Полный текст (78 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
موجز تَارِيخ الْيَهُود وَالرَّدّ على بعض مزاعمهم الْبَاطِلَة
تأليف د. مَحْمُود عبد الرَّحْمَن قدح
عُضْو هَيْئَة التدريس بالجامعة الإسلامية بِالْمَدِينَةِ المنورة
مُقَدّمَة
إنَّ الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونستهديه، ونعوذ بِاللَّه مِن شرور أَنْفُسنَا وسيئات أَعمالنَا، مَنْ يهده الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِل فَلَا هادي لَهُ، وَأشْهد أنْ لَا إِلَه إلاَّ الله وَحده لَا شريك لَهُ، وَأشْهد أنَّ محمَّداً عَبده وَرَسُوله وَخَاتم أنبيائه وَرُسُله، صلَّى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بإحسانٍ إِلَى يَوْم الدّين.
أما بعد:
فإنَّ (تَارِيخ الْأَدْيَان) من المباحث الرئيسة الَّتِي يشْتَمل عَلَيْهَا علم الْأَدْيَان، وَهُوَ مَبْحَث يهتم بدراسة تَارِيخ ونشأة الدّيانَة وتطورها، وتأثيرها على الْمُجْتَمع الإنساني.
وَقد اهتم عُلَمَاؤُنَا المتقدّمون فِي مؤلَّفاتهم بدراسة تَارِيخ الْأَدْيَان، وبالمراحل والتطورات الَّتِي يمر بهَا أَتبَاع الْأَدْيَان، ورصد انحرافاتهم عَن الدّين الْحق، لِمَا فِي ذَلِك من الْفَوَائِد فِي إِظْهَار الْحق وإزهاق الْبَاطِل، وَمَعْرِفَة أَسبَاب الانحراف عَن الدّين الْحق لتوقّيها وتحذير النَّاس مِنْهَا.
وَهَذِه دراسة موجزة عَن مَوْضُوع (موجز تَارِيخ الْيَهُود وَالرَّدّ على بعض مزاعمهم الْبَاطِلَة) لمعْرِفَة حَقِيقَة الْيَهُود المعاصرين، وَإِظْهَار فَسَاد دينهم وبطلانه، وَالرَّدّ على بعض دعاويهم وفضح ادّعاءاتهم الكاذبة، حَيْثُ إنَّ الْيَهُود قد جعلُوا تاريخهم جُزْءا من دينهم المنحرف وكتابهم المحرَّف.
وَقد قسمت الدراسة فِي الْمَوْضُوع كالآتي:
стр. 2
- التَّمْهِيد: ويشتمل على تَعْرِيف ومصطلحات.
- المبحث الأول: موجز تَارِيخ بني إِسْرَائِيل وَالْيَهُود.
- المبحث الثَّانِي: مزاعم يَهُودِيَّة بَاطِلَة.
وَالله الْمُوفق وَالْهَادِي إِلَى سَوَاء السَّبِيل
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين. وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد على وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ.
وَكتبه
د. مَحْمُود بن عبد الرَّحْمَن قدح
стр. 3
تمهيد
…
إِن المنطقة الَّتِي سيتركز الحَدِيث عَلَيْهَا أثْنَاء دراستنا لِلْيَهُودِيَّةِ وتاريخهم هِيَ فلسطين، فَمن الْمُنَاسب معرفَة بعض المعلومات عَنْهَا:
فَأَما مساحتها فتبلغ حوالي ٢٧.٠٠٠ كم٢، وتتمتع بموقع استراتيجي مُهِمّ جدا حَيْثُ تقع فِي قلب الْعَالم الإسلامي، وَفِي ملتقى ثَلَاث قارات (آسيا، إفريقيا، أوروبا) ، وَفِي مَرْكَز مُهِمّ بِالنِّسْبَةِ للمواصلات الْبَريَّة والبحرية والجوية. وتتميز كَذَلِك بأراضي خصبة جدا وثروات معدنية كَبِيرَة.
وَأما تاريخها فقد سكنها الفينيقيون - من الْقَبَائِل الْعَرَبيَّة المهاجرة من شبه الجزيرة الْعَرَبيَّة - فِي الْألف الثَّالِث قبل الميلاد (سنة ٣٠٠٠ق. م) ، وَإِلَى الْجنُوب مِنْهُم نزلت قبائل عَرَبِيَّة أُخْرَى أشهرها قبائل الكنعانيين حوالي سنة ٢٥٠٠ق. م. على ضفة الْأُرْدُن الغربية وَسميت المنطقة باسمهم فَأَصْبَحت تُدعى (أَرض كنعان) ووردت كثيرا بِهَذَا الإسم فِي التَّوْرَاة أَيْضا، وَفِي حوالي سنة ١٢٠٠ ق. م. نزلت بالسَّاحل المطل على الْبَحْر الْأَبْيَض جماعات تسمى قبائل فلستين جَاءَت من جَزِيرَة كريت (اقريطش) واختلطت بالكنعانيين فَأَصْبَحت الْبِلَاد تعرف بفلسطين١، وَقد كَانَت تسمى بـ (أَرض كنعان) فِي التَّوْرَاة قبل دُخُول إِبْرَاهِيم ﵊ إِلَيْهَا٢ وَبعده إِلَى زمن دُخُول بني إِسْرَائِيل إِلَيْهَا بعد مُوسَى ﵊، أما إِطْلَاق اسمهم عَلَيْهَا فقد كَانَ فِي آخر عهد الْقُضَاة تَقْرِيبًا فِي زمن نَبِي لَهُم اسْمه صموئيل، مَعَ بَقَاء الكنعانيين فِيهَا٣.
وَقد بَدَأَ الْفَتْح الإسلامي لهَذِهِ الْبِلَاد مُنْذُ عهد النَّبِي ﷺ الَّذِي سيّر جَيْشًا سنة
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص٦٨٥، ٧٨٩، الْيَهُودِيَّة ص٤١ د. أَحْمد شلبي.
٢ - انْظُر: سفر التكوين ١٢/٥.
٣ - انْظُر: سفر صموئيل ١٣/٩، وأخبار الْأَيَّام الأول ٢٢/٢.стр. 4
ثَمَان من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة إِلَى (مُؤْتَة) ١ لمقاتلة الرّوم٢، ثمَّ كَانَت غَزْوَة تَبُوك سنة تسع من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة٣، وَفِي آخر عَهده ﷺ جهّز جَيش أُسَامَة بن زيد ﵁ إِلَى تخوم البلقاء من الشَّام٤، وَقد سيّر الصّديق ﵁ ذَلِك الْجَيْش بعد وَفَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم٥. وَفِي عهد الْخَلِيفَة الصّديق ﵁ كَانَت موقعة (أجنادين) ٦ الَّتِي نصر الله فِيهَا جَيش الْمُسلمين بقيادة خَالِد ابْن الْوَلِيد ﵁ ونتج عَنْهَا فتح عدَّة مدن بفلسطين مِنْهَا: نابلس وعسقلان وغزة والرملة وعكا وَغَيرهَا، وَبِهَذَا مُهّد الطَّرِيق للزحف إِلَى بَيت الْمُقَدّس٧، ودعم ذَلِك موقعة (اليرموك﴾ الَّتِي انتصر فِيهَا الْمُسلمُونَ.
وَفِي عهد الْخَلِيفَة عمر بن الْخطاب ﵁ وجّه جَيْشًا بقيادة أبي عُبَيْدَة ابْن الْجراح ﵁ لفتح بَيت الْمُقَدّس الَّتِي حاصرها مُدَّة أَرْبَعَة أشهر حَتَّى طلب أَهلهَا الصُّلْح واشترطوا أَن يتَوَلَّى الْخَلِيفَة عمر بِنَفسِهِ استلام الْمَدِينَة، وَهَكَذَا كَانَ فجَاء عمر ﵁ وَكتب لَهُم وَثِيقَة الْأمان وَبنى مَسْجده فِي بَيت الْمُقَدّس٩.
الحواشي
(١) ١ - منْطقَة تقع فِي شَرق الْأُرْدُن شمال البتراء، وعَلى مسيرَة أحد عشر كَيْلا جنوب الكرك.
انْظُر: (المعالم الأثيرة فِي السّنة والسيرة ص٢٣٧ مُحَمَّد شرّاب) .
٢ - انْظُر: السِّيرَة النَّبَوِيَّة ٤/٢٣ - ٤٥ لِابْنِ هِشَام، تَارِيخ الْإِسْلَام (الْمَغَازِي) ص٤٧٩ للذهبي.
٣ - انْظُر: المرجعين السَّابِقين ٤/٢١٥ - ٢٣٦، ص٦٢٧.
٤ - انْظُر: المرجعين السَّابِقين ٤/٣٨٤، ٣٨٥ - ٣٩٦، ص٧١٣.
