← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

نماذج للعلماء المعاصرين في القناعة: الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي: كان الشيخ ﵀ قنوعاً بما رزقه الله، زاهداً في الدنيا، عفيفاً عما في أيدي الناس، كريماً بما يملك. وقد ذكر عنه بعض أقاربه وطلابه شيء من قناعته وزهده، نذكر طرفاً منها: قال عنه ابنه عبد الله: (كان ﵀ – لا يريد الدنيا، ولا يهتم بها، ويحرص على الاقتصاد). ويقول: (الذي يفرحنا أن الدنيا لو كانت ميتة لأباح الله منها سد الخلة. وكان يقول: "لم أقترض قط لأحد، ولم أبع، ولم أشتر، وترك لي والدي ثروة فكنت أعيش منها، وكان عندي كنز عظيم أرجو الله أن لا يضيع مني؛ هو القناعة) (١). وقال عنه أيضا: (أنه كان في المدينة، وكان لا يوجد عنده أي مال، وقد وعده أحد جيرانه أن يقترض له مالاً. ولما أراد الشيخ ﵀ أن يأتيه وجده يشتغل، وعليه ملابس متبذلة، فرجع عنه وكأنه وجد في نفسه قليلاً أنه في عازة. قال: ولم أشعر حتى خررت ساجداً في الطريق في الغبار، ورفعت رأسي وعندي فرح ونشوة لا يعلمها إلا الله إكراماً لما أعطاني من العلم، فكيف أريد دنيا وربي أكرمني بالعلم، وبفهم كتاب الله. فذهبت إلى البيت وكأن الدنيا كملت لي لاستشعاري نعمة الله علي بما أعطاني من فهم القرآن. وقد سد الله لي تلك الحاجة من غير أن أسأل أحداً ونذهب لأحد إكراماً منه وفضلاً) (٢). وقال عنه الشيخ عطية سالم: (والواقع أن الدنيا لم تكن تساوي عنده شيئا فلم يكن يهتم لها. ومنذ وجوده في المملكة وصلته بالحكومة حتى فارق الدنيا لم يطلب عطاء ولا مرتبا ولا ترفيعاً لمرتبه ولا حصولاً على مكافأة أو علاوة. ولكن ما جاءه من غير سؤال أخذه وما حصل عليه لم يكن ليستبقيه بل يوزعه في حينه على المعوزين من أرامل ومنقطعين وكنت أتولى توزيعه وإرساله من الرياض إلى كل من مكة والمدينة. ومات ولم يخلف درهما ولا دينارا وكان مستغنياً بعفته وقناعته. بل إن حقه الخاص ليتركه تعففاً عنه كما فعل في مؤلفاته وهي فريدة فينوعها. لم يقبل التكسب بها وتركها لطلبة العلم. وسمعته يقول: لقد جئت معي من البلاد بكنز عظيم يكفيني مدى الحياة وأخشى عليه الضياع. فقلت له وما هو قال القناعة. وكان شعاره في ذلك قول الشاعر: الجوع يطرد بالرغيف اليابس ... فعلام تكثر حسرتي ووساوسي) (٣).

стр. 492

مسائل متفرقة حول القناعة - مواعظ حول القناعة: موعظة عمر بن عبد العزيز في القناعة: (قال عمر بن عبد العزيز ﵁: من وعظ أخاه بنصيحةٍ له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه، فاتقوا الله فإنها نصيحةٌ لكم في دينكم فاقبلوها، وموعظةٌ منجيةٌ من العواقب فالزموها، فالرزق مقسومٌ، ولن يعدو المرء ما قسم له، فأجملوا في الطلب، فإن في القنوع سعةً وبلغةً، وكفا عن كلفةٍ، لا يحل الموت في أعناقكم، وجهته أيامكم، وما ترون ذاهبٌ، وما مضى كأن لم يكن، وكل ما هو آتٍ قريبٌ، أما رأيتم حالات المنيب وهو يشرف ويعد فراغه، وقد ذاق الموت وعائلهم تعجيل إخراج أهله إياه من داره إلى قبره، وسرعة انصرافهم إلى مسكنه، وجهه مفقودٌ، وذكره منسي، وبابه عن قليلٍ مهجورٌ، كأن لم يخالط إخوان الحفاظ، ولم يعمر الديار، فاتقوا يومًا لا تخفى فيه مثقال حبةٍ في الموازين) (١). موعظة وهب بن منبه لعطاء الخرساني في القناعة: (وقال وهب بن منبهٍ لعطاءٍ الخراساني: ويحك يا عطاء ألم أخبر أنك تحمل علمك إلى أبواب الملوك وأبناء الدنيا، ويحك يا عطاء تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه! وتدع من يفتح لك بابه ويظهر لك غناه، ويقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]. يا عطاء أترضى بالدون من الدنيا مع الحكمة، ولا ترضى بالدون من الحكمة مع الدنيا، ويحك يا عطاء إن كان يغنيك ما يكفيك، وأن أدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا شيءٌ يكفيك. ويحك يا عطاء إنما بطنك بحرٌ من البحور ووادٍ من الأودية، ولا يملؤه شيءٌ إلا التراب) (٢). - أقوال الأدباء والحكماء في القناعة - (قال أكثم بن صيفي: من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة. - وقال بعض السلف: قد يخيب الجاهد الساعي، ويظفر الوادع الهادي. فأخذه البحتري فقال: لم ألق مقدورًا على استحقاقه ... في الحظ إما ناقصًا أو زائدا وعجبت للمحدود يحرم ناصبًا ... كلفًا وللمجدود يغنم قاعدا ما خطب من حرم الإرادة قاعدًا ... خطب الذي حرم الإرادة جاهدا - وقال بعض الحكماء: إن من قنع كان غنيا وإن كان مقترًا، ومن لم يقنع كان فقيرًا وإن كان مكثرًا. - وقال بعض البلغاء إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة، وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فمن أطاع الله عن نصره، ومن لزم القناعة زال فقره. - وقال بعض الأدباء: القناعة عز المعسر، والصدقة حرز الموسر) (٣). - (وقيل لبعض الحكماء: اكتسب فلانٌ مالا، قال: فهل اكتسب أيامًا يأكله فيها؟ قيل: ومن يقدر على ذلك؟ قال: فما أراه اكتسب شيئًا) (٤). - و (كتب حكيمٌ إلى أخٍ له: أما بعد فاجعل القنوع ذخرًا ولا تعجل على ثمرة لم تدرك، فإنك تدركها في أوانها عذبةً، والمدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح لما تؤمل فثق بخيرته لك في أمورك كلها) (٥). - و (قال الحكيم: أربعةٌ طلبناها فأخطأنا طرقها: طلبنا الغنى في المال، فإذا هو في القناعة، وطلبنا الراحة في الكثرة فإذا هي في القلة، وطلبنا الكرامة في الخلق، فإذا هي في التقوى، وطلبنا النعمة في الطعام واللباس، فإذا هي في الستر والإسلام) (٦). - (وقال بعض الحكماء: ما فوق الكفاف إسرافٌ. - وقال بعض البلغاء: من رضي بالمقدور قنع بالميسور) (٧). - (وقال بعض الحكماء: الرضى بالكفاف يؤدي إلى العفاف) (٨). - و (قال أعرابي لأهل البصرة: من سيد أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بم سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم) (٩). - حكم وأمثال في القناعة - يقال في المثل: خير الغنى القنوع، وشر الفقر الخضوع (١٠). - القناعة مال لا ينفد (١١). - (وحسبك من غنى شبع وري - وقولهم: يكفيك ما بلغك المحل) (١٢). - شر الفقر الخضوع، وخير الغنى القناعة (١٣). -

стр. 493

القناعة في واحة الشعر .. قال بشر بن الحارث: أفادتنا القناعة أي عز ... ولا عز أعز من القناعه فخذ منها لنفسك رأس مالٍ ... وصير بعدها التقوى بضاعه تحز حالين تغنى عن بخيلٍ ... وتسعد في الجنان بصبر ساعه (١) وقال محمد بن حميد الأكاف: تقنع بالكفاف تعش رخيا ... ولا تبغ الفضول من الكفاف ففي خبز القفار بغير أدم ... وفي ماء الفرات عني وكاف وفي الثوب المرقع ما يغطى ... به من كل عري وانكشاف وكل تزين بالمرء زين ... وأزينه التزين بالعفاف (٢) وقال آخر: هي القناعة لا ترضى بها بدلا ... فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن (٣) وقال عبد العزيز بن سليمان الأبرش: إذا المرء لم يقنع بعيش فإنه ... وإن كان ذا مال من الفقر موقر إذا كان فضل الناس يغنيك بينهم ... فأنت بفضل الله أغنى وأيسر (٤) وقال آخر: نصف القنوع وأينا يقنع ... أو أينا يرضى بما يجمع لله در ذوي القناعة ما ... أصفى معاشهم وما أوسع من كان يبغي أن يلذ وأن ... تهدى جوارحه فما يطمع فقر النفوس بقدر حاجتها ... وغنى النفوس بقدر ما تقنع (٥) وقال محمود الوراق: غنى النفس يغنيها إذا كنت قانعا ... وليس بمغنيك الكثير من الحرص وإن اعتقاد الهم للخير جامعا ... وقلة هم المرء يدعو إلى النقص (٦) وقال آخر: رضيت من الدنيا بقوتٍ يقيمني ... فلا أبتغي من بعده أبدًا فضلا ولست أروم القوت إلا لأنه ... يعين على علمٍ أرد به جهلا فما هذه الدنيا بطيب نعيمها ... لأيسر ما في العلم من نكتةٍ عدلا (٧) وقال آخر: عليك بتقوى الله واقنع برزقه ... فخير عباد الله من هو قانع ولا تلهك الدنيا ولا تطمع بها ... فقد يهلك المغرور فيها المطامع (٨) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وجدت القناعة ثوب الغنى ... فصرت بأذيالها أتمسك فألبسني جاهها حلةً فصرت غنيا بلا درهمٍ ... يمر الزمان ولم تنتهك أمر عزيزًا كأني ملك (٩) وما أحسن قول الإمام الشافعي: خبرت بني الدنيا فلم أر منهم ... سوى خادعٍ والخبث حشو إهابه فجردت عن غمد القناعة صارمًا ... قطعت رجائي منهم بذبابه فلا ذا يراني واقفًا بطريقه ... ولا ذا يراني قاعدًا عند بابه غني بلا مالٍ عن الناس كلهم ... وليس الغنى إلا عن الشيء لا به (١٠) وقال آخر: إذا أظمأتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعاً وريا فكن رجلاً رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا أبياً لنائل ذي ثروةٍ ... تراه بما في يديه أبيا فإن إراقة ماء الحياة ... دون إراقة ماء المحيا (١١) ...

