← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38218

موسوعة الأخلاق الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 050 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الفرق بين العجب ومرادفاته قال ابن حزم ﵀: (الْعُجْب أصل يتفرع عنه التيه والزهو والكبر والنخوة والتعالي وهذه أسماء واقعة على معان متقاربة. ولذلك صعب الفرق بينها على أكثر الناس) (١). ومع ذلك فقد تكلم العلماء وخاصة أهل اللغة عن الفروق بين العجب ومترادفاته ولعلنا نذكر منها ما يلي: الفرق بين العجب والكبر: قال أبو هلال العسكري ﵀: (الفرق بين العجب والكبر: أن العجب بالشيء شدة السرور به حتى لا يعادله شيء عند صاحبه تقول هو معجب بفلانة إذا كان شديد السرور بها، وهو معجب بنفسه إذا كان مسرورا بخصالها. ولهذا يقال أعجبه كما يقال سر به فليس العجب من الكبر في شيء، وقال علي بن عيسى: العجب عقد النفس على فضيلة لها ينبغي أن يتعجب منها وليست هي لها) (٢). وقال الغزالي ﵀: (فإن الكبر يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به وبه ينفصل الكبر عن العجب كما سيأتي فإن العجب لا يستدعي غير المعجب بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده تصور أن يكون معجبا ولا يتصور أن يكون متكبرا إلا أن يكون مع غيره) (٣). الفرق بين العجب والتيه: قال مرتضى الزبيدي ﵀: (ونَقَل شَيْخُنَا عن الرَّاغِبِ في الفَرْقِ بَيْن المُعْجَبِ والتَّائِهِ، فَقَالَ: المُعْجَبُ يُصَدِّقُ نَفْسَه فِيمَا يَظُنُّ بِهَا وَهْماً. والتَّائِهُ يُصَدِّقُها قَطْعاً) (٤). الفرق بين العجب والإدلال: يقول المحاسبي: (إن الإدلال معنى زائد في العجب وهو أن يعجب بعمله أو علمه فيرى أن له عند الله قدراً عظيماً قد استحق به الثواب على عمله, فإن رجاء المغفرة مع الخوف لم يكن إدلالاً وإن زايل الخوف ذلك فهو إدلال) (٥).

стр. 842

ذم العجب والنهي عنه في القرآن والسنة ذم العجب والنهي عنه من القرآن الكريم: أما العجب في القرآن الكريم فقد وردت فيه عدة آيات تبين خطره, وتنبه على أنه آفة تجر وراءها آفات دنيوية وعقوبات أخروية, فمن تلك الآيات: - قال الله ﵎: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة: ٢٥]. (قال جعفر: استجلاب النصر في شيء واحد، وهو الذلة والافتقار والعجز ... وحلول الخذلان بشيء واحد وهو العجب ... ) (١). - وقال الله ﵎: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا [الكهف: ٣٢ - ٣٦]. قال ابن عاشور ﵀: (ضرب مثلا للفريقين للمشركين وللمؤمنين بمثل رجلين كان حال أحدهما معجبا مؤنقا وحال الآخر بخلاف ذلك فكانت عاقبة صاحب الحال المونقة تبابا وخسارة، وكانت عاقبة الآخر نجاحا، ليظهر للفريقين ما يجره الغرور والإعجاب والجبروت إلى صاحبه من الإرزاء، وما يلقاه المؤمن المتواضع العارف بسنن الله في العالم من التذكير والتدبر في العواقب فيكون معرضا للصلاح والنجاح) (٢). - وقال الله ﵎: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: ٣٧ - ٣٨]. يقول العز بن عبد السلام: (زجره عن التطاول الذي لا يدرك به غرضاَ، أو يريد: كما أنك لا تخرق الأرض ولا تبلغ الجبال طولاً فلذلك لا تبلغ ما تريده بكبرك وعجبك, إياساً له من بلوغ إرادته) (٣). - وقال الله ﵎: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان: ١٨] قال الإمام بن كثير ﵀: (لَا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ عَنِ النَّاسِ إِذَا كَلَّمْتَهُمْ أَوْ كَلَّمُوكَ، احْتِقَارًا مِنْكَ لَهُمْ وَاسْتِكْبَارًا عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَلِنْ جَانِبَكَ وَابْسُطْ وَجْهَكَ إِلَيْهِمْ ... وقوله تعالى: ولا تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً أي خيلاء مُتَكَبِّرًا جَبَّارًا عَنِيدًا، لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ يُبْغِضُكَ اللَّهُ، وَلِهَذَا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ أَيْ مُخْتَالٍ مُعْجَبٍ فِي نَفْسِهِ فَخُورٍ أَيْ عَلَى غَيْرِهِ)) (٤). - وقال الله ﵎: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٤٩]. ذم العجب والنهي عنه من السنة النبوية:

стр. 843

- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جَمَّتَهُ إذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (١). قال أبو العباس القرطبي: (يفيد هذا الحديث ترك الأمن من تعجيل المؤاخذة على الذنوب، وأن عجب المرء بنفسه وثوبه وهيئته حرام وكبيرة) (٢). - وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من رجل يتعاظم في نفسه ويختال في مشيته إلا لقي الله وهو عليه غضبان)) (٣). يقول المناوي في شرح هذا الحديث: ((مَا من رجل) أَي إنسان وَلَو أُنْثَى (يتعاظم فِي نَفسه يختال فِي مَشْيه) فِي غير الْحَرْب (إلا لقي الله تَعَالَى) يَوْم الْقِيَامَة أَو بِالْمَوْتِ (وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) لأنه لَا يحب المستكبرين, وَمَا لِابْنِ آدم وللتعاظم وإنما أَوله نُطْفَة مذرة وَآخره جيفة قذرة وَهُوَ فِيمَا بَين ذَلِك يحمل الْعذرَة وَقد خلق فِي غَايَة الضعْف تستولي عَلَيْهِ الأمراض والعلل وتتضاه فِيهِ الطبائع فيهدم بَعْضهَا بَعْضًا فيمرض كرها وَيُرِيد أن يعلم الشيء فيجهله وأن ينسى الشيء فيذكره وَيكرهُ الشيء فينفعه ويشتهي الشيء فيضره معرض للآفات فِي كل وَقت ثمَّ آخِره الْمَوْت وَالْعرض لِلْحسابِ وَالْعِقَاب فإن كَانَ من أهل النَّار فالخنزير خير مِنْهُ فَمن أَيْن يَلِيق بِهِ التعاظم وَهُوَ عبد مَمْلُوك لَا يقدر على شيء) (٤). - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه العجب)) (٥). قال المناوي ﵀ تعليقاً على هذا الحديث: (لأن العاصي يعترف بنقصه فترجى له التوبة والمعجب مغرور بعمله فتوبته بعيدة) (٦). - وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة الشيخ الزاني والإمام الكذاب والعائل المزهو)) (٧). - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فأما المنجيات: فتقوى الله في السر والعلانية والقول بالحق في الرضى والسخط والقصد في الغنى والفقر. وأما المهلكات: فهوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه وهي أشدهن)) (٨). قال الملا علي القاري: ((وإعجاب المرء بنفسه) أي: باستحسان أعمالها وأحوالها أو مالها وجمالها وسائر ما يتوهم أنه من كمالها (وهي أشدهن) أي: أعظمهن وزرا وأكثرهن ضررا لأنه يتصور أن يتوب من متابعة الهوى، ومن رذيلة البخل، والمعجب مغرور ومزين فهو محبوب لا يرجى زواله كالمبتدع، فإنه قل أن يتوب من بدعته. وقال الطيبي: لأن المعجب بنفسه متبع هواه ومن هوى النفس الشح المطاع) (٩).

стр. 844

أقوال السلف والعلماء في ذم العجب - وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: (لَبِسْتُ مَرَّةً دِرْعًا جَدِيدًا فَجَعَلْت أَنْظُرُ إلَيْهِ، وَأَعْجَبُ بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا دَخَلَهُ الْعُجْبُ بِزِينَةِ الدُّنْيَا مَقَتَهُ رَبُّهُ حَتَّى يُفَارِقَ تِلْكَ الزِّينَةَ؟ قَالَتْ فَنَزَعْتُهُ فَتَصَدَّقْتُ بِهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَسَى ذَلِكَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكِ) (١). - وقال عمر: (أخوف ما أخاف عليكم أن تهلكوا فيه ثلاث خلال شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه) (٢). - وقالت عائشة ﵂: (وإن العجب لو كان رجلا كان رجل سوء) (٣). - وقال علي بن أبي طالب ﵁: (الإعجاب ضدّ الصواب، وآفة الألباب) (٤). - وعن كعب أنه قال لرجل رآه يتبع الأحاديث: (اتق الله وارض بالدون من المجلس ولا تؤذ أحدا فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب مازادك الله به إلا سفالا ونقصانا) (٥). - وقال أبو الدرداء: (علامة الجهل ثلاث العجب وكثرة المنطق فيما لا يعنيه وأن ينهى عن شيء ويأتيه) (٦). - وعن مسروق قال: (كفى بالمرء علما أن يخشى الله وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه) (٧). - وقال أبو وهب المروزي: (سألت ابن المبارك: ما الكبر؟ قال: أن، تزدري الناس. فسألته عن العجب؟ قال: أن ترى أن عندك شيئا ليس عند غيرك، لا أعلم في المصلين شيئا شرا من العجب) (٨). - وقال علي بن ثابت: (المال آفته التبذير والنهب والعلم آفته الإعجاب والغضب) (٩). - وعن خالد بن يزيد بن معاوية قال: (إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً معجباً بنفسه، فقد تمت خسارته) (١٠). - وكان يحيى بن معاذ يقول: (إِياكم والعجب، فإِنَّ الْعجبَ مهلكة لِأَهْلِه، وَإِنَّ الْعجب ليأكل الحسَنَات كَمَا تأكُلُ النَّار الحطب) (١١). - وكان ذو النون يقول: (أربع خلال لها ثمرة: العجلة، والعجب، واللجاجة، والشره، فثمرة العجلة الندامة، وثمرة العجب البغض، وثمرة اللجاجة الحيرة، وثمرة الشره الفاقة) (١٢). - وقال عَبْد الله بن المبارك: (اثنتان منجيتان واثنتان مهلكتان فالمنجيتان النية والنهي فالنية أن تنوي أن تطيع الله فيما يستقبل والنهي أن تنهى نفسك عما حرم الله والمهلكتان العجب والقنوط) (١٣). - وقال الحرث بن نبهان: سمعت محمد بن واسع يقول: (وا أصحاباه ذهب أصحابي قال: قلت: يرحمك الله أليس قد نشأ شباب يقرءون القرآن ويقومون الليل ويصومون النهار ويحجون ويقرءون؟ قال: فبزق وقال: أفسدهم العجب) (١٤).