٥ - انْظُر: تَارِيخ الْإِسْلَام (عهد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين) ، ص١٩ للذهبي.
٦ - منْطقَة بفلسطين فِي الْجنُوب الغربي لبيت الْمُقَدّس، من أَعمال الْخَلِيل. انْظُر: (المعالم الأثيرة ص٢٠ مُحَمَّد شُرَّاب) .
٧ - انْظُر: تَارِيخ الْإِسْلَام (عهد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين) ، ص٨١ - ٨٣.
٨ - نهر اليرموك طوله ٥٧ كَيْلا، وَهُوَ الْحَد الْفَاصِل بَين سورية والأردن، وَقد نشبت معركة اليرموك فِي سهل الواقوصة. انْظُر: (المعالم الأثيرة ص٢٩٧) مُحَمَّد شُرَّاب.
٩ - تَارِيخ الْإِسْلَام (عهد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين) ص١٦٢ للذهبي، الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة ٧/٥٥ لِابْنِ كثير.стр. 5
وَبِهَذَا الْفَتْح أصبح بَيت الْمُقَدّس مُنْذُ شهر رَجَب سنة ١٦? دَار إِسْلَام يجب على الْمُسلمين فِيهَا إِظْهَار أَحْكَام الْإِسْلَام وشعائره والدفاع عَنْهَا، وَإِذا مَا استولى الْكفَّار عَلَيْهَا وأصبحت (دَار الْإِسْلَام المحتلة أَو المغتصبة) فَإِنَّهُ يتَعَيَّن على الْمُسلمين المقيمين فِيهَا الْجِهَاد لاسترداد حَقهم وأراضيهم من الْكَفَرَة المغتصبين، كَمَا يتَعَيَّن على الْمُسلمين المجاورين لَهَا الْقيام بِالْجِهَادِ مَعَ أَهلهَا كَمَا فعل الْملك صَلَاح الدّين الأيوبي رَحمَه الله تَعَالَى حينما استردها من الصليبيين الْكَفَرَة وأعادها إِلَى الْمُسلمين، ونسأل الله أَن يرفع راية الْجِهَاد، وَأَن يُؤَيّد الْمُسلمين بنصر من عِنْده ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ١.
. العبرانيون، بَنو إِسْرَائِيل، الْيَهُود
إِن من الشعوب الَّتِي سكنت أَرض فلسطين فِي التَّارِيخ الْقَدِيم، شعب بني إِسْرَائِيل الَّذين سنتحدث عَن تاريخهم، لكننا نجد مسميات أُخْرَى لَهُم، كالعبرانيين، وَالْيَهُود، فَهَل هِيَ مصطلحات مترادفة؟ أم أَن بَينهَا فرقا؟!
وَقبل أَن نَخُوض فِي الحَدِيث عَن مَوْضُوع دراستنا (تَارِيخ الْيَهُود) ، كَانَ لَا بُد من الْإِجَابَة على السُّؤَال الْمَطْرُوح؛ لصلته الْوَثِيقَة بموضوع الدراسة، فَنَقُول - مستعينين بِاللَّه -:
- أما العبرانيون: - فِي الِاصْطِلَاح - فَهِيَ كلمة مرادفة لـ (بني إِسْرَائِيل) المتحدرين من سلالة يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَتسَمى لغتهم العبرية أَو العبرانية٢.
الحواشي
(١) ١ - سُورَة آل عمرَان، الْآيَة ١٢٦.
٢ - انْظُر: قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص٥٩٦، دروس اللُّغَة العبرية ص٣٢، ٣٣ د. ربحي كَمَال.стр. 6
وَقد اخْتلف فِي أصل هَذِه التَّسْمِيَة على أَقْوَال مِنْهَا:
١ - أَنَّهَا نِسْبَة إِلَى (عَابِر) أَو (عيبر) وَهُوَ الْجد الْخَامِس فِي سلسلة نسب إِبْرَاهِيم ﵊ فِي التَّوْرَاة١.
٢ - أَنَّهَا نِسْبَة إِلَى إِبْرَاهِيم ﵊ الملقب فِي التَّوْرَاة بـ (ابرام العبراني) ٢ لعبوره نهر الْفُرَات أَو نهر الْأُرْدُن.
وَلم ترد هَذِه التَّسْمِيَة فِي الْقُرْآن الْكَرِيم، وَإِنَّمَا وَردت فِي السّنة النَّبَوِيَّة الصَّحِيحَة من حَدِيث عَائِشَة ﵂ وَفِيه: "فَانْطَلَقت بِهِ (النَّبِي ﷺ خَدِيجَة حَتَّى أَتَت بِهِ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد بن عبدا لعزى - ابْن عَم خَدِيجَة - وَكَانَ امْرَءًا تنصر فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني، فَيكْتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية مَا شَاءَ الله أَن يكْتب"٣.
ووردت كَذَلِك فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁، قَالَ: "كَانَ أهل الْكتاب يقرأون التَّوْرَاة بالعبرية، ويفسرونها بِالْعَرَبِيَّةِ لأهل الْإِسْلَام، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : "لَا تصدقوا أهل الْكتاب وَلَا تكذبوهم، وَقُولُوا: ﴿ءَامَنَّا بِاللهِ وَمآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلى إِبْرا?يمَ وَإِسماعِيلَ وَإسحاقَ وَيَعْقُوبَ والأَسْباطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِم لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُم وَنحَنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ ٤ " ٥.
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: سفر التكوين ١١/١٤.
٢ - انْظُر: تكوين ١٤/١٣. للتوسع (انْظُر: قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص٥٩٦، دروس اللُّغَة العبرية ص٣٦ د. يحيى كَمَال، تأريخ بني إِسْرَائِيل ٣٠ - ٣١ مُحَمَّد دروزة، بَنو إِسْرَائِيل فِي الْقُرْآن وَالسّنة ص١٨ د. مُحَمَّد سيد طنطاوي، الْيَهُودِيَّة ص٤٦ - ٤٧ د. أَحْمد شلبي) .
٣ - أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (انْظُر: صَحِيح البُخَارِيّ ضمن فتح الْبَارِي ١/٢٢) .
٤ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ١٣٦.
٥ - أخرجه البُخَارِيّ. (انْظُر: فتح الْبَارِي ٨/١٧٠، ١٣/٣٣٣) .стр. 7
- وَأما بَنو إِسْرَائِيل: - فِي الِاصْطِلَاح - فهم الأسباط الإثنا عشر أَبنَاء يَعْقُوب ﵊ وَمن جَاءَ من نسلهم.
- وَأما (إِسْرَائِيل) : فَهُوَ نَبِي الله يَعْقُوب ﵊ بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ ١.
وَبِمَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي حَدِيث طَوِيل - أَن عِصَابَة من الْيَهُود جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ تسأله - وَفِيه: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أنْشدكُمْ بِاللَّه الَّذِي أنزل التَّوْرَاة على مُوسَى ﷺ ، هَل تعلمُونَ أَن إِسْرَائِيل يَعْقُوب ﵇ مرض مَرضا شَدِيدا وَطَالَ سقمه فَنَذر لله نذرا لَئِن شفَاه الله تَعَالَى من سقمه ليحرمن أحب الشَّرَاب إِلَيْهِ وَأحب الطَّعَام إِلَيْهِ، وَكَانَ أحب الطَّعَام إِلَيْهِ لحْمَان الْإِبِل، وَأحب الشَّرَاب إِلَيْهِ أَلْبَانهَا؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نعم، قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ … " ٢. الحَدِيث.
وَقد ذكرت التَّوْرَاة قصَّة سَبَب تَسْمِيَة يَعْقُوب ﵊ بإسرائيل، حينما صارعه ملاك فِي صُورَة إِنْسَان حَتَّى طُلُوع الْفجْر، وَلم يُطلقهُ يَعْقُوب حَتَّى قَالَ لَهُ: لَا يدعى اسْمك فِيمَا بَعْد يَعْقُوب بل إِسْرَائِيل، لِأَنَّك جاهدت مَعَ الله وَالنَّاس وقدرت٣.
وَقد جَاءَ ذِكْر بني إِسْرَائِيل فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة النَّبَوِيَّة كثيرا، خَاصَّة فِي مجَال تذكيرهم بنعم الله تَعَالَى عَلَيْهِم وعَلى آبَائِهِم وأسلافهم ودعوتهم، إِلَى
الحواشي
(١) ١ - سُورَة آل عمرَان، آيَة ٩٣.
٢ - أخرجه الإِمَام أَحْمد ١/٢٧٣، ٢٧٨، وَالطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير ١٢/٢٤٧، وَالْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة ٦/٢٦٦، ٢٦٧.