стр. 494

كتمان السر لغة واصطلاحاً الكتمان لغة: كتم الشيء من باب نصر وكتمانا أيضا بالكسر، واكتتمه. وسر كاتم: أي مكتوم، ومكتم بالتشديد بولغ في كتمانه. واستكتمه سره: سأله أن يكتمه وكاتمه سره. ورجل كتمة، بوزن همزة إذا كان يكتم سره (١). الكتمان اصطلاحاً: الكتمان هو: ستر الحديث (٢). وعرفه الميداني بقوله: (هو ضبط النفس ضد دوافع التعبير عما يختلج فيها) (٣). السر لغة: السِّرُّ: الَّذِي يُكْتَمُ وَجَمْعُهُ أَسْرَارٌ. والسَّرِيرَةُ مِثْلُهُ وَجَمْعُهَا سَرَائِرُ، وَرَجُلٌ سِرِّيٌّ: يصنع الأَشياءَ سِرّاً مِنْ قَوْمٍ سِرِّيِّين. والسرِيرةُ: كالسِّرِّ، وَالْجَمْعُ السرائرُ (٤). السر اصطلاحاً: السر هو: الحديث المكتتم في النفس (٥). الكلمات المترادفة لكتمان السر: (يقال: كتم فلان سره، واكتتمه وقد كتمه عني، وكتمه مني، وكتمنيه، وكاتمنيه، وأخفاه عني، وواراه عني، ووراه، وستره، وأضمره، وغيبه، وزواه، وطواه، ولواه، ودفنه، وكنه، وأكنه، وأجنه، وخزنه، وصانه، وحصنه، وضنبه، وقد أسر نجواه عني، وأسر عني ذات نفسه، وستر عني مخبآت صدره، ودافعني عن دخلة ضميره، وأمسك على ما في نفسه) (٦).

стр. 495

الفرق بين الكتمان والسر والنجوى والاختفاء الفرق بين النجوى والسر: (أن النجوى: اسم للكلام الخفي الذي تناجي به صاحبك كأنك ترفعه عن غيره وذلك أن أصل الكلمة الرفعة، ومنه النجوة من الأرض، وسمي تكليم الله تعالى موسى ﵇ مناجاة لأنه كان كلاما أخفاه عن غيره. والسر: إخفاء الشيء في النفس، ولو اختفى بستر أو وراء جدار لم يكن سرا، ويقال في هذا الكلام سر تشبيها بما يخفي في النفس، ويقال سري عند فلان تريد ما يخفيه في نفسه من ذلك ولا يقال نجواي عنده، وتقول لصاحبك هذا ألقيه إليك تريد المعنى الذي تخفيه في نفسك، والنجوى تتناول جملة ما يتناجى به من الكلام، والسر يتناول معنى ذلك وقد يكون السر في غير المعاني مجازا تقول فعل هذا سرا وقد أسر الأمر، والنجوى لا تكون إلا كلاما) (١). الفرق بين الكتمان والسر: (قيل: المكتوم يختص بالمعاني كالأسرار والأخبار، لأن الكتمان لا يستعمل إلا فيهما. والمستور يختص بالجثث والأعيان، لأن الأصل في السر تغطية الشيء بغطاء. ثم استعمل في غيرها تجوزا) (٢). الفرق بين الكتمان والاختفاء: (أن الكتمان هو السكوت عن المعنى وقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ [البقرة: ١٥٩] أي يسكتون عن ذكره. والإخفاء: يكون في ذلك وفي غيره، والشاهد أنك تقول أخفيت الدرهم في الثوب ولا تقول كتمت ذلك وتقول كتمت المعنى وأخفيته فالإخفاء أعم من الكتمان) (٣).

стр. 496

الحث على كتمان السر في القرآن والسنة الحث على كتمان السر من القرآن الكريم: - قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨]. (كانوا يسمعون من النبي ﷺ الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نهاكم أن تخونوا الله والرسول، كما صنع المنافقون) (١). - قال تعالى حكاية عن كتمان يوسف ﵇ للرؤيا التي رآها بأمر من أبيه: قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [يوسف: ٥]. قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا، التي تعبيرها خضوع إخوته له وتعظيمهم إياه تعظيما زائدا، بحيث يخرون له ساجدين إجلالا وإكراما واحتراما فخشي يعقوب، ﵇، أن يحدث بهذا المنام أحدا من إخوته فيحسدوه على ذلك، فيبغوا له الغوائل، حسدا منهم له؛ ولهذا قال له: لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا [يوسف: ٥] أي: يحتالوا لك حيلة يردونك فيها ... ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر) (٢). وقال سبحانه في مؤمن آل فرعون الذي كتم إيمانه: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر: ٢٨]. الحث على كتمان السر من السنة النبوية: - عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها)) (٣). قال النووي: (في هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه فأما مجرد ذكر الجماع فإن لم تكن فيه فائدة ولا إليه حاجة فمكروه لأنه خلاف المروءة وقد قال ﷺ ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)) (٤) وإن كان إليه حاجة أو ترتب عليه فائدة بأن ينكر عليه إعراضه عنها أو تدعي عليه العجز عن الجماع أو نحو ذلك فلا كراهة في ذكره كما قال ﷺ ((إني لأفعله أنا وهذه)) (٥) وقال ﷺ لأبي طلحة ((أعرستم الليلة)) (٦) وقال لجابر ((الكيس الكيس)) (٧)) (٨).

стр. 497

- وعن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المجالس بالأمانة إلا ثلاثة: مجالس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق)) (١). - وعن معاذ بن جبل- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود)) (٢). (أي كونوا لها كاتمين عن الناس واستعينوا بالله على الظفر بها ثم علل طلب الكتمان لها بقوله ((فإن كل ذي نعمة محسود)) يعني إن أظهرتم حوائجكم للناس حسدوكم فعارضوكم في مرامكم وموضع الخبر الوارد في التحدث بالنعمة ما بعد وقوعها وأمن الحسد وأخذ منه أن على العقلاء إذا أرادوا التشاور في أمر إخفاء التحاور فيه ويجتهدوا في طي سرهم) (٣). - وعن جابر- ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: ((إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة)) (٤). قال المناوي في شرحه لهذا الحديث: (قوله: ((إذا حدّث الرجل)) أي الإنسان فذكر الرجل غالبي ((الحديث)) وفي رواية أخاً له بحديث وفي أخرى إذا حدث رجل رجلاً بحديث ((ثم التفت)) أي غاب عن المجلس أو التفت يميناً وشمالاً فظهر من حاله بالقرائن أن قصده أن لا يطلع على حديثه غير الذي حدثه به (فهي) أي الكلمة التي حدثه بها (أمانة) عند المحدث أودعه إياها فإن حدث بها غيره فقد خالف أمر الله حيث أدّى الأمانة إلى غير أهلها فيكون من الظالمين فيجب عليه كتمها إذ التفاته بمنزلة استكتامه بالنطق قالوا وهذا من جوامع الكلم لما في هذا اللفظ الوجيز من الحمل على آداب العشرة وحسن الصحبة وكتم السر وحفظ الود والتحذير من النميمة بين الإخوان المؤدية للشنآن ما لا يخفى) (٥).

стр. 498

أقوال السلف والعلماء في كتمان السر - قال علي بن أبي طالب ﵁: (سرك أسيرك فإن تكلمت به صرت أسيره) (١). - وقال عمرو بن العاص: (عجبت من الرجل يفر من القدر، وهو مواقعه! ويرى القذاة في عين أخيه، ويدع الجذع في عينه! ويخرج الضغن من نفس أخيه، ويدع الضغن في نفسه! وما وضعت سري عند أحد فلمته على إفشاءه، وكيف ألومه وقد ضقت به ذراعا؟) (٢). - وقال أيضاً: (ما وضعت سري عند أحد أفشاه علي فلمته، أنا كنت أضيق به حيث استودعته إياه) (٣). - وأسرَّ معاوية ﵁ إلى الوليد بن عتبة حديثا، فقال لأبيه: يا أبت، إن أمير المؤمنين أسرَّ إلي حديثا، وما أراه يطوي عنك ما بسطه إلى غيرك. قال: فلا تحدثني به، فإن من كتم سره كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه) قال: قلت: يا أبت، وإن هذا ليدخل بين الرجل وبين أبيه؟ قال: لا والله يا بني، ولكن أحب أن لا تذلل لسانك بأحاديث السر). فأتيت معاوية ﵁ فحدثته، فقال: يا وليد، أعتقك أخي من رق الخطأ (٤). - وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: القلوب أوعية الأسرار، والشفاء أقفالها والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سره (٥). - وعن الحسن ﵀، قال: (سمعته يقول: إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك) (٦). - وقال أبو حاتم: (من حصن بالكتمان سره تم له تدبيره وكان له الظفر بما يريد والسلامة من العيب والضرر وإن أخطأه التمكن والظفر والحازم يجعل سره في وعاء ويكتمه عن كل مستودع فإن اضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له لأن السر أمانة وإفشاؤه خيانة والقلب له وعاؤه فمن الأوعية ما يضيق بما يودع ومنها ما يتسع لما استودع) (٧). - وقال أيضاً: (الإفراط في الاسترسال بالأسرار عجز وما كتمه المرء من عدوه فلا يجب أن يظهره لصديقه وكفى لذوي الألباب عبرا ما جربوا ومن استودع حديثا فليستر ولا يكن مهتاكا ولا مشياعا لأن السر إنما سمي سرا لأنه لا يفشى فيجب على العاقل أن يكون صدره أوسع لسره من صدر غيره بأن لا يفشيه) (٨). - وقال: (الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي والرأي بتحصين الأسرار ومن كتم سره كانت الخيرة في يده ومن أنبأ الناس بأسراره هان عليهم وأذاعوها ومن لم يكتم السر استحق الندم ومن استحق الندم صار ناقص العقل ومن دام على هذا رجع إلى الجهل فتحصين السر للعاقل أولى به من التلهف بالندم بعد خروجه منه ولقد أحسن الذي يقول: خشيت لساني أن يكون خؤونا ... فأودعته قلبي فكان أمينا فقلت ليخفى دون شخصي وناظري ... أيا حركاتي كن في سكونا) (٩) - وقال ابن الجوزي: (رأيت أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم، فإذا ظهر، عاتبوا من أخبروا به. فوا عجبًا! كيف ضاقوا بحبسه ذرعًا، ثم لاموا من أفشاه؟!) (١٠). - وقال الراغب الأصفهاني: (إذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدر، وتوصف به ضعفة الرجال والصبيان والنساء) (١١).