стр. 845

حكم العجب العجب كبيرة من كبائر الذنوب التي تستحق غضب الله ومقته وعذابه في الدنيا والآخرة. فهو سجية مذمومة, وطبع سيئ مبغوض, قال ابن حزم: (إن العجب من أعظم الذنوب وأمحقها للأعمال. فتحفظوا حفظنا الله وإياكم من العجب والرياء) (١). ويقول الغزالي ﵀: (اعلم أن العجب مذموم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ قال الله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة: ٢٥]. ذكر ذلك في معرض الإنكار وقال : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر: ٢] فرد على الكفار في إعجابهم بحصونهم وشوكتهم وقال تعالى وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: ١٠٤]) (٢). بل عده شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نوع من أنواع الشرك فقال: ((وكثيراً ما يقرن الرياء بالعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، العجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ والمعجب لا يحقق قوله: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فمن حقق قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ خرج عن الرياء ومن حقق قوله: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ خرج عن الإعجاب)). (٣)

стр. 846

آثار العجب للعجب آثار وأضرار سيئة على العبد قد تقوده إلى الهلكة من حيث لا يشعر, ومن تلك الأضرار: ١. أنه يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْكِبْرِ الْعُجْبَ، فَإِنَّ مَنْ أُعْجِبَ بِشَيْءٍ تَكَبَّرَ بِهِ (١). وقال المحاسبي: (إن أول بدوِّ الكبر العجب, فمن العجب يكون أكثر الكبر ولا يكاد المعجب أن ينجو من الكبر ... ) (٢). ٢. أنه يتولد عنه الكثير من الأخلاق السيئة والصفات الرديئة كالتيه وازدراء الآخرين, لذا قيل فِي تَعْرِيفِ التِّيهِ: (هُوَ خُلُقٌ مُتَوَلِّدٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ، وَإِزْرَاؤُهُ بِغَيْرِهِ، فَيَتَوَلَّدُ مِنْ بَيْنِ هَذَيْنِ التِّيهُ) (٣) ٣. يدعو إلى إهمال الذنوب ونسيانها فلا يحدث العبد بعد ذلك توبة. قال المحاسبي: (يجمع العجب خصالاً شتى: يعمى عليه كثير من ذنوبه وينسى مما لم يعم عليه منها أكثرها, وما ذكر منها كان له مستصغراً, وتعمى عليه أخطاؤه وقوله بغير الحق) (٤). ٤. يجعل العبد يستعظم أعماله وطاعاته ويمن على الله بفعلها. ٥. يدعو العبد إلى الاغترار بنفسه وبرأيه ويأمن مكر الله وعذابه ويظن أنه عند الله بمكان ولا يسمع نصح ناصح ولا وعظ واعظ. ٦. يمنعه عن سؤال أهل العلم. ٧. يفتره عن السعي لظنه أنه قد فاز, وأنه قد استغنى وهو الهلاك الصريح (٥). ٨. يخفي المحاسن ويظهر المساوئ ويكسب المذام ويصد عن الفضائل (٦). ٩. يحبط العمل, ويفسده, ويذهب به. يقول النووي ﵀: اعلم أن الإخلاص قد يعرض له آفة العُجب، فمن أعجب بعمله حبط عمله، وكذلك من استكبر حبط عمله (٧). ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (لا شيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس) (٨). ١٠. يدعو العبد إلى المن بما يقدم من معروف, وإلى تعظيم ما يسدي من خير قال المحاسبي: (ويخرجه المن بمعروفه وصدقته. لأنه عظم عنده ما تصدق به أو تفضل به وينسى منة الله عليه, وأنه مضيع لشكره على ذلك, فمن بما اصطنع من معروفه فحبط أجره, كما قال الله : (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) (٩). ١١. طريق إلى خذلان المرء بحيث يكل الله العبد إلى نفسه فلا ينصره, وقد قال جل وعلا: قال الله ﵎: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة: ٢٥] (١٠). ١٢. من اتصف به ساءت عاقبته في الدنيا والآخرة (١١).

стр. 847

صور العجب قد يحصل العجب بصفات اضطرارية وقد يحصل بصفات اختيارية, والفرق بينهما أن الصفات الاضطرارية هي ما خلقت في الإنسان ابتداء دون أن يكون له تدخل فيها كالجمال والنسب وغيرها, أما الاختيارية فهي ما تحصل عليها ببذل مجهود واكتسبها بعد أن لم يكن متصفاً بها كالعلم والمال والجاه وغيرها. وكلها العجب بها مذموم, يقول المرتضى في البحر الزخار: (ولا فرق بين أن تكون تلك الخصلة التي حصل بها الإعجاب اضطرارية كجمال أو فصاحة أو كثرة عشيرة أو مال أو بنين أم اختيارية كإقدام, أو كثرة علم أو طاعة أو نحو ذلك فإن العجب بذلك كله قبيح شرعاً ولا أعرف فيه خلافاً) (١). ونحن نذكر بعض هذه الصفات الاضطرارية والاختيارية: - الإعجاب بالعقل الراجح, والذكاء. - الإعجاب بالرأي السديد. - الإعجاب بالعلم وغزرته والتفوق على الأقران فيه. - الإعجاب بالشجاعة والإقدام والقوة والبأس. - الإعجاب بجمال الصورة وحسن المظهر. - الإعجاب بالجاه والمنصب والرئاسة والتصدر. - الإعجاب بالعبادة والطاعة. - الإعجاب بما يقدمه من خير ومنفعة للناس. - الإعجاب بالنسب والشرف أو العشيرة والقبيلة. - الإعجاب بالمال والغنى والتجارة وسعة الرزق. - الإعجاب بكثرة الأتباع والأنصار والمريدين. - الإعجاب بكثرة الأبناء. وغير ذلك من الخصال التي يتحصل بها العجب

стр. 848

أسباب العجب للعجب أسباب تجر الشخص إلى الوقوع فيه, وبواعث تدعوه إليه نذكر منها ما يلي: ١. جهل المرء بحقيقة نفسه وغفلته عنها (وحاصل ذلك أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به يتولد منهما رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها ويتولد من ذلك من العجب والكبر والآفات ما هو أكبر من الكبائر الظاهرة من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف ونحوها) (١). ٢. المدح والثناء والإطراء في الوجه سبب قوي من أسباب العجب قال الماوردي ﵀: (من أقوى أسبابه – أي العجب - كثرة مديح المتقربين وإطراء المتملقين الذين جعلوا النفاق عادة ومكسبا، والتملق خديعة وملعبا، فإذا وجدوه مقبولا في العقول الضعيفة أغروا أربابها باعتقاد كذبهم، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الاستهزاء بهم) (٢). وقال ابن حجر ﵀: (قال بن بطال حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك المنزلة فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالا على ما وصف به) (٣). ٣. ومما يوصل الإنسان إلى العجب بنفسه مقارنته لنفسه بمن هو دونه في العمل والفضل, واعتقاده أن الناس هلكى بالذنوب والمعاصي وأنه على خير كبير إذا قورن بغيره. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قال الرجل هلك الناسُ فهو أهلكهُم)) (٤). ٤. النشأة والتربية, فقد ينشأ الإنسان في بيئة غلب عليها طبع العجب والكبر فيأخذ هذا الطبع منها, ويتأثر بمحيطه ومن حوله. يقول السيد محمد نوح: (قد ينشأ بين أبوين يلمس منهما أو من أحدهما: حب المحمدة ودوام تزكية النفس إن بالحق وإن بالباطل والاستعصاء على النصح والإرشاد ونحو ذلك من مظاهر الإعجاب بالنفس فيحاكيهما وبمرور الزمن يتأثر بهما ويصبح الإعجاب بالنفس جزء من شخصيته إلا من رحم الله) (٥). وكما قال الشاعر: وينشأ ناشئ الفتيان منَّا ... على ما كان عوده أبوه ٥. الرفقة والصحبة سبب من أسباب الإعجاب بالنفس, ذلك أن الإنسان شديد المحاكاة والتأثر بصاحبه لا سيما إذا كان هذا الصاحب قوى الشخصية ذا خبرة ودراية بالحياة وكان المصحوب غافلا على سجيته يتأثر بكل ما يلقى عليه وعليه فإذا كان الصاحب مصابا بداء الإعجاب فإن عدواه تصل إلى قرينه فيصير مثله (٦). ٦. الاغترار بالنعمة والركون إليها مع نسيان ذكر المنعم ﵎, (فإذا حباه الله نعمة من المال أو علم أو قوة أو جاه أو نحوه وقف عند نعمة ونسي المنعم وتحت تأثير بريق المواهب وسلطانها تحدثه نفسه أنه ما أصابته هذه النعمة إلا لما لديه من علم على حد قول قارون: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص: ٧٨] ولا يزال هذا الحديث يلح عليه حتى يرى أنه بلغ الغابة أو المنتهى ويسر ويفرح بنفسه وبما يصدر عنها ولو كان باطلا وذلك هو الإعجاب بالنفس) (٧). ٧. تولي المناصب القيادية, من سلطة أو قضاء أو إدارة أو إشراف وغير ذلك من المسؤوليات. ٨. التمتع بصفة أو مزية تجعله يتميز عن غيره فيها سواء كانت هذه الصفة اضطرارية كالجمال, أو فصاحة اللسان أو النسب أو العشيرة أو المال والبنين أو غيرها, أو كانت تلك الصفة اختيارية كالعلم والطاعة والإقدام وغيرها. ٩. المبالغة في التوقير والاحترام من الأتباع, وفي ذلك قاصمة ظهر للمتبوع. ١٠. قلة الورع والتقوى وضعف المراقبة لله . ١١. قلّة الناصح والموجه أو فقده بالكلية. ١٢. عدم التفكر في حال الدنيا والافتتان بها وبزخرفها الفاني بالإضافة إلى اتباع هوى النفس ومتابعتها فيها. ١٣. الغفلة عن نهاية العجب والمعجبين ومآلهم في الدنيا والآخرة. ١٤. عدم التأمل في النصوص الشرعية من القرآن والسنة النبوية, الناهية عن هذه السجية القبيحة, الآمرة بضدها من تواضع وخفض جناح. ١٥. الأمن من مكر الله والركون إلى عفوه ومغفرته.

стр. 849

علامات العجب هناك بعض العلامات والأمارات التي تظهر في سلوك المعجب بنفسه منها: ١. تزكية النفس, والرفع من شأنها. ٢. عدم سماع النصيحة, والاستعصاء على التوجيه والإرشاد. ٣. الفرح بسماع عيوب الآخرين خاصة الأقران ٤. رد الحق والترفع عن الاستجابة لداعيه. ٥. احتقار الناس, وتصعير الخد لهم. ٦. الاستنكاف عن استشارة العقلاء والفضلاء. ٧. الاختيال والتبختر في المشي. ٨. استعظام الطاعة واستكثارها, والمنة على الله بها ٩. المباهاة بالعلم والتفاخر به وجعله وسيلة للمماراة والجدل. ١٠. التباهي بالأحساب والأنساب, واحتقار الناس من أجل ذلك. ١١. التفاخر بحسن الخلقة وجمال المنظر. ١٢. تعمد التقليل من شأن أهل الفضل من العلماء والمشايخ والأتقياء. ١٣. التكبر عن الاستماع لأهل العلم. ١٤. الإصرار على الأخطاء, وتعمد مخالفة الناس. ١٥. التصدر في المجالس وإن لم يكن أهلاً لذلك, لظنه أنه الأجدر بالصدارة. ١٦. الفتور عن الأعمال الصالحة والاتكال على ما قد عمل ظناً منه أنه قد وصل إلى مرحلة الكمال.

