ومن الإحسان إلى الحيوان، إطعامه والاهتمام به، وحد الشفرة عند ذبحه، وأن لا يحد الشفرة أمامه، وعدم الحمل إليه أكثر من طاقته.
قال ﷺ : ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ... )) (١) وكره أبو هريرة أن تحد الشفرة والشاة تنظر إليها، وروى أن النبي ﷺ رأى رجلا أضجع شاة، فوضع رجله على عنقها، وهو يحد شفرته فقال له ﷺ : ويلك، أردت أن تميتها موتات؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها (٢) وكان عمر بن الخطاب ينهى أن تذبح الشاة عند الشاة (٣).
وقوله ﷺ : ((في كل كبد رطبة أجر)) (٤).
قال النووي: (معناه في الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه أجر، وسمي الحي ذا كبد رطبة، لأن الميت يجف جسمه وكبده. ففي الحديث الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم، وهو ما لا يؤمر بقتله. فأما المأمور بقتله فيمتثل أمر الشرع في قتله، والمأمور بقتله كالكافر الحربي والمرتد والكلب العقور والفواسق الخمس المذكورات في الحديث وما في معناهن. وأما المحترم فيحصل الثواب بسقيه والإحسان إليه أيضا بإطعامه وغيره سواء كان مملوكا أو مباحا، وسواء كان مملوكا له أو لغيره) (٥).
وقال ﷺ : عُذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل خشاش الأرض (٦).
стр. 72
الأمثال في الإحسان
١ - اُسْقِ رَقَاشِ إِنَّها سَقَّايَة:
يضرب في الإحسان إلى المحسن (١).
٢ - إنَّما يَجْزِي الفَتى ليْسَ الجَمَل:
ومعناه إنما يجزي على الإحسان بالإحسان من هو حر وكريم فأما من هو بمنزلة الجمل في لؤمه وموقه فإنه لا يوصل إلى النفع من جهته إلا إذا اقتسر وقهر (٢).
٣ - إنَّما هُوَ كَبَارحِ الأَرْوَى قَلِيلاً ما يُرى:
وذلك أن الأرْوَى مساكنُها الجبالُ فلا يكاد الناس يرونها سانحةً ولا بارحةً إلا في الدهر مرة. يضرب لمن يرى منه الإحسان في الأحايين (٣).
٤ - جَزَيْتُهُ كَيْلَ الصَّاعِ بِالصّاعِ:
إذا كافأتَ الإحسانَ بمثله والإساءةَ بمثلها (٤).
٥ - وَجْدْتُ النَّاسَ إنْ قارضْتُهُمْ قارَضُوكَ:
أي: إن حسنت إليهم أحسنوا إليك وإن أسأت فكذلك (٥).
٦ - إنَّ الكَذُوبَ قَدْ يَصْدُقُ:
قال أبو عبيد: هذا المثل يضرب للرجل تكون الإساءة الغالبةَ عليه ثم تكون منه الهَنَةُ من الإحسان (٦).
стр. 73
الإحسان في واحة الشعر ..
قال أبو الفتح البستي:
زيادةُ المرءِ في دنياهُ نقصانُ ... وربحهُ غيرَ محضِ الخير خسرانُ
أحسنْ إلى الناسِ تَسْتَعبِدْ قلوبَهمُ ... فطالما استعبدَ الإنسانَ إِحسانُ
من جادَ بالمالِ مالَ الناسُ قاطبةً ... إليه والمالُ للإنسانِ فتانُ
أَحْسِنْ إِذا كانَ إِمكانٌ وَمَقْدِرَةٌ ... فلن يدومَ على الإِنسانِ إِمكانُ
حياكَ من لم تكن ترجو تحيتهُ ... لولا الدراهمُ ما حياكَ إِنسانُ
وقال المتنبي:
وَللتَّرْكُ للإِحسانِ خيرٌ لمحسنٍ ... إِذا جَعَلَ الإحسانَ غيرَ ربيبِ
وقال أبو الفتح البستي:
إن كنتَ تطلبُ رتبةَ الأشرافِ ... فعليكَ بالإِحسانِ والإِنصافِ
وإِذا اعتدى خِلٌ عليكَ فخلِّهِ ... والدهرُ فهو له مكافٍ كافِ
وقال أحمد الكيواني:
من يغرسِ الإحسانَ يجنِ محبةً ... دونَ المسيءِ المبعد المصرومِ
أقلِ العثارَ تُقَلْ ولا تحسدْ ولا ... تحقدْ فليس المرءُ بالمعصومِ
وقال ابن زنجي:
لا تَحْقِرَنَّ من الإِحسانِ محقرةً ... أحْسِنْ فعاقبةُ الإِحسانِ حُسناه
وقال آخر:
والله ما حلي الإمام بحلية ... أبهى من الإحسان والإنصاف
فلسوف يلقى في القيامة فعله ... ما كان من كدر أتاه وصافي
وقال أبو العتاهية:
لا تمشِ في الناسِ إِلا رحمةً لهمُ ... ولا تعاملهمُ إِلا بإِنصافِ
واقطعْ قوى كلِ حقدٍ أنتَ مضمرهُ ... إِن زلَّ ذو زلةٍ أو إِن هفا هافِ
وارغبْ بنفسِك عما لا صلاحَ له ... وأوسعِ الناسَ من بِرٍ وإِلطافِ
وإِن يكنْ أحدٌ أولاكَ صالحةً ... فكافِه فوقَ ما أولى بأضعافِ
ولا تكشِّفْ مسيئاً عن إِساءته ... وصلُ حبالَ أخيكَ القاطعِ الجافي ...
стр. 74
معنى الألفة لغة واصطلاحاً
معنى الألفة لغة:
(الْإِلْفُ بِالْكَسْرِ الْأَلِيفُ وَجَمْعُ الْأَلِيفِ: أَلَائِفُ كَتَبِيعٍ وَتَبَائِعَ وَالْأُلَّافُ: جَمْعُ آلِفٍ، وَفُلَانٌ قَدْ أَلِفَ هَذَا الْمَوْضِعَ بِالْكَسْرِ يَأْلَفُهُ إِلْفًا بِالْكَسْرِ أَيْضًا وَآلَفَهُ إِيَّاهُ غَيْرُهُ وَيُقَالُ أَيْضًا آلَفْتُ الْمَوْضِعَ أُولِفُهُ إِيلَافًا وَآلَفْتُ الْمَوْضِعَ أُؤَالِفُهُ مُؤَالَفَة) (١).
وقال أَبو عُبَيْدٍ: (أَلِفْتُ الشَّيْءَ وآلَفْتُه بِمَعْنًى وَاحِدٍ لَزِمْتُهُ، فَهُوَ مُؤْلَفٌ ومأْلُوفٌ ... وقال أَبو زَيْدٍ: أَلِفْتُ الشيءَ وأَلِفْتُ فُلَانًا إِذَا أَنِسْتَ بِهِ، وأَلَّفْتُ بَيْنَهُمْ تأْلِيفاً إِذَا جَمَعْتَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقٍ) (٢).
معنى الألفة اصطلاحاً:
الألفة: اتفاق الآراء في المعاونة على تدبير المعاش (٣).
وقال الراغب: (الإلف: اجتماع مع التئام، يقال: ألفت بينهم، ومنه: الألفة) (٤).
стр. 75
الترغيب والحث على الألفة من القرآن والسنة
الترغيب والحث على الألفة من القرآن الكريم:
· قال تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ [آل عمران: ١٠٣].
قال الراغب الأصفهاني: (قوله: (وَلَا تَفَرَّقُوا) حث على الألفة والاجتماع، الذي هو نظام الإيمان واستقامة أمور العالم، وقد فضل المحبة والألفة على الإِنصاف والعدالة، لأنه يحُتاج إلى الإِنصاف حيث تفقد المحبة. ولصدق محبة الأب للابن صار مؤتمنا على ماله، والألفة أحد ما شرف الله به الشريعة سيما شريعة الإِسلام) (١).
· وقال تعالى: وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران: ١٠٣].
قال الزمخشريّ: (كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف فيها المحبة، فتحابوا وتوافقوا وصاروا إخوانا متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد، قد نظم بينهم وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله) (٢).
وقال السيوطي: (إذ كنتم تذابحون فيها يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم وألف به بينكم أما والله الذي لا إله إلا هو إن الألفة لرحمة وإن الفرقة لعذاب) (٣).
· وقال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣].
قوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (فاجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد، ولا بقوة غير قوة الله، فلو أنفقت ما في الأرض جميعا من ذهب وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا الله تعالى وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ومن عزته أن ألف بين قلوبهم، وجمعها بعد الفرقة) (٤).
وقال القرطبي: في قوله تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ أي جمع بين قلوب الأوس والخزرج. وكان تألف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي ﷺ ومعجزاته، لأن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها. وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين. وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار. والمعنى متقارب) (٥).
الترغيب والحث على الألفة من السنة النبوية:
إن الدين الإسلامي دين الألفة والتوادد والتعارف يحث أتباعه على الألفة والمحبة قال ﷺ :
- ((إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلي المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العنت، العيب)) (٦).
стр. 76
- وعن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: ((لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أمن قال ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ قال: كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أمن قال لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها الأنصار شعار والناس دثار إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)) (١).
وهذا من أكبر نعم الله في بعثة رسول الله ﷺ : أن ألف به بين قوم قويت بينهم العصبيات، وينبغي أن يكون شأن المسلم هكذا يؤلف بين المتفرقين ويأتلف حوله المحبون (٢).
- وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس (٣).