стр. 499

أنواع السر قال الراغب الأصفهاني: السر ضربان؛ أحدهما: ما يلقي الإنسان من حديث يستكتم وذلك إما: لفظًا كقولك لغيرك: أكتم ما أقول لك، وإما: حالًا وهو أن يتحرى القائل حال انفراده فيما يورده، أو يخفض صوته أو يخفيه عن مجالسيه، ولهذا قيل: إذا حدَّثك الإنسان بحديث فالتفت فهو أمانة. والثاني: أن يكون حديثًا في نفسك بما تستقبح إشاعته أو شيئًا تريد فعله، وإلى الأول من ذلك أشار النبي بقوله ﷺ : ((من أتى منكم من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر اللَّه)) (١)، وإلى الثاني أشار من قال: ((من وهن الأمر إعلانه قبل إحكامه)) (٢). وكتمان النوع الأول من الوفاء ويختص بعامة الناس، والثاني من الحزم والاحتياط، وهو مختص بالملوك وأصحاب السياسات. وإذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدر، وتوصف به ضعفة الرجال والصبيان والنساء، والسبب في أنه يصعب كتمان السر هو أن للإنسان قوتين: آخذة، ومعطية. وكلتاهما تتشوف إلى الفعل المختص بها، ولولا أن اللَّه تعالى وكَل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار من لم تزوده، فصارت هذه القوة تتشوف إلى فعلها الخاص بها " فعلى الإنسان أن يمسكها ولا يطلقها إلى حيث ما يجب إطلاقها ولا يخدعنك عن سرك قول من قال: وأكتم السر فيه ضربة العنق. وقول من ينشدك: ويكاتم الأسرار حتى كأنه ... ليصونها عن أن تمر بباله فذلك قول من يستنزلك عما في قلبك، فإذا استفزع ما عندك لم يرع فيه حقك، فقد قيل: الصبر على القبض على الجمر أيسر من الصبر على كتمان السر، وما أصدق من أنبأ عن حقيقة حاله حيث قال له صديقه: أريد أن أفشي إليك سرًّا تحفظه عليَّ، فقال، لا أريد أن أوذي قلبي بنجواك، وأجعل صدري خزانة شكواك فيقلقني ما أقلقك، ويؤرقني ما أرقك، فتبيت بإفشائه مستريحًا، ويبيت قلبي بحره جريحًا) (٣).

стр. 500

فوائد كتمان السر ١ - حفظ الأسرار صفة من صفات المروءة والنبل. ٢ - كتمان النصر من أعظم أسباب النصر على الأعداء. ٣ - درء مفسدة الحقد والحسد. ٤ - تقوي الصلة بين الأخوة. ٥ - تقوي الثقة بين الزوجين (١). ٦ - كتمان الأسرار سبب من أسباب النجاح، وأدوم لأحوال الصلاح (٢). ٧ - كتمان السِّرّ كرم فِي النَّفس وسمو فِي الهمة وَدَلِيل على الْمُرُوءَة وَسبب للمحبة ومبلغ إلى جليل الرتبة (٣).

стр. 501

الكتمان المذموم لا شك أن الأصل في السر كتمانه وعدم إفشائه، لكن هناك أمور تستثنى من هذا الأصل منها: ١ - كتمان العلم: قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ [البقرة: ١٥٩]. وقال ﷺ : ((من أوتي علماً فكتمه ألجمه الله بلجام من نار)) (١). ٢ - كتمان الشهادة: قال تعالى: وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٣]. وقال سبحانه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٠]. ٣ - بعض المجالس لا حرمة لأسرارها: قال ﷺ : ((المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق)) (٢). ٤ - كتمان العيب في البيع والشراء: فعن حكيم بن حزام ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال: حتى يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)) (٣).

стр. 502

صور كتمان الأسرار ١ - كتمان الطاعات: المسلم لا بد أن يحرص في كتم أموره التعبدية، قال تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥]. وذكر ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ((رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) (١). ٢ - كتمان الذنوب: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المَجَانة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه)) (٢). وعن زيد بن أسلم)) أن رجلا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله ﷺ فدعا له رسول الله ﷺ بسوط فأتي بسوط مكسور فقال فوق هذا فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته فقال دون هذا فأتي بسوط قد ركب به ولان فأمر به رسول الله ﷺ فجلد ثم قال أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله)) (٣). (هذان الحديثان يدلان على أن الإنسان مكلف بحفظ أسرار نفسه، سواء كانت هذه الأسرار من القاذورات أو الخيرات. فمن فعل شرا وكتمه في نفسه، ولم يذعه للغير، ثم تاب إلى الله توبة صادقة، ستره الله تعالى بستره وتاب عليه. وأما إذا اعترف به، وجب عليه الجزاء المقرر في الشريعة الإسلامية كالحدود والتعزير) (٤). ٣ - كتمان قضاء الحاجات: من يريد أن يقوم بعمل ما عليه أن يكتمه وأن لا يحدث به كل أحد حتى يقوم بإكماله، والنبي ﵌ أوصى بكتمان قضاء الحوائج فقال: ((استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود)) (٥). ٤ - كتمان الأسرار الزوجية: كتمان الأسرار الزوجية من الأمور (التي يجب حفظها وعدم إفشائها ما يكون بين الرجل وامرأته، فهو أولاً حق المرأة في عدم إفشاء ما يكون منها لزوجها، وهو ثانياً حق الآداب الإسلامية العامة التي توصي بستر مثل هذه الأمور، فالمرء مستأمن عليها من جهتين، جهة الآداب الإسلامية، وجهة صاحب الحق الخاص) (٦). فعن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)) (٧). ٥ - كتمان الرؤيا المكروهة:

стр. 503

عن أبي سعيد الخدري: أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره)) (١). قال ابن حجر: (وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء أن يتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وأن يتفل حين يهب من نومه عن يساره ثلاثا ولا يذكرها لأحد أصلا) (٢). ٦ - كتمان أسرار الدولة: اهتم الإسلام بأسرار الدولة الإسلامية وخاصة الأسرار الحربية، فقد كان النبي ﷺ يكتم أسرار خططه في الغزوات، فكان من هديه إذا كان يريد غزوة ورَّى بغيرها. وأرسل سرية بقيادة عبد الرحمن بن جحش (وكتب له كتاباً وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ﷺ ، ولا يستكره من أصحابه أحدا فلما سار بهم يومين فتح الكتاب فإذا فيه: ((إذا نظرت في كتابي فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف وترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم)) فلما نظر في الكتاب قال سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه بما في الكتاب وقال: قد نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف منهم أحد) (٣).

стр. 504

كتمان السر عند النبي ﷺ : كان النبي ﷺ يكتم أسرار خططه في الغزوات، وكان من هديه إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها. - وقد بعث ﷺ سرية من المهاجرين قوامها اثنا عشر رجلاً بقيادة عبد الله بن جحش الأسدي، ومعه رسالة مكتومة أمره الرسول ﷺ ألا يفتحها إلا بعد يومين من مسيره، فإذا فتحها وفهم ما فيها، مضى في تنفيذها غير مستكره أحداً من أفراد قوته على مرافقته (١). - وكان للكتمان أثر كبير في مباغتة النبي ﷺ للعدو: (فبعد شهرين من غزوة أحد بلغ النبي ﷺ أن طليحة وسلمة ابني خويلد يحرضان قومهما بني أسد بن خزيمة لغزو المدينة المنورة ونهب أموال المسلمين فيها. وقرر النبي ﷺ إرسال جيش من المسلمين وأمرهم بالسير ليلاً والاستخفاء نهاراً، وسلوك طريق غير مطروقة حتى لا يطلع أحد على أخبارهم ونياتهم فباغتوا بذلك بني أسد في وقت لا يتوقعونه) (٢). - وفي غزوة (دومة الجندل) قاد النبي ﷺ ألف راكب وراجل من المهاجرين والأنصار لمنع القبائل التي تقطن (دومة الجندل) من قطع الطرق ونهب القوافل، والقضاء على حشودها التي تزمع غزو المدينة المنورة. وخرج الرسول ﷺ بالمسلمين من المدينة المنورة يكمن بهم نهاراً ويسير ليلاً، وقد قطع المسلمون المسافة بين المدينة المنورة و (دومة الجندل) فلم يجد المسلمون أحداً منهم ... وعاد المسلمون من (دومة الجندل) بعد أن أقاموا فيها بضعة أيام. إن كتمان نيات المسلمين بالمسير ليلاً هو الذي جعلهم ينتصرون على أعدائهم (٣). - وفي غزوة فتح مكة المكرمة بلغ النبي ﷺ في تطبيق عامل الكتمان حد الروعة حتى ليمكن اعتبار هذه الغزوة مثالا من أعظم أمثلة التاريخ العسكري في تطبيق الكتمان إلى أبعد الحدود. وأمر أهله أن يجهزوه، ولكنه لم يخبر أحداً من المسلمين في الداخل أو الخارج بنياته وأهدافه من حركته واتجاهها، بل أخفى نياته وأهدافه واتجاه حركته حتى عن أقرب المقربين إليه، ولما اقترب موعد الحركة صرح الرسول ﷺ بأنه سائر إلى مكة المكرمة، ولكنه بث عيونه وأرصاده ليحول دون وصول أخبار اتجاه حركته إلى قريش، وبعث حاطب بن أبي بلتعة رسالة أعطاها امرأة متوجهة إلى مكة المكرمة، أخبرهم في تلك الرسالة بنيات المسلمين في التوجه إلى فتح مكة المكرمة (٤). فعن عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت عليا ﵁، يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير، والمقداد بن الأسود، قال: ((انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : يا حاطب ما هذا؟، قال: يا رسول الله، لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرا ولا ارتدادا، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : لقد صدقكم، قال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) (٥).

стр. 505

نماذج للصحابة في كتمان السر - روى البخاري عن عبد الله بن عمر، أن عمر ﵁ حين تأيمت بنته حفصة من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قد شهد بدرا، توفي بالمدينة، قال عمر: ((فلقيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم «خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه» فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك؟ قلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت، إلا أني قد علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها لقبلتها)) (١). - وعن عائشة قالت: ((كن أزواج النبي ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئا فلما رآها رحب بها فقال: مرحبا بابنتي. ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديدا فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت. فقلت لها خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين فلما قام رسول الله ﷺ سألتها ما قال لك رسول الله ﷺ قالت ما كنت أفشي على رسول الله ﷺ سره. قالت فلما توفي رسول الله ﷺ قلت عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ﷺ فقالت أما الآن فنعم أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني: أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وإنه عارضه الآن مرتين وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك. قالت فبكيت بكائي الذي رأيت فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: يا فاطمة أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة. قالت فضحكت ضحكي الذي رأيت)) (٢). - وعن ثابت عن أنس- ﵄ قال: ((أتى علي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان- قال: فسلم علينا، فبعثني إلى حاجة. فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت بعثني رسول الله ﷺ لحاجة. قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر. قالت: لا تحدثن بسر رسول الله ﷺ أحدا. قال أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك يا ثابت)) (٣). - وكان حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله ﷺ ؛ فعن خيثمة بن أبي سبرة قال: (أتيت المدينة فسألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فيسر لي أبا هريرة فجلست إليه فقلت له إني سألت الله أن ييسر لي جليسا صالحا فوفقت لي فقال لي ممن أنت؟ قلت من أهل الكوفة جئت ألتمس الخير وأطلبه قال أليس فيكم سعد بن مالك مجاب الدعوة وابن مسعود صاحب طهور رسول الله ﷺ وبغلته وحذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ وعمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه وسلمان صاحب الكتابين؟) (٤).

