أسباب الوقوع في الافتراء والبهتان
١ - الشرك بالله :
قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: ٤٨].
٢ - القول على الله ورسوله بغير علم:
كأن يقول: قال الله أو قال رسول لله ويفتي بغير علم، قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ١٤٤]
٣ - الاختلاف والتفرق والتحزب:
قال ابن بطة: (إن الله قد أعلمنا اختلاف الأمم الماضين قبلنا وإنهم تفرقوا واختلفوا فتفرقت بهم الطرق حتى صار بهم الاختلاف إلى الافتراء على الله ، والكذب عليه والتحريف لكتابه، والتعطيل لأحكامه، والتعدي لحدوده .. قال الله : كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣]) (١).
٤ - التعصب والتقليد الأعمى:
إن الناظر في القرآن ليرى أن معارضات الكفار لجميع الأنبياء والرسل إنما هي بدافع التعصب لدين الآباء والعادات والتقاليد كما قال تعالى قال تعالى: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ [ص: ٧].
وقال تعالى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤].
٥ - الكبر والحسد والحقد والكراهية:
قال ابن بطة: (إن الله قد أعلمنا اختلاف الأمم الماضين قبلنا وإنهم تفرقوا واختلفوا فتفرقت بهم الطرق حتى صار بهم الاختلاف إلى الافتراء على الله ، والكذب عليه والتحريف لكتابه، والتعطيل لأحكامه، والتعدي لحدوده، وأعلمنا تعالى أن السبب الذي أخرجهم إلى الفرقة بعد الألفة، والاختلاف بعد الائتلاف، هو شدة الحسد من بعضهم لبعض، وبغي بعضهم على بعض، فأخرجهم ذلك إلى الجحود بالحق بعد معرفته، وردهم البيان الواضح بعد صحته .. قال تعالى وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ [الشورى: ١٤]) (٢).
٦ - كثرة الكلام بلا فائدة:
قال أبو طالب المكي: (كثرة الكلام ... فيه قلة الورع وعدم التقوى وطول الحساب وكثرة المطالبين وتعلق المظلومين وكثرة الأشهاد من الأملاك المكاتبين ودوام الإعراض من الملك الكريم، لأن الكلام مفتاح كبائر اللسان، فيه الكذب والغيبة والنميمة والبهتان، وفيه شهادة الزور، وفيه قذف المحصن والافتراء على الله تعالى) (٣).
٧ - استمراء الكذب والغيبة والنميمة.
стр. 632
قصص في الافتراء والبهتان
١ - عن جابر بن سمرة، قال: (شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر ﵁، فعزله، واستعمل عليهم عمارا، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد في الأوليين وأخف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلا أو رجالا إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة قال: أما إذ نشدتنا فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك – راوي الأثر عن سمرة -: فأنا رأيته بعد، قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن) (١).
٢ - القصة الثانية ذكرها الذهبي في كتابه (تذكرة الحفاظ) قال: (قال ابن طاهر سمعت أصحابنا بهراة يقولون: لما قدم السلطان ألب أرسلان هراة في بعض قدماته اجتمع مشايخ البلد ورؤساؤه ودخلوا على أبي إسماعيل وسلموا عليه وقالوا: ورد السلطان ونحن على عزم أن نخرج ونسلم عليه فأحببنا أن نبدأ بالسلام عليك، وكانوا قد تواطئوا على أن حملوا معهم صنمًا من نحاس صغير وجعلوه في المحراب تحت سجادة الشيخ وخرجوا وقام إلى خلوته ودخلوا على السلطان واستغاثوا من الأنصاري وأنه مجسم وأنه يترك في محرابه صنما يزعم أن الله على صورته إن بعث الآن السلطان يجده فعظم ذلك على السلطان وبعث غلامًا ومعه جماعة فدخلوا الدار وقصدوا المحراب فأخذوا الصنم ورجع الغلام بالصنم فبعث السلطان من أحضر الأنصاري, فأتى فرأى الصنم والعلماء والسلطان قد اشتد غضبه؛ فقال السلطان له: ما هذا؟ قال: هذا صنم يعمل من الصفر شبه اللعبة؛ قال: لست عن ذا أسألك؟ قال: فعم يسألني السلطان؟ قال: إن هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا، وأنك تقول: إن الله على صورته، فقال الأنصاري بصولة وصوت جهوري: سبحانك هذا بهتان عظيم، فوقع في قلب السلطان أنهم كذبوا عليه, فأمر به فأخرج إلى داره مكرمًا، وقال لهم: اصدقوني, وهددهم فقالوا: نحن في يد هذا الرجل في بلية من استيلائه علينا بالعامة, فأردنا أن نقطع شره عنا، فأمر بهم ووكل بكل واحد منهم وصادرهم وأهانهم) (٢).
عن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ بعد ما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل، دنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن، ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول ...
стр. 635
فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله ﷺ فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم، ثم ينصرف، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع، وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، قالت: وأمرنا أمر العرب الأول في البرية قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: أي هنتاه ولم تسمعي ما قال؟ قالت: وقلت: ما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت: فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله ﷺ فسلم، ثم قال: كيف تيكم، فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ ، فقلت لأمي: يا أمتاه، ماذا يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، لها ضرائر، إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله، أولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلك، ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟. قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي، وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل على أهلي إلا معي. قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل.
стр. 636
فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيان الأوس، والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم، حتى سكتوا وسكت، قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، قالت: وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ علينا فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: أما بعد، يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه، قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ عني فيما قال: فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ فيما قال: قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت: وأنا جارية حديثة السن: لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد علمت: لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة، لتصدقني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف: ١٨] ثم تحولت واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان، وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة، أما الله فقد برأك. قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله ، قالت: وأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ العشر الآيات)) (١).
ضرب الأمثال في الافتراء والبهتان:
١ - قولهم يا للأفيكة:
وهي فعيلة من الإفك وهو الكذب.
٢ - وقولهم: يا للبهيتة:
وهي البهتان.
٣ - وقولهم: يا للعضيهة:
مثلهما في المعنى. يضرب عند المقالة يرمى صاحبها بالكذب، واللام في كلها للتعجب (٢).
وقال منصور بن إسماعيل:
هبني تحرزت ممن ينم بالكتمان ... فكيف لي باحتراز من قائل البهتان (٣).
وقال بعض الحكماء:
إنّ الكريم إذا تقضى وده ... يخفي القبيح ويظهر الإحسانا
وترى اللئيم إذا تصرم حبله ... يخفي الجميل ويظهر البهتانا (٤) ...
стр. 637
معنى الإفشاء والسر لغة واصطلاحاً
معنى الإفشاء لغة واصطلاحاً
معنى الإفشاء لغة:
فَشا الخبر يَفْشو فُشُوًّا، أي ذاع، وأفْشاهُ غيره، وتَفَشَّى الشيء، أي اتسع (١). وفشا الشيء: ظهر (٢).
معنى الإفشاء اصطلاحاً:
إفشاء السر هو: تعمد الإفضاء بسر من شخص ائتمن عليه في غير الأحوال التي توجب فيها الشريعة الإسلامية الإفضاء أو تجيزه (٣).
معنى السر لغة واصطلاحاً
معنى السر لغة:
السِّرُّ: هو ما يكتم (٤) وهو خلاف الإعلان، يقال: أسررت الشيء إسراراً، خلاف أعلنته (٥).
وسَارَّهُ: إذا أوصاه بأن يسرّه، وتَسَارَّ القومُ. وكنّي عن النكاح بالسّرّ من حيث إنه يخفى (٦).
معنى السر اصطلاحاً:
قال الراغب: السِّرُّ هو الحديث المكتم في النّفس (٧).
وقال الكفوي: هو ما يسره المرء في نفسه من الأمور الّتي عزم عليها (٨).
стр. 638
مترادفات الإفشاء والسر
مترادفات كلمة الإفشاء:
من مترادفات كلمة الإفشاء: باح السر، وفشا، وظهر، وصحر، وعلن، وذاع، وشاع، وانكشف، وانتشر، واستفاض (١). وأبدى، وجهر، وأبرز، وبث، وباح، وأفاض فيه، ونم، وأشهره، وأعرب، وأعرف، وأفصح، وبيّن (٢).
مترادفات كلمة السر:
ومن مترادفات كلمة السر: أخفى، وستر، وأجن، وأكن، وطوى، وأبطن، وأضم، وغطى، وكتم، وكفر، وأسر (٣).
стр. 639
ذم إفشاء السر والنهي عنه في القرآن والسنة
ذم إفشاء السر والنهي عنه في القرآن الكريم:
- قال تعالى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء: ٨٣].
قال مقاتل: (أَذاعُوا بِهِ: يعني أفشوه) (١).
وقال القرطبي: (أذاعوا به: أفشوه وبثّوه في الناس) (٢).
قال ابن عباس: (قوله أذاعوا به، قال: «أعلنوه وأفشوه») (٣).
- وقال سبحانه: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم: ٣].
قال القاسمي: (أشار تعالى إلى غضبه لنبيّه، صلوات الله عليه، مما أتت به من إفشاء السرّ إلى صاحبتها، ومن مظاهرتهما على ما يقلق راحته، وأن ذلك ذنب تجب التوبة منه) (٤).
قال القرطبي: (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ: فلما أخبرت بالحديث الذي أسر إليها رسول الله ﷺ صاحبتها وأظهره عليه) (٥).
- وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [الأنفال: ٢٧ - ٢٨].
قال ابن كثير: (كانوا يسمعون من النبي ﷺ الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم نهاكم أن تخونوا الله والرسول، كما صنع المنافقون) (٦).
قال بعضهم: نزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان يطلعه على سرِّ المسلمين (٧).
وقال المراغي: (أي ولا تخونوا أماناتكم فيما بين بعضكم وبعض من المعاملات المالية وغيرها حتى الشئون الأدبية والاجتماعية، فإفشاء السر خيانة محرمة) (٨).
ذم إفشاء السر والنهي عنه في السنة النبوية:
- عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها)) (٩).
стр. 640
قال النووي: (في هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه فأما مجرد ذكر الجماع فإن لم تكن فيه فائدة ولا إليه حاجة فمكروه لأنه خلاف المروءة وقد قال ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) (١)، وإن كان إليه حاجة أو ترتب عليه فائدة؛ بأن ينكر عليه إعراضه عنها، أو تدعي عليه العجز عن الجماع، أو نحو ذلك، فلا كراهة في ذكره، كما قال ﷺ : ((إني لأفعله أنا وهذه)) (٢)، وقال ﷺ لأبي طلحة: ((أعرستم الليلة)) (٣). وقال لجابر: ((الكيس الكيس)) (٤)، والله أعلم) (٥).