قال المناوي في شرح قوله: ((المؤمن يألف)) قال: (لحسن أخلاقه وسهولة طباعه ولين جانبه وفي رواية ألف مألوف والألف اللازم للشيء فالمؤمن يألف الخير وأهله ويألفونه بمناسبة الإيمان قال الطيبي: وقوله المؤمن ألف يحتمل كونه مصدرا على سبيل المبالغة كرجل عدل أو اسم كان أي يكون مكان الألفة ومنتهاها ومنه إنشاؤها وإليه مرجعها ((ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)) لضعف إيمانه وعسر أخلاقه وسوء طباعه والألفة سبب للاعتصام بالله وبحبله وبه يحصل الإجماع بين المسلمين وبضده تحصل النفرة بينهم وإنما تحصل الألفة بتوفيق إلهي ... ومن التآلف ترك المداعاة والاعتذار عند توهم شيء في النفس وترك الجدال والمراء وكثرة المزاح) (٤).
وقال الماوردي: (بين به أن الإنسان لا يصلح حاله إلا الألفة الجامعة فإنه مقصود بالأذية محسود بالنعمة فإذا لم يكن ألفا مألوفا تختطفه أيدي حاسديه وتحكم فيه أهواء أعاديه فلم تسلم له نعمة ولم تصف له مدة وإذا كان ألفا مألوفا انتصر بالألف على أعاديه وامتنع بهم من حساده فسلمت نعمته منهم وصفت مودته بينهم وإن كان صفو الزمان كدرا ويسره عسرا وسلمه خطر) (٥).
قال الراغب الأصفهاني: (ولذلك حثنا على الاجتماعات في الجماعات والجمعات، لكون ذلك سبباً للألفة، بل لذلك عظم الله تعالى المنة على المؤمنين بإيقاع الألفة بين المؤمنين ... وليس ذلك في الإنسان فقط، بل لولا أن الله تعالى ألَّف بين الأركان المتضادة، لما استقام العالم، ولذلك قال ﵇: ((بالعدل قامت السماوات والأرض)) (٦) ومتى تصور هذه الجملة، علم أن الآية في نهاية الذم) (٧).
- وعن عوف بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم)) (٨).
стр. 77
إن خيار الناس في نظر الشرع هم الذين يألفون ويؤلفون، وخاصة حين يكونون في منصب أو مسؤولية، إذ قد ينزلقون إلى صور من الغلظة والجفوة حين يكونون مطلوبين لا طالبين (١).
- وقال ﷺ : ((الناس معادن كمعادن الفضة والذهب خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)) (٢).
قال القاري: (التعارف جريان المعرفة بين اثنين والتناكر ضده أي: فما تعرف بعضها من بعض قبل حلولها في الأبدان ((ائتلف)) ... أي: حصل بينهما الألفة والرأفة حال اجتماعهما بالأجساد في الدنيا ((وما تناكر منها)) أي: في عالم الأرواح ((اختلف)) أي: في عالم الأشباح، والإفراد والتذكير في الفعلين باعتبار لفظ ما، والمراد منه بطريق الإجمال والله أعلم بحقيقة الحال أن الأرواح البشرية التي هي النفوس الناطقة مجبولة على مراتب مختلفة وشواكل متباينة، وكل ما شاكل منها في عالم الأمر في شاكلته تعارفت في عالم الخلق وائتلفت واجتمعت، وكل ما كان على غير ذلك في عالم الأمر تناكرت في عالم الخلق فاختلفت وافترقت، فالمراد بالتعارف ما بينهما من التناسب والتشابه، وبالتناكر ما بينهما من التنافر والتباين، فتارة على وجه الكمال وتارة على وجه النقصان، إذ قد يوجد كل من التعارف والتناكر بأدنى مشاكلة بينهما إما ظاهرا وإما باطنا، وبحقيقة يطول وتخاف من إعراض الملول واعتراض الفضول) (٣).
стр. 78
أقوال السلف والعلماء في الألفة
- عن مجاهد قال: رأى ابن عباس رجلا فقال: (إن هذا ليحبني قالوا وما علمك قال إني لأحبه والأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) (١).
- وعن الأوزاعيّ قال: كتب إليّ قتادة: إن يكن الدّهر فرّق بيننا فإنّ ألفة الله الّذي ألّف بين المسلمين قريب (٢).
- وعنه أيضاً قال: (سمعت بلال بن سعد بن تميم، يقول: أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارا) (٣).
- وقال يونس الصدفي: (ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوما في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة) (٤).
- وقال السلمي: (وأصل التآلف هو بغض الدنيا والإعراض عنها، فهي التي توقع المخالفة بين الإخوان) (٥).
- وقال الماوردي: (الإنسان مقصود بالأذية، محسود بالنعمة. فإذا لم يكن آلفا مألوفا تخطفته أيدي حاسديه، وتحكمت فيه أهواء أعاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تصف له مدة. فإذا كان آلفا مألوفا انتصر بالألفة على أعاديه، وامتنع من حاسديه، فسلمت نعمته منهم، وصفت مدته عنهم، وإن كان صفو الزمان عسرا، وسلمه خطرا) (٦).
- وقال الْغَزالِي (الألفة ثَمَرَة حسن الْخلق والتفرق ثَمَرَة سوء الْخلق فَحسن الْخلق يُوجب التحبب والتآلف والتوافق وَسُوء الْخلق يُثمر التباغض والتحاسد والتناكر) (٧).
- وقال أَبُو حاتم: (سبب ائتلاف الناس وافتراقهم بعد القضاء السابق هو تعارف الروحين وتناكر الروحين فإذا تعارف الروحان وجدت الألفة بين نفسيهما وإذا تناكر الروحان وجدت الفرقة بين جسميهما) (٨).
- وقال أيضاً: (إن من الناس من إذا رآه المرء يعجب به فإذا ازداد به علما ازداد به عجبا ومنهم من يبغضه حين يراه ثم لا يزداد به علما إلا ازداد له مقتا فاتفاقهما يكون باتفاق الروحين قديما) (٩).
- وقال ابن تيمية: (إن السلف كانوا يختلفون في المسائل الفرعية، مع بقاء الألفة والعصمة وصلاح ذات البين) (١٠).
- وقال الأبشيهي: (التآلف سبب القوة، والقوة سبب التقوى، والتقوى حصن منيع وركن شديد بها يمنع الضيم وتنال الرغائب وتنجع المقاصد) (١١).
стр. 79
فوائد الألفة
١ - قيام الألفة بين المؤمنين من أسباب النصر والتمكين.
٢ - أن الألفة تجمع شمل الأمة وتمنع ذلهم.
٣ - الألفة سبب للاعتصام بالله وبحبله.
٤ - بسبب الألفة يحصل الإجماع بين المسلمين.
٥ - (ألفة الصالحين بشارة.
٦ - تحقق الاجتماع على الخير.
٧ - دليل البراءة من النفاق.
٨ - دليل وجود الخير فيمن يألف ويؤلف.
٩ - محبة الله ورسوله ﷺ والمؤمنين.
١٠ - تحقق التماسك الاجتماعي وتشيع روح المودة بين المسلمين.
١١ - داعية إلى التناصر وسلامة المجتمع المسلم.
١٢ - توفر جوا اجتماعيا سليما لنمو الإنسان المسلم نموا سليما في إطار مبادئ الإسلام.
١٣ - داعية إلى التوحد الاجتماعي ونبذ أسباب الفرقة والمعاداة.
١٤ - تشيع التعاون بين المسلمين، وفي ذلك مدعاة لرضا الله تعالى ثم رضا الناس) (١).
стр. 80
أسباب الألفة
هناك أسباب كثيرة تؤدي إلى الألفة والمحبة، منها مواقف جادة وأفعال تثبت وتقوي الألفة في المجتمع المسلم فمنها:
١ - التعارف ومعاشرة الناس:
قال ﷺ : ((الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)) (١).
٢ - التواضع:
إن (خفض الْجنَاح ولين الْكَلِمَة وَترك الإغلاظ من أَسبَاب الألفة واجتماع الْكَلِمَة وانتظام الْأَمر وَلِهَذَا قيل من لانت كَلمته وَجَبت محبته وَحسنت أحدوثته وظمئت الْقُلُوب إِلَى لِقَائِه وتنافست فِي مودته) (٢).
قال ابن عثيمين: (وظيفة المسلم مع إخوانه، أن يكون هيناً ليناً بالقول وبالفعل؛ لأن هذا مما يوجب المودة والألفة بين الناس، وهذه الألفة والمودة أمرٌ مطلوب للشرع، ولهذا نهى النبي ﵊ عن كل ما يوجب العداوة والبغضاء) (٣).
٣ - إفشاء السلام:
قال ﷺ : ((يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)) (٤).
(قال الإمام الرازي: الحكمة في طلب السلام عند التلاقي والمكاتبة دون غيرهما أن تحية السلام طلبت عند ما ذكر لأنها أول أسباب الألفة ولا السلامة التي تضمنها السلام هي أقصى الأماني فتنبسط النفس عند الاطلاع عليه أي بسط وتتفاءل به أحسن فأل) (٥).
قال ابن عثيمين: (فهذه الحقوق التي بينها النبي ﷺ كلها إذا قام بها الناس بعضهم مع بعض، حصل بذلك الألفة والمودة وزال ما في القلوب والنفوس من الضغائن والأحقاد) (٦).
٤ - الكلام اللين:
فالكلام اللين والطيب من الأسباب التي تؤلف بين القلوب، قال تعالى: وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا [الإسراء: ٥٣].
٥ - التعفف عن سؤال الناس:
قال ﷺ : ((وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس)) (٧).
(السعي في مصالح الناس وقضاء حاجاتهم:
قال ﷺ : ((من حفر ماءً لم تشرب منه كبد حري من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة)) (٨).
٦ - السعي للإصلاح بين الناس:
قال تعالى: فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ [الأنفال: ١].
٧ - الاهتمام بأمور المسلمين والإحساس بقضاياهم:
قال ﷺ : ((المؤمنون كرجل واحد، إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) (٩).