стр. 506

صفات أمين السر ذكر الماوردي بعض الصفات التي يلزم أن تتوفر على الشخص الذي يؤتمن على السر، فقال: ١ - (أن يكون ذا عقل صاد. ٢ - ودين حاجز. ٣ - ونصح مبذول. ٤ - وود موفور. ٥ - وكتوما بالطبع. فإن هذه الأمور تمنع من الإذاعة، وتوجب حفظ الأمانة) (١).

стр. 507

حكم وأمثال في كتمان السر - (كن على حفظ سرك أحرص منك على حقن دمك. - من وهن الأمور إعلانه قبل إحكامه. - لا تنكح خاطب سرك. - كلما كثر خزان الأسرار ازدادت ضياعاً. - قلوب العقلاء حصون الأسرار. - انفرد بسرك، ولا تودعه حازماً فيزل، ولا جاهلاً فيخون) (١). - وقيل: أصبر النّاس من صبر على كتمان سرّه فلم يبده لصديقه. الصّبر على التهاب النار أهون من الصّبر على كتمان السرّ (٢). · صدرك أوسع لسرك (٣). - وقيل في ذمّ مفش سرّه: فلان أنمّ من النسيم على الرياض، ومن العين منها الصفو والكدر، - وقيل: وهو أضيع للأسرار من الغربال للماء (٤). - وقيل في الأحوال التي يفشو فيها السر: قال يحيى بن خالد: (الرجل ينبئ عن نفسه في ثلاثة مواضع: إذا اضطجع على فراشه، وإذا خلا بعرسه، وإذا استوى على سرجه) (٥). - وقيل فيمن يحفظ سرّه ويستحفظه غيره: - قال الشاعر: إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي يستودع السرّ أضيق - وقال بشّار: تبوح بسرّك ضيقا به ... وتبغي لسرّك من يكتم - وقال دعامة بن يزيد الطائي: إذا ما جعلت السرّ عند مضيع ... فإنّك ممّن ضيّع السرّ أذنب (٦) - وقيل لعدي بن حاتم ﵀: أي الأشياء أوضع للرجال؟ قال: كثرة الكلام، وإضاعة السرّ، والثقة بكل أحدٍ (٧). - وكان يقال: الكاتم سرّه بين إحدى فضيلتين: الظّفر بحاجته، والسلامة من شرّ إذاعته (٨).

стр. 508

كتمان السر في واحة الشعر .. قال علي بن أبي طالب- ﵁: قال: أنس بن أسيد: ولا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا فإني رأيت وشاة الرجال ... لا يتركون أديما صحيحا (١) وقال علي بن محمد البسامي: تبيح بسرك ضيقا به ... وتبغي لسرك من يكتم وكتمانك السر ممن تخاف ... ومن لا تخافنه أحزم إذا ذاع سرك من مخبر ... فأنت وإن لمته ألوم (٢) وقال آخر: إذا المرء أفشى سره بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق (٣) وقال عبد العزيز بن سليمان: إذا ضاق صدر المرء عن بعض سره ... فألقاه في صدري فصدري أضيق ومن لامني في أن أضيع سره ... وضيعه قبلي فذو السر أخرق (٤) وقال بعض الشعراء: وسرك ما كان عند امرئ ... وسر الثلاثة غير الخفي وقال آخر: فلا تنطق بسرك كل سر ... إذا ما جاوز الاثنين فاشي (٥) وقال بعض الشعراء: ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... مني الضلوع على الأسرار والخبر لكنت أول من ينسى سرائره ... إذا كنت من نشرها يوما على خطر وحكي أن عبد الله بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه حفظ السر فقال ابنه: ومستودعي سرا تضمنت سره ... فأودعته من مستقر الحشى قبرا ولكنني أخفيه عني كأنني ... من الدهر يوما ما أحطت به خبرا وما السر في قلبي كميت بحفرة ... لأني أرى المدفون ينتظر النشرا (٦) ...

стр. 509

معنى المحبة لغة واصطلاحاً معنى المحبة لغة: تدل على اللُّزُومُ وَالثَّبَاتُ، والحُبُّ: نَقِيضُ البُغْضِ. والحُبُّ: الودادُ والمَحَبَّةُ، وَكَذَلِكَ الحِبُّ بِالْكَسْرِ (١). وَتقول: أحبَبْتُ الشَّيْء فَأنا مُحِبٌّ وَهو مُحَبٌّ (٢). معنى المحبة اصطلاحاً: (الْمحبَّة: الْميل إِلَى الشَّيْء السار) (٣). وقال الراغب: (المحبة: ميل النفس إلى ما تراه وتظنه خيرًا) (٤). وقال الهروي: (الْمحبَّة: تعلق الْقلب بَين الهمة والأنس فِي الْبَذْل وَالْمَنْع على الْإِفْرَاد) (٥). الكلمات المترادفة للمحبة: للمحبة مرادفات كثيرة ذكرها أهل العلم تزيد على ستين اسماً؛ نذكر منها: (المحبة، والعلاقة، والهوى، والصبوة، والصبابة، والشغف، والمقة، والوجد، والكلف، والتتيم، والعشق، والجوى، والدنف، والشجو، والشوق، والخلابة، والبلابل، والتباريح، والسدم، والغمرات، والوهل، والشجن، واللاعج، والاكتئاب، والوصب، والحزن، والكمد، واللذع، والحرق، والسهد، والأرق، واللهف، والحنين، والاستكانة، والتبالة، واللوعة، والفتون، والجنون، واللمم، والخبل، والرسيس، والداء المخامر، والود، والخلة، والخلم، والغرام، والهيام، والتدليه، والوله، والتعبد) (٦).

стр. 510

الفرق بين المحبة وبعض الصفات الفرق بين الإِرادة والمحبة: (أَن الْمحبَّة تجْرِي على الشَّيْء وَيكون المُرَاد بِهِ غَيره، وَلَيْسَ كَذَلِك الإرادة، تَقول: أَحْبَبْت زيداً وَالْمرَاد أَنَّك تحب إكرامه ونفعه، وَلَا يُقَال: أردْت زيداً بِهَذَا الْمَعْنى، وَتقول: أحب الله أَي أحب طَاعَته، وَلَا يُقَال أريده بِهَذَا الْمَعْنى، فَجعل الْمحبَّة لطاعة الله محبَّة لَهُ، كَمَا جعل الْخَوْف من عقابه خوفًا مِنْهُ، وَتقول: الله يحب الْمُؤمنِينَ بِمَعْنى أَنه يريد إكرامهم وإثابتهم، وَلَا يُقَال: إنه يريدهم بِهَذَا الْمَعْنى، وَلِهَذَا قَالُوا: إِن الْمحبَّة تكون ثَوابًا وَولَايَة وَلَا تكون الْإِرَادَة كَذَلِك، ولقولهم: أحب زيداً مزية على قَوْلهم: أُرِيد لَهُ الْخَيْر، وَذَلِكَ أَنه إِذا قَالَ أُرِيد لَهُ الْخَيْر لم يبين أَنه لَا يُرِيد لَهُ شَيْئا من السوء، وَإِذا قَالَ أُرِيد لَهُ الْخَيْر لم يبين أَنه لَا يُرِيد لَهُ شَيْئا من السوء، وَإِذا قَالَ أحبه أبان أَنه لَا يُرِيد لَهُ سوءاً أصلاً، وَكَذَلِكَ إذا قَالَ: أكره لَهُ الْخَيْر لم يبين أَنه لَا يُرِيد لَهُ الخير البته، وَإِذا قَالَ: أبغضه، أبان أَنه لَا يُرِيد لَهُ خيراً البته. والمحبة أَيْضا تجْرِي مجْرى الشَّهْوَة؛ فَيُقَال: فلَان يحب اللَّحْم، أَي: يشتهيه، وَتقول: أكلت طَعَاماً لا أحبه أَي لَا أشتهيه، وَمَعَ هَذَا فَإِن الْمحبَّة هِيَ الْإِرَادَة) (١). الفرق بين المحبة والشهوة: (الشَّهْوَة توقان النَّفس وميل الطباع إِلَى المشتهى وَلَيْسَت من قبيل الْإِرَادَة، والمحبة من قبيل الْإِرَادَة. ونقيضها البغضة، ونقيض الْحبّ البغض، والشهوة تتَعَلَّق بالملاذ فَقَط، والمحبة تتَعَلَّق بالملاذ وَغَيرهَا) (٢). الفرق بين المحبة والصداقة: (أَن الصَّدَاقَة قُوَّة الْمَوَدَّة مأخوذة من الشَّيْء الصدْق وَهُوَ الصلب الْقوي، وَقَالَ أَبُو عَليّ ﵀: الصَّدَاقَة اتفاق الْقُلُوب على الْمَوَدَّة، وَلِهَذَا لَا يُقَال: إِن الله صديق الْمُؤمن كَمَا يُقَال إِنَّه حَبِيبه وخليله) (٣). الفرق بين الحب والود: (أَن الْحبّ يكون فِي مَا يُوجِبهُ ميل الطباع وَالحكمَة جَمِيعًا، والود ميل الطباع فَقَط، أَلا ترى أَنَّك تَقول: أحب فلَاناً وأوده وَتقول: أحب الصَّلَاة، وَلَا تَقول: أود الصَّلَاة، وَتقول: أود أَن ذلك كَانَ لي، إِذا تمنيت وداده، وأود الرجل وداً ومودة، والود الوديد، مثل الْحبّ وَهُوَ الحبيب) (٤). الْفرق بَين الْمحبَّة والعشق: (أَن الْعِشْق شدَّة الشَّهْوَة لنيل المُرَاد من المعشوق إِذا كَانَ إِنْسَان والعزم على مواقعته عِنْد التَّمَكُّن مِنْهُ وَلم كَانَ الْعِشْق مفارقا للشهوة لجَاز أَن يكون العاشق خَالِيا من أَن يَشْتَهِي النّيل مِمَّن يعشقه إِلَّا أَنه شَهْوَة مَخْصُوصَة لَا تفارق موضعهَا وَهِي شَهْوَة الرجل للنيل مِمَّن يعشقه وَلَا تسمى شَهْوَته لشرب الْخمر وَأكل الطّيب عشقا والعشق أَيْضا هُوَ الشَّهْوَة الَّتِي إِذا أفرطت وَامْتنع نيل مَا يتَعَلَّق بهَا قتلت بها صَاحبهَا وَلَا يقتل من الشَّهَوَات غَيرهَا أَلا ترى أَن أحدا لم يمت من شَهْوَة الْخمر وَالطَّعَام وَالطّيب وَلَا من محبَّة دَاره أَو مَاله وَمَات خلق كثير من شَهْوَة الْخلْوَة مَعَ المعشوق والنيل مِنْهُ) (٥).