стр. 850

الوسائل المعينة على ترك العجب يتكلم الإمام ابن حزم ﵀ عن علاج العجب فيجعل له علاجاً عاماً يتداوى به كل من أصيب بهذا الداء العضال والآفة القاتلة, وهذا العلاج يكمن في التفكر في عيوب النفس والنظر إلى نقصها وضعفها فيقول رحمه الله تعالى: (من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه. فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنية، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه، فليعلم أنه مصيبة للأبد وأنه أتم الناس نقصاً وأعظمهم عيوباً وأضعفهم تمييزاً ... فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه والاشتغال بذلك عن الإعجاب بها وعن عيوب غيره التي لا تضره لا في الدنيا ولا في الآخرة ... ثم تقول للمعجب: ارجع إلى نفسك، فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك، ولا تميل بين نفسك وبين من هو أكثر منها عيوباً فتستسهل الرذائل وتكون مقلداً لأهل الشر) (١). ثم يتكلم ﵀ عن علاج لبعض الحالات الخاصة من حالات العجب ننقلها هنا بتصرف يسير: - (علاج من أعجب بعقله: فإن أعجبت بعقلك، ففكر في كل فكرة سوء تمر بخاطرك وفي أضاليل الأماني الطائفة بك، فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ. - علاج من أعجب برأيه: وإن أعجبت بآرائك، فتفكر في سقطاتك واحفظها ولا تنسها، وفي كل رأي قدرته صواباً فخرج بخلاف تقديرك، وأصاب غيرك وأخطأت أنت، فإنك إن فعلت ذلك فأقل أحوالك أن يوازن سقوط رأيك صوابه فتخرج لا لك ولا عليك، والأغلب أن خطأك أكثر من صوابك. وهكذا كل أحد من الناس بعد النبيين صلوات الله عليهم. - علاج من أعجب بما يقدمه من الخير: وإن أعجبت بخيرك فتفكر في معاصيك وتقصيرك وفي معايبك ووجوهها، فوالله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك ويعفي على حسناتك، فليطل همك حينئذ من ذلك، وأبدل من العجب تنقيصاً لنفسك. - علاج من أعجب بعلمه: وإن أعجبت بعلمك فاعلم أنه لا خصلة لك فيه وأنه موهبة من الله مجردة وهبك إياها ربك تعالى فلا تقابلها بما يسخطه، فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها، تولد عليك نسيان ما علمت وحفظت ... واعلم أن كثيراً من أهل الحرص على العلم يجدون في القراءة والإكباب على الدرس والطلب ثم لا يرزقون منه حظاً، فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالإكباب وحده لكان غيره فوقه، فصح أنه موهبة من الله تعالى، فأي مكان للعجب ها هنا ما هذا إلا موضع تواضع وشكر لله تعالى واستزادة من نعمه واستعاذة من سلبها. ثم تفكر أيضاً في أن ما خفي عليك وجهلته من أنواع العلم الذي تختص به والذي أعجبت بنفاذك فيه، أكثر مما تعلم من ذلك، فاجعل مكان العجب استنقاصاً لنفسك واستقصاراً لها، فهو أولى. وتفكر فيمن كان أعلم منك تجدهم كثيراً، فلتهن نفسك عندك حينئذ. وتفكر في إخلالك بعلمك، فإنك لا تعمل بما علمت منه فعلمك عليك حجة حينئذ، لقد كان أسلم لك لو لم تكن عالماً. واعلم أن الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالاً وأعذر، فليسقط عجبك بالكلية. ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه من العلوم المتأخرة التي لا كبير خصلة فيها كالشعر وما جرى مجراه، فانظر حينئذ إلى من علمه أجل من علمك في مراتب الدنيا والآخرة، فتهون نفسك عليك. - علاج من أعجب بشجاعته: وإن أعجبت بشجاعتك فتفكر فيمن هو أشجع منك ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيما صرفتها، فإن كنت صرفتها في معصية فأنت أحمق، لأنك بذلت نفسك فيما ليس بثمن لها. وإن كنت صرفتها في طاعة فقد أفسدتها بعجبك، ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخ، وإنك إن عشت فستصير في عداد العيال وكالصبي ضعفاً ... - علاج من أعجب بجاهه:

стр. 851

وإن أعجبت بجاهك في دنياك فتفكر في مخالفيك وأندادك ونظائرك ولعلهم أخساء وضعاء سقاط. فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه ولعلهم ممن يستحيي من التشبه بهم لفرط رذالتهم وخساستهم في أنفسهم وفي أخلاقهم ومنابتهم، فاستهن بكل منزلة شارك فيها من ذكرت لك. إن كنت مالك الأرض كلها ولا خليفة عليك - وهذا بعيد جداً في الإمكان، فما نعلم أحداً ملك معمور الأرض كلها على قلته وضيق مساحته بالإضافة إلى غامرها فكيف إذا أضيف إلى الفلك المحيط ... وإن كنت ملك المسلمين كلهم، فاعلم أن ملك السودان وهو رجل أسود مكشوف العورة جاهل، يملك أوسع من ملكك. فإن قلت أخذته بحق، فلعمري ما أخذته بحق إذ استعملت فيه رذيلة العجب، وإذا لم تعدل فيه فاستحي من حالك، فهي حالة لا حالة يجب العجب فيها. - علاج من أعجب بماله: وإن أعجبت بمالك، فهذه أسوأ مراتب العجب فانظر في كل ساقط خسيس فهو أغنى منك، فلا تغتبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت. واعلم أن عجبك بالمال حمق لأنه أحجار لا تنتفع بها إلا بأن تخرجها عن ملكك بنفقتها في وجهها فقط. والمال أيضاً غاد ورائح، وربما زال عنك ورأيته بعينه في يد غيرك، ولعل ذلك يكون في يد عدوك، فالعجب بمثل هذا سخف والثقة به غرور وضعف. - علاج من أعجب بجماله وحسن منظره: وإن أعجبت بحسنك ففكر فيما عليك مما نستحيي نحن من إثباته وتستحي أنت منه إذا ذهب عنك بدخولك في السن. - علاج من أعجب بمدح الناس له: وإن أعجبت بمدح إخوانك لك، ففكر في ذم أعدائك إياك، فحينئذ ينجلي عنك العجب، فإن لم يكن لك عدو فلا خير فيك ولا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له، فليست إلا منزلة من ليس الله تعالى عنده نعمة يحسد عليها، عافانا الله. فإن استحقرت عيوبك ففكر فيها لو ظهرت إلى الناس وتمثل اطلاعهم عليها، فحينئذ تخجل وتعرف قدر نقصك إن كانت لك مسكة من تمييز ... - علاج من أعجب بنسبه وأرومته: وإن أعجبت بنسبك، فهذه أسوأ من كل ما ذكرنا، لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلاً في دنيا ولا آخرة. وانظر هل يدفع عنك جوعة أو يستر لك عورة أو ينفعك في آخرتك. ثم انظر إلى من يساهمك في نسبك، وربما فيما هو أعلى منه ممن نالته ولادة الأنبياء ﵈ ثم ولادة الخلفاء، ثم ولادة الفضلاء من الصحابة والعلماء ثم ولادة ملوك العجم من الأكاسرة والقياصرة، ثم ولادة التبابعة وسائر ملوك الإسلام، فتأمل غبراتهم وبقاياهم ومن يدلي بمثل ما تدلي به من ذلك تجد أكثرهم أمثال الكلاب خساسة، وتلقهم في غاية السقوط والرذالة والتبذل والتحلي بالصفات المذمومة. فلا تغتبط بمنزلة هم نظراؤك أو فوقك. - علاج من أعجب بفضل آبائه: فإن أعجبت بولادة الفضلاء إياك، فما أخلى يدك من فضلهم إن لم تكن أنت فاضلاً، وما أقل غناءهم عنك في الدنيا والآخرة إن لم تكن محسناً، والناس كلهم ولد آدم الذي خلقه الله تعالى بيده، وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته، ولكن ما أقل نفعه لهم، وفيهم كل عيب وكل فاسق وكل كافر. وإذا فكر العاقل في أن فضائل آبائه لا تقربه من ربه تعالى ولا تكسبه وجاهة لم يحزها هو بسعده أو بفضله في نفسه ولا ماله، فأي معنى للإعجاب بما لا منفعة فيه ... - علاج من طلب المدح عجباً بنفسه: فإن تعدى بك العجب إلى الامتداح فقد تضاعف سقوطك، لأنه قد عجز عقلك عن مفارقة ما فيك من العجب. هذا إن امتدحت بحق، فكيف إن امتدحت بكذب! وقد كان ابن نوح وأبو إبراهيم وأبو لهب، عم النبي صلى الله عليه وعلى نوح وإبراهيم وسلم، أقرب الناس من أفضل خلق الله تعالى من ولد آدم وممن الشرف كله في اتباعهم، فما انتفعوا بذلك. - علاج من أعجب بقوة جسمه أو خفته: وإن أعجبت بقوة جسمك فتفكر في أن البغل والحمار والثور أقوى منك وأحمل للأثقال، وان أعجبت بخفتك، فاعلم أن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا الباب. فمن أعجب العجيب إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير الناطق ... )) (١).

стр. 852

العجب عند الحكماء والأدباء - قال ابن المقفع: (العُجب آفةُ العقل، واللجاجةُ قُعودُ الهوى، والبُخل لقاحُ الحرصِ، والمراءُ فسادُ اللسانِ، والحميةُ سببُ الجهلِ، والأنفُ توأمُ السفهِ، والمنافسة أختُ العداوةِ) (١). - وقال أيضاً: (واعلم أن خفضَ الصوتِ وسكون الريحِ ومشي القصدِ من دواعي المودةِ، إذا لم يخالط ذلك بأو (٢) ولا عجبٌ. أما العجبُ فهو من دواعي المقتِ والشنآن) (٣). - وقال فيلسوف: (العجب فضيلة يراها صاحبها في غيره فيدعيها لنفسه) (٤). - وقيل لبزر جمهر: (ما النعمة التي لا يحسد عليها صاحبها: قال: التواضع قيل له فما البلاء الذي لا يرحم عليه صاحبه قال العجب) (٥). - قال أبو عمرو بن العلاء: (الأخلاق المانعة للسؤدد الكذب والكبر والسخف والتعرض للعيب وفرط العجب). (٦) - تكلّم رَبيعةُ الرَّأي يَوْماً بكلام في العِلْم فأكثر، فكأَنَّ العُجبَ دَاخَلَه، فالتفت إلى أعرابيّ إلى جَنْبه، فقال: ما تَعُدون البلاغة يا أعرابيّ؟ قال: قِلّة الكلام وإيجاز الصوَّاب؛ قال: فما تَعُدون العِيّ؟ قال: ما كُنتَ فيه منذ اليوم، فكأنما أَلْقَمَه حَجَراً (٧). - وكان يقال: (المعْجبِ لَحُوح والعاقلُ منه في مَؤُونة. وأمَا العُجْب فإنه الجَهْل والكِبر) (٨). - وقيل: (ما أسلب العجب للمحاسن) (٩). - وقيل: (العجب أكذب، ومعرفة الرجل نفسه أصوب) (١٠). - وقيل: (ثمرة العجب المقت) (١١). - وقيل: (سوء العادة كمين لا يؤمن. وأحسن من العجب بالقول ألا تقول. وكفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة) (١٢). - وسئل أنيس بن جندل: (ما أجلب الأشياء للمقت؟ فقال: العجب والخرق) (١٣). - وقيل: (إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله) (١٤). - وقالوا: (من أعجب برأيه ضل ومن استغنى بعقله زل ومن تكبر على الناس ذلك ومن خالط الأنذال حقر ومن جالس العلماء وقر) (١٥).