٨ - زيارة المسلم وعيادته إذا مرض:
стр. 81
فزيارة المسلم لأخيه المسلم تبعث على الحب والإخاء ولا سيما عند المرض، قال ﷺ : ((من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله، ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا)) (١).
٩ - التهادي:
لا شك أن تقديم الهدية يزيد من الألفة والمحبة والتقارب بين المهدي والمهدى إليه، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((تهادوا تحابوا)) (٢).
وقد حسر الماوردي أسباب الألفة على خمسة أسباب رئيسية: وهي: الدين والنسب والمصاهرة والمودة والبر، قال:
١ - (فأما الدين: وهو الأول من أسباب الألفة فلأنه يبعث على التناصر، ويمنع من التقاطع والتدابر. وبمثل ذلك وصى رسول الله ﷺ أصحابه، فروى سفيان عن الزهري عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)) (٣).
وهذا وإن كان اجتماعهم في الدين يقتضيه فهو على وجه التحذير من تذكر تراث الجاهلية وإحن الضلالة. فقد بعث رسول الله ﷺ والعرب أشد تقاطعا وتعاديا، وأكثر اختلافا وتماديا، حتى إن بني الأب الواحد يتفرقون أحزابا فتثير بينهم بالتحزب والافتراق أحقاد الأعداء، وإحن البعداء ...
٢ - وأما النسب: وهو الثاني من أسباب الألفة فلأن تعاطف الأرحام حمية القرابة يبعثان على التناصر والألفة، ويمنعان من التخاذل والفرقة، أنفة من استعلاء الأباعد على الأقارب، وتوقيا من تسلط الغرباء الأجانب. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الرحم إذا تماست تعاطفت)) (٤) ...
٣ - وأما المصاهرة: وهي الثالث من أسباب الألفة فلأنها استحداث مواصلة، وتمازج مناسبة، صدرا عن رغبة واختيار، وانعقدا على خير وإيثار، فاجتمع فيها أسباب الألفة ومواد المظاهرة. قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: ٢١] يعني بالمودة المحبة، وبالرحمة الحنو والشفقة، وهما من أوكد أسباب الألفة ...
٤ - وأما المؤاخاة بالمودة، وهي الرابع من أسباب الألفة؛ لأنها تكسب بصادق الميل إخلاصا ومصافاة، ويحدث بخلوص المصافاة وفاء ومحاماة. وهذا أعلى مراتب الألفة، ولذلك آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه؛ لتزيد ألفتهم، ويقوى تظافرهم وتناصرهم ...
٥ - وأما البر، وهو الخامس من أسباب الألفة فلأنه يوصل إلى القلوب ألطافا، ويثنيها محبة وانعطافا. ولذلك ندب الله تعالى إلى التعاون به وقرنه بالتقوى له فقال: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢].
لأن في التقوى رضى الله تعالى، وفي البر رضى الناس. ومن جمع بين رضى الله تعالى ورضى الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته. وروى الأعمش عن خيثمة عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها)) (٥).
стр. 82
الألفة في واحة الشعر ..
قال علي ﵁:
عليك بإخوان الصفاء فإنّهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور
وإنّ قليلا ألف خلّ وصاحب ... وإنّ عدوا واحدا لكثير (١)
قال أحمد بن محمد بن بكر الأبناوي:
إن القلوب لأجناد مجندة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف
فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف (٢)
وقال منصور بن محمد الكريزي:
فما تبصر العينان والقلب آلف ... ولا القلب والعينان منطبقان
ولكن هما روحان تعرض ذي لذى ... فيعرف هذا ذي فيلتقيان (٣)
وقال: محمد بن إسحاق بن حبيب الواسطي:
تعارف أرواح الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يتقى وخليل
كذاك أمور الناس والناس منهم ... خفيف إذا صاحبته وثقيل (٤)
وقال المنتصر بن بلال الأنصاري:
يزين الفتى في قومه ويشينه ... وفي غيرهم أخدانه ومداخله
لكل امرئ شكل من الناس مثله ... وكل امرئ يهوى إلى من يشاكله (٥)
وقال محمد بن عبد الله بن زنجي البغدادي:
إن كنت حلت وبي استبدلت مطرحا ... ودا فلم تأت مكروها ولا بدعا
فكل طير إلى الأشكال موقعها ... والفرع يجري إلى الأعراق منتزعا (٦) ...
стр. 83
معنى الأمانة لغة واصطلاحاً
معنى الأمانة لغة:
الأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ [الأنفال: ٢٧]، أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الأحزاب: ٧٢] (١).
معنى الأمانة اصطلاحاً
هي كل حق لزمك أداؤه وحفظه (٢)
وقيل هي: (التعفف عما يتصرف الإنسان فيه من مال وغيره وما يوثق به عليه من الأعراض والحرم مع القدرة عليه، ورد ما يستودع إلى مودعه) (٣).
وقال الكفوي في تعريف الأمانة: (كل ما افترض على العباد فهو أمانة كصلاة وزكاة وصيام وأداء دين وأوكدها الودائع وأوكد الودائع كتم الأسرار) (٤).
стр. 84
الترغيب في الأمانة من القرآن والسنة
الترغيب في الأمانة من القرآن الكريم:
- قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨].
قال ابن تيمية: (قال العلماء نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك إلا أن يأمروا بمعصية الله فإن أمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإن لم تفعل ولاة الأمر ذلك أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله لأن ذلك من طاعة الله ورسوله وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]. وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة) (١).
وقال الشوكاني: (هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع؛ لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات، وقد روي عن علي، وزيد بن أسلم، وشهر بن حوشب أنها خطاب لولاة المسلمين، والأوّل أظهر، وورودها على سبب، كما سيأتي، لا ينافي ما فيها من العموم، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما تقرر في الأصول، وتدخل الولاة في هذا الخطاب دخولاً أوّليا، فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات، وردّ الظلامات، وتحرّي العدل في أحكامهم، ويدخل غيرهم من الناس في الخطاب، فيجب عليهم ردّ ما لديهم من الأمانات، والتحري في الشهادات والأخبار. وممن قال بعموم هذا الخطاب: البراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، واختاره جمهور المفسرين، ومنهم ابن جرير، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن المنذر) (٢).
- وقال سبحانه: وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٣].
- وقوله : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]
стр. 85
قال السعدي في تفسيره لهذه الآية: (عظم تعالى شأن الأمانة، التي ائتمن الله عليها المكلفين، التي هي امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السر والخفية، كحال العلانية، وأنه تعالى عرضها على المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض والجبال، عرض تخيير لا تحتيم، وأنك إن قمت بها وأدَّيتِهَا على وجهها، فلكِ الثواب، وإن لم تقومي بها، ولم تؤديها فعليك العقاب. فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا أي: خوفًا أن لا يقمن بما حُمِّلْنَ، لا عصيانًا لربهن، ولا زهدًا في ثوابه، وعرضها الله على الإنسان، على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل) (١).
- وقال تعالى في ذكر صفات المفلحين وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون: ٨] (أي: مراعون لها، حافظون مجتهدون على أدائها والوفاء بها، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربه، كالتكاليف السرية، التي لا يطلع عليها إلا الله، والأمانات التي بين العبد وبين الخلق، في الأموال والأسرار) (٢).
- والقرآن حكى لنا قصة موسى حين سقى لابنتي الرجل الصالح ورفق بهما وكان معهما عفيفاً أمينا: وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص: ٢٣ - ٢٦]
الترغيب في الأمانة من السنة النبوية:
- عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)) (٣).
قال ابن عبد البر في التمهيد: (وهذا معناه عند أهل العلم لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته لك والنهي إنما وقع على الابتداء أو ما يكون في معنى الابتداء كأنه يقول ليس لك أن تخونه وإن كان قد خانك كما من لم يكن له أن يخونك أولا وأما من عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه فليس بخائن وإنما الخائن من أخذ ما ليس له أو أكثر مما له) (٤).
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي) (٥).
стр. 86
- وعنه أيضاً- ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) (١).
قال ابن عثيمين: (يعني إذا ائتمنه الناس على أموالهم أو على أسرارهم أو على أولادهم أو على أي شيء من هذه الأشياء فإنه يخون والعياذ بالله فهذه من علامات النفاق) (٢).
- وعنه أيضاً ﵁ قال: ((بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) (٣).
- وعن حذيفة بن اليمان- ﵄ قال: ((حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة. وحدثنا عن رفعها. قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت. ثم ينام النومة فتقبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط. فتراه منتبرا وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلا أمينا. ويقال للرجل ما أعقله، وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان)) (٤).
(الحديث يصور انتزاع الأمانة من القلوب الخائنة تصويرا محرجا فهي كذكريات الخير في النفوس الشريرة، تمر بها وليست منها، وقد تترك من مرها أثرا لاذعا. بيد أنها لا تحيى ضميرا مات، وأصبح صاحبه يزن الناس على أساس أثرته وشهوته، غير مكترث بكفر أو إيمان!! إن الأمانة فضيلة ضخمة، لا يستطيع حملها الرجال المهازيل، وقد ضرب الله المثل لضخامتها، فأبان أنها تثقل كاهل الوجود فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بها؟ أو يفرط في حقها. قال الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً [الأحزاب:٧٢]. والظلم والجهل آفتان عرضتا للفطرة الأولى وعُنى الإنسان بجهادهما فلن يخلص له إيمان إلا إذا أنقاه من الظلم: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ ... [الأنعام: ٨٢]. ولن تخلص له تقوى إلا إذا نَقاها من الجهالة: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [فاطر:٢٨]. ولذلك بعد أن تقرأ الآية التي حملت الإنسان الأمانة تجد أن الذين غلبهم الظلم والجهل خانوا ونافقوا وأشركوا فحق عليهم العقاب ولم تكتب السلامة إلا لأهل الإيمان والأمانة: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [الأحزاب: ٧٣]) (٥).
- وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: ((أربع إذا كن فيك فلا يضرنك ما فاتك من الدنيا: صدق حديث وحفظ أمانة وحسن خليقة وعفة طعمة.)) (٦).
стр. 87
أقوال السلف والعلماء في الأمانة
- قال أبو بكر الصديق ﵁: (أصدق الصدق الأمانة وأكذب الكذب الخيانة) (١).
- وعن ابن أبي نجيح قال: (لما أتي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلبه بعود في يده ويقول: والله إن الذي أدى إلينا هذا لأمين. فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنت أمين الله يؤدّون إليك ما أدّيت إلى الله فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت) (٢).
- وعن هشام أن عمر قال: (لا تغرني صلاة امرئ ولا صومه من شاء صام ومن شاء صلى لا دين لمن لا أمانة له) (٣).
- وقال عبد الله بن مسعود: (القتل في سبيل الله كفارة كل ذنب إلا الأمانة وإن الأمانة الصلاة والزكاة والغسل من الجنابة والكيل والميزان والحديث وأعظم من ذلك الودائع) (٤).
- وعن أبي هريرة قال: (أول ما يرفع من هذه الأمة الحياء والأمانة فسلوها الله) (٥).
- وقال ابن عباس- ﵄: (لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة) (٦).
- وقال نافع مولى ابن عمر: (طاف ابن عمر سبعا وصلى ركعتين فقال له رجل من قريش: ما أسرع ما طفت وصليت يا أبا عبد الرحمن. فقال ابن عمر أنتم أكثر منا طوافا وصياما، ونحن خير منكم بصدق الحديث. وأداء الأمانة وإنجاز الوعد) (٧).
- وعن سفيان بن عيينة قال: (من لم يكن له رأس مال فليتخذ الأمانة رأس ماله) (٨).
- وقال ميمون بن مهران: (ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر: الأمانة؟ والعهد؟ وصلة الرحم) (٩).
- وقال الشافعي: (آلات الرياسة خمس: صدق اللهجة، وكتمان السر، والوفاء بالعهد، وابتداء النصيحة، وأداء الأمانة) (١٠).
- وقال ابن أبي الدنيا: (الداعي إلى الخيانة شيئان: المهانة وقلة الأمانة، فإذا حسمهما عن نفسه بما وصفت ظهرت مروءته) (١١)
- وعن خالد الربعي قال كان يقال: (إن من أجدر الأعمال أن لا تؤخر عقوبته أو يعجل عقوبته الأمانة تخان والرحم تقطع والإحسان يكفر) (١٢).
стр. 88
فوائد الأمانة
١ - (الأمانة من كمال الإيمان وحسن الإسلام.
٢ - يقوم عليها أمر السموات والأرض.
٣ - هي محور الدين وامتحان رب العالمين.
٤ - بالأمانة يحفظ الدين والأعراض والأموال والأجسام والأرواح والمعارف والعلوم والولاية والوصاية والشهادة والقضاء والكتابة ...
٥ - الأمين يحبه الله ويحبه الناس.
٦ - من أعظم الصفات الخلقية التي وصف الله بها عباده المؤمنين بقوله وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون: ٨]، و [المعارج: ٣٢].
٧ - مجتمع تفشو فيه الأمانة مجتمع خير وبركة) (١)
стр. 89
صور الأمانة
هناك مجالات وصور تدخل فيها الأمانة وهي كثيرة جدا ومنها المجالات الآتية:
١ - الأمانة فيما افترضه الله على عباده:
فمن الأمانة: (ما ائتمنه الله على عباده من العبادات التي كلفهم بها فإنها أمانة ائتمن الله عليها العباد) (١)
٢ - الأمانة في الأموال:
(ومن الأمانة العفة عما ليس للإنسان به حق من المال، وتأدية ما عليه من حق لذويه، وتأدية ما تحت يده منه لأصحاب الحق فيه، وتدخل في البيوع والديون والمواريث والودائع والرهون والعواري والوصايا وأنواع الولايات الكبرى والصغرى وغير ذلك) (٢).
قال ابن عثيمين ﵀: (ومنها الأمانة المالية وهي الودائع التي تعطى للإنسان ليحفظها لأهلها. وكذلك الأموال الأخرى التي تكون بيد الإنسان لمصلحته أو مصلحته ومصلحة مالكها وذلك أن الأمانة التي بيد الإنسان إما أن تكون لمصلحة مالكها أو لمصلحة من هي بيده أو لمصلحتهما جميعا فأما الأول فالوديعة تجعلها عند شخص تقول مثلا هذه ساعتي عندك احفظها لي أو هذه دراهم احفظها لي وما أشبه ذلك فهذه وديعة المودع فيها بقيت عنده لمصلحة مالكها وأما التي لمصلحة من هي بيده فالعارية يعطيك شخص شيئا يعيرك إياه من إناء أو فراش أو ساعة أو سيارة فهذه بقيت في يدك لمصلحتك وأما التي لمصلحة مالكها ومن هي بيده فالعين المستأجرة فهذه مصلحتها للجميع استأجرت مني سيارة وأخذتها فأنت تنتفع بها في قضاء حاجتك وأنا أنتفع بالأجرة وكذلك البيت والدكان وما أشبه ذلك كل هذه من الأمانات) (٣).
٣– الأمانة في الأعراض:
(فمن الأمانة في الأعراض العفة عما ليس للإنسان به حق منها، وكف النفس واللسان عن نيل شيء منها بسوء، كالقذف والغيبة.
٤ - الأمانة في الأجسام والأرواح:
فمن الأمانة في الأجسام والأرواح كف النفس واليد عن التعرض لها بسوء من قتل أو جرح أو ضر أو أذى.
٥– الأمانة في المعارف والعلوم:
فمن الأمانة في المعارف والعلوم تأديتها دون تحريف أو تغيير، ونسبة الأقوال إلى أصحابها وعدم انتحال الإنسان ما لغيره منها.
٦ - الأمانة في الولاية:
فمن الأمانة في الولاية تأدية الحقوق إلى أهلها، وإسناد الأعمال إلى مستحقيها الأكفياء لها، وحفظ أموال الناس وأجسامهم وأرواحهم وعقولهم وصيانتها مما يؤذيها أو يضر بها، وحفظ الدين الذي ارتضاه الله لعباده من أن يناله أحد بسوء، وحفظ أسرار الدولة وكل ما ينبغي كتمانه من أن يسرب إلى الأعداء، إلى غير ذلك من أمور) (٤).
قال ابن عثيمين: (ومن الأمانة أيضا أمانة الولاية وهي أعظمها مسئولية الولاية العامة والولايات الخاصة فالسلطان مثلا الرئيس الأعلى في الدولة أمين على الأمة كلها على مصالحها الدينية ومصالحها الدنيوية على أموالها التي تكون في بيت المال لا يبذرها ولا ينفقها في غير مصلحة المسلمين وما أشبه ذلك. وهناك أمانات أخرى دونها كأمانة الوزير مثلا في وزارته وأمانة الأمير في منطقته وأمانة القاضي في عمله وأمانة الإنسان في أهله المهم أن الأمانة بابها واسع جدا) (٥). أما إذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية.
стр. 90
وقال ابن تيمية: (واجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررا فيها فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوى الشجاع وان كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا كما سئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى فقال أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوي الفاجر وقد قال النبي ((إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) (١). وروي ((بأقوام لا خلاق لهم)) (٢)، وإن لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده) (٣).
٧– الأمانة في الشهادة:
(وتكون الأمانة في الشهادة بتحملها بحسب ما هي عليه في الواقع، وبأدائها دون تحريف أو تغيير أو زيادة أو نقصان.
٨ – الأمانة في القضاء:
وتكون الأمانة في القضاء بإصدار الأحكام وفق أحكام العدل التي استؤمن القاضي عليها، وفوض الأمر فيها إليه.
٩– الأمانة في الكتابة:
وتكون الأمانة في الكتابة بأن تكون على وفق ما يمليه ممليها، وعلى وفق الأصل الذي تنسخ عنه، فلا يكون فيها تغيير ولا تبديل ولا زيادة ولا نقص وإذا كانت من إنشاء كاتبها فالأمانة فيها أن تكون مضامينها خالية من الكذب والتلاعب بالحقائق إلى غير ذلك.
١٠– الأمانة في الأسرار التي يستأمن الإنسان على حفظها وعدم إفشائها:
وتكون الأمانة فيها بكتمانها) (٤).
قال ابن عثيمين: (ومن الأمانات ما يكون بين الرجل وصاحبه من الأمور الخاصة التي لا يجب أن يطلع عليها أحد فإنه لا يجوز لصاحبه أن يخبر بها فلو استأمنت على حديث حدثك به وقال لك هذا أمانة فإنه لا يحل لك أن تخبر به أحد من الناس ولو كان أقرب الناس إليك سواء أوصاك بأن لا تخبر به أحدا أو علم من قرائن الأحوال أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد ولهذا قال العلماء إذا حدثك الرجل بحديث والتفت فهذه أمانة لماذا؟ لأن كونه يلتفت فإنه يخشى بذلك أن يسمع أحد إذا فهو لا يحب أن يطلع عليه أحد فإذا ائتمنك الإنسان على حديث فإنه لا يجوز لك أن تفشيه.
ومن ذلك أيضا ما يكون بين الرجل وبين زوجته من الأشياء الخاصة فإن شر الناس منزلة عند الله تعالى يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم يروح ينشر سرها ويتحدث بما جرى بينهما) (٥)
١١– الأمانة في الرسالات:
(وتكون الأمانة فيها بتبليغها إلى أهلها تامة غير منقوصة ولا مزاد عليها وعلى وفق رغبة محملها، سواء أكانت رسالة لفظية أو كتابية أو عملية.
