← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

نماذج للعلماء المعاصرين في علو الهمة: ١ - محمد الأمين الشنقيطي: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب (أضواء البيان) (حفظ القرآن في بيت أخواله وعمره عشر سنوات، وتعلم رسم المصحف العثماني عن ابن خاله وقرأ عليه التجويد في مقرأ نافع برواية ورش، وقالون من رواية أبي نشيط، وعمره ست عشرة سنة ... وقد صور الشيخ شدة انشغاله في شأن طلب العلم في شبابه، بقوله ﵀: ومما قلت في شأن طلب العلم، وقد كنت في أخريات زمني في الاشتغال بطلب العلم دائم الاشتغال به عن التزويج؛ لأنه ربما عاق عنه، وكان إذ ذاك بعض البنات ممن يصلح لمثلي يرغب في زواجي ويطمع فيه، فلما طال اشتغالي بطلب العلم عن ذلك المنوال، أيست مني، فتزوجت ببعض الأغنياء، فقال لي بعض الأصدقاء: إن لم تتزوج الآن من تصلح لك؛ تزوّجتْ عنك ذوات الحسب والجمال، ولم تجد من يصلح لمثلك. يريد أن يُعجلني عن طلب العلم، فقلت في ذلك هذه الأبيات: دعاني الناصحون إلى النكاح ... غداة تزوجت بيض الملاح فقالوا لي تزوج ذات دلٍّ ... خلوب اللحظ جائلة الوشاح ضحوكاً عن مؤشرة رقاق ... تمج الراح بالماء القراح كأن لحاظها رشقات نبل ... تذيق القلب آلام الجراح ولا عجب إذا كانت لحاظ ... لبيضاء المحاجر كالرماح فكم قتلت كميا ذا دلاص ... ضعيفات الجفون بلا سلاح فقلت لهم دعوني إن قلبي ... من الغيِّ الصُّراح اليوم صاح ولي شغل بأبكار عذاري ... كأن وجوهها غرر الصحاح أبيت مفكرا فيها فتضحي ... لفهم الفدم خافضة النجاح) (١) ٢ - محمد ناصر الدين الألباني: كان الشيخ الألباني همته عالية وشغفه بالعلم ليس له حدود في عصر وصف بـ (عصر الفتن والغوايا وخساسة الهمم، عصر الزهد في العلم، والقصور في طلبه) (٢). فقيض الله لهذه الأمة عالماً (بكَّر في طلبه للعلم ودوَّنه، وصبر على تلقيه صبرا طويلا، وحرض شباب الأمة على طلبه، ودلهم على مصادره ومظانه) (٣). فاهتم بعلم الحديث وأصبح شغله الشاغل (حتى كان يغلق محله ويذهب إلى المكتبة الظاهرية ويبقى فيها اثنتي عشرة ساعة، لا يفتر عن المطالعة والتعليق والتحقيق، إلا أثناء فترات الصلاة، وكان يتناول طعامه البسيط في المكتبة في كثير من الأحيان فيها ... ولهذا قدّرته إدارة المكتبة، فخصصت له غرفة خاصة به؛ ليقوم فيها مع بعض أمهات المصادر بأبحاثه العلمية المفيدة، فكان يدخل قبل الموظفين صباحاً، وفي بعض الأحيان كان من عادة الموظفين الانصراف إلى بيوتهم ظهرا ثم لا يعودون؛ ولكن الشيخ يبقى في المكتبة ما شاء الله له البقاء فربما يصلي العشاء ثم ينصرف. وإن كل من رآه في المكتبة يعرف مدى اجتهاده وحرصه على الاستفادة من وقته ... وكان يجيب عن بعض الأسئلة التي توجه إليه وهو ينظر في الكتاب، دون أن يرفع بصره إلى محدثه، بأوجز عبارة تؤدي إلى الغرض ... ) (٤). (ويقول محمد بن إبراهيم الشيباني: الشيخ لم تسنح له الفرصة ليكتب قصة حياته بنفسه؛ لانشغاله بطلب العلم والتنقل في فنونه، وإلا لأصبحت قصته مؤثرة حزينة مبكية، وقد قال لي يوماً: لو كان عندي فسحة من الوقت، لكتبت ما لم تسمع به من القصص. ومن شدة العنت والفقر الذي عاشه الشيخ، أنه كان لا يملك قيمة ورقة يشتريها ليسودها بما مَنَّ الله تعالى عليه من علم فيها فكان يطوف في الشوارع والأزقة يبحث عن الأوراق الساقطة فيها من هنا وهناك ليكتب على ظهرها) (٥).

стр. 457

دلائل عالي الهمة توجد هناك دلائل لأهل الهمم العالية تظهر تلك الهمم نذكرها على شكل نقاط وهي كالتالي: ١ - الزهد في الدنيا. ٢ - المسارعة في الخيرات والتنافس في الصالحات. ٣ - الحياء. ٤ - التطلع إلى الكمال والترفع عن النقص. ٥ - الترفع عن محقرات الأمور وصغائرها ونشدان معالي الأمور وكمالاتها (١). ٦ - الأخذ بالعزائم. ٧ - الاستدراك على ما فات. ٨ - أداء الواجبات وتحمل المسؤوليات. ٩ - الاهتمام بواقع الأمة والسعي لإصلاحه. ١٠ - حسن إدارة الأوقات (٢).

стр. 458

أوصاف عالي الهمة يقال: فلان خطير النفس، رفيع الأهواء، بعيد الهمة، وبعيد مرتقى الهمة، وإن له همة بعيدة المرمى، ونفسا رفيعة المصعد، وإنه ليسمو إلى معالي الأمور، ويصبو إلى شريف المطالب، وتطمح نفسه إلى خطير المساعي، وتنزع همته إلى سني المراتب، وتحفزه إلى بعيد المدارك، وتحثه على طلب الأمور العالية، وتوقل الدرجات الرفيعة، وبلوغ الأقدار الخطيرة. وإن فلانا لطلاع ثنايا، وطلاع أنجد، أي يؤم معالي الأمور، وإنه ليجري في غلاء المجد، ويتوقل في معارج الشرف (١).

стр. 459

علو الهمة في واحة الشعر .. قال علي ﵁: إذا أظمأتك أكف الرجال ... كفتك القناعة شبعاً وريا فكن رجلاً رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا وقال: ما اعتاضَ باذلُ وجهٍ بسؤالهِ ... عِوَضاً ولو نالَ المنى بسؤالِ وإِذا السؤالُ معَ النوالِ وزنتَه ... وجَحَ السؤالُ وخفَّ كُلُّ نوالِ وإِذا ابتُليْتَ ببذلِ وجهِكَ سائلاً ... فابذلْهِ للمتكرمِ المفضالِ وقال: ومحترسٍ من نفسِه خوفَ ذلةٍ ... تكونُ عليه حجةً هي ماهي فقَلِّصَ بُرْدَيهِ وأفضى بقلبهِ ... إِلى البِرِّ والتقوى فنالَ الأمانيا وجانب أسبابَ السفاهةِ والخَنا ... عفافاً وتنزيهاً فأصبحَ عاليِا وصانَ عن الفحشاءِ نفساً كريمةً ... أبتْ همةً إلا العلى والمعاليا تراهُ إِذا ما طاشَ ذو الجهلِ والصَّبا ... حليماً وقوراً ضائنَ النفسِ هاديا له حِلْمُ كهلٍ في صرامةِ حازمٍ ... وفي العينِ إِن أبصرتَ أبصرتَ ساهياً يروقُ صفاءُ الماءِ منه بوجهِه ... فأصبحَ منه الماءُ في الوجهِ صافياً ومن فضلِه يرعى ذِماماً لجارهِ ... ويحفظُ منه العهد إِذا ظلَّ راعيا صَبوراً على صَرْفِ اليالي ودرئِها ... كَتوماً لأسرارِ الضميرِ مُداريا له هِمَّةُ تعلو على كُلِّ همةٍ ... كما قد علا البَدرُ النجومَ الداريا (١) وقال المتنبي: لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال وله أيضا: وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام (٢) وقال أيضاً: ولم أر في عيوب الناس عَيْبًا ... كنقص القادرين على التَّمامِ وقال ابن هانئ الأندلسي: ولم أجِد الإِنسانَ إِلا ابن سعيِه ... فمن كان أسعى كان بالمجدِ أجدرا وبالهمةِ العلياءِ يرقى إِلى العلا ... فمن كان أرقى هِمَّةٍ كان أظهرا ولم يتأخرْ من يريد تقدماً ... ولم يتقدمْ من يريدُ تأخراً (٣) ...

стр. 460

معنى الغيرة لغة واصطلاحاً معنى الغيرة لغة: الغَيْرة بالفتح المصدر من قولك غار الرجل على أَهْلِه قال ابن سيده: وغار الرجل على امرأَته والمرأَة على بَعْلها تَغار غَيْرة وغَيْراً وغاراً وغِياراً (١). معنى الغيرة اصطلاحاً: الغيرة: كراهة الرجل اشتراك غيره فيما هو حقه (٢). وقال الجرجاني: (الغيرة كراهة شركة الغير في حقه) (٣). وقال النووي: (الغيرة بفتح الغين وأصلها المنع والرجل غيور على أهله أي يمنعهم من التعلق بأجنبي بنظر أو حديث أو غيره) (٤).

