← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

صور البخل للبخل صور شتى ومظاهر متعددة فمن صوره ما يأتي: ١. البخل بالمال والمقتنيات: وهذا بدوره ينقسم إلى أقسام عدة ذكرها الراغب فقال: (البخل ثلاثة: ١. بخل الإنسان بماله ٢. وبخله بمال غيره على غيره ٣. وبخله على نفسه بمال غيره وهو أقبح الثلاثة والباخل بما بيده باخل بمال الله على نفسه وعياله إذ المال عارية بيد الإنسان مستردة ولا أحد أجهل ممن لا ينتقذ نفسه وعياله من العذاب الأليم بمال غيره سيما إذا لم يخف من صاحبه تبعة ولا ملامة والكفالة الإلهية متكفلة بتعويض المنفق، ففي الخبر اللهم اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا ومن وسع وسع الله عليه) (١). ٢. البخل بالنفس: كمن يبخل بنفسه أن يقدمها في سبيل الله رخيصة, وذلك تعلقاً منه بالدنيا وحرصاً عليها, وكراهية الموت, وهو على عكس من يجود بنفسه لإعلاء كلمة الله, ونشر دينه, قال الشاعر: يجود بالنفس إن ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أعلى غاية الجود ونقل ابن القيم ﵀ عن بعض الحكماء أنه قال: (إن الإحسان المتوقع من العبد إما بماله وإما ببدنه فالبخيل مانع لنفع ماله والجبان مانع لنفع بدنه المشهور عند الناس إن البخل مستلزم الجبن من غير عكس لأن من بخل بماله فهو بنفسه أبخل والشجاعة تستلزم الكرم من غير عكس لأن من جاد بنفسه فهو بماله أسمح وأجود) ثم قال ﵀: (وهذا الذي قالوه ليس بلازم أكثره فإن الشجاعة والكرم وأضدادها أخلاق وغرائز قد تجمع في الرجل وقد يعطى بعضها دون بعض وقد شاهد الناس من أهل الإقدام والشجاعة والبأس من هو أبخل الناس وهذا كثيراً ما يوجد في أمة الترك, يكون أشجع من ليث وأبخل من كلب, فالرجل قد يسمح بنفسه, ويضن بماله ولهذا يقاتل عليه حتى يقتل فيبدأ بنفسه دونه فمن الناس من يسمح بنفسه وماله ومنهم من يبخل بنفسه ومنهم من يسمح بماله ويبخل بنفسه وعكسه والأقسام الأربعة موجودة في الناس) (٢). ٣. البخل بالجاه: فترى صاحب الجاه والمنصب العلي يبخل بالمنفعة التي سيقدمها لمن يحتاجها, فلا يشفع إن طلبت منه الشفاعة, ولا يصلح إن طلب منه الصلح, ولا يسعى في حاجة الضعيف والمسكين وذي الحاجة. ٤. البخل بالعلم: وهو من أسوأ أنواع البخل وأقبحها, بحيث يكتم صاحب العلم علمه عمن يحتاجه, فلا يعلم ولا ينصح ولا يوجه, قال الله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء: ٣٧]. قال ابن عباس: (هي في أهل الكتاب يقول: يكتمون ويأمرون الناس بالكتمان) (٣). وقال حضرمي: (هم اليهود بخلوا بما عندهم من العلم وكتموا ذلك). وقال سعيد بن جبير: (كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئا فعيرهم الله بذلك فأنزل الله الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الآية. وقال: هذا في العلم ليس للدنيا منه شيء) (٤). وقال الإمام الطبري ﵀: (إِنَّ بُخْلَهُمُ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ إِنَّمَا كَانَ بُخْلاً بِالْعِلْمِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ آتَاهُمُوهُ، فَبَخِلُوا بِتَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ، وَكَتَمُوهُ دُونَ الْبُخْلِ بِالأَمْوَالِ) (٥). وقال الشيخ السعدي ﵀: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ أي: يمنعون ما عليهم من الحقوق الواجبة. وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ بأقوالهم وأفعالهم وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي: من العلم الذي يهتدي به الضالون ويسترشد به الجاهلون فيكتمونه عنهم، ويظهرون لهم من الباطل ما يحول بينهم وبين الحق. فجمعوا بين البخل بالمال والبخل بالعلم، وبين السعي في خسارة أنفسهم وخسارة غيرهم، وهذه هي صفات الكافرين) (٦).

стр. 667

أسباب الوقوع في البخل والشح إن للإقتار والبخل أسباباً نذكر منها ما يلي: ٦. ضعف إيمان البخيل وسوء ظنه بالله, فهو يستثقل أمر الإنفاق ويغفل عن تعويض الله له على ما أنفق, كما أنه يغيب عنه أن هذا المال هو مال الله وأنه لم يأت إلى الدُّنيا وبيده شيء منه. ٧. الظلم سبب آخر من أسباب البخل, حيث ينتج عنه تعطيل لحقوق الآخرين. ٨. حب المال والتعلق به يورث هذه الصفة الدنيئة والسجية القبيحة. ٩. ضعف الهمة والزهد في الذكر الحسن. ١٠. الظن بأن البخل نوع من الذكاء والفطنة والتدبير لأمور الدنيا. ١١. الخوف من المستقبل وما سيأتي به, والهلع من الفقر والحاجة التي يعد بها الشيطان الرجيم. ١٢. الخوف على الأبناء وعلى مستقبلهم فالأبناء مبخلة مجبنة كما وصفهم رسول الله ﷺ . ١٣. النشأة والتربية, فقد ينشأ الشخص بين والدين بخيلين أو مجتمع يتصف بالبخل فيتشرب هذه الصفة ممن حوله وتصبح سجية له. ١٤. عدم استشعار ما ينتظر البخيل من العقوبة يوم القيامة. ١٥. الغفلة عن الأجور المترتبة على الإنفاق والبذل والقيام بالحقوق الواجبة. ١٦. حب الشهوات والميل للملذات, ما يجعل البخيل يتصور أنه بإنفاقه سيقتر على نفسه في ملذاته وسيضيق عليها في الشهوات فيحجم عن الإنفاق. ١٧. طول الأمل, والتشبث بالحياة.

стр. 668

الوسائل المعينة على ترك البخل والشح ١. أن يحسن المرء الظن بالله , وليعلم أن الله الذي أمره بالإنفاق قد تكفل له بالزيادة. وقد قيل: (قلة الجود سوء ظن بالمعبود). ٢. الإكثار من الصدقة وإن كان ذلك ثقيلاً على من اتصف بهذه الصفة, وبذلك يعتاد على صفة الكرم والإنفاق قال ابن القيم ﵀: (فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل كالحجام يستخرج منك الدم المهلك) (١). ٣. معرفة أن الإيحاء بالفقر والتخويف منه إنما هو وعد شيطاني, وأن وعد الله هو المغفرة للذنوب وزيادة الفضل يقول الله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦٨]. ٤. الاستعاذة بالله من البخل, كما كان يفعل أكرم الخلق وأجودهم ﷺ حيث كان يستعيذ من البخل فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر)) (٢). ٥. معالجة طول الأمل بالإكثار من ذكر الموت والنظر في موت الأقران. ٦. التأمل في حال البخلاء الذين تعبوا في جمع المال والحرص عليه ثم تركهم له يتقاسمه الورثة, وربما استخدموه في غير طاعة الله فكان وبالاً عليهم. ٧. التأمل في الآيات الواردة في ذم البخل, وما أعده الله للمتصفين بهذه الصفة القبيحة. ٨. صرف القلب إلى عبادة المولى ﵎, حتى لا ينشغل بعبادة المال والحرص عليه. ٩. علاج حب الشهوات بالقناعة باليسير والصبر. ١٠. عدم الخوف من المستقبل, ومعرفة أن المستقبل بيد الله إن شاء أغناك وإن شاء أفقرك وإن كنت أحرص الناس. ١١. عدم الخوف على مستقبل الأبناء, والتيقن أن من خلقهم قد خلق أرزاقهم معهم ولن يضيعهم. فكم من ولد لم يرث من والده مالا صار أحسن حالاً ممن ورث الأموال الطائلة. ١٢. علاج القلب بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ومدح السخاء وما توعد الله به البخيل من العقاب العظيم. ١٣. التأمل في أحوال البخلاء ونفرة الطبع منهم وبغض الناس لهم وبقاء الذكر السيئ من بعدهم.

стр. 669

البخل .. في مضرب الأمثال ١ - يقال: أَبْخَلُ مِنْ صَبِيٍّ ومن كَسع: قالوا: هو رجل بَلَغ من بخله أنه كَوَى إسْتَ كلبه حتى لا يَنْبَح فيدل عليه الضيف ٢ - ويقال: أَبْخَلُ مِنَ الضَّنِينِ بِنَائِلِ غَيْرِهِ. ٣ - ويقال: أَبْخَلُ مِنْ ذِي مَعْذِرَة: وهذا مأخوذ من قولهم في مثل آخر: المَعْذِرة طَرَفٌ من البخل ٤ - ويقال: أَبْخَلُ مِنْ كَلْبٍ. ٥ - ويقال: أَبْخَلُ مِنْ مادِرٍ: وهو رجل من بني هِلال بن عامر بن صَعْصَعة وبلغ من بُخْله أنه سقي إبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسَلَح فيه ومَدَر الحوضَ به فسمى مادراً لذلك واسمه مُخَارق (١). ٦ - ويقال: أبخل من أبي حباحب ومن حباحب: قالوا هو رجل من العرب كان لبخله يوقد نارا ضعيفة فإذا أبصرها مستضيء أطفأها (٢). ٧ - ويقال: أَلأم مِنْ رَاضِعِ اللَّبَنِ: هو رجل من العرب كان يَرْضَع اللبنَ من حَلَمة شَاتِهِ ولاَ يحِلُبها مخافَةَ أن يُسْمَع وَقْعُ الحَلَبِ في الإناء فيُطْلَبَ منه (٣). ٨ - ويقال: مَا يَبِضُّ حَجَرُهُ: وهو أدنى ما يكون من السيلان يضرب للمتناهي في البخل (٤).