٣ - انْظُر: سفر التكوين ٣٢/٢٤ - ٣٢، قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص٦٩، ١٠٧٤.стр. 8
الدُّخُول فِي الْإِسْلَام ومتابعة النَّبِي مُحَمَّد ﷺ وتهييجاً لَهُم بِذكر أَبِيهِم إِسْرَائِيل، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم … ﴾ ١ الْآيَات.
وَتَقْدِيره: يَا بني العَبْد الصَّالح الْمُطِيع لله كونُوا مثل أبيكم فِي مُتَابعَة الْحق كَمَا تَقول: يَا ابْن الْكَرِيم افْعَل كَذَا٢.
- وَأما الْيَهُود - فِي الِاصْطِلَاح - فهم المتبعون لشريعة التَّوْرَاة من بني إِسْرَائِيل وَغَيرهم٣.
قَالَ الإِمَام ابْن تَيْمِية - رَحمَه الله تَعَالَى - فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْءَامَنَ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالحِاً فَلَهُم أَجْرُهُم عِنْدَ رَبِّهِم وَلا خَوْفُ عَلَيْهِم وَلا هُم يحَزَنُون﴾ ٤. قَالَ: إِن لفظ ﴿الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ يتَنَاوَل جَمِيع أهل الْكتاب - التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل - الَّذين كَانُوا قبل النّسخ والتبديل، وَالَّذين كَانُوا بعد ذَلِك، فَهَذَا الِاسْم لَا يخْتَص بالكفار مِنْهُم، كَمَا أَن لفظ (بني إِسْرَائِيل) وَلَفظ (أهل الْكتاب) لَيْسَ مُخْتَصًّا بالكفار، وَلَكِن كَانُوا مُسلمين ومؤمنين مَعَ كَونهم من بني إِسْرَائِيل وَمن أهل الْكتاب، وَكَذَلِكَ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى٥.ا?
الحواشي
(١) ١ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٤٠، ٤٧.
٢ - انْظُر: تَفْسِير ابْن كثير ١/٨٦.
٣ - أَي من غير بني إِسْرَائِيل لِأَن أجناساً من الرّوم والخزر قد اعتنقوا الدّيانَة الْيَهُودِيَّة المنحرفة وَلَيْسوا من بني إِسْرَائِيل - فِيمَا سنبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى - فعلى هَذَا فَإِن مصطلح الْيَهُود أَعم من بني إِسْرَائِيل.
٤ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٦٢. ونظيرها فِي سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٦٩ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْءَامَنَ باللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالحِاً فَلَهُم أَجْرُهُم عِنْدَ رَبِّهِم وَلا خَوْفُ عَلَيْهِم وَلا هُم يحَزَنُون﴾ .
٥ - انْظُر: كتاب (تَفْسِير آيَات أشكلت) ١/٢٧٥، ومجموع فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ٧/٥٥.стр. 9
وَاخْتلف فِي أصل تسميتهم باليهود على أَقْوَال مِنْهَا:
١ - قيل: سمُّوا يهوداً من (الهوادة) وَهِي المودّة، لمودتهم فِي بَعضهم لبَعض.
٢ - وَقيل: من (التهوّد) وَهِي التَّوْبَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن مُوسَى ﵊: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْك﴾ ١، أَي تبنا. فكأنهم سُمُّوا بذلك فِي الأَصْل لتوبتهم ومودتهم فِي بَعضهم الْبَعْض.
٣ - وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء: لأَنهم يتهوّدون - أَي يتحركون - عِنْد قِرَاءَة التَّوْرَاة٢.
٤ - ورد أَن (يهوذا) هُوَ الابْن الرَّابِع ليعقوب ﵊ وَنسب إِلَيْهِ سبط من الأسباط الاثْنَي عشر، ثمَّ أطلق اسْمه على المملكة الجنوبية (مملكة يهوذا) لِأَن مُلُوكهَا كَانُوا من سبط يهوذا وتمييزاً لَهَا عَن (مملكة إِسْرَائِيل الشمالية) وفيهَا الأسباط الْعشْرَة، وحينما تشَتت الأسباط وأُخِذَ سبط يهوذا إِلَى السَّبي البابلي فقد توسع مَعْنَاهُ، فَصَارَ يَشْمَل جَمِيع من رجعُوا من الْأسر من بني إِسْرَائِيل، ثمَّ صَار يُطلق على جَمِيع الْيَهُود المشتتين فِي الْعَالم٣.
قَالَ البيروني: إِنَّه قد أبدلت الذَّال الْمُعْجَمَة دَالا مُهْملَة (يهوذا - يهودا) لِأَن الْعَرَب كَانُوا إِذا نقلوا أَسمَاء الأعجمية إِلَى لغتهم غيروا بعض حروفها. ا?٤.
وَقَالَ المؤرخ الْيَهُودِيّ شاهين مكاريوس: وَمن ذَلِك الزَّمَان - ٥١٥ ق. م
الحواشي
(١) ١ - سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٥٦.
٢ - انْظُر: تَفْسِير ابْن كثير ١/١٠٧ فِي ذكر الْأَقْوَال السَّابِقَة.
٣ - انْظُر: خطط المقريزي ٣/٥٠٣، قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص١٠٨٤، الشخصية الإسرائيلية ص٢٨ - ٣١ د. حسن ظاظا.
٤ - صبح الْأَعْشَى ١٣/٢٥٣.стр. 10
- يختفي ذكر الأسباط الْعشْرَة الْأُخْرَى، فَمن عَاد مِنْهُم - أَي من السَّبي البابلي - إِلَى فلسطين اخْتَلَط بسبطي يهوذا وبنيامين، وَفِي ذَلِك الْحِين سُمي الإسرائيليون يهوداً، ودُعيت بِلَادهمْ الْيَهُودِيَّة١.ا?.
وَالْقَوْل الْأَخير – فِي نَظَرِي – أقرب الْأَقْوَال إِلَى الصَّوَاب؛ لما بيّناه٢، وَالله أعلم.
وَقد تكَرر ذكر الْيَهُود فِي الْقُرْآن الْكَرِيم وَالسّنة النَّبَوِيَّة كثيرا، خَاصَّة فِي سِيَاق بَيَان كفرهم وأقوالهم الْبَاطِلَة وَإِظْهَار خزيهم وفضائحهم والتحذير من مكائدهم وشرورهم، حَيْثُ لم ترد هَذِه التَّسْمِيَة فِي مقَام الْمَدْح لَهُم، وَإِنَّمَا وَردت فِي مقَام الذَّم والتقريع لَهُم، وَمن تِلْكَ الْآيَات القرآنية الدَّالَّة على ذَلِك: قَوْله : ﴿وَقالت اليَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهم وَلُعِنٌوا بِمَا قَالُو ابَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثيراً مِنْهُم مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضآءَ إِلى يَومِ القِيامَةِ كُلَّمآ أَوْقَدُوا نَاراً للحَرْبِ أَطْفَأَها الله وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرضِ فَساداً وَالله لَا يحُبُّ المُفْسِدينَ﴾ ٣.
- وَقَوله تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يحُرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا ليّاً بِأَلْسِنَتِهِم وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَو أَنَّهُم قَالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكَانَ خَيراً لَهُم وَأَقْوَم وَلكِنْ لَعَنَهُم الله بِكُفْرِهِم فَلا يُؤمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ٤.
- وَقَوله تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنِّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً للَّذِينَ ءامَنُوا اليَهُودَ وَالَّذِينَ
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: تَارِيخ الإسرائيليين، ص٣٢.
٢ - وَقد رجح هَذَا القَوْل الشَّيْخ مُحَمَّد صديق خَان - رَحمَه الله تَعَالَى - فِي كِتَابه: (لقطَة العجلان مِمَّا تمس إِلَى مَعْرفَته حَاجَة الْإِنْسَان، ص١١١) وَغَيره.
٣ - سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٦٤.
٤ - سُورَة النِّسَاء، آيَة ٤٦.стр. 11
أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً للَّذِينَءَامَنُوا الَّذينَ قَالوآ إِنَّا نَصارَى ذَلِكَ بَأَنَّ مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُم لَا يَسْتَكْبِرون﴾ ١.
- وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابنُ الله وَقالَتِ النَّصارَى المَسِيحُ ابنُ الله ذَلِك قَوْلهُم بِأَفْواهِهِم يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُم الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
- وَقَوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّها الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُم أَنَّكُم أَوْلِياءُ لله مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوا المَوتَ إِنْ كُنْتُم صَادِقين وَلا يَتمَنَّوْنَهُ أبدا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِم وَالله عَلِيمٌ بِالظَّالمِين قُلْ إِنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُم ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عَالمِ الغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتم تَعْمَلُون﴾ ٣.