стр. 461

الغيرة من صفات الله قال ابن القيم: (والغيرة من صفات الرب ﷻ والأصل فيها قوله تعالى قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف: ٣٣]) (١). (وفي الصحيح عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما أحد أغير من الله، ومن غيرته: حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وما أحد أحب إليه المدح من الله. ومن أجل ذلك أثنى على نفسه. وما أحد أحب إليه العذر من الله. من أجل ذلك: أرسل الرسل مبشرين ومنذرين)) (٢). وفي الصحيح أيضا، من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁. أن رسول الله ﷺ . قال ((إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله: أن يأتي المؤمن ما حرم عليه)) (٣). وفي الصحيح أيضا: أن النبي ﷺ قال ((أتعجبون من غيرة سعد؟! لأنا أغير منه. والله أغير مني)) (٤). ومما يدخل في الغيرة قوله تعالى: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا [الإسراء: ٤٥]. قال السري لأصحابه: أتدرون ما هذا الحجاب؟ حجاب الغيرة. ولا أحد أغير من الله. إن الله تعالى لم يجعل الكفار أهلا لفهم كلامه، ولا أهلا لمعرفته وتوحيده ومحبته. فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابا مستورا عن العيون، غيرة عليه أن يناله من ليس أهلا به) (٥). قال ابن القيم: (إنَّ الغيرة تتضمن البغض والكراهة، فأخبر أنَّه لا أحد أغير منه، وأنَّ من غَيْرته حرَّم الفواحش، ولا أحد أحب إليه المدحة منه، والغيرةُ عند المعطلة النفاة من الكيفيات النفسية، كالحياء والفرح والغضب والسخط والمقت والكراهية، فيستحيل وصفه عندهم بذلك، ومعلومٌ أنَّ هذه الصفات من صفات الكمال المحمودة عقلاً وشرعاً وعرفاً وفطرةً، وأضدادها مذمومة عقلاً وشرعاً وعرفاً وفطرةً، فإنَّ الذي لا يغار بل تستوي عنده الفاحشةُ وتركها؛ مذمومٌ غايةَ الذمِّ مستحقٌ للذمِّ القبيح) (٦).

стр. 462

ما ورد في الغيرة من السنة النبوية (جعل اللَّه سبحانه – الغيرة - في الإنسان سببًا لصيانة الماء وحفظًا للإنسان، ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت العفة في نسائها، وقد يستعمل ذلك في صيانة كل ما يلزم الإنسان صيانته) (١). - فعن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن الله تعالى يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه)) (٢). (معناه: أن الله يغار إذا انتهكت محارمه، وليس انتهاك المحارم هو غيرة الله؛ لأن انتهاك المحارم فعل العبد، ووقوع ذلك من المؤمن أعظم من وقوعه من غيره. وغيرة الله تعالى من جنس صفاته التي يختص بها، فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعظمته، مثل الغضب، والرضا، ونحو ذلك من خصائصه التي لا يشاركه الخلق فيها) (٣). - وعن أنس- ﵁ قال: كان النبي ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: ((غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت فيه)) (٤). - وعن أبي هريرة- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((المؤمن يغار والله أشد غيرا)) (٥). (وأشرف الناس وأعلاهم همة أشدهم غيرة فالمؤمن الذي يغار في محل الغيرة قد وافق ربه في صفة من صفاته ومن وافقه في صفة منها قادته تلك الصفة بزمامه وأدخلته عليه وأدنته منه وقربته من رحمته ومن الغيرة غيرة العلماء لمقام الوراثة وهو مقام العلم) (٦). - وعن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من الغيرة ما يحب الله- ومنها ما يبغض الله- ومن الخيلاء ما يحب الله- ومنها ما يبغض الله- فأما الغيرة التي يحب الله- فالغيرة في الريبة. وأما الغيرة التي يبغض الله- فالغيرة في غير ريبة والاختيال الذي يحب الله- اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة. والاختيال الذي يبغض الله- الخيلاء في الباطل)) (٧). قال العظيم آبادي: (فالغيرة في الريبة: نحو أن يغتار الرجل على محارمه إذا رأى منهم فعلا محرما فإن الغيرة في ذلك ونحوه مما يحبه الله ... والغيرة في غير ريبة: نحو أن يغتار الرجل على أمه أن ينكحها زوجها وكذلك سائر محارمه فإن هذا مما يبغضه الله تعالى لأن ما أحله الله تعالى فالواجب علينا الرضى به فإن لم نرض به كان ذلك من إيثار حمية الجاهلية على ما شرعه الله لنا) (٨).

стр. 463

أقوال السلف والعلماء في الغيرة - كان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: (لا تكثر الغيرة على أهلك فترامى بالسوء من أجلك) (١). - وعن عائشة- ﵂ قالت: ((كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: وتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله- تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ [الأحزاب: ٥١] قالت: قلت: والله! ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك)) (٢). (قولها: ((ما أرى ربك ... )) كناية عن ترك التنفير والتقبيح لما رأت من مسارعة الله تعالى في مرضاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أي: كنت أنفر النساء عن ذلك، فلما رأيت الله جل ذكره يسارع في مرضاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تركت ذلك لما فيه من الإخلال بمرضاته صلى الله تعالى عليه وسلم، والله تعالى أعلم) (٣). - وقال أبو الأسود لابنته: (إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وعليك بالزينة، وأزين الزينة الكحل؛ وعليك بالطيب، وأطيب الطيب إسباغ الوضوء) (٤). - وقال ابن القيم: (إن أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له، فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة تميت القلب، فتموت له الجوارح؛ فلا يبقى عندها دفع البتة، ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلا، ولم يجد دافعا، فتمكن، فكان الهلاك، ومثلها مثل صياصي الجاموس التي تدفع بها عن نفسه وولده، فإذا تكسرت طمع فيها عدوه) (٥). - وقال الراغب الأصفهاني: (الغيرة ثوران الغضب حماية على أكرم الحرم وأكثر ما تراعى في النساء، وجعل اللَّه سبحانه هذه القوة في الإنسان سببًا لصيانة الماء وحفظًا للإنسان، ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت العفة في نسائها، وقد يستعمل ذلك في صيانة كل ما يلزم الإنسان صيانته) (٦).

стр. 464

أقسام الغيرة قسم ابن القيم الغيرة إلى نوعين: (غيرة للمحبوب، وغيرة عليه. ١ - فأما الغيرة له: فهي الحمية له والغضب له إذا استهين بحقه وانتقصت حرمته وناله مكروه من عدوه فيغضب له المحب ويحمى وتأخذه الغيرة له بالمبادرة إلى التغيير ومحاربة من آذاه فهذه غيرة المحبين حقا وهي من غيرة الرسل وأتباعهم لله ممن أشرك به واستحل محارمه وعصى أمره وهذه الغيرة هي التي تحمل على بذل نفس المحب وماله وعرضه لمحبوبه حتى يزول ما يكرهه فهو يغار لمحبوبه أن تكون فيه صفة يكرهها محبوبه ويمقته عليها أو يفعل ما يبغضه عليه ثم يغار له بعد ذلك أن يكون في غيره صفة يكرهها ويبغضها والدين كله في هذه الغيرة بل هي الدين وما جاهد مؤمن نفسه وعدوه ولا أمر بمعروف ولا نهى عن منكر إلا بهذه الغيرة ومتى خلت من القلب خلا من الدين فالمؤمن يغار لربه من نفسه ومن غيره إذا لم يكن له كما يحب والغيرة تصفي القلب وتخرج خبثه كما يخرج الكير خبث الحديد. ٢ - وأما الغيرة على المحبوب فهي: أنفة المحب وحميته أن يشاركه في محبوبه غيره وهذه أيضا نوعان: غيرة المحب أن يشاركه غيره في محبوبه، وغيرة المحبوب على محبه أن يحب معه غيره) (١).

стр. 465

الغيرة المذمومة قال ابن القيم: (وغيرة العبد على محبوبه نوعان: ١ - غيرة ممدوحة يحبها الله. ٢ - وغيرة مذمومة يكرهها الله. فالتي يحبها الله: أن يغار عند قيام الريبة. والتي يكرهها: أن يغار من غير ريبة بل من مجرد سوء الظن وهذه الغيرة تفسد المحبة وتوقع العداوة بين المحب ومحبوبه وفي المسند وغيره عنه قال: ((الغيرة غيرتان فغيرة يحبها الله وأخرى يكرهها الله قلنا يا رسول الله ﷺ ما الغيرة التي يحب الله قال أن تؤتى معاصيه أو تنتهك محارمه قلنا فما الغيرة التي يكره الله قال غيرة أحدكم في غير كنهه)) (١)) (٢). (وكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته وعرضه، فإنه يطلب منه الاعتدال في الغيرة، فلا يبالغ فيها حتى يسيء الظن بزوجته، ولا يسرف في تقصي حركاتها وسكناتها لئلا ينقلب البيت ناراً، وإنما يصح ذلك إن بدت أسباب حقيقية تستدعي الريبة) (٣). قال ﷺ ((إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يكره الله فالغيرة التي يحبها الله الغيرة في الريبة والغيرة التي يكرهها الله الغيرة في غير ريبة)) (٤). وقد نهى النبي - صلي الله عليه وسلم - أن يطرق الرجل أهله ليلا ًيتخونهم ويطلب عثراتهم (٥).