١٢– الأمانة في السمع والبصر وسائر الحواس:
وتكون الأمانة فيها بكفها عن العدوان على أصحاب الحقوق، وبحفظها عن معصية الله فيها، وبتوجيهها للقيام بما يجب فيها من أعمال، فاستراق السمع خيانة، واستراق النظر إلى ما لا يحل النظر إليه خيانة، واستراق اللمس المحرم خيانة) (٦).
стр. 91
(ومن معاني الأمانة أن تنظر إلى حواسك التي أنعم الله بها عليك? وإلى المواهب التي خصك بها وإلى ما حُبيت من أموال وأولاد؟ فتدرك أنها ودائع الله الغالية عندك؟ فيجب أن تسخرها في قرباته؟ وأن تستخدمها في مرضاته. فإن امتحنت بنقص شيء منها فلا يستخفنك الجزع متوهما أن ملكك المحض قد سُلب منك؟ فالله أولى بك منك. وأولى بما أفاء عليك وله ما أخذ وله ما أعطى! وإن امتحنت ببقائها فما ينبغي أن تجبن بها عن جهاد؟ أو تفتتن بها عن طاعة؟ أو تستقوي بها على معصية. قال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨]) (١).
١٣ - الأمانة في النصح والمشورة:
(ومن صور الأمانة أن تنصح من استشارك، وأن تصدق من وثق برأيك، فإذا عرض عليك أحد من الناس موضوعاً معيناً، وطلب منك الرأي والمشورة والنصيحة، فاعلم أن إبداء رأيك له أمانة، فإذا أشرت عليه بغير الرأي الصحيح، فذلك خيانة.
وقد قال الرسول ﷺ : ((المستشار مؤتمن)) (٢)) (٣).
стр. 92
الأمانة صفة الرسل
(إن صفة الأمانة أحد الصفات الواجب توافرها في كل رسول ...
فإن كان خاتم الأنبياء ﷺ ، قد لُقب قبل البعثة (بالأمين) فلك أن تتصور شمائل الرجولة، وخصال الصلاح تتخايل في شخصه الكريم والتي لأجلها وضع في المكان اللائق به.
والأَتْباع ما داموا عقلاء، فلابد أن يكون لهم نصيب من تلك الخلال، فقد وصف الله المؤمنين بما وصف به الملائكة والمرسلين، قال تعالى واصفاً للمؤمنين:
وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وقد وردت مرتين، في سورة [المؤمنون: ٨] وفي سورة [المعارج: ٣٢].
وتلك الصفة بعينها ذكرت خمس مرات متواليات بحق الأنبياء في سورة الشعراء:
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ .. فقد قالها نبي الله نوح في آية [١٠٧].
ونبي الله هود، في آية [١٢٥] ونبي الله صالح في آية [١٤٣].
ونبي الله لوط في آية [١٦٢] ونبي الله شعيب في آية [١٧٨].
بل إن ... جبريل ﵇، من أسمائه (الروح الأمين).
ولا غرو، فبقدر امتداد معنى الأمانة في النفس، تكون قيمتها، وتكون منزلة صاحبها) (١).
стр. 93
الرسول ﷺ القدوة في الأمانة
(أشهر من اتصف بالأمانة هو نبينا محمد ﷺ في كل أمور حياته، قبل البعثة وبعدها.
أما أمانته قبل البعثة: فقد عرف بين قومه قبل بعثته بالأمين ولقب به، فها هي القبائل من قريش لما بنت الكعبة حتى بلغ البنيان موضع الركن – الحجر الأسود – اختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون القبيلة الأخرى حتى تخالفوا وأعدوا للقتال، فمكثت قريش على ذلك أربع ليالي أو خمساً، ثم تشاوروا في الأمر، فأشار أحدهم بأن يكون أول من يدخل من باب المسجد هو الذي يقضي بين القبائل في هذا الأمر، ففعلوا، فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر، قال ﵊: ((هلم إلي ثوباً، فأتى به، فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده، ثم بنى عليه)). (١)
ولقد كان السبب في زواجه ﷺ بخديجة – ﵂ – هو الأمانة، فقد تاجر ﷺ في مال خديجة قبل البعثة، وقد اتصف في تجارته بصدق الحديث، وعظيم الأمانة، يقول ابن الأثير في هذا الصدد: (فلما بلغها – أي خديجة – عن رسول الله ﷺ صدق الحديث، وعظيم الأمانة، وكرم الأخلاق، أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجراً، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره مع غلامها ميسرة فأجابها، وخرج معه ميسرة) (٢)، ولما عاد إلى مكة، وقص عليها ميسرة أخبار محمد ﷺ قررت الزواج به.
والمواقف التي تدل على أمانته ﷺ قبل البعثة كثيرة.
أما أمانته بعد البعثة: فقد أدى الرسول ﷺ الأمانة الكبرى التي تكفل بها، وهي الرسالة أعظم ما يكون الأداء، وتحمل في سبيلها أعظم أنواع المشقة.
وقد شهد له العدو قبل الصديق بأمانته، ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في حوار أبي سفيان (قبل إسلامه) وهرقل، حيث قال هرقل: (سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة، والصدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي) ... وفي موضع آخر يقول هرقل: (وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون).
وقد كان ﷺ أحرص الناس على أداء الأمانات والودائع للناس حتى في أصعب وأحلك الأوقات، فهاهي قريش تودع عنده أموالها أمانة لما يتوسمون فيه من هذه الصفة، وها هو ﷺ يخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة فماذا يفعل في أمانات الناس التي عنده (قال لعلي بن أبي طالب – ﵁: نم على فراشي، واتشح ببردي الأخضر، فنم فيه، فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه، وأمره أن يؤدي ما عنده من وديعة وأمانة) (٣)(٤).
стр. 94
نماذج في الأمانة من الأمم الماضية
- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اشترى رجل من رجل عقارا له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك منى إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب. فقال الذي شرى الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها - قال - فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد فقال أحدهما لي غلام وقال الآخر لي جارية. قال أنكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدقا)) (١).
- وعنه أيضا، عن النبي ﷺ ((أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال ائتني بالشهداء أشهدهم فقال كفى بالله شهيدا قال فأتني بالكفيل قال كفى بالله كفيلا قال صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج موضعها ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت كفى بالله كفيلا فرضي بك وسألني شهيدا فقلت كفى بالله شهيدا فرضي بك وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر وإني أستودعكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا قد جاء بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما نشرها وجد المال والصحيفة ثم قدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار فقال والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه قال هل كنت بعثت إلي بشيء قال أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه قال فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة فانصرف بالألف الدينار راشدا)) (٢).
стр. 95
ما ترمز إليه الأمانة من معاني
الأمانة في نظر الشارع واسعة الدلالة، وهي ترمز إلى معان شتى، مناطها جميعاً شعور المرء بتبعته في كل أمر يوكل إليه، وإدراكه الجازم بأنه مسؤول عنه أمام ربه ... والعوام يقصرون الأمانة في أضيق معانيها وآخرها ترتيباً، وهو حفظ الودائع، مع أن حقيقتها في دين الله أضخم وأثقل.
وإنها الفريضة التي يتواصى المسلمون برعايتها ويستعينون بالله على حفظها، حتى إنه عندما يكون أحدهم على أهبة السفر يقول له أخوه: ((أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك)) (١).
وعن أنس قال: ((قلما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له)) (٢).
ولما كانت السعادة القصوى أن يوقى الإنسان شقاء العيش في الدنيا وسوء المنقلب في الأخرى، فإن رسول الله جمع في استعاذته بين الحالين معاً إذ قال: ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئس البطانة)) (٣).
فالجوع ضياع الدنيا والخيانة ضياع الدين .. !! (٤)
стр. 96
العمل بالحيل يفتح باب الخيانة
قال ابن تيمية: (أخبر النبي ﷺ : ((أن أول ما يفقد من الدين الأمانة، وآخر ما يفقد منه الصلاة)) (١)، وحدَّث عن رفع الأمانة من القلوب الحديث المشهور وقال: ((خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم فذكر بعد قرنه قرنين, أو ثلاثة، ثم ذكر أن بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن)) (٢)، وهذه أحاديث صحيحة مشهورة. ومعلوم أن العمل بالحيل يفتح باب الخيانة والكذب، فإن كثيرا من الحيل لا يتم إلا أن يتفق الرجلان على عقد يظهرانه ومقصودهما أمر آخر، كما ذكرنا في التمليك للوقف، وكما في الحيل الربوية، وحيل المناكح، وذلك الذي اتفقا عليه إن لزم الوفاء به كان العقد فاسدا. وإن لم يلزم فقد جوزت الخيانة والكذب في المعاملات، ولهذا لا يطمئن القلب إلى من يستحل الحيل خوفا من مكره، وإظهاره ما يبطن خلافه وفي الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه قال: ((المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)) (٣)، والمحتال غير مأمون، وفي حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمر: ((كيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأمانتهم واختلفوا فصاروا هكذا وشبك بين أصابعه قال: فكيف أفعل يا رسول الله؟ قال: تأخذ ما تعرف وتدع ما تنكر وتقبل على خاصتك وتدعهم وعوامهم)) (٤). وهو حديث صحيح وهو في بعض نسخ البخاري، والحيل توجب مرج العهود والأمانات وهو قلقها واضطرابها، فإن الرجل إذا سوغ له من يعاهد عهدا، ثم لا يفي به، أو أن يؤمن على شيء فيأخذ بعضه بنوع تأويل ارتفعت الثقة به وأمثاله، ولم يؤمن في كثير من الأشياء أن يكون كذلك، ومن تأمل حيل أهل الديوان وولاة الأمور التي استحلوا بها المحارم، ودخلوا بها في الغلول والخيانة، ولم يبق لهم معها عهد ولا أمانة علم يقينا أن الاحتيال والتأويلات أوجب عظم ذلك، وعلم خروج أهل الحيل من قوله: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون: ٨]، و [المعارج: ٣٢]، وقوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:٧]، ومخالفتهم لقوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨]، وقوله: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨]، وقوله تعالى: أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ [المائدة:١]، وقوله ﷺ : ((أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)) (٥)) (٦).