وقال ابن الجوزي: (والمراد بالسر ها هنا: مَا يكون من عُيُوب الْبدن الْبَاطِنَة، وَذَاكَ كالأمانة فلزم كتمانه) (٦).
وقال المناوي: (ثم ينشر سرها: أي يبث ما حقه أن يكتم من الجماع ومقدماته ولواحقه فيحرم إفشاء ما يجري بين الزوجين من الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك بقول أو فعل) (٧).
- وعن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((إذا حدّث الرّجل الحديث ثم التفت فهي أمانةٌ)) (٨).
قال الطحاوي: (أي: إنها أمانة ائتمن عليها المحدث , فلم يجز له أن يخفر أمانته ويفشي سره; لأنه عسى أن يكون في ذلك ذهاب دمه أو ما سواه مما يفسد أحواله عليه) (٩).
قال المباركفوري في شرحه: (فكأن المعنى: ليكن صاحب المجلس أميناً لما يسمعه أو يراه) (١٠).
ويؤكد هذا المعنى العظيم الحسن البصري بقوله: (إنما تُجالسون بالأمانة، كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدرهم، إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل، فنطمئن إلى جانبه، ثم ينطلق فيسعى بنا) (١١).
وقال المناوي: (وفيه ذم إفشاء السر وعليه الإجماع وسبب إذاعته أن للإنسان قوتين آخذة ومعطية وكلاهما يتشرف إلى الفعل المختص به ولولا أنه تعالى وكل المعطية بإظهار ما عندها ما ظهرت الأسرار فكامل العقل كلما طلبت القوة الفعل قيدها ووزنها بالعقل) (١٢).
стр. 641
- وعن عائشة ﵂، قالت: ((إنا كنا أزواج النبي ﷺ عنده جميعاً لم تغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي، لا، والله ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله ﷺ ، فلما رآها رحب، قال: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه - أو عن شماله - ثم سارها، فبكت بكاء شديداً، فلما رأى حزنها سارها الثانية، فإذا هي تضحك، فقلت لها أنا من بين نسائه: خصك رسول الله ﷺ بالسر من بيننا، ثم أنت تبكين، فلما قام رسول الله ﷺ سألتها عما سارك، قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله ﷺ سره، فلما توفي، قلت لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحق، لما أخبرتني، قالت: أما الآن، فنعم، فأخبرتني، قالت: أما حين سارني في الأمر الأول، فإنه أخبرني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقى الله، واصبري، فإني نعم السلف أنا لك، قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي، سارني الثانية، قال يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة)) (١).
قال ابن بطال: (وفيه: أنه لا ينبغي إفشاء السر إذا كانت فيه مضرة على المسر، لأن فاطمة لو أخبرت نساء النبي ذلك الوقت بما أخبرها به النبي من قرب أجله لحزن لذلك حزناً شديداً، وكذلك لو أخبرتهن أنها سيدة نساء المؤمنين، لعظم ذلك عليهن، واشتد حزنهن، فلما أمنت ذلك فاطمة بعد موته أخبرت بذلك) (٢).
وقال ابن حجر: (فيه جواز إفشاء السر إذا زال ما يترتب على إفشائه من المضرة لأن الأصل في السر الكتمان وإلا فما فائدته) (٣).
- وعن ابن عمر ﵄ قال: حين تأيمت حفصة، قال عمر: لقيت أبا بكر فقلت: ((إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فلقيني أبو بكر فقال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت، إلا أني قد علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها لقبلتها)) (٤).
قال ابن حجر: (وفيه أن من حلف لا يفشي سر فلان فأفشى فلان سر نفسه ثم تحدث به الحالف لا يحنث لأن صاحب السر هو الذي أفشاه فلم يكن الإفشاء من قبل الحالف وهذا بخلاف ما لو حدث واحد آخر بشيء واستحلفه ليكتمه فلقيه رجل فذكر له أن صاحب الحديث حدثه بمثل ما حدثه به فأظهر التعجب وقال ما ظننت أنه حدث بذلك غيري فإن هذا يحنث لأن تحليفه وقع على أنه يكتم أنه حدثه وقد أفشاه) (٥).
- وقال رسول الله ﷺ : ((لا يتجالس قوم إلا بالأمانة)) (٦).
قال المناوي: (أي لا ينبغي إلا ذلك فلا يحل لأحدهم أن يفشي سر غيره) (٧).
стр. 642
أقوال السلف والعلماء في ذم إفشاء السر
- (قال العبّاس بن عبد المطّلب ﵁ لابنه عبد الله ﵁ يا بنيّ إنّ أمير المؤمنين يدنيك يعني عمر بن الخطّاب ﵁ فاحفظ عنّي ثلاثًا: لا تفشينّ له سرًّا، ولا تغتابنّ عنده أحدًا، ولا يطّلعنّ منك على كذبةٍ) (١).
- وقال معاوية: (ما أفشيت سري إلى أحد إلا أعقبني طول الندم، وشدة الأسف، ولا أودعته جوانح صدري فحكمته بين أضلاعي، إلا أكسبني مجداً وذكراً، وسناء ورفعة. فقيل: ولا ابن العاص. قال: ولا ابن العاص. وكان يقول: ما كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك) (٢).
- ويروى أيضاً (أن معاوية ﵁ أسر إلى الوليد بن عتبة حديثه؛ فقال لأبيه: يا أبت إن أمير المؤمنين أسرّ إليّ حديثاً، وما أراه يطوي عنك ما بسطه إلى غيرك، قال: فلا تحدثني به؛ فإن من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه، قال: فقلت يا أبت: وإن هذا ليدخل بين الرجل وبين ابنه؟ فقال: لا والله يا بني، ولكن أحب أن لا تذلل لسانك بأحاديث السر، قال: فأتيت معاوية فأخبرته فقال يا وليد أعتقك أبوك من رق الخطأ فإفشاء السر خيانة وهو حرام إذا كان فيه إضرار ولؤم إن لم يكن فيه إضرار) (٣).
- و (قال عمرو بن العاص ما استودعت رجلًا سرًّا فأفشاه فلمته لأنّي كنت أضيق صدرًا منه حيث استودعته إيّاه) (٤).
- وقال عبد الملك بن مروان للشعبي، لما دخل عليه: (جنبني خصالاً أربعاً: لا تطريني في وجهي، ولا تجرين علي كذبة، ولا تغتابن عندي أحداً، ولا تفشين لي سراً) (٥).
- وقال الحسن: (إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك) (٦).
- وقال أكثم بن صيفيٍّ: (إنّ سرّك من دمك فانظر أين تريقه) (٧).
- وقال الأعمش: (يضيق صدر أحدهم بسره حتى يحدث به ثم يقول اكتمه علي) (٨).
- وقال أَبُو حاتم: (من حصن بالكتمان سره تم له تدبيره وكان له الظفر بما يريد والسلامة من العيب والضرر وإن أخطأه التمكن والظفر والحازم يجعل سره في وعاء ويكتمه عَن كل مستودع فإن اضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له لأن السر أمانة وإفشاؤه خيانة والقلب له وعاؤه فمن الأوعية مَا يضيق بما يودع ومنها مَا يتسع لما استودع) (٩).
- وقال ابن الجوزي: (رأيت أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم، فإذا ظهر، عاتبوا من أخبروا به. فوا عجبًا! كيف ضاقوا بحبسه ذرعًا، ثم لاموا من أفشاه؟!) (١٠).
- وقال بعضهم: (كتمانك سرك يعقبك السلامة، وإفشاؤك سرك يعقبك الندامة، والصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه) (١١).
- وقال الراغب الأصفهاني: (إذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدر، وتوصف به ضعفة الرجال والصبيان والنساء) (١٢).
стр. 643
- وعَنِ المدائني قَالَ: (كان يقال أصبر الناس الذي لا يفشي سره إلى صديقه مخافة أن يقع بينهما شيء فيفشيه) (١).
- وقال بعضهم: (ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده من اللصوص فيخفيه، ويمكن عدوه من نفسه بإظهاره ما في قلبه من سر نفسه وسر أخيه؛ ومن عجز عن تقويم أمره فلا يلومن إلا نفسه إن لم يستقم له) (٢).
- وقال أبو حاتم: (الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي والرأي بتحصين الأسرار ومن كَتَمَ سِرَّهُ كَانَتِ الْخِيَرَةُ فِي يده، ومن أنبأ الناس بأسراره هان عليهم وأذاعوها ومن لم يكتم السر استحق الندم ومن استحق الندم صار ناقص العقل ومن دام على هذا رجع إلى الجهل) (٣).
- (وقال رجل من سلف العلماء: كان يقال: أملك الناس لنفسه من كتم سره من صديقه وخليله.
- وقال أبو عبيد: أحسب ذلك للنظر في العاقبة ألا يتغير الذي بينهما يوماً ما فيفشي سره) (٤).
- (وشكا هشام بن عبد الملك ما يجد من فقد الأنيس المأمون على سرّه فقال: أكلت الحامض والحلو حتّى ما أجد لهما طعماً، وأتيت النساء حتى ما أبالى امرأة لقيت أم حائطاً، فما بقيت لي لذّة إلّا وجود أخ أضع بيني وبينه مؤونة التحفّظ) (٥).
- وقال الماوردي: (وكم من إظهار سرٍّ أراق دم صاحبه، ومنع من نيل مطالبه، ولو كتمه كان من سطوته آمنًا، وفي عواقبه سالمًا، ولنجاح حوائجه راجيًا) (٦).
- وقال أيضاً: (وإظهار الرجل سر غيره أقبح من إظهاره سر نفسه؛ لأنه يبوء بإحدى وصمتين: الخيانة إن كان مؤتمنا، أو النميمة إن كان مستودعا، فأما الضرر فربما استويا فيه وتفاضلا. وكلاهما مذموم، وهو فيهما ملوم) (٧).
- (وقيل لعدي بن حاتم ﵀: أي الأشياء أوضع للرجال؟ قال: كثرة الكلام، وإضاعة السرّ، والثقة بكل أحدٍ) (٨).
- وقال الجاحظ: (والسرّ- أبقاك الله- إذا تجاوز صدر صاحبه وأفلت من لسانه إلى أذن واحدة فليس حينئذ بسرّ، بل ذاك أولى بالإذاعة، ومفتاح النّشر والهرة. وإنّما بينه وبين أن يشيع ويستطير أن يدفع إلى أذن ثانية. وهو مع قلّة المأمونين عليه، وكرب الكتمان، حريّ بالانتقال إليها في طرفة عين) (٩).
- وكان المنصور يقول: (الملك يحتمل كل شيء من أصحابه إلّا ثلاثا: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك) (١٠).
стр. 644
أنواع إفشاء السر
ينقسم إفشاء السر إلى قسمين:
١. الإفشاء المحمود.
مثل إفشاء السر الذي يؤدي إلى مصلحة للأفراد أو المجتمعات، أو إفشاء السر الذي به يغير المنكر، وغيرها من الأشياء التي يعود نفعها ومصلحتها على الفرد والمجتمع.
٢. الإفشاء المذموم:
والإفشاء المذموم ينقسم إلى قسمين:
أ - إفشاء الإنسان سر نفسه وهذا يدل على فشله وعدم صبره.
ب - إفشاء الإنسان سر غيره، وهذا يعتبر من الخيانة، وهو أشد وأخطر من إفشاء الإنسان سر نفسه.
стр. 645
صور إفشاء السر
صور إفشاء السر المذموم:
١ - إفشاء الأسرار الزوجية:
لقد جعل الله لكل من الزوجين حقوق وواجبات، ومن هذه الحقوق حفظ الأسرار الزوجية، فكل من الزوجين أمين على أسرار الآخر، يجب عليه حفظها وعدم إفشاءها، لاسيما أن حياتهم الزوجية مليئة بالأسرار التي لا يعلمها سواهم من البشر.
ومن أعظم هذه الأسرار وأشدها أسرار الجماع وما يجري بين الزوجين في الفراش، من الأشياء التي لا ينبغي لأحدهما إفشاؤها أو نشرها.
ولذلك حرم الشارع الكريم هذا العمل الذي يتنافى مع الأخلاق الإسلامية الحميدة.
وقد وصف النبي ﷺ الزوج أو الزوجة الذي ينشر الأسرار الزوجية بأنه شيطان؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((هل منكم رجل أتى أهله فأغلق عليه بابه وألقى عليه ستره واستتر بستر الله؟ قالوا: نعم، قال: ثم يجلس بعد ذلك فيقول: فعلت كذا، فعلت كذا، فسكتوا، ثم أقبل على النساء؛ فقال: منكن من تحدث؟ فسكتن، فجثت فتاة كعاب، على إحدى ركبتيها، وتطاولت لرسول الله ﷺ ليراها ويسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله إنهم ليحدثون، وإنهن ليحدثن، فقال: هل تدرون ما مثل ذلك؟ إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطاناً في السكة، فقضى حاجته والناس ينظرون إليه)) (١).
بل بيّن بأن مفشي سر زوجه من أشر الناس منزلة يوم القيامة؛ فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة، وتفضي إليه ثم ينشر سرها)) (٢).
قال السفاريني: (يكره لكل من الزوجين التحدث بما صار بينهما ولو لضرتها ... لأنه من السر وإفشاء السر حرام) (٣).
وكذلك فكل من الزوجين مطالب بحفظ باقي الأسرار الأخرى التي تقع في الحياة الزوجية، بل حتى بعد الفراق بطلاق أو غيره، لا ينبغي له إفشاء ما كان بينه وبين زوجه من أسرار خاصة لا ينبغي إطلاع الغير عليها.
(يروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأة؛ فقيل له: ما الذي يريبك فيها؟ فقال: العاقل لا يهتك ستر امرأته، فلما طلقها قيل له: لم طلقتها؟ فقال مالي ولامرأة غيري) (٤).
٢ - إفشاء أسرار الدولة:
إن إفشاء أسرار الدولة والتعاون مع الأعداء لتمكينهم من معرفة عتاد الدولة، ونقاط ضعفها وقوتها، لمن الأشياء التي حرمها الشارع الحكيم، وحذر منها. وعاقب عليها لأنها خيانة عظمى.
٣ - إفشاء وإعلان الذنوب التي يرتكبها:
عن زيد بن أسلم)) أن رجلا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله ﷺ ؛ فدعا له رسول الله ﷺ بسوط فأتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: دون هذا، فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله ﷺ فجلد، ثم قال: أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله؛ فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله)) (٥).
стр. 646
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله؛ فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)) (١).
٤ - إفشاء أسرار المسلمين:
لقد نهى الشارع الكريم عن إفشاء أسرار المسلمين وأمر بسترها وكتمانها، لما في ذلك من حفظ لأعراضهم، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النور: ١٩]. وعن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)) (٢).
صور إفشاء السر المحمود:
١ - أداء الشهادة عند القاضي:
(والشهادة في حد ذاتها هي إخبار بالشيء السري الذي يخفى عن القاضي حقيقته، والمراد من أداء الشهادة: إظهار الأسرار لإثبات الحق في مجلس القضاء، وقد نهى الحق عن كتمان الشهادة: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة:٢٨٣].
وكذلك لا تكون الشهادة إلا بالإخبار القاطع، والإخبار لا يكون قاطعاً إلا بالإخبار التفصيلي، كما هو حاله في الشهادة على الزنا، لابد من ذكر المكان والزمان والكيفية وذكر الفاعل والمفعول به وما إلى ذلك حتى تتوفر فيه الشروط المقررة في حد الزنا. وكذلك في الشهادة على السرقة، لابد من ذكر الكيفية والحرز والمقدار حتى تثبت بشهادتهم أن المشهود عليه قد فعل الجناية المستحقة للعقوبة) (٣).
٢ - الحسبة وإفشاء الأسرار:
إن عمل المحتسب هو البحث عن المنكرات الظاهرة وتغييرها، لكن المنكر إذا كان سراً ولم يظهر أمام الناس فإن هذه المنكرات التي هي سر إذا ظهرت للمحتسب دون تجسس على أعراض الناس، لا يحق له أن يسكت عنها أو يغض الطرف عنها، بل يجب عليه تغييرها وإزالتها.
٣ - إفشاء الأسرار للإخوان لما فيه المصلحة العامة:
كأن يرى أي مصلحة أو فائدة فيها خير يعود نفعها على الإسلام والمسلمين، أو فرصة سانحة يمكن أن تنفذ الدعوة من خلالها إلى ميادين الخير، فالهدهد لما أفشى خبر بلقيس وقومها إلى نبي الله سليمان، كان ذلك باب خير وانتشار للدعوة، وبسبب ذلك دخلت بلقيس وقومها في الإسلام.
وكذلك الرجل الذي نقل خبر فرعون وقومه حينما كانوا يسعون لقتل موسى، فأفشى ذلك السر لموسى، وكان في ذلك نجاة لموسى من القتل بإذن الله. وغيرها من الأمثلة.
стр. 647
أركان إفشاء السر
لاتقوم جريمة إفشاء السر إلا إذا توافر في إفشاء السر الركن المادي والمعنوي معاً في حالة إفشائه، وسنبين ذلك كما يلي:
الركن الأول: الركن المادي للجريمة:
يشترط لوقوع جريمة إفشاء السر توافر الركن المادي الذي يتمثل في إفشاء نبأ يعد لدى صاحبه سراً، أي يهمه كتمانه، ويشترط فيه ثلاثة شروط:
١) أن يكون الإفشاء تم فعله:
ويقصد بالإفشاء كشف السر واطلاع الغير عليه بأية طريقة، ويشترط أن يكون الإفشاء قد تم فعله بأي وسيلة من وسائل الإفشاء، لأن مجرد التفكير بالإفشاء لا يعتبر جريمة تستحق التعزير.
٢) أن يكون المنقول سراً صحيحاً:
ويشترط أن تكون الوقائع أو الأنباء المنقولة سراً، لأن الوقائع المعروفة لا تعتبر إفشاء للسر، كما يشترط في السر أن يكون سراً صحيحاً، لأن إفشاء معلومات غير صحيحة لا يعتبر من قبيل جريمة إفشاء السر، وإنما يعتبر كذباً أو قذفاً إذا توافرت فيه أركان أي من هاتين الجريمتين.
٣) أن يكون المفشي مكلفاً بالكتمان:
كل عاقل بالغ مكلف بحفظ الأسرار، وهو أمين على كل ما وصل إليه من الأنباء الواقعة السرية، لأن الأدلة الواردة في تحريم إفشاء السر أدلة عامة لم تقيد بالشخصية أو الطائفة المعينة من المكلفين، بل هي العامة لكل من تتوفر فيه شروط التكليف، ولا نقول: مسلم، لأن الكافر مكلف بالأحكام الشرعية.
ولأن كتمان السر، أمر واجب في كل الأديان، قررته فطرة الإنسان ومنطق العقل السليم، قبل أن يكون مقرراً شرعاً.
الركن الثاني: الركن المعنوي للجريمة:
يشترط للعقاب على الإفشاء فضلاً عن توافر الركن المادي أن يكون ذلك الإفشاء صادراً عن قصد العصيان أو ما يسمى اليوم في الاصطلاح القانوني بالقصد الجنائي، فلا يكفي للعقاب أن يكون السر قد انتشر وإنما يجب أن يكون هذا الإفشاء عمدياً.
فيعتبر القصد الجنائي متوافراً متى أقدم الجاني على إفشاء السر عن عمد مع العلم بأن الشارع قد حرم الإفشاء؛ لأن قصد العصيان يجب توفره في كل الجرائم العمدية.
غير أن هناك أحوال لا يتوافر فيها قصد العصيان أو يكون القصد فيها ناقصاً، مما يترتب على ذلك رفع العقاب على الجانب، وذلك في ثلاث حالات:
الخطأ. والنسيان. والإكراه (١).
стр. 648
أضرار إفشاء السر
١ - إفشاء السّرّ دليل الغفلة عن تفطّن العقلاء والسّهو عن يقظة الأذكياء.
٢ - إفشاء السّرّ خيانة للأمانة ونقض للعهد.
٣ - إفشاء السّرّ فيه ارتكاب للغرر وتعرّض للخطر.
٤ - إفشاء السّرّ دليل على لؤم الطّبع وفساد المروءة.
٥ - إفشاء السّرّ دليل على قلّة الصّبر وضيق الصّدر.
٦ - إفشاء السّرّ- خاصّة عند الغضب- يعقب النّدم والحسرة في نفس صاحبه.
٧ - إفشاء الأسرار إخلال بالمروءة وإفساد للصّداقة، ومدعاة للتّنافر.
٨ - إفشاء الرّجل سرّ امرأته، وإفشاء المرأة سرّ زوجها يجعل كلّا منهما بمثابة الشّيطان ويخلّ بفضيلة الحياء.
٩ - إفشاء السّرّ من فضول الكلام الّذي يعاب عليه صاحبه.
١٠ - إفشاء السّرّ يفقد الثّقة بين من أفشيت له بالسّرّ والمفشي، لأنّ المفضى إليه بالسّرّ سيعلم أنّ من أفشى له سيفشي عليه لأنّ من نمّ لك نمّ عليك ولا فرق بين الحالتين.
١١ - إفشاء السّرّ من مقتضيات الجهل كما أنّ حفظه من سمة العقلاء.
١٢ - في إذاعة السّرّ ما يجلب العار والفضيحة للمفشي عندما يعرف بذلك من استودعه هذا السّرّ.
١٣ - إفشاء السّرّ فيه ذلّ لصاحبه.
١٤ - إفشاء السّرّ- خاصّة ما يتعلّق بالميّت- يعرّض صاحبه لعذاب الله.
١٥ - إفشاء السّرّ يدخل صاحبه النّار في الآخرة، ويعقب النّدم والحسرة في الدّنيا.
١٦ - مفشي السّرّ من أشرّ النّاس (١).
стр. 649
الأسباب المعينة على ترك إفشاء السر
١ - إدراك خطورة اللسان.
٢ - تذكر عاقبة كشف السر.
٣ - تعويد النفس على الصبر.
٤ - أن لا نحمل ما لا نطيق من الأسرار.
٥ - التزام ضوابط كشف السر.
٦ - لا تنس الوصايا:
- لا تحدث بكل ما سمعت: قال ﷺ : ((كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع)) (١)
- لا تبحث عن الأسرار: قال ﷺ : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (٢).
- ستر المسلم فضيلة: قال ﷺ : ((لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة)) (٣).
- الأسرار أمانات فلا تخن من ائتمنك: قال ﷺ : ((إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة)) (٤).
- لا تكن أسير سرك: قال علي ﵁: (سرك أسيرك، فإن تكلمت به صرت أسيره) (٥).
- لا تنكح خاطب سرك، قال الماوردي ﵀: (وليحذر صاحب السر أن يودع سره من يتطلع إليه، وقد يؤثر الوقوف عليه، فإن طالب الوديعة خائن).
- احذر كثرة المستودعين، قال الماوردي: (وليحذر كثرة المستودعين لسره، فإن كثرتهم سبب الإذاعة، وطريق الإشاعة لأمرين:
أحدهما: أن اجتماع هذه الشروط في العدد الكثير معوز، ولابد إذا كثروا أن يكون فيهم من أخل ببعضها.
الثاني: أن كل واحد منهم يجد سبيلاً إلى نفي الإذاعة عن نفسه، وإحالة ذلك إلى غيره، فلا يضاف إليه ذنب، ولا يتوجه عليه عتب، وقد قال بعض الحكماء: (كلما كثرت خزان الأسرار ازدادت ضياعاً) أ. هـ. (٦).
стр. 650
حكم وأمثال في إفشاء السر
(قال أبو عبيدة: من أمثالهم في الإصغاء بكتمان السر قولهم:
- صدرك أوسع لسرك.
أي فلا تفشه إلى أحد. ومنه قول أكثم بن صيفي: لا تفش سرك إلى أمةٍ ولا تبل على أكمة. قال أبو عبيد: وهذا مثل قد ابتذله الناس.
ومن تحصينهم للسر مقالة الرجل لأخيه في الأمر يسره إليه:
- اجعل هذا في وعاءٍ غير سربٍ.
قال: وأصله في السقاء السائل، وهو السرب يقول: فلا تبد سري كإبداء السقاء ماءه سائل) (١).
- (سرك من دمك. يقال: ربما أفشيته فيكون سبب حتفك) (٢).
- (صرح الحق عن محضه. أي انكشف لك الأمر بعد ستره) (٣).
- (أبدي الصريح عن الرغوة. أي: ظهر ما كانوا يخفون) (٤).
- (الحاج أسمعت)، وذلك إذا أفشى السر. أي إنك إذا أسمعت الحجاج فقد أسمعت الخلق (٥).
من أقوال الحكماء والبلغاء:
- (قال بعض الأدباء: من كتم سرّه كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه.
- وقال بعض البلغاء: ما أسرّك ما كتمت سرّك.
- وقال بعض الفصحاء: ما لم تغيّبه الأضالع فهو مكشوفٌ ضائعٌ) (٦).
- (وقال الحكماء: ثلاثة لا ينبغي للعاقل أن يقدم عليها: شرب السم للتجربة، وإفشاء السر إلى القرابة والحاسد وإن كان ثقة، وركوب البحر وإن كان فيه غنى.
- ويروى: أصبر الناس من لا يفشي سره إلى صديقه مخافة التقلب يوماً ما.
- وقال بعض الحكماء: القلوب أوعية الأسرار، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل منكم مفاتيح سره) (٧).
- وقَالَ بعض الْحُكَمَاء: من أفشى سره كثر عَلَيْهِ المتآمرون (٨).
- وقال حكيم لابنه: يا بني كن جواداً بالمال في موضع الحق، ضنيناً بالأسرار عن جميع الخلق، فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر، والبخل بمكتوم السر (٩).
- قَالَ بعض البلغاء: إِذا وقفت الرّعية على أسرار الْمُلُوك هان عَلَيْهَا أمرهَا (١٠).
- وقال بعض الحكماء: لا تطلع واحدا من سرّك، إلا بقدر ما لا تجد فيه بدّا من معاونتك (١١).
- وَفِي منثور الحكم: من ضَاقَ صَدره اتَّسع لِسَانه (١٢).
стр. 651
مسائل متفرقة حول إفشاء السر
إفشاء سر الميت:
(قال ابن بطال: الذي عليه أهل العلم أن السر لا يباح به إذا كان على صاحبه منه مضرة وأكثرهم يقول إنه إذا مات لا يلزم من كتمانه ما كان يلزم في حياته إلا أن يكون عليه فيه غضاضة.
قلت -القائل ابن حجر-: الذي يظهر انقسام ذلك بعد الموت إلى ما يباح وقد يستحب ذكره ولو كرهه صاحب السر كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة أو نحو ذلك وإلى ما يكره مطلقا وقد يحرم وهو الذي أشار إليه ابن بطال وقد يجب كأن يكون فيه ما يجب ذكره كحق عليه كان يعذر بترك القيام به فيرجى بعده إذا ذكر لمن يقوم به عنه أن يفعل ذلك) (١).
(ولقد أجاز بعض العلماء إفشاء سر الرجل بعد موته مستدلين بما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ ((أن النبي ﷺ أجلس فاطمة بجواره ثم سارها، فبكت بكاء شديدا، فلما رأى حزنها سارها الثانية، فإذا هي تضحك، فقلت لها أنا من بين نسائه: خصك رسول الله ﷺ بالسر من بيننا، ثم أنت تبكين، فلما قام رسول الله ﷺ سألتها: عما سارك؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله ﷺ سره، فلما توفي، قلت لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني، قالت: أما الآن فنعم، فأخبرتني، قالت: أما حين سارني في الأمر الأول، فإنه أخبرني: أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإني نعم السلف أنا لك قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية، قال: يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة)) (٢).
والحق أن إفشاء سر الرجل بعد موته فيه تفصيل فأحياناً يكون مباحاً وقد يستحب ذكره ولو كرهه صاحب السر، كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة، وأحياناً يجب كحق عليه تعذر القيام به فيذكره لمن يتسنى له القيام به، وأحياناً يكره، وقد يحرم، مثل ما كان به ضرر بصاحب السر أو بعشيرته من بعده) (٣).
إفشاء الغاسل حال الميت:
قال الخطيب الشربيني: (فإن رأى الغاسل من بدن الميت خيراً كاستنارة وجهه وطيب رائحته ذكره ندباً ليكون أدعى لكثرة المصلين عليه والدعاء له أو غيره كأن رأى سوادا أو تغير رائحة أو انقلاب صورة حرم ذكره؛ لأنه غيبة لمن لا يتأتى الاستحلال منه) (٤).
قال النبي ﷺ : ((من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة)) (٥).
صفات أمين السر:
قال الماوردي: (ومن صفات أمين السر أن يكون ذا عقل صاد، ودين حاجز، ونصح مبذول، وود موفور، وكتوماً بالطبع. فإن هذه الأمور تمنع من الإذاعة، وتوجب حفظ الأمانة، فمن كملت فيه فهو عنقاء مغرب) (٦).
صفات من يفشي سر نفسه:
قال الماوردي: (وفي الاسترسال بإبداء السر دلائل على ثلاثة أحوال مذمومة:
إحداها: ضيق الصدر، وقلة الصبر، حتى أنه لم يتسع لسر، ولم يقدر على صبر.
والثانية: الغفلة عن تحذر العقلاء، والسهو عن يقظة الأذكياء. وقد قال بعض الحكماء: انفرد بسرك ولا تودعه حازما فيزل، ولا جاهلا فيخون.
والثالثة: ما ارتكبه من الغدر، واستعمله من الخطر. وقال بعض الحكماء: سرك من دمك فإذا تكلمت به فقد أرقته) (٧).
ضوابط في إفشاء السر:
стр. 652
قال الماوردي: (واعلم أن من الأسرار ما لا يستغنى فيه عن مطالعة صديق مساهم، واستشارة ناصح مسالم. فليختر العاقل لسره أمينا إن لم يجد إلى كتمه سبيلا، وليتحر في اختيار من يأتمنه عليه ويستودعه إياه. فليس كل من كان على الأموال أمينا كان على الأسرار مؤتمنا. والعفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار؛ لأن الإنسان قد يذيع سر نفسه ببادرة لسانه، وسقط كلامه، ويشح باليسير من ماله، حفظا له وضنا به، ولا يرى ما أذاع من سره كبيرا في جنب ما حفظه من يسير ماله مع عظم الضرر الداخل عليه. فمن أجل ذلك كان أمناء الأسرار أشد تعذراً وأقل وجوداً من أمناء الأموال. وكان حفظ المال أيسر من كتم الأسرار؛ لأن إحراز الأموال منيعة وإحراز الأسرار بارزة يذيعها لسان ناطق، ويشيعها كلام سابق) (١).
الحالات التي يجوز فيها إفشاء السر:
لا يجوز إفشاء السر الواجب كتمانه إلا في أحوال محدودة منها:
١ - انقضاء حالة كتمان السر.
٢ - موت صاحب السر – بشرط أن لا يعود عليه بالضرر-.
٣ - أن يؤدي الكتمان إلى ضرر أبلغ من ضرر الإفشاء.
٤ - دفع الخطر (٢).
أكثر من يذيع السر:
قال الجاحظ: (وأكثر ما يذيع أسرار الناس أهلوهم وعبيدهم، وحاشيتهم وصبيانهم، ومن لهم عليهم اليد والسلطان. فالسرّ الذي يودعه خليفة في عامل له يلحقه زينه وشينه، أحرى ألّا يكتمه. وهذا سبيل كل سرّ يستودعه الجلّة والعظماء، ومن لا تبلغه العقوبة ولا تلحقه اللائمة.
وقال سليمان بن داود في حكمته: ليكن أصدقاؤك كثيراً، وصاحب سرّك واحدا من ألف) (٣).
أكثر الأمور عرضة لإفشاء السر:
وإفشاء السرّ إنما يوكّل بالخبر الرائع، والخطب الجليل، والدفين المغمور، والأشنع الأبلق، مثل سرّ الأديان لغلبة الهوى عليها، وتضاغن أهلها بالاختلاف والتضادّ، والولاية والعداوة. ومثل سرّ الملوك في كيد أعدائهم ومكنون شهواتهم ومستور تدبيراتهم، ثم من يليهم من العظماء والجلّة، لنفاسة الملوك على العوامّ، وأنّهم سماء مظلّة عليهم، أعينهم إليها سامية، وقلوبهم بها معلّقة، ورغباتهم ورهباتهم إليها مصروفة. ثم عداوات الإخوان، فإنّما صارت العداوة بعد المودّة أشدّ لاطّلاع الصديق على سرّ صديقه، وإحصائه معايبه، وربّما كان في حال الصّداقة يجمع عليه السّقطات ويحصي العيوب، ويحتفظ بالرّقاع، إرصاداً ليوم النّبوة، وإعداداً لحال الصريمة (٤).
وصية في عدم إفشاء السر:
وصية أمامة بنت الحارث ابنتها أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني لما حان زفافها بعمرو بن حجر ملك كندة، وفيها: (فلا تعصين له أمراً، ولا تفشين له سراً، فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره) (٥).
стр. 653
إفشاء السر في واحة الشعر ..
قال أنس بن أسيد:
ولا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا
فإني رأيت وشاة الرجا ... ل لا يتركون أديماً صحيحاً (١)
وقال أبو الشّيص:
ضع السرّ في صمّاء ليست بصخرة ... صلود كما عاينت من سائر الصّخر
ولكنها قلب امرئ ذي حفيظة ... يرى ضيعة الأسرار هتراً من الهتر
يموت وما ماتت كرائم فعله ... ويبلى وما يبلى نثاه على الدّهر (٢)
وقال محمد بن إسحاق الواسطي:
إذا المرء لم يحفظ سريرة نفسه ... وكان لسر الأخ غير كتوم
فبعداً له من ذي أخ ومودة ... وليس على ود له بمقيم (٣)
وقال قيس بن الخطيم:
وإن ضيّع الإخوان سرّاً فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ائتمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين (٤)
وقال الكريزي:
إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فأنت إذا حملته الناس أضيع
ويضحك في وجهي إذا ما لقيته ... وينهشني بالغيب يوماً ويلسع (٥)
وقال قيس بن الخطيم الأنصاري:
إذا جاوز الاثنين سرا فإنه ... بنثٍّ وتكثير الوشاة قمينُ (٦)
وقال الكريزي:
اجعل لسرك من فؤادك منزلاً ... لا يستطيع له اللسان دخولا
إن اللسان إذا استطاع إلى الذي ... كتم الفؤاد من الشئون وصولا
ألفيت سرك في الصديق وغيره ... من ذي العداوة فاشياً مبذولا (٧)
وقال علي بن محمد البسامي:
تبيح بسرك ضيقاً به ... وتبغي لسرك من يكتم
وكتمانك السر ممن تخاف ... ومن لا تخافنه أحزم
إذا ذاع سرك من مخبر ... فأنت، وإن لمته، ألوم (٨)
وقال آخر:
ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... مني الضلوع من الأسرار والخبر
لكنت أوّل من ينسى سرائره ... إذ كنت من نشرها يوماً على خطر (٩)
وقال عَبْد العزيز بْن سليمان:
إذا ضاق صدر المرء عَن بعض سره ... فألقاه في صدري فصدري أضيق
ومن لامني في أن أضيع سره ... وضيعه قبلي فذو السر أخرق (١٠)
وقال آخر:
إذا المرء أفشى سرّه بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الّذي يستودع السّرّ أضيق (١١)
وقال البغدادي:
صن السر بالكتمان يرضيك غبه ... فقد يظهر المرء المضيع فيندم
فلا تلجئن سراً إلى غير حرزه ... فيظهر حرز السوء مَا كنت تكتم (١٢)
وقال آخر:
لا تودعن ولا الجماد سريرة ... فمن الجوامد ما يشير وينطق
وإذا المحك أذاع سر أخ له ... وهو الجماد فمن به يستوثق (١٣)
وقال المنتصر بْن بلال الأنصاري:
سأكتمه سري وأكتم سره ... ولا غرني أني عَلَيْهِ كريم
حليم فيفشي أو جهول يذيعه ... وما الناس إلا جاهل وحليم (١٤)
وَقَالَ آخَرُ:
ونفسك فاحفظها ولا تفش للعدى ... من السر ما يطوي عليه ضميرها
فما يحفظ المكتوم من سر أهله ... إذا عقد الأسرار ضاع كثيرها
من القوم إلا ذو عفاف يعينه ... على ذاك منه صدق نفس وخيرها (١٥)
وقال آخر:
إذا أنت لم تجعلْ لسركَ جُنَّةً ... تعرَّضتَ أن تُرْوى عليكَ العَجَائِبُ
وقَالَ آخَرُ:
إذا ما ضاق صدرك عن حديثٍ ... فأفشته الرّجال فمن تلوم
إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسرّي عنده فأنا الظّلوم
وإنّي حين أسأم حمل سرّي ... وقد ضمّنته صدري سئوم
ولست محدّثًا سرّي خليلًا ... ولا عرسي إذا خطرت هموم
وأطوي السّرّ دون النّاس إنّي ... لما استودعت من سرّي كتوم (١٦)
وقال الآخر:
فلا تفش سرّك إلا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
فإني رأيت غواة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا ...
стр. 654
معنى البخل والشح لغة واصطلاحاً
معنى البخل لغة:
البُخْلُ والبَخْلُ بالفتح والبَخَلُ بفتحتين والبُخُلُ بضمتين كله بمعنى واحد وقد بَخِلَ بكذا: أي ضن بما عنده ولم يجد, ويقال: هو بخيل وباخل, وجمعه بخلاء, وقولهم (أبْخَلهُ): وَجَدَهُ بخيلاً. وجعله بخيلاً. و (بَخَّلَه): رماه بالبُخْل. وجعله بخيلاً. و (استبخله): عَدَّه بخيلاً. و (البَخَال): الشَّديد: البُخْل) (١).
معنى البخل اصطلاحاً:
قال الراغب الأصفهاني: (البُخْلُ: إمساك المقتنيات عمّا لا يحق حبسها عنه) (٢).
وقال الجرجاني: (البخل هو المنع من مال نفسه) (٣).
وقال ابن حجر: (البخل هو منع ما يطلب مما يقتنى وشره ما كان طالبه مستحقا ولا سيما إن كان من غير مال المسئول) (٤).
معنى الشح لغة واصطلاحا:
معنى الشح لغة:
الشُحُّ: البُخْل مَع حِرْصٍ. تقول: شَحِحْتُ بالكسر تَشَحُّ، وشَحَحْتَ أيضاً تَشُحُّ وتَشِحُّ. ورَجُلٌ شَحيحٌ وقَوْمٌ شِحاحٌ وأَشِحَّةٌ (٥).
معنى الشح اصطلاحا:
قال النووي: (الشح: هو البخل بأداء الحقوق والحرص على ما ليس له) (٦).
وقال الطبري: (الشح: الإفراط في الحرص على الشيء) (٧).
وقال الراغب الأصفهاني: (الشح: بخل مع حرص، وذلك فيما كان عادة) (٨).
стр. 655
الفرق بين البخل والشح
اختلف أهل العلم في البخل والشح, هل هما مترادفان أم لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر, وقد بين الإمام الطيبي ﵀ أن الفرق بينهما عسير جداً (١) وسنعرض هنا بعضاً من أقوال العلماء في الفرق بينهما:
- يرى ابن مسعود ﵁ أن البخل هو البخل بما في اليد من مال أما الشح فهو أن يأكل المرء مال الآخرين بغير حق, فقد قال له رجل: إني أخاف أن أكون قد هلكت قال: وما ذاك قال: إني سمعت الله يقول: وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩] وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء, فقال له ابن مسعود ﵁: ليس ذاك بالشح ولكنه البخل ولا خير في البخل وإن الشح الذي ذكره الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً (٢).
- وفرق ابن عمر بين الشح والبخل فقال: ليس الشحيح أن يمنع الرجل ماله ولكنه البخل وإنه لشر إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له (٣).
- وقيل أنهما مترادفان لهما نفس المعنى (٤).
- (وقيل: البخل الامتناع من إخراج ما حصل عندك. والشح: الحرص على تحصيل ما ليس عندك) (٥).
- وقيل: (الْبُخْلُ مَنْعُ الْوَاجِبِ، وَالشُّحُّ مَنْعُ الْمُسْتَحَبِّ) (٦). وهؤلاء قالوا أن منع المستحب لا يمكن أن يكون بخلاً لعدة أمور:
- أحدها: أن الآية دالة على الوعيد الشديد في البخل، والوعيد لا يليق إلا بالواجب.
- وثانيها: أنه تعالى ذم البخل وعابه، ومنع التطوع لا يجوز أن يذم فاعله وأن يعاب به.
- وثالثها: وهو أنه تعالى لا ينفك عن ترك التفضل لأنه لا نهاية لمقدوراته في التفضل، وكل ما يدخل في الوجود فهو متناه، فيكون لا محالة تاركاً التفضل، فلو كان ترك التفضل بخلاً لزم أن يكون الله تعالى موصوفاً بالبخل لا محالة، تعالى الله عنه علواً كبيراً.
- ورابعها: قال ﵊: ((وأي داء أدوأ من البخل)) (٧) ومعلوم أن تارك التطوع لا يليق به هذا الوصف.
- وخامسها: أنه لو كان تارك التفضل بخيلا لوجب فيمن يملك المال كله العظيم أن لا يتخلص من البخل إلا بإخراج الكل.
- وسادسها: أنه تعالى قال: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣] وكلمة من للتبعيض، فكان المراد من هذه الآية: الذين ينفقون بعض ما رزقهم الله، ثم إنه تعالى قال في صفتهم: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة: ٥] فوصفهم بالهدى والفلاح، ولو كان تارك التطوع بخيلا مذموما لما صح ذلك. فثبت بهذه الآية أن البخل عبارة عن ترك الواجب (٨).
- وقيل: (البخل هو المنع من مال نفسه والشح هو بخل الرجل من مال غيره ... )
- وقيل: (البخل ترك الإيثار عند الحاجة) (٩).
стр. 656
- وقيل: (البخل هو نفس المنع والشح الحالة النفسية التي تقتضي ذلك المنع) (١).
- وقيل أن الشح هو البخل مع زيادة الحرص وهو ما رجحه الإمام القرطبي ﵀ فقال: وقيل: إن الشح هو البخل مع حرص. وهو الصحيح لما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: ((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) (٢). وهذا يرد قول من قال: إن البخل منع الواجب، والشح منع المستحب. إذ لو كان الشح منع المستحب لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم، والذم الشديد الذي فيه هلاك الدنيا والآخرة. ويؤيد هذا المعنى ما رواه النسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري رجل مسلم أبدأ ولا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل مسلم أبدا)) (٣). (٤).
- ويرى ابن القيم أن (الفرق بين الشح والبخل أن الشح هو شدة الحرص على الشيء والإحفاء في طلبه والاستقصاء في تحصيله وجشع النفس عليه والبخل منع إنفاقه بعد حصوله وحبه وإمساكه فهو شحيح قبل حصوله بخيل بعد حصوله فالبخل تمرة الشح والشح يدعو إلى البخل والشح كامن في النفس فمن بخل فقد أطاع شحه ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووقي شره وذلك هو المفلح وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩]) (٥) ..
стр. 657
ترتيب أوصاف البخيل
يقال: رَجُل بخيل، ثُمَّ مُسُك إِذا كانَ شَدِيدَ الإمْسَاكِ لِمالِهِ, ثُمَّ لَحِز إذا كان ضَيِّقَ النَّفْسِ شَدِيدَ البُخْلِ, ثُمّ شَحيحٌ إِذا كانَ مَعَ شِدَةِ بُخْلِهِ حَرِيصاً, ثُمَّ فاحِشٌ إذا كانَ متشدِّداً في بُخْلِهِ، ثُمّ حِلِزٌّ إذا كانَ في نهايَةِ البُخْلِ (١).
стр. 658
ذم البخل والشح في القرآن والسنة
ذم البخل والشح والنهي عنهما في القرآن الكريم:
البخل خلق مكروه ذمَّه الله ﵎ في غير آية من كتابه الكريم, وتوعد أصحابه بوعيد شديد وعقوبات تلحقهم في الدنيا والآخرة وسنذكر بعضاً من تلك الآيات الكريمة.
- قال الله ﵎: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران: ١٨٠].
قال الشيخ السعدي ﵀ في معنى هذه الآية: (أي ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله، من المال والجاه والعلم، وغير ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به، وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خير لهم، بل هو شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم وآجلهم سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ١٨٠] أي: يجعل ما بخلوا به طوقا في أعناقهم، يعذبون به) (١).
- وقال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء: ٣٦، ٣٧]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (قَدْ تُؤُوِّلَتْ فِي الْبُخْلِ بِالْمَالِ وَالْمَنْعِ وَالْبُخْلِ بِالْعِلْمِ وَنَحْوِهِ وَهِيَ تَعُمُّ الْبُخْلَ بِكُلِّ مَا يَنْفَعُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنْ عِلْمٍ وَمَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) (٢).
وقال الشيخ المراغي ﵀: (والمراد بالبخل في الآية البخل بالإحسان الذي أمر به فيما تقدم، فيشمل البخل بلين الكلام وإلقاء السلام والنصح في التعليم وإنقاذ المشرف على التهلكة، وكتمان ما آتاهم الله من فضله يشمل كتمان المال وكتمان العلم) (٣).
- وقال تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحديد: ٢٤]
يقول السعدي: (أي: يجمعون بين الأمرين الذميمين، اللذين كل منهما كاف في الشر البخل: وهو منع الحقوق الواجبة، ويأمرون الناس بذلك، فلم يكفهم بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم، بقولهم وفعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم وتوليهم عنها ... ) (٤).
وقال الزحيلي: (الذين يبخلون عادة بأموالهم، فلا يؤدون حق الله فيها، ولا يواسون بائسا فقيرا، ولا معدما عاجزا، بل إنهم يطلبون من غيرهم إمساك المال، ويحسّنون للناس أن يبخلوا بما يملكون، حتى يجعلوا لهم أشباها وأمثالا. ولكن من يعرض عن الإنفاق وعن أمر الله وطاعته، فإن الله غني عنه، محمود الذات في السماء والأرض عند خلقه، لا يضره ذلك، ولا يضرن البخيل إلا نفسه) (٥).
ذم الشح والنهي عنه في القرآن الكريم.
стр. 659
- قال تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء: ١٢٨]
قال الطبري: (اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معناه: وأحضرت أنفس النساء الشح على أنصبائهن من أنفس أزواجهن وأموالهم ... وقال آخرون: معنى ذلك: وأحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة، الشح بحقه قبل صاحبه ... وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بذلك: أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة. و"الشح": الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها. فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النساء أهواءهن، من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن، والشح بذلك على ضرائرهن) (١).
قال السعدي: (وأحضرت الأنفس الشح أي: جبلت النفوس على الشح، وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا، أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة، وهو بذل الحق الذي عليك؛ والاقتناع ببعض الحق الذي لك. فمتى وفق الإنسان لهذا الخلق الحسن سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر) (٢).
- وقال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩]
قال الطبري: ("ومن يوق شح نفسه " يقول تعالى ذكره: من وقاه الله شح نفسه (فأولئك هم المفلحون) المخلدون في الجنة ... وأما العلماء فإنهم يرون أن الشح في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حق) (٣).
قال ابن كثير: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح) (٤).
قال السعدي: (من رزق الإيثار فقد وقي شح نفسه وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ووقاية شح النفس، يشمل وقايتها الشح، في جميع ما أمر به، فإنه إذا وقي العبد شح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله، ففعلها طائعا منقادا، منشرحا بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محبوبا للنفس، تدعو إليه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شح نفسه، بل ابتلي بالشح بالخير، الذي هو أصل الشر ومادته) (٥).
ذم البخل والشح والنهي عنهما في السنة النبوية:
- عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال)) (٦).
стр. 660
يقول ابن القيم تعليقاً على هذا الحديث: ( ... ثم ذكر الجبن والبخل فإن الإحسان المتوقع من العبد إما بماله وإما ببدنه فالبخيل مانع لنفع ماله والجبان مانع لنفع بدنه ... ) (١).
وقال: (والجبن والبخل قرينان: فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل) (٢).
- وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((ضرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تغشي أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت، وأخذت كل حلقة مكانها قال: فأنا رأيت رسول الله ﷺ ، يقول: بإصبعه في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا توسع)) (٣).
قال الإمام ابن القيم ﵀ تعليقاً على هذا الحديث: (لما كان البخيل محبوسا عن الإحسان ممنوعا عن البر والخير وكان جزاؤه من جنس عمله فهو ضيق الصدر ممنوع من الانشراح ضيق العطن صغير النفس قليل الفرح كثير الهم والغم والحزن لا يكاد تقضى له حاجة ولا يعان على مطلوب فهو كرجل عليه جبة من حديد قد جمعت يداه إلى عنقه بحيث لا يتمكن من إخراجها ولا حركتها وكلما أراد إخراجها أو توسيع تلك الجبة لزمت كل حلقة من حلقها موضعها وهكذا البخيل كلما أراد أن يتصدق منعه بخله فبقي قلبه في سجنه كما هو) (٤).
- وعَن جَابر ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ قال: ((يا بني سلمة من سيدكم قالوا: الجد بن قيس وإنا لنبخله، قال: وأي داء أدوأ من البخل بل سيدكم الخير الأبيض عمرو بن الجموح)) قال: وكان على أضيافهم في الجاهلية قال: وكان يولم على رسول الله ﷺ إذا تزوج (٥).
قال الإمام المناوي: (أَي عيب أقبح مِنْهُ لَأن من ترك الإنفاق خوف الإملاق لم يصدق الشَّارِع فَهُوَ دَاء مؤلم لصَاحبه فِي الْآخِرَة وإن لم يكن مؤلما فِي الدُّنْيَا) (٦).
- وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: ((إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) (٧).
قال النووي: (قوله ﷺ (واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم) قال القاضي يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم سفكوا دماءهم ويحتمل أنه هلاك الآخرة وهذا الثاني أظهر ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة) (٨).
- وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج)) قالوا: يا رسول الله، أيم هو؟ قال: ((القتل القتل)) (٩).
قال ابن حجر: (أما قوله ويلقى الشح فالمراد إلقاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه فيترك التعليم والفتوى ويبخل الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير وليس المراد وجود أصل الشح لأنه لم يزل موجودا) (١٠).
وقال ابن الجوزي: (قوله: "يلقى الشح" على وجهين: أحدهما يلقى من القلوب، يدل عليه قوله: "ويفيض المال". والثاني: يلقى في القلوب فيوضع في قلب من لا شح عنده، ويزيد في قلب الشحيح. ووجه هذا أن الحديث خارج مخرج الذم، فوقوع الشح في القلوب مع كثرة المال أبلغ في الذم) (١١).
стр. 661
أقوال السلف والعلماء في ذم البخل والشح
- قَالَ عَلِيٌّ ﵁: (الْبُخْلُ جِلْبَابُ الْمَسْكَنَةِ، وَرُبَّمَا دَخَلَ السَّخِيُّ بِسَخَائِهِ الْجَنَّةَ) (١).
- وقال طلحة بن عبيد الله ﵁: (إنا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء لكننا نتصبر) (٢).
- وسُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ عَنْ الْبُخْلِ فَقَالَ: هُوَ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ مَا يُنْفِقُهُ تَلَفًا وَمَا يُمْسِكُهُ شَرَفًا (٣).
- وعَن طاووس قال: البخل، أن يبخل الإنسان بما في يديه (٤).
- وقال محمد بن المنكدر: (كان يقال: إذا أراد الله بقوم شراً أمر الله عليهم شرارهم, وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم) (٥).
- وقال أبو حنيفة ﵀: (لا أرى أن أعدل بخيلا لأن البخل يحمله على الاستقصاء فيأخذ فوق حقه خيفة من أن يغبن فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة) (٦).
- وقال بشر بن الحارث: البخيل لا غيبة له قال النبي ﷺ ((إنك إذا لبخيل)) (٧) , ومدحت امرأة عند رسول الله ﷺ فقالوا: ((صوامة قوامة إلا أن فيها بخلاً, قال: فما خيرها إذن؟)) (٨).
- وقال: النظر إلى البخيل يقسي القلب ولقاء البخلاء كرب على قلوب المؤمنين (٩).
- وقال: لَا تُزَوِّجْ الْبَخِيلَ وَلَا تُعَامِلُهُ مَا أَقْبَحَ الْقَارِئَ أَنْ يَكُونَ بَخِيلًا (١٠).
- قالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز: (أف للبخيل .. لو كان البخل قميصاً ما لبسته, ولو كان طريقاً ما سلكته) (١١).
- وقال الشعبي: لا أدري أيهما أبعد غوراً في نار جهنم البخل أو الكذب (١٢).
- قال حبيش بن مبشّر الثّقفيّ الفقيه: قعدت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والنّاس متوافرون فأجمعوا أنّهم لا يعرفون رجلا صالحا بخيلا (١٣).
- وقال يحيى بن معاذ: ما في القلب للأسخياء إلا حب ولو كانوا فجارا وللبخلاء إلا بغض ولو كانوا أبرارا (١٤).
- وقال ابن المعتز أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه (١٥).
- وقال أيضاً: بشّر مال البخيل بحادث أو وارث (١٦).
- وقال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ قَرِينَانِ: فَإِنَّ عَدَمَ النَّفْعِ مِنْهُ إِنْ كَانَ بِبَدَنِهِ فَهُوَ الْجُبْنُ، وَإِنْ كَانَ بِمَالِهِ فَهُوَ الْبُخْلُ (١٧).
- قال الماوردي: (الحرص والشح أصل لكل ذم، وسبب لكل لؤم؛ لأن الشح يمنع من أداء الحقوق، ويبعث على القطيعة والعقوق) (١٨).
стр. 662
حكم البخل
ليس للبخل حكماً واحداً ينطبق على جميع صوره وأنواعه, وإنما لكل صورة من صور البخل حكماً خاصاً بها وإن كان البخل في عمومه مذموماً مكروهاً, يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والبخل جنس تحته أنواع كبائر وغير كبائر) (١).
فإن كان المنع بخلاً بواجب فهو محرم شرعاً بل هو كبيرة من الكبائر توعد الله صاحبها بالعقوبة والعذاب كمن منع الزكاة الواجبة بخلاً بالمال وحرصاً عليه, قال ابن تيمية ﵀: (فإن البخل من الكبائر وهو منع الواجبات: من الزكاة وصلة الرحم، وقرى الضيف، وترك الإعطاء في النوائب، وترك الإنفاق في سبيل الله) (٢).
أما ما كان المنع فيه بمستحب فهذا لا يعتبر صاحبه مرتكباً لكبيرة يستحق عليها العقوبة والوعيد, كمن بخل بالصدقة المستحبة.
стр. 663
آثار البخل والشح
للبخل والشح آثار وأضرار تصيب من اتصف بهما في دنياه وآخرته, فمن ذلك:
١. الحرمان من الأجر المترتب على الإنفاق في أبواب الخير.
٢. سبب في ضعف الإيمان واضمحلاله لما فيه من سوء الظن بالله.
٣. كراهية الناس له, فهو مبغوض مكروه حتى من أقرب الناس إليه كزوجته وأبنائه وأقربائه, بل قد يصل بهم الحد إلى أن يدعوا عليه ويتمنوا موته حتى يستطيعوا التنعم بما حرمهم منه من أموال.
٤. سبب لحرمان الرزق, فكما أن الإنفاق سبب في زيادة الرزق وسعته فإن البخل والشح سبب في تضييقه.
٥. الوقوع في الإثم بسبب منعه لما يجب عليه من حقوق وواجبات.
٦. حرمان البخيل الشحيح لنفسه ولغيره من لذائذ الدُّنيا المباحة.
٧. ومن ضررهما في الدنيا تعريض مال الغني للضياع والنهب والسرقة والأحقاد، وفي عصرنا وغيره ظهور الحملات الشنيعة على الأغنياء المترفين، وانتشار الأفكار والنظريات المسماة بالاشتراكية التي ظهرت لتقويض أركان الرأسمالية (١).
٨. سبب لكشف عيوب المرء, وإظهارها للخلق,
قال شمس الدين السفيري: (والسخاء والكرم سبب لستر العيوب، والبخل والشح سبب جالب لكشفها كما أشار إليه بعضهم بقوله:
ويظهر عيب المرء في الناس بخله ... ويستره عنهم جميعاً سخاؤه
تغط بأثواب السخاء فإنني ... أرى كل عيب فالسخاء غطاؤه) (٢)
٩. الحرص على ملازمة الأسواق لجمع المال والأسواق هي معشش الشياطين (٣).
١٠. البخل صنو لعدد من الأخلاق السيئة التي يجر بعضها بعضاً, كالجهل والحسد وسوء الظن بالله وغيرها من الأخلاق الرديئة, (ولهذا قيل في حد البخل جهل مقرون بسوء الظن) (٤).
١١. والبخل صفة غير لائقة بأهل الإسلام بل هي سجية عرف بها اليهود قديماً وحديثاً, قال الإمام الشوكاني ﵀: (البخل قد لزم اليهود لزوم الظلّ للشمس، فلا ترى يهودياً، وإن كان ماله في غاية الكثرة، إلا وهو من أبخل خلق الله) (٥).
١٢. (البخل محو صفات الإنسانية وإثبات عادات الحيوانية) (٦).
١٣. ما ينتظر البخيل والشحيح من عقاب أخروي وطول حساب, خاصة إذا كان بخله قد أداه إلى عدم تأدية ما فرض الله عليه من زكاة وإنفاق على من تجب نفقتهم عليه.
١٤. إفساد العلاقات بين الناس وإعاقة الصلح بينهم:
قال تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: ١٢٨]
стр. 664
قال السعدي: (اعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضي لذلك ونبه على أنه خير، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان -مع ذلك- قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه. وذكر المانع بقوله: وأحضرت الأنفس الشح أي: جبلت النفوس على الشح، وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا، أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة، وهو بذل الحق الذي عليك؛ والاقتناع ببعض الحق الذي لك. فمتى وفق الإنسان لهذا الخلق الحسن سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب. بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر) (١).
١٥. الشح من صفات المنافقين:
قال تعالى - في وصف المنافقين -: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب: ١٩]
قال الطبري: (إن الله وصف هؤلاء المنافقين بالجبن والشح، ولم يخصص وصفهم من معاني الشح، بمعنى دون معنى، فهم كما وصفهم الله به: أشحة على المؤمنين بالغنيمة والخير والنفقة في سبيل الله، على أهل مسكنة المسلمين) (٢).
١٦. الإنسان الشحيح لاخير فيه ولاعنده:
قوله تعالى أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ قال ابن كثير: (وهم مع ذلك أشحة على الخير، أي: ليس فيهم خير، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير) (٣).
١٧. الشح أسوأ صفات الإنسان:
قوله تعالى أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ قال السعدي: (أشحة على الخير: الذي يراد منهم، وهذا شر ما في الإنسان، أن يكون شحيحا بما أمر به، شحيحا بماله أن ينفقه في وجهه، شحيحا في بدنه أن يجاهد أعداء الله، أو يدعو إلى سبيل الله، شحيحا بجاهه، شحيحا بعلمه، ونصيحته ورأيه) (٤).
١٨. الشح سبب في الهلاك وفساد المجتمع:
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: ((إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) (٥).
١٩. يوقع الإنسان في كبائر الذنوب:
كما مر في الحديث السابق من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: ((إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) (٦).
٢٠. سبب في الخسران في الدنيا والآخرة:
قال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: ٩]
قال السعدي: (لعل ذلك – الوقاية من الشح - شامل لكل ما أمر به العبد، ونهي عنه، فإنه إن كانت نفسه شحيحة، لا تنقاد لما أمرت به، ولا تخرج ما قبلها، لم يفلح، بل خسر الدنيا والآخرة) (٧)
стр. 665
أشد درجات البخل
قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: (وأشد درجات البخل أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك المال، ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشهوة فيمنعه منها البخل. فكم بين من يبخل على نفسه مع الحاجة، وبين ما يؤثر على نفسه مع الحاجة، فالأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء) (١).
стр. 666
صور البخل
للبخل صور شتى ومظاهر متعددة فمن صوره ما يأتي:
١. البخل بالمال والمقتنيات: وهذا بدوره ينقسم إلى أقسام عدة ذكرها الراغب فقال: (البخل ثلاثة:
١. بخل الإنسان بماله
٢. وبخله بمال غيره على غيره
٣. وبخله على نفسه بمال غيره وهو أقبح الثلاثة والباخل بما بيده باخل بمال الله على نفسه وعياله إذ المال عارية بيد الإنسان مستردة ولا أحد أجهل ممن لا ينتقذ نفسه وعياله من العذاب الأليم بمال غيره سيما إذا لم يخف من صاحبه تبعة ولا ملامة والكفالة الإلهية متكفلة بتعويض المنفق، ففي الخبر اللهم اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا ومن وسع وسع الله عليه) (١).
٢. البخل بالنفس: كمن يبخل بنفسه أن يقدمها في سبيل الله رخيصة, وذلك تعلقاً منه بالدنيا وحرصاً عليها, وكراهية الموت, وهو على عكس من يجود بنفسه لإعلاء كلمة الله, ونشر دينه, قال الشاعر:
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أعلى غاية الجود
ونقل ابن القيم ﵀ عن بعض الحكماء أنه قال: (إن الإحسان المتوقع من العبد إما بماله وإما ببدنه فالبخيل مانع لنفع ماله والجبان مانع لنفع بدنه المشهور عند الناس إن البخل مستلزم الجبن من غير عكس لأن من بخل بماله فهو بنفسه أبخل والشجاعة تستلزم الكرم من غير عكس لأن من جاد بنفسه فهو بماله أسمح وأجود) ثم قال ﵀: (وهذا الذي قالوه ليس بلازم أكثره فإن الشجاعة والكرم وأضدادها أخلاق وغرائز قد تجمع في الرجل وقد يعطى بعضها دون بعض وقد شاهد الناس من أهل الإقدام والشجاعة والبأس من هو أبخل الناس وهذا كثيراً ما يوجد في أمة الترك, يكون أشجع من ليث وأبخل من كلب, فالرجل قد يسمح بنفسه, ويضن بماله ولهذا يقاتل عليه حتى يقتل فيبدأ بنفسه دونه فمن الناس من يسمح بنفسه وماله ومنهم من يبخل بنفسه ومنهم من يسمح بماله ويبخل بنفسه وعكسه والأقسام الأربعة موجودة في الناس) (٢).
٣. البخل بالجاه:
فترى صاحب الجاه والمنصب العلي يبخل بالمنفعة التي سيقدمها لمن يحتاجها, فلا يشفع إن طلبت منه الشفاعة, ولا يصلح إن طلب منه الصلح, ولا يسعى في حاجة الضعيف والمسكين وذي الحاجة.
٤. البخل بالعلم:
وهو من أسوأ أنواع البخل وأقبحها, بحيث يكتم صاحب العلم علمه عمن يحتاجه, فلا يعلم ولا ينصح ولا يوجه, قال الله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء: ٣٧].
قال ابن عباس: (هي في أهل الكتاب يقول: يكتمون ويأمرون الناس بالكتمان) (٣).
وقال حضرمي: (هم اليهود بخلوا بما عندهم من العلم وكتموا ذلك).
وقال سعيد بن جبير: (كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئا فعيرهم الله بذلك فأنزل الله الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الآية. وقال: هذا في العلم ليس للدنيا منه شيء) (٤).
وقال الإمام الطبري ﵀: (إِنَّ بُخْلَهُمُ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ إِنَّمَا كَانَ بُخْلاً بِالْعِلْمِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ آتَاهُمُوهُ، فَبَخِلُوا بِتَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ، وَكَتَمُوهُ دُونَ الْبُخْلِ بِالأَمْوَالِ) (٥).
وقال الشيخ السعدي ﵀: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ أي: يمنعون ما عليهم من الحقوق الواجبة. وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ بأقوالهم وأفعالهم وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي: من العلم الذي يهتدي به الضالون ويسترشد به الجاهلون فيكتمونه عنهم، ويظهرون لهم من الباطل ما يحول بينهم وبين الحق. فجمعوا بين البخل بالمال والبخل بالعلم، وبين السعي في خسارة أنفسهم وخسارة غيرهم، وهذه هي صفات الكافرين) (٦).
стр. 667
أسباب الوقوع في البخل والشح
إن للإقتار والبخل أسباباً نذكر منها ما يلي:
٦. ضعف إيمان البخيل وسوء ظنه بالله, فهو يستثقل أمر الإنفاق ويغفل عن تعويض الله له على ما أنفق, كما أنه يغيب عنه أن هذا المال هو مال الله وأنه لم يأت إلى الدُّنيا وبيده شيء منه.
٧. الظلم سبب آخر من أسباب البخل, حيث ينتج عنه تعطيل لحقوق الآخرين.
٨. حب المال والتعلق به يورث هذه الصفة الدنيئة والسجية القبيحة.
٩. ضعف الهمة والزهد في الذكر الحسن.
١٠. الظن بأن البخل نوع من الذكاء والفطنة والتدبير لأمور الدنيا.
١١. الخوف من المستقبل وما سيأتي به, والهلع من الفقر والحاجة التي يعد بها الشيطان الرجيم.
١٢. الخوف على الأبناء وعلى مستقبلهم فالأبناء مبخلة مجبنة كما وصفهم رسول الله ﷺ .
١٣. النشأة والتربية, فقد ينشأ الشخص بين والدين بخيلين أو مجتمع يتصف بالبخل فيتشرب هذه الصفة ممن حوله وتصبح سجية له.
١٤. عدم استشعار ما ينتظر البخيل من العقوبة يوم القيامة.
١٥. الغفلة عن الأجور المترتبة على الإنفاق والبذل والقيام بالحقوق الواجبة.
١٦. حب الشهوات والميل للملذات, ما يجعل البخيل يتصور أنه بإنفاقه سيقتر على نفسه في ملذاته وسيضيق عليها في الشهوات فيحجم عن الإنفاق.
١٧. طول الأمل, والتشبث بالحياة.
стр. 668
الوسائل المعينة على ترك البخل والشح
١. أن يحسن المرء الظن بالله , وليعلم أن الله الذي أمره بالإنفاق قد تكفل له بالزيادة. وقد قيل: (قلة الجود سوء ظن بالمعبود).
٢. الإكثار من الصدقة وإن كان ذلك ثقيلاً على من اتصف بهذه الصفة, وبذلك يعتاد على صفة الكرم والإنفاق قال ابن القيم ﵀: (فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل كالحجام يستخرج منك الدم المهلك) (١).
٣. معرفة أن الإيحاء بالفقر والتخويف منه إنما هو وعد شيطاني, وأن وعد الله هو المغفرة للذنوب وزيادة الفضل يقول الله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦٨].
٤. الاستعاذة بالله من البخل, كما كان يفعل أكرم الخلق وأجودهم ﷺ حيث كان يستعيذ من البخل فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر)) (٢).
٥. معالجة طول الأمل بالإكثار من ذكر الموت والنظر في موت الأقران.
٦. التأمل في حال البخلاء الذين تعبوا في جمع المال والحرص عليه ثم تركهم له يتقاسمه الورثة, وربما استخدموه في غير طاعة الله فكان وبالاً عليهم.
٧. التأمل في الآيات الواردة في ذم البخل, وما أعده الله للمتصفين بهذه الصفة القبيحة.
٨. صرف القلب إلى عبادة المولى ﵎, حتى لا ينشغل بعبادة المال والحرص عليه.
٩. علاج حب الشهوات بالقناعة باليسير والصبر.
١٠. عدم الخوف من المستقبل, ومعرفة أن المستقبل بيد الله إن شاء أغناك وإن شاء أفقرك وإن كنت أحرص الناس.
١١. عدم الخوف على مستقبل الأبناء, والتيقن أن من خلقهم قد خلق أرزاقهم معهم ولن يضيعهم. فكم من ولد لم يرث من والده مالا صار أحسن حالاً ممن ورث الأموال الطائلة.
١٢. علاج القلب بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ومدح السخاء وما توعد الله به البخيل من العقاب العظيم.
١٣. التأمل في أحوال البخلاء ونفرة الطبع منهم وبغض الناس لهم وبقاء الذكر السيئ من بعدهم.
стр. 669
البخل .. في مضرب الأمثال
١ - يقال: أَبْخَلُ مِنْ صَبِيٍّ ومن كَسع: قالوا: هو رجل بَلَغ من بخله أنه كَوَى إسْتَ كلبه حتى لا يَنْبَح فيدل عليه الضيف
٢ - ويقال: أَبْخَلُ مِنَ الضَّنِينِ بِنَائِلِ غَيْرِهِ.
٣ - ويقال: أَبْخَلُ مِنْ ذِي مَعْذِرَة: وهذا مأخوذ من قولهم في مثل آخر: المَعْذِرة طَرَفٌ من البخل
٤ - ويقال: أَبْخَلُ مِنْ كَلْبٍ.
٥ - ويقال: أَبْخَلُ مِنْ مادِرٍ: وهو رجل من بني هِلال بن عامر بن صَعْصَعة وبلغ من بُخْله أنه سقي إبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسَلَح فيه ومَدَر الحوضَ به فسمى مادراً لذلك واسمه مُخَارق (١).
٦ - ويقال: أبخل من أبي حباحب ومن حباحب: قالوا هو رجل من العرب كان لبخله يوقد نارا ضعيفة فإذا أبصرها مستضيء أطفأها (٢).
٧ - ويقال: أَلأم مِنْ رَاضِعِ اللَّبَنِ: هو رجل من العرب كان يَرْضَع اللبنَ من حَلَمة شَاتِهِ ولاَ يحِلُبها مخافَةَ أن يُسْمَع وَقْعُ الحَلَبِ في الإناء فيُطْلَبَ منه (٣).
٨ - ويقال: مَا يَبِضُّ حَجَرُهُ: وهو أدنى ما يكون من السيلان يضرب للمتناهي في البخل (٤).
стр. 670
البخل في أقوال الحكماء
- (قال بعض الحكماء: لا تحمل على نفسك همّ ما لم يأتك، ولا تعدنّ عدة ليس في يديك وفاؤها، ولا تبخلنّ بالمال على نفسك، فكم جامع لبعل حليلته) (١).
- قال بعض الحكماء: مَنْ بَرِئَ مِنْ ثَلَاثٍ نَالَ ثَلَاثًا: مَنْ بَرِئَ مِنْ السَّرَفِ نَالَ الْعِزَّ وَمَنْ بَرِئَ مِنْ الْبُخْلِ نَالَ الشَّرَفَ, وَمَنْ بَرِئَ مِنْ الْكِبْرِ نَالَ الْكَرَامَةَ (٢).
- قال بعض الحكماء: البخيل ليس له خليل (٣).
- وقال آخر: البخيل حارس نعمته، وخازن ورثته (٤).
- وقال آخر: عجبا للبخيل المتعجّل للفقر الّذي منه هرب، والمؤخّر للسّعة الّتي إيّاها طلب، ولعلّه يموت بين هربه وطلبه، فيكون عيشه في الدّنيا عيش الفقراء، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء، مع أنّك لم تر بخيلا إلّا غيره أسعد بماله منه، لأنّه في الدّنيا مهتمّ بجمعه، وفي الآخرة آثم بمنعه، وغيره آمن في الدّنيا من همّه، وناج في الآخرة من إثمه (٥).