وَغير ذَلِك من الْآيَات الْكَثِيرَة الَّتِي تَتَحَدَّث عَن الْيَهُود.
أَسمَاؤُهُم الْأُخْرَى:
للْيَهُود أَسمَاء وأوصاف أُخْرَى نذْكر مِنْهَا الْآتِي:
- أهل الْكتاب: لأَنهم يُؤمنُونَ بِالْكتاب الْمنزل على مُوسَى ﵊، وَهُوَ التَّوْرَاة، وَهَذَا الِاسْم يشْتَرك فِيهِ مَعَهم النَّصَارَى.
- أهل التَّوْرَاة: لإيمانهم بشريعة التَّوْرَاة وَأَنَّهَا مُؤَبّدَة لَا تنسخ.
- أهل السبت: لتعظيمهم يَوْم السبت وَتَحْرِيم الْعَمَل فِيهِ.
- قوم مُوسَى أَو أمة مُوسَى: لانتسابهم إِلَيْهِ وَإِلَى شَرِيعَته، واعتقادهم أَنه لَيْسَ هُنَاكَ نَبِي أفضل من مُوسَى ﵊.
- المغضوب عَلَيْهِم: لأَنهم علمُوا الْحق فَلم يعملوا بِهِ فاستحقوا غضب الله عَلَيْهِم ولعنته، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: وَلَا أعلم بَين الْمُفَسّرين فِي هَذَا - أَي أَن المُرَاد
الحواشي
(١) ١ - سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٨٢.
٢ - سُورَة التَّوْبَة، آيَة ٣٠.
٣ - سُورَة الْجُمُعَة، آيَة ٦ - ٨.стр. 12
بقوله تَعَالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ١ هم الْيَهُود – اخْتِلَافا، وَذكر الإِمَام ابْن كثير أَحَادِيث مروية فِي ذَلِك٢.
الحواشي
(١) ١ - سُورَة الْفَاتِحَة، آيَة ٧.
٢ - انْظُر: تَفْسِير ابْن كثير ١/٣١، ٣٢.стр. 13
المبحث الأول: موجز تأريخ بني إِسْرَائِيل وَالْيَهُود
مدْخل
…
المبحث الأول: موجز تأريخ بني إِسْرَائِيل وَالْيَهُود
لمعْرِفَة حَقِيقَة الْيَهُود المعاصرين وَفهم ديانتهم المحرفة وَنقد كتبهمْ المقدسة لديهم، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي دراسة تَارِيخ بني إِسْرَائِيل، لِأَن الْيَهُود جعلُوا تاريخهم الطَّوِيل جُزْءا من دينهم المنحرف وكتابهم المحرّف، واعتبروه تراثاً مقدساً يستمدون مِنْهُ شعائرهم وأخلاقهم وشعاراتهم وأفكارهم، وَإِن نظرةً سريعة إِلَى مَا تتضمنه كتبهمْ المقدسة لديهم تُبَيِّن لنا أَن ثَلَاثَة أَربَاع محتوياتها تشْتَمل على سرد تَارِيخ بني إِسْرَائِيل الطَّوِيل وَمَا جرى لَهُم من الْحَوَادِث فِي مُخْتَلف الْأَزْمِنَة والأمكنة.
يَقُول المؤرخ الْيَهُودِيّ شاهين مكاريوس: وَلَا يخفى أَن مُعظم تَارِيخ الْيَهُود حَتَّى خراب أورشليم مَأْخُوذ من التَّوْرَاة، فَهِيَ خزانَة تاريخهم وحكاية مَا حلّ بهم من الْعُبُودِيَّة وَالظُّلم، وَمَا أَصَابُوهُ من الْعِزّ والفوز والسؤدد، كَمَا أَنَّهَا كتاب وحيهم ومجموعة معتقدهم وشرائعهم الدِّينِيَّة والأدبية والمدنية، فالناظر فِي تاريخهم لَا بُد لَهُ أَن يعْتَمد التَّوْرَاة لاستخلاص أخبارهم١.
وَلما كَانَ تاريخهم طَويلا يَمْتَد لعشرات الْقُرُون، ومليئاً بالأحداث وَالرِّوَايَات والقصص، فَإِنَّهُ يصعب الْإِحَاطَة بتفاصيله فِي هَذِه الدراسة الموجزة، لَا سِيمَا وَقد
الحواشي
(١) ١ - تَارِيخ الإسرائليين، ص٣، ٤.стр. 14
كتبت فِي تاريخهم المجلدات والرسائل الجامعية الْكَثِيرَة، وَمِنْهَا:
- كتاب (تَارِيخ بني إِسْرَائِيل من أسفارهم) - للأستاذ مُحَمَّد عزة دروزة.
- وَكتاب (التراث الإسرائيلي فِي الْعَهْد الْقَدِيم وموقف الْقُرْآن الْكَرِيم مِنْهُ) ، وَكتاب (التَّارِيخ الْيَهُودِيّ الْعَام) ، وَكتاب (بَنو إِسْرَائِيل بَين نبأ الْقُرْآن الْكَرِيم وَخبر الْعَهْد الْقَدِيم) ، وَكلهَا للدكتور صابر طعيمة.
- وَكتاب (الْيَهُود نشأتهم وعقيدتهم) ، زكي شنودة.
- وَكتاب (الْيَهُود فِي تَارِيخ الحضارات الأولى) ، للدكتور غوستاف لوبون، وَغَيرهَا من المؤلفات العديدة.
لذَلِك سنكتفي فِي هَذِه الدراسة بموجز عَن تَارِيخ بني إِسْرَائِيل وأبرز الْأَحْدَاث الَّتِي مرت بهم خلال تاريخهم الطَّوِيل فِي النقاط الْآتِيَة:
стр. 15
الْمطلب الأول: بَدْء تاريخهم .
- إِن تاريخهم يبْدَأ من إِسْرَائِيل – وَهُوَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام - الَّذِي نَشأ وعاش فِي أَرض الكنعانيين (أَرض فلسطين) ، وَقد ولد لَهُ اثْنَا عشر ولدا من أَربع نسْوَة وهم كالآتي:
- رأوبين، شَمْعُون، لاوي، يهوذا، يسّاكَرُ، زبلون - وأمهم ليئة.
- يُوسُف ﵊، بنيامين - وأمهما راحيل.
- دَان، نفْتالي - وأمهما بِلْهة جَارِيَة راحيل.
- جاد، أُشير – وأمهما زِلفة جَارِيَة ليئة١.
وَهَؤُلَاء الْأَوْلَاد الإثنا عشر هم أصل الأسباط الإسرائيليين.
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: سفر التكوين ٣٥/٣٣.стр. 16
- ثمَّ قصَّة يُوسُف ﵊ الْمَشْهُورَة مَعَ إخْوَته وأبيهم يَعْقُوب ﵊، وانتقال إِسْرَائِيل (يَعْقُوب) وبنيه للعيش فِي أَرض مصر معززين مكرّمين فِي ظلّ يُوسُف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام١.
- وَبعد وَفَاة يَعْقُوب ويوسف عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وتوالي السنون وتعاقب الْمُلُوك، تغير حَال بني إِسْرَائِيل فِي مصر من الْعِزَّة والكرامة إِلَى المذلة والمهانة، لِأَن فِرْعَوْن مصر اضطهد بني إِسْرَائِيل واستعبدهم٢ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ ٣.
الحواشي
(١) ١ - وَردت الْقِصَّة مفصلة فِي سُورَة يُوسُف، وَفِي سفر التكوين من الإصحاح ٣٧ - إِلَى الإصحاح ٤٥.
٢ - ذكرت عدَّة أَسبَاب لذَلِك الإضطهاد، مِنْهَا:
أ - أَن فِرْعَوْن رأى رُؤْيا أفزعته مضمونها أَن زَوَال ملكه سَيكون على يَد رجل من بني إِسْرَائِيل. (انْظُر: تَفْسِير ابْن كثير ١/٩٣) .
ب - لخشيته من تكاثر عَددهمْ واستفحال نفوذهم. (سفر الْخُرُوج ١/٨، ٩) .
ج - أَن زمن دُخُول بني إِسْرَائِيل إِلَى مصر كَانَ فِي فَتْرَة حكم مُلُوك الرُّعَاة (الهكسوس) غزَاة أَرض مصر، وحينما طرد المصريون الهكسوس من أَرضهم واستعادوا ملكهم فَإِنَّهُم اضطهدوا بني إِسْرَائِيل المتعاونين مَعَ الْحُكَّام السَّابِقين. (انْظُر: قصَص الْأَنْبِيَاء ص١٥٣، ١٥٤ عبد الْوَهَّاب النجار، الْيَهُودِيَّة ٥١ - ٥٤، ٥٩ - ٦١ د. شلبي) .
٣ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٤٩.стр. 17
الْمطلب الثَّانِي: قوم مُوسَى .