стр. 511

فضل المحبة ومنزلتها قال الرّاغب: - المحبّة والعدل من أسباب نظام أمور النّاس- (ولو تحابّ النّاس، وتعاملوا بالمحبّة لاستغنوا بها عن العدل، فقد قيل: العدل خليفة المحبّة يستعمل حيث لا توجد المحبّة، ولذلك عظّم الله تعالى المنّة بإيقاع المحبّة بين أهل الملّة، فقال عزّ من قائل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا أي محبّة في القلوب، تنبيها على أنّ ذلك أجلب للعقائد، وهي أفضل من المهابة لأنّ المهابة تنفّر، والمحبّة تؤلّف، وقد قيل: طاعة المحبّة أفضل من طاعة الرّهبة، لأنّ طاعة المحبّة من داخل، وطاعة الرّهبة من خارج، وهي تزول بزوال سببها، وكلّ قوم إذا تحابّوا تواصلوا وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عملوا، وإذا عملوا عمّروا، وإذا عمّروا عمّروا وبورك لهم) (١). وقال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: (هي المنزلة الّتي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمّر السّابقون، وعليها تفانى المحبّون، وبروح نسيمها تروّح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرّة العيون، وهي الحياة الّتي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنّور الّذي من فقده فهو في بحار الظّلمات، والشّفاء الّذي من عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام، واللّذّة الّتي من لم يظفر بها فعيشه كلّه هموم وآلام. وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه. تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها. وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدا واصليها. وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها. وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائما إلى الحبيب. وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب) (٢). وقال الجاحظ: (ينبغي لمحبّ الكمال أن يعوّد نفسه محبّة النّاس، والتّودّد إليهم، والتّحنّن عليهم، والرّأفة والرّحمة لهم، فإنّ النّاس قبيل واحد متناسبون تجمعهم الإنسانيّة، وحلية القوّة الإلهيّة هي في جميعهم، وفي كلّ واحد منهم، وهي قوّة العقل، وبهذه النّفس صار الإنسان إنسانا. وإذا كانت نفوس النّاس واحدة، والمودّة إنّما تكون بالنّفس، فواجب أن يكونوا كلّهم متحابّين متوادّين، وذلك في النّاس طبيعة، لو لم تقدهم الأهواء الّتي تحبّب لصاحبها التّرؤّس فتقوده إلى الكبر والإعجاب والتّسلّط على المستضعف، واستصغار الفقير وحسد الغنيّ وبغض ذي الفضل، فتسبّب من أجل هذه الأسباب العداوات، وتتأكّد البغضاء بينهم. فإذا ضبط الإنسان نفسه الغضبيّة، وانقاد لنفسه العاقلة، صار النّاس كلّهم له إخوانا وأحبابا، وإذا أعمل الإنسان فكره رأى أنّ ذلك واجب، لأنّ النّاس إمّا أن يكونوا فضلاء أو نقصاء، فالفضلاء يجب عليهم محبّتهم لموضع فضلهم، والنّقصاء يجب عليهم رحمتهم لأجل نقصهم فيحقّ لمحبّ الكمال أن يكون رحيما لجميع النّاس، متحنّنا عليهم رءوفا بهم، وبخاصّة الملك والرّئيس، فإنّ الملك ليس يكون ملكا ما لم يكن محبا لرعيّته رءوفا بهم، وذلك أنّ الملك ورعيّته بمنزلة ربّ الدّار وأهل داره، وما أقبح ربّ الدّار أن يبغض أهل داره، فلا يتحنّن عليهم، ولا يحبّ مصالحهم) (٣).

стр. 512

الترغيب والحث على المحبة في القرآن والسنة الترغيب والحث على المحبة من القرآن الكريم: - قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا [مريم: ٩٦]. (َقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا تَأْتِي الْمَحَبَّةُ مِنَ السَّمَاءِ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﵎ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا قَذَفَ حُبَّهُ فِي قُلُوبِ الْمَلائِكَةِ وَقَذَفَتْهُ الْمَلائِكَةُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا فَمِثْلُ ذَلِكَ، لا يَمْلِكُهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ) (١). (وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا قَالَ: حُبًّا (٢). وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْهُ: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا قَالَ: مَحَبَّةً فِي النَّاسِ فِي الدُّنْيَا (٣). وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْهُ: يُحِبُّهُمْ ويُحببهم، يَعْنِي: إِلَى خَلْقِهِ الْمُؤْمِنِينَ) (٤). وقال ابن عباس: (مَحَبَّةً فِي النَّاسِ فِي الدُّنْيَا) (٥). وقال مجاهد: (مَحَبَّةً فِي الْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا) (٦). وقال مقاتل: (يقول يجعل محبتهم في قلوب المؤمنين فيحبونهم) (٧). - وقال سبحانه: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة: ١٦٥]. قال التستري: (أي: يحبون الأنداد كحبهم الله ، فقد وصف الله تعالى شدة كفرهم وصدقهم في حال الكفر جهلاً، ووصف محبة المؤمنين وصدقهم في الإيمان بالله تعالى حقاً، ثم فضل المؤمنين بالمعرفة فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. بمعرفتهم وسائر أسباب العبد المؤمن إلى الإقبال عليه وإقامة الذكر له، وتلك منزلة العارفين المحبين، إذ المحبة عطف من الله تعالى بخالصة الحق. فقيل له: ما علامة المحبة؟ قال: معانقة الطاعة ومباينة الفاقة) (٨). وقال البغوي: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ أَيْ يُحِبُّونَ آلِهَتَهُمْ كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُحِبُّونَ الْأَصْنَامَ كَمَا يُحِبُّونَ اللَّهَ لِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوهَا مَعَ اللَّهِ فَسَوَّوْا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَوْثَانِهِمْ فِي الْمَحَبَّةِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ أَيْ أَثْبَتُ وَأَدُومُ عَلَى حُبِّهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَارُونَ عَلَى اللَّهِ مَا سِوَاهُ) (٩). وقال الماوردي: (قال تعالى: يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ يعني أنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب الله مع قدرته. وَالَّذِينَءَامَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ يعني من حب أهل الأوثان لأوثانهم , ومعناه أن المخلصين لله تعالى هم المحبون حقاً) (١٠). - وقال : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١].

стр. 513

قال ابن كثير: (أَيْ: يَحْصُلُ لَكُمْ فَوْقَ مَا طَلَبْتُمْ مِنْ مَحَبَّتِكُمْ إِيَّاهُ، وَهُوَ مَحَبَّتُهُ إِيَّاكُمْ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تُحِبّ، إِنَّمَا الشَّأْنُ أَنْ تُحَبّ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ فَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ) (١). وقال الشوكاني: (وَقَدْ فُسِّرَتِ الْمَحَبَّةُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِإِرَادَةِ طَاعَتِهِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَحَبَّةُ الْعَبْدِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ: طَاعَتُهُ لَهُمَا وَاتِّبَاعُهُ أَمْرَهُمَا، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعِبَادِ: إِنْعَامُهُ عَلَيْهِمْ بِالْغُفْرَانِ) (٢). وقال السعدي: (وهذه الآية فيها وجوب محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها) (٣). - وقال جل في علاه: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه: ٣٩]. قال الطبري: (عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: حُسْنًا وَمَلَاحَةً، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَلْقَى مَحَبَّتَهُ عَلَى مُوسَى، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي فَحَبَّبَهُ إِلَى آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، حَتَّى تَبَنَّتْهُ وَغَذَّتْهُ وَرَبَّتْهُ، وَإِلَى فِرْعَوْنَ، حَتَّى كَفَّ عَنْهُ عَادِيَتَهُ وَشَرَّهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي، لِأَنَّهُ حَبَّبَهُ إِلَى كُلِّ مَنْ رَآهُ. وَمَعْنَى وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي حَبَّبْتُكَ إِلَيْهِمْ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِآخَرَ إِذَا أَحَبَّهُ: أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ رَحْمَتِي: أَيْ مَحَبَّتِي) (٤). وقال أيضاً: (قَالَ ابن عَبَّاسٌ: حَبَّبْتُكَ إِلَى عِبَادِي، وَقَالَ الصُّدَائِيُّ: حَبَّبْتُكَ إِلَى خَلْقِي وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَيْ حَسَّنْتُ خَلْقَكَ) (٥). وقال الشوكاني: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي أَيْ: أَلْقَى اللَّهُ عَلَى مُوسَى مَحَبَّةً كَائِنَةً مِنْهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا أَحبَّهُ وَقِيلَ: جَعَلَ عَلَيْهِ مَسْحَةً مِنْ جَمَالٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا أَحَبَّهُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الْمَعْنَى وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ رَحْمَتِي، وَقِيلَ: كَلِمَةُ مِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَلْقَيْتُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَلْقَيْتُ مِنِّي عَلَيْكَ مَحَبَّةً، أَيْ: أَحْبَبْتُكَ، وَمَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ أَحَبَّهُ النَّاسُ) (٦). و (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قَالَ: كَانَ كُلُّ مَنْ رَآهُ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ مَحَبَّتُهُ (٧). وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: حَبَّبْتُكَ إِلَى عِبَادِي) (٨). - وقال تعالى: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا [مريم: ١٣]. قال مجاهد: (يَعْنِي تَعَطُّفًا مِنْ رَبِّهِ عَلَيْهِ) (٩).

стр. 514

(وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مَحَبَّةً عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَمَّا الْحَنَانُ فَالْمَحَبَّةُ) (١). الترغيب والحث على المحبة من السنة النبوية: - عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ)) (٢). (ومعنى الحديث: أن من استكمل الإيمان علم أن حق الرسول وفضله آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين، لأن بالرسول استنقذ الله أُمته من النار وهداهم من الضلال، فالمراد بهذا الحديث بذل النفس دونه ﷺ (٣). قال ابن الجوزي: (اعْلَم أَن المُرَاد بِهَذِهِ الْمحبَّة الْمحبَّة الشَّرْعِيَّة، فَإِنَّهُ يجب على الْمُسلمين أَن يقوا رَسُول الله ﷺ بِأَنْفسِهِم وَأَوْلَادهمْ. وَلَيْسَ المُرَاد بِهَذَا الْمحبَّة الطبيعية، فَإِنَّهُم قد فروا عَنهُ فِي الْقِتَال وتركوه، وكل ذَلِك لإيثار حب النَّفس) (٤). - وعن ابن مسعود ﵁ قال: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي ﵇ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ النَّبِي ﷺ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)) (٥). قال ابن بطال: (فدل هذا أن من أحب عبدًا في الله فإن الله جامع بينه وبينه في جنته ومدخله مدخلة وإن قصر عن عمله، وهذا معنى قوله: (ولم يلحق بهم) يعني في العمل والمنزلة، وبيان هذا المعنى - والله أعلم - أنه لما كان المحب للصالحين وإنما أحبهم من أجل طاعتهم لله، وكانت المحبة عملا من أعمال القلوب واعتقادًا لها أثاب الله معتقدًا ذلك ثواب الصالحين إذ النية هي الأصل والعمل تابع لها، والله يوتي فضله من يشاء) (٦). وقال النووي: (فِيهِ فَضْلُ حُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَالصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْخَيْرِ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ) (٧). قال العظيم أبادي: (يَعْنِي مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا بِالْإِخْلَاصِ يَكُونُ مِنْ زُمْرَتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُمْ لِثُبُوتِ التَّقَارُبِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَرُبَّمَا تُؤَدِّي تِلْكَ الْمَحَبَّةُ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى مَحَبَّةِ الصُّلَحَاءِ وَالْأَخْيَارِ رَجَاءَ اللَّحَاقِ بِهِمْ وَالْخَلَاصِ مِنَ النَّارِ) (٨). وقال السعدي: (هذا الحديث فيه: الحث على قوة محبة الرسل, واتباعهم بحسب مراتبهم، والتحذير من محبة ضدهم؛ فإن المحبة دليل على قوة اتصال المحب بمن يحبه، ومناسبته لأخلاقه، واقتدائه به. فهي دليل على وجود ذلك. وهي أيضاً باعثة على ذلك) (٩).