стр. 853

العجب في واحة الشعر .. قال أحد الشعراء: يا مظهرَ الكبر إعجاباً بصورته ... انظر خلاك فإن النتن تثريب لو فكر الناس فيما في بطونهم ... ما استشعر الكبر شبان ولا شيب هل في ابن آدم مثل الرأس مكرُمةً ... وهو بخمس من الأقذار مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سهك ... والعين مرفضة والثغر ملعوب يا ابن التراب ومأكول التراب غداً ... أقصر فإنك مأكول ومشروب وقال آخر: يا من غلا في العجب والتيه ... وغره طول تماديه أملى لك الله فبارزته ... ولم تخف غب معاصيه وقال منصور الفقيه: تتيه وجسمك من نطفةٍ ... وأنت وعاءٌ لما تعلم (١) ...

стр. 854

معنى الغدر لغة واصطلاحاً معنى الغدر لغة: هو الإخلال بالشّيء وتركه (١). وهو ضدّ الوفاء بالعهد (٢). وقَالَ اللَّيْث: تَقول: غَدَرَ يَغْدِرُ غَدْراً إِذا نقض الْعَهْد وَنَحْوه (٣). معنى الغدر اصطلاحاً: قال الجاحظ: (هو الرّجوع عمّا يبذله الإنسان من نفسه ويضمن الوفاء به) (٤). وقال المناويّ: (الغدر: نقض العهد والإخلال بالشّيء وتركه) (٥). وقيل هو: (نقض العهد مطلقاً في لحظة لم تكن متوقعة ولا منتظرة) (٦).

стр. 855

الفرق بين المكر والغدر الفرق بينهما: أن الغدر: نقض العهد الذي يجب الوفاء به. والمكر: قد يكون ابتداء من غير عقد (١).

стр. 856

ذم الغدر والنهي عنه في القرآن والسنة ذم الغدر والنهي عنه في القرآن الكريم: - قال تعالى: وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللهِ [النحل: ٩٢]. قال ابن كثير: ( ... لأن الكافر إذا رأى المؤمن قد عاهده، ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين، فانصدّ بسببه عن الدخول في الإسلام) (١). وقال ابن زيد، في قوله: تتخذون أيمانكم دخلا بينكم [النحل: ٩٢] يغر بها، يعطيه العهد يؤمنه وينزله من مأمنه، فتزل قدمه وهو في مأمن، ثم يعود يريد الغدر، دَخَلا بَيْنَكُمْ [النحل: ٩٢] قَالَ قَتَادَةُ: خِيَانَةً وَغَدْرًا (٢). وقال المراغي: (أي تجعلون أيمانكم التي تحلفون بها على أنكم موفون بالعهد لمن عاقدتم- خديعة وغروراً ليطمئنوا إليكم، وأنتم مضمرون لهم الغدر وترك الوفاء بالعهد، والنّقلة إلى غيرهم من أجل أنهم أكثر منهم عدداً وعدداً وأعز نفراً، بل عليكم بالوفاء بالعهود والمحافظة عليها في كل حال) (٣). - قال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: ٩١]. قال الطبري: (إن الله تعالى أمر في هذه الآية عباده بالوفاء بعهوده التي يجعلونها على أنفسهم، ونهاهم عن نقض الأيمان بعد توكيدها على أنفسهم لآخرين بعقود تكون بينهم بحق مما لا يكرهه الله) (٤). قال الماوردي: (لا تنقضوها بالغدر بعد توكيدها بالوفاء) (٥). - قوله تعالى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال: ٥٨]. قال الحافظ ابن كثير: (يقول تعالى لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ قد عاهدتهم خِيَانَةً أي: نقضًا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ أي: عهدهم عَلَى سَوَاءٍ أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك) (٦). وقال العلامة السعدي: (وإذا كان بينك وبين قوم عهد وميثاق على ترك القتال فخفت منهم خيانة، بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة. فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عهدهم، أي: ارمه عليهم، وأخبرهم أنه لا عهد بينك وبينهم. عَلَى سَوَاءٍ أي: حتى يستوي علمك وعلمهم بذلك، ولا يحل لك أن تغدرهم، أو تسعى في شيءٍ مما منعه موجب العهد، حتى تخبرهم بذلك. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ بل يبغضهم أشد البغض، فلا بد من أمر بيِّنٍ يبرئكم من الخيانة ... ودل مفهومها أيضاً أنه إذا لم يُخَفْ منهم خيانة، بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته) (٧). - قال تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً [الإسراء: ٣٤]. قال القاسمي: (لا تنقضوا العهود الجائزة بينكم وبين من عاهدتموهم، فتخفروها وتغدروا بمن أعطيتموه إياها) (٨).

стр. 857

وقال الراغب: (ولكون الوفاء سبباً لعامة الصلاح. والغدر سبباً لعامة الفساد، عظم الله أمرهما، وأعاد في عدة مواضع ذكرهما، فقال: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٤]، وقال: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) (١). وقال ابن رجب: (ويدخل في العُهود التي يجب الوفاءُ بها، ويحرم الغَدْرُ فيها: جميعُ عقود المسلمين فيما بينهم، إذا تَرَاضَوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاءُ بها، وكذلك ما يجبُ الوفاء به لله ممَّا يعاهدُ العبدُ ربَّه عليه من نذرِ التَّبرُّرِ ونحوه) (٢). ذم الغدر والنهي عنه من السنة النبوية: - عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان)) (٣). قال ابن بطال: (وهذه مبالغة في العقوبة وشدة الشهرة والفضيحة) (٤). وقال النووي: (لكل غادر لواء أي علامة يشهر بها في الناس لأن موضوع اللواء الشهرة مكان الرئيس علامة له وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر لتشهيره بذلك) (٥). وقال ابن عثيمين: (وفي هذا الحديث دليل على أن الغدر من كبائر الذنوب، لأن فيه هذا الوعيد الشديد) (٦). - وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربع، من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر)) (٧). قال المناوي: (وإذا عاهد غدر) أي: نقض العهد (٨). وقال العظيم آبادي: (وإذا عاهد غدر) أي: نقض العهد وترك الوفاء بما عاهد عليه (٩). وقال ابن عثيمين: (وإذا عاهد غدر) يعني: إذا أعطى عهدًا على أي شيء من الأشياء غدر به ونقض العهد، وهذا يشمل المعاهدة مع الكفار، والمعاهدة مع المسلم في بعض الأشياء ثم يغدر بذلك (١٠). - وفي حديث هرقل الطويل مع أبي سفيان عندما سأله عن النبي: ((فهل يغدر؟ قال: لا، ثم قال هرقل: وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون)) (١١). قال ابن بطال: قد جاء فضل الوفاء بالعهد وذم الختر في غير موضع في الكتاب والسنة، وإنما أشار البخاري في هذا الحديث إلى سؤال هرقل لأبى سفيان: هل يغدر؟ إذ كان الغدر عند كل أمة مذموماً قبيحاً، وليس هو من صفات رسل الله، فأراد أن يمتحن بذلك صدق النبي؛ لأن من غدر ولم يفِ بعهد لا يجوز أن يكون نبياً؛ لأن الأنبياء والرسل ﵈ أخبرت عن الله بفضل من وفى بعهد وذم من غدر وختر (١٢). - وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعط أجره)) (١٣). قال المهلب: قوله: (أعطى بي ثم غدر) يريد: نقض عهداً عاهده عليه (١٤).

стр. 858

وقال المناوي: (ثم غدر) أي: نقض العهد الذي عاهد عليه لأنه جعل الله كفيلاً له فيما لزمه من وفاء ما أعطى والكفيل خصم المكفول به للمكفول له (١). وقال الصنعاني: فيه دلالة على شدة جرم من ذكر وأنه تعالى يخصمهم يوم القيامة نيابة عمن ظلموه، وقوله أعطى بي أي: حلف باسمي وعاهد أو أعطى الأمان باسمي وبما شرعته من ديني، وتحريم الغدر والنكث مجمع عليه (٢). - وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به)) (٣). قال ابن بطال: (دل أن الغدر حرام لجميع الناس برهم وفاجرهم؛ لأن الغدر ظلم، وظلم الفاجر حرام كظلم البر التقي. فإن قال قائل: فما وجه موافقة حديث ابن عباس للترجمة؟ قيل: وجه ذلك والله أعلم أن محارم الله عهود إلى عباده، فمن انتهك منها شيئاً لم يف بما عاهد الله عليه، ومن لم يف فهو من الغادرين، وأيضاً فإن النبي ﷺ لما فتح مكة مَنَّ على أهلها كلهم مؤمنهم ومنافقهم، ومعلوم أنه كان فيهم منافقون، ثم أخبر ﷺ أن مكة حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وأنه لا يحل قتال أحد فيها، وإذا كان هذا فلا يجوز الغدر ببر منهم ولا فاجر؛ إذ شمل جميعهم أمان النبي وعفوه عنهم) (٤). - وعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لكل غادر لواء عند إسته يوم القيامة)) (٥). وفي رواية: ((لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة)) (٦). قال النووي: وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر لاسيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثيرين (٧).

стр. 859

أقوال السلف والعلماء في ذم الغدر - قال أمير المؤمنين علي ﵁: (الغدر مكر والمكر كفر) (١). - وقال أيضاً: (الوفاء توأم الصدق، ولا أعلم جنة أوقى منه، وما يغدر من علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهله الغدر كيساً، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. ما لهم قاتلهم الله؟ قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من الله ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها. وينتهز فرصتها من لا خريجة له في الدين) (٢). - وقال أيضاً: (إذا كان الغدر طبعاً، فالثقة بكل أحد عجز) (٣). - وقال عديّ بن حاتم: (أتينا عمر في وفد فجعل يدعو رجلاً رجلاً ويسمّيهم. فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى. أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا. فقال عديّ: فلا أبالي إذاً) (٤). - قال ابن حزم: الغدر، وهو الذي لا يحتمله أحد ولا يغضي عليه كريم، وهو المسلاة حقاً ولا يلام السالي عنه على أي وجه كان، ناسياً أو متصبراً، بل اللائمة لاحقة لمن صبر عليه (٥). - ولمّا حلف محمّد الأمين للمأمون في بيت الله الحرام- وهما وليّا عهد- طالبه جعفر بن يحيى أن يقول: خذلني الله إن خذلته. فقال ذلك ثلاث مرّات. قال الفضل بن الرّبيع: قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العبّاس أجد نفسي أنّ أمري لا يتمّ. فقلت له ولم ذلك أعزّ الله الأمير؟ قال: لأنّي كنت أحلف وأنا أنوي الغدر، وكان كذلك لم يتمّ أمره (٦). - قال الأبشيهيّ: (وكم أوقع القدر في المهالك من غادر، وضاقت عليه من موارد الهلكات فسيحات المصادر، وطوقه غدره طوق خزي، فهو على فكّه غير قادر) (٧). - وقال أيضاً: أيّ سوء أقبح من غدر يسوق إلى النّفاق، وأيّ عار أفضح من نقض العهد إذا عدّت مساوئ الأخلاق (٨). - وقال ملك لصاحب ملك آخر: أطلعني على سر صاحبك، قال: إليّ تقول هذا؟ وما ذاق أحد كأساً أمر من الغدر، والله لو حول ثواب الوفاء إليه لما كان فيه عوض منه، ولكن سماجة اسمه وبشاعة ذكره ناهيان عنه (٩). - قال مروان لعبد الحميد الكاتب عند زوال أمره: صر إلى هؤلاء القوم، يعني بني العباس، فإني أرجو أن تنفعني في مخلفي، فقال وكيف لي بعلم الناس جميعاً إن هذا رأيك؟ كلهم يقولون إني قد غدرت بك وأنشد: وغدري ظاهر لا شك فيه ... لمبصرة وعذري بالمغيب - ولما أتى به المنصور قال له: استبقني فإني فرد الدهر بالبلاغة. فقطع يديه ورجليه، ثم ضرب عنقه (١٠).