стр. 97
الأمانة في واحة الشعر ..
قال كعب المزني
أرعى الأمانة لا أخون أمانتي ... إن الخؤون على الطريق الأنكب
إذا أنت حملت الخؤون أمانة ... فإنك أسندتها شر مسند
وقال المعري:
يخونك من أدى إليك أمانة ... فلم ترعه يوما بقول ولا فعل
فأحسن إلى من شئت في الأرض أو أسئ ... فإنك تجزي حذوك النعل بالنعل
وقال العرجي:
وما حمل الإنسان مثل أمانة ... أشق عليه حين يحملها حملا
فإن أنت حملت الأمانة فاصطبر ... عليها فقد حملت من أمرها ثقلا
ولا تقبلن فيما رضيت نميمة ... وقل للذي يأتيك يحملها مهلا (١)
وقال آخر
أَدِّ الأَمَانَة َ والخِيَانَة َ فاجْتَنِبْ ... وَاعْدُلْ ولا تَظْلِمْ، يَطِبْ لك مَكْسَبُ
وإذا بُلِيْتَ بِنكبَة ٍ فاصْبِرْ لها ... من ذا رأيت مسلّماً لا ينكب
ثُمَّ في الختام ..
أيها القارئ العزيز وبعد جولة حول هذه الصفة التي تتطرق في كل مجالات الحياة البشرية الفردية والاجتماعية، هل عرفنا أهميتها؟ أم أننا ما زلنا نظن أن الأمانة محصورة في الودائع؟
وهل الأمانة في نظرك موجودة الآن في مجتمعاتنا الإسلامية بكثرة أم أنها قليلة جداً؟
وهل مر عليك موقف يتطلب الأمانة في إحدى صورها سواء كان في الأموال، أم في الأسرار أم في غيرها من الصور؟
جعلنا الله وإياك من الذين وصفهم الله بقوله: وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون: ٨].
стр. 98
معنى الإيثار لغة واصطلاحاً
معنى الإيثار لغة:
الإيثار لغة مصدر من آثر يؤثر إيثاراً بمعنى التقديم والاختيار والاختصاص, ومن ذلك قولهم: استأثر بالشيء: استبد به وخص به نفسه, واستأثر الله بفلان إذا مات ورجي له الغفران, وآثر على نفسه بالمد من الإيثار وهو الاختيار, ومنه الأثرة بمعنى التقدم والاختصاص, ويستعار (الأثر) للفضل والإيثار للتفضيل, وآثرت فلانا عليك بالمد فأنا أوثره. (١)
معنى الإيثار اصطلاحاً:
(الإيثار أن يقدم غيره على نفسه في النفع له والدفع عنه وهو النهاية في الأخوة) (٢).
وقال ابن مسكويه: (الإيثار: هو فضيلة للنفس بها يكف الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصه حتى يبذله لمن يستحقه) (٣).
стр. 99
الفرق بين الإيثار والسخاء والجود:
ذكر ابن القيم ﵀ فروقاً بين كل من السخاء والجود والإيثار مع أنها كلها أفعال بذل وعطاء, قال ابن القيم ﵀: وهذا المنزل – أي الإيثار-: هو منزل الجود والسخاء والإحسان وسمي بمنزل الإيثار لأنه أعلى مراتبه فإن المراتب ثلاثة:
إحداها: أن لا ينقصه البذل ولا يصعب عليه فهو منزلة السخاء.
الثانية: أن يعطي الأكثر ويبقي له شيئاً أو يبقى مثل ما أعطى فهو الجود.
الثالثة: أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه وهي مرتبة الإيثار (١).
стр. 100
الترغيب والحث على الإيثار من القرآن والسنة
الترغيب والحث على الإيثار من القرآن الكريم:
يعتبر الإيثار من محاسن الأخلاق الإسلامية, فهو مرتبة راقية من مراتب البذل, ومنزلة عظيمة من منازل العطاء, لذا أثنى الله على أصحابه , ومدح المتحلين به, وبين أنهم المفلحون في الدنيا والآخرة
- قال الله ﵎: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩]
قال الطبري: يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهُوَ يَصِفُ الأَنْصَارَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ. مِنْ قَبْلِ الْمُهَاجِرِينَ: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. يَقُولُ: وَيُعْطُونَ الْمُهَاجِرِينَ أَمْوَالَهُمْ إِيثَارًا لَهُمْ بِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ. يَقُولُ: وَلَوْ كَانَ بِهِمْ حَاجَةٌ وَفَاقَةٌ إِلَى مَا آثَرُوا بِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. (١).
وقال ابن كثير: أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك (٢).
ويقول ابن تيمية: (وأما الإيثار مع الخصاصة فهو أكمل من مجرد التصدق مع المحبة فإنه ليس كل متصدق محبا مؤثرا ولا كل متصدق يكون به خصاصة بل قد يتصدق بما يحب مع اكتفائه ببعضه مع محبة لا تبلغ به الخصاصة) (٣).
- وقال الله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران: ٩٢].
يقول السعدي: يعني: (لن تنالوا وتدركوا البر، الذي هو اسم جامع للخيرات، وهو الطريق الموصل إلى الجنة، حتى تنفقوا مما تحبون، من أطيب أموالكم وأزكاها. فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفوس، من أكبر الأدلة على سماحة النفس، واتصافها بمكارم الأخلاق، ورحمتها ورقتها, ومن أدل الدلائل على محبة الله، وتقديم محبته على محبة الأموال، التي جبلت النفوس على قوة التعلق بها، فمن آثر محبة الله على محبة نفسه، فقد بلغ الذروة العليا من الكمال، وكذلك من أنفق الطيبات، وأحسن إلى عباد الله، أحسن الله إليه ووفقه أعمالا وأخلاقا، لا تحصل بدون هذه الحالة) (٤).
- وقال ﵎: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: ١٧٧]
فبين الله ﵎ أن من البر بعد الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والأنبياء .. إطعام الطعام لمحتاجيه, وبذله لمريديه, مع حبه واشتهائه والرغبة فيه, وقد جاء به الله تعالى – أي إطعام الطعام - بعد أركان الإيمان مباشرة وفي ذلك دلالة على عظمته وعلو منزلته.
стр. 101
قال ابن مسعود في قوله (على حبه): هو أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء، وتخشى الفقر (١).
- وقال تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان: ٦ – ٩]
قال الشنقيطي ﵀: (اخْتُلِفَ فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ فِي (عَلَى حُبِّهِ)، هَلْ هُوَ رَاجِعٌ عَلَى الطَّعَامِ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ أَيْ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّ الطَّعَامِ لِقِلَّتِهِ عِنْدَهُمْ وَحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، أَمْ عَلَى حُبِّ اللَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ؟
وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وَسَاقَ الشَّوَاهِدَ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ)، وَقَوْلِهِ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ).
وَالْوَاقِعُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ الْأَوَّلَ فِيهِ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَكِنْ أَقْرَبُ دَلِيلًا وَأَصْرَحُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (٢).
- وقال الله ﵎: وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا [الإنسان: ٦ – ٩]
قال الفخر الرازي: (والمعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدي إليه من الجوع والعري بستاناً فيه مأكل هنيء وحريراً فيه ملبس بهي) (٣).
الترغيب والحث على الإيثار من السنة النبوية:
- عن أبي موسى الأشعري- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنّ الأشعريّين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثمّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسّويّة، فهم منّي، وأنا منهم)) (٤).
يقول الإمام العيني: (فيه منقبة عظيمة للأشعريين من إيثارهم ومواساتهم بشهادة سيدنا رسول الله وأعظم ما شرفوا به كونه أضافهم إليه .... وفيه فضيلة الإيثار والمواساة) (٥)
وقال أبو العباس القرطبي: (هذا الحديث يدل على أن الغالب على الأشعريين الإيثار، والمواساة عند الحاجة، كما دلَّ الحديث المتقدِّم على أن الغالب عليهم القراءة والعبادة، فثبت لهم بشهادة رسول الله ﷺ : أنَّهم علماء عاملون، كرماء مؤثرون) (٦).
- وعن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((طعام الاثنين كافي الثّلاثة، وطعام الثّلاثة كافي الأربع)) (٧). وفي لفظ لمسلم: ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثّمانية)) (٨).
стр. 102
قال المهلب: والمراد بهذه الأحاديث الحض على المكارمة في الأكل والمواساة والإيثار على النفس الذي مدح الله به أصحاب نبيه، فقال: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:٩] (ولا يراد بها معنى التساوي في الأكل والتشاح؛ لأن قوله ﵇: (كافي الثلاثة) دليل على الأثرة التي كانوا يمتدحون بها والتقنع بالكفاية، وقد هم عمر بن الخطاب في سنة مجاعة أن يجعل مع كل أهل بيت مثلهم وقال: (لن يهلك أحد عن نصف قوته) (١).
- وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان)) (٢).
قال ابن بطال: (فيه أن أعمال البر كلما صعبت كان أجرها أعظم، لأن الصحيح الشحيح إذا خشي الفقر، وأمل الغنى صعبت عليه النفقة، وسول له الشيطان طول العمر، وحلول الفقر به، فمن تصدق في هذه الحال، فهو مؤثر لثواب الله على هوى نفسه، وأما إذا تصدق عند خروج نفسه فيخشى عليه الضرار بميراثه والجوار في فعله) (٣).
- وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ إِنَّ مِنْ إِخْوَانِكُمْ قَوْمًا لَيْسَ لَهُمْ مَالٌ وَلاَ عَشِيرَةٌ فَلْيَضُمَّ أَحَدُكُمْ إِلَيْهِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الثَّلاَثَةَ فَمَا لأَحَدِنَا مِنْ ظَهْرٍ يَحْمِلُهُ إِلاَّ عُقْبَةٌ كَعُقْبَةِ. (يَعْنِى أَحَدِهِمْ). فَضَمَمْتُ إِلَيَّ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً قَالَ: مَا لِي إِلاَّ عُقْبَةٌ كَعُقْبَةِ أَحَدِهِمْ مِنْ جَمَلِي)) (٤).
стр. 103
أقسام الإيثار:
أولاً: أقسامه من حيث تعلقه بالغير:
ينقسم الإيثار من حيث تعلقه بالغير إلى قسمين:
القسم الأول: إيثار يتعلق بالخالق:
وهو أفضل أنواع الإيثار وأعلاها منزلة, وأرفعها قدراً, يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (والإيثار المتعلق بالخالق أجل من هذا – أي من الإيثار المتعلق بالخلق- وأفضل وهو إيثار رضاه على رضى غيره وإيثار حبه على حب غيره وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه وإيثار الذل له والخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره وكذلك إيثار الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره) (١).
ولهذا النوع من الإيثار علامات دالة عليه, وشواهد موضحة له, لا بد أن تظهر على مدعيه, وتتجلى في المتحلي به وهي علامتان:
إحداها: أن يفعل المرء كل ما يحبه الله تعالى ويأمر به, وإن كان ما يحبه الله مكروهاً إلى نفسه, ثقيلاً عليه.
الثاني: أن يترك ما يكرهه الله تعالى وينهى عنه, وإن كان محبباً إليه, تشتهيه نفسه, وترغب فيه.
يقول ابن القيم: فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار (٢).
صعوبة هذا الإيثار على النفس:
جبلت النفس إلى الراحة والدعة والميل إلى الملاذ والمتع, كما جبلت على البعد عن كل ما يشق عليها أو ينغص متعتها أو يحد من ملذاتها, ولما كان هذا النوع من الإيثار يضاد ما جبلت عليه النفس من الراحة والدعة كان صعباً عليها التلبس به, أو التخلق والتحلي بمعناه.
يقول الإمام ابن القيم مبيناً صعوبة هذا النوع من الإيثار وثقله على النفس:
ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعي العادة والطبع فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيه شديدة والنفس عنه ضعيفة ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به وإنه ليسير على من يسره الله عليه (٣).
وإن كان هذا النوع من الإيثار شديد على النفس صعب على الروح إلا أن ثمراته وما يجنيه الشخص منه تفوق ثمرات أي نوع من الأعمال, فنهايته فوز محقق وفلاح محتوم, وملك لا يضاهيه ملك.
(فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى وأن يشمر إليه وإن عظمت فيه المحنة ويحمل فيه خطرا يسير لملك عظيم وفوز كبير فإن ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال ويسير منه يرقي العبد ما لا يرقى غيره إليه في المدد المتطاولة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (٤).
القسم الثاني: إيثار يتعلق بالخلق:
وهذا هو النوع الثاني من أنواع الإيثار من حيث تعلقه بالخلق .. وقد قسم الشيخ ابن عثيمين ﵀ هذا النوع من الإيثار إلى ثلاثة أقسام فقال:
ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١. الأول: ممنوع والثاني: مكروه أو مباح، والثالث: مباح.
- القسم الأول: وهو الممنوع: وهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعا فإنه لا يجوز أن تقدم غيرك فيما يجب عليك شرعاً .... فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل لأنه يستلزم إسقاط الواجب عليك.
- القسم الثاني: وهو المكروه أو المباح: فهو الإيثار في الأمور المستحبة وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم لكن تركه أولى لا شك إلا لمصلحة.
- القسم الثالث وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحباً وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي أي تؤثر غيرك وتقدمه على نفسك في أمر غير تعبدي. (٥)
شروط هذا النوع من الإيثار:
стр. 104
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى شروطاً للإيثار المتعلق بالمخلوقين تنقله من حيز المنع أو الكراهة إلى حيز الإباحة ولعلنا نجملها فيما يلي:
١ - أن لا يضيع على المؤثر وقته.
٢ - أن لا يتسبب في إفساد حاله.
٣ - أن لا يهضم له دينه.
٤ - ألا يكون سبباً في سد طريق خير على المؤثر.
٥ - أن لا يمنع للمؤثر وارداً.
فإذا توفرت هذه الشروط كان الإيثار إلى الخلق قد بلغ كماله, أما إن وجد شيء من هذه الأشياء كان الإيثار إلى النفس أولى من الإيثار إلى الغير فالإيثار المحمود كما قال ابن القيم ﵀ هو: الإيثار بالدنيا لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب (١).
ثانياً: أقسامه من حيث باعثه والداعي إليه:
- الأول: قسم يكون الباعث إليه الفطرة والغريزة: كالذي يكون عند الآباء والأمهات وأصحاب العشق وهذا كما يقول عبد الرحمن الميداني الباعث إليه فطري في النفوس ينتج عنه حب شديد عارم, والحب من أقوى البواعث الذاتية الدافعة إلى التضحية بالنفس وكل ما يتصل بها من مصالح وحاجات من أجل سلامة المحبوب أو تحقيق رضاه أو جلب السعادة أو المسرة إليه (٢).
تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها. فأطعمتها ثلاث تمرات. فأعطت كل واحدة منهما تمرة. ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها. فاستطعمتها ابنتاها. فشقت التمرة، التي كانت تريد أن تأكلها، بينهما. فأعجبني شأنها. فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ . فقال ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة. أو أعتقها بها من النار)) (٣).
فهذا الإيثار دافعه حب الأم لابنتيها ورحمتها بهما.
- الثاني: وقسم يكون الدافع هو الإيمان وحب الخير للغير على حساب النفس وملذاتها ومشتهياتها وهو كما قال الميداني: ليس إيثاراً انفعالياً عاطفياً مجرداً ولكنه إيثار يعتمد على محاكمة منطقية سليمة ويعتمد على عاطفة إيمانية عاقلة (٤).
وسنضرب لهذا النوع أمثلة من حياة رسول الله ﷺ وصحابته وسلف الأمة وعلمائها.
стр. 105
فوائد الإيثار
للإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة يجنيها أصحاب هذا الخلق العظيم منها:
١. دخولهم فيمن أثنى الله عليهم من أهل الإيثار، وجعلهم من المفلحين.
٢. الإيثار طريق إلى محبة الله ﵎ والتعرض لمحبته.
٣. تحقيق الكمال الإيماني, فالإيثار دليل عليه وثمرة من ثماره فقد قال المصطفى ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (١) والنفي هنا لا يقصد به نفي الأصل وإنما نفي الكمال كما هو مقرر عند أهل العلم, وعليه يفهم من الحديث أن من أحب لأخيه ما يحب لنفسه تحقق فيه الإيمان الكامل.
٤. ومن أعظم الثمار والفوائد أن التحلي بخلق الإيثار فيه اقتداء بالحبيب محمد ﷺ .
٥. أن المؤثر يجني ثمار إيثاره في الدنيا قبل الآخرة وذلك بمحبة الناس له وثناؤهم عليه, كما أنه يجني ثمار إيثاره بعد موته بحسن الأحدوثة وجمال الذكر فيكون بذلك قد أضاف عمراً إلى عمره.
٦. الإيثار يقود المرء إلى غيره من الأخلاق الحسنة والخلال الحميدة كالرحمة وحب الغير والسعي لنفع الناس, كما أنه يقوده إلى ترك جملة من الأخلاق السيئة والخلال الذميمة كالبخل وحب النفس والأثرة والطمع وغير ذلك.
٧. وهو جالب للبركة في الطعام والمال والممتلكات.
٨. وجود الإيثار في المجتمع دليل على وجود حس التعاون والتكافل والمودة, وفقده من المجتمع دليل على خلوه من هذه الركائز المهمة في بناء مجتمعات مؤمنة قوية ومتكاتفة.
٩. بالإيثار تحصل الكفاية الاقتصادية والمادية في المجتمع فطعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الثلاثة, والبيت الكبير الذي تستأثر به أسرة واحدة مع سعته يكفي أكثر من أسرة ليس لها بيوت تؤويها وهكذا.
стр. 106
درجات الإيثار
ذكر الإمام الهروي ﵀ في كتابه منازل السائرين أن للإيثار ثلاثة درجات:
- الدرجة الأولى: (أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يحرم عليك دينا ولا يقطع عليك طريقا ولا يفسد عليك وقتا) (١).
قال ابن القيم ﵀ في شرحه لهذه الدرجة: (يعني: أن تقدمهم على نفسك في مصالحهم مثل أن تطعمهم وتجوع وتكسوهم وتعرى وتسقيهم وتظمأ بحيث لا يؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدين). (٢)
- الدرجة الثانية: (إيثار رضى الله تعالى على رضى غيره وإن عظمت فيه المحن وثقلت به المؤن وضعفت عنه الطول والبدن) (٣).
قال ابن القيم ﵀: (هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء وأعلاها للرسل عليهم صلوات الله وسلامه وأعلاها لأولي العزم منهم وأعلاها لنبينا ﷺ (٤).
- الدرجة الثالثة: (إيثار إيثار الله تعالى فإن الخوض في الإيثار دعوى في الملك ثم ترك شهود رؤيتك إيثار الله ثم غيبتك عن الترك) (٥).