стр. 670

البخل في أقوال الحكماء - (قال بعض الحكماء: لا تحمل على نفسك همّ ما لم يأتك، ولا تعدنّ عدة ليس في يديك وفاؤها، ولا تبخلنّ بالمال على نفسك، فكم جامع لبعل حليلته) (١). - قال بعض الحكماء: مَنْ بَرِئَ مِنْ ثَلَاثٍ نَالَ ثَلَاثًا: مَنْ بَرِئَ مِنْ السَّرَفِ نَالَ الْعِزَّ وَمَنْ بَرِئَ مِنْ الْبُخْلِ نَالَ الشَّرَفَ, وَمَنْ بَرِئَ مِنْ الْكِبْرِ نَالَ الْكَرَامَةَ (٢). - قال بعض الحكماء: البخيل ليس له خليل (٣). - وقال آخر: البخيل حارس نعمته، وخازن ورثته (٤). - وقال آخر: عجبا للبخيل المتعجّل للفقر الّذي منه هرب، والمؤخّر للسّعة الّتي إيّاها طلب، ولعلّه يموت بين هربه وطلبه، فيكون عيشه في الدّنيا عيش الفقراء، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء، مع أنّك لم تر بخيلا إلّا غيره أسعد بماله منه، لأنّه في الدّنيا مهتمّ بجمعه، وفي الآخرة آثم بمنعه، وغيره آمن في الدّنيا من همّه، وناج في الآخرة من إثمه (٥).

стр. 671

البخل والشح في واحة الشعر .. قال الإمام علي بن أبي طالب ﵁: إِذا جادتِ الدنيا عليكَ فجُدْ بها ... على الناسِ طراً إِنها تَتَقَلَّبُ فلا الجودُ يفنيها إِذا هي أقبلتْ ... ولا البخلُ يُبْقيها إِذا هي تَذْهَبُ وقال أيضاً: ما أحسنَ الجودَ في الدنيا وفي الدينِ ... وأقبحَ البخلَ فيمن صيغَ من طينِ ما أحسن الدينَ والدنيا إِذا اجتمعا ... لا باركَ الله في الدنيا بلا دينِ وقال المقنع الكندي: إِني أحرضُ أهلَ البخلِ كلهمُ ... لو كان ينفعُ أهلَ البخلِ تحريضي ما قلَّ مالي إِلا زادني كرماً ... حتى يكونَ برزقِ الله تعويضي والمالُ يرفعُ من لولا دراهمُهُ ... أمس يُقَلِّبُ فينا طرفَ مَخْفوضِ لن تَخْرُجَ البيضُ عفواً من أكفهمُ ... إِلا على وَجَعٍ منهم وتمريضِ كأنها من جلودِ الباخلين بها ... عند النوائبِ تُحْذى بالمقاريضِ وقال آخر: فَلا الْجودُ يُفْنيِ المالَ وَالجَدُّ مُقْبِلٌ ... وَلا الْبُخْلُ يُبْقي المَالَ وَالْجَدُّ مُدْبِرُ (١) وقال إسحاق الموصلي: وآمرةً بالبخلِ قلتُ لها اقْصِري ... فليسَ إِلى ما تأمرينَ سبيلُ أَرى الناسَ خلانَ الجوادِ ولا أرى ... بخيلاً له في العالمينَ خليلُ ومن خَيْرِ حالاتِ الفتى لو علمتِه ... إِذا قالَ شيئاً أن يكونَ ينيلُ فإِني رأيتُ البخلَ يزري بأهِله ... فأكرمْتُ نفسي أن يقالَ بخيلُ عطائي عطاءُ المكثرين تجملاً ... ومالي كما قد تعلمينَ قليلُ وقال عمرو بن الأهتم: ذريني فإِن البخلَ يا أم هيثمٍ ... لصالحِ أَخلاقِ الرجالِ سروقُ لعمركِ ما ضاقَتْ بلادٌ بأهِلها ... ولكن أخلاقَ الرجالِ تَضِيْقُ (٢) وقال ابن الزقاق: لا يُحمدُ البخلُ أن دانَ الأنامُ به ... وحامِدُ البخلِ مذمومُ ومدحورُ وقال الجاحظ: سقامُ الحرصِ ليس له شفاءٌ ... وداءُ البُخْلِ ليس له طبيبُ وقال علي بن ذكوان: أنفِقْ ولا تخشَ إِقلالاً فقد قُسمت ... بينَ العبادِ مع الآجالَ أرزاقُ لا ينفعُ البخلُ مع دنيا موليةٍ ... ولا يضرُ مع الإقبالِ إِنفاقُ وقال عبد الله بن المعتز: أعاذلَ ليس البخلُ مني سجيةً ... ولكن رأيتُ الفقرَ شرَّ سبيلِ لَموتُ الفتى خيرٌ من البخلِ للفتى ... ولَلْبُخْلُ خيرٌ من سؤالِ بخيلِ لعمُركَ ما شيءٌ لوجهِك قيمةٌ ... فلا تلقَ مخلوقاً بوجهِ ذليلِ ولا تسألنْ من كان يسألُ مرةً ... فللموتُ خيرٌ من سؤالِ سؤولِ وقال العثماني: فلا الجودُ يفني المالَ قبل فنائهِ ... ولا البخلُ في مالِ الشحيحِ يزيدُ فلا تلتمسْ مالاً بعيشٍ مقترٍ ... لكلِّ غدٍ رزقٌ يعودُ جديدُ وقال قيس بن الخطيم: وليس بنافعٍ ذا البخلِ مالٌ ... ولا مُزْرٍ بصاحبِه السخاءُ وبعضُ الداءِ ملتمس شِفاهُ ... وداءُ النوكِ ليس له شفاءُ وقال علي بن مقرَّب: كلُّ السيادةِ في السخاءِ ولن ترى ... ذا البخلِ يُدعى في العشيرةِ سيدا وقال دعبل الخزاعي: ألا إِنما الإِنسانُ غمدٌ لقلبهِ ... فلا خيرَ في غِمْدٍ إِذا لم يكن نصلُ ولا خيرَ في وعدٍ إِذا كان كاذباً ... ولا خيرَ في قول إِذا لم يكن فعلُ فإِن تجمعِ الآفاتِ فالبخلُ شَرُّها ... وشَرٌّ من البخلِ المواعيدُ والمطلُ وقال آخر: ويظهر عيب المرء في الناس ... بخله ويستره عنهم جميعا سخاؤه تغط بأثواب السخاء فإنني ... أرى كل عيب فالسخاء غطاؤه (٣) وقال آخر: وهبني جمعت المال ثم خزنته ... وحانت وفاتي هل أزاد به عمرا إذا خزن المال البخيل فإنه ... سيورثه غما ويعقبه وزرا (٤) ...

стр. 672

معنى التجسس لغة واصطلاحاً معنى التجسس لغة: مأخوذ من الْجَسِّ: وهو جَسُّ الخَبَرِ, ومعناه: بحث عنه وفحَصَ، وتَجَسَّسْتُ فلاناً ومن فلان بحثت عنه, والتَّجَسُّسُ بالجيم التفتيش عن بواطن الأُمور وأَكثر ما يقال في الشر، والجاسُوسُ: العَيْنُ يَتَجَسَّسُ الأخبارَ ثم يأتي بها وهو صاحب سِرِّ الشَّر والناموسُ صاحب سرِّ الخير (١). معنى التجسس اصطلاحاً: وقال الزحيلي: (التجسس: البحث عن العورات والمعايب وكشف ما ستره الناس) (٢).

стр. 673

الفرق بين التجسس والتحسس قال أبو هلال العسكري: (الفرق بين التحسس والتجسس: التحسس - بالحاء المهملة -: طلب الشيء بالحاسة, والتجسس - بالجيم - مثله. وفي الحديث: ((لا تحسسوا، ولا تجسسوا)) قيل: معناهما واحد، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف اللفظين كقول الشاعر: متى أدن منه ينأ عني ويبعد. وقيل: التجسس - بالجيم - البحث عن عورات النساء, - وبالحاء - الاستماع لحديث القوم، ويروى أن ابن عباس سئل عن الفرق بينهما فقال: (لا يبعد أحدهما عن الآخر: التحسس في الخير، والتجسس في الشر) (١). قلت: ويؤيده قوله تعالى حكاية عن يعقوب: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ [يوسف: ٨٧]- بالحاء -. على القراءة المشهورة، فإنه كان متوقعا لأن يأتيه الخبر بسلامة يوسف. وقوله سبحانه: وَلَا تَجَسَّسُوا [الحجرات: ١٢]- بالجيم - فإن المنهي عنه البحث عن معائب الناس وأسرارهم التي لا يرضون بإفشائها واطلاع الغير عليها) (٢). وقال بعضهم: (التحسس بالحاء أن تستمع الأخبار بنفسك, وبالجيم أن تتفحص عنها بغيرك) (٣). وقال الترمذي الحكيم: (التحسس يعني بالحاء هو طلب أخباره والفتش عنه شفقة ونصحاً واحتياطاً فتطيب نفسه لطيب أخباره وحسن حاله أو ليرفده إن كان في أمره خلل بنصح واحتياط ومعونة والتجسس أن تفتش عن أخبار مغطية مكروهة أن تعلم بها فتستخرجها بفتشك لهتك الستور والكشف عن العورات والمساوئ) (٤). وقال ابن حبيب: (بالحاء أن تسمع ما يقول أخوك فيك وبالجيم أن ترسل من يسأل لك عما يقال لك في أخيك من السوء) (٥).

стр. 674

ذم التجسس والنهي عنه في القرآن والسنة ذم التجسس والنهي عنه في القرآن الكريم: - نهى الله ﵎ عباده المؤمنين عن التجسس في آية محكمة وصريحة تدل على حرمة هذا الفعل المشين والخصلة المذمومة, وتبين أثرها السيئ على المجتمع المسلم وعلى تماسكه وترابطه فقال ﵎: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات: ١٢]. قال ابن جرير وهو يتحدث عن تفسير هذه الآية: قوله: (ولا تجسسوا) يقول: ولا يتتبع بعضكم عورة بعض، ولا يبحث عن سرائره، يبتغي بذلك الظهور على عيوبه، ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره وبه فاحمدوا أو ذموا، لا على ما لا تعلمونه من سرائره .. ثم ذكر أثر ابن عباس: (نهى الله المؤمن من أن يتتبع عورات المؤمن) (١). وقال الإمام البغوي: (نهى الله تعالى عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم حتى لا يظهر على ما ستره الله منها) (٢). - ومن ذلك قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: ٥٨]. وأي إيذاء أكبر من تتبع عورات الناس, والبحث عن سوءاتهم, والتجسس عليهم, وإظهار ما ستره الله من ذنوبهم. قال الشيخ ابن عثيمين: (التجسس أذية، يتأذى به المتجسس عليه، ويؤدي إلى البغضاء والعداوة ويؤدي إلى تكليف الإنسان نفسه ما لم يلزمه، فإنك تجد المتجسس والعياذ بالله، مرة هنا ومرة هنا، ومرة هنا، ومرة ينظر إلى هذا ومرة ينظر إلى هذا، فقد أتعب نفسه في أذية عباد الله) (٣). - وقال تعالى وهو يتحدث عن المنافقين وعن صفاتهم: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة: ٤٧]. قال مجاهد: معناه وفيكم محبون لهم يؤدون إليهم ما يسمعون منكم، وهم الجواسيس (٤). وقال الإمام القرطبي: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أي عيون لهم ينقلون إليهم الأخبار منكم (٥). ذم التجسس والنهي عنه في السنة النبوية: ولقد شدد رسول الله ﷺ في النهي عن التجسس والتحذير منه, وبين أنه مفسد للأخوة, وسبب في تقطيع الأواصر والصلات, وسبيل إلى إفساد الناس: - فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً)) (٦). قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (التجسس أن لا تترك عباد الله تحت سترها فتتوصل إلى الاطلاع عليهم والتجسس عن أحوالهم وهتك الستر حتى ينكشف لك ما كان مستورا عنك) (٧).

стр. 675

- وعن أبي برزة الأسلمي ﵁: قال رسول الله ﷺ : ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتَبّع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته)) (١). قال صاحب عون المعبود: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه): فيه تنبيه على أن غيبة المسلم من شعار المنافق لا المؤمن, (ولا تتبعوا عوراتهم): أي لا تجسسوا عيوبهم ومساويهم .... (يتبع الله عورته): ذكره على سبيل المشاكلة أي يكشف عيوبه وهذا في الآخرة. وقيل: معناه يجازيه بسوء صنيعه, (يفضحه): أي يكشف مساويه, (في بيته): أي ولو كان في بيته مخفياً من الناس) (٢). - وعن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم)). فقال أبو الدرداء: (كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ نفعه الله تعالى بها) (٣). - وفي رواية أخرى عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أعرضوا عن الناس، ألم تر أنك إن ابتغيت الريبة في الناس أفسدتهم، أو كدت تفسدهم)) (٤). قال الإمام المناوي ﵀: (أي ولوا عن الناس ولا تتبعوا أحوالهم ولا تبحثوا عن عوراتهم ... ألم تعلم أنك إن اتبعت التهمة فيهم لتعلمها وتظهرها أوقعتهم في الفساد أو قاربت أن تفسدهم لوقوع بعضهم في بعض بنحو غيبة أو لحصول تهمة لا أصل لها أو هتك عرض ذوي الهيئات المأمور بإقالة عثراتهم وقد يترتب على التفتيش من المفاسد ما يربو على تلك المفسدة التي يراد إزالتها، والحاصل أن الشارع ناظر إلى الستر مهما أمكن والخطاب لولاة الأمور ومن في معناهم) (٥). - وعن ابن عباس، قال: قال النبي ﷺ : ((من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة، ومن أرى عينيه في المنام ما لم ير كلف أن يعقد شعيرة)) (٦). - وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ وَكَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ وَعَمْرِو بْنِ الأَسْوَدِ وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ وَأَبي أُمَامَةَ عَنِ النبي ﷺ قَالَ ((إِنَّ الأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِى النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ)) (٧). يقول المناوي ﵀: (إن الأمير إذا ابتغى الريبة) أي طلب الريبة أي التهمة في الناس بنية فضائحهم أفسدهم وما أمهلهم وجاهرهم بسوء الظن فيها فيؤديهم ذلك إلى ارتكاب ما ظن بهم ورموا به ففسدوا، ومقصود الحديث حث الإمام على التغافل وعدم تتبع العورات فإن بذلك يقوم النظام ويحصل الانتظام والإنسان قل ما يسلم من عيبه فلو عاملهم بكل ما قالوه أو فعلوه اشتدت عليهم الأوجاع واتسع المجال بل يستر عيوبهم ويتغافل ويصفح ولا يتبع عوراتهم ولا يتجسس عليهم) (٨).

стр. 676

أقوال السلف والعلماء في ذم التجسس - عن ابن عباس في قوله: ولا تجسسوا قال: (نهى الله المؤمن أن يتبع عورات أخيه المؤمن) (١). - وعن أبي قلابة، أن عمر بن الخطاب، حدث أن أبا محجن الثقفي شرب الخمر في بيته هو وأصحابه، فانطلق عمر حتى دخل عليه فإذا ليس عنده إلا رجل واحد، فقال له أبو محجن يا أمير المؤمنين، إن هذا لا يحل لك، قد نهاك الله عن التجسس، فقال عمر: ما يقول هذا؟ فقال زيد بن ثابت وعبد الله بن الأرقم: صدق يا أمير المؤمنين هذا التجسس. قال: فخرج عمر وتركه. (٢). - وعن عبد الرحمن بن عوف أنه حرس مع عمر بن الخطاب ليلة المدينة فبينما هم يمشون شب لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه فلما دنوا منه إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف: أتدري بيت من هذا قال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب فما ترى قال: أرى أن قد أتينا ما نهى الله عنه قال الله: ولا تجسسوا فقد تجسسنا فانصرف عنهم وتركهم (٣). - وعن الشعبي أن عمر بن الخطاب فقد رجلا من أصحابه فقال لابن عوف: انطلق بنا إلى منزل فلان فننظر فأتيا منزله فوجدا بابه مفتوحا وهو جالس وامرأته تصب له في إناء فتناوله إياه فقال عمر لابن عوف: هذا الذي شغله عنا فقال ابن عوف لعمر وما يدريك ما في الإناء فقال عمر: إنا نخاف أن يكون هذا التجسس قال: بل هو التجسس قال: وما التوبة من هذا قال: لا تعلمه بما اطلعت عليه من أمره ولا يكونن في نفسك إلا خير ثم انصرفا (٤). - وعن الحسن ﵁ قال: أتى عمر بن الخطاب رجل فقال: إن فلانا لا يصحوا فدخل عليه عمر ﵁ فقال: إني لأجد ريح شراب يا فلان أنت بهذا فقال الرجل: يا ابن الخطاب وأنت بهذا ألم ينهك الله أن تتجسس فعرفها عمر فانطلق وتركه (٥). - وعن ثور الكندي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يعس بالمدينة من الليل فسمع صوت رجل في بيت يتغنى فتسور عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر فقال: يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته فقال: وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل على أن أكون عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاث، قال الله: ولا تجسسوا وقد تجسست وقال: (وأتوا البيوت من أبوابها) وقد تسورت علي ودخلت علي بغير إذن وقال الله (لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها) قال عمر ﵁: فهل عندك من خير إن عفوت عنك قال: نعم فعفا عنه وخرج وتركه (٦). - وأتي ابن مسعود ﵁ فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمراً فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسس ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به (٧). - وقال مجاهد في قوله: (ولا تجسسوا) قال: (خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله) (٨).

стр. 677

- وقال قتادة في تفسيرها: هل تدرون ما التجسس أو التجسيس؟ هو أن تتبع، أو تبتغي عيب أخيك لتطلع على سره (١). - وقال ابن زيد في تفسيرها أيضاً: قال: حتى أنظر في ذلك وأسأل عنه، حتى أعرف حق هو، أم باطل؟ ; قال: فسماه الله تجسسا، قال: يتجسس كما يتجسس الكلاب (٢). - وقال الحسن: لا تسأل عن عمل أخيك الحسن والسيئ فإنه من التجسس (٣). - وقال أبو حاتم: الواجب على العاقل مباينة العام في الأخلاق والأفعال بلزوم ترك التجسس عن عيوب الناس لأن من بحث عن مكنون غيره بحث عن مكنون نفسه وربما طم مكنونه على ما بحث من مكنون غيره وكيف يستحسن مسلم ثلب مسلم بالشيء الذي هو فيه (٤). - وقال أيضاً: التجسس من شعب النفاق كما أن حسن الظن من شعب الإيمان (٥). - وقال: الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه (٦).

стр. 678

أقسام التجسس وحكم كل قسم: الأصل في التجسس أنه محرم شرعاً منهي عنه بأدلة واضحة صريحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح والأئمة والعلماء, غير أن هناك بعض الصور قد استثناها الشرع الحنيف وأقرها, وتكلم عنها أهل العلم في كتبهم وفصلوا فيها وجعلوا لها ضابطاً مهماً وهو اقتضاء المصلحة للتجسس. وعليه فيمكننا أن نقسم التجسس إلى قسمين: تجسس ممنوع: (ويقصد به تتبع عورات الناس وأسرارهم والكشف عن معائبهم بدافع الفضول وإشباع غريزة حب الاستطلاع دون أن يكون له غرض مباح من جلب منفعة راجحة أو دفع مفسدة متوقعة سواء أكان ذلك بالتطلع أو التنصت والاستماع) (١). وهذا النوع من أنواع التجسس هو الذي نصت الأدلة الواضحة على تحريمه ولم يبح إلا في حالات خاصة سنتكلم عنها في التجسس المشروع، وفيما ذكرنا من الأدلة على تحريمه ما يغني عن إعادتها. قال عبد العزيز بن أحمد المسعود: (إن الأصل في المسلم الطهارة والعفة والبراءة والسلامة من كل شيء مشين ولذا كان الأصل في الإسلام النهي عن التجسس بجميع صوره وأشكاله سواء كان تجسس الفرد على الفرد أو الفرد على الدولة أو الدولة على الدولة لأن التجسس انتهاك لحرمة المسلم وكشف ستره وقد يسبب الحقد والبغض بين أفراد المجتمع المسلم وهذا الذي يرفضه الإسلام جملة وتفصيلاً) (٢). تجسس مشروع: (ويراد به كل تجسس يهدف إلى مصلحة الدولة الإسلامية في تعاملها مع أعدائها أو إلى مصلحة المجتمع الإسلامي بتنقيته وتطهيره من أهل الشر والفساد). وهذا القسم من أقسام التجسس يتفاوت حكمه التكليفي من الوجوب إلى الإباحة حسب ما تقتضيه المصلحة والضرورة, فهناك ما هو تجسس واجب: (وهو ما يكون طريقاً إلى إنقاذ نفس من الهلاك أو القضاء على الفساد الظاهر كاستدراك فوات حرمة من حرمات الله ... ووجه وجوبه أن ذلك من ضمن وسيلة النهي عن المنكر) (٣). وهناك ما هو تجسس مباح وهو ما عدا ذلك من الصور التي استثناها الشرع من التحريم ولا تصل إلى درجة الوجوب كالتجسس على الأعداء لمعرفة عددهم وعتادهم وغيرها.