- فَأرْسل الله ﵎ مُوسَى وَهَارُون عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام ابْني عْمرام بن قَهَات بن لاوي بن يَعْقُوب١عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى فِرْعَوْن وَقَومه مؤيّدين بالمعجزات لدعوتهم إِلَى الْإِيمَان بِاللَّه وَحده وَرفع الْعَذَاب عَن بني
الحواشي
(١) ١ - سلسلة النّسَب من سفر التكوين ٦/١٦ - ٢٠، وَقد عَاشَ مُوسَى فِي الْقرن الثَّانِي عشر قبل الميلاد تَقْرِيبًا.стр. 18
إِسْرَائِيل، فكذب فِرْعَوْن وَقَومه وعصوا وَكَفرُوا بِاللَّه وآياته، فَأمر الله رَسُوله مُوسَى أَن يخرج ببني إِسْرَائِيل من مصر، فأتبعهم فِرْعَوْن بجُنُوده، فأغرقهم الله فِي اليمّ، ونَجَّا مُوسَى وَقَومه إِلَى أَرض سيناء.
- وَكَانَ قوم مُوسَى ﵊ من بني إِسْرَائِيل - الَّذين خرج بهم من مصر - قد عاشوا فِي الْعُبُودِيَّة والذل والوثنية سنوات مديدة، ففسدت عقائدهم وخبثت نُفُوسهم وضعفت همتهم وَظهر عنادهم وكسلهم وتواكلهم وتخاذلهم وعصيانهم لأمر الله وَرَسُوله، ونريد أَن نقف هُنَا بعض الوقفات لنبين بعض أَخْلَاق سلف الْيَهُود وآبائهم مِمَّن كَانُوا مَعَ مُوسَى ﵊ فِي الْأُمُور الْآتِيَة:
- أَنهم شكّوا فِي موت فِرْعَوْن بعد أَن أغرقه الله فِي الْبَحْر، فَأمر الله تَعَالَى الْبَحْر أَن يلقيه بجسده سوياً بِلَا روح١. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ٢.
- وَلما جاوزوا الْبَحْر ونجوا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
- وحينما وصلوا إِلَى صحراء سيناء وأحسوا بالعطش تذمروا وَشَكوا إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام٤ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: تَفْسِير ابْن كثير ٢/٤٤٦.
٢ - سُورَة يُونُس، آيَة ٩٢.
٣ - سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٣٨ - ١٣٩.
٤ - انْظُر: سفر الْخُرُوج ١٧/١ - ٧.стр. 19
بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١.
- وَبعد أَن شربوا وأطفؤا ظمأهم جأروا بالشكوى إِلَى مُوسَى من الْجُوع وسألوا الطَّعَام٢ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ٣.
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: كَانَ المنّ ينزل عَلَيْهِم على الْأَشْجَار، فيغدون إِلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ مَا شاؤا، والسلوى طَائِر يشبه بالسماني كَانُوا يَأْكُلُون مِنْهُ٤.
- ثمَّ طلبُوا بعد ذَلِك الْمَكَان الظليل الَّذِي يقيهم من حر الصَّحرَاء فَسَأَلَ مُوسَى ﵊ ربه ذَلِك، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٥.
وعَلى الرغم من كَثْرَة الْآيَات والمعجزات من الله لقوم مُوسَى، فقد أظهرُوا العناد والمكابرة وَعدم الْإِيمَان حَتَّى يرَوا الله جهرة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ
الحواشي
(١) ١ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٦٠.
٢ - انْظُر: سفر الْخُرُوج صَحَّ١٦.
٣ - سُورَة طه، آيَة ٨٠.
٤ - ذكره الإِمَام ابْن كثير فِي تَفْسِيره ١/٩٨ - ١٠٠، كَمَا ذكر أقوالاً أُخْرَى فِي تَعْرِيف الْمَنّ والسلوى.
٥ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٥٧. وَانْظُر: تَفْسِير ابْن كثير ١/١٠٠ - ١٠١، فِيمَا نَقله عَن السّديّ ووهب بن مُنَبّه وَغَيرهمَا فِي تَفْسِير الْآيَات الْكَرِيمَة السَّابِقَة.стр. 20
بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ ٢.
وَبعد هَذِه المعجزات والآيات الْبَينَات الَّتِي امتن الله بهَا على بني إِسْرَائِيل فَإِنَّهُم – حينما ذهب مُوسَى ﵊ لميقات ربه لأخذ التَّوْرَاة على جبل طور سيناء واستبطأوا رُجُوعه - رجعُوا إِلَى مَا ألفوه من الوثنية بِمصْر فعبدوا الْعجل٣، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤، وَمَعَ فداحة الذَّنب وَعظم الْخَطِيئَة فَإِن رَحْمَة الله أكبر، وعفوه ﵎ أوسع وَأعظم قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٥.
الحواشي
(١) ١ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٥٥ - ٥٦.
٢ - سُورَة النِّسَاء، آيَة ١٥٣.
٣ - انْظُر: سفر الْخُرُوج صَحَّ ٣٢، وتتهم توراة الْيَهُود هَارُون ﵊ بِأَنَّهُ صنع الْعجل لبني إِسْرَائِيل وَأمرهمْ بِعِبَادَتِهِ، وَقد برّأ الله فِي الْقُرْآن الْكَرِيم هَارُون ﵊ من هَذِه التُّهْمَة الْبَاطِلَة وكشف عَن المجرم الْحَقِيقِيّ وَهُوَ السامري. قَالَ تَعَالَى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ . [سُورَة طه، آيَة ٨٧، ٨٨] .
٤ - سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٤٨ - ١٤٩.
٥ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٥١، ٥٢.стр. 21
وَلَكِن ذَلِك الْعَفو كَانَ لابد لَهُ من الْكَفَّارَة١ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٢.
ـ وَلما جَاءَهُم مُوسَى ﵊ بِمَا شرع لَهُم فِي التَّوْرَاة فَإِنَّهُم لم يقبلوها حَتَّى رُفع الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣.
وَمَعَ هَذَا كُله لم يحمد بَنو إِسْرَائِيل مَا هم فِيهِ من النَّعيم رب غَفُور وشراب طهُور وَطَعَام سَائِغ لَا يكلفهم أدنى مجهود وظل مَمْدُود بل ظلوا يضجرون ويتكاسلون وَيطْلبُونَ ويعاندون ويتمادون حَتَّى قَالُوا٤ مَا أخبر الله بِهِ عَنْهُم فِي الْقُرْآن الْكَرِيم بقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ٥.
فَأَمرهمْ الله أَن يدخلُوا الأَرْض المقدسة (بَيت الْمُقَدّس وَأَرْض الْخيرَات) وَوَعدهمْ بالنصر، وَطلب مُوسَى ذَلِك من قومه، فَقَالَ : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا
الحواشي
(٣٢) .
٢ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٥٤.
٣ - سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٧١.
٤ - انْظُر: سفر الْعدَد صَحَّ(١١) .
٥ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٦١.стр. 22
لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ١.
فَحكم الله عَلَيْهِم بالتيه فِي صحراء سيناء أَرْبَعِينَ سنة يَسِيرُونَ دَائِما لَا يَهْتَدُونَ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ حَتَّى٢ مَاتَ ذَلِك الجيل المتخاذل العَاصِي الَّذِي خرج بِهِ مُوسَى من مصر وَلَقي من أذاهم وعصيانهم مَا لَا يُوصف، قَالَ الله مُبينًا أذاهم لمُوسَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣.
- وَتُوفِّي هَارُون وَمن بعده مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي ذَلِك التيه، وَأقَام الله فِي بني إِسْرَائِيل يُوشَع بن نون٤ (فَتى مُوسَى) عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام
стр. 23
نَبيا لَهُم خَليفَة عَن مُوسَى ﵊، وَلما انْقَضتْ مُدَّة التيه خرج يُوشَع ﵊ ببني إِسْرَائِيل إِلَى بَيت الْمُقَدّس فحاصرها وَفتحهَا الله عَلَيْهِم، وَأمرهمْ الله حِين دُخُولهمْ الأَرْض المقدسة ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ١.
فَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "قيل لبني إِسْرَائِيل: ﴿َادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فَدَخَلُوا يزحفون على أستاهم فبدّلوا وَقَالُوا: حِطة حَبَّة فِي شَعْرَة" ٢.
فتعساً لهَؤُلَاء الْقَوْم الَّذين يقابلون الْإِحْسَان بالإساءة، وَالْمَعْرُوف بالمنكر، وَالنعْمَة بالجحود، فاستحقوا بذلك غضب الله عَلَيْهِم.