стр. 860

آثار ومضار الغدر للغدر آثار سيئة وعواقب وخيمة، على العاملين، وعلى العمل الإسلامي (١): أولاً: آثاره على العاملين: من أبرز هذه الآثار وتلك العواقب على العاملين ما يلي: ١ - الغواية والضلال: إن الذين يتصفون بالغدر هم بعيدون عن كتاب الله وسنة رسوله، وبسبب ذلك فقد أغواهم الله تعالى وأضلهم، فلا يوفقون إلى خير. قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ [البقرة: ٢٦ - ٢٧]. ٢ - قسوة القلب: لقد كانت قسوة القلب سمة بارزة في أهل الكتاب لاسيما اليهود لكثرة نقضهم العهد والمواثيق. قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة: ١٣ - ١٤]. ٣ - ضياع المروءة، وذهاب الهيبة، وتسليط الأعداء: ولا يقف العقاب الإلهي عند هذا الحد، بل يكون معه ضياع المروءة وذهاب الهيبة وتسليط الأعداء، وما يتبع ذلك من السيطرة على الأوطان واستنزاف الخيرات والثروات، وتغيير هوية الأمة وثقافتها وقيمها وأخلاقها وسوم أبنائها سوء العذاب. قال تعالى: فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ [الفتح: ١٠]. قال محمد بن كعب القرظي رضي الله تعالى عنه: (ثلاث خصال من كن فيه، كن عليه: البغي، والنكث، والمكر) (٢). ٤ - تحمل الجزاء المترتب على الغدر: ذلك أن الغدر يؤدي إلى خسائر بدنية أو نفسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية وقد تكون هذه جميعاً، ولابد من ضمان التلف في جزاء يتولاه ولي الأمر أو نائبه، أو تتولاه الرعية حين يغدر ولي الأمر فيضيع من هم في رعايته. ٥ - براءة النبي ﷺ من أهل الغدر: ذلك أن النبي ﷺ جاء بمنهاج يدعو إلى الوفاء مع الخالق، والمخلوق، ومع العدو، والصديق بل حتى مع الدواب والجمادات ثم طبق ذلك عملياً على نفسه حين استبقى علياً مكانه في فراشه ليلة الهجرة ليرد الودائع إلى أصحابها، ووفى بعهده مع اليهود لولا أنهم غدروا، ووفى مع المشركين في مكة والطائف وغيرهما لولا غدرهم وخيانتهم. ٦ - حلول اللعنة على الغادر من الله، والملائكة، والناس أجمعين: ذلك أن الله يغار حين يرى العبد أكل نعمته، ثم غدر فاستخدمها في معصيته وحربه وتمثل هذه الغيرة في حلول اللعنة، ومعه سبحانه الملائكة، والناس أجمعين برهم، وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم. ٧ - الانتظام في سلك المنافقين:

стр. 861

ذلك أن الغادر أظهر شيئاً في الوقت الذي أبطن فيه خلافه، ومثل هذا الصنف من الناس يجب توقيه، والحذر منه لأنه لم يعد محل ثقة ولا أمانة إذ يظهر الموافقة على العهود، والالتزام، ثم يخفي النقض والغدر. ٨ - الفضيحة على رؤوس الأشهاد: ذلك أن الله لا يوقف عقابه للغادرين على الدنيا بل يضم إلى ذلك عقاب الآخرة، وأوله الفضيحة على رؤوس الأشهاد وما أعظمه وما أشده من عقاب. ٩ - لقاء الله أبتر اليمين: ذلك أنه أعطى بيعة بيمينه على الوفاء بما بايع عليه، وعدم النقض وأقل عقاب يعاقبه رب العزة: أنه يبعثه من قبره ليلقى ربه وقد حرمه يمينه تلك التي بايعت وخان صاحبها البيعة وغدر بعهده. ١٠ - المساءلة غداً مع الإهانة في الكلام، ومع الحرمان من رؤية الله والجنة: لا يقف أمر عقاب المولى للغادر عند حد الفضيحة على رؤوس الأشهاد وعند حد لقائه سبحانه له، وهو مبتور اليمين، بل يتعدى ذلك إلى المساءلة والإهانة في الكلام، والحرمان من رؤية رب العالمين والجنة. ثانياً: آثاره على العمل الإسلامي: كما أن للغدر آثاراً سيئة، وعواقب وخيمة على العاملين فله كذلك آثار سيئة وعواقب وخيمة على العمل الإسلامي نذكر منها: ١ - القطيعة والفرقة: ذلك أنه إذا شاع الغدر بين أبناء المجتمع سحب كل منهم ثقته بالآخر ووقعت الخصومات وما يتبعها من القطيعة والفرقة الأمر الذي يؤدي إلى طمع الأعداء، وسعيهم للسيطرة على بلاد المسلمين وانتهاك حرماتهم من العقيدة والدم، والعقل والعرض والمال. ٢ - طول الطريق وكثرة التكاليف: ذلك أنه إذا سيطر الأعداء، وفرضوا أنفسهم على المسلمين وديارهم: عملوا على التمكين لهم بطريق أو بأخرى.

стр. 862

صور الغدر للغدر صور كثيرة نذكر منها أمور وهي كالتالي (١): ١ - نقض العهد الذي أخذ الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره إذ يقول سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ] الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣ [.] ٢ - نقض العهد الذي وصى الله به خلقه من فعل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال وترك ما لا يحبه الله ولا يرضاه من الأقوال والأفعال، والذي تضمنته كتبه المنزلة وبلغه رسله عليهم الصلاة والسلام، ومعنى نقض هذا العهد ترك العمل به. ٣ - نقض العهد المأخوذ على بني آدم من النظر في أدلة وحدانيته، وكمالاته المنصورة في الكون وفي النفس، والذي تحدث به عنه رب العزة في قوله تعالى: وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:٢٠ - ٢١]. ٤ - نقض العهد الذي أخذه الله على النبيين وأتباعهم أن يؤمنوا بهذا النبي وأن ينصروه وذلك في قوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران: ٨١ - ٨٢]. ٥ - نقض العهد الذي للإمام ونائبه على المسلمين من وجوب الطاعة في المعروف ونصرة دين الله دون مبرر شرعي يقتضي ذلك. ٦ - نقض العهد الذي أعطاه الشارع الحكيم للكفار غير المحاربين من أهل الذمة والمستأمنين وكذلك المعاهدين دون مبرر شرعي يقتضي ذلك، كأن يتحول نفر من هؤلاء إلى أن يكون محارباً، أو على الأقل يأتي أعمالاً تخالف نظام الإسلام إذ في الحديث: ((ألا من قتل نفساً معاهدة له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها لتوجد من مسيرة سبعين خريفاً)) (٢). ٧ - خلف الموعد بأن يعطي موعداً وفي نيته عدم الوفاء أما إذا أعطى موعداً وفي نيته الوفاء ولم يف لأمر خارج عن إرادته فلا يعد ذلك نقضاً لحديث: ((إذا وعد الرجل أخاه، ومن نيته أن يفي فلم يف ولم يجئ للميعاد فلا إثم عليه)) (٣). ٨ - نقض الحكام ونوابهم ما عاهدوا الله عليه حين بويعوا من العمل لصالح الرعية وفق منهج الله بحيث يتحول الواحد منهم بعد توليه الأمر إلى أن يكون سيفاً مصلتاً على رقاب العباد يطلق العنان لزبانيته فيصادروا حرية الناس العقدية والفكرية والسياسية والإعلامية ويهدروا حرمتهم في دمائهم وعقولهم وأعراضهم وأموالهم فالناس مابين عاطل عن العمل أو منفي بعيداً عن أهله وعشيرته أو في إقامة جبرية أو مسجون بلا تهمة ولا محاكمة ...

стр. 863

أسباب الوقوع في الغدر ١ - تحميل الإنسان نفسه من الأعمال أكثر مما تطيق. ٢ - حب الكفار وموالاتهم. ٣ - صحبة الذين اشتهروا بالغدر. ٤ - ضعف الإيمان بالله. ٥ - عدم التأمل في العواقب الوخيمة للغدر. ٦ - اللهث وراء الدنيا وملذاتها. ٧ - نشأة الفرد في أسرة غير ملتزمة بآداب الشرع الحكيم.

стр. 864

الوسائل المعينة على ترك الغدر ١ - إخلاص الإيمان لله وتقويته. ٢ - أن لا يحمل الإنسان نفسه من الأعمال ما لا تطيق. ٣ - التأمل في الآثار الوخيمة للغدر على الفرد والمجتمع. ٤ - تدبر الآيات القرآنية التي حذرت من الغدر وعدم الوفاء. ٥ - ترك الطمع واللهث وراء الدنيا. ٦ - مجاهدة النفس وتربيتها على التحلي بالوفاء والصدق. ٧ - البعد عن أصدقاء السوء ومجالسة أهل الصلاح.

стр. 865

حكم وأمثال في الغدر - وقولهم: قد خلسَ فلانٌ بما كانَ عليه. قال أبو بكر: معناه: قد غدر به (١). - أغدر من غَدِير. قيل سمي الغدير غديراً لِأَنَّهُ يغدر بِصَاحِبِهِ أَي يجِف بعد قَلِيل وينضب مَاؤُهُ (٢) - أغدر من كناة الْغدر. وهم بَنو سعد بن تَمِيم وَكَانُوا يسمون الغدر كيسَان قَالَ النمر ابْن تولب: إِذا كنت فِي سعدٍ وأمك مِنْهُم ... غَرِيبا فَلَا يغررك خَالك من سعد إِذا مَا دعوا كيسَان كَانَت كهولهم ... إِلَى الْغدر أدنى من شبابهم المرد (٣) - أغدر من قيس بن عاصمٍ. وَذَلِكَ أَن بعض التُّجَّار جاوره فَأخذ مَتَاعه وَشرب خمره وسكر وَجعل يَقُول: وتاجرٍ فاجرٍ جَاءَ الْإِلَه بِهِ ... كَأَن لحيته أَذْنَاب أجمال وجبى صَدَقَة بني منقر للنبي ﷺ ثمَّ بلغه مَوته فَقَسمهَا فِي قومه وَقَالَ: أَلا أبلغا عَنى قُريْشًا رِسَالَة ... إِذا مَا أَتَتْهُم مهديات الودائع حبوت بِمَا صدقت فِي الْعَام منقراً ... وأيأست مِنْهَا كل أطلس طامع (٤) - أغدر من عتيبة بن الْحَارِث: وَذَلِكَ أَن أنيس بن مرّة بن مرداس السلمي نزل بِهِ فِي صرمٍ من بني سليم فَأخذ أموالها وربط رجالها حَتَّى افْتَدَوْا (٥). - الوفاء من شيم الكرام والغدر من همم اللئام. - لا تلبس ثيابك على الغدر (٦). وتقال في الحث على الوفاء ومدحه. - أسرع غدرة من الذئب (٧). من أقوال الحكماء: - قالوا: الغالب بالغدر مغلول، والناكث للعهد ممقوت مخذول (٨). - وقالوا: لا عذر في الغدر. والعذر يصلح في كل المواطن، ولا عذر لغادر ولا خائن (٩). - وفي بعض الكتب المنزّلة: إن مما تعجّل عقوبته من الذنوب ولا يؤخر: الإحسان يكفر، والذّمة تخفر (١٠). - من عاشر الناس بالمكر كافئوه بالغدر (١١). - وقالوا: الغدر ضامن العثرة، قاطع ليد النّصرة (١٢). - كان يقال: لم يغدر غادر قط إلا لصغر همته عن الوفاء، واتضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكاره (١٣).

стр. 866

مسائل متفرقة حول الغدر - الموصوف بالغدر: قال أعرابي: إنّ الناس يأكلون أماناتهم لقماً وفلان يحسوها حسواً، ويقال: فلان أغدر من الذئب. قال الشاعر: هو الذئب أو للذّئب أوفى أمانة وقيل: الذئب يأدو الغزال أي يختله. واستبطأ عبيد الله بن يحيى أبا العيناء فقال: أنا والله ببابك أكثر من الغدر في آل خاقان. وقال الخبزارزي: ولم تتعاطى ما تعودت ضدّه ... إذا كنت خوّاناً فلم تدّعي الوفا وقال الباذاني في أبي دلف وكان نقش خاتمه الوفاء: الغدر أكثر فعله ... وكتاب خاتمه الوفا وقيل كان بنو سعد يسمون الغدر كيسان ويستعملونه وفيهم يقول اليمين: إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم ... إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد (١) - حكايات عن الغدر: قيل: أغار خيثمة بن مالك الجعفي على حيّ من بني القين فاستاق منهم إبلا فلحقوه ليستنقذوها منه، فلم يطمعوا فيه، ثم ذكر يدا كانت لبعضهم عنده، فخلّى عما كان في يده، وولّى منصرفا، فنادوه وقالوا: إن المفازة أمامك، ولا ماء معك، وقد فعلت جميلا، فانزل ولك الذّمام والحباء فنزل فلما اطمأنّ وسكن، واستمكنوا منه غدروا به فقتلوه، ففي ذلك تقول عمرة ابنته: غدرتم بمن لو كان ساعة غدركم ... بكفّيه مفتوق الغرارين قاضب أذادكم عنه بضرب كأنّه ... سهام المنايا كلّهن صوائب (٢) وتلاحى بنو مقرون بن عمرو بن محارب، وبنو جهم بن مرّة بن محارب، على ماء لهم فغلبتهم بنو مقرون فظهرت عليهم، وكان في بنى جهم شيخ له تجربة وسنّ، فلما رأى ظهورهم، قال: يا بنى مقرون، نحن بنو أب واحد، فلم نتفانى؟ هلمّوا إلى الصلح، ولكم عهد الله تعالى وميثاقه وذمّة آبائنا، أن لا نهيجكم أبدا ولا نزاحمكم في هذا الماء، فأجابتهم بنو مقرون إلى ذلك، فلما اطمأنوا ووضعوا السلاح عدا عليهم بنو جهم فنالوا منهم منالا عظيما، وقتلوا جماعة من أشرافهم، ففي ذلك يقول أبو ظفر الحارثىّ: هلّا غدرتم بمقرون وأسرته ... والبيض مصلته والحرب تستعر لما اطمأنوا وشاموا في سيوقهم ... ثرتم إليهم وعرّ الغدر مشتهر غدرتموهم بأيمان مؤكدة ... والورد من بعده للغادر الصّدر (٣) وغدرت ابنة الضّيزن بن معاوية بأبيها صاحب الحصن ودلّت سابور على طريق فتحه، ففتحه وقتل أباها وتزوّجها، ثم قتلها (٤). وممن اشتهر بالغدر عمرو بن جرموز: غدر بالزّبير بن العوّام، وقتله بوادي السباع (٥). - نار الغدر: كانت العرب إذا غدر الرجل بجاره، أوقدوا له نارا بمنى، أيام الحج على الأخشب (وهو الجبل المطلّ على منى). ثم صاحوا: هذه غدرة فلان. قالت امرأة من هاشم: فإن نهلك فلم نعرف عقوقا ... ولم توقد لنا بالغدر نار (٦). ...

стр. 867

غدر اليهود بالمسلمين: إن المتأمل لتاريخ اليهود، والمتتبع للأحداث التاريخية، يجد بأن الغدر من أبرز الصفات التي اتصفت بها الأمة اليهودية، فقد اشتهروا بالغدر والخيانة لكل من يخالفهم، ولا سيما إذا كان المخالف لهم مسلماً، فهم بالغدر أشهر من نار على علم. والقرآن الكريم قد بيّن لنا حقيقة هذه الأمة، وسرد لنا الأحداث التي تبين تجذر هذه الصفة القبيحة فيهم. وقد سجل التاريخ طرفاً من غدر اليهود عبر تاريخهم المظلم المليء بالصفحات السوداء، منذ فجر الإسلام، ومن تلك المواقف: بعدما أبرمت وثيقة بين الرسول واليهود بعد الهجرة، وتقوت دولة الإسلام وتجذرت، بدأ اليهود يتحينون الفرص للغدر بالمسلمين، فكان أول من غدر منهم بنو قينقاع عندما اعتدوا على حجاب امرأة مسلمة في سوقهم وكشفوا عن عورتها، وعندها حاصرهم رسول الله ﷺ بجيش من المسلمين حتى أجلاهم عن المدينة وأبعدهم إلى بلاد الشام جزاء غدرهم وخيانتهم للعهد. ثم تلاهم في الغدر بنو النضير عندما دبروا مؤامرة لاغتيال رسول الله ﷺ وهو جالس في دورهم يكلمهم ويتحدث إليهم فدبروا خطة لإلقاء صخرة عليهم من أعلى السطح فكشف الله له أمرهم فحاصرهم بجيش من المسلمين حتى تم إجلاؤهم إلى بلاد الشام كذلك. وأخيراً كان الغدر الأكبر من بني قريظة يوم الأحزاب، حيث تجمع على المسلمين سائر طوائف الشرك من القبائل العربية، فلما رأى اليهود الضيق والحرج قد استبد بالمسلمين اهتبلوها فرصة وأعلنوا نقض العهد والالتحام مع المشركين، وكشف الله مكرهم، ثم بعد أن انهزم الأحزاب تفرغ لهم رسول الله صلى الله علي وسلم وأدب بهم من خلفهم، وكانت نهايتهم أن قتل مقاتلتهم وسبيت ذراريهم وأموالهم (١).

стр. 868

غدر النصارى بالمسلمين: كان أول غدر أحدث النصارى تجاه رسول الله ﷺ حينما قتلوا رسوله الحارث بن عمير الأزدي، الذي أرسله إلى عامل بصرى الشام من قبل الروم، واسمه شرحبيل بن عمر الغساني ليدعوه إلى الإسلام، فما كان من شرحبيل إلا أن قتل مبعوث النبي ﷺ إليه، وكان من عادة الدول تأمين الرسل بينهم، وكانت هذه الحادثة سبباً لغزوة مؤتة التاريخية، حيث أرسل رسول الله ﷺ جيشاً لتأديب الغساسنة ونصارى الروم وأسيادهم حفاظاً على سمعة الدولة الإسلامية أن تهان وانتصاراً لدم بريء غدر به (١).

стр. 869

غدر المشركين بالمسلمين: إن مواقف المشركين من الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ وغدرهم بهم من الكثرة ما لا يدخل تحت حصر، وهي من الشهرة بما لا يحتاج معها إلى تدليل وإثبات، ولعل أبرز مواقفهم نقض قريش لصلح الحديبية الذي وقعته مع رسول الله ﷺ في العام السادس للهجرة ورضي فيه المسلمون بالشروط المجحفة احتراماً للحرم وقدسيته معتبرين هذا الصلح هو أول اعتراف رسمي من قريش بوجود كيان للمسلمين ودولة لها مقوماتها وقراراتها الخاصة، ثم لم تلبث قريش أن نقضت هذا العهد وغدرت بأحلاف رسول الله الخزاعيين مما كان سبباً لتجهيز رسول الله ﷺ جيشاً من المسلمين يفتح مكة المكرمة بعد ذلك. إنه غدر ولكنه قد انقلب إلى نصر وفتح كبير للمسلمين، وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً (١).

стр. 870

الغدر في واحة الشعر .. قال حسّان، يهجو الحارثَ بن عوفٍ المُرّيَّ من غطفان: إنْ تَغْدِروا فالغَدْرُ منكم شِيمَةٌ ... والغَدْرُ يَنْبُتُ في أصول السخبر (١) وقال أبو حنبل الطّائي: قد آلَيْت أغدر فِي جداع ... وَإِن منيت أمات الرباع لِأَن الْغدر فِي الأقوام عارٌ ... وَإِن الْحر يجزأ بِالْكُرَاعِ (٢) وقال أبو فراس بن حمدان: تناساني الأصحابُ إلا عُصيبَةً ... ستلحقُ بالأخرى غداً وتحولُ فمن قبلُ كانَ الغدرُ في الناس سُبّهً ... وذمَّ زمانٍ واستلامَ خليل (٣) وقال سعيد بن حميد: جعلت لأهل الود ألا أريبهم ... بغدر، وإن مالوا إلى جانب الغدر وأن أجزي الود الجميل بمثله ... وأقبل عذراً جاء من جهة العذر (٤) وقال عتبة بن عتيبة بن الحارث بن شهاب صياد الفوارس: غدرتم غدرة وغدرت أخرى ... فليس إلى توافينا سبيل (٥) وقال عارف الطائي: أذل لوطء الناس من خشب الجسر ... إذا استحقبتها العيس جاءت من البعد أيوعدني والرمح بيني وبينه ... تبين رويداً ما أمامة من هند ومن أجا حولي رعان كأنها ... قنابل خيل من كميت ومن ورد غدرت بأمر كنت أنت اجتذبتنا ... إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد (٦) وقال حسان يهجو هذيلاً فيما صنعوا بخبيب بن عدي: أبلغ بني عمرو بأن أخاهم ... شراه أمر وقد كان للغدر لازما شراه زهير بن الأغر وجامع ... وكانا جميعاً يركبان المحارما أجرتم فلما أن أجرتم غدرتم ... وكنتم بأكناف الرجيع لهاذما فليت خبيباً لم تخنه أمانة ... وليت خبيباً كان بالقوم عالما (٧) وقال ثابت قطنة: لا تحسبن الغدر حزماً فربما ... ترقت به الأقدام يوماً فزلت (٨) وقال الرضيّ الموسويّ: ومولى يعاطيني الكؤوس تجمّلا ... وقد ودّ لو أنّ العقار نجيع خبأت له ما بين جنبيّ فتكة ... دهته ويوم الغادرين شنيع فلا كان مولى لا يدوم وفاؤه ... وإنّ وفاء في الزمان بديع وبعض مقال القائلين تكذّب ... وبعض وداد الأقربين خدوع (٩) وقال أيضاً: فكم فيهم من واعد غير منجز ... وكم فيهم من قائل غير صادق وفاء كأنبوب اليراع لصاحب ... وغدر كأطراف الرّماح الدّوالق (١٠) وقال حاتم الطائي: فأقسمت لا أمشي إلى سر جارةٍ ... يد الدّهر مادام الحمام يغرِّدُ ولا أشتري مالاً بغدرٍ علمته ... ألا كلُّ مال خالط الغدر أنكدُ (١١) ...

стр. 871

معنى الغش لغة واصطلاحاً معنى الغش لغة: الغِشُّ: نقيض النصح، وهو مأخوذ من الغشش المشرب الكدِر (١) وغشّه يغشّه غشّا لم يمحضه النّصح، وأظهر له خلاف ما أضمره، وهو بعينه، عدم الإمحاض في النّصيحة كغشّشه تغشيشاً، وهو مبالغة في الغشّ. والغشّ: الغلّ والحقد (٢). معنى الغش اصطلاحاً: قال صاحب التنبيهات: الغش: كتم كل ما لو علمه المبتاع كرهه (٣). قال المناويّ: الغشّ ما يخلط من الرّديء بالجيّد (٤). وقال ابن حجر: الغشّ (المحرّم) أن يعلم ذو السّلعة من نحو بائع أو مشتر فيها شيئا لو اطّلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل (٥). مترادفات لفظة الغش من مترادفات الغش: الغُلُول، والخيانة، والمداهنة، والدغل، والتمويه، والمخرقة، والإدهان، (٦).

стр. 872

حكم الغش لا شك أن الغش حرام وبعض العلماء مثل الذهبي عدوه كبيرة من كبائر الذنوب (١). قال ابن حجر الهيتمي: ( ... فذلك أعني ما حكي من صور ذلك الغش التي يفعلها التجار والعطارون والبزازون والصواغون والصيارفة والحياكون، وسائر أرباب البضائع والمتاجر والحرف والصنائع كله حرام شديد التحريم موجب لصاحبه أنه فاسق غشاش خائن يأكل أموال الناس بالباطل، ويخادع الله ورسوله وما يخادع إلا نفسه، لأن عقاب ذلك ليس إلا عليه) (٢). وقال الغزالي: (والغش حرام في البيوع والصنائع جميعا ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه بل ينبغي أن يحسن الصنعة ويحكمها ثم يبين عيبها إن كان فيها عيب فبذلك يتخلص) (٣). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (الغش في جميع المواد حرام ومنكر؛ لعموم قوله ﷺ : ((من غشنا فليس منا)) أخرجه مسلم في صحيحه (٤). وهذا لفظ عام يعم الغش في المعاملات وفي النصيحة والمشورة وفي العلم بجميع مواده الدينية والدنيوية، ولا يجوز للطالب ولا للمدرس فعل ذلك، ولا التساهل فيه، ولا التغاضي عنه؛ لعموم الحديث المذكور، وما جاء في معناه، ولما يترتب على الغش من المفاسد والأضرار والعواقب الوخيمة. وفق الله الجميع للفقه في الدين والثبات عليه إنه جواد كريم) (٥). وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (ويجتنب الغش في جميع المعاملات من بيع وإجارة وصناعة ورهن وغيرها , وفي جميع المناصحات والمشورات؛ فإن الغش من كبائر الذنوب، وقد تبرأ النبي ﷺ من فاعله فقال ﷺ : ((من غشنا فليس منا)) (٦)، وفي لفظ: ((من غش فليس مني)) (٧)، والغش: خديعة وخيانة وضياع للأمانة وفقد للثقة بين الناس , وكل كسب من الغش فإنه كسب خبيث حرام لا يزيد صاحبَه إلا بعدا من الله) (٨). وقد وردت الكثير من الأدلة من الكتاب والسنة التي تحرم الغش وتنهى عنه بمختلف أنواعه، سنورد بعضاً منها فيما يأتي:

стр. 873

ذم الغش والنهي عنه في القرآن والسنة ذم الغش والنهي عنه في القرآن الكريم: - وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَءوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠]. قال الماوردي: (في الغل وجهان: أحدهما: الغش , قاله مقاتل. الثاني: العداوة , قاله الأعمش) (١). وقال الواحدي (٢) وذكره البغوي أيضاً (٣): (أي: غشًا وحسدًا وبغضًا). - قوله تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:٥٨]. قال المراغي: (أمانة العبد مع الناس، ومن ذلك رد الودائع إلى أربابها وعدم الغش وحفظ السر ونحو ذلك) (٤). قال صاحب تفسير المنار: (والأمانة حقٌّ عند المكلف يتعلَّق به حقُّ غيره ويُودِعه لأجل أن يوصله إلى ذلك الغير؛ كالمال والعلم، سواء كان المودَع عنده ذلك الحق قد تَعاقَد مع المودِع على ذلك بعقد قولي خاص صرَّح فيه ... أم لم يكن كذلك، فإن ما جرى عليه التعامُل بين الناس في الأمور العامَّة هو بمثابة ما يَتعاقَد عليه الأفراد في الأمور الخاصة) (٥). - وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ [المائدة: ١٣]. قال مقاتل: (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ: وهو الغش للنبيّ ﷺ (٦). قال الواحدي: (أي: على خيانة، قال مقاتل: يعني بالخيانة: الغش للنبي ﷺ (٧). - وقال تعالى: تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ [النحل: ٩٢]. قال الواحدي: (الدخل والدغل: الغش والخيانة، قال الزجاج: غشا ودغلاً) (٨). وقال الماوردي: (الدخل: الغل والغش) (٩). - وقال تعالى: وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ [الأعراف:٤٣]. قال السمعاني: (الغل: الْغِشّ والحقد) (١٠). قال مقاتل: (يعني ما كان فِي الدُّنْيَا فِي قلوبهم من غش، يعني بعضهم لبعض) (١١). وقال البغوي: (من غش وعداوة كانت بينهم في الدنيا) (١٢). ذم الغش والنهي عنه في السنة النبوية: - عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ مرّ على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا. فقال: ((ما هذا يا صاحب الطّعام؟ قال: أصابته السّماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطّعام كي يراه النّاس؟ من غشّ فليس منّي)) (١٣). قال الخطابي: (معناه ليس على سيرتنا ومذهبنا يريد أن من غش أخاه وترك مناصحته فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي) (١٤). قال القاضي عياض: (معناه بيّن في التحذير من غش المسلمين لمن قلده الله تعالى شيئاً من أمرهم واسترعاه عليهم ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم) (١٥). قال العظيم آبادي: (والحديث دليلٌ على تحريم الغشِّ وهو مُجمَع عليه) (١٦). وقال الغزالي: (يدل على تحريم الغش ... ) (١٧).

стр. 874

- وقوله ﷺ من حديث معقل بن يسار ﵁: ((ما من عبدٍ يستَرعِيه الله رعيَّة، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيَّته إلا حرَّم الله عليه الجنة)) (١). قال النووي: (معناه: بَيِّن في التحذير من غشِّ المسلِمين لِمَن قلَّده الله - تعالى - شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإذا خانَ فيما اؤتُمِن عليه فلم ينصح فيما قلَّده، إمَّا بتضييعه تعريفَهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم به، وإمَّا بالقِيام بما يتعيَّن عليه من حفظ شرائعهم والذبِّ عنها ... وقد نبَّه النبي ﷺ على أنَّ ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة من الجنة) (٢). وقال المناوي: (وأفاد التحذير من غش الرعية لمن قلد شيئاً من أمرهم؛ فإذا لم ينصح فيما قلد، أو أهمل فلم يقم بإقامة الحدود واستخلاص الحقوق وحماية البيضة ومجاهدة العدو وحفظ الشريعة ورد المبتدعة والخوارج؛ فهو داخل في هذا الوعيد الشديد المفيد: لكون ذلك من أكبر الكبائر المبعدة عن الجنة، وأفاد بقوله يوم يموت أن التوبة قبل حالة الموت مفيدة) (٣). وقال ابن عثيمين: (فإن فيه التحذير من غش الرعية، وأنه ما من عبد يسترعيه الله على رعيته ثم يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وأنه إذا لم يحطهم بنصيحته فإنه لا يدخل معهم الجنة) (٤). - وعن عبد الله بن عمر، ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) (٥). قال ابن دقيق العيد: (وقوله: فليس منا: قد يقتضي ظاهره: الخروج عن المسلمين) (٦). وقال الشوكاني: (وهو يدل على تحريم الغش وهو مجمع على ذلك) (٧). - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعا من طعام، لا سمراء)) (٨). قال ابن عبد البر: (وهذا الحديث أصل في النهي عن الغش، وأصل فيمن دلس عليه بعيب، أو وجد عيباً بما ابتاعه، أنه بالخيار في الاستمساك أو الرد) (٩). وقال الأمير الصنعاني: (الحديث أصل في النهي عن الغش، وفي ثبوت الخيار لمن دلس عليه) (١٠).

стр. 875

أقوال السلف والعلماء في ذم الغش - قال ابن عباس ﵄: (لا يزال الرّجل يزداد في صحّة رأيه ما نصح لمستشيره، فإذا غشّه سلبه الله نصحه ورأيه، ولا يلتفتنّ إلى من قال: إذا نصحت الرّجل فلم يقبل منك فتقرّب إلى الله بغشّه، فذلك قول ألقاه الشّيطان على لسانه، اللهمّ إلّا أن يريد بغشّه السّكوت عنه، فقد قيل: كثرة النّصيحة تورث الظّنّة، ومعرفة النّاصح من الغاشّ صعبة جدّا، فالإنسان- لمكره- يصعب الاطّلاع على سرّه، إذ هو قد يبدي خلاف ما يخفي، وليس كالحيوانات الّتي يمكن الاطّلاع على طبائعها) (١). - (وكان جرير بن عبد الله إذا قام إلى السلعة يبيعها بصَّر عيوبها ثم خيره، وقال: إن شئت فخذ وإن شئت فاترك، فقيل له: إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع، فقال إنا بايعنا رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم) (٢). - (وكان واثلة بن الأسقع واقفاً؛ فباع رجل ناقة له بثلثمائة درهم فغفل واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة؛ فسعى وراءه وجعل يصيح به: يا هذا أشتريتها للحم أو للظهر؟ فقال: بل للظهر، فقال: إن بخفها نقبا قد رأيته وإنها لا تتابع السير، فعاد فردها فنقصها البائع مائة درهم، وقال لواثلة رحمك الله أفسدت علي بيعي، فقال: إنا بايعنا رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يحل لأحد يبيع بيعاً إلا أن يبين آفته، ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا تبيينه) (٣). - وقال ابن حجر الهيتمي: (ولهذه القبائح- أي الغش- التي ارتكبها التجار والمتسببون وأرباب الحرف والبضائع سلط الله عليهم الظلمة فأخذوا أموالهم، وهتكوا حريمهم، بل وسلط عليهم الكفار فأسروهم واستعبدوهم، وأذاقوهم العذاب والهوان ألواناً. وكثرة تسلط الكفار على المسلمين بالأسر والنهب، وأخذ الأموال والحريم، إنما حدث في هذه الأزمنة المتأخرة لما أن أحدث التجار وغيرهم قبائح ذلك الغش الكثيرة والمتنوعة، وعظائم تلك الجنايات والمخادعات والتحايلات الباطلة على أخذ أموال الناس بأي طريق قدروا عليها، لا يراقبون الله المطلع عليهم) (٤). - وكان بعضهم يقول: (لا أشتري الويل من الله بحبة؛ فكان إذا أخذ نقص نصف حبة وإذا أعطى زاد حبة، وكان يقول: ويل لمن باع بحبة جنة عرضها السموات والأرض، وما أخسر من باع طوبى بويل) (٥). - وقال المنصور: (لا تنفّروا أطراف النعم بقلة الشكر فتحلّ بكم النقمة. ولا تسرّوا غشّ الأئمة فإنّ أحداً لا يسرّ منكراً إلّا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه وطوالع نظره) (٦). - (ونظر فضيل إلى ابنه وهو يغسل ديناراً يريد أن يصرفه ويزيل تكحيله وينقيه حتى لا يزيد وزنه بسبب ذلك؛ فقال يا بني: فعلك هذا أفضل من حجتين وعشرين عمرة) (٧). - وباع ابن سيرين شاة فقال للمشتري: (أبرأ إليك من عيب فيها أنها تقلب العلف برجلها) (٨).