стр. 679

آثار التجسس الممنوع: ١. أن التجسس مظهر من مظاهر سوء الظن وأثر من آثاره فهو متولد عن صفة مذمومة سيئة نهى عنها الدين الحنيف. يقول محمد الطاهر بن عاشور: (التجسس من آثار الظن لأن الظن يبعث عليه حين تدعو الظان نفسه إلى تحقيق ما ظنه سرا فيسلك طريق التجسس) (١). ٢. والتجسس صورة من صور ضعف الإيمان وضعف التدين وقلة المراقبة, هذا على الجانب الديني أما الأخلاقي والسلوكي فهو يدل على دناءة النفس وخستها, وضعف همتها وانشغالها بالتافه من الأمور عن معاليها وغاياتها. ٣. وهو سبيل إلى قطع الصلات وتقويض العلاقات, وظهور العداء بين الأحبة وبث الفرقة بين الإخوان (فقد يرى المتجسس من المتجسس عليه ما يسوءه فتنشأ عنه العداوة والحقد. ويدخل صدره الحرج والتخوف بعد أن كانت ضمائره خالصة طيبة وذلك من نكد العيش) (٢). ٤. وبالتجسس تنهار القدوات, وتصغر في الأعين القامات وعندها تهون الذنوب وتحقر السيئات, وتفسير ذلك أن المتجسس عليه إذا كان في منزل القدوة؛ واطلع منه على أمر سيئ أو ذنب أو معصية فإنه لا شك سيقل قدره وستتلاشى مكانته ولن يقبل منه نصحاً ولا توجيهاً, بل ربما تهون المعصية التي عملها على المتجسس فيعملها بحجة أن ليس أحسن حالاً من فلان القدوة الذي عملها وتلبس بها. ٥. والتجسس يؤدي إلى فساد الحياة فتصبح مليئة بالشكوك والتخوفات, فلا يأمن الإنسان على خصوصياته من أن تنكشف أو تظهر للناس, بل يعيش المرء في حالة من الشك الذي لا ينتهي وهذا تصديق لقول رسول الله ﷺ لمعاوية ﵁ قال: ((إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم)) (٣). ٦. والتجسس سبيل إلى الكراهية ودافع إلى الانتقام, فإذا علم شخص ما أن فلان يتجسس عليه ويريد أن يهتك ستره ويفضح أمره سعى هو من جانبه إلى التجسس عليه وفضحه وهكذا. يقول ابن عاشور: فـ (إن اطلع المتجسس عليه على تجسس الآخر ساءه فنشأ في نفسه كره له وانثلمت الأخوة ... ، ثم يبعث ذلك على انتقام كليهما من أخيه) (٤). ٧. كما أنه سبيل إلى إشاعة الفاحشة بين المسلمين وانتشار السوء بينهم, وذلك بما يحصل من نشر لما استتر من الفضائح وإظهار لما خفي من السوءات. ٨. وهو دليل بين واضح على سوء الطوية وعن نفاق يعشش في القلب, وأن صاحبه بعيد عن الإيمان وإن ادعاه, قصي عن التقوى وإن تزيا بلباسها، لذا كان نداء رسول الله ﷺ لمن هذه صفته بقوله: ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه ... )) (٥). ٩. أن صاحبه متوعد بالفضيحة وكشف العورة حتى ولو كان في قعر داره, قال رسول الله ﷺ : ((يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتَبّع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته)) (٦). ١٠. ويكفي بالتجسس سوءا أن صاحبه يعرض نفسه لغضب الله واستحقاق العذاب الأليم, هذا في الآخرة, أما في الدنيا فيبقى مكروهاً مبغوضاً من الناس فهو دائماً في محل ريبة, لا يأنسون به ولا يرتاحون بحضوره.

стр. 680

صور التجسس صور التجسس الممنوع: - التجسس على بيوت المسلمين والاطلاع على عوراتهم (بالاستماع من وراء الأبواب أو بالدخول في البيوت على حين غفلة من أهلها أو باستئذان لغرض كاذب كشرب الماء والمقصود غير ذلك .... وكل ذلك لا يجوز في شرع الإسلام) (١). - ومن صوره أيضاً اقتحام البيوت والخلوات بحجة ضبط من فيها متلبسين بالمعصية ولا شك أن هذا مما لا يبيحه الشرع ولا يقبله. وقد قدمنا قصة عمر بن الخطاب ﵁ حينما دخل على أبي محجن ﵁ بعد أن سمع أنه يشرب الخمر في بيته هو وأصحابه, وعندما دخل عليه بين له أبو محجن أن ما يفعله هو من التجسس الذي نهى الله عنه, وأقره على ذلك زيد بن ثابت وعبد الله بن الأرقم فخرج عمر وتركه (٢). - ومن صور التجسس الممنوع التقصي والبحث عن معاص وسيئات اقترفت في الماضي والتجسس على أصحابها لمعرفتها. قال صاحب غذاء الألباب: (ويحرم تجسيس على ما يفسق به في الزمن الماضي أو الفسق الماضي مثل أن يشرب الخمر في الزمن الذي مضى وتبحث عنه أنت بعد مدة لأن ذلك إشاعة للمنكر بما لا فائدة فيه ولا عود على الإسلام وإنما هو عيب ونقص فينبغي كفه ونسيانه دون إذاعته وإعلانه، وإنما يحرم التجسس عن ذلك إن لم يجدد العود عليه والإتيان به ثانيا. فإن عاوده فلا حرمة إذن. قال في الرعاية: ويحرم التعرض لمنكر فعل خفية على الأشهر أو ماض أو بعيد وقيل يجهل فاعله ومحله. وقال أيضا: لا إنكار فيما مضى وفات إلا في العقائد أو الآراء) (٣). - ومن صور التجسس الممنوع استماع المرء إلى حديث قوم وهم له كارهون, فقد تُوُعِّدَ على لسان رسول الله ﷺ بأنه سيصب في أذنه الآنك يوم القيامة بسبب فعلته. فعن ابن عباس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة)) (٤). قال علي بن ذريان في كتابه بهجة الأسماع في أحكام السماع: (ومن هذا الحديث يعلم أن الاستماع لحديث الآخرين بغير رضاهم وإذنهم هو من التجسس المحرم الذي نهى عنه النبي ﷺ وحذر منه, وكفى بترتيب العقوبة المذكورة في الحديث على من يفعل هذا دليلاً على حرمته) (٥). ويدخل في هذه الصورة من صور التجسس التنصت على هواتف الناس ومكالماتهم وهو (يتضمن معنى تسمع حديث قوم أو التجسس عليهم فيكون حكم المسألة هو حكم التجسس ... أو يكون حكمه حكم التسمع إلى حديث قوم وهم كارهون لأن العادة أن الناس لا يريدون أن يطلع على مكالمتهم أحد والذي يتنصت على هواتف الناس بهذا المعنى يدخل تحت الوعيد) (٦).

стр. 681

- ومن صور التجسس الممنوع التجسس على الكافر المسالم خاصة إذا لم يظهر منه ما يدعو للريبة قال محمد معين الدين البصري: (والظاهر عدم الجواز إذا لم يظهر منه الريبة في إرادة الفساد لأمر الله بالقسط معهم قال تعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: ٨] ولأمر رسول الله ﷺ لأسماء ﵂ بصلة رحم أمها تطبيقاً للآية السابقة). - ومن أبشع صور التجسس وأقبحها التجسس على المسلمين لصالح أعداء الدين (فإذا كان التجسس للوقوف على عورات الأفراد ومعائبهم أمراً محرماً فإن التجسس على الأمة الإسلامية لحساب أعدائها أشد حرمة, وأعظم خطراً وضرراً على البلاد والعباد وخيانة لله ورسوله وللأمة وقد تحدث الفقهاء رحمهم الله تعالى على عقوبة من يقوم بهذا العمل الخطير, الذي يعرض الأمة الإسلامية بأكملها لأضرار فادحة قد يستمر أثرها لأمد بعيد محطماً كافة النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة الإسلامية) (١). قال عبد القادر العاني: (ومن أكبر الكبائر وأفظعها التجسس على المسلمين وإفشاء أسرارهم الحربية إلى أعدائهم أو إلى من يوصل إليهم) (٢). وقال محمد الطاهر بن عاشور: (وإذ قد اعتبر النهي عن التجسس من فروع النهي عن الظن فهو مقيد بالتجسس الذي هو إثم أو يفضي إلى الإثم، وإذا علم أنه يترتب عليه مفسدة عامة صار التجسس كبيرة. ومنه التجسس على المسلمين لمن يبتغي الضر بهم ... ) (٣). صور التجسس المشروع: - من صور التجسس المشروع التجسس على أعداء الأمة لمعرفة عددهم وعتادهم (فقد اتفق الفقهاء على أن التجسس والتنصت على الكفار في الحرب مشروع وجائز لمعرفة عددهم، وعتادهم، وما يخططون له، ويدبرون من المكائد للمسلمين، وهو الأمر الذي يكون بعلم الإمام وتحت نظره ومعرفته) (٤). (فالتجسس على أعداء الأمة الإسلامية بتتبع أخبارهم، والاطلاع على مخططاتهم التي يعدونها للقضاء على الأمة الإسلامية، وإثارة الفتنة والقلاقل بين صفوفها، وزعزعة أمنها واستقرارها أمر مشروع، بل قد يكون واجباً في حالة قيام حرب بينهم وبين المسلمين، وقد دل على مشروعيته الكتاب والسنة وعمل الصحابة: فمن الكتاب: عموم قول الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال: ٦٠]. فقد أمرت الآية المسلمين بإعداد ما يستطيعون من قوة لمواجهة الأعداء، ومن أسباب القوة التخطيط السليم، واليقظة والحذر، والتأهب الدائم، لإحباط مخططات الأعداء، ولا شك أن ذلك لا يتم إلا بمعرفة أخبار الأعداء وخططهم، ورصد تحركاتهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فدلت الآية على مشروعية التجسس على الأعداء بكل وسيلة شريفة وطريقة نبيلة). ومن السنة أحاديث كثيرة منها:

стр. 682

- ما ورد أن نعيم بن مسعود ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ في غزوة الخندق، فقال: ((يا رسول الله، مرني بما شئت، فقال رسول الله ﷺ : إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا، فذهب نعيم بن مسعود إلى بني قريظة، وكان لهم نديمهم في الجاهلية وحذرهم: إن هزمت قريش فنجت بنفسها فإنها ستترككم تحت رحمة محمد وصحبه, ونصحهم ألا يطمئنوا لقريش إلا أن يأخذوا الرهائن من السادة والأشراف ثم ذهب إلى قريش وأوهمهم أن بني قريظة نادمة على نقض العهد مع محمد, وقال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم؟ ثم ذهب إلى غطفان وأوهمهم بما أوهم به قريشاً فاستعجلت قريش وعد قريظة لها نصرتها, فكان جوابهم ما يؤكد كلام نعيم بن مسعود من أنهم بيتوا الغدر ونجح نعيم ابن مسعود في الإيقاع بهم وتفريق كلمتهم)) (١). - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يوم الأحزاب من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير أنا ثم قال من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير أنا ثم قال من يأتينا بخبر القوم فقال الزبير أنا ثم قال إن لكل نبي حواريا وإن حواري الزبير)) (٢) .... - وعن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، يزيد أحدهما على صاحبه قالا: ((خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة، قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينا له من خزاعة، وسار النبي ﷺ حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه، قال: إن قريشا جمعوا لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادوك عن البيت، ومانعوك، فقال: أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين، قال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدا لهذا البيت، لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله)) (٣). ... فهذه الأحاديث جميعها تدل على مشروعية جمع المعلومات عن الأعداء وكشف مخططاتهم وذلك بالطرق المشروعة والوسائل الشريفة، وأنه ﵊ كان يتخير لهذه المهمة الأشخاص الذين كان يثق بهم حرصاً منه على صحة المعلومات التي تصله، ودقتها، لكي يبني عليها خططه العسكرية في مواجهة الأعداء) (٤). - ومن صور التجسس المشروع (تتبع المجرمين الخطرين وأهل الريب وقد عده بعض الفقهاء من التجسس المشروع إذا كانت جرائمهم ذات خطر كبير على الأفراد أو على الأمة بأسرها، وغلب على الظن وقوعها بأمارات وعلامات ظاهرة، وذلك كالتجسس على إنسان يغلب على الظن أنه يتربص بآخر ليقتله، أو بامرأة أجنبية ليزني بها، بل قد يكون واجباً إذا خيف فوات تدارك الجريمة بدون التجسس. ورد في نهاية المحتاج: (وليس لأحد البحث والتجسس واقتحام الدور بالظنون، نعم إذا غلب على ظنه وقوع معصية ولو بقرينة ظاهرة كإخبار ثقة جاز له، بل وجب عليه التجسس إن فات تداركها كقتل وزنى، وإلا فلا) (٥).

стр. 683

وذكر القاضي أبو يعلى جوازه في حالة ما إذا كان في تركه انتهاك حرمة يفوت استدراكها، مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلاً خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث، حذراً من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم وارتكاب المحظورات (١). (ويتخرج على هذه المسألة وضع الدولة أجهزة تنصت ومراقبة على أجهزة الاتصال لأشخاص معينين، إن كانت الريبة تدور بهم للإيقاع بهم، ومعرفة صحة الشكوك المنسوبة إليهم، فهذا جائز وفق ما ذكرنا، إن كان بإذن الإمام وتحت نظره وفق المصلحة التي يراها الإمام) (٢). - ومن صور التجسس المشروع تفقد الوالي لأحوال رعيته لمعرفة المظلومين والمحتاجين وتأمين احتياجاتهم إذ هم أمانة في عنق الوالي (٣). ومن أمثلة ذلك: - ما روي عن أسلم ﵁ قال: خرجت ليلة مع عمر إلى حرة واقم، حتى إذا كنا بصرار إذا بنار فقال: يا أسلم هاهنا ركب قد قصر بهم الليل، انطلق بنا إليهم، فأتيناهم فإذا امرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على النار وصبيانها يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء، قالت: وعليك السلام. قال: أدنو؟ قالت: ادن أو دع. فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد. قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: من الجوع. فقال: وأي شيء على النار؟ قالت: ماء أعللهم به حتى يناموا، الله بيننا وبين عمر. فبكى عمر ورجع يهرول إلى دار الدقيق فأخرج عدلا من دقيق وجراب شحم، وقال: يا أسلم احمله على ظهري، فقلت: أنا أحمله عنك. فقال: أنت تحمل وزري يوم القيامة؟ فحمله على ظهره وانطلقنا إلى المرأة فألقي عن ظهره وأخرج من الدقيق في القدر، وألقى عليه من الشحم، وجعل ينفخ تحت القدر والدخان يتخلل لحيته ساعة، ثم أنزلها عن النار وقال: آتيني بصحفة. فأتي بها فغرفها ثم تركها بين يدي الصبيان وقال: كلوا، فأكلوا حتى شبعوا - والمرأة تدعو له وهي لا تعرفه - فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، ثم أوصلهم بنفقة وانصرف، ثم أقبل علي فقال: يا أسلم الجوع الذي أسهرهم وأبكاهم (٤). - وقدم المدينة رفقة من تجار، فنزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن تحرسهم الليلة؟ قال: نعم! فباتا يحرسانهم ويصليان، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لأمه: اتق الله تعالى وأحسني إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءه فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبي فأتى إلى أمه فقال لها: ويحك، إنك أم سوء، ما لي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة من البكاء؟! فقالت: يا عبد الله إني أشغله عن الطعام فيأبى ذلك، قال: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للمفطوم. قال: وكم عمر ابنك هذا؟ قالت: كذا وكذا شهرا، فقال: ويحك لا تعجليه عن الفطام. فلما صلى الصبح وهو لا يستبين للناس قراءته من البكاء. قال: بؤسا لعمر. كم قتل من أولاد المسلمين. ثم أمر مناديه فنادى، لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام. وكتب بذلك إلى الآفاق (٥).

стр. 684

أسباب التجسس الممنوع للتجسس الممنوع عدة دوافع يمكننا أن نذكر منها ما يلي: ١. الفضول المحض: قد يكون الدافع إلى التجسس وتتبع عورات الناس هو الفضول المحض وحب الاستطلاع ومعرفة ما خفي واستتر. ٢. قصد الإيذاء والفضيحة: فيتجسس على الشخص لكي يؤذيه أو يفضحه لغرض في نفسه قد يكون دافعه الحسد أو الكراهية أو غير ذلك من الأمور. ٣. سوء الظن: فالتجسس كما أسلفنا هو أثر من آثار سوء الظن, فإذا ظن شخص بشخص سوءا دفعه ذلك إلى التحقق من ظنه فيعمد إلى التجسس وتتبع العورات. ٤. الانتقام والمعاملة بالمثل: وذلك إذا علم المتجسس عليه أن شخص ما يتتبع عورته ويتجسس على خصوصياته فعند ذلك يدفعه الانتقام إلى التجسس والبحث والتقصي, وخاصة إذا تسبب المتجسس في أذيته وفضحه. ٥. الدافع المادي: بأن يكون مدفوعاً من جهة ما للتجسس والتقصي بمقابل إغراء مادي.

стр. 685

الوسائل المعينة على ترك التجسس لا بد لكل داء من دواء ولكل صفة سيئة من علاج ونذكر من علاج التجسس ما يلي: ١. أن يراقب الله ﵎ قبل كل شيء, ويخشى أليم عقابه, وقوة انتقامه الذي أعده للمتجسسين على عورات الناس, فإن في ذلك زاجر له عن هذه الخلة القبيحة. ٢. أن يترك الإنسان فضوله وحبه للتفتيش والاستطلاع على الآخرين وذلك بأن يشغل نفسه بما يهمه في دنياه وأخراه, ويعلق نفسه بمعالي الأمور ويبعدها عن سفاسفها, ويعمل بحديث رسول الله ﷺ ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (١). ٣. أن ينمي في نفسه الحرص على وحدة المسلمين وترابطهم والخوف من تفككهم وتقطع الأواصر بينهم, فإن هذا يجعله يبتعد عن كل ما يكون سبباً في تهديد هذه الوحدة والترابط سواء كان ذلك السبب هو التجسس أو غيره من الأخلاق السيئة. ٤. أن يتدبر الشخص في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وآثار السلف التي تحذر من هذه الصفة فإن في ذلك رادع قوي وعلاج ناجع. ٥. أن يعرف أن ما يفعله هو أذية للمسلمين بكل المقاييس وأن أذيتهم لا تجوز شرعاً. ٦. أن يخشى المتجسس من الفضيحة التي توعد بها رسول الله ﷺ الذين يتتبعون عورات الناس وأن الله سيفضحهم ولو في قعر دورهم.

стр. 686

التجسس في واحة الشعر .. قال الشاعر: لا تلتمس من مساوي الناس ماستروا ... فيهتك الناس سترا من مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا عيبا بما فيكا (١) وقال آخر: يخرج أسرار الفتى جليسة ... رب امرئ جاسوسه أنيسه (٢) وشكا بعض الملوك تنقيب العوام عن أسرار الملوك فقال: ما يريد الناس منا ... ما ينام الناس عنا لو سكنَّا باطن الأر ... ض لكانوا حيث كنا إنما همهم أن ... ينشروا ما قد دفنا) (٣). ...

стр. 687

معنى الجبن لغة واصطلاحاً معنى الجبن لغة: تقول: (جَبَنَ يَجْبُن وجَبُنَ جُبْناً وجُبُناً وجَبانةً وأَجْبَنَه وجده جَباناً أَو حَسِبَه إياه، والجَبانُ من الرِّجالِ الذي يَهاب التقدُّمَ على كل شيء لَيْلاً كان أَو نهاراً، ... وهو ضِدُّ الشَّجاعة والشُّجاع والأُنثى جَبان مثل حصان ورَزَان وجَبانةٌ ونِساء جَباناتٌ) (١). معنى الجبن اصطلاحاً: هي هيئة حاصلة للقوة الغضبية بها يحجم عن مباشرة ما ينبغي وما لا ينبغي (٢). وقال ابن مسكويه هو: (الخوف مما لا ينبغي أن يخاف منه) (٣). وعرفه الجاحظ بقوله: (هو الجزع عند المخاوف والإحجام عما تحذر عاقبته أو لا تؤمن مغبته) (٤).

стр. 688

ذم الجبن في القرآن والسنة ذم الجبن في القرآن الكريم: ذم الله الجبن في كتابه بنهيه عباده المؤمنين عن الفرار في الجهاد في سبيل الله، قال ابن تيمية: (وما في القرآن من الحض على الجهاد والترغيب فيه وذم الناكلين عنه والتاركين له كله ذم للجبن) (١). - قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:١٦] قال الشوكاني: (نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا لقوهم، وقد دب بعضهم إلى بعض للقتال، فظاهر هذه الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن، وعلى كل حال، إلا حالة التحرف والتحيز) (٢). - ووصف الله سبحانه المنافقين بأنهم جبناء وأنهم لا يصمدون أمام الحروب والمعارك فقال: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:١٩ - ٢٠] قوله: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ (بأبدانهم عند القتال، وبأموالهم عند النفقة فيه، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم. فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نظر المغشي عليه مِنَ الْمَوْتِ من شدة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم، وخوفًا من إجبارهم على ما يكرهون، من القتال. فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ وصاروا في حال الأمن والطمأنينة، سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَة أي: خاطبوكم، وتكلموا معكم، بكلام حديد، ودعاوى غير صحيحة. وحين تسمعهم، تظنهم أهل الشجاعة والإقدام، أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ الذي يراد منهم، وهذا شر ما في الإنسان، أن يكون شحيحًا بما أمر به، شحيحًا بماله أن ينفقه في وجهه، شحيحًا في بدنه أن يجاهد أعداء الله، أو يدعو إلى سبيل الله) (٣). - ووصفهم بأنهم فرَّارون من المعارك فقال: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [الأحزاب:١٣]. ثم بين الله بأنَّ ما يفرون منه سيأتيهم لا محالة فقال: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:١٦]. - وقال أيضاً في حقهم: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:٤]

стр. 689

وقال ابن تيمية: (قد بين الله في كتابه: أن ما يوجبه الجبن من الفرار هو من الكبائر الموجبة للنار، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:١٥ - ١٦] فأخبر أن الذين يخافون العدو خوفاً منعهم من الجهاد منافقون فقال: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ [الأنفال:٥٦ - ٥٧]) (١). ذم الجبن في السنة النبوية: - روى البخاري في صحيحه عن جبير بن مطعم ﵁ أنه بينما هو يسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقفلة من حنين فعلقه الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف النبي ﷺ فقال ((اعطوني ردائي لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا)) (٢). - وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ ، قال لأبي طلحة: ((التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر، فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم، فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل، فكنت أسمعه كثيرا يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين ... )) (٣). - وعن عمر بن الخطاب- ﵁ أنه قال: ((إن النبي ﷺ ، كان يتعوذ من خمس: من البخل، والجبن، وفتنة الصدر، وعذاب القبر، وسوء العمر)) (٤). - وعن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع)) (٥). قال ابن القيم في شرحه للحديث: (هنا أمران أمر لفظي وأمر معنوي فأما اللفظي: فإنه وصف الشح بكونه هالعا والهالع صاحبه وأكثر ما يسمى هلوعا ولا يقال: هالع له فإنه لا يتعدى وفيه وجهان: أحدهما ـ أنه على النسب كقولهم: ليل نائم وشر قائم ونهار صائم ويوم عاصف كله عند سيبويه على النسب أي ذو كذا. والثاني ـ أن اللفظة غيرت عن بابها للازدواج مع خالع وله نظائر

стр. 690

وأما المعنوي: فإن الشح والجبن أردى صفتين في العبد ولا سيما إذا كان شحه هالعا أي ملولة في الهلع وجبنه خالعا أي قد خلع قلبه من مكانه فلا سماحة ولا شجاعة ولا نفع بماله ولا ببدنه كما يقال لا طعنة ولا جفنة ولا يطرد ولا يشرد بل قد قمعه وصغره وحقره ودساه الشح والخوف والطمع والفزع) (١). - وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد، وإنما أنتم ولد آدم، طف الصاع، لم تملؤوه، ليس لأحد فضل إلا بالدين أو عمل صالح، حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيا بخيلا جبانا)) (٢). قال المناوي: (أي يكفيه من الشر والحرمان من الخير والبعد من منازل الأخيار ومقامات الأبرار كونه متصفا بذلك أو ببعضه) (٣). - وعن يعلى العامري ﵁ قال: ((جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي ﷺ فضمهما إليه وقال: إن الولد مبخلة مجبنة)) (٤). (أي: سبب لبخل الأب وجبنه ويحمل أبويه على البخل وكذلك على الجبن فإنه يتقاعد من الغزوات والسرايا بسبب حب الأولاد ويمسك ماله لهم) (٥).

стр. 691

أقوال السلف والعلماء في ذم الجبن - قال عمر بن الخطاب ﵁: (كرم المؤمن تقواه ودينه حسبه ومروءته خلقه والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء فالجبان يفر عن أبيه وأمه والجريء يقاتل عما لا يؤوب به إلى رحله والقتل حتف من الحتوف والشهيد من احتسب نفسه على الله) (١). - (وقالت عائشة ﵂: إن لله خلقا، قلوبهم كقلوب الطير، كلما خفقت الريح خفقت معها، فأفٍّ للجبناء، أفٍّ للجبناء) (٢). - وقال خالد بن الوليد: (حضرت كذا وكذا زحفا في الجاهلية والإسلام وما في جسدي موضع إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف وها أنا ذا أموت على فراشي فلا نامت أعين الجبناء) (٣). - وقال ابن تيمية: (فإن الجميع يتمادحون بالشجاعة والكرم حتى إن ذلك عامة ما يمدح به الشعراء ممدوحيهم في شعرهم وكذلك يتذامون بالبخل والجبن) (٤). - وقال ابن القيم: (والجبن والبخل قرينان لأنهما عدم النفع بالمال والبدن وهما من أسباب الألم لأن الجبان تفوته محبوبات ومفرحات وملذوذات عظيمة لا تنال إلا بالبذل والشجاعة والبخل يحول بينه دونها أيضا فهذان الخلقان من أعظم أسباب الآلام) (٥). - وقال أيضاً: (فإن الإحسان المتوقع من العبد إما بماله وإما ببدنه فالبخيل مانع لنفع ماله والجبان مانع لنفع بدنه المشهور عند الناس أن البخل مستلزم الجبن من غير عكس لأن من بخل بماله فهو بنفسه أبخل) (٦). - (وقيل كتب زياد إلى ابن عباس: أن صف لي الشجاعة والجبن والجود والبخل فكتب إليه: كتبت تسألني عن طبائع ركبت في الإنسان تركيب الجوارح، اعلم أن الشجاع يقاتل عمن لا يعرفه، والجبان يفر عن عرسه، وأن الجواد يعطي من لا يلزمه، وأن البخيل يمسك عن نفسه، وقال الشاعر: يفر جبان القوم عن عرس نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه (٧) - وقالوا: الجبن غريزة كالشجاعة يضعها الله فيمن شاء من خلقه) (٨). (وقال المتنبي: يرى الجبناء أن الجبن حزمٌ ... وتلك خديعة الطبع اللئيم - وقالوا: حد الجبن الضن بالحياة، والحرص على النجاة - وقال هانئ الشيباني لقومه يوم ذي قار يحرضهم على القتال: يا بني بكر هالك معذور، خيرٌ من ناجٍ فرور، المنية، ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، الثغر في ثغور النحور، خير من في الأعجاز والظهور، يا بني بكر قاتلوا، فما من المنايا بدٌ، الجبان مبغض حتى لأمه، والشجاع محببٌ حتى لعدوه) (٩).

стр. 692

آثار ومضار الجبن للجبن والخور أثار سيئة تعود على الجبان نفسه فمنها: ١ - (إهانة النفس وسوء العيش وطمع طبقات الأنذال وغيرهم. ٢ - قلة الثبات والصبر، في المواطن التي يجب فيها الثبات. ٣ - أنه سبب للكسل ومحبة الراحة اللذين هما سببا كل رذيلة. ٤ - الاستحذاء لكل أحد والرضى بكل رذيلة وضيم. ٥ - الدخول تحت كل فضيحة في النفس والأهل والمال. ٦ - سماع كل قبيحة فاحشة من الشتم والقذف واحتمال كل ظلم من كل معامل وقلة الأنفة مما يأنف منه الناس) (١). ٧ - أنه يشك في القَدَر، ويسيء الظن بالله. ٨ - أن ما يوجبه الجبن من الفرار في الجهاد في سبيل الله هو من الكبائر الموجبة للنار.

стр. 693

علاج الجبن الجبن له أسباب تجعل الشخص جبانا، ويلزم في علاجه إزالة علته، وعلتُه: (إما جهل فيزول بالتجربة، وإما ضعف فيزول بارتكاب الفعل المخوف مرة بعد أخرى، حتى يصير ذلك له عادة وطبعاً، ... فالمبتدئ في المناظرة، والإمامة، والخطابة، والوعظ، ... قد تجبن نفسه، ويخور طبعه، ويتلجلج لسانه، وما ذاك إلا لضعف قلبه، ومواجهة ما لم يتعوده، فإذا تكرر ذلك منه مرات، فارقه الضعف، وصار الإقدام على ذلك الفعل ضرورياً غير قابل للزوال، ... واعلم أن قوة النفس والعزم الجازم بالظفر سبب للظفر كما قال علي ﵁ لما قيل له: كيف كنت تصرع الأبطال؟ قال: كنت ألقي الرجل فأقدر أني أقتله، ويقدر هو أيضاً أني أقتله فأكون أنا ونفسه عوناً عليه. ومن وصايا بعضهم: أشعروا قلوبكم في الحرب الجرأة، فإنها سبب الظفر. ومن كلام القدماء: من تهيب عدوه فقد جهز إلى نفسه جيشاً) (١). وقال ابن مسكويه في وسائل علاج الجبن: (وذلك بأن توقظ النفس التي تمرض هذا المرض –مرض الجبن - بالهز والتحريك. فإن الإنسان لا يخلو من القوة الغضبية رأسا حتى تجلب إليه من مكان آخر ولكنها تكون ناقصة عن الواجب فهي بمنزلة النار الخامدة التي فيها بقية لقبول الترويح والنفخ، فهي تتحرك لا محالة إذا حركت بما يلائمها وتبعث ما في طبيعتها من التوقد والتلهب. وقد حكي عن بعض المتفلسفين أنه كان يتعمد مواطن الخوف فيقف فيها ويحمل نفسه على المخاطرات العظيمة بالتعرض لها ويركب البحر عند اضطرابه وهيجانه ليعود نفسه الثبات في المخاوف ويحرك منها القوة التي تسكن عند الحاجة إلى حركتها ويخرجها عن رذيلة الكسل ولواحقه ولا يكره لمثل صاحب هذا المرض بعض المراء والتعرض للملاحاة وخصومة من يأمن غائلته حتى يقرب من الفضيلة التي هي وسط بين الرذيلتين أعني الشجاعة التي هي صحة النفس المطلوبة فإذا وجدها وأحس بها من نفسه كف ووقف ولم يتجاوزها حذرا من الوقوع في الجانب الآخر) (٢).

стр. 694

ما وصف به الجبان وصف الجبان بصفات عديدة فوصف بأنه: (فشل، وهل، هياب، رعديد (١)، رعش، خوار، خرع، ورع، ضرع (٢)، منخوب، ونخيب (٣) وإنه لمنخوب القلب، مخلوع الفؤاد، واهي الجأش (٤)، خوار العود، خرع العود، رخو المعجم، رخو المغمز (٥)، هش المكسر.، وفيه جبن خالع (٦). وإنه لخشل فشل (٧)، وهاع لاع (٨). وهو فرأ (٩) ما يقاتل، وما وراءه إلا الفشل والخور. وهو أجبن من صافر (١٠)، وأجبن من صفرد (١١)، وأجبن من كروان (١٢)، وأجبن من ثرملة (١٣)، وأجبن من رباح (١٤).ويقال رجل قصف، وقصم، إذا كان ضعيفا سريع الانكسار. وقد انخرع الرجل إذا ضعف وانكسر، وضرب بذقنه الأرض إذا جبن وخاف. وورد عليه من الهول ما خلع قلبه، وهزم فؤاده، وزلزل أقدامه، وكسر بأسه، وفل غربه (١٥).وثلم حده، وكسر فوقه (١٦)، وفت في ساعده، وأوهن ساعده (١٧).وقد أحجم عن قرنه (١٨)، ونكل، ونكص، وانخزل، وتقاعس، وتراد، وارتد، وانكفأ. ويقال كهمت فلانا الشدائد إذا جبنته) (١٩).

стр. 695

من أخبار الجبناء - قال أبو الفرج الأصفهاني: (كان أبو حية النميري وهو الهيثم بن الربيع بن زرارة جبانا بخيلا كذابا، قال ابن قتيبة: وكان له سيف يسميه، لعاب المنية، ليس بينه وبين الخشبة فرق، قال: وكان أجبن الناس، قال: فحدثني جار له، قال: دخل ليلة إلى بيته كلب فظنه لصا، فأشرفت عليه، وقد انتضى سيفه وهو واقف في وسط الدار يقول: أيها المغتر بنا، المجترئ علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك، خيرٌ قليل، وسيفٌ صقيل، لعاب المنية الذي سمعت به، مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، اخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك، إني والله إن أدع قيسا إليك لا تقم لها، وما قيس؟ تملأ والله الفضاء خيلا ورجلا، سبحان الله ما أكثرها وأطيبها فبينا هو كذلك، إذا الكلب قد خرج، فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا، وكفانا حربا) (١). - (ولِيمَ بعض الجبناء على جبنه، فقال: أول الحرب شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى) (٢). - (وقال آخر: الحرب مقتلة للعباد، مذهبة للطارف والتلاد. - وقيل لجبان: لم لا تقاتل؟ فقال: عند النطاح يغلب الكبش الأجم. - وقالوا: الحياة أفضل من الموت، والفرار في وقته ظفر. - وقالوا: الشجاع ملقى، والجبان موقى. قال البديع الهمداني: ما ذاق هماً كالشجاع ولا خلا. . . بمسرةٍ كالعاجز المتواني - وقالوا: الفرار في وقته، خير من الثبات في غير وقته. - وقالوا: السلم أزكى للمال، وأبقى لأنفس الرجال). (٣). - وقيل لأعرابي: ألا تعرف القتال؟ فإن الله قد أمرك به، فقال: والله إني لأبغض الموت على فراشي في عافية، فكيف أمضي إليه ركضا، قال الشاعر: تمشي المنايا إلى قومٍ فأبغضها ... فكيف أعدو إليها عاري الكفن (٤) - وقال الفرار السلمي: وفوارسٍ لبستها بفوارس ... حتى إذا التبست أملت بها يدي وتركتهم نقض الرماح ظهورهم ... من بين مقتولٍ وآخر مسند هل ينفعني أن تقول نساؤهم ... وقتلت دون رجالهم لا تبعد - وقال آخر: قامت تشجعني هندٌ فقلت لها ... إن الشجاعة مقرون بها العطب لا والذي منع الأبصار رؤيته ... ما يشتهي الموت عندي من له أرب للحرب قوم أضل الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا - وقيل لجبان في بعض الوقائع: تقدم، فقال: وقالوا: تقدم قلت لست بفاعل ... أخاف على فخارتي أن تحطما فلو كان لي رأسان أتلفت واحدا ... ولكنه رأس إذا زال أعقما وأوتم أولادا وأرمل نسوة ... فكيف على هذا ترون التقدما (٥). - (وقيل لأعرابي: ألا تغزو العدو؟ قال: وكيف يكونون لي عدواً وما أعرفهم ولا يعرفوني؟) (٦). - وقال أيمن بن خريم: إن للفتنة ميطا بينا ... فرويد الميط منهم يعتدل فإذا كان عطاء فأتهم ... وإذا كان قتال فاعتزل إنما يسعرهم جهم لهم ... حطب النار فدعهم تشتعل - وقال أبو دلامة: (كنت مع مروان أيام الضحاك الحروري، فخرج فارس منهم فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم ثان فقتله، ثم ثالث فقتله فانقبض الناس عنه وجعل يدنو ويهدر كالفحل المغتلم. فقال مروان: من يخرج إليه وله عشرة آلاف؟ قال: فلما سمعت عشرة آلاف هانت علي الدنيا وسخوت بنفسي في سبيل عشرة آلاف وبرزت إليه، فإذا عليه فرو قد أصابه المطر فارمعل، ثم أصابته الشمس فاقفعل، وله عينان تتقدان كأنهما جمرتان. فلما رآني فهم الذي أخرجني، فأقبل نحوي وهو يرتجز ويقول:

стр. 696

وخارج أخرجه حب الطمع ... فر من الموت وفي الموت وقع من كان ينوي أهله فلا رجع فلما رأيته قنعت رأسي، ووليت هارباً، ومروان يقول: من هذا الفاضح؟ لا يفتكم، فدخلت في غمار الناس) (١). - (وحكي أن عمرو بن معد يكرب مر بحي من أحياء العرب وإذا هو بفرس مشدود ورمح مركوز وإذا صاحبهما في وهدة من الأرض يقضي حاجته فقال له عمرو خذ حذرك فإني قاتلك لا محالة فالتفت إليه وقال له من أنت قال أبو ثور عمرو بن معد يكرب قال أنا أبو الحرث ولكن ما أنصفتني أنت على ظهر فرسك وأنا في وهدة فأعطني عهدك أن لا تقتلني حتى أركب فرسي وآخذ حذري فأعطاه عهداً على ذلك فخرج من الوهدة التي كان فيها وجلس محتبياً بحمائل سيفه فقال له عمرو ما هذا الجلوس قال ما أنا براكب فرسي ولا مقاتلك فإن كنت نكثت العهد فأنت أعلم ما يلقى الناكث فتركه ومضى وقال هذا أجبن من رأيت) (٢). - ومن الفرارين: (أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. فر يوم مرداء هجر من أبي فديك. فسار من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام، فجلس يوماً بالبصرة فقال: سرت على فرسي المهرجان من البحرين إلى البصرة في ثلاثة أيام. فقال له بعض جلسائه: أصلح الله الأمير، فلو ركبت النيروز لسرت إليها في يوم واحد. فلما دخل عليه أهل البصرة لم يروا كيف يكلمونه ولا ما يلقونه من القول، أيهنئونه أم يعزونه، حتى دخل عليه عبد الله بن الأهتم فاستشرف الناس له وقالوا: ما عسى أن يقال للمنهزم؟ فسلم ثم قال: مرحباً بالصابر المخذول، الذي خذله قومه الحمد لله الذي نظر لنا عليك ولم ينظر لك علينا، فقد تعرضت للشهادة جهدك، ولكن علم الله تعالى حاجة أهل الإسلام إليك فأبقاك لهم بخذلان من معك لك. فقال أمية بن عبد الله: ما وجدت أحداً أخبرني عن نفسي غيرك) (٣).

стр. 697

الأمثال في الجبن ١ - من أمثالهم في الجبن: (إنَّ الجبان حتفه من فوقه أي: أنَّ حذره وجبنه ليس بدافع عنه المنية إذا نزل به قدر الله. قال أبو عبيد: وهذا شبيه المعنى بالذي يحدث به عن خالد بن الوليد، فإنه قال عند موته: " لقد لقيت كذا وكذا زحفاً وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، ثم ها أنذا أموت حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء " قال أبو عبيد: يقول: فما لهم يجبنون عن القتال ولم أمت أنا به، إنما أموت بأجلي. ومنه الشعر الذي تمثل به سعد بن معاذ يوم الخندق: لبث قليلاً يلحق الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل وكذلك قول الأعشى: أبالموت خشتني عباد وإنّما ... رأيت منايا الناس يسعى دليلها) (١) ٢ - (في المثل فلان أَجْبَنُ من المَنزوف ضَرِطاً وأَجبن من المنزوف خَضْفاً: يقال: أَن رجلاً فَزِع فضَرطَ حتى مات. وقال اللحياني: هو رجل كان يدعي الشجاعة فلما رأَى الخيل جعل يَفْعل حتى مات هكذا قال يفعل يعني يَضْرَطُ. وقال ابن بري: هو رجل كان إذا نُبِّه لشُرب الصَّبوح قال هلاَّ نَبَّهْتني لخيل قد أَغارت؟ فقيل له يوما على جهة الاختبار هذه نواصي الخيل فما زال يقول الخيل الخيلَ ويَضْرَط حتى مات) (٢). ٣ - (ومن أمثالهم في عيب الجبان قولهم: كل أزب نفور. المثل لزهير بن جذيمة العبسي، وذلك أنَّ خالد بن جعفر بن كلاب كان يطلبه بذحلٍ، فكان زهير يوماً في إبل له يهنوها ومعه أخوه أسيد بن جذيمة فرأى أسيد خالد بن جعفر قد أقبل ومعه أصحابه، فأخبر زهيراً بمكانهم، فقال له زهير: كأنَّ أزب نفور، وإنما قال له هذا لأنَّ أسيداً كان أشعر، فقال: إنما يكون نفار الأزب من الإبل لكثرة شعره، يكون ذلك على عينيه، فكلما رآه ظن أنه شخص يطلبه فينفر من أجله) (٣). ٤ - (وقولهم: عصا الجبان أطول قال أبو عبيد: وأحسبه إنما يفعل هذا لأنه من فشله يرى أنَّ طولها أشد ترهيباً لعدوه من قصرها) (٤).

стр. 698

الجبن في واحة الشعر .. قال حسان بن ثابت يعير الحارث ابن هشام بفراره يوم بدر: إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام لأحبة لم يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرةٍ ولجامِ ملأت به الفرجين فارمدَّت به ... وثوى أحبته بشر مقامِ ومن أبلغ ما قيل في الجبن من الشعر القديم، قول الشاعر: ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومةً تدعو عبيدا وأرنما ومثله قول عروة بن الورد: وأشجع قد أدركتهم فوجدتهم ... يخافون خطف الطير من كل جانب وقال آخر: ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا وقول أبي تمام: موكلٌ بيفاع الأرض يشرفه ... من خفة الخوف لا من خفة الطربِ وقال ابن الرومي: وفارسٍ أجبن من صفردٍ ... يحول أو يغور من صفره لو صاح في الليل به صائحٌ ... لكانت الأرض له طفره يرحمه الرحمن من جبنه ... فيرزق الجند به النصره (١). وقال المتنبي: وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا وقال آخر: جهلاً علينا وجبناً عن عدُوِكم ... لبئست الخلتانُ الجهلُ والجبن ...

стр. 699

معنى الجدل والمراء لغة واصطلاحاً معنى الجدل لغة واصطلاحاً: معنى الجدل لغة: الجدل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وجادله أي خاصمه مجادلة وجدالاً. والجدل: مقابلة الحجة بالحجة؛ والمجادلة: المناظرة والمخاصمة (١). وقال ابن فارس: الجدالُ: الخصومة؛ سمي بذلك لشدته (٢). معنى الجدل اصطلاحاً: قال الراغب: (الجِدَال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة) (٣). وقال الجرجاني: (الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله: بحجة، أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه) (٤). وقال أيضاً: (الجدال: هو عبارة عن مراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها) (٥).

стр. 700

معنى المراء لغة واصطلاحاً معنى المراء لغة: المراء: الجدال. والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشك والريبة، ويقال للمناظرة مماراة (١). وماريته أماريه مماراة ومراء: جادلته (٢) معنى المراء اصطلاحاً: المراء: هو كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه، والباعث على ذلك الترفع (٣). وقال الجرجاني: (المراء: طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه، من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير) (٤). وقال الهروي: (أَن يسْتَخْرج الرجلُ من مُناظره كلَاما ومعاني الخُصومة وغَيرها) (٥).

стр. 701

ألفاظ مرادفة للجدال قد شاعت بين الناس ألفاظ إن لم تكن واحدة في المفهوم فهي قريبة بعضها من بعض كالمناظرة والمحاورة والمناقشة والمباحثة لأنها ترجع في نهاية أمرها إلى طريقة البيان والتبيين التي أودعها الله في بني الإنسان جبلة وطبعاً، وقد توجد بينها فروق بينتها قواعد الجدل وأدب البحث والمناظرة، إذ يرى البعض أن الجدل يراد منه إلزام الخصم ومغالبته. أما المناظرة: فهي تردد الكلام بين شخصين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه مع رغبة كل منهما في ظهور الحق. والمحاورة: هي المراجعة في الكلام، ومنه التحاور أي التجاوب، وهي ضرب من الأدب الرفيع وأسلوب من أساليبه، وقد ورد لفظ الجدل والمحاورة في موضع واحد من سورة المجادلة في قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما [المجادلة: ١]. وقريب من ذلك المناقشة والمباحثة (١).

стр. 702

الفرق بين الجدال والمراء والحجاج الفرق بين الجدال والحجاج الفرق بينهما أن المطلوب بالحجاج هو ظهور الحجة. والمطلوب بالجدال: الرجوع عن المذهب (١). الفرق بين الجدال والمراء قيل: هما بمعنى. غير أن المراء مذموم، لأنه مخاصمة في الحق بعد ظهوره وليس كذلك الجدال (٢). ولا يكون المراء إلا اعتراضاً بخلاف الجدال فإنه يكون ابتداء واعتراضاً (٣).

стр. 703

ذم الجدال والمراء في القرآن والسنة ذم الجدال والمراء في القرآن الكريم: - قال الله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧]. وعن ابن مسعود في قوله: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ قال: (أن تماري صاحبك حتى تغضبه) (١). وعن ابن عباس: (الجدال المراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك) (٢). وعن ابن عمر: (الجدال المراء والسباب والخصومات) (٣). وقال السدي: قد استقام أمر الحج فلا تجادلوا فيه (٤). وقال الطبري: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: النهي عن أن يجادل المحرم أحداً. ثم اختلف قائلو هذا القول، فقال بعضهم: نهى عن أن يجادل صاحبه حتى يغضبه (٥). - وقال جل شأنه: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ [البقرة: ٢٠٤]. قال العيني: أي: شديد الجدال والخصومة والعداوة للمسلمين (٦). قال مقاتل: يَقُولُ جدلاً بالباطل (٧). وقال الطبري: أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك (٨). - وقال جل في علاه: مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: ٤]. (قال سهل: في القرآن آيتان ما أشدّهما على من يجادل في القرآن، وهما قوله تعالى: مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر: ٤] أي: يماري في آيات الله ويخاصم بهوى نفسه وطبع جبلّة عقله، قال تعالى: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧]، أي: لا مراء في الحج. والثانية: قوله: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: ١٧٦]) (٩). - وقال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ [الحج: ٨]. قال الزجاج: (فالمعنى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم مُتَكَبِّراً) (١٠). وقال البيضاوي: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ في توحيده وصفاته) (١١). وقال الشوكاني: (ومعنى اللفظ: ومن الناس فريق يجادل في الله، فيدخل في ذلك كل مجادل في ذات الله، أو صفاته أو شرائعه الواضحة) (١٢). وقال السعدي: (ومن الناس طائفة وفرقة، سلكوا طريق الضلال، وجعلوا يجادلون بالباطل الحق، يريدون إحقاق الباطل وإبطال الحق، والحال أنهم في غاية الجهل ما عندهم من العلم شيء) (١٣). - وقال جل شأنه: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [العنكبوت: ٤٦]. (قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا ينبغي أن يجادل من آمن منهم، لعلهم أن يحدثوا شيئاً في كتاب الله لا تعلمه أنت، قال: لا تجادلوا، لا ينبغي أن تجادل منهم) (١٤).

стр. 704

وقال السعدي: (ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب، إذا كانت من غير بصيرة من المجادل، أو بغير قاعدة مرضية، وأن لا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه، ورد عن الباطل وتهجينه، بأقرب طريق موصل لذلك، وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق، إلا من ظلم من أهل الكتاب، بأن ظهر من قصده وحاله، أنه لا إرادة له في الحق، وإنما يجادل على وجه المشاغبة والمغالبة، فهذا لا فائدة في جداله، لأن المقصود منها ضائع) (١). - وقال تعالى: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [آل عمران: ٦٦]. قال الطبري: (يعني بذلك جل ثناؤه: ها أنتم: هؤلاء القوم الذين خاصمتم وجادلتم فيما لكم به علم من أمر دينكم الذي وجدتموه في كتبكم، وأتتكم به رسل الله من عنده، وفي غير ذلك مما أوتيتموه، وثبتت عندكم صحته، فلم تحاجون؟ يقول: فلم تجادلون وتخاصمون فيما ليس لكم به علم) (٢). قال الشوكاني: (وفي الآية دليل على منع الجدال بالباطل، بل ورد الترغيب في ترك الجدال من المحق) (٣). وقال السعدي: (وقد اشتملت هذه الآيات على النهي عن المحاجة والمجادلة بغير علم، وأن من تكلم بذلك فهو متكلم في أمر لا يمكن منه ولا يسمح له فيه) (٤). ذم الجدال والمراء في السنة النبوية - فعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: ٥٨])) (٥). قال القاري: (والمعنى ما كان ضلالتهم ووقوعهم في الكفر إلا بسبب الجدال وهو الخصومة بالباطل مع نبيهم، وطلب المعجزة منه عناداً أو جحوداً، وقيل: مقابلة الحجة بالحجة، وقيل: المراد هنا العناد، والمراء في القرآن ضرب بعضه ببعض لترويج مذاهبهم وآراء مشايخهم من غير أن يكون لهم نصرة على ما هو الحق، وذلك محرم لا المناظرة لغرض صحيح كإظهار الحق فإنه فرض كفاية) (٦). وقال المناوي: (أي الجدال المؤدي إلى مراء ووقوع في شك أما التنازع في الأحكام فجائز إجماعاً إنما المحذور جدال لا يرجع إلى علم ولا يقضى فيه بضرس قاطع وليس فيه اتباع للبرهان ولا تأول على النصفة بل يخبط خبط عشواء غير فارق بين حق وباطل) (٧). وقال البيضاوي: (المراد بهذا الجدل العِناد، والمراء والتعصُّب) (٨). - وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ ((إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)) (٩). قال الصنعاني: (أي الشديد المراء أي الذي يحج صاحبه) (١٠).

стр. 705

وقال المهلب: (لما كان اللدد حاملاً على المطل بالحقوق والتعريج بها عن وجوهها، واللي بها عن مستحقيها وظلم أهلها؛ استحق فاعل ذلك بغضة الله وأليم عقابه) (١). وقال النووي: (والألد: شديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي، وهما جانباه لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر وأما الخصم فهو الحاذق بالخصومة والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق أو إثبات باطل) (٢). - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((المراء في القرآن كفر)) (٣). قال البيضاوي: (المراد بالمراء فيه التدارؤ، وهو أن يروم تكذيب القرآن بالقرآن ليدفع بعضه ببعض فيطرق إليه قدحاً وطعناً) (٤). وقال المناوي: (المراد الخوض فيه بأنه محدث أو قديم، والمجادلة في الآي المتشابهة المؤدي ذلك إلى الجحود والفتن وإراقة الدماء؛ فسماه باسم ما يخاف عاقبته وهو قريب من قول القاضي: أراد بالمراء التدارؤ وهو أن يروم تكذيب القرآن بالقرآن ليدفع بعضه ببعض فيتطرق إليه قدح وطعن، ومن حق الناظر في القرآن أن يجتهد في التوفيق بين الآيات والجمع بين المختلفات ما أمكنه (٥). - وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا زعيم ببيت في ربضِ الجنةِ لمن ترك المراء وإن كان مُحقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)) (٦). قال السندي: (ومن ترك المراء: أي الجدال خوفاً من أن يقع صاحبه في اللجاج الموقع في الباطل) (٧).
следующие страницы →