- وَبعد دُخُولهمْ الأَرْض المقدسة بَدَأَ يُوشَع ﵊ يكمل فتوحاته وَيقسم الْأَرَاضِي الَّتِي غنمها على أَسْبَاط بني إِسْرَائِيل الإثني عشر، وَبعد وَفَاة يُوشَع ﵊ تولى قيادة بني إِسْرَائِيل قضاتهم. وَمن هُنَا
الحواشي
(١) ١ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٥٨، ٥٩.
٢ - أخرجه الإِمَام البُخَارِيّ (انْظُر: فتح الْبَارِي ٨/١٦٤، ٣٠٨) ، وَمُسلم ٤/٢٣١٢، وَأحمد ٢/١١٨، وراجع تَفْسِير ابْن كثير ١/١٠٣.стр. 24
يُقَسِّم المؤرخون المراحل التاريخية الَّتِي مرت على بني إِسْرَائِيل مُنْذُ دُخُولهمْ الأَرْض المقدسة (فلسطين) إِلَى العصور الْآتِيَة:
стр. 25
الْمطلب الثَّالِث: عصر الْقُضَاة .
نِسْبَة إِلَى الْقُضَاة الَّذين توَلّوا الحكم فِي أَسْبَاط بني إِسْرَائِيل الإثني عشر بعد وَفَاة يُوشَع بن نون ﵊، وَيَنْتَهِي هَذَا الْعَصْر بآخر قَاض لبني إِسْرَائِيل وَهُوَ صموئيل، وَمُدَّة هَذَا الْعَصْر ٣٥٠ سنة على حِسَاب سفر الْقُضَاة، وَالتَّحْقِيق العلمي يثبت أَن هَذَا الْعَصْر لَا تزيد مدَّته عَن ١٠٠عَام١.
وَمن سمات هَذَا الْعَصْر كَثْرَة النزاعات والحروب الداخلية والخارجية بَين الأسباط الإثني عشر وَغَيرهم، وتكرر حوادث الارتداد وَالْكفْر مِنْهُم، وانتشار الزِّنَا بَينهم وَمن ذَلِك مَا ورد فِي سفر الْقُضَاة الإصحاح (١٢) : "وَفعل بَنو إِسْرَائِيل الشَّرّ فِي عَيْني الرب وعبدوا البعليم، وَتركُوا إِلَه آبَائِهِم الَّذين أخرجهم من مصر، وَسَارُوا وَرَاء آلِهَة الشعوب الَّذين حَولهمْ وسجدوا لَهَا … " وتكرر ذَلِك الْكفْر والشرك مِنْهُم مَرَّات عديدة فِي فترات مُخْتَلفَة بِنَصّ سفر الْقُضَاة٢، وحينما فسد الْقُضَاة وَأخذُوا الرِّشْوَة وحكموا بَين النَّاس بالظلم والهوى طلب بَنو إِسْرَائِيل من نَبِي لَهُم يدعى (صموئيل) وَهُوَ آخر قضاتهم أَن يخْتَار لَهُم ملكا يوحد صفوفهم وَيُقِيم النظام بَينهم وَيُقَاتل أمامهم٣، وَبِذَلِك يبْدَأ الْعَصْر الثَّانِي وَهُوَ عصر الْمُلُوك.
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: تَارِيخ بني إِسْرَائِيل ص١٢٢ مُحَمَّد دروزة، دَائِرَة المعارف البريطانية ٢/٨، ٩، الْيَهُودِيَّة والمسيحية ص٨٣ د. مُحَمَّد الأعظمي.
٢ - رَاجع الإصحاحات ٣، ٤، ٦، ١٠، ١٣، ١٧.
٣ - انْظُر: سفر صموئيل الأول، الإصحاح ٨.стр. 26
وَقد بَين الله السَّبَب الَّذِي لأَجله طلب بَنو إِسْرَائِيل تعْيين ملك عَلَيْهِم، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
الحواشي
(١) ١ - سُورَة الْبَقَرَة، آيَة ٢٤٦، ٢٤٧.стр. 27
الْمطلب الرَّابِع: عصر الْمُلُوك .
وَيبدأ بِاخْتِيَار شاؤل٢ ملكا على بني إِسْرَائِيل، ثمَّ دَاوُد، ثمَّ سُلَيْمَان عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام.
وَمن أبرز حوادث هَذَا الْعَصْر: بِنَاء دَاوُد ﵊ للهيكل، وإتمام بنائِهِ فِي عهد سُلَيْمَان ﵊ وتسميته بـ (هيكل سُلَيْمَان) ، وتكرر حوادث الانحراف وَالْكفْر فِي بني إِسْرَائِيل بِنَصّ سفر الْمُلُوك الأول فِي الإصحاح (١١) .
وَقد بلغ الْكفْر والفجور عِنْد الْيَهُود إِلَى حد وصف النَّبِيين الكريمين دَاوُد وَسليمَان عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام بارتكاب الْكَبَائِر حَتَّى الشّرك بِاللَّه، وَهَذَا من الْكَذِب والبهتان والتحريف الْمَوْجُود فِي كتب الْيَهُود المقدسة لديهم١، وَبعد
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: سفر صموئيل الثَّانِي صَحَّ١١، سفر الْمُلُوك الأول صَحَّ١١.стр. 28
وَفَاة سُلَيْمَان ﵊ انقسمت مملكة بني إِسْرَائِيل، وَكَانَ ذَلِك بداية الْعَصْر الثَّالِث.
стр. 29
الْمطلب الْخَامِس: عصر انقسام مملكة بني إِسْرَائِيل .
بعد وَفَاة سُلَيْمَان ﵊ اجْتمع بَنو إِسْرَائِيل فِي أورشليم لتنصيب رحبعام بن سُلَيْمَان مَكَان أَبِيه، وَلَكنهُمْ اشترطوا عَلَيْهِ تَخْفيف الْأَحْكَام الَّتِي فَرضهَا عَلَيْهِم سُلَيْمَان، لكنه رفض ذَلِك فانحاز مُعظم الشّعب (١٠ أَسْبَاط) إِلَى مبايعة يربعام بن نباط (وَكَانَ أحد قادة جيوش سُلَيْمَان فانشق عَنهُ وهرب إِلَى مصر وَعَاد إِلَى فلسطين بعد وَفَاة سُلَيْمَان) وَبَايع سبطا يهوذا وبنيامين رحبعام، وَبِهَذَا انقسمت مملكة بني إِسْرَائِيل إِلَى دولتين متنازعتين:
١ - إِحْدَاهمَا فِي الشمَال وَتسَمى (مملكة إِسْرَائِيل أَو مملكة السامرة) أَو (المملكة الشمالية) وعاصمتها (شكيم) الَّتِي بناها يربعام.
٢ - وَالْأُخْرَى فِي الْجنُوب وَتسَمى (مملكة يهوذا) أَو (المملكة الجنوبية) وعاصمتها (أورشليم) .
وأبرز حوادث هَذَا الْعَصْر مَا يَأْتِي:
أ - وُقُوع بني إِسْرَائِيل فِي الرِّدَّة وَالْكفْر والفجور مُنْذُ بداية عصر الانقسام وتكرر ذَلِك مِنْهُم مَرَّات عديدة فِي أزمنة مُخْتَلفَة١.
ب – سلسلة الحروب والنكبات المستمرة بَين المملكتين وَمَعَ الْبِلَاد الْمُجَاورَة لَهَا.
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: سفر الْمُلُوك الأول الإصحاحات (١٢، ١٤، ١٥، ١٦، ١٧، ١٨، ١٩، ٢٢) ، وسفر الْمُلُوك الثَّانِي الإصحاحات (١، ١٣، ١٥، ١٦، ١٧، ٢١، ٢٢، ٢٣، ٢٤) .стр. 30
جـ – الْغَزْو الآشوري بقيادة الإمبراطور الآشوري (تغْلث فلاسر) على مملكة إِسْرَائِيل الشمالية، وَالْقَضَاء عَلَيْهَا وتدميرها تدميراً نهائياً وَنقل من بَقِي من أَهلهَا أسرى إِلَى آشور (الْعرَاق) على يَد الإمبراطور الآشوري سرجون الثَّانِي فِي عَام ٧٢٢م، وَبِذَلِك كَانَت نِهَايَة مملكة إِسْرَائِيل الشمالية١.
د - ضيَاع التَّوْرَاة وإهمالها سنوات مديدة ثمَّ ادِّعَاء العثور عَلَيْهَا من غير قصد فِي عهد الْملك يوشيا من مُلُوك مملكة يهوذا بعد تدمير مملكة إِسْرَائِيل٢.
الحواشي
(٢) ، قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص٧٨، الْقُدس عَرَبِيَّة إسلامية ص٧٤، ٧٥ د. سيد فراج رَاشد.
٢ - انْظُر: سفر الْمُلُوك الثَّانِي الإصحاح (٢٢، ٢٣) .стр. 31
الْمطلب السَّادِس: عصر إنقسام البابلي .