стр. 515

- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ((أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ، عَلَى مَدْرَجَتِهِ، مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللهِ ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ)) (١). قال النووي: (فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْمَحَبَّةِ فِي اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا سَبَبٌ لِحُبِّ اللَّهِ تَعَالَى الْعَبْدَ) (٢). (في هذا الحديث: دليل على عظم فضل الحب في الله والتزاور فيه) (٣). - وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) (٤). قال العظيم آبادي: ((أَخَذَ بِيَدِهِ) كَأَنَّهُ عَقَدُ مَحَبَّةٍ وَبَيْعَةُ مَوَدَّةٍ (وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ) لَامُهُ لِلِابْتِدَاءِ وَقِيلَ لِلْقَسَمِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَحَدًا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِظْهَارُ الْمَحَبَّةِ لَهُ (فَقَالَ أُوصِيكَ يا معاذ لَا تَدَعَنَّ) إِذَا أَرَدْتَ ثَبَاتَ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ فَلَا تَتْرُكَنَّ (فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ) أَيْ عَقِبَهَا وَخَلْفَهَا أَوْ فِي آخِرِهَا) (٥). وقال ابن عثيمين: (وهذه منقبة عظيمة لمعاذ بن جبل ﵁ أن نبينا ﷺ أقسم أنه يحبه والمحب لا يدخر لحبيبه إلا ما هو خير له) (٦). - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)) (٧). قال النووي: (فَقَوْلُهُ ﷺ وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، مَعْنَاهُ: لَا يَكْمُلُ إِيمَانُكُمْ وَلَا يَصْلُحُ حَالُكُمْ فِي الْإِيمَانِ إِلَّا بِالتَّحَابِّ) (٨). وقال ابن عثيمين: (ففي هذا دليل على أن المحبة من كمال الإيمان، وأنه لا يكمل إيمان العبد حتى يحب أخاه، وأن من أسباب المحبة أن يفشي الإنسان السلام بين إخوانه، أي يظهره ويعلنه، ويسلم على من لقيه من المؤمنين، سواء عرفه أو لم يعرفه، فإن هذا من أسباب المحبة، ولذلك إذا مر بك رجل وسلم عليك أحببته، وإذا أعرض؛ كرهته ولو كان أقرب الناس إليك) (٩).

стр. 516

أقوال السلف والعلماء في المحبة - عن أبي حيان التيمي- ﵀ قال: (رؤي على علي بن أبي طالب- ﵁ ثوب كأنه كان يكثر لبسه، فقيل له فيه. فقال: هذا كسانيه خليلي وصفيي عمر بن الخطاب- ﵁ إن عمر ناصح الله فنصحه) (١). - وعن مجاهد- ﵀ قال: (مر على عبد الله بن عباس رجل فقال: إن هذا يحبني. فقيل: أنى علمت ذلك؟ قال: إني أحبه) (٢). - وعن سفيان بن عيينة، قال: (سمعت مساور الوراق يحلف بالله- ما كنت أقول لرجل إني أحبك في الله- فأمنعه شيئا من الدنيا) (٣). - وقال ابن تيمية: (إنك إذا أحببت الشخص لله، كان الله هو المحبوب لذاته، فكلما تصورته في قلبك، تصورت محبوب الحق فأحببته، فازداد حبك لله، كما إذا ذكرت النبي ﷺ والأنبياء قبله والمرسلين وأصحابهم الصالحين، وتصورتهم في قلبك، فإن ذلك يجذب قلبك إلى محبة الله المنعم عليهم، وبهم، إذا كنت تحبهم لله. فالمحبوب لله يجذب إلى محبة الله، والمحب لله إذا أحب شخصا لله فإن الله هو محبوبه. فهو يحب أن يجذبه إلى الله تعالى، وكل من المحب لله والمحبوب لله يجذب إلى الله) (٤). - وقال ابن قيم الجوزية: (المحبّة هي حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذّة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلّا بها. وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمّه، واللّسان إذا فقد نطقه، بل فساد القلب إذا خلا من محبّة فاطره وبارئه وإلهه الحقّ أعظم من فساد البدن إذا خلا من الرّوح، وهذا الأمر لا يصدّق به إلّا من فيه حياة) (٥). - وقال: (وَاعجَبا لمن يَدعِي الْمحبَّة وَيحْتَاج إِلَى من يذكرهُ بمحبوبه فَلَا يذكرهُ إِلَّا بمذكر أقل مَا فِي الْمحبَّة أَنَّهَا لَا تنسيك تذكر المحبوب) (٦). - وقال أيضاً: (إِذا سَافر الْمُحب للقاء محبوبه ركبت جُنُوده مَعَه فَكَانَ الْحبّ فِي مُقَدّمَة الْعَسْكَر والرجاء يَحْدُو بالمطي والشوق يَسُوقهَا وَالْخَوْف يجمعها على الطَّرِيق فَإِذا شَارف قدوم بلد الْوَصْل خرجت تقادم الحبيب باللقاء) (٧). - و (قال أبو بكر الورّاق: سأل المأمون عبد الله بن طاهر ذا الرياستين عن الحب، ما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إذا تقادحت جواهر النفوس المتقاطعة بوصل المشاكلة، انبعثت منها لمحة نور تستضيء بها بواطن الأعضاء، فتتحرّك لإشراقها طبائع الحياة، فيتصوّر من ذلك خلق حاضر للنفس، متصل بخواطرها، يسمى الحب. - وسئل حمّاد الراوية عن الحب، ما هو؟ قال: الحب شجرة أصلها الفكر، وعروقها الذكر، وأغصانها السهر، وأوراقها الأسقام، وثمرتها المنيّة. - وقال معاذ بن سهل: الحب أصعب ما ركب، وأسكر ما شرب، وأفظع ما لقي، وأحلى ما اشتهي، وأوجع ما بطن، وأشهى ما علن. وهو كما قال الشاعر: وللحبّ آفات إذا هي صرّحت ... تبدّت علامات لها غرر صفر فباطنه سقم وظاهره جوى ... وأوّله ذكر وآخره فكر) (٨) - و (قال أبو بكر الوراق: حقيقة المحبة مشاهدة المحبوب على كل حال، فإن الاشتغال بالغير حجاب، وأصله التسليم واليقين، فإنها يبلغان إلى درجات المتقين في جنات النعيم) (٩).

стр. 517

- وقال الثعالبي: (المحبة أريحية منتفثة من النفس نحو المحبوب لأنها تغذو الروح وتضني البدن ولأنها تنقل القوى كلها إلى المحبوب بالتحلي بهيئته، والتمني بحقيقته، بالكمال الذي يشهد فيه) (١). - وقال أبو منصور الثعالبي (المحبة ثمن لكل شيء وإن غلا، وسلم إلى كل شيء وإن علا) (٢). - وقال يحيى بن معاذ ﵀: (حقيقة المحبّة لا يزيدها البرّ ولا ينقصها الجفاء) (٣). - (وقال جعفر إذا أحبّك الله سترك وإذا أحببته شهرك) (٤). - وقال الجنيد: (إذا صحَّت المحبَّةُ سقطت شروط الأدب) (٥). - وقال الخواص: (المحبة محو الإرادات واحتراق جميع الصفات والحاجات) (٦). - (وقال رجل لشهر بن حوشب؛ إني لأحبّك قال: ولم لا تحبني وأنا أخوك في كتاب الله ووزيرك على دين الله ومؤنتي على غيرك) (٧). - (وقال آخر: من جمع لك مع المودّة الصادقة رأيا حازما، فاجمع له مع المحبة الخالصة طاعة لازمة) (٨).

стр. 518

أقسام المحبة قسم بعض أهل العلم المحبة إلى أنواع، كابن حزم، وابن القيم، وغيرهم من العلماء، فابن حزم قسمها إلى تسعة أنواع، قال: (المحبة ضروب: ١ - فأفضلها: محبة المتحابين في الله ، إما لاجتهاد في العمل، وإما لاتفاق في أصل النحلة والمذهب وإما لفضل علم بمنحه الإنسان. ٢ - ومحبة القرابة. ٣ - ومحبة الألفة في الاشتراك في المطالب ٤ - ومحبة التصاحب والمعرفة. ٥ - ومحبة البر؛ يضعه المرء عند أخيه. ٦ - ومحبة الطمع في جاه المحبوب. ٧ - ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره. ٨ - ومحبة بلوغ اللذة وقضاء الوطر. ٩ - ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس. فكل هذه الأجناس منقضية مع انقضاء عللها، وزائدة بزيادتها، وناقصة بنقصانها، متأكدة بدنوها فاترة ببعدها، حاشا محبة العشق الصحيح المتمكن من النفس فهي التي لا فناء لها إلا بالموت) (١). وقسمها ابن القيم إلى أربعة أنواع ثم ذكر نوعاً خامساً، قال: (وهاهنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينها: ١ - محبة الله، ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله. ٢ - محبة ما يحب الله، وهذه هي التي تدخله في الإسلام، وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها. ٣ - الحب لله وفيه، وهي من لوازم محبة ما يحب، ولا تستقيم محبة ما يحب إلا فيه وله. ٤ - المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئا مع الله لا لله، ولا من أجله، ولا فيه، فقد اتخذه ندا من دون الله، وهذه محبة المشركين. ٥ - بقي قسم خامس ليس مما نحن فيه: وهي المحبة الطبيعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم والزوجة والولد، فتلك لا تذم إلا إذا ألهت عن ذكر الله، وشغلت عن محبته) (٢). وقسم الراغب الأصفهاني المحبة بحسب المحبين فقال: (المحبة ضربان: ١ - طبيعي: وذلك في الإنسان وفي الحيوان ... ٢ - اختياري: وذلك يختص به الإنسان ... وهذا الثاني أربعة أضرب: أ- للشهوة، وأكثر ما يكون بين الأحداث. ب- للمنفعة، ومن جنسه ما يكون بين التجار وأصحاب الصناعة المهنية وأصحاب المذاهب. ج- مركب من الضربين، كمن يحب غيره لنفع، وذلك الغير يحبه للشهوة. د- للفضيلة، كمحبة المتعلم للعالم، وهذه المحبة باقية على مرور الأوقات، وهي المستثناة بقوله تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ. وأما الضروب الأُخر: فقد تطول مدتها وتقصر بحسب طول أسبابها وقصرها) (٣).

