقوا وصاروا إخوانا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد، قد نظم بينهم وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله) (٢). وقال السيوطي: (إذ كنتم تذابحون فيها يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم وألف به بينكم أما والله الذي لا إله إلا هو إن الألفة لرحمة وإن الفرقة لعذاب) (٣). · وقال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣]. قوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (فاجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد، ولا بقوة غير قوة الله، فلو أنفقت ما في الأرض جميعا من ذهب وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا الله تعالى وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ومن عزته أن ألف بين قلوبهم، وجمعها بعد الفرقة) (٤). وقال القرطبي: في قوله تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ أي جمع بين قلوب الأوس والخزرج. وكان تألف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي ﷺ ومعجزاته، لأن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها. وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين. وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار. والمعنى متقارب) (٥). الترغيب والحث على الألفة من السنة النبوية: إن الدين الإسلامي دين الألفة والتوادد والتعارف يحث أتباعه على الألفة والمحبة قال ﷺ : - ((إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلي المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العنت، العيب)) (٦).
следующие страницы →