…
الْمطلب السَّادِس: عصر السَّبي البابلي.
بقيت مملكة يهوذا الجنوبية تكافح وتناضل الطامعين فِيهَا من أجل الْبَقَاء إِلَى أَن جَاءَ فِرْعَوْن مصر فزحف على مملكة يهوذا سنة ٦٠٨ ق. م فاحتلها، وَاسْتمرّ فِي زحفه فاحتل مملكة إِسْرَائِيل الَّتِي كَانَت قد سَقَطت تَحت سلطة الآشوريين، وَقد ثار لذَلِك البابليون - الَّذين خلفوا الآشوريين وورثوا ممتلكاتهم - وَجَاءُوا بقيادة ملكهم بخْتنصر (نبوخذ نصر) الَّذِي احتل أورشليم وأحرق هيكل سُلَيْمَان وهدمه، ودمّر أسوار ومنازل أورشليم، وَأخذ من بَقِي من بني إِسْرَائِيل عبيدا إِلَى بابل وَهَذَا مَا يعرف فِي تَارِيخ الْيَهُود بـ (الْأسر أَو السَّبي البابلي) سنة ٥٨٦ ق. م. تَقْرِيبًا، وَفِيه وَقع (التدمير الأول) لهيكل سُلَيْمَان، وَكَانَ ذَلِك الْقَضَاء المبرم على مملكة يهوذا أَو مَا تبقى من مملكة بني إِسْرَائِيل١.
الحواشي
(٣٦) ، قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص٤٥٨، ٨٩٩، وتاريخ بني إِسْرَائِيل ص٢٠٧، ٢٠٨ لمُحَمد دروزة، واليهودية ص٨٤ د. أَحْمد شلبي.стр. 32
وَقد عَاشَ بَنو إِسْرَائِيل فِي المنفى أَو السَّبي البابلي مُدَّة طَوِيلَة، انحرفوا خلالها عَن الدّين الْحق وتأثروا بوثنية أسيادهم البابليين وَمن جَاءَ بعدهمْ١.
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: تاريخهم فِي فَتْرَة السَّبي البابلي فِي (سفر دانيال، وحزقيال، وأستير، وعزرا) .стр. 33
الْمطلب السَّابِع: عصر العودة من السَّبي إِلَى أورشليم .
فِي سنة ٥٣٩ ق. م احتل الْفرس بِلَاد بابل وورثوا ممتلكاتهم، وَأظْهر ملك الْفرس (كورش) تعاطفا نَحْو بني إِسْرَائِيل حَيْثُ سمح لَهُم بالعودة إِلَى فلسطين سنة ٥٣٦ ق. م، وَلَكِن الكثيرين مِنْهُم فضلوا الْبَقَاء فِي بابل، وَعَاد بَعضهم على صُورَة جماعات كَانَ أَولهَا بقيادة زَرَّبَابَل وَكَانَ عَددهمْ خمسين ألف يَهُودِيّ ثمَّ تَحت قيادة عزرا ثمَّ نحميا١.
وأبرز حوادث هَذَا الْعَصْر مَا يَأْتِي:
١ - إِعَادَة بِنَاء مَدِينَة أورشليم وهيكل سُلَيْمَان٢.
٢ - يزْعم الْيَهُود بِأَن (عزرا) أعَاد التَّوْرَاة المفقودة - فِي السَّبي البابلي - من حفظه، وَأَنه الَّذِي جمع أسفار الْكتاب الْمُقَدّس ونظمها، وَأَنه مؤسس نظم الْيَهُود الْمُتَأَخِّرَة (فِي الْقرن الْخَامِس ق. م) وَلذَلِك يلقب بـ (الكاهن الْكَاتِب أَو الْوراق) ٣.
٢ - يَقُول المؤرخ الْيَهُودِيّ شاهين مكاريوس فِي كِتَابه (تَارِيخ الإسرائيليين) ٤:"وَمن ذَلِك الزَّمَان يختفي ذكر الأسباط الْعشْرَة الْأُخْرَى، فَمن
الحواشي
(٧) ، قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ص٦٢١، السّنَن القويم فِي تَفْسِير الْعَهْد الْقَدِيم ٥/٨٠، ٨١، قصَّة الحضارة ٢/٣٦٦ ول ديورانت.
٤ - انْظُر: تَارِيخ الإسرائيليين ص٣٢.стр. 34
عَاد مِنْهُم إِلَى فلسطين اخْتَلَط بسبطي يهوذا وبنيامين، وَفِي ذَلِك الْحِين سُمَّي الإسرائيليون يهوداً ودُعيت بِلَادهمْ الْيَهُودِيَّة". ا?.
وَمن الجدير بِالذكر أَن الْجَمَاعَات الْيَهُودِيَّة العائدة إِلَى فلسطين عاشت تَحت ظلّ الحكم الْفَارِسِي لتِلْك الْبِلَاد، وَمن بعده فِي ظلّ حكم الْإِسْكَنْدَر المكدوني (اليوناني) ١ وَمن بعده حكم البطالسة٢ المصريين (أحد قادة الْإِسْكَنْدَر الَّذين اقتسموا مَمْلَكَته بعد وَفَاته) ، ثمَّ جَاءَ الحكم الروماني على فلسطين سنة ٦٣ ق. م، وَفِي فَتْرَة الحكم الروماني ولد وعاش النَّبِي الْكَرِيم عِيسَى بن مَرْيَم ﵊. وَقد حاول الْيَهُود مرَارًا وتكراراً فِي ظلّ الحكومات المتعاقبة السَّابِقَة إِعَادَة مجدهم السَّابِق فِي فلسطين وعزهم الزائل وحلمهم الْكَبِير فِي إِقَامَة مملكة مُسْتَقلَّة للْيَهُود، وَلَكِن كَانَت محاولاتهم الْكَثِيرَة تبوء بالفشل والندم وَالدَّم حَيْثُ تَنْتَهِي ثوراتهم باضطهادهم وتدميرهم وقتلهم وتشريدهم وذلهم وهوانهم٣، عقَابا لَهُم من الله وغضباً عَلَيْهِم لكفرهم وفجورهم وقتلهم الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وإفسادهم فِي الأَرْض.
الحواشي
(١) ١ - الْإِسْكَنْدَر الْكَبِير ملك مكدونيا (٣٣٦ - ٣٢٣ ق. م) اتسعت دولته فشملت فَارس وَالْعراق وَالشَّام ومصر وَاسْتولى على أَكثر الأَرْض فِي زَمَنه. (انْظُر: قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ١٠١، المنجد فِي الْأَعْلَام ٤٣) .
٢ - لقب خلفاء الْإِسْكَنْدَر المقدوني، وأولهم بطليموس الأول (٣٢٣ - ٢٨٥ق. م) (انْظُر: قَامُوس الْكتاب الْمُقَدّس ١٧٩) .
٣ - انْظُر: سفر المكابيين الأول وَالثَّانِي، تَارِيخ الإسرائيليين ص٣٢ - ٧١ شاهين مكاربوس.стр. 35
الْمطلب الثَّامِن: عصر الشتات (الدياسبورا) ١.
على أثر ثورة من الثورات المتكررة الَّتِي كَانَ يقوم بهَا الْيَهُود سنة ٧٠م
الحواشي
(١) ١ - كلمة يونانية أَخذهَا العبريون إِلَى لغتهم وتعني التَّفَرُّق فِي الأَرْض والذهاب فِيهَا أشتاتاً (انْظُر: الشخصية الإسرائيلية ص٦٥ د. حسن ظاظا) .стр. 36
دمّر الإمبراطور الروماني تيطس (هيكل سُلَيْمَان) مرّة ثَانِيَة وَقتل وسبى عددا كَبِيرا من الْيَهُود١.
وَفِي سنة ١٣٥م قَامَ الْيَهُود بثورة أُخْرَى زمن الإمبراطور الروماني أدريانوس الَّذِي دمّر مَدِينَة أورشليم، وَبنى مَكَان الهيكل معبدًا لـ (جوبيتير) كَبِير آلِهَة الرومان وغيّر اسْم الْمَدِينَة إِلَى (إيليا كابيتولينا) ، وتخلص من الْيَهُود فِيهَا بِالْقَتْلِ والتعذيب والتشريد وَالنَّفْي ومنعهم من دُخُولهَا٢. فازداد تشَتت الْيَهُود وتفرقهم فِي أنحاء الْعَالم - عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ من قبل مُنْذُ التدمير الثَّانِي للهيكل - فِي دوَل آسيا وأوروبا وإقريقيا.