قال الإمام ابن القيم ﵀: (يعني بإيثار إيثار الله: أن تنسب إيثارك إلى الله دون نفسك وأنه هو الذي تفرد بالإيثار لا أنت فكأنك سلمت الإيثار إليه فإذا آثرت غيرك بشيء فإن الذي آثره هو الحق لا أنت فهو المؤثر حقيقة .... وقوله: ثم ترك شهود رؤيتك إيثار الله يعني أنك إذا آثرت إيثار الله بتسليمك معنى الإيثار إليه: بقيت عليك من نفسك بقية أخرى لابد من الخروج عنها وهي أن تعرض عن شهودك رؤيتك أنك آثرت الحق بإيثارك وأنك نسبت الإيثار إليه لا إليك ... وقوله: ثم غيبتك عن الترك يريد: أنك إذا نزلت هذا الشهود وهذه الرؤية: بقيت عليك بقية أخرى وهي رؤيتك لهذا الترك المتضمنة لدعوى ملكك للترك وهي دعوى كاذبة إذ ليس للعبد شيء من الأمر ولا بيده فعل ولا ترك وإنما الأمر كله لله) (٦).
стр. 107
موانع اكتساب صفة الإيثار
موانع اكتساب الإيثار المتعلق بالخالق:
يقول ابن القيم ﵀ في الموانع التي تجعل النفس تتخلف عن هذا النوع من الإيثار:
(والنقص والتخلف في النفس عن هذا يكون من أمرين:
١ - أن تكون جامدة غير سريعة الإدراك بل بطيئة ولا تكاد ترى حقيقة الشيء إلا بعد عسر وإن رأتها اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات والاحتمالات فلا يتخلص له رؤيتها وعيانها.
٢ - الثاني أن تكون القريحة وقادة دراكة لكن النفس ضعيفة مهينة إذا أبصرت الحق والرشد ضعفت عن إيثاره فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض كلما ساقه خطوة وقف خطوة أو كسوق الطفل الصغير الذي تعلقت نفسه بشهواته ومألوفاته فهو يسوقه إلى رشده وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ينساق معه إلا كرها) (١).
موانع اكتساب الإيثار المتعلق بالخلق:
١. ضعف إيمان واليقين, فكما أن الإيمان القوي يدفع صاحبه للبذل والعطاء والإيثار فإن ضعفه يكون سبباً في الأثرة والشح.
٢. الشح المطاع, لذا ذكر الله في الآية التي مدح فيها أهل الإيثار أن من يوفق في الوقاية من شح نفسه فقد أفلح.
٣. حب النفس, وتملك الأثرة على القلب.
٤. قسوة القلب وجموده, فمن رق قلبه ولانت طباعه سهل عليه أمر الإيثار.
٥. ضعف الهمة والزهد في الذكر الحسن.
стр. 108
الوسائل المعينة على اكتساب الإيثار
الوسائل المعينة على اكتساب الإيثار المتعلق بالخالق:
ذكر ابن القيم ﵀ أمور تجعل من هذا الإيثار أمراً سهلاً على النفس خفيفاً على الروح فقال:
(والذي يسهله على العبد أمور:
- أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية بل تنقاد معه بسهولة.
- الثاني: أن يكون إيمانه راسخاً ويقينه قوياً فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته.
- الثالث: قوة صبره وثباته.
فبهذه الأمور الثلاثة ينهض إلى هذا المقام ويسهل عليه دركه) (١).
الوسائل المعينة على اكتساب الإيثار المتعلق بالخلق:
قال الإمام ابن القيم: (فإن قيل فما الذي يسهل على النفس هذا الإيثار فإن النفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار قيل يسهله أمور:
- أحدها: رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها فإن من أفضل أخلاق الرجل وأشرفها وأعلاها الإيثار وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته كما جبلها على بغض المستأثر ومقته لا تبديل لخلق الله
- الثاني: النفرة من أخلاق اللئام ومقت الشح وكراهته له.
- الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها الله للمسلمين بعضهم على بعض فهو يرعاها حق رعايتها ويخاف من تضييعها ويعلم أنه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه الوقوف مع حده فإن ذلك عسر جدا بل لا بد من مجاوزته إلى الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم فهو لخوفه من تضييع الحق والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا وجزيل الأجر في الآخرة مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه فيعود عليه من إيثاره أفضل مما بذله ومن جرب هذا عرفه ومن لم يجربه فليستقرأ أحوال العالم والموفق من وفقه الله (٢).
стр. 109
نماذج من إيثار رسول الله ﷺ :
أخذ رسول الله ﷺ من جميع الأخلاق أوفر الحظ والنصيب, فما من خلق إلا وقد تربع المصطفى ﷺ على عرشه, وعلا ذروة سنامه, ففي خلق الإيثار كان هو سيد المؤثرين وقائدهم , بل وصل الحال به ﷺ أنه لم يكن يشبع لا هو ولا أهل بيته بسبب إيثاره ﷺ ، قال الحافظ ابن حجر ﵀: (والذي يظهر أنه ﷺ كان يؤثر بما عنده فقد ثبت في الصحيحين أنه كان إذا جاءه ما فتح الله عليه من خيبر وغيرها من تمر وغيره يدخر قوت أهله سنة ثم يجعل ما بقي عنده عدة في سبيل الله تعالى ثم كان مع ذلك إذا طرأ عليه طارئ أو نزل به ضيف يشير على أهله بإيثارهم فربما أدى ذلك إلى نفاد ما عندهم أو معظمه) (١).
وإليك أخي الكريم بعض الصور من إيثار رسول الله ﷺ :
- عن سهل بن سعد، قال: ((جاءت امرأة ببردة، قال: أتدرون ما البردة؟. فقيل له: نعم، هي الشملة، منسوج في حاشيتها. قالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، اكسنيها. فقال: (نعم). فجلس النبي ﷺ في المجلس، ثم رجع فطواها، ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه، لقد علمت أنه لا يرد سائلا. فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل: فكانت كفنه)) (٢).
- وعن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: ((إنّا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا النّبيّ ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: أنا نازل ثمّ قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيّام لا نذوق ذواقا فأخذ النّبيّ ﷺ المعول فضرب في الكدية فعاد كثيبا أهيل أو أهيم فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت في النّبيّ ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ فقالت: عندي شعير وعناق فذبحت العناق وطحنت الشّعير حتّى جعلنا اللّحم بالبرمة. ثمّ جئت النّبيّ ﷺ والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافيّ قد كادت أن تنضج. فقلت: طعيّم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال: كم هو؟ فذكرت له فقال: كثير طيّب قال: قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التّنّور حتّى آتي، فقال: قوموا. فقام المهاجرون والأنصار فلمّا دخل على امرأته. قال: ويحك جاء النّبيّ ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا. فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللّحم ويخمّر البرمة والتّنّور إذا أخذ منه، ويقرّب إلى أصحابه ثمّ ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتّى شبعوا وبقي بقيّة. قال: كلي هذا وأهدي فإنّ النّاس أصابتهم مجاعة)) (٣).
стр. 110
- وعن أنس بن مالك- ﵁ قال: ((قال أبو طلحة لأمّ سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصا من شعير ثمّ أخرجت خمارا لها فلفّت الخبز ببعضه، ثمّ دسّته تحت يدي ولاثتني ببعضه ثمّ أرسلتني إلى رسول الله ﷺ . قال: فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه النّاس فقمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : آرسلك أبو طلحة؟ فقلت: نعم. قال: بطعام؟ قلت: نعم. فقال رسول الله ﷺ لمن معه: قوموا فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتّى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: يا أمّ سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالنّاس وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتّى لقي رسول الله ﷺ : فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ : هلمّي يا أمّ سليم ما عندك، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففتّ، وعصرت أمّ سليم عكّة فأدمته، ثمّ قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، ثمّ قال: ائذن لعشرة فأذن لهم، فأكلوا حتّى شبعوا ثمّ خرجوا، ثمّ قال: ائذن لعشرة فأذن لهم، فأكلوا حتّى شبعوا ثمّ خرجوا، ثمّ قال: ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتّى شبعوا ثمّ خرجوا، ثمّ قال: ائذن لعشرة فأكل القوم كلّهم حتّى شبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلا)) (١).
- وعن أبي هريرة- ﵁ أنّه كان يقول: ((الله الّذي لا إله إلّا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع. وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوما على طريقهم الّذي يخرجون منه فمرّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلّا ليشبعني، فمرّ ولم يفعل، ثمّ مرّ أبو القاسم ﷺ فتبسّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي. ثمّ قال: يا أبا هرّ قلت: لبّيك رسول الله قال: الحق ومضى. فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبنا في قدح فقال: من أين هذا اللّبن؟ قالوا: أهداه لك فلان- أو فلانة- قال: أبا هرّ قلت: لبّيك يا رسول الله. قال: الحق إلى أهل الصّفّة فادعهم لي. قال- وأهل الصّفّة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد. إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هديّة أرسل إليهم وأصاب منها، وأشركهم فيها- فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللّبن في أهل الصّفّة؟ كنت أحقّ أن أصيب من هذا اللّبن شربة أتقوّى بها، فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللّبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بدّ فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: يا أبا هرّ، قلت: لبّيك يا رسول الله. قال: خذ فأعطهم. فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى، ثمّ يردّ عليّ القدح حتّى انتهيت إلى النّبيّ ﷺ وقد روي القوم كلّهم. فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إليّ فتبسّم فقال: أبا هرّ، قلت: لبّيك يا رسول الله. قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله. قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت. فقال: اشرب، فشربت فما زال يقول: اشرب. حتّى قلت: لا والّذي بعثك بالحقّ ما أجد له مسلكاً. قال: فأرني فأعطيته القدح فحمد الله وسمّى وشرب الفضلة)) (٢).