стр. 519

فوائد المحبة للمحبة فوائد جليلة وكثيرة، نذكر منها على سبيل المثال: ١ - (دلالة على كمال الإيمان وحسن الإسلام. ٢ - المحبّة تغذّي الأرواح والقلوب وبها تقرّ العيون، بل إنّها هي الحياة الّتي يعدّ من حرم منها من جملة الأموات. ٣ - قلب صاحبها تغشاه مباركة الله ونعمه على الدّوام. ٤ - تظهر آثار المحبّة عند الشّدائد والكربات. ٥ - من ثمار المحبّة النّعيم والسّرور في الدّنيا الموصّل إلى نعيم وسرور الآخرة. ٦ - في حبّ الله تعالى حمد المحبوب والرّضى عنه وشكره وخوفه ورجاؤه والتّنعّم بذكره والسّكون إليه والأنس به والإنفاق في سبيله. ٧ - حبّ النّبيّ ﷺ يوجب السّعي إلى إحياء سنّته، والحفاظ على دعوته. ٨ - محبّة النّاس مع التّودّد إليهم تحقّق الكمال الإنسانيّ لمن يسعى إليه. ٩ - وحبّه ﷺ يستوجب حبّ من أحبّه وما أحبّه. ١٠ - محبّة الإخوان في الله من محبّة الله ورسوله. ١١ - التّحابّ في الله يجعل المتحابّين في الله من الّذين يستظلّون بظلّ الله تعالى يوم لا ظلّ إلّا ظلّه. ١٢ - لا يكتمل إيمان المرء إلّا إذا تحقّق حبّه لأخيه ما يحبّه لنفسه وفي هذا ما يخلّصه من داء الأنانيّة. ١٣ - أن يستشعر المرء حلاوة الإيمان فيذوق طعم الرّضا وينعم بالرّاحة النّفسيّة. ١٤ - حبّ الله ورسوله وسيلة أكيدة لاستجلاب نصر الله وعونه) (١).

стр. 520

مراتب المحبة قسم العلماء المحبة إلى مراتب عديدة، ومن هؤلاء العلماء الإمام ابن قيم الجوزية الذي أوصلها إلى عشر مراتب، وهي كما يلي: (أَوَّلُهَا: الْعَلَاقَةُ، وَسُمِّيَتْ عَلَاقَةً لِتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْمَحْبُوبِ. الثَّانِيَةُ: الْإِرَادَةُ، وَهِيَ مَيْلُ الْقَلْبِ إِلَى مَحْبُوبِهِ وَطَلَبُهُ لَهُ. الثَّالِثَةُ: الصَّبَابَةُ، وَهِيَ انْصِبَابُ الْقَلْبِ إِلَيْهِ. بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُهُ صَاحِبُهُ. كَانْصِبَابِ الْمَاءِ فِي الْحُدُورِ. الرَّابِعَةُ: الْغَرَامُ وَهُوَ الْحُبُّ اللَّازِمُ لِلْقَلْبِ، الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ. بَلْ يُلَازِمُهُ كَمُلَازَمَةِ الْغَرِيمِ لِغَرِيمِهِ. الْخَامِسَةُ: الْوِدَادُ وَهُوَ صَفْوُ الْمَحَبَّةِ، مَرَاتِبُهَا عَشَرَةٌ وَخَالِصُهَا وَلُبُّهَا. السَّادِسَةُ: الشَّغَفُ يُقَالُ: شُغِفَ بِكَذَا. فَهُوَ مَشْغُوفٌ بِهِ. وَقَدْ شَغَفَهُ الْمَحْبُوبُ. أَيْ وَصَلَ حُبُّهُ إِلَى شَغَافِ قَلْبِهِ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ الْحُبُّ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْقَلْبِ، بِحَيْثُ يَحْجُبُهُ عَنْ غَيْرِهِ. الثَّانِي: الْحُبُّ الْوَاصِلُ إِلَى دَاخِلِ الْقَلْبِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ الْحُبُّ الْوَاصِلُ إِلَى غِشَاءِ الْقَلْبِ. وَالشَّغَافُ غِشَاءُ الْقَلْبِ إِذَا وَصَلَ الْحُبُّ إِلَيْهِ بَاشَرَ الْقَلْبَ. السَّابِعَةُ: الْعِشْقُ وَهُوَ الْحُبُّ الْمُفْرِطُ الَّذِي يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْهُ. الثَّامِنَةُ: التَّتَيُّمُ وَهُوَ التَّعَبُّدُ، وَالتَّذَلُّلُ. التَّاسِعَةُ: التَّعَبُّدُ وَهُوَ فَوْقَ التَّتَيُّمِ. فَإِنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي قَدْ مَلَكَ الْمَحْبُوبُ رِقَّهُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ نَفْسِهِ أَلْبَتَّةَ. بَلْ كُلُّهُ عَبَدٌ لِمَحْبُوبِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ. وَمَنْ كَمَّلَ ذَلِكَ فَقَدْ كَمَّلَ مَرْتَبَتَهَا. الْعَاشِرَةُ: مَرْتَبَةُ الْخُلَّةِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْخَلِيلَانِ إِبْرَاهِيمُ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ) (١).

стр. 521

علامات المحبة قال إبراهيم بن الجنيد: (يقال علامة المحب على صدق الحب ست خصال: أحدها: دوام الذكر بقلبه بالسرور بمولاه. والثانية: إيثاره محبة سيده على محبة نفسه ومحبة الخلائق، يبدأ بمحبة مولاه قبل محبة نفسه ومحبة الخلائق. والثالثة: الأنس به، والاستثقال لكل قاطع يقطع عنه أو شاغل يشغله عنه. والرابعة: الشوق إلى لقائه والنظر إلى وجهه. الخامسة: الرضا عنه في كل شديدة وضر ينزل به. والسادسة: اتباع رسول الله ﷺ (١). وقال قال أبو الفرج ابن الجوزي: (أول عَلَامَات الْمحبَّة دموع الْعين وأوسطها قلق الْقلب ونهايتها احتراقه) (٢). (سئل رجل: ما علامة المحبة؟ قال: إذا كان البدن كالحية يلتوي، والفؤاد بنار الشوق يكتوي، فاعلم أن القلب على المحبة منطو، وكل نقمة يشاهدها المحب دون الهجر فهي نعمة، فالكل عنه عوض إلا المحبوب) (٣).

стр. 522

الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها للمحبة أسباب جالبة لها، توجب لك المحبة في قلوب الآخرين؛ نذكر منها ما يلي: ١. خدمة الآخرين والسعي لمنفعتهم. ٢. تقديم الهدية للآخرين. ٣. التواضع للآخرين. ٤. الإحسان إلى الآخرين. ٥. التحلي بصفة الصمت. ٦. البشاشة والابتسامة. ٧. البدء بالسلام. ٨. الجود والكرم. ٩. الابتعاد عن الحسد. ١٠. التعامل بصدق وأمانة. ١١. الوفاء بالعهد. ١٢. زيارة الآخرين وتفقد أحوالهم ١٣. إنزال الناس منازلهم. ١٤. الالتزام بالأخلاق الإسلامية. وذكر ابن قيم الجوزية عشرة أسباب جالبة للمحبة فقال: (الأسباب الجالبة للمحبة، والموجبة لها عشرة: أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه. ليتفهم مراد صاحبه منه. الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض. فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة. الثالث: دوام ذكره على كل حال: باللسان والقلب، والعمل والحال. فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر. الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى محابه، وإن صعب المرتقى. الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها. وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها. فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله: أحبه لا محالة. ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب. السادس: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه، ونعمه الباطنة والظاهرة. فإنها داعية إلى محبته. السابع: وهو من أعجبها، انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى. وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات. الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي، لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه. ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة. التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقي أطايب الثمر. ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمت أن فيه مزيدا لحالك، ومنفعة لغيرك. العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله (١). وقال ابن حمدون: (عشر يورثن المحبة: كثرة السلام، واللطف بالكلام، واتباع الجنائز، والهدية، وعيادة المرضى، والصدق، والوفاء، وانجاز الوعد، وحفظ المنطق، وتعظيم الرجال) (٢).

стр. 523

نماذج تطبيقية من حياة النبي ﷺ : - فعن معاذ بن جبل- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: ((يا معاذ، والله إنّي لأحبّك، والله إنّي لأحبّك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعنّ في دبر كلّ صلاة تقول: اللهمّ أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) (١). - وعن أنس- ﵁ قال: رأى النّبيّ ﷺ النّساء والصّبيان مقبلين- قال: حسبت أنّه قال: من عرس- فقام النّبيّ ﷺ ممثلا فقال: ((اللهمّ أنتم من أحبّ النّاس إليّ. قالها ثلاث مرار)) (٢). - وعن أبي ذرّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: ((يا أبا ذرّ، إنّي أراك ضعيفا. وإنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي. لا تأمّرنّ على اثنين ولا تولّينّ مال يتيم)) (٣). - وعن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حبّب إليّ: النّساء والطّيب، وجعل قرّة عيني في الصّلاة)) (٤). - وعن أسامة بن زيد ﵄؛ حدّث عن النّبيّ ﷺ : أنّه كان يأخذه والحسن فيقول: ((اللهمّ أحبّهما فإنّي أحبّهما)) (٥). - وعن عائشة- ﵂: ((أنّ نساء رسول الله ﷺ كنّ حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وصفيّة وسودة، والحزب الآخر أمّ سلمة وسائر نساء رسول الله ﷺ ، وكان المسلمون قد علموا حبّ رسول الله ﷺ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هديّة يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ أخّرها، حتّى إذا كان رسول الله ﷺ في بيت عائشة بعث صاحب الهديّة إلى رسول الله ﷺ في بيت عائشة. فكلّم حزب أمّ سلمة فقلن لها: كلّمي رسول الله ﷺ يكلّم النّاس فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله ﷺ هديّة فليهدها حيث كان من بيوت نسائه، فكلّمته أمّ سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: فكلّميه، قالت: فكلّمته حين دار إليها أيضا، فلم يقل لها شيئا. فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا. فقلن لها: كلّميه حتّى يكلّمك. فدار إليها فكلّمته، فقال لها: لا تؤذيني في عائشة، فإنّ الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلّا عائشة. قالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله. ثمّ إنّهنّ دعون فاطمة بنت رسول الله ﷺ فأرسلت إلى رسول الله ﷺ تقول: إنّ نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر. فكلّمته، فقال: يا بنيّة، ألا تحبّين ما أحبّ؟ قالت: بلى. فرجعت إليهنّ فأخبرتهنّ، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع ... )) (٦).

стр. 524

حكم وأمثال في المحبة · (أفضل المحبة ما كان بعد المعتبة) (١). · (المحبة ثمن كل شيء وإن غلاَ، وسُلَّم إلى كل شيء وإن علاَ) (٢). · (وقالوا: لا يكن حبّك كلفا، ولا بغضك سرفا) (٣). · (أبر من الْهِرَّة: قَالُوا لِأَنَّهَا تَأْكُل أَوْلَادهَا من الْمحبَّة (٤). · (قَوْلهم: من يبغ فِي الدّين يصلف: مَعْنَاهُ من يطْلب الدُّنْيَا بِالدّينِ لم يحظ عِنْد النَّاس وَلم يرْزق مِنْهُم الْمحبَّة) (٥). · (وقيل: أغلب المحبة ما كان عن تشاكل) (٦).

стр. 525

المحبة في واحة الشعر .. وقال ابن زهر الحفيد: يا من يذكّرني بعهد أحبّتي ... طاب الحديث بذكرههم ويطيب أعد الحديث عليّ من جنباته ... إنّ الحديث عن الحبيب حبيب ملأ الضلوع وفاض عن أحنائها ... قلبٌ إذا ذكر الحبيب يذوب ما زال يضرب خافقاً بجناحه ... يا ليت شعري هل تطير قلوب وأنشد بعضهم (١): والله ما طلعت شمس ولا غربت ... إلا وحبك مقرون بأنفاسي ولا جلست إلى قوم أحدثهم ... إلا وأنت حديثي بين جلاسي وقال آخر (٢): يَا منية الْقلب مَا جيدي بمنعطف ... إِلَى سواكم وَلَا حُبْلَى بمنقاد لَوْلَا الْمحبَّة مَا اسْتعْملت بارقة ... وَلَا سَأَلت حمام الدوح إسعادي وَلَا وقفت على الْوَادي أسائله ... بالدمع حَتَّى رثى لي سَاكن الْوَادي وقال آخر: ولو قُلتَ لي مُتْ مِتُّ سَمعاً وطاعةً ... وقُلتُ لداعِي الموتِ أهلاً ومرحبا وقال آخر: وآخِرُ شيءٍ أنت في كلِّ هَجعةٍ ... وأوَّل شيءٍ أنتَ وقتَ هُبُوبي وذكرك في قلبي بنومٍ ويقظةٍ ... تجافى من اللّين اللبيب جنوب وقال أبي تراب النخشبي: لا تخدعن فللمحب دلائل ... ولديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعمه بمر بلائه ... وسروره في كل ما هو فاعل فالمنع منه عطية مقبولة ... والفقر إكرام وبر عاجل ومن الدلائل أن يرى من عزمه ... طوع الحبيب وإن ألح العاذل ومن الدلائل أن يرى متبسماً ... والقلب فيه من الحبيب بلابل ومن الدلائل أن يرى متفهماً ... لكلام من يحظى لديه السائل ومن الدلائل أن يرى متقشفاً ... متحفظاً في كل ما هو قائل وقال بعض المحبين: أعميت عيني عن الدنيا وزينتها إذا ذكرتك وفي مقلتي أرق ... فأنت والروح مني غير مفترق من أول الليل حتى مطلع الفلق وما تطابقت الأجفان عن سنة ... إلا رأيتك بين الجفن والحدق ارحم حشاشة نفس فيك قد تلفت ... قبل الممات فهذا آخر الرمق ولو مضى الكل مني لم يكن عجباً ... وإنما عجبي في البعض كيف بقي وقال يحيى بن معاذ الرازي: نفس المحب إلى الحبيب تطلع ... وفؤاده من حبه يتقطع عز الحبيب إذا خلا في ليله ... بحبيبه يشكو إليه ويضرع ويقوم في المحراب يشكو بثه ... والقلب منه إلى المحبة ينزع ...

стр. 526

معنى المداراة لغة واصطلاحاً معنى المداراة لغة: قال ابن منظور: (الدرء: الدفع. درأه يدرؤه درءا ودرأة: دفعه. وتدارأ القوم: تدافعوا في الخصومة ونحوها واختلفوا. ودارأت، بالهمز: دافعت، ... وتقول: تدارأتم، أي اختلفتم وتدافعتم. وكذلك ادارأتم، وأصله تدارأتم، فأدغمت التاء في الدال واجتلبت الألف ليصح الابتداء بها ... والمدارأة: المخالفة والمدافعة. يقال: فلان لا يدارئ ولا يماري؛ ... أي لا يشاغب ولا يخالف، وهو مهموز. وأما المدارأة في حسن الخلق والمعاشرة فإن ابن الأحمر يقول فيه: إنه يهمز ولا يهمز. يقال: دارأته مدارأة وداريته إذا اتقيته ولاينته. قال أبو منصور: من همز، فمعناه الاتقاء لشره، ومن لم يهمز جعله من دريت بمعنى ختلت) (١). معنى المداراة اصطلاحاً: قال ابن بطال: (المداراة: خفض الجناح للناس، ولين الكلام وترك الإغلاظ لهم في القول) (٢). وقال ابن حجر: (المراد به الدفع برفق) (٣). وقال المناوي: (المداراة: الملاينة والملاطفة. وأصلها المخاتلة من دريت الصيد وأدريته ختلته، ومنه الدراية وهو العلم في تكلف وحيلة) (٤).

стр. 527

الفرق بين المداراة والمداهنة قال ابن بطال: (المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك) (١). وقال القرطبي في الفرق بينهما: (أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا وهي مباحة وربما استحبت والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا) (٢). وقال الغزالي: (الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الإغضاء؛ فإن أغضيت لسلامة دينك ولما ترى من إصلاح أخيك بالإغضاء فأنت مدار وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن) (٣).

стр. 528

الحث على المداراة في القرآن والسنة الحث على المداراة من القرآن الكريم: - قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [٤١ - ٤٧]. قال السعدي: (وفي هذا من لطف الخطاب ولينه، ما لا يخفى، فإنه لم يقل: (يا أبت أنا عالم، وأنت جاهل) أو (ليس عندك من العلم شيء) وإنما أتى بصيغة تقتضي أن عندي وعندك علما، وأن الذي وصل إلي لم يصل إليك ولم يأتك، فينبغي لك أن تتبع الحجة وتنقاد لها) (١). - وقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان: ١٤ - ١٥]. - وقال سبحانه: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى [طه: ٤٣ - ٤٧]. قال ابن كثير: (هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين) (٢). الحث على المداراة من السنة النبوية: - عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أنه استأذن على النبي ﷺ رجل فقال ﷺ : ((ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة. فلما دخل ألان له الكلام. فقلت له: يا رسول الله، قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول. فقال: أي عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه)) (٣). (أي لأجل قبح فعله وقوله أو لأجل اتقاء فحشه أي مجاوزة الحد الشرعي قولا أو فعلا وهذا أصل في ندب المداراة إذا ترتب عليها دفع ضر أو جلب نفع بخلاف المداهنة فحرام مطلقا إذ هي بذل الدين لصلاح الدنيا والمداراة بذل الدنيا لصلاح دين أو دنيا بنحو رفق بجاهل في تعليم وبفاسق في نهي عن منكر وتركه إغلاظ وتألف ونحوها مطلوبة محبوبة إن ترتب عليها نفع فإن لم يترتب عليها نفع بأن لم يتق شره بها كما هو معروف في بعض الأنام فلا تشرع) (٤).

стр. 529

- وعن جابر بن عبد الله- ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((مداراة الناس صدقة)) (١). - وقال ﷺ : ((استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا)) (٢). قال ابن حجر: (وفي الحديث الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس وتألف القلوب وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن والصبر على عوجهن وأن من رام تقويمهن فإنه الانتفاع بهن مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه فكأنه قال الاستمتاع بها لا يتم إلا بالصبر عليها) (٣). - وعن هاني بن يزيد عن النبي ﷺ قال: ((إن موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام)) (٤). قال المناوي: (أي إلانة القول للإخوان واستعطافهم على منهج المداراة لا على طريق المداهنة والبهتان) (٥). - وقال ﷺ : ((يا أيها الناس اتقوا الله، وإن أُمِّر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له، وأطيعوا ما أقام لكم كتاب الله)) (٦). قال المباركفوري: (فيه حث على المداراة والموافقة مع الولاة وعلى التحرز عما يثير الفتنة ويؤدي إلى اختلاف الكلمة) (٧).

стр. 530

أقوال السلف والعلماء في المداراة - عن أبي الدرداء، قال: (إنا لنكشر في وجوه أقوام ونضحك إليهم، وإن قلوبنا لتلعنهم) (١). - وعنه أيضاً ﵁ قال لزوجته: (إذا غضبت فرضيني، وإذا غضبت رضيتك فإذا لم نكن هكذا ما أسرع ما نفترق) (٢). - وقال معاوية ﵁: (لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف؟ قال: لأنهم إن مدوها خليتها، وإن خلوا مددتها) (٣). - وعن عمر بن الخطاب قال: (خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال) (٤). - وقال عبد الله بن مسعود: (خالط الناس وزايلهم ودينك لا تكلمنه) (٥). - وعن محمد بن الحنفية، قال: (ليس بحليم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا، حتى يجعل الله له فرجا، أو قال: مخرجا) (٦). - وقال الحسن البصري: (كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول هي العقل كله) (٧). - وعنه أيضاً: (المؤمن يداري ولا يماري , ينشر حكمة الله , فإن قبلت حمد الله , وإن ردت حمد الله) (٨). - وعن يحيى بن سعيد، قال: قال لي نصر بن يحيى بن أبي كثير: (من عاشر الناس داراهم ومن داراهم راياهم) (٩). - وعن يونس، قال: بلغني عن ابن عباس، أنه كان يقول: (النساء عورة خلقن من ضعف، فاستروا عوراتهن بالبيوت وداروا ضعفهن بالسكوت) (١٠). - وقال أبو يوسف: (خمسة تجب على الناس مداراتهم الملك المسلط والقاضي المتأول والمريض والمرأة والعالم ليقتبس من علمه) (١١). - وعن وهيب بن الورد قال: (قلت لوهب بن منبه: إني أريد أن أعتزل الناس، فقال لي: لا بد لك من الناس وللناس منك؛ لك إليهم حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصما سميعا أعمى بصيرا سكوتا نطوقا) (١٢). - (وقال أبو حاتم ﵁ الواجب على العاقل أن يلزم المداراة مع من دفع إليه في العشرة من غير مقارفة المداهنة إذ المداراة من المداري صدقة له والمداهنة من المداهن تكون خطيئة عليه والفصل بين المداراة والمداهنة هو أن يجعل المرء وقته في الرياضة لإصلاح الوقت الذي هو له مقيم بلزوم المداراة من غير ثلم في الدين من جهة من الجهات فمتى ما تخلق المرء بخلق شابه بعض ما كره الله منه في تخلقه فهذا هو المداهنة لأن عاقبتها تصير إلى قل ويلازم المداراة لأنها تدعو إلى صلاح أحواله) (١٣). - قال محمد بن السماك: (من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم ماراهم، ورأس المداراة ترك المماراة) (١٤). - قال أبو بكر الطرطوشي: (المداراة أن تداري الناس على وجه يسلم لك دينك) (١٥).
следующие страницы →