стр. 466

فوائد الغيرة ١ - الغيرة دليل على قوة الإيمان بالله. ٢ - خصلة يحبها الله ما دامت من أجل حفظ أعراض المسلمين. ٣ - هي السياج المعنوي لحماية الحجاب، ودفع التبرج والسفور والاختلاط (١). ٤ - الغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة تميت القلب، فتموت له الجوارح؛ فلا يبقى عندها دفع البتة (٢). ٥ - وهي مظهر من مظاهر الغضب لله إذا رأى حرمات الله تنتهك. ٦ - وهي من الأسباب الدافعة لإنكار المنكر. ٧ - تطهر المجتمع من الرزائل. ٨ - الغيرة سبب لصون الأعراض.

стр. 467

أسباب ضعف الغيرة من الناس من ضعفت غيرتهم في ما حرم الله وذلك لأسباب عديدة، ومن هذه الأسباب: ١ - ضعف الإيمان: وذلك لأن قوي الإيمان يغار في دين الله وله قلب حي مفعم بالإيمان، بخلاف ضعيف الإيمان الذي مات قلبه ولهذا قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يغار وإن المؤمن يغار)) (١). ٢ - كثرة الذنوب: قال ابن القيم: (ومن عقوبات الذنوب: أنها تطفئ من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن، فالغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة) (٢). ٣ - الجهل بالدين: الجهل بالدين الإسلامي قد انتشر بين كثير من أبنائه فأصبحوا لا يفرقون بين الحق والباطل والحلال والحرام حتى أرداهم إلى المعاصي والآثام، ونزع منهم باعث الغيرة بسبب هذا الجهل المطبق. ٤ - قلة الحياء: الحياء فضيلة من فضائل الفطرة, وهو مادة الخير والفضيلة وبهذا وصفه النبي ﷺ بقوله: ((الحياء خير كله)) (٣). ومن مظاهر قلة الحياء، المجاهرة بالذنوب والمعاصي وعدم الخوف من الله، ولبس النساء الملابس الكاسية العارية وضعف الغيرة على دين الله وحرماته. ٥ - التقليد للكفار والمفسدين: حينما ضيعنا ديننا صرنا نستورد من أعدائنا كل عادة قبيحة وخلق ذميم، ونشرها في المجتمع حتى نشأ فيها الصغير واعتادها الكبير، فأماتت فيه خلق الغيرة، وأصبحت العادات السيئة سنة تتبع، وقد حذر الإسلام من التقليد والتشبه بالكفرة، قال ﷺ : ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (٤). ٦ - وسائل الإعلام الفاسدة: إن لوسائل الإعلام دور كبير في إفساد الناس كالإذاعة والتلفاز والصحف والشبكة العنكبوتية وغيرها، فالكثير من هذه الوسائل مليء بالأغاني الفاحشة، والصور الخليعة، والمسلسلات الماجنة التي اعتاد الناس مشاهدتها، فزرع فيهم انعدام الغيرة. ٧ - انتشار المنكرات: إن انتشار المنكر بين المجتمع الإسلامي يصبح مألوفا لديه إذا لم يوجد من ينكره، وعدم القيام بواجب إنكار المنكر دليل على ضعف الغيرة.

стр. 468

أسباب الغيرة المذمومة ١ - قلة الإيمان ونسيان الله ٢ - وسوسة الشيطان. ٣ - أمراض القلوب. ٤ - إحساس البعض بنقص ما. ٥ - عدم إنصاف الرجل لزوجته وهضمه لحقوقها. ٦ - ذكر الزوج لمحاسن زوجة له عند الأخرى (١).

стр. 469

نتائج الغيرة المذمومة ١ - الغيبة والسخرية. ٢ - الإحجام عن بذل الخير للآخرين. ٣ - الإضرار بالغير وإفساد حاجاته أو إتلافها. ٤ - بغض أقارب الزوج وهضم حقوقهم والضيق بهم. ٥ - الحسد والحقد. ٦ - التجسس ومراقبة الزوج ومتابعته. ٧ - الظهور بالمظاهر المزيفة. ٨ - الآلام النفسية والأمراض البدنية والكهولة المبكرة. ٩ - الاحتيال والكيد. ١٠ - السحر، وهو ما تفعله بعض الجاهلات لزوجها أو ضرتها أو كليهما حتى يصفو لها زوجها أو تنتقم منه. ١١ - القتل، وهو ما فعلته بعض النسوة بزوجها ... وهو مشاهد عند النساء إما نية وإما فعلا. ١٢ - الكفر، إذ قد تقود الغيرة إلى الكفر بالقول أو بالفعل (١).

стр. 470

علاج الغيرة المذمومة ١ - تقوى الله. ٢ - تذكر الأجر العظيم لمن يصبر. ٣ - الابتعاد عن مجالس السمعة والرياء. ٤ - حسن الظن. ٥ - القناعة. ٦ - تذكر الموت واليوم الآخر. ٧ - الدعاء، كما قال ﷺ لأم سلمة: ((وأدعو الله أن يذهب بالغيرة)) (١) (٢).

стр. 471

الوسائل المعينة لتنمية الغيرة يمكن أن تنمى الغيرة بأمور كثيرة ومنها: ١ - تربية البنات الصغار على الحشمة والحياء في اللباس وغيره. ٢ - تربية الأولاد على الغيرة، بأن نجعل الولد هو الذي يقوم بالحديث مع البائع وليست البنت أو المرأة. ٣ - عدم ترك الأسباب التي تدمر الغيرة، فنخرج الأطباق والشاشات والمجلات الهابطة من البيوت وغيرها من وسائل الهدم. ٤ - الرجوع إلى قيم الدين وغرسها في نفوس الناس. ٥ - التأكيد على دور الرجل. ٦ - توعية المجتمع توعية شاملة بجميع وسائل الإعلام والخطب والمحاضرات. ٧ - تعظيم قدر الأعراض والتوضيح أن المساس بها هلاك وضياع (١).

стр. 472

صور الغيرة ١ - غيرة الله على محارمه: - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس أحد أحب إليه المدح من الله ، من أجل ذلك مدح نفسه. وليس أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش. وليس أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل)) (١). قال العيني: (وأما معنى غيرة الله تعالى فالزجر عن الفواحش والتحريم لها والمنع منها لأن الغيور هو الذي يزجر عما يغار عليه وقد بين ذلك بقوله ومن غيرته حرم الفواحش أي زجر عنها ومنع منها وقال غيرة الله أن لا يأتي المؤمن ما حرم الله عليه) (٢). ٢ - الغيرة لله : ومن صور هذه الغيرة: ١ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فإن القيام بهذه الشعيرة من أعظم الواجبات، وهو دليل على الغيرة على دين الله ، قال ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (٣). ٢ - عدم تعظيم الكفار والركون إليهم: قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١]. قال ابن كثير: (نهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٤). ٣ - الفرح بزوال الظلم والظلمة: إن المسلم الغيور ليفرح إذا أزيل منكر، وقمعت فاحشة، وأخمدت فتنة، كيف لا، وربنا يقول: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النور: ١٩]. (بل إن الفرح بما يصيب الناس من البلاء وإن كان مذموماً فإنه حين يكون لإصابة مفسد أو ظالم ببلاء يمنعه من فساده وظلمه، ويجعله لغيره من الظلمة عبرة، فلا يكون مذموماً، بل غيرة في الدين، والغيرة من الإيمان، ففرحه حينئذ بزوال الفساد والظلم لا بإصابة البلاء والمصيبة، كما ذكره بعض العلماء (٥)) (٦). وكيف لا يفرح المسلم إذا رأى الظلمة والمستبدين يزولون ويتساقطون كأوراق الخريف!!. ٣ - الغيرة للمخلوق والغيرة عليه والغيرة للمخلوق كما قال ابن القيم: (إما أن تكون غيرة للمحبوب، أو غيرة عليه. فالغيرة للمحبوب هي الحمية له والغضب له إذا استهين بحقه وانتقصت حرمته وناله مكروه من عدوه فيغضب له المحب ويحمى وتأخذه الغيرة له بالمبادرة إلى التغيير ومحاربة من آذاه فهذه غيرة المحبين حقا وهي من غيرة الرسل وأتباعهم لله ممن أشرك به واستحل محارمه وعصى أمره وهذه الغيرة هي التي تحمل على بذل نفس المحب وماله وعرضه لمحبوبه حتى يزول ما يكرهه. وأما الغيرة على المحبوب فهي: أنفة المحب وحميته أن يشاركه في محبوبه غيره) (٧).

стр. 473

أقسام الناس في الغيرة على محارم الله عد ابن تيمية أقسام الناس في الغيرة على محارم الله بعد أن بين الغيرة التي يحبها الله والغيرة التي يبغضها الله فقال: (وهنا انقسم بنو آدم أربعة أقسام: ١ - قوم لا يغارون على حرمات الله بحال ولا على حرمها مثل الديوث والقواد وغير ذلك ومثل أهل الإباحة الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ومنهم من يجعل ذلك سلوكا وطريقا وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء [الأعراف: ٢٨]. ٢ - وقوم يغارون على ما حرمه الله وعلى ما أمر به مما هو من نوع الحب والكره يجعلون ذلك غيرة فيكره أحدهم من غيره أمورا يحبها الله ورسوله ومنهم من جعل ذلك طريقا ودينا ويجعلون الحسد والصد عن سبيل الله وبغض ما أحبه الله ورسوله غيرة. ٣ - وقوم يغارون على ما أمر الله به دون ما حرمه فنراهم في الفواحش لا يبغضونها ولا يكرهونها بل يبغضون الصلوات والعبادات كما قال تعالى فيهم: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩] ٤ - وقوم يغارون مما يكرهه الله ويحبون ما يحبه الله هؤلاء هم أهل الإيمان) (١).

стр. 474

نماذج من غيرة الأنبياء ﵈: غيرة داود ﵇: - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((كان داود النبي فيه غيرة شديدة وكان إذا خرج أغلقت الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع قال فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار فقالت لمن في البيت من أين دخل هذا الرجل الدار والدار مغلقة والله لتفتضحن بداود فجاء داود فإذا الرجل قائم وسط الدار فقال له داود من أنت قال أنا الذي لا أهاب الملوك ولا يمتنع مني شيء فقال داود أنت والله ملك الموت فمرحبا بأمر الله فرمل داود مكانه حيث قبضت روحه حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس فقال سليمان للطير أظلي على داود فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهما الأرض فقال لها سليمان اقبضي جناحا جناحا قال أبو هريرة يرينا رسول الله ﷺ كيف فعلت الطير وقبض رسول الله ﷺ وغلبت عليه يومئذ المضرحية)) (١). غيرة موسى ﵇: - قال الله تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [طه: ٩ - ١٠] قال ابن عباس وغيره: (هذا حين قضى الأجل وسار بأهله وهو مقبل من مدين يريد مصر، وكان قد أخطأ الطريق، وكان موسى ﵇ رجلا غيورا: يصحب الناس بالليل ويفارقهم بالنهار غيرة منه، لئلا يروا امرأته فأخطأ الرفقة لما سبق في علم الله تعالى وكانت ليلة مظلمة) (٢).

стр. 475

نماذج من غيرة النبي ﷺ : - غيرته على حرمات الله: النبي ﷺ أعظم الناس غيرة لله فكان يغضب إذا انتهكت حرمات الله، فعن عائشة ﵂ قالت: ((ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء يؤتى إليه حتى ينتهك من حرمات الله، فينتقم لله)) (١) والنماذج والصور على غيرته على محارم الله كثيرة جداً. - غيرته على نسائه: كان أعدل البشر غيرة على نسائه، فعن عائشة ﵂ قالت: ((دخل علي رسول الله ﷺ وعندي رجل قاعد فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه، قالت: فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، قالت: فقال: انظرن إخوتكن من الرضاعة فإنما الرضاعة من المجاعة)) (٢). قال الحافظ بن حجر: (والمعنى تأملن ما وقع من ذلك هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاعة ومقدار الارتضاع فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط قال المهلب معناه انظرن ما سبب هذه الأخوة فإن حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حتى تسد الرضاعة المجاعة) (٣). - وعن أم سلمة ﵂ ((أن النبي ﷺ كان عندها، وفي البيت مخنث، فقال المخنث لأخي أم سلمة عبد الله بن أبي أمية: إن فتح الله لكم الطائف غدا، أدلك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي ﷺ : لا يدخلن هذا عليكن)) (٤).

стр. 476

نماذج من غيرة الصحابة غيرة أبي بكر الصديق ﵁: - عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ((أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق، وهي تحته يومئذ، فرآهم، فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، وقال: لم أر إلا خيرا، فقال رسول الله ﷺ : إن الله قد برأها من ذلك ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: لا يدخلن رجل، بعد يومي هذا، على مغيبة، إلا ومعه رجل أو اثنان)) (١). غيرة عمر بن الخطاب ﵁: - كان عمر بن الخطاب ﵁ من أعظم الصحابة غيرة على النساء، وقد ذكر النبي ﷺ غيرته في الرؤيا التي رأى فيها قصر عمر بن الخطاب في الجنة والمرأة التي كانت بجانب القصر، فعن أبي هريرة ﵁، قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ قال: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرته، فوليت مدبرا. فبكى عمر، وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟!)) (٢). - وعن ابن عمر قال: ((كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد فقيل لها لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار قالت وما يمنعه أن ينهاني قال يمنعه قول رسول الله ﷺ : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) (٣). - وقد أشار على الرسول ﷺ بأن يحجب نساءه ثم نزل القرآن موافقاً له، فعن أنس ﵁ قال: (قال عمر وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] وآية الحجاب قلت يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت هذه الآية) (٤). غيرة عائشة ﵂: - فعن عائشة- ﵂ زوج النبي ﷺ حدثت، أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا. قالت: فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع. فقال: ((ما لك؟ يا عائشة! أغرت؟. فقلت: ومالي لا يغار مثلي على مثلك؟. فقال رسول الله ﷺ : أقد جاءك شيطانك؟. قالت: يا رسول الله! أو معي شيطان؟. قال: نعم. قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم. قلت: ومعك؟ يا رسول الله! قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم)) (٥). - وعنها أيضاً ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة على عائشة وحفصة فخرجنا معه جميعا، وكان رسول الله ﷺ إذا كان الليل سار مع عائشة يتحدث معها فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك فتنظرين، وأنظر قلت: بلى فركبت حفصة على بعير عائشة وركبت عائشة على بعير حفصة فجاء رسول الله ﷺ إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم، ثم سار معها حتى نزلوا، فافتقدته عائشة فغارت فلما نزلت جعلت تجعل رجليها بين الإذخر وتقول يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني، رسولك ولا أستطيع أقول له شيئا) (٦).

стр. 477

- وعنها ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يحب العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فغرت، فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل، فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلت مغافير، فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد منك، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحله العرفط، وسأقول ذلك، وقولي أنت يا صفية ذاك، قالت: تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أباديه بما أمرتني به فرقا منك، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: لا. قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل. فقالت: جرست نحله العرفط، فلما دار إلي قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي فيه. قالت: تقول سودة: والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي)) (١). غيرة سعد بن عبادة ﵁: - وقال سعد بن عبادة ﵁: (لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: تعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) (٢). غيرة الزبير ﵁: - وعن أسماء ﵂، تزوجني الزبير، وما له في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء غير ناضح، وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وأسقى الماء، وأخرز غربه، وأعجن ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه النبي على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله ﷺ ومعه نفر من الأنصار، فدعاني، ثم قال: (إخ، إخ، ليحملني خلفه)، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته - وكان أغير الناس - فعرف النبي ﷺ أني قد استحييت، فمضى، فجئت الزبير، فقلت: لقيني رسول الله ﷺ وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه، وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إلى أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني (٣).

стр. 478

الغيرة في واحة الشعر .. قال الخريمي: ما أحسن الغيرة في حينها ... وأقبح الغيرة في كلّ حين من لم يزل متّهما عرسه ... مناصبا فيها لريب الظّنون أو شك أن يغريها بالّذي ... يخاف أن يبرزها للعيون حسبك من تحصينها وضعها ... منك إلى عرض صحيح ودين لا تطّلع منك على ريبة ... فيتبع المقرون حبل القرين (١) وقال آخر في غيرته على زوجته: أغار عليك من نفسي ومني ... ومنك ومن مكانك والزمان ولو أني خبأتك في عيوني ... إلى يوم القيامة ما كفاني (٢) وقال ابن مطروح: ولو أمسى على تلفي مصرّا ... لقلت معذبي بالله زدني ولا تسمح بوصلك لي فإني ... أغار عليك منك فكيف منّي (٣) ...

стр. 479

معنى القناعة لغة واصطلاحاً معنى القناعة لغة: هي الرضا بالقسمة (١)، والقنوع الرضا باليسير من العطاء. وقد قنع، بالكسر، يقنع قنوعاً وقناعةً إذا رضي، وقنع، بالفتح، يقنع قنوعاً إذا سأل (٢). وقال بعض أهل العلم: إن القنوع قد يكون بمعنى الرضا، والقانع بمعنى الراضي، وهو من الأضداد (٣). وسميت قناعةً لأنه يقبل على الشيء الذي له راضيًا (٤). معنى القناعة اصطلاحاً: (القناعة: هي الرضي بما أعطى الله) (٥). وقال السيوطي: (القناعة: الرضا بما دون الكفاية (٦)، وترك التشوف إلى المفقود، والاستغناء بالموجود) (٧). وقال المناوي: (هي: السكون عند عدم المألوفات. وقيل: الاكتفاء بالبلغة. وقيل سكون الجأش عند أدنى المعاش. وقيل: الوقوف عند الكفاية) (٨).

стр. 480

الفرق بين القناعة وبعض الصفات الفرق بين القصد والقناعة: (أن القصد: هو ترك الإسراف والتقتير جميعا. والقناعة: الاقتصار على القليل والتقتير، ألا ترى أنه لا يقال هو قنوع إلا إذا استعمل دون ما يحتاج إليه ومقتصد لمن لا يتجاوز الحاجة ولا يقصر دونها وترك الاقتصاد مع الغنى ذم وترك القناعة معه ليس بذم وذلك أن نقيض الاقتصاد الإسراف، وقيل الاقتصاد من أعمال الجوارح لأنه نقيض الإسراف وهو من أعمال الجوارح والقناعة من أعمال القلوب) (١). الفرق بين القناعة والزهد: قال الراغب: (القناعة: الرضا بما دون الكفاية، والزهد: الاقتصار على الزهيد، أي: القليل وهما يتقاربان، لكن القناعة تقال اعتبارًا برضا النفس، والزهد يقال اعتبارًا بالمتناول لحظ النفس وكل زهد حصل لا عن قناعة فهو تزهد لا زهد) (٢).

стр. 481

الترغيب على القناعة في القرآن والسنة الترغيب والحث على القناعة من القرآن الكريم: - قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النحل: ٩٧]. عن محمد بن كعبٍ في قوله تعالى: فلنحيينه حياةً طيبةً، قال: القناعة (١). (وعن علي بن أبي طالب ﵁ فسرها بالقناعة) (٢). و (عن الحسن البصري، قال: الحياة الطيبة: القناعة) (٣). - وقال تعالى: إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور: ٣٢]. قال البغوي: (قيل: الغنى: هاهنا القناعة) (٤). وقال الخازن: (قيل الغنى: هنا القناعة) (٥). - وقال سبحانه: وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج: ٣٦]. قال الطبري: (وأما القانع الذي هو بمعنى المكتفي، فإنه من قنعت بكسر النون أقنع قناعة وقنعا وقنعانا) (٦). وقال مجاهد: (القانع: جارك الذي يقنع بما أعطيته) (٧). وقال أبو إسحاق الثعلبي: (القانع من القناعة وهي الرضا والتعفف وترك السؤال) (٨). وقال الرازي: (قال الفراء والمعنى الثاني القانع هو الذي لا يسأل من القناعة يقال قنع يقنع قناعةً إذا رضي بما قسم له وترك السؤال) (٩). - وقال تعالى: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١]. قال النسفي: (وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً عفواً ومغفرة أو المال والجنة أو ثناء الخلق ورضا الحق أو الإيمان والأمان أو الإخلاص والخلاص أو السنة والجنة أو القناعة والشفاعة .. ) (١٠). وقال أبو حيان الأندلسي عند تفسير قوله تعالى: حَسَنَةً: ( .. القناعة بالرزق، أو: التوفيق والعصمة، أو: الأولاد الأبرار .. قاله جعفر) (١١). - قال تعالى: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار: ١٣]. قال الرازي: (قال بعضهم: النعيم القناعة، والجحيم الطمع) (١٢). وقال النيسابوري: (وقال آخرون: النعيم القناعة والتوكل) (١٣). الترغيب والحث على القناعة من السنة النبوية: - عن عبد الله بن عمرٍو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله)) (١٤). قال ابن حجر: (ومعنى الحديث أن من اتصف بتلك الصفات حصل على مطلوبه وظفر بمرغوبه في الدنيا والآخرة) (١٥). وقال المناوي: (رزق كفافا وقنعه الله بالكفاف فلم يطلب الزيادة) (١٦). وقال المباركفوري: ((كفافا) أي ما يكف من الحاجات ويدفع الضرورات (وقنعه الله) أي جعله قانعًا بما آتاه) (١٧).

стр. 482

وقال القرطبي: (معنى الحديث أن من حصل له ذلك فقد حصل على مطلوبه، وظفر بمرغوبه في الدارين) (١). - وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي، ﷺ كان يومًا يحدث، وعنده رجلٌ من أهل البادية: ((أن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكني أحب أن أزرع، قال: فبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله، : دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيءٌ، فقال الأعرابي: والله لا نجده إلا قرشيا، أو أنصاريا، فإنهم أصحاب زرعٍ، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرعٍ، فضحك النبي ﷺ ) (٢). قال ابن بطال: (وقوله: (دونك يا ابن آدم، لا يشبعك شيء) يدل على فضل القناعة، والاقتصار على البلغة، وذم الشره والرغبة) (٣). وقال ابن حجر (وفيه إشارةٌ إلى فضل القناعة وذم الشره) (٤). - وقال ﷺ : ((اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتًا)) (٥). قال ابن حجر: (أي اكفهم من القوت بما لا يرهقهم إلى ذل المسألة ولا يكون فيه فضولٌ تبعث على الترفه والتبسط في الدنيا وفيه حجةٌ لمن فضل الكفاف لأنه إنما يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال) (٦). وقال النووي: (قال أهل اللغة العربية القوت ما يسد الرمق وفيه فضيلة التقلل من الدنيا والاقتصار على القوت منها والدعاء بذلك) (٧). - وقال النبي ﷺ : ((من أصبح وأمسى آمنا في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه؛ كان كمن حيزت له الدنيا بحذافيرها)) (٨). قال النووي: (فيه فضيلة هذه الأوصاف) (٩). وقال المناوي: ((عنده قوت يومه) أي غذاؤه وعشاؤه الذي يحتاجه في يومه ذلك يعني من جمع الله له بين عافية بدنه وأمن قلبه حيث توجه وكفاف عيشه بقوت يومه وسلامة أهله فقد جمع الله له جميع النعم التي من ملك الدنيا لم يحصل على غيرها فينبغي أن لا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها بأن يصرفها في طاعة المنعم لا في معصية ولا يفتر عن ذكره) (١٠). وقال المباركفوري: ((عنده قوت يومه) أي كفاية قوته من وجه الحلال (فكأنما حيزت) ... والمعنى فكأنما أعطي الدنيا بأسرها انتهى) (١١). - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن؟) قلت: أنا يا رسول الله! فأخذ يدي فعد خمسًا، فقال: (اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك ; فإن كثرة الضحك تميت القلب)) (١٢). قال المناوي: ((وارض بما قسم الله لك) أي: أعطاك (تكن أغنى الناس) فإن من قنع بما قسم له ولم يطمع فيما في أيدي الناس استغنى عنهم ليس الغنى بكثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس) (١٣).

стр. 483

أقوال السلف والعلماء في القناعة - (قال عبد الله بن عباس: القناعة مال لا نفاد له) (١). - (وقال علي بن أبي طالب ﵁، الرزق رزقان: فرزق تطلبه، ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك) (٢). - (وقال سعد بن أبي وقاص لابنه: يا بني: إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإنها مال لا ينفد؛ وإياك والطمع فإنه فقر حاضر؛ وعليك باليأس، فإنك لم تيأس من شيء قط إلا أغناك الله عنه) (٣). - و (قال عمر بن عبد العزيز: الفقه الأكبر القناعة وكف اللسان) (٤). - وقال الراغب: (الفقر أربعة: فقر الحسنات في الآخرة، وفقر القناعة في الدنيا، وفقر المقتني، وفقرها جميعا والغني بحسبه، فمن حصل له في الدنيا فقد القناعة والمقتني فهو الفقير المطلق على سبيل الذم، ولا يقال له غني بوجه وهو المشار إليه بقوله ﵊ ((كاد الفقر أن يكون كفراً)) (٥)، ومن فقد القناعة دون القنية، فهو الغني بالمجاز فقير بالحقيقة. ولهذا قال: قد يكثر المال والإنسان مفتقر) (٦). - و (قال أكثم بن صيفي لابنه يا بني من لم يأس على ما فاته ودع بدنه ومن قنع بما هو فيه قرت عينه) (٧). - (وقال بكر بن عبد الله المزني: يكفيك من الدنيا ما قنعت به ولو كف تمرٍ، وشربة ماءٍ، وظل خباءٍ، وكل ما انفتح عليك من الدنيا شيءٌ ازدادت نفسك به تعبًا) (٨). - وقال (نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك يقول مروءة القناعة أفضل من مروءة الإعطاء - وقال أبو حاتم: (من أكثر مواهب الله لعباده وأعظمها خطراً القناعة وليس شيء أروح للبدن من الرضا بالقضاء والثقة بالقسم ولو لم يكن في القناعة خصلة تحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء لطلب الفضل لكان الواجب على العاقل ألا يفارق القناعة على حالة من الأحوال) (٩). - وقال أيضاً (القناعة تكون بالقلب فمن غني قلبه غنيت يداه ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه ومن قنع لم يتسخط وعاش آمنا مطمئنا ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائت نهاية لرغبته والجد والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد) (١٠). - و (قال أبو سليمان الداراني: إن قومًا طلبوا الغنى فحسبوا أنه في جمع المال ألا وإنما الغنى في القناعة، وطلبوا الراحة في الكثرة وإنما الراحة في القلة، وطلبوا الكرامة من الخلق ألا وهي في التقوى، وطلبوا النعمة في اللباس الرقيق واللين وفي طعامٍ طيبٍ، والنعمة في الإسلام الستر والعافية») (١١). - و (قال أبو الحسن البوشنجي، وسئل عن القناعة؟ فقال: المعرفة بالقسمة) (١٢). - و (عن أبي سليمان أنه قال: سمعت أختي تقول: الفقراء كلهم أموات إلا من أحياه الله تعالى بعز القناعة والرضا بفقره) (١٣). - و (قال أبو محرز الطفاوي: شكوت إلى جارية لنا ضيق المكسب علي وأنا شاب فقالت لي: يا بني استعن بعز القناعة عن ذل المطالب، فكثيراً، والله ما رأيت القليل عاد سليماً. قال أبو محرز: ما زلت بعد أعرف بركة كلامها في قنوعي) (١٤). - و (عن الحسن، قال: لا تزال كريمًا على الناس - أو لا يزال الناس يكرمونك ما لم تعاط ما في أيديهم، فإذا فعلت ذلك استخفوا بك، وكرهوا حديثك وأبغضوك) (١٥). - (وقال مالك بن دينارٍ: أزهد الناس من لا تتجاوز رغبته من الدنيا بلغته) (١٦). - (وكان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل ويقول من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد) (١٧).

стр. 484

مراتب القناعة قال الماوردي: (والقناعة قد تكون على ثلاثة أوجهٍ: فالوجه الأول: أن يقنع بالبلغة من دنياه، ويصرف نفسه عن التعرض لما سواه. وهذا أعلى منازل القناعة. والوجه الثاني: أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية، ويحذف الفضول والزيادة. وهذه أوسط حال المقتنع. والوجه الثالث: أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف على ما سنح فلا يكره ما أتاه وإن كان كثيرًا، ولا يطلب ما تعذر وإن كان يسيرًا. وهذه الحال أدنى منازل أهل القناعة؛ لأنها مشتركةٌ بين رغبةٍ ورهبةٍ. أما الرغبة؛ فلأنه لا يكره الزيادة على الكفاية إذا سنحت. وأما الرهبة؛ فلأنه لا يطلب المتعذر عن نقصان المادة إذا تعذرت) (١).

стр. 485

فوائد القناعة ١٨ - سبب لنيل محبة الله. ١٩ - علامة كمال الإيمان. ٢٠ - تبعد الإنسان عن الذنوب والمعاصي التي تحبط الحسنات. ٢١ - تجعل الإنسان يعيش حياة هنيئة طيبة. ٢٢ - تشيع المودة وتنشر المحبة بين الناس. ٢٣ - تكسب الإنسان قوة الإيمان والثقة به والرضا بما قسم. ٢٤ - سبيل لراحة النفس والبعد عن الهموم. ٢٥ - وقاية من الغيبة والنميمة والحسد. ٢٦ - طريق موصل إلى الجنة. ٢٧ - سبب للبركة. ٢٨ - عز للنفس وبعد المهانة والذل. ٢٩ - عين الغنى. ٣٠ - فيها تحقيق لشكر الله تعالى على نعمه. ٣١ - تعفف عما في أيدي الناس (١).

стр. 486

موانع اكتساب القناعة ١. مجالسة ذوي الأموال واللاهثين وراء جمعها. ٢. اتباع الشهوات لطلب الدنيا والتزود منها. ٣. طلب الزيادة عن الكفاية والتوسع في جمع الأموال. ٤. عدم قراءة القرآن الكريم وتدبر آياته. ٥. عدم تذكر الموت والدار الآخرة. ٦. الانغماس في شهوات الدنيا.

стр. 487

الأسباب المعينة على اكتساب القناعة: ١. اكتفاء الإنسان بما رزق، وعدم الاهتمام بالمستقبل. ٢. الاطلاع على سيرة السلف الصالح، وزهدهم وقناعتهم في الدنيا، والاقتداء بهم. ٣. الاقتصاد في الإنفاق، وعدم الإسراف والتبذير. ٤. الإلحاح في الدعاء بأن يرزقه الله القناعة، كما فعل ذلك الرسول ﷺ . ٥. الإيمان الجازم بأن الله قد كتب الأرزاق قبل أن يخلقنا، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها. ٦. تعويد النفس على القناعة والبعد عن الطمع. ٧. تقوية الإيمان بالله تعالى. ٨. النظر إلى من هو أقل منه في الرزق، ولا ينظر إلى من هو أعلى منه. ٩. الاعتقاد بأن الله سبحانه جعل التفاوت في الأرزاق بين الناس لحكمة يعلمها. ١٠. تذكر الموت وزيارة القبور. ١١. قراءة القرآن والتأمل في الآيات القرآنية التي تناولت قضية الرزق والمعيشة. ١٢. أن يعلم أن في القناعة عزة للنفس، وفي الطمع ذل ومهانة. ١٣. أن يعرف أن في جمع المال انشغال للقلب؛ من هم وغم وخوف عليه.

стр. 488

نماذج للنبي ﷺ في القناعة: كان النبي ﷺ قنوعاً زاهداً، فكان من أبعد الناس عن ملذات الدنيا وأرغبهم إلى الآخرة، وقد خيره ربه جل وعلا بين الدنيا وأن يعيش فيها ما شاء، وبين الآخرة، فاختار الآخرة وما عند الله، وخيره أن يكون ملكاً نبياً أو عبداً نبياً، فاختار أن يكون عبداً نبيناً. - قال عمر ﵁: ((دخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجعٌ على حصيرٍ، فجلست، فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ ، فإذا أنا بقبضةٍ من شعيرٍ نحو الصاع، ومثلها قرظًا في ناحية الغرفة، وإذا أفيقٌ معلقٌ، قال: فابتدرت عيناي، قال: ما يبكيك يا ابن الخطاب قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله ﷺ ، وصفوته، وهذه خزانتك، فقال: يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟، قلت: بلى، قال: ودخلت عليه حين دخلت، وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن، فإن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وأنا، وأبو بكرٍ، والمؤمنون معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلامٍ، إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول .. )) (١). - وعن ابن عباس- ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يدعو: ((اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كل غائبة لي بخير)) (٢). - وعن عائشة- ﵂ أنها قالت لعروة: ((ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم، فيسقيناه)) (٣). - وعن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم ارزق آل محمد قوتاً)) (٤). - وعن عائشة- ﵂ قالت: ((كان فراش رسول الله ﷺ : من أدم وحشوه ليف)) (٥). - وعن قتادة- ﵁ قال: ((كنا نأتي أنس بن مالك وخبازه قائم، وقال: كلوا، فما أعلم النبي ﷺ رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط)) (٦). - وعن عائشة ﵂ قالت: ((لقد توفي النبي ﷺ وما في رفي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني)) (٧). - وعن عائشة- ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: ((لقد مات رسول الله ﷺ ، وما شبع من خبز وزيت، في يوم واحد، مرتين)) (٨). - وعن أنس- ﵁ قال: ((لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات، وما أكل خبزا مرققا حتى مات)) (٩). - وعن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرني أن لا يمر علي ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين)) (١٠). - وعن عروة؛ عن عائشة- ﵄ قالت: ((ما أكل آل محمد ﷺ أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر)) (١١). - وعن عائشة- ﵂ أنها قالت: ((ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير، يومين متتابعين، حتى قبض رسول الله ﷺ ) (١٢). - وعن عائشة- ﵂ قالت: ((ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض)) (١٣).

стр. 489

نماذج للصحابة في القناعة: لقد سار صحابة رسول الله ﷺ ، على ما كان عليه واتبعوا آثاره، وتخلقوا بأخلاقه، وعاشوا التقشف والزهد في أول أمرهم نظراً لقلة ذات اليد، ثم انتشر الإسلام وجاءتهم الغنائم وفتح الله عليهم، فلم تؤثر هذه الأموال التي اكتسبوها من الغنائم على زهدهم، بل استمروا على ما هم فيه من قناعة وتقشف، وهنا نذكر بعض النماذج من قناعة الصحابة وبعدهم عن الطمع: - وعن عائشة قالت: (من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم فلما افتتح ﷺ قريظة أصبنا شيئا من التمر والودك) (١). - وعن عامر بن عبد الله أن سلمان الخير حين حضره الموت عرفوا منه بعض الجزع قالوا ما يجزعك يا أبا عبد الله وقد كانت لك سابقةٌ في الخير شهدت مع رسول الله ﷺ مغازي حسنةً وفتوحًا عظامًا قال يجزعني أن حبيبنا ﷺ حين فارقنا عهد إلينا قال: (ليكف اليوم منكم كزاد الراكب" فهذا الذي أجزعني فجمع مال سلمان فكان قيمته خمسة عشر دينارا) (٢). - وعن أبي العالية: أن رسول الله ﷺ قال: ((من تكفل لي أن لا يسأل أحداً شيئاً، وأتكفل له بالجنة؟ فقال ثوبان: أنا. فكان لا يسأل أحداً شيئاً)) (٣). - وعن أبي هريرة، قال: (لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجلٌ عليه رداءٌ، إما إزارٌ وإما كساءٌ، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده، كراهية أن ترى عورته) (٤). - وقال الحافظ ابن حجر ﵀ قوله: (لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم النبي ﷺ في غزوة بئر معونة وكانوا من أهل الصفة أيضًا لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة (٥) - وعن الحسن قال: (كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان أميرا على زهاء ثلاثين ألفا من المسلمين، وكان يخطب في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها، فإذا خرج عطاؤه تصدق به، وأكل من سفيف يده) (٦). - و (التقى عبد الرحمن بن عوف وأبو ذر الغفاري، فقبل عبد الرحمن ما بين عيني أبي ذر لكثرة سجوده، وقبل أبو ذر يمين عبد الرحمن لكثرة صدقته. فلما افترقا بعث عبد الرحمن إليه ببدرة، وقال لغلامه: إن قبلها منك فأنت حر. فأبى أن يقبلها، فقال الغلام: اقبل رحمك الله فإن في قبولها عتقي، فقال أبو ذر: إن كان عتقك فيه ففيه رقي، ورده) (٧).

стр. 490

نماذج للسلف في القناعة: - (ورث داود الطائي من أبيه دارا ودنانير، فكان كلما خرب في الدار بيت انتقل إلى غيره ولم يعمره، ولم يزل يتقوت بالدنانير حتى كفن في آخرها) (١). - و (عن يحيى بن عروة بن أذينة قال: لما أتى أبي وجماعةٌ من الشعراء هشام بن عبد الملك فأنشدوه فلما عرف أبي قال: ألست القائل: لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني فهلا جلست في بيتك حتى يأتيك؟ فسكت أبي ولم يجبه فلما خرجوا من عنده جلس أبي على راحلته حتى أتى المدينة وأمر هشامٌ بجوائزهم فقعد أبي فسأل عنه فلما خبر بانصرافه قال: لا جرم والله ليعلمن أن ذلك سيأتيه. ثم أضعف له ما أعطى واحدًا من أصحابه وكتب له فريضتين) (٢). - (وقال زمعة بن صالحٍ: كتب إلى أبي حازمٍ بعض بني أمية يعزم عليه إلا رفع إليه حوائجه، فكتب إليه: أما بعد، فقد جاءني كتابك تعزم علي أن أرفع إليك حوائجي وهيهات قد رفعت حوائجي إلى ربي، ما أعطاني منها قبلت، وما أمسك علي منها قنعت) (٣). - و (عن الحسن، قال: لما حضر سلمان الموت بكى، فقيل له ما يبكيك يا أبا عبد الله، وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ فقال: أما إني لا أبكي جزعًا على الدنيا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا، فتركنا عهده: أن تكون بلغة أحدنا من الدنيا كزاد الراكب قال: فلما مات نظروا فإذا نحوٌ من قيمة ثلاثين درهمًا) (٤). - (وعن حفصٍ الجعفي، قال: ورث داود الطائي من أمه أربع مائة درهمٍ، فمكث يتقوت بها ثلاثين عاماً، فلما نفدت، جعل ينقض سقوف الدويرة، فيبيعها. - وقال عطاء بن مسلمٍ: عاش داود عشرين سنةً بثلاث مائة درهمٍ) (٥). - (وذكر إبراهيم بن السري الزجاج: أنه كان يجرى على أبي جعفرٍ في الشهر أربعة دراهم، يتقوت بها. قال: وكان لا يسأل أحداً شيئاً) (٦).

стр. 491

نماذج للعلماء المعاصرين في القناعة: الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي: كان الشيخ ﵀ قنوعاً بما رزقه الله، زاهداً في الدنيا، عفيفاً عما في أيدي الناس، كريماً بما يملك. وقد ذكر عنه بعض أقاربه وطلابه شيء من قناعته وزهده، نذكر طرفاً منها: قال عنه ابنه عبد الله: (كان ﵀ – لا يريد الدنيا، ولا يهتم بها، ويحرص على الاقتصاد). ويقول: (الذي يفرحنا أن الدنيا لو كانت ميتة لأباح الله منها سد الخلة. وكان يقول: "لم أقترض قط لأحد، ولم أبع، ولم أشتر، وترك لي والدي ثروة فكنت أعيش منها، وكان عندي كنز عظيم أرجو الله أن لا يضيع مني؛ هو القناعة) (١). وقال عنه أيضا: (أنه كان في المدينة، وكان لا يوجد عنده أي مال، وقد وعده أحد جيرانه أن يقترض له مالاً. ولما أراد الشيخ ﵀ أن يأتيه وجده يشتغل، وعليه ملابس متبذلة، فرجع عنه وكأنه وجد في نفسه قليلاً أنه في عازة. قال: ولم أشعر حتى خررت ساجداً في الطريق في الغبار، ورفعت رأسي وعندي فرح ونشوة لا يعلمها إلا الله إكراماً لما أعطاني من العلم، فكيف أريد دنيا وربي أكرمني بالعلم، وبفهم كتاب الله. فذهبت إلى البيت وكأن الدنيا كملت لي لاستشعاري نعمة الله علي بما أعطاني من فهم القرآن. وقد سد الله لي تلك الحاجة من غير أن أسأل أحداً ونذهب لأحد إكراماً منه وفضلاً) (٢). وقال عنه الشيخ عطية سالم: (والواقع أن الدنيا لم تكن تساوي عنده شيئا فلم يكن يهتم لها. ومنذ وجوده في المملكة وصلته بالحكومة حتى فارق الدنيا لم يطلب عطاء ولا مرتبا ولا ترفيعاً لمرتبه ولا حصولاً على مكافأة أو علاوة. ولكن ما جاءه من غير سؤال أخذه وما حصل عليه لم يكن ليستبقيه بل يوزعه في حينه على المعوزين من أرامل ومنقطعين وكنت أتولى توزيعه وإرساله من الرياض إلى كل من مكة والمدينة. ومات ولم يخلف درهما ولا دينارا وكان مستغنياً بعفته وقناعته. بل إن حقه الخاص ليتركه تعففاً عنه كما فعل في مؤلفاته وهي فريدة فينوعها. لم يقبل التكسب بها وتركها لطلبة العلم. وسمعته يقول: لقد جئت معي من البلاد بكنز عظيم يكفيني مدى الحياة وأخشى عليه الضياع. فقلت له وما هو قال القناعة. وكان شعاره في ذلك قول الشاعر: الجوع يطرد بالرغيف اليابس ... فعلام تكثر حسرتي ووساوسي) (٣).

стр. 492

مسائل متفرقة حول القناعة - مواعظ حول القناعة: موعظة عمر بن عبد العزيز في القناعة: (قال عمر بن عبد العزيز ﵁: من وعظ أخاه بنصيحةٍ له في دينه، ونظر له في صلاح دنياه، فقد أحسن صلته، وأدى واجب حقه، فاتقوا الله فإنها نصيحةٌ لكم في دينكم فاقبلوها، وموعظةٌ منجيةٌ من العواقب فالزموها، فالرزق مقسومٌ، ولن يعدو المرء ما قسم له، فأجملوا في الطلب، فإن في القنوع سعةً وبلغةً، وكفا عن كلفةٍ، لا يحل الموت في أعناقكم، وجهته أيامكم، وما ترون ذاهبٌ، وما مضى كأن لم يكن، وكل ما هو آتٍ قريبٌ، أما رأيتم حالات المنيب وهو يشرف ويعد فراغه، وقد ذاق الموت وعائلهم تعجيل إخراج أهله إياه من داره إلى قبره، وسرعة انصرافهم إلى مسكنه، وجهه مفقودٌ، وذكره منسي، وبابه عن قليلٍ مهجورٌ، كأن لم يخالط إخوان الحفاظ، ولم يعمر الديار، فاتقوا يومًا لا تخفى فيه مثقال حبةٍ في الموازين) (١). موعظة وهب بن منبه لعطاء الخرساني في القناعة: (وقال وهب بن منبهٍ لعطاءٍ الخراساني: ويحك يا عطاء ألم أخبر أنك تحمل علمك إلى أبواب الملوك وأبناء الدنيا، ويحك يا عطاء تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه! وتدع من يفتح لك بابه ويظهر لك غناه، ويقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]. يا عطاء أترضى بالدون من الدنيا مع الحكمة، ولا ترضى بالدون من الحكمة مع الدنيا، ويحك يا عطاء إن كان يغنيك ما يكفيك، وأن أدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا شيءٌ يكفيك. ويحك يا عطاء إنما بطنك بحرٌ من البحور ووادٍ من الأودية، ولا يملؤه شيءٌ إلا التراب) (٢). - أقوال الأدباء والحكماء في القناعة - (قال أكثم بن صيفي: من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة. - وقال بعض السلف: قد يخيب الجاهد الساعي، ويظفر الوادع الهادي. فأخذه البحتري فقال: لم ألق مقدورًا على استحقاقه ... في الحظ إما ناقصًا أو زائدا وعجبت للمحدود يحرم ناصبًا ... كلفًا وللمجدود يغنم قاعدا ما خطب من حرم الإرادة قاعدًا ... خطب الذي حرم الإرادة جاهدا - وقال بعض الحكماء: إن من قنع كان غنيا وإن كان مقترًا، ومن لم يقنع كان فقيرًا وإن كان مكثرًا. - وقال بعض البلغاء إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة، وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، فمن أطاع الله عن نصره، ومن لزم القناعة زال فقره. - وقال بعض الأدباء: القناعة عز المعسر، والصدقة حرز الموسر) (٣). - (وقيل لبعض الحكماء: اكتسب فلانٌ مالا، قال: فهل اكتسب أيامًا يأكله فيها؟ قيل: ومن يقدر على ذلك؟ قال: فما أراه اكتسب شيئًا) (٤). - و (كتب حكيمٌ إلى أخٍ له: أما بعد فاجعل القنوع ذخرًا ولا تعجل على ثمرة لم تدرك، فإنك تدركها في أوانها عذبةً، والمدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح لما تؤمل فثق بخيرته لك في أمورك كلها) (٥). - و (قال الحكيم: أربعةٌ طلبناها فأخطأنا طرقها: طلبنا الغنى في المال، فإذا هو في القناعة، وطلبنا الراحة في الكثرة فإذا هي في القلة، وطلبنا الكرامة في الخلق، فإذا هي في التقوى، وطلبنا النعمة في الطعام واللباس، فإذا هي في الستر والإسلام) (٦). - (وقال بعض الحكماء: ما فوق الكفاف إسرافٌ. - وقال بعض البلغاء: من رضي بالمقدور قنع بالميسور) (٧). - (وقال بعض الحكماء: الرضى بالكفاف يؤدي إلى العفاف) (٨). - و (قال أعرابي لأهل البصرة: من سيد أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بم سادهم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم) (٩). - حكم وأمثال في القناعة - يقال في المثل: خير الغنى القنوع، وشر الفقر الخضوع (١٠). - القناعة مال لا ينفد (١١). - (وحسبك من غنى شبع وري - وقولهم: يكفيك ما بلغك المحل) (١٢). - شر الفقر الخضوع، وخير الغنى القناعة (١٣). -

стр. 493

القناعة في واحة الشعر .. قال بشر بن الحارث: أفادتنا القناعة أي عز ... ولا عز أعز من القناعه فخذ منها لنفسك رأس مالٍ ... وصير بعدها التقوى بضاعه تحز حالين تغنى عن بخيلٍ ... وتسعد في الجنان بصبر ساعه (١) وقال محمد بن حميد الأكاف: تقنع بالكفاف تعش رخيا ... ولا تبغ الفضول من الكفاف ففي خبز القفار بغير أدم ... وفي ماء الفرات عني وكاف وفي الثوب المرقع ما يغطى ... به من كل عري وانكشاف وكل تزين بالمرء زين ... وأزينه التزين بالعفاف (٢) وقال آخر: هي القناعة لا ترضى بها بدلا ... فيها النعيم وفيها راحة البدن انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن (٣) وقال عبد العزيز بن سليمان الأبرش: إذا المرء لم يقنع بعيش فإنه ... وإن كان ذا مال من الفقر موقر إذا كان فضل الناس يغنيك بينهم ... فأنت بفضل الله أغنى وأيسر (٤) وقال آخر: نصف القنوع وأينا يقنع ... أو أينا يرضى بما يجمع لله در ذوي القناعة ما ... أصفى معاشهم وما أوسع من كان يبغي أن يلذ وأن ... تهدى جوارحه فما يطمع فقر النفوس بقدر حاجتها ... وغنى النفوس بقدر ما تقنع (٥) وقال محمود الوراق: غنى النفس يغنيها إذا كنت قانعا ... وليس بمغنيك الكثير من الحرص وإن اعتقاد الهم للخير جامعا ... وقلة هم المرء يدعو إلى النقص (٦) وقال آخر: رضيت من الدنيا بقوتٍ يقيمني ... فلا أبتغي من بعده أبدًا فضلا ولست أروم القوت إلا لأنه ... يعين على علمٍ أرد به جهلا فما هذه الدنيا بطيب نعيمها ... لأيسر ما في العلم من نكتةٍ عدلا (٧) وقال آخر: عليك بتقوى الله واقنع برزقه ... فخير عباد الله من هو قانع ولا تلهك الدنيا ولا تطمع بها ... فقد يهلك المغرور فيها المطامع (٨) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وجدت القناعة ثوب الغنى ... فصرت بأذيالها أتمسك فألبسني جاهها حلةً فصرت غنيا بلا درهمٍ ... يمر الزمان ولم تنتهك أمر عزيزًا كأني ملك (٩) وما أحسن قول الإمام الشافعي: خبرت بني الدنيا فلم أر منهم ... سوى خادعٍ والخبث حشو إهابه فجردت عن غمد القناعة صارمًا ... قطعت رجائي منهم بذبابه فلا ذا يراني واقفًا بطريقه ... ولا ذا يراني قاعدًا عند بابه غني بلا مالٍ عن الناس كلهم ... وليس الغنى إلا عن الشيء لا به (١٠) وقال آخر: إذا أظمأتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعاً وريا فكن رجلاً رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا أبياً لنائل ذي ثروةٍ ... تراه بما في يديه أبيا فإن إراقة ماء الحياة ... دون إراقة ماء المحيا (١١) ...

стр. 494

كتمان السر لغة واصطلاحاً الكتمان لغة: كتم الشيء من باب نصر وكتمانا أيضا بالكسر، واكتتمه. وسر كاتم: أي مكتوم، ومكتم بالتشديد بولغ في كتمانه. واستكتمه سره: سأله أن يكتمه وكاتمه سره. ورجل كتمة، بوزن همزة إذا كان يكتم سره (١). الكتمان اصطلاحاً: الكتمان هو: ستر الحديث (٢). وعرفه الميداني بقوله: (هو ضبط النفس ضد دوافع التعبير عما يختلج فيها) (٣). السر لغة: السِّرُّ: الَّذِي يُكْتَمُ وَجَمْعُهُ أَسْرَارٌ. والسَّرِيرَةُ مِثْلُهُ وَجَمْعُهَا سَرَائِرُ، وَرَجُلٌ سِرِّيٌّ: يصنع الأَشياءَ سِرّاً مِنْ قَوْمٍ سِرِّيِّين. والسرِيرةُ: كالسِّرِّ، وَالْجَمْعُ السرائرُ (٤). السر اصطلاحاً: السر هو: الحديث المكتتم في النفس (٥). الكلمات المترادفة لكتمان السر: (يقال: كتم فلان سره، واكتتمه وقد كتمه عني، وكتمه مني، وكتمنيه، وكاتمنيه، وأخفاه عني، وواراه عني، ووراه، وستره، وأضمره، وغيبه، وزواه، وطواه، ولواه، ودفنه، وكنه، وأكنه، وأجنه، وخزنه، وصانه، وحصنه، وضنبه، وقد أسر نجواه عني، وأسر عني ذات نفسه، وستر عني مخبآت صدره، ودافعني عن دخلة ضميره، وأمسك على ما في نفسه) (٦).

стр. 495

الفرق بين الكتمان والسر والنجوى والاختفاء الفرق بين النجوى والسر: (أن النجوى: اسم للكلام الخفي الذي تناجي به صاحبك كأنك ترفعه عن غيره وذلك أن أصل الكلمة الرفعة، ومنه النجوة من الأرض، وسمي تكليم الله تعالى موسى ﵇ مناجاة لأنه كان كلاما أخفاه عن غيره. والسر: إخفاء الشيء في النفس، ولو اختفى بستر أو وراء جدار لم يكن سرا، ويقال في هذا الكلام سر تشبيها بما يخفي في النفس، ويقال سري عند فلان تريد ما يخفيه في نفسه من ذلك ولا يقال نجواي عنده، وتقول لصاحبك هذا ألقيه إليك تريد المعنى الذي تخفيه في نفسك، والنجوى تتناول جملة ما يتناجى به من الكلام، والسر يتناول معنى ذلك وقد يكون السر في غير المعاني مجازا تقول فعل هذا سرا وقد أسر الأمر، والنجوى لا تكون إلا كلاما) (١). الفرق بين الكتمان والسر: (قيل: المكتوم يختص بالمعاني كالأسرار والأخبار، لأن الكتمان لا يستعمل إلا فيهما. والمستور يختص بالجثث والأعيان، لأن الأصل في السر تغطية الشيء بغطاء. ثم استعمل في غيرها تجوزا) (٢). الفرق بين الكتمان والاختفاء: (أن الكتمان هو السكوت عن المعنى وقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ [البقرة: ١٥٩] أي يسكتون عن ذكره. والإخفاء: يكون في ذلك وفي غيره، والشاهد أنك تقول أخفيت الدرهم في الثوب ولا تقول كتمت ذلك وتقول كتمت المعنى وأخفيته فالإخفاء أعم من الكتمان) (٣).
следующие страницы →