يَقُول المؤرخ الْيَهُودِيّ شاهين مكاريوس: "إِلَى هُنَا يَنْتَهِي تَارِيخ الإسرائيليين كأمة، فَإِنَّهُم بعد خراب أورشليم تفَرقُوا فِي جَمِيع بِلَاد الله، وتاريخهم فِيمَا بَقِي من العصور مُلْحق بتاريخ الممالك الَّتِي توطنوها أَو نزلُوا فِيهَا، وَقد قاسوا فِي غربتهم هَذِه صنوف الْعَذَاب وَالْبَلَاء، فَإِن الرومانيين حظروا عَلَيْهِم دُخُول أورشليم"٣ ا?.
وَمَعَ تشتتهم فَإِن الْعَذَاب كَانَ يحل بهم أَيْنَمَا حلوا، وتعرضوا لنقمة أهل الْبِلَاد الَّتِي يسكنون فِيهَا بِسَبَب كفرهم وفسقهم وفسادهم وإفسادهم فِي الأَرْض وإشاعتهم للفتن والرذائل وَأكل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ قَالَ الله تَعَالَى
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: تَارِيخ الإسرائيليين ص٧١ - ٧٨، تَارِيخ بني إِسْرَائِيل من أسفارهم ص٣٨١ دروزه، أبحاث فِي الْفِكر الْيَهُودِيّ ص٣٦، ٣٧ د. حسن ظاظا.
٢ - انْظُر: أبحاث فِي الْفِكر الْيَهُودِيّ ص٣٦ - ٣٨ د. حسن ظاظا، التَّارِيخ الْيَهُودِيّ الْعَام ١/١٥٢ د. صابر طعيمة، الْقُدس عَرَبِيَّة إسلامية ص١٢٦ - ١٢٨ د. سيد فرج، الْيَهُودِيَّة العالمية ص٢٦ عبد الله التل.
٣ - انْظُر: تَارِيخ الإسرائيليين ص٧٧.стр. 37
عَنْهُم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١.
فَكَانَ عِقَاب الله عَلَيْهِم بِأَن سلّط عَلَيْهِم من يسومهم سوء الْعَذَاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
وَقَالَ الله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ ٣
فَسلط الله عَلَيْهِم الآشوريين والفراعنة المصريين والبابليين واليونانيين والبطالسة المصريين الوثنيين ثمَّ الرومان الوثنيين والنصرانيين قَدِيما وحديثاً لقرون عديدة، ثمَّ بعد بعثة النَّبِي ﷺ سلطه الله عَلَيْهِم فَأجلى بني قينقاع وَبني النَّضِير عَن الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَقتل بني قُرَيْظَة وَحَارب يهود خَيْبَر حَتَّى استسلموا لَهُ وصالحوه، ثمَّ أوصى بإخراجهم من جَزِيرَة الْعَرَب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ :
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: تَارِيخ الإسرائيليين ص٧٧.
٢ - سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٦٧.
٣ - سُورَة الْإِسْرَاء، آيَة ٤ - ٨.стр. 38
"لأخْرجَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب حَتَّى لَا أدع إِلَّا مُسلما" ١.
وَفِي الْعَصْر الحَدِيث كَانَ الْيَهُود يسامون سوء الْعَذَاب فِي الدول الأوروبية النَّصْرَانِيَّة وَغَيرهَا فمثلاً اضطهدوا فِي بريطانيا سنة ١٢٩٨م حينما أَمر الْملك ادوارد الأول بطرد الْيَهُود من جَمِيع الْبِلَاد البريطانية، وفتك البريطانيون باليهود فتكاً ذريعاً.
وَفِي فرنسا اضطهدهم الْملك لويس التَّاسِع، وَفِي عهد الْملك فيليب الْجَمِيل سنة ١٣٠٦م، وَفِي سنة ١٣٢١م نكل بهم الفرنسيون وطردوهم، وَأَيْضًا فِي سنة ١٥٨٢م طردوا مرّة أُخْرَى.
وَفِي إيطاليا حاربهم بابوات الْكَنِيسَة الكاثوليكية حَربًا شعواء، وَفِي سنة ١٥٤٠م ثار عَلَيْهِم الإيطاليون فَقَتَلُوهُمْ وطردوهم.
وَفِي روسيا حدثت مذابح فظيعة فِي عهد الحكم القيصري النَّصْرَانِي خَاصَّة فِي سنة ١٨٨١م، وَسنة ١٨٨٢م، وَسنة ١٩٠٢م حَيْثُ قتل الْيَهُود بالآلاف.
وَفِي ألمانيا ظلّ الْقَتْل والطرد باليهود قَائِما فِي القرنين الثَّانِي عشر وَالرَّابِع عشر الميلاديين، وَكَانَ آخر مَا لاقوه من عَذَاب وتقتيل وتشريد على يَد هتلر النازي إبتداء من توليه الحكم فِي ألمانيا ١٩٣٣م إِلَى ١٩٤٥م٢.
الحواشي
(١) ١ - أخرجه الإِمَام مُسلم ٣/١٣٨٨ وَغَيره عَن عمر (، وَأخرجه البُخَارِيّ عَن أبي
هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: "أخرجُوا الْمُشْركين من جَزِيرَة الْعَرَب". (انْظُر: فتح الْبَارِي ٦/٢٧١) .
٢ - رَاجع فِي تَفْصِيل تِلْكَ الإضطهادات: تأريخ الإسرائيليين ص٨٠ - ٩٧ شاهين مكاريوس، خطر الْيَهُودِيَّة العالمية على الْإِسْلَام والمسيحية ص١٠٦ - ١٢٠ عبد الله التل، التَّارِيخ الْيَهُودِيّ الْعَام ٢/٤٧ - ٧٣ د. صابر طعيمة، الشخصية الإسرائيلية ٨٤ - ٩٠ د. حسن ظاظا، بَنو إِسْرَائِيل فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ص١١٣، ١١٤ د. مُحَمَّد عبد السَّلَام.стр. 39
يتَبَيَّن لنا من هَذِه الْأَمْثِلَة والنماذج لاضطهادات الْيَهُود فِي كل الْبِلَاد الَّتِي نزلُوا بهَا أَنهم تعرضوا لنقمة أهل الْبِلَاد الَّتِي سكنوها وغضبهم يَسْتَوِي فِي ذَلِك تاريخهم الْقَدِيم والوسيط والْحَدِيث والمستقبل أَيْضا حسب الْوَعيد الإلهي فِي الْآيَة الْكَرِيمَة بِأَنَّهُم يسامون الْعَذَاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيكون ذَلِك على يَد الْمُسلمين إِن شَاءَ الله كَمَا وَردت بذلك الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي أَن الْمُسلمين سيقاتلون الْيَهُود فيقتلونهم حَتَّى يَقُول الشّجر وَالْحجر: تعال يَا مُسلم فَإِن ورائي يَهُودِيّ فاقتله١.
الحواشي
(١) ١ - أخرجه البُخَارِيّ: (انْظُر فتح الْبَارِي ٦/١٠٧) .стр. 40
الْمطلب التَّاسِع: تجمعهم فِي فلسطين فِي الْعَصْر الحَدِيث .
مِمَّا سبق نجد أَن الْيَهُود لم تقم لَهُم قَائِمَة وَلَا دولة وَلَا كيان فِي فلسطين إِلَّا فِي عصرنا المؤلم حينما تحالفت الْيَهُودِيَّة الماكرة مَعَ الصليبية الحاقدة - الَّتِي احتلت بِلَاد الْمُسلمين بجيوشها الصليبية - فِي تشريد الْمُسلمين وسلب أراضيهم فِي فلسطين وخاصة بَيت الْمُقَدّس ومنحها أَو بيعهَا للْيَهُود وتشجيع هجرتهم إِلَيْهَا من شَتَّى بقاع الأَرْض لإِقَامَة دولة غاصبة لَهُم فِي فلسطين وَقد مرّت إِقَامَة تِلْكَ الدولة المشؤمة بالمراحل الْآتِيَة:
- لَعَلَّ أول دَعْوَة علنية لإنشاء وَطن قومِي للْيَهُود كَانَت فِي كتاب (نِدَاء الْيَهُود) الَّذِي أصدره السّير هنري فنش بإنجلترا عَام ١٦١٦م١.
- ثمَّ جَاءَ الجنرال نابليون بونابرت الفرنسي الَّذِي دَعَا الْيَهُود إِلَى إِقَامَة وَطن لَهُم فِي فلسطين خلال الحملة الَّتِي قَامَ بهَا على مصر والشرق فِي عَام ١٧٩٨م وَوجه إِلَى الْيَهُود بَيَانا سماهم فِيهِ (وَرَثَة فلسطين الشرعيين) ، وَلَكِن
الحواشي
(١) ١ - انْظُر: الْقُدس عَرَبِيَّة إسلامية ص١٦٧ د. سيد فرج، التَّارِيخ الْيَهُودِيّ الْعَام ٢/١٩٤ د. صابر طعيمة.следