سوء الظن في واحة الشعر ..
قال أبو الطيب:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم (١)
وقال الشاعر:
وإني بها في كل حال لواثق ... ولكن سوء الظن من شدة الحب (٢)
وقال ابن القيم:
فلا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل
ولا تظنن بنفسك قط خيرا ... فكيف بظالم جان جهول
وقل: يا نفس مأوى كل سوء ... أترجو الخير من ميت بخيل
وظن بنفسك السوأى ... تجدها كذاك وخيرها كالمستحيل
وما بك من تقى فيها وخير ... فتلك مواهب الرب الجليل
وليس لها ولا منها ولكن ... الرحمن فاشكر للدليل (٣)
وقال الشاعر:
وحسن الظن يحسن في أمور ... ويمكن في عواقبه ندامه
وسوء الظن يسمج في وجوه ... وفيه من سماجته حزامه
وقال بلعاء بن قيس:
وأبغى صواب الظنّ أعلم أنّه ... إذا طاش ظنّ المرء طاشت مقادره (٤) ...
стр. 807
معنى الطمع لغة واصطلاحاً:
معنى الطمع لغة:
طمع: طَمِعَ طَمَعاً فهو طامِعٌ، وأطْمعَهُ غيره، وإنه لطَمِعٌ: حريص (١).
وطَمَعاً وطماعة صَار كثير الطمع ... والطمع الأمل والرجاء وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِيمَا يقرب حُصُوله، الطماع: الْكثير الطمع (٢).
معنى الطمع اصطلاحاً:
قال الرّاغب: (نزوع النّفس إلى الشّيء شهوة له) (٣).
وقال المناويّ: (الطّمع تعلّق البال بالشّيء من غير تقدّم سبب له) (٤).
وقال العضد: (الطّمع ذلّ ينشأ من الحرص والبطالة والجهل بحكمة الباري) (٥).
مرادفات الطمع:
ومن مرادفات الطمع: الحرص، والجشع، والشَره، والرتع (٦).
стр. 808
الفرق بين الطمع وبعض الصفات
الفرق بين الحرص والطمع:
قيل: الحرص أشد الطمع، وعليه جرى قوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ [البقرة: ٢٨٦].
لأن الخطاب فيه للمؤمنين. وقوله - سبحانه -: إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ [النحل: ٣٧]، فإن الخطاب فيه مقصور على النبي صلى الله عليه وآله. ولا شك أن رغبته صلى الله عليه وآله في إسلامهم وهدايتهم كان أشد، وأكثر من رغبة المؤمنين المشاركين له في الخطاب الأول في ذلك (١).
الفرق بين الأمل والطمع:
قيل: أكثر ما يستعمل الأمل فيما يستبعد حصوله، فإن من عزم على سفر إلى بلد بعيد يقول: (أملت الوصول إليه) ولا يقول: (طمعت) إلا إذا قرب منه، فإن الطمع لا يكون إلا فيما قرب حصوله. وقد يكون الأمل بمعنى الطمع (٢).
الفرق بين الرجاء والطمع:
أن الرجاء هو الظن بوقوع الخير الذي يعتري صاحبه الشك فيه إلا أن ظنه فيه أغلب وليس هو من قبيل العلم، والشاهد أنه لا يقال أرجو أن يدخل النبي الجنة لكون ذلك متيقناً.
ويقال أرجو أن يدخل الجنة إذا لم يعلم ذلك.
والرجاء الأمل في الخير والخشية والخوف في الشر لأنهما يكونان مع الشك في المرجو والمخوف ولا يكون الرجاء إلا عن سبب يدعو إليه من كرم المرجو أو ما به إليه، ويتعدى بنفسه تقول رجوت زيداً والمراد رجوت الخير من زيد لأن الرجاء لا يتعدى إلى أعيان الرجال.
والطمع ما يكون من غير سبب يدعو إليه فإذا طمعت في الشيء فكأنك حدثت نفسك به من غير أن يكون هناك سبب يدعو إليه، ولهذا ذم الطمع ولم يذم الرجاء، والطمع يتعدى إلى المفعول بحرف فتقول طمعت فيه كما تقول فرقت منه وحذرت منه واسم الفاعل طمع مثل حذر وفرق ودئب؛ إذا جعلته كالنسبة، وإذا بنيته على الفعل قلت طامع (٣).
الفرق بين الطمع والرجاء والأمل:
الطمع يقارب الرجاء، والأمل. لكن الطمع أكثر ما يقال فيما يقتضيه الهوى.
والأمل والرجاء قد يكونان فيما يقتضيه الفكر والروية.
ولهذا أكثر ذم الحكماء للطمع، حتى قيل الطمع طبع، والطمع يدنس الثياب، ويفرق الإهاب (٤).
الْفرق بَين التوقع والطمع:
أن التوقع: هو انتظار شيء وقع أو قرب وقوعه.
والطمع: هو إرادة شيء بعد وقوعه (٥).
стр. 809
ذم الطمع في القرآن والسنة
ذم الطمع والنهي عنه في القرآن الكريم
- قال تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [البقرة: ٤١].
قال السدي: لا تأخذوا طمَعًا قليلا وتكتُموا اسمَ الله، وذلك الثمن هو الطمع (١).
وعن قتادة،، قال: (أنبأكم الله بمكانهم من الطمع) (٢).
- وقال جل في علاه: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [ص: ٢٤].
قال عبد القادر العاني: لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ: بسائق الطمع والحرص وحب التكاثر بالأموال التي تميل بذويها إلى الباطل إن لم يتولّهم الله بلطفه (٣).
ذم الطمع والنهي عنه في السنة النبوية:
- عن كعب بن مالك الأنصاري عن النبي ﷺ : ((ما ذئبان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)) (٤).
قال القاري: (والمعنى أن حرص المرء عليهما أكثر فساداً لدينه المشبه بالغنم لضعفه بجنب حرصه من إفساد الذئبين للغنم) (٥).
وقال المناوي: (فمقصود الحديث أن الحرص على المال والشرف أكثر إفساداً للدين من إفساد الذئبين للغنم؛ لأن ذلك الأشر والبطر يستفز صاحبه ويأخذ به إلى ما يضره، وذلك مذموم لاستدعائه العلو في الأرض والفساد المذمومين شرعا) (٦).
- وعن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب، ﵁ يقول: قد كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالاً، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال رسول الله ﷺ : ((خذه، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك)) (٧).
قال القاري: (قال الطيبي: الإشراف الاطلاع على شيء والتعرض له، والمقصود منه الطمع، أي: والحال أنك غير طامع له (ولا سائل فخذه) أي: فاقبله وتصدق به إن لم تكن محتاجاً (وما لا) أي: وما لا يكون كذلك بأن لا يجيئك هنالك إلا بتطلع إليه واستشراف عليه، (فلا تتبعه نفسك) من الإتباع بالتخفيف، أي: فلا تجعل نفسك تابعة له ولا توصل المشقة إليها في طلبه) (٨).
- وعن أبي بن كعب، قال: إن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال: فقرأ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب البينة: ١ قال: فقرأ فيها: ولو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه، لسأل ثانيا ولو سأل ثانيا فأعطيه، لسأل ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذلك الدين القيم عند الله الحنيفية، غير المشركة، ولا اليهودية، ولا النصرانية، ومن يفعل خيرا، فلن يكفره)) (٩).
стр. 810
قال ابن بطال: (وأشار ﷺ بهذا المثل إلى ذم الحرص على الدنيا والشره على الازدياد منها؛ ولذلك آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا والقناعة والكفاف فراراً من التعرض لما لا يعلم كيف النجاة من شر فتنته، واستعاذ النبي ﷺ من شر فتنة الغنى، وقد علم كل مؤمن أن الله تعالى قد أعاذه من شر كل فتنة، وإنما دعاؤه بذلك ﷺ تواضعاً لله وتعليماً لأمته، وحضاً لهم على إيثار الزهد في الدنيا) (١).
- وعن عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً فله ما نوى)) (٢).
قال الطيبي: (هو مبالغة في قطع الطمع عن الغنيمة، بل ينبغي أن يكون خالصاً لله تعالى غير مشوب بأغراض دنيوية) (٣).
- وعن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ – ((أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قرب ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين فيكم تبع لا يبغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل أو الكذب. والشنظير: الفحاش)) (٤).
قال القاري: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه: هو إغراق في وصف الطمع، والخيانة تابعة له، والمعنى أنه لا يتعدى عن الطمع، ولو احتاج إلى الخيانة، ولهذا قال الحسن البصري: الطمع فساد الدين والورع صلاحه) (٥).
- وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((اتقوا الظلم فإن الظلم؛ ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) (٦).
قال ابن عثيمين: ثم قال ﷺ : ((واتقوا الشح)) يعني الطمع في حقوق الغير. اتقوه: أي احذروا منه، واجتنبوه (٧).
стр. 811
أقوال السلف والعلماء في ذم الطمع
- قال عمر بن الخطّاب- ﵁: (تعلمن أنّ الطّمع فقر، وأنّ اليأس غنى) (١).
- وقال عليّ- ﵁: (أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع) (٢).
- وقال أيضاً: (ما الخمر صرفاً بأذهب لعقول الرّجال من الطّمع) (٣).
- وقال أيضاً: (الطامع في وثاق الذل) (٤).
- وعنه أيضاً: (الطمع رق مؤبد) (٥).
- وقال أيضاً: (إياك أن ترجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة) (٦).
- وقال ابن عباس: (قلوب الجهال تستفزها الأطماع، وترتهن بالمنى، وتستغلق) (٧).
- واجتمع كعب وعبد الله بن سلام، فقال له كعب: (يا ابن سلام: من أرباب العلم؟ قال: الّذين يعملون به. قال: فما أذهب العلم عن قلوب العلماء بعد أن علموه؟ قال: الطّمع، وشره النّفس، وطلب الحوائج إلى النّاس) (٨).
- وقال الحسن البصري: (صلاح الدين الورع وفساده الطمع) (٩).
- (واجتمع الفضيل وسفيان وابن كريمة اليربوعي فتواصوا، فافترقوا وهم مجمعون على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند الطمع) (١٠).
- وقال وهب بن منبه: (الكفر أربعة أركان، فركن منه الغضب، وركن منه الشهوة، وركن منه الخوف، وركن منه الطمع) (١١).
- وقال الوراق: (لو قيل للطمع: من أبوك؟ قال: الشك في المقدور. ولو قيل: ما حرفتك؟ قال: اكتساب الذل. ولو قيل ما غايتك: قال الحرمان) (١٢).
- وقال المأمون: (صدق والله أبو العتاهية، ما عرفت من رجل قط حرصاً ولا طمعاً فرأيت فيه مصطنعاً) (١٣).
- (وقال الحرالي: والطمع تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب له فينبغي للعالم أن لا يشين علمه وتعليمه بالطمع ولو ممن يعلمه بنحو مال أو خدمة وإن قل، ولو على صورة الهدية التي لولا اشتغاله عليه لم يهدها) (١٤).
- وقال أيضاً: (والطمع يشرب القلب الحرص، ويختم عليه بطابع حب الدنيا، وحب الدنيا مفتاح كل شر وسبب إحباط كل خير) (١٥).
- وقال ابن خبيق الأنطاكي: من أراد أن يعيش حرا أيام حياته فلا يسكن الطمع قلبه (١٦).
- وقال بكر بن عبد الله: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون نقي الطمع، نقي الغضب (١٧).
- وقال هزال القريعي: مفتاح الحرص الطمع، ومفتاح الاستغناء الغنى عن الناس، واليأس مما في أيديهم (١٨).
стр. 812
أنواع الطمع
والطمع نوعان هما:
١ - الطمع المحمود:
- الطمع في طلب مغفرة الله للإنسان.
- الطمع في دخول الجنة.
- الطمع في كرم الله.
٢ - الطمع المذموم:
- الطمع في طلب الدنيا وجمع المال.
- الطمع في سلطة أو منصب.
- الطمع في المأكل والمشرب والملذات.
стр. 813
آثار ومضار الطمع
١ - ينتشر في المجتمع ويصبح خلقاً متوارثاً بين الناس.
٢ - الانشغال الدائم والتعب الذي لا ينقطع.
٣ - انعدام مبدأ البذل والتضحية والإيثار بين أفراد المجتمع.
٤ - دليل على سوء الظن بالله.
٥ - دليل على ضعف الثقة بالله، وقلة الإيمان.
٦ - طريق موصل إلى النار.
٧ - يجعل صاحبه حقير في عيون الآخرين.
٨ - يذل أعناق الرجال.
٩ - يشعر النفس بفقر دائم مهما كثر المال.
١٠ - يعمي الإنسان عن الطريق المستقيم.
١١ - يعود على صاحبه بالخسران في الدنيا والآخرة.
١٢ - يمحق البركة.
١٣ - ينشر العداوة والكراهية وعدم الثقة بين أفراد المتجمع.
١٤ - ينشر الفوضى في المجتمع ويزعزع أمنه.
١٥ - ينقص من قدر الفرد ولا يزيد في رزقه.
١٦ - يؤدي إلى السمعة والرياء في الدين.
١٧ - يؤدي إلى الظلم والاضطهاد إذا كان الطامع من أصحاب النفوذ.
١٨ - يؤدي إلى الغش والكذب.
١٩ - يؤدي إلى زيادة الأسعار واحتكار البضائع مما يلحق الضرر بالمجتمع.
٢٠ - يؤدي بالفرد إلى ارتكاب الذنوب والمعاصي.
стр. 814
الأسباب المؤدية إلى الطمع
١ - الجهل بالآثار السيئة للطمع.
٢ - حب الدنيا وكراهية الموت.
٣ - ضعف الإيمان.
٤ - عدم الاهتمام بتزكية النفس وتهذيبها.
٥ - الانجراف وراء المغريات من أموال ومناصب وغيرها.
٦ - مجالسة أهل الطمع ومصاحبتهم.
٧ - نشوء الفرد في مجتمع فاسد غير ملتزم بتعاليم الدين الحنيف.
стр. 815
الوسائل المعينة على ترك الطمع
١. الاهتمام بتهذيب النفس وترويضها على الصبر في الطاعات.
٢. التأمل في العواقب الوخيمة التي تنتج عن الطمع.
٣. التأمل في نعم الله الكثيرة والمختلفة، وشكره عليها.
٤. التحلي بالورع عند الميل إلى الطمع.
٥. التسليم بقضاء الله وقدره.
٦. الطمع في الجنة وما عند الله من نعيم في الدار الآخرة.
٧. اللجوء إلى الله والاستعانة به في الابتعاد عن الطمع.
٨. مجاهدة النفس وتعويدها على القناعة والتعفف.
٩. مطالعة سير السلف وأحوال الصالحين.
١٠. العلم بأن الإنسان لن يأخذ من رزقه أكثر مما كُتِب له، مهما طمع وحرص على الدنيا.
١١. أن يعلم بأنَّ الدنيا دنيئة وحقيرة.
١٢. معرفة أن القناعة طمأنينة للقلب وراحة للنفس.
١٣. نشر العلم بين أفراد المجتمع والقضاء على الجهل.
١٤. النظر إلى من هو أدنى في أمور الدنيا؛ كالفقراء والمبتلين والمرضى.
١٥. اليقين بأن الإنسان لن يموت حتى يستكمل رزقه.
١٦. تذكر الموت والدار الآخرة.
١٧. مجالسة ومصاحبة القنوع.
١٨. إخراج الزكاة والصدقة والإنفاق في وجوه الخير.
стр. 816
مسائل متفرقة حول الطمع
- وصية في التحذير من الطمع:
قال سعد بن أبي وقاص ﵁: (يا بني إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة فإنها مال لا ينفذ، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وعليك بالإياس مما في أيدي الناس فإنك لا تيأس من شيء إلا أغناك الله عنه) (١).
- ما قيل في الطمع:
قال بعض العارفين: (الطمع طمعان: طمع يوجب الذل لله، وهو إظهار الافتقار وغايته العجز والانكسار وغايته الشرف والعز والسعادة الأبدية، وطمع يوجب الذل في الدارين، أي وهو المراد هنا وهو رأس حب الدنيا، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، والخطيئة ذل وخزي، وحقيقة الطمع أن تعلق همتك وقلبك وأملك بما ليس عندك فإذا أمطرت مياه الآمال على أرض الوجود، وألقي فيها بذر الطمع بسقت أغصانها بالذل ومتى طمعت في الآخرة وأنت غارق في بحر الهوى ضللت وأضللت) (٢).
وقال بعضهم: من أراد أن يعيش حرّا أيّام حياته فلا يسكن قلبه الطّمع (٣).
وأراد رجل أن يقبل يد هشام بن عبد الملك فقال: لا تفعل، فإنما يفعله من العرب الطمع، ومن العجم الطبع (٤).
وقال بعضهم: الحرص ينقص قدر الإنسان، ولا يزيد في رزقه (٥).
وكان يقال: (حين خلق الله آدم عجن بطينته ثلاثة أشياء: الحرص، والطمع، والحسد. فهي تجري أولاده إلى يوم القيامة، فالعاقل يخفيها، والجاهل يبديها، ومعناه أن الله تعالى خلق شهوتها فيه) (٦).
وقيل: (الطمع ثلاثة أحرف كلها مجوفة فهو بطن كله فلذا صاحبه لا يشبع أبداً) (٧).
- أشعب والطمع:
قيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأثرد.
وقال لآخر: لم تقل هذا إلا وفي قلبك خبر ...
وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال: نعم، امرأتي، كل شيء ظنناه فهي تتيقنه. وقال: شاة لي كانت على السطح فأبصرت قوس قزح فحسبتها حبلاً من قتّ، فوثبت إليها فطاحت، فاندق عنقها.
وكان يقعد إلى الطبّاق فيقول: وسع، وسع، فعسى يهدي إلي من يشتريه. وقال: ما رأيت أطمع مني إلا كلباً تبعني على مضغ العلك فرسخاً (٨).
قال المدائني: (كان سالم بن عبد الله يستخفّ أشعب، ويمازحه، ويضحك منه كثيراً، ويحسن إليه. فقال له ذات يوم: أخبرني عن طمعك يا أشعب، فقال: نعم، قلت لصبيان مجتمعين: إن سالماً قد فتح باب صدقة عمر، فامضوا إليه حتى يطعمكم تمراً، فمضوا. فلما غابوا عن بصري، وقع في نفسي أن الذي قلت لهم حق، فتبعتهم.
وقال أيضاً: مر أشعب برجل يعمل زِبيلاً، فقال له: أحب أن توسعه، قال: لمَ ذاك؟ قال: لعل الذي يشتريه منك يهدي إلي فيه شيئاً.
وقال بعض الرواة: قيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما تناجى اثنان قط إلا ظننت أنهما يأمران لي بشيء ...
وقال أيضاً: تعلق أشعب بأستار الكعبة، وسأل الله أن يخرج الحرص من قلبه. فلما انصرف، مر بمجالس قريش، فسألهم، فما أعطاه أحد منهم شيئاً. فرجع إلى أمه فقالت له: يا بني كيف جئتني خائباً. فقال: إني سألت الله أن يخرج الحرص من قلبي. فقالت: ارجع يا بني، فاستقله ذاك. قال أشعب: فرجعت، فتعلقت بأستار الكعبة وقلت: يا رب، كنت سألتك أن تخرج الطمع من قلبي، فأقلني. ثم مررت بمجالس قريش فسألتهم فأعطوني. ووهب لي رجل غلاماً. فجئت إلى أمي بحمار موقر من كل شيء، وبغلام، فقالت لي: ما هذا الغلام؟ فأشفقت من أن أقول: وهب لي، فتموت فرحاً، فقلت: غينٌ، فقالت: وما غينٌ؟ قلت: لامٌ، قالت: وما لامٌ؟ قلت: ألفٌ، قالت: وما ألفٌ؟ قلت: ميمٌ، قالت: وما ميمٌ؟ قلت: وُهِب لي غُلامٌ. فغشي عليها من الفرح، ولو لم أقطِّع الحروف لماتت) (٩).
ويقال كان ثلاثة نفر في العرب في عصر واحد؛ أحدهم آية في السخاء وهو حاتم الطائي، والثاني آية في البخل وهو أبو حباحب، والثالث آية في الطمع وهو أشعب، كان طماعاً، وكان من طمعه إذا رأى عروساً تزف إلى موضع جعل يكنس باب داره لكي تدخل داره وكان إذا رأى إنساناً يحك عنقه فيظن أنه ينزع القميص ليدفعه إليه (١٠).
- حكم وأمثال في الطمع
- هو أطمع من أشعب (١١).
- قطع أعناق الرجال المطامعُ.
ويقال: (مصارع الرجال تحت بروق المطامع). يضرب في ذم الطمع والجشع (١٢).
- عتود عند الفزع، ذئب عند الطمع (١٣).
стр. 817
الطمع في واحة الشعر ..
قال سابق البربري:
يخادع ريب الدهر عن نفسه الفتى ... سفاهاً وريب الدهر عنها يخادعه
ويطمع في سوف ويهلك دونها ... وكم من حريص أهلكته مطامعه (١)
وقال آخر:
حسبي بعلمي إن نفع ... ما الذّلّ إلّا في الطّمع
من راقب الله نزع ... عن سوء ما كان صنع
ما طار طير فارتفع ... إلا كما طار وقع (٢)
قال أبو العتاهية:
لقد لعبت وجدّ الموت في طلبي ... وإنّ في الموت لي شغلا عن اللّعب
لو شمّرت فكرتي فيما خلقت له ... ما اشتدّ حرصي على الدّنيا ولا طلبي (٣)
وقال أيضاً- رحمه الله تعالى-:
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذلّ الحرص أعناق الرّجال
هب الدّنيا تقاد إليك عفوا ... أليس مصير ذلك للزّوال (٤)
وقال جابر بن أحمد الشيباني:
كل ابن أنثى مخلد إلى طمع ... ما ضاق أمر ضيّق إلّا اتسع (٥)
وقال سابق البربريّ:
يخادع ريب الدّهر عن نفسه الفتى ... سفاها وريب الدّهر عنها يخادعه
ويطمع في سوف ويعلم دونها ... وكم من حريص أهلكته مطامعه (٦)
وقال الحلّاج عند قتله عليه من الله ما يستحقّ:
طلبت المستقرّ بكلّ أرض ... فلم أر لي بأرض مستقرّا
أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أنّي قنعت لكنت حرّا (٧)
وقال ثابت بن قطنة:
لا خير في طمع يهدي إلى طبع ... وغفّة من قوام العيش تكفيني (٨)
وقال آخر:
لا تغضبين على امرئ ... لك مانع ما في يديه
وأغضب على الطمع الذي ... استدعاك تطلب ما لديه (٩)
وقال عليّ بن عبد العزيز القاضي الجرجانيّ:
ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّما ... بدا طمع صيّرته لي سلّما
وما كلّ برق لاح لي يستفزّني ... ولا كلّ من لاقيت أرضاه منعما
إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظّما
أنهنهها عن بعض ما لا يشينها ... مخافة أقوال العدا فيم أو لما؟
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلّة؟ ... إذا فاتّباع الجهل قد كان أحزما
ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النّفوس لعظّما
ولكن أهانوه فهان ودنّسوا ... محيّاه بالأطماع حتّى تجهّما (١٠)
وقال آخر:
يا جامعا مانعا والدهر يرمقه ... مقدرا أي باب منه يغلقه
مفكرا كيف تأتيه منيته ... أغاديا أم بها يسري فتطرقه
جمعت مالا فقل لي هل جمعت له ... يا جامع المال أياما تفرقه
المال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلا يوم تنفقه
أرفه ببال فتى يغدو على ثقة ... أن الذي قسم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون مايدنسه ... والوجه منه جديد ليس يخلقه
إن القناعة من يحلل بساحتها ... لم يبق في ظلها هم يؤرقه (١١)
وقال آخر:
لا تغضبنّ على امرئ ... لك مانع ما في يديه
واغضب على الطّمع الّذي ... استدعاك تطلب ما لديه (١٢)
وقال الحادرة الذّبيانيّ:
إنّا نعفّ فلا نريب حليفنا ... ونكفّ شحّ نفوسنا في المطمع (١٣)
وقال آخر:
قد يصبر الحر لا يدنو إلى طمع ... فكم من هوى قد ضر بالجموع (١٤)
وقال آخر:
стр. 818
من كان يرجو بقاء لا نفاد له ... فلا يكن عرض الدنيا له شجنا (١)
وقال آخر:
لا تخضعن لمخلوق على طمع ... فإن ذاك مضر منك بالدين
واسترزق الله مما في خزائنه ... فإنما هي بين الكاف والنون (٢)
قال الحادرة:
إنا نعف ولا نريب حليفنا ... ونكف شح نفوسنا في المطمع (٣)
وقال آخر:
إذا حكى لي طمع راحة ... قلت له: الراحة في اليأس
وإصلاح ما عندي وترقيعه ... أفضل من مسألة الناس (٤)
وقال آخر:
ومن يطلب الأعلى من العيش لم يزل ... حزينا على الدنيا رهين غبونها
إذا شئت أن تحيا سعيدا فلا تكن ... على حالة إلا رضيت بدونها (٥)
وقال آخر:
إذا أنت لم تأخذ من الناس عصمة ... تشد بها من راحتيك الأصابع
شربت بريق الماء حيث وجدته ... على كدر واستعبدتك المطامع
وإني لأبلي الثوب، والثوب ضيق ... وأترك فضل الثوب والثوب أوسع (٦)
قال أبو جعفر الأموي شيخ أهل الحجاز لأعرابي من عذرة:
عليك بتقوى الله واقنع برزقه ... فخير عباد الله من هو قانع
ولا تلهك الدنيا ولا طمع بها ... فقد أهلك المغرور فيها المطامع
وصبرا على نوبات ما ناب واعترف ... فما يستوي عبد صبور وجازع
ألم تر أهل الصبر يجزوا بصبرهم ... بما صبروا والله راء وسامع
ومن لم يكن في نعمة الله عنده ... سوى ما حوت يوما عليه الأضالع
فقد ضاع في الدنيا وخيب سعيه ... وليس لرزق ساقه الله مانع (٧)
وقال بعضهم:
رأيت مخيلة فطمعت فيها ... وفي الطمع المذلة للرقاب (٨)
وقال آخر:
العبد حر إن قنع ... والحر عبد إن قنع
فاقنع ولا تقنع فما ... شيء يشين سوى الطمع (٩)
وقال آخر:
اللؤم والذل والضراعة والفا ... قة في أصل أذن من طمعا (١٠)
وقال آخر:
يا ويح من جعل المطامع قائداً ... يقتاده نحو الرّدى بزمام
من كان قائده المطامع لم يفز ... يوما بعيش مسرة وسلام (١١)
وقال الأصمعي:
وما زلت أسمع أن العقو ... ل مصارعها بين أيدي الطمع (١٢)
أنشد العتبي الرشيد:
النفس تطمع والأسباب عاجزة ... والنفس تهلك بين اليأس والطمع (١٣) ...
стр. 819
الظلم
• معنى الظلم لغة واصطلاحاً.
• الفرق بين الظلم ومترادفاته.
• النهي عن الظلم في القرآن والسنة.
• أقوال السلف والعلماء في ذم الظلم.
• أقسام الظلم.
• آثار ومضار الظلم.
• صور الظلم.
• نصر المظلوم.
• رد المظالم.
• التحذير من دعوة المظلوم.
• الانتصار من الظالم.
• معاونة الظالم على ظلمه.
• هل للظالم توبة؟.
• قصص في الظلم ... عبر وعظات.
• الظلم في واحة الشعر ....
• ثم ماذا ... ؟.
стр. 820
معنى الظلم لغة واصطلاحاً
معنى الظلم لغة:
يقال ظَلَمَه يَظْلِمُهُ ظَلْماً وظُلْماً ومَظْلِمةً فالظَّلْمُ مَصْدرٌ حقيقيٌّ والظُّلمُ الاسمُ يقوم مَقام المصدر وهو ظالمٌ وظَلوم ... وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه (١).
معنى الظلم اصطلاحاً:
هو: (وضع الشيء في غير موضعه المختص به؛ إما بنقصان أو بزيادة؛ وإما بعدول عن وقته أو مكانه،) (٢).
وقيل: (هو عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل وهو الجور. وقيل: هو التصرف في ملك الغير ومجاوزة الحد) (٣).
стр. 821
الفرق بين الظلم ومترادفاته
الفرق بين الجور والظلم:
(الجور خلاف الاستقامة في الحكم، وفي السيرة السلطانية تقول جار الحاكم في حكمه والسلطان في سيرته إذا فارق الاستقامة في ذلك، والظلم ضرر لا يستحق ولا يعقب عوضا سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما ألا ترى أن خيانة الدانق والدرهم تسمى ظلما ولا تسمى جورا فإن أخذ ذلك على وجه القهر أو الميل سمي جورا وهذا واضح، وأصل الظلم نقصان الحق، والجور العدول عن الحق من قولنا جار عن الطريق إذا عدل عنه وخلف بين النقيضين فقيل في نقيض الظلم الانصاف وهو إعطاء الحق على التمام، وفي نقيض الجور العدل وهو العدول بالفعل إلى الحق) (١).
الفرق بين الغشم والظلم:
(أن الغشم كره الظلم وعمومه توصف به الولاة لأن ظلمهم يعم، ولا يكاد يقال غشمني في المعاملة كما يقال ظلمني فيها وفي المثل وال غشوم خير من فتنة تدوم، وقال أبو بكر: الغشم اعتسافك الشيء، ثم قال يقال غشم السلطان الرعية يغشمهم، قال الشيخ أبو هلال ﵀: الاعتساف خبط الطريق على غير هداية فكأنه جعل الغشم ظلما يجري على غير طرائق الظلم المعهودة) (٢).
الفرق بين الهضم والظلم:
(أن الهضم نقصان بعض الحق ولا يقال لمن أخذ جميع حقه قد هضم.
والظلم يكون في البعض والكل، وفي القرآن فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً [طه:١١٢] أي لا يمنع حقه ولا بعض حقه وأصل الهضم في العربية النقصان ومنه قيل للمنخفض من الأرض هضم والجمع أهضام) (٣).
стр. 822
النهي عن الظلم في القرآن والسنة
النهي عن الظلم في القرآن الكريم:
الآيات الواردة في ذم الظلم والظالمين كثيرة ومتنوعة فمنها:
- آيات وردت في تنزيه الله تعالى نفسه عن الظلم، قال تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ [غافر: ٣١]، وقال: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦]، وقال: وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ [آل عمران: ١٠٨]
(أي: ليس بظالم لهم بل هو الحَكَم العدل الذي لا يجور؛ لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه؛ ولهذا قال: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ [آل عمران:١٠٩] أي: الجميع ملْك له وعبيد له. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ أي: هو المتصرف في الدنيا والآخرة، الحاكم في الدنيا والآخرة) (١).
- وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء: ٤٠]، وقال: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: ٤٤].
قال القرطبي: (أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها. والمراد من الكلام أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا) (٢).
- آيات تتحدث عن إهلاك الله تعالى للظالمين وتوعدهم بعقوبات في الدنيا والآخرة. يقول تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢] (يقول تعالى: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل بنظائرهم وأشباههم وأمثالهم، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (٣).
- وقوله تعالى: وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ: ٤٢] وقال الله تعالى مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:١٨]
(أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير) (٤).
- وقال تعالى وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِير [الحج:٧١] ألا لعنة الله على الظالمين [هود:١٨] وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الزمر:٢٤]
إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام: ٢١]، وقال: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].
- آيات جاء فيها وصف المعاصي بالظلم: ومنها قوله تعالى: وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق: ١] وقوله تعالى: إنَّ الَذِينَ يَاًكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. [النساء: ١٠]
النهي عن الظلم في السنة النبوية:
- عن أبي ذر ﵁ قال: ((قال رسول الله ﷺ : قال الله ﵎: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا ... )) (٥).
стр. 823
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا الحديث قد تضمن من قواعد الدين العظيمة في العلوم والأعمال والأصول والفروع؛ فإن تلك الجملة الأولى وهي قوله: ((حرمت الظلم على نفسي)) يتضمن جل مسائل الصفات والقدر إذا أعطيت حقها من التفسير وإنما ذكرنا فيها ما لا بد من التنبيه عليه من أوائل النكت الجامعة. وأما هذه الجملة الثانية وهي قوله: ((وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)) فإنها تجمع الدين كله؛ فإن ما نهى الله عنه راجع إلى الظلم وكل ما أمر به راجع إلى العدل) (١).
- وعن عائشة ﵂ قالت: ((أن رسول الله ﷺ قال من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين)) (٢).
- وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) (٣).
قال ابن القيم: (سبحان الله كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة واحترقت كبد يتيم وجرت دمعة مسكين كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [المرسلات:٤٦] وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص:٨٨] ما ابيض لون رغيفهم حتى اسود لون ضعيفهم وما سمنت أجسامهم حتى انتحلت أجسام ما استأثروا عليه لا تحتقر دعاء المظلوم فشرر قلبه محمول بعجيج صوته إلى سقف بيتك , ويحك نبال أدعيته مصيبة وإن تأخر الوقت , قوسه قلبه المقروح , ووتره سواد الليل , وأستاذه صاحب ((لأنصرنك ولو بعد حين)) (٤) وقد رأيت ولكن لست تعتبر احذر عداوة من ينام وطرفه باك يقلب وجهه في السماء يرمي سهاما ما لها غرض سوى الأحشاء منك فربما ولعلها إذا كانت راحة اللذة تثمر ثمرة العقوبة لم يحسن تناولها ما تساوي لذة سنة غم ساعة فكيف والأمر بالعكس كم في يم الغرور من تمساح فاحذر يا غائص ستعلم أيها الغريم قصتك عند علق الغرماء بك
إذا التقى كل ذي دين وماطلة ... ستعلم ليلى أي دين تداينت
من لم يتتبع بمنقاش العدل شوك الظلم من أيدي التصرف أثر ما لا يؤمن تعديه إلى القلب) (٥).
- وعن أبي موسى ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ((إن الله ليملي للظالم فإذا آخذه لم يفلته ثم قرأ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ. [هود:١٠٢])) (٦).
قال ابن عثيمين في شرحه للحديث: (إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته يملي له يعني يمهل له حتى يتمادى في ظلمه والعياذ بالله فلا يعجل له العقوبة وهذا من البلاء نسأل الله أن يعيذنا وإياكم فمن الاستدراج أن يملي للإنسان في ظلمه فلا يعاقب له سريعا حتى تتكدس على الإنسان المظالم فإذا أخذه الله لم يفلته أخذه أخذ عزيز مقتدر ثم قرأ النبي ﷺ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:١٠٢] فعلى الإنسان الظالم أن لا يغتر بنفسه ولا بإملاء الله له فإن ذلك مصيبة فوق مصيبته لأن الإنسان إذا عوقب بالظلم عاجلا فربما يتذكر ويتعظ ويدع الظلم لكن إذا أملي له واكتسب آثاما أو ازداد ظلما ازدادت عقوبته والعياذ بالله فيؤخذ على غرة حتى إذا أخذه الله لم يفلته) (٧).
- وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)) (٨).
стр. 824
أقوال السلف والعلماء في ذم الظلم
- قال معاوية ﵁: (إني لأستحي أن أظلم من لا يجد علي ناصراً إلا الله) (١).
- وقال رجل عند أبي هريرة: (إن الظالم لا يظلم إلا نفسه، فقال أبو هريرة: كذبت، والذي نفس أبي هريرة بيده، إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم) (٢).
- (وكتب رجل إلى سلطان: أحق الناس بالإحسان من أحسن الله إليه وأولاهم بالإنصاف من بسطت بالقدرة يداه) (٣).
- (وكتب إلى عمر بن عبد العزيز ﵀ بعض عماله يستأذنه في تحصين مدينته. فكتب إليه: حصنها بالعدل، ونق طرقها من الظلم) (٤).
- (ودخل طاوس اليماني على هشام بن عبد الملك فقال له: اتق يوم الأذان؛ قال هشام.
وما يوم الأذان؟ قال: قوله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف:٤٤] فصعق هشام، فقال طاوس: هذا ذل الصفة فكيف المعاينة؟) (٥).
- (وقال المهدي للربيع بن أبي الجهم، وهو والي أرض فارس: يا ربيع، آثر الحق، والزم القصد، وابسط العدل، وارفق بالرعية، واعلم أن أعدل الناس من أنصف من نفسه، وأظلمهم من ظلم الناس لغيره) (٦).
- (وقال ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: استعمل ابن عامر عمرو بن أصبغ على الأهواز، فلما عزله، قال له: ما جئت به؟ قال له: ما معي إلا مائة درهم وأثواب. قال: كيف ذلك؟ قال: أرسلتني إلى بلد أهله رجلان: رجل مسلم له ما لي وعليه ما علي، ورجل له ذمة الله ورسوله، فوالله ما دريت أين أضع يدي. قال: فأعطاه عشرين ألفاً) (٧).
- وكان شريح القاضي يقول: (سيعلم الظالمون حق من انتقصوا، إن الظالم لينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصر والثواب) (٨).
- وقال جعفر بن يحيى: (الخراج عمود الملك، وما استغزر بمثل العدل، وما استنزر بمثل الظلم) (٩).
стр. 825
أقسام الظلم
(الظلم ثلاثة: الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه: الكفر والشرك والنفاق، ولذلك قال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:١٣]، وإياه قصد بقوله: أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:١٨]، وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان:٣١]، في آي كثيرة، وقال: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ [الزمر:٣٢]، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام:٩٣].
والثاني: ظلم بينه وبين الناس، وإياه قصد بقوله: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ إلى قوله: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الآية: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: ٤٠]، وبقوله: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [الشورى:٤٢]، وبقوله: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا [الإسراء:٣٣].
والثالث: ظلم بينه وبين نفسه، وإياه قصد بقوله: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر:٣٢]، وقوله: ظَلَمْتُ نَفْسِي [النمل:٤٤]، إذ ظلموا أنفسهم [النساء:٦٤]، فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:٣٥]، أي: من الظالمين أنفسهم، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة:٢٣١].
وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس؛ فإن الإنسان في أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه، فإذا الظالم أبدا مبتدئ في الظلم، ولهذا قال تعالى في غير موضع: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:٣٣]، وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:٥٧]، وقوله: وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:٨٢]) (١).
стр. 826
آثار ومضار الظلم
١ - الظالم مصروف عن الهداية:
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].
٢ - الظالم لا يفلح أبداً:
قال تعالى: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الأنعام:٢١].
٣ - الظالم عليه اللعنة من الله:
يقول الله : يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:٥٢]
٤ - الظالم يحرم من الشفاعة:
قال تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:١٨] ويقول ﵊: ((صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غالٍ مارق)) (١).
٥ - تصيبه دعوة المظلوم ولا تخطئه:
قال ﵊: ((واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) (٢).
٦ - بالظلم يرتفع الأمن:
قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:٨٢]
٧ - الظلم سبب للبلاء والعقاب:
وقال تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ. [الحج:٤٥]
وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:١٠٢]
وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف:٥٩]
٨ - توعد الظالم بدخول النار:
عن خولة الأنصارية ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول ((إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة)) (٣) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله يتخوضون بالمعجمتين في مال الله بغير حق، أي: يتصرفون في مال المسلمين بالباطل.
стр. 827
صور الظلم
لا شك أن الظلم له صور كثيرة ولا ينحصر في نماذج معينة، وسنقوم بذكر بعضها حتى نكون منها على حذر، وهذه الصور هي كالتالي:
أ- ظلم العبد نفسه
١ - أعظمه الشرك بالله:
قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:١٣]
قال ابن تيمية ﵀: (ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا من الناس لا يعلمون كون الشرك من الظلم، وأنه لا ظلم إلا ظلم الحكام أو ظلم العبد نفسه، وإن علموا ذلك من جهة الاتباع والتقليد للكتاب والسنة والإجماع لم يفهموا وجه ذلك، ولذلك لم يسبق ذلك إلى فهم جماعة من الصحابة لما سمعوا قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:٨٢]، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود أنهم قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟! فقال رسول الله: "ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:١٣]؟ ". وذلك أنهم ظنوا أن الظلم- كما حده طائفة من المتكلمين- هو إضرار غير مستحق، ولا يرون الظلم إلا ما فيه إضرار بالمظلوم، إن كان المراد أنهم لن يضروا دين الله وعباده المؤمنين، فإن ضرر دين الله وضرر المؤمنين بالشرك والمعاصي أبلغ وأبلغ) (١).
- ٢التعدي على حدود الله:
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:٢٢٩]. والمشار إليه في تلك حدود الأحكام الشرعية التي ذكرت قبل هذه الآية.
- ٣الصد عن مساجد الله أن يذكر فيها اسمه:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة: ١١٤]
-٤ كتم الشهادة:
قال تعالى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٠].
٥ - الإعراض عن آيات الله بتعطيل أحكامها:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً [الكهف: ٥٧].
٦ - الكذب على الله:
قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ١٤٤].
ب - ظلم العباد بعضهم لبعض:
وظلم العباد بعضهم لبعض أنواع، وهو أشهر أنواع الظلم وأكثرها. قال سفيان الثوري ﵀: (إن لقيت الله تعالى بسبعين ذنباً فيما بينك وبين الله تعالى؛ أهون عليك من أن تلقاه بذنب واحد فيما بينك وبين العباد) (٢) ويمكن تقسيمه إلى ظلم قولي، وظلم فعلي:
من صور الظلم القولي:
التعرض إلى الناس بالغيبة، والنميمة، والسباب والشتم، والاحتقار، والتنابز بالألقاب، والسخرية والاستهزاء والقذف والاتهام بالباطل ... وغيرها.
من صور الظلم الفعلي:
١ - القتل بغير حق:
стр. 828
قال تعالى: وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً [الإسراء: ٣٣].
٢ - الظلم الواقع على المسلمين بسبب دينهم، الذين قُتِّلوا، وشُرِّدوا، وسُجنوا ...
٣ - أخذ أرض الغير أو شيء منها:
قال ﷺ : ((من أخذ شبراً من الأرض ظلماً؛ فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين)) (١).
٤ - الظلم الواقع في الأسر:
ومنه:
- ظلم الأولاد لوالديهما بعقوقهما
- ظلم الأزواج لزوجاتهم في حقهن سواء كان صداقاً، أو نفقة، أو كسوة.
- ظلم الزوجات لأزواجهن في تقصيرهن في حقهم وتنكّر فضلهم.
- ظلم البنات بعضلهن عن الزواج.
- الدعاء على الأولاد والقسوة في التعامل معهم.
- تَفضيلُ بعض الأولاد على بعض.
٥ - ظلم أصحاب الولايات والمناصب:
ومنه:
- نبذ كتاب الله وتحكيم القوانين الوضعية.
- عدم إعطاء الرعية حقوقهم.
- تقديم شخص في وظيفة ما وهناك أناس أكفأ منه وأقدر على العمل.
٦ - ظلم العمال:
ومنه:
- أن يعمل له عمل ولا يعطيه أجره:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ ((ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره)) (٢).
- أن يبخسه حقوقَه أو أن يؤخرها عن وقتها:
قال ﷺ : ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عَرقُه)) (٣).
- تكليفه بأمور غير ما اتُفق عليها معه، أو بأمور لم تجري العادة تكليفه بها:
قال ﷺ : في العبيد الأرقاء: ((إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)) (٤).
٧ - أكل مال الغير بغير حق:
وهو أنواع ومنه:
١ - أكل أموال الناس بالباطل:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً [النساء: ٢٩ - ٣٠]
٢ - أكل أموال الضعفاء كاليتامى:
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً [النساء: ١٠].
٣ - الربا:
قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
٤ - السرقة:
قال تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ... [المائدة:٣٨]
٥ - الرشوة:
стр. 829
قال ﷺ : ((لعن الله الراشي والمرتشي)) (١).
٦ - الغش في المعاملات:
قال ﷺ : ((من غشنا فليس منا)) (٢).
٧ - الميسر:
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:٩٠ - ٩١]
٨ - الغلول:
قال تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [آل عمران: ١٦١].
٩ - الهدايا التي تهدى للموظف بسبب وظيفته:
عن أبي حميد الساعدي قال ((استعمل رسول الله ﷺ رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه قال هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله ﷺ فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول اللهم هل بلغت بصر عيني وسمع أذني)) (٣).
стр. 830
نصر المظلوم
لا ريب أن نصر المظلوم واجب على المسلمين وخاصة من ولاه الله أمر المسلمين، فعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((انصر أخاك ظالما، أو مظلوما فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره قال تحجزه، أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره)) (١).
قال العلائي: (هذا من بليغ الكلام الذي لم ينسج على منواله وأو للتنويع والتقسيم وسمي رد المظالم نصرا لأن النصر هو العون ومنع الظالم عون له على مصلحته والظالم مقهور مع نفسه الأمارة وهي في تلك الحالة عاتية عليه فرده عون له على قهرها ونصرة له عليها) (٢).
وعن البراء ﵁، قال: ((أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع أمرنا باتباع الجنائز وعيادة المريض وإجابة الداعي ونصر المظلوم ... )) (٣).
قال الحافظ ابن حجر: (نصر المظلوم هو فرض كفاية وهو عام في المظلومين وكذلك في الناصرين بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح ويتعين أحيانا على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور فلو تساوت المفسدتان تخير وشرط الناصر أن يكون عالما بكون الفعل ظلما ويقع النصر مع وقوع الظلم وهو حينئذ حقيقة وقد يقع قبل وقوعه كمن أنقذ إنسانا من يد إنسان طالبه بمال ظلما وهدده إن لم يبذله وقد يقع بعد وهو كثير) (٤).
وقال النووي: (أما نصر المظلوم فمن فروض الكفاية وهو من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما يتوجه الأمر به على من قدر عليه ولم يخف ضررا) (٥).
وقال العيني: (قال العلماء نصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية فمن قام به سقط عن الباقين ويتعين فرض ذلك على السلطان ثم على من له قدرة على نصرته إذا لم يكن هناك من ينصره غيره من سلطان وشبهه) (٦).
وقال صاحب مرعاة المفاتيح: (ونصر المظلوم، مسلماً كان أو ذمياً بالقول أو بالفعل. قال في شرح السنة: هو واجب يدخل فيه المسلم والذمي، وقد يكون ذلك بالقول، وقد يكون بالفعل وبكف الظالم عن الظلم) (٧).
стр. 831
رد المظالم
من ابتلي بشيء من الظلم والتسلط على الناس سواء كان بأخذ مال، أو بغيره من أنواع الظلم فليتحلل منه في هذه الدنيا الفانية، فليس في الآخرة دينار ولا درهم، وإنما هو عمل صالح يؤخذ منه بقدر مظلمته ويعطى للمظلوم، وإن لم يكن له عمل صالح أخذ من سيئات المظلوم وحمله الظالم، قال رسول الله ﷺ : ((من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) (٢).
وعن عبد الله بن أنيس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما، فيناديهم مناد بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة فما فوقها، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى اللطمة فما فوقها وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:٤٩] قلنا يا رسول الله كيف وإنما نأتي حفاة عراة غرلا بهما؟ قال بالحسنات والسيئات جزاء وفاقا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)) (٣).
وقال أبو الزناد: (كان عمرُ بنُ عبد العزيز يردُّ المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة، كان يكتفي باليسير، إذا عرف وجه مَظْلمةِ الرَّجُلِ ردَّها عليه، ولم يكلِّفْهُ تحقيقَ البيِّنةِ، لما يعرف مِنْ غشم الوُلاة قبله على الناس، ولقد أنفد بيت مال العراق في ردِّ المظالم حتى حُمِلَ إليها مِنَ الشَّامِ) (٤).
وذكر صاحب (العقد الفريد) قصة للمأمون: (وأنه جلس يوماً لرد المظالم، فكان آخر من تقدم إليه - وقد هم بالقيام - امرأة عليها هيئة السفر، وعليها ثياب رثة، فوقفت بين يديه فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم. فقال لها يحيى: وعليك السلام يا أمة الله، تكلمي بحاجتك. فقالت:
يا خير منتصف يهدى له الرشد ... ويا إماماً به قد أشرق البلد
تشكو إليك عميد القوم أرملة ... عدى عليها فلم يترك لها سبد
وابتز مني ضياعي بعد منعتها ... ظلما وفرق مني الأهل والولد
فأطرق المأمون حيناً، ثم رفع رأسه إليها وهو يقول:
في دون ما قلت زال الصبر والجلد ... عني وأقرح مني القلب والكبد
هذا أذان صلاة العصر فانصرفي ... وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد
فالمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا ... ننصفك منه وإلا المجلس الأحد
قال: فلما كان يوم الأحد جلس، فكان أول من تقدم إليه تلك المرأة، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام ثم قال: أين الخصم؟ فقالت: الواقف على رأسك يا أمير المؤمنين - وأومأت إلى العباس ابنه - فقال: يا أحمد بن أبي خالد، خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم. فجعل كلامها يعلو كلام العباس. فقال لها أحمد بن أبي خالد: يا أمة الله، إنك بين يدي أمير المؤمنين، وإنك تكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك. فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه. ثم قضى لها برد ضيعتها إليها، وظلم العباس بظلمه لها، وأمر بالكتاب لها إلى العامل الذي ببلدها أن يوغر لها ضيعتها ويحسن معاونتها، وأمر لها بنفقة) (٥).
стр. 832
التحذير من دعوة المظلوم
قال ﷺ : ((واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) (١).
(أي: مانع بل هي معروضة عليه تعالى. قال السيوطي: أي ليس لها ما يصرفها ولو كان المظلوم فيه ما يقتضي أنه لا يستجاب لمثله من كون مطعمه حراما أو نحو ذلك، حتى ورد في بعض طرقه (وإن كان كافرا) رواه أحمد من حديث أنس قال ابن العربي: ليس بين الله وبين شيء حجاب عن قدرته وعلمه وإرادته وسمعه وبصره ولا يخفى عليه شيء، وإذا أخبر عن شيء أن بينه وبينه حجابا فإنما يريد منعه) (٢).
وقال ﵇: ((ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) (٣).
ولربما تأخرت إجابة الدعوة، ولكن الله ليس بغافل عما يعمل الظالمون، قال سبحانه: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء [إبراهيم:٤٢ - ٤٣]
وقال ميمون بن مهران: في قوله ﵎: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ قال: (تعزية للمظلوم، ووعيد للظالم) (٤).
(وقيل لما حبس بعض البرامكة وولده قال: يا أبت بعد العز صرنا في القيد والحبس.
فقال: يا بني دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها) (٥).
(وكان يزيد بن حكيم يقول: ما هبت أحدا قط هيبتي رجلا ظلمته وأنا أعلم أنه لا ناصر له إلا الله يقول لي حسبي الله، الله بيني وبينك) (٦).
وقيل لإبراهيم بن نصر الكرماني: (إن القرمطي دخل مكة، وقتل فيها، وفعل وصنع، وقد كثر الدعاء عليه، فلم يستجب للداعين؟
فقال: لأن فيهم عشر خصال، فكيف يستجاب لهم؟ فقلت: وما هن؟ قال: أوّلهنّ: أقرّوا بالله وتركوا أمره؛ والثاني: قالوا: نحبّ الرّسول، ولم يتبعوا سنته؛ والثالث: قرؤوا القرآن ولم يعملوا به؛ والرابع: قالوا: نحبّ الجنّة، وتركوا طريقها؛ والخامس: قالوا: نكره النّار، وزاحموا طريقها؛ والسادس: قالوا: إن إبليس عدّونا، فوافقوه؛ والسابع: دفنوا أمواتهم فلم يعتبروا، والثّامن: اشتغلوا بعيوب إخوانهم ونسوا عيوبهم؛ والتّاسع: جمعوا المال ونسوا الحساب؛ والعاشر: نقضوا القبور وبنوا القصور). (٧).
стр. 833
الانتصار من الظالم
(رغب الله على العفو عن الظالم وأثنى على من فعل ذلك فقال: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى:٤٣] وكان النبي ﷺ لا ينتقم لخاصة نفسه، ولكن الله أباح الانتصار من الظالم، قال تعالى: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [النساء:١٤٨] وقال سبحانه: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى:٣٩]
والانتصار ليس منافياً للعفو، فإنه يكون بإظهار القُدرة على الانتقام، ثم يقعُ العفوُ بعد ذلك، فيكون أتمَّ وأكملَ ... فالمؤمن إذا بُغِي عليه، يُظهر القدرة على الانتقام، ثم يعفو بعد ذلك) (١).
قال سبحانه: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى:٤٠ - ٤٣]
(اللام في وَلَمَنِ انْتَصَرَ للتأكيد أي انتقم. قوله بَعْدَ ظُلْمِهِ من إضافة المصدر إلى المفعول قوله َأُولَئِكَ إشارة إلى معنى من دون لفظه مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ للمعاقب والمعنى أخذ حقه بعد أن ظلم فأولئك ما عليهم من سبيل إلى لومه وقيل ما عليهم من إثم إنما السبيل باللوم والإثم على الذين يظلمون الناس يبتدرون الناس بالظلم ويبغون في الأرض يتكبرون فيها ويقتلون ويفسدون عليهم بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم أي مؤلم ولمن صبر على الظلم والأذى ولم ينتصر وفوض أمره إلى الله إن ذلك الصبر والمغفرة منه لمن عزم الأمور أي من الأمور التي ندب إليها والعزم الإقدام على الأمر بعد الروية والفكر) (٢).
وقال إبراهيم: (كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا) (٣).
وروي عن أحمد بن حنبل أنه قال: (قد جعلت المعتصم بالله في حل من ضربي وسجني؛ لأنه حدثني هاشم بن القاسم عن ابن المبارك قال: حدثني من سمع الحسن البصري يقول: إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. يصدق هذا الحديث قوله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وكان أحمد بن حنبل يقول: ما أحب أن يعذب الله بسببي أحدا) (٤).
وقال ابن الأنباري: (كان الحسن البصري يدعو ذات ليلة: اللهم اعف عمن ظلمني، فأكثر في ذلك، فقال له رجل: يا أبا سعيد، لقد سمعتك الليلة تدعو لمن ظلمك حتى تمنيت أن أكون فيمن ظلمك، فما دعاك إلى ذلك؟ قال: قوله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (٥).
стр. 834
معاونة الظالم على ظلمه
من يعين الظالم فهو ظالم مثله ومشارك له في الإثم:
قال ﷺ ((مَن أعان على خصومة بظلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع)) (١).
وقال ﷺ : ((مَن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله)) (٢).
والله أمر بالتعاون على البر والتقوى ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان فقال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:٢] وعن جَابِرٍ ﵁ قال: ((لَعَنَ رسول اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وموكله وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وقال: هُمْ سَوَاءٌ)) (٣).
قال النووي: (هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابين والشهادة عليهما وفيه: تحريم الإعانة على الباطل) (٤).
وقال ميمون بن مهران: (الظالم، والمعين على الظلم، والمحب له سواء) (٥).
стр. 835
هل للظالم توبة ؟
باب التوبة مفتوح لكل من عصى الله إذا توفرت شروطها، قال تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:١١٠] وقال تعالى فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:٣٩]
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الدواوين ثلاثة فديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئاً: فالإشراك بالله ، قال الله : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ [النساء: ٤٨]،
وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً قط: فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه،
وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً: فمظالم العباد بينهم، القصاص لا محالة)) (١).
وشروط التوبة كما ذكرها العلماء:
- أن يقلع عن الذنب، بأن يتركه نهائياً.
- وأن يندم على ما قد مضى.
- وأن يعزم في المستقبل على ألا يعود إليه.
- وإذا كان الأمر يتعلق بحقوق الآدميين، سواء بأموالهم أو أعراضهم أو أبدانهم فعليه أن يطلب المسامحة ممن له عليه حق، أو يؤدي الحقوق إلى أهلها.
قال ابن القيم: (والظلم عند الله يوم القيامة له
دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يُشْرَك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئاً، وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً، فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وهو ظلم العبد نفسه بينه
وبين ربه ، فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محواً، فإنه يُمحى بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحو ذلك. بخلاف
ديوان الشرك؛ فإنه لا يُمحى إلا بالتوحيد. وديوان المظالم لا يُمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها) (٢).
стр. 836
قصص في الظلم ... عبر وعظات
١ - من القصص في الظلم التي حدثت في زمن الصحابة، قصة الرجل الذي ظلم سعد بن أبي وقاص ﵁ فدعا عليه سعد وقد كان مستجاب الدعوة، فاستجاب الله دعاءه، وتفصيل القصة كما رواها البخاري في (صحيحه) عن جابر بن سمرة، قال: (شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر , ﵁ , فعزله , واستعمل عليهم عمارا، فشكوا، حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه , فقال: يا أبا إسحاق , إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي؟ قال أبو إسحاق: أما أنا والله , فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ، ما أخرم عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد في الأوليين، وأخف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق , فأرسل معه , رجلا، أو رجالا , إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم , يقال له: أسامة بن قتادة , يكنى أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا , فإن سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية , قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث، اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا، قام رياء وسمعة , فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد , قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن) (١).
٢ - ومنها أيضاً: قصة سعيد بن زيد ﵁ فقد روى مسلم في (صحيحه): ((أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئا من أرضها فخاصمته إلى مروان بن الحكم. فقال سعيد أنا كنت آخذ من أرضها شيئا بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ قال وما سمعت من رسول الله ﷺ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلى سبع أرضين. فقال له مروان لا أسألك بينة بعد هذا. فقال اللهم إن كانت كاذبة فعم بصرها واقتلها في أرضها. قال فما ماتت حتى ذهب بصرها ثم بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت)) (٢).
٣ - قصة أوردها الهيثمي في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) قال:
(وقال بعضهم: رأيت رجلا مقطوع اليد من الكتف وهو ينادي من رآني فلا يظلمن أحدا، فتقدمت إليه وقلت له: يا أخي ما قصتك؟ فقال يا أخي قصتي عجيبة، وذلك أني كنت من أعوان الظلمة، فرأيت يوما صيادا قد اصطاد سمكة كبيرة فأعجبتني، فجئت إليه فقلت: أعطني هذه السمكة، فقال لا أعطيكها أنا آخذ بثمنها قوتا لعيالي، فضربته وأخذتها منه قهرا ومضيت بها، قال: فبينما أنا ماش بها حاملها إذ عضت على إبهامي عضة قوية فلما جئت بها إلى بيتي وألقيتها من يدي ضربت علي إبهامي وآلمتني ألما شديدا حتى لم أنم من شدة الوجع وورمت يدي فلما أصبحت أتيت الطبيب وشكوت إليه الألم فقال هذه بدو أكلة اقطعها وإلا تلفت يدك كلها فقطعت إبهامي ثم ضربت يدي فلم أطق النوم ولا القرار من شدة الألم، فقيل لي اقطع كفك فقطعتها وانتشر الألم إلى الساعد وآلمني ألما شديدا ولم أطق النوم ولا القرار وجعلت أستغيث من شدة الألم، فقيل لي: اقطعها من المرفق فانتشر الألم إلى العضد وضربت علي عضدي أشد من الألم فقيل لي: اقطع يدك من كتفك وإلا سرى إلى جسدك كله فقطعتها فقال لي بعض الناس: ما سبب ألمك فذكرت له قصة السمكة، فقال لي: لو كنت رجعت من أول ما أصابك الألم إلى صاحب السمكة فاستحللت منه واسترضيته ولا قطعت يدك، فاذهب الآن إليه واطلب رضاه قبل أن يصل الألم إلى بدنك.
стр. 837
قال: فلم أزل أطلبه في البلد حتى وجدته فوقعت على رجليه أقبلهما وأبكي وقلت: يا سيدي سألتك بالله إلا ما عفوت عني، فقال لي: ومن أنت؟ فقلت أنا الذي أخذت منك السمكة غصبا، وذكرت له ما جرى وأريته يدي فبكى حين رآها ثم قال: يا أخي قد حاللتك منها لما قد رأيت بك من هذا البلاء، فقلت له: بالله يا سيدي هل كنت دعوت علي لما أخذتها منك؟ قال: نعم.
قلت: اللهم هذا تقوى علي بقوته على ضعفي وأخذ مني ما رزقتني ظلما فأرني فيه قدرتك، فقلت له: يا سيدي قد أراك الله قدرته في وأنا تائب إلى الله عما كنت عليه) (١).
٤ - قصة تبين نهاية الظالمين، وهي أن أحمد ابن أبي دؤاد، ومحمد بن عبد الملك بن الزيات، وهرثمة، كانوا ممن ظلموا الإمام أحمد في محنة القول بخلق القرآن، فكانت نهايتهم كما ذكرها ابن كثير في (البداية والنهاية) قال: (دخل عبد العزيز بن يحيى الكتاني - صاحب كتاب الحيدة - على المتوكل وكان من خيار الخلفاء لأنه أحسن الصنيع لأهل السنة، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمه المأمون، فإنهم أساؤوا إلى أهل السنة وقربوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم، فأمره أن ينزل جثة أحمد بن نصر ويدفنه ففعل، وقد كان المتوكل يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكراما زائدا جدا.
والمقصود أن عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة قال للمتوكل: يا أمير المؤمنين ما رأيت أو ما رئي أعجب من أمر الواثق، قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن.
فوجل المتوكل من كلامه وساءه ما سمع في أخيه الواثق، فلما دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات قال له المتوكل: في قلبي شيء من قتل أحمد بن نصر.
فقال: يا أمير المؤمنين أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا ودخل عليه هرثمة فقال له في ذلك فقال: قطعني الله إربا إربا إن قتله إلا كافرا.
ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد فقال له مثل ذلك فقال: ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافرا.
قال المتوكل: فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار.
وأما هرثمة فإنه هرب فاجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحي فقال: يا معشر خزاعة هذا الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر فقطعوه. فقطعوه إربا إربا. وأما ابن أبي دؤاد فقد سجنه الله في جلده - يعني بالفالج - ضربه الله قبل موته بأربع سنين، وصودر من صلب ماله بمال جزيل جدا) (٢).
стр. 838
الظلم في واحة الشعر ...
قال أبو العتاهية:
أما والله إنّ الظّلم لؤم ... وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديّان يوم الدّين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
ستعلم في الحساب إذا التقينا ... غدا عند الإله من الملوم
وقال آخر:
وما من يد إلّا يد الله فوقها ... وما ظالم إلا سيبلى بأظلم
اصبر على الظلم
قال محمود الورّاق:
اصبر على الظّلم ولا تنتصر ... فالظّلم مردود على الظّالم
وكل إلى الله ظلوما فما ... ربّي عن الظّالم بالنّائم
الظلم نار
الظلم نار فلا تحقر صغيرته ... لعل جذوة نار أحرقت بلدا
إياك من ظلم الكريم
إياك من ظلم الكريم فإنه ... مر مذاقته كطعم العلقم
إن الكريم إذا رآك ظلمته ... ذكر الظلامة بعد نوم النوَّم
فجفا الفراش وبات يطلب ثأره ... أنِفَاً وإن أغضى ولم يتكلم
اتق دعوة المظلوم
توق دعا المظلوم إن دعاءه ... ليرفع فوق السحب ثم يجاب
توق دعا من ليس بين دعائه ... وبين إله العالمين حجاب
وقال آخر
كذا دعا المضطر أيضا صاعد ... أبدا إليه عند كل أوان
وكذا دعا المظلوم أيضا صاعد ... حقا إليه قاطع الأكوان
وقال ابن الوردي رحمه الله تعالى:
إياك من عسف الأنام وظلمهم ... واحذر من الدعوات في الأسحار
وقال علي ﵁:
أد الأمانة والخيانة فاجتنب ... واعدل ولا تظلم يطيب المكسب
واحذر من المظلوم سهما صائبا ... واعلم بأن دعاءه لا يحجب
وقال آخر
يا أيّها الظّالم في فعله ... فالظّلم مردود على من ظلم
إلى متى أنت وحتّى متى ... تسلو المصيبات وتنسى النّقم
وقال آخر
لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم آخره يأتيك بالندم
نامت عيونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم
ولا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم
عاقبة الظالم
إذا الظالمُ استحْسن الظلمَ مذهبا ... ولجّ عتوّا في قبيح اكتسابِهِ
فكِلْه إلى ريْب الزمان فإنّهُ ... سيُبدي له ما لم يكنْ في حسابِه
فكمْ قد رأينا ظالماً متجبرَا ... يرى النجم تيْها تحت ظِل ركابِه
فلما تمادى واستطال بظلمِه ... أناخَت صروف الحادثات ببابِه
وعوقب بالظلم الذي كان يقْتفي ... وصَب عليه الله سوطَ عذابِه ...
стр. 839
ثم ماذا ... ؟
أخي القارئ الكريم هل اتضحت لك صور الظلم الواقعة في المجتمعات؟
وهل وجدت نفسك في صورة من تلك الصور؟
هل تمعنت في أعمالك التجارية وفي تصرفاتك .... ؟ وهل فيها شيء من ظلم الآخرين؟
إذا كنت وجدت نفسك في صورة من صور الظلم هل حاولت أن تتخلص منها؟
هل نصرت مظلوما؟ وهل ظُلمت في يوم ما؟ وكيف كان وقعه على نفسك؟
إذا كنت تذوقت مرارة الظلم فكيف ترضى أن توقعه على غيرك؟!!
стр. 840
معنى العجب لغة واصطلاحاً
معنى العجب لغة:
العجْب بالضم: الزَّهْوُ والكِبْرُ, ورَجُلٌ مُعْجَبٌ: مَزْهُوٌّ بِمَا يَكُونُ مِنْهُ حَسَناً أَو قَبِيحاً. وقيل: المُعْجَبُ، الإِنْسَانُ المعْجَب بِنَفْسِه أَوْ بِالشَّيْءِ. وقد أُعْجِبَ فُلَانٌ بِنَفْسِه فَهو مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ وبِنَفْسِه. والاسْمُ العُجْبُ، وَقِيلَ: العُجْبُ: فَضْلَةٌ من الحُمْقِ صَرَفْتَهَا إِلَى العُجْب (١).
معنى العجب اصطلاحاً:
قال الجرجاني: العجب هو عبارة عن تصور استحقاق الشخص رتبة لا يكون مستحقا لها (٢).
وقال الغزالي: العجب هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم (٣).
وقال أحمد بن يحيى بن المرتضى: (العجب مسرة بحصول أمر يصحبها تطاول به على من لم يحصل له مثله بقول أو ما في حكمه من فعل أو ترك أو اعتقاد) (٤).
قال أبو العباس القرطبي إعجاب الرجل بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال والاستحسان مع نسيان منة الله تعالى (٥).
стр. 841
الفرق بين العجب ومرادفاته
قال ابن حزم ﵀: (الْعُجْب أصل يتفرع عنه التيه والزهو والكبر والنخوة والتعالي وهذه أسماء واقعة على معان متقاربة. ولذلك صعب الفرق بينها على أكثر الناس) (١).
ومع ذلك فقد تكلم العلماء وخاصة أهل اللغة عن الفروق بين العجب ومترادفاته ولعلنا نذكر منها ما يلي:
الفرق بين العجب والكبر:
قال أبو هلال العسكري ﵀: (الفرق بين العجب والكبر: أن العجب بالشيء شدة السرور به حتى لا يعادله شيء عند صاحبه تقول هو معجب بفلانة إذا كان شديد السرور بها، وهو معجب بنفسه إذا كان مسرورا بخصالها.
ولهذا يقال أعجبه كما يقال سر به فليس العجب من الكبر في شيء، وقال علي بن عيسى: العجب عقد النفس على فضيلة لها ينبغي أن يتعجب منها وليست هي لها) (٢).
وقال الغزالي ﵀: (فإن الكبر يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به وبه ينفصل الكبر عن العجب كما سيأتي فإن العجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده تصور أن يكون معجبا ولا يتصور أن يكون متكبرا إلا أن يكون مع غيره) (٣).
الفرق بين العجب والتيه:
قال مرتضى الزبيدي ﵀: (ونَقَل شَيْخُنَا عن الرَّاغِبِ في الفَرْقِ بَيْن المُعْجَبِ والتَّائِهِ، فَقَالَ: المُعْجَبُ يُصَدِّقُ نَفْسَه فِيمَا يَظُنُّ بِهَا وَهْماً. والتَّائِهُ يُصَدِّقُها قَطْعاً) (٤).
الفرق بين العجب والإدلال:
يقول المحاسبي: (إن الإدلال معنى زائد في العجب وهو أن يعجب بعمله أو علمه فيرى أن له عند الله قدراً عظيماً قد استحق به الثواب على عمله, فإن رجاء المغفرة مع الخوف لم يكن إدلالاً وإن زايل الخوف ذلك فهو إدلال) (٥).
стр. 842
ذم العجب والنهي عنه في القرآن والسنة
ذم العجب والنهي عنه من القرآن الكريم:
أما العجب في القرآن الكريم فقد وردت فيه عدة آيات تبين خطره, وتنبه على أنه آفة تجر وراءها آفات دنيوية وعقوبات أخروية, فمن تلك الآيات:
- قال الله ﵎: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة: ٢٥].
(قال جعفر: استجلاب النصر في شيء واحد، وهو الذلة والافتقار والعجز ... وحلول الخذلان بشيء واحد وهو العجب ... ) (١).
- وقال الله ﵎: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا [الكهف: ٣٢ - ٣٦].
قال ابن عاشور ﵀: (ضرب مثلا للفريقين للمشركين وللمؤمنين بمثل رجلين كان حال أحدهما معجبا مؤنقا وحال الآخر بخلاف ذلك فكانت عاقبة صاحب الحال المونقة تبابا وخسارة، وكانت عاقبة الآخر نجاحا، ليظهر للفريقين ما يجره الغرور والإعجاب والجبروت إلى صاحبه من الإرزاء، وما يلقاه المؤمن المتواضع العارف بسنن الله في العالم من التذكير والتدبر في العواقب فيكون معرضا للصلاح والنجاح) (٢).
- وقال الله ﵎: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: ٣٧ - ٣٨].
يقول العز بن عبد السلام: (زجره عن التطاول الذي لا يدرك به غرضاَ، أو يريد: كما أنك لا تخرق الأرض ولا تبلغ الجبال طولاً فلذلك لا تبلغ ما تريده بكبرك وعجبك, إياساً له من بلوغ إرادته) (٣).
- وقال الله ﵎: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان: ١٨]
قال الإمام بن كثير ﵀:
(لَا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ عَنِ النَّاسِ إِذَا كَلَّمْتَهُمْ أَوْ كَلَّمُوكَ، احْتِقَارًا مِنْكَ لَهُمْ وَاسْتِكْبَارًا عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَلِنْ جَانِبَكَ وَابْسُطْ وَجْهَكَ إِلَيْهِمْ ... وقوله تعالى: ولا تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً أي خيلاء مُتَكَبِّرًا جَبَّارًا عَنِيدًا، لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ يُبْغِضُكَ اللَّهُ، وَلِهَذَا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ أَيْ مُخْتَالٍ مُعْجَبٍ فِي نَفْسِهِ فَخُورٍ أَيْ عَلَى غَيْرِهِ)) (٤).
- وقال الله ﵎: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٤٩].
ذم العجب والنهي عنه من السنة النبوية:
стр. 843
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جَمَّتَهُ إذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (١).
قال أبو العباس القرطبي: (يفيد هذا الحديث ترك الأمن من تعجيل المؤاخذة على الذنوب، وأن عجب المرء بنفسه وثوبه وهيئته حرام وكبيرة) (٢).
- وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من رجل يتعاظم في نفسه ويختال في مشيته إلا لقي الله وهو عليه غضبان)) (٣).
يقول المناوي في شرح هذا الحديث: ((مَا من رجل) أَي إنسان وَلَو أُنْثَى (يتعاظم فِي نَفسه يختال فِي مَشْيه) فِي غير الْحَرْب (إلا لقي الله تَعَالَى) يَوْم الْقِيَامَة أَو بِالْمَوْتِ (وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) لأنه لَا يحب المستكبرين, وَمَا لِابْنِ آدم وللتعاظم وإنما أَوله نُطْفَة مذرة وَآخره جيفة قذرة وَهُوَ فِيمَا بَين ذَلِك يحمل الْعذرَة وَقد خلق فِي غَايَة الضعْف تستولي عَلَيْهِ الأمراض والعلل وتتضاه فِيهِ الطبائع فيهدم بَعْضهَا بَعْضًا فيمرض كرها وَيُرِيد أن يعلم الشيء فيجهله وأن ينسى الشيء فيذكره وَيكرهُ الشيء فينفعه ويشتهي الشيء فيضره معرض للآفات فِي كل وَقت ثمَّ آخِره الْمَوْت وَالْعرض لِلْحسابِ وَالْعِقَاب فإن كَانَ من أهل النَّار فالخنزير خير مِنْهُ فَمن أَيْن يَلِيق بِهِ التعاظم وَهُوَ عبد مَمْلُوك لَا يقدر على شيء) (٤).
- وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه العجب)) (٥).
قال المناوي ﵀ تعليقاً على هذا الحديث: (لأن العاصي يعترف بنقصه فترجى له التوبة والمعجب مغرور بعمله فتوبته بعيدة) (٦).
- وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة الشيخ الزاني والإمام الكذاب والعائل المزهو)) (٧).
- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فأما المنجيات: فتقوى الله في السر والعلانية والقول بالحق في الرضى والسخط والقصد في الغنى والفقر. وأما المهلكات: فهوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه وهي أشدهن)) (٨).
قال الملا علي القاري: ((وإعجاب المرء بنفسه) أي: باستحسان أعمالها وأحوالها أو مالها وجمالها وسائر ما يتوهم أنه من كمالها (وهي أشدهن) أي: أعظمهن وزرا وأكثرهن ضررا لأنه يتصور أن يتوب من متابعة الهوى، ومن رذيلة البخل، والمعجب مغرور ومزين فهو محبوب لا يرجى زواله كالمبتدع، فإنه قل أن يتوب من بدعته. وقال الطيبي: لأن المعجب بنفسه متبع هواه ومن هوى النفس الشح المطاع) (٩).
стр. 844
أقوال السلف والعلماء في ذم العجب
- وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: (لَبِسْتُ مَرَّةً دِرْعًا جَدِيدًا فَجَعَلْت أَنْظُرُ إلَيْهِ، وَأَعْجَبُ بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا دَخَلَهُ الْعُجْبُ بِزِينَةِ الدُّنْيَا مَقَتَهُ رَبُّهُ حَتَّى يُفَارِقَ تِلْكَ الزِّينَةَ؟ قَالَتْ فَنَزَعْتُهُ فَتَصَدَّقْتُ بِهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَسَى ذَلِكَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكِ) (١).
- وقال عمر: (أخوف ما أخاف عليكم أن تهلكوا فيه ثلاث خلال شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه) (٢).
- وقالت عائشة ﵂: (وإن العجب لو كان رجلا كان رجل سوء) (٣).
- وقال علي بن أبي طالب ﵁: (الإعجاب ضدّ الصواب، وآفة الألباب) (٤).
- وعن كعب أنه قال لرجل رآه يتبع الأحاديث: (اتق الله وارض بالدون من المجلس ولا تؤذ أحدا فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب مازادك الله به إلا سفالا ونقصانا) (٥).
- وقال أبو الدرداء: (علامة الجهل ثلاث العجب وكثرة المنطق فيما لا يعنيه وأن ينهى عن شيء ويأتيه) (٦).
- وعن مسروق قال: (كفى بالمرء علما أن يخشى الله وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه) (٧).
- وقال أبو وهب المروزي: (سألت ابن المبارك: ما الكبر؟ قال: أن، تزدري الناس. فسألته عن العجب؟ قال: أن ترى أن عندك شيئا ليس عند غيرك، لا أعلم في المصلين شيئا شرا من العجب) (٨).
- وقال علي بن ثابت: (المال آفته التبذير والنهب والعلم آفته الإعجاب والغضب) (٩).
- وعن خالد بن يزيد بن معاوية قال: (إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً معجباً بنفسه، فقد تمت خسارته) (١٠).
- وكان يحيى بن معاذ يقول: (إِياكم والعجب، فإِنَّ الْعجبَ مهلكة لِأَهْلِه، وَإِنَّ الْعجب ليأكل الحسَنَات كَمَا تأكُلُ النَّار الحطب) (١١).
- وكان ذو النون يقول: (أربع خلال لها ثمرة: العجلة، والعجب، واللجاجة، والشره، فثمرة العجلة الندامة، وثمرة العجب البغض، وثمرة اللجاجة الحيرة، وثمرة الشره الفاقة) (١٢).
- وقال عَبْد الله بن المبارك: (اثنتان منجيتان واثنتان مهلكتان فالمنجيتان النية والنهي فالنية أن تنوي أن تطيع الله فيما يستقبل والنهي أن تنهى نفسك عما حرم الله والمهلكتان العجب والقنوط) (١٣).
- وقال الحرث بن نبهان: سمعت محمد بن واسع يقول: (وا أصحاباه ذهب أصحابي قال: قلت: يرحمك الله أليس قد نشأ شباب يقرءون القرآن ويقومون الليل ويصومون النهار ويحجون ويقرءون؟ قال: فبزق وقال: أفسدهم العجب) (١٤).
стр. 845
حكم العجب
العجب كبيرة من كبائر الذنوب التي تستحق غضب الله ومقته وعذابه في الدنيا والآخرة.
فهو سجية مذمومة, وطبع سيئ مبغوض, قال ابن حزم: (إن العجب من أعظم الذنوب وأمحقها للأعمال. فتحفظوا حفظنا الله وإياكم من العجب والرياء) (١).
ويقول الغزالي ﵀: (اعلم أن العجب مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ
قال الله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة: ٢٥]. ذكر ذلك في معرض الإنكار وقال : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢] فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم وقال تعالى وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٤]) (٢).
بل عده شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نوع من أنواع الشرك فقال: ((وكثيراً ما يقرن الرياء بالعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، العجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ والمعجب لا يحقق قوله: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فمن حقق قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ خرج عن الرياء ومن حقق قوله: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ خرج عن الإعجاب)). (٣)