стр. 876

أنواع الغش وصوره ١ - الغش في البيع والشراء وغيرها من المعاملات المالية: كأن يحصل الشخص على المال بطرق محرمة إما عن طريق الكذب أو كتمان عيب السلعة أو البخس في ثمنها أو التطفيف في وزنها، أو خلط الجيد بالرديء، وغيرها من الطرق المحرمة، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا فقال: ((ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني)) (١). قال ابن حجر مبيناً هذا النوع من الغش في البيع والشراء: (الغش المحرم أن يعلم ذو السلعة من نحو بائع أو مشتر فيها شيئا لو اطلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل) (٢). وقال المراغي: (ضروب الغشّ والاحتيال كما يقع من السماسرة من التلبيس والتدليس، فيزينون للناس السلع الرديئة والبضائع المزجاة، ويورطونهم في شرائها، ويوهمونهم ما لا حقيقة له، بحيث لو عرفوا الخفايا ما باعوا وما اشتروا) (٣). وقال ابن تيمية: (والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع، مثل أن يكون ظاهر المبيع خيرًا من باطنه، كالذي مر عليه النبي ﷺ وأنكر عليه. ويدخل في الصناعات مثل الذين يصنعون المطعومات من الخبز والطبخ والعدس والشواء وغير ذلك، أو يصنعون الملبوسات كالنساجين والخياطين ونحوهم، أو يصنعون غير ذلك من الصناعات، فيجب نهيهم عن الغش والخيانة والكتمان) (٤). ٢ - غش الراعي للرعية وغش الرعية للراعي: فغش الرعية للراعي يكون بمدحه وإطرائه بما ليس فيه؛ كأن يذكروا له إنجازات لم يعملها، أو بعدم نصحه إذا رأو منه منكرا، وغير ذلك. وأما غش الراعي للرعية: ويقصد بالراعي؛ الرؤساء، والحكام، والمدراء، والرجل في أهله، وغيرهم ممن لهم الرعاية على غيرهم، ويكون الغش بظلمهم، وعدم النصح لهم. فعن معقل بن يسار المزني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) (٥). قال ابن القيم ﵀: (وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه، وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه، ففاته انتفاعه بولده وفوَّت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد رأيت عامته من قبل الآباء) (٦). وقال ابن عثيمين: (السبب التاسع من الأسباب التي يستحق فاعلها دخول النار دون الخلود فيها: الغش للرعية وعدم النصح لهم بحيث يتصرف تصرفا ليس في مصلحتهم ولا مصلحة العمل، لحديث معقل بن يسار ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((ما من عبد يسترعيه الله على رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) (٧)، وهذا يعم رعاية الرجل في أهله والسلطان في سلطانه وغيرهم لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((كلكم راع ومسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته)) (٨). (٩). ٣ - الغش في القول:

стр. 877

وذلك عند إدلاء الشاهد بالشهادة فيشهد بشهادة فيها زور وبهتان وكذب. ٤ - الغش في النصيحة: ويكون الغش في النصيحة بعدم الصدق والإخلاص فيها، وهذا من علامات المنافقين، لأن المؤمنون نصحة والمنافقون غششة. فعن جرير بن عبد الله، قال: ((بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)) (١). وعن تميم الداري أن النبي ﷺ ، قال: ((الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (٢). ٥ - الغش في تعلم العلم: كأن يغش في الامتحانات ويحصل على شهادة لا يستحقها وقد يتبوأ بها منصباً وهو ليس أهلاً لذلك المنصب، وبهذا الغش يخرج جيل جاهل خامل منحرف، غير مؤهل لقيادة الأمة، ذو همة دنيئة. وقد تكلم بعض العلماء عن هذا الجانب من الغش؛ نذكر من ذلك: سؤال قدم للجنة الدائمة للإفتاء؛ مفاده: ما حكم من يغش في امتحانات الدراسة كمواد الكيمياء والطبيعة؟ فكان رد اللجنة ما يلي: الغش حرام في امتحانات الدراسة أو غيرها، وفاعله مرتكب كبيرة من كبائر الذنوب؛ لما ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((من غشنا فليس منا)) (٣). ولا فرق في ذلك بين كون المواد الدراسية دينية أو غير دينية (٤). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (الغش محرَّم في الاختِبارات، كما أنَّه محرَّم في المعاملات، فليس لأحدٍ أن يغشَّ في الاختِبارات في أيَّة مادَّة، وإذا رضي الأستاذ بذلك فهو شريكُه في الإثم والخيانة) (٥). وقُدم له سؤال ﵀ مفاده: ما قولُكم فيمَن يقول: إنَّ الغشَّ حرام فقط إذا كان في المواد والعلوم الشرعيَّة، ويكون مباحًا إذا كان في غيرها؛ كاللغة الإنجليزية أو التاريخ أو الرياضيات أو الهندسة أو نحوها؟ فقال ﵀: (الغش في جميع المواد حرام ومنكر؛ لعموم قوله ﷺ : ((مَن غشنا فليس مِنَّا)) (٦)، وهذا لفظ عام يعمُّ الغش في المعاملات، وفي النصيحة والمشورة، وفي العلم بجميع مواده؛ الدينية والدنيوية، ولا يجوز للطالب ولا للمدرِّس فعل ذلك، ولا التساهُل فيه، ولا التغاضِي عنه؛ لعموم الحديث المذكور وما جاء في معناه، ولما يترتَّب على الغشِّ من المَفاسِد والأضرار والعَواقِب الوخيمة) (٧). وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين: (وإن مما يؤسف له أن بعض الطلاب يستأجرون من يعد لهم بحوثاً أو رسائل يحصلون على شهادات علمية أو من يحقق بعض الكتب فيقول لشخص حضر لي تراجم هؤلاء وراجع البحث الفلاني ثم يقدمه رسالة ينال بها درجة يستوجب بها أن يكون في عداد المعلمين أو ما أشبه ذلك فهذا في الحقيقة مخالف لمقصود الجامعة ومخالف للواقع وأرى أنه نوع من الخيانة لأنه لابد أن يكون المقصود من الرسالة هو الدراسة والعلم قبل كل شيء فإذا كان المقصود من ذلك الشهادة فقط فإنه لو سئل بعد أيام عن الموضوع الذي حصل على الشهادة فيه لم يجب لهذا أحذر إخواني الذي يحققون الكتب أو الذين يحضرون رسائل على هذا النحو من العاقبة الوخيمة ... ) (٨). وسئل فضيلته أيضاً: ما نصائحكم للطلبة في أيام الامتحانات والإجازات؟

стр. 878

فأجاب بقوله: (نصيحتي للطلبة في أيام الامتحانات، وفي غير أيام الامتحانات وفي الإجازة: أن يتقوا الله ، وأن يخلصوا له النية في طلب العلم، وأن يؤدوا الأمانة في الامتحانات بحيث لا يحاول أحد منهم الغش لا لنفسه ولا لغيره؛ لأنه مؤتمن، ولأن من نجح بالغش فليس بناجح في الحقيقة، ثم إنه يترتب على غشه أنه سينال بشهادته مرتبة لا تحل إلا بالشهادة الحقيقة المبنية على الصدق، والإنسان إذا لم ينجح إلا بالغش فإنه لم ينجح في الحقيقة، ثم إنه سوف يكون فاشلاً ليتولى منصبًا يتولاه من حصل على الشهادة التي غش فيها، إذ أنه ليس عنده علم فبقي فاشلاً في أداء مهمته، ولا فرق في ذلك بين مادة وأخرى فجميع المواد لا يجوز فيها الغش، وما اشتهر عند بعضهم بأنه يجوز الغش في بعض المواد فإنه لا وجه له) (١). ٦ - عدم الوفاء بالعقود: كالعقود التي تعمل في الإنشاءات والمقاولات، وغيرها من المعاملات التي أبرمت فيها العقود، فعدم الوفاء بها يعتبر من الغش المحرم، والله سبحانه يأمر بالوفاء وعدم الغش حيث يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١] ٧ - الغش في الديانات: قال ابن تيمية: (فأما الغش والتدليس في الديانات فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال، مثل إظهار المكاء والتصدية في مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، أو سب أئمة المسلمين، ومشايخهم، وولاة أمورهم، المشهورين عند عموم الأمة بالخير. ومثل التكذيب بأحاديث النبي ﷺ التي تلقاها أهل العلم بالقبول. ومثل رواية الأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله ﷺ . ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله. ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي ﷺ . ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه، والتكذيب بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره. ومثل إظهار الخزعبلات السحرية والشعبذة الطبيعية وغيرها التي يضاهى بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله، وهذا باب واسع يطول وصفه) (٢). ومن صور الغش أيضاً: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم الإنكار على الأصحاب والأقارب محاباة لهم ومداهنة.

стр. 879

آثار ومضار الغش ١ - براءة النبي ﷺ من مرتكب جريمة الغش. ٢ - الغاش بعيد عن الناس بعيد عن الله. ٣ - الغاش في عداد المنافقين. ٤ - الغاش قليل التحصيل، دنيء الهمة. ٥ - الغاش متهاون بنظر الله إليه. ٦ - الغاش مرتكب كبيرة من الكبائر المحرمة. ٧ - الغاش ممحوق البركة. ٨ - الغش خيانة للأمانة التي كلف الإنسان بحملها. ٩ - الغش دليل ضعف الإيمان. ١٠ - الغش سبب من أسباب الفرقة بين المسلمين. ١١ - الغش طريق موصل للنار. ١٢ - الغش فيه أكل أموال الناس بالباطل. ١٣ - الغش من أسباب عدم إجابة الدعاء، لأن صاحبه يأكل المال الحرام. ١٤ - الغش يخرج أجيال فاشلة غير قادرة على تحمل المسئولية. ١٥ - الغش يولد ضعف الثقة بين أفراد المجتمع. ١٦ - كراهية الناس للغاش، وعدم التعامل معه.

стр. 880

الأسباب المؤدية إلى الغش هناك أسباب كثيرة تحمل الإنسان أن يغش ومن هذه الأسباب: ١ - ضعف الإيمان بالله وقلة الخوف منه. ٢ - جهل الفرد بحرمة الغش، وأنه من الكبائر. ٣ - عدم الإخلاص لله في العمل. ٤ - اللهث وراء الدنيا وجمع الأموال من أي طريق كان. ٥ - عدم تطبيق الأحكام لمعاقبة مرتكبي جريمة الغش. ٦ - الرفقة السيئة. ٧ - التربية الغير سليمة، التي تتنافى مع الأخلاق والآداب الإسلامية. ٨ - انعدام القناعة بما قسم الله له. ٩ - عدم تذكر الموت والدار الآخرة.
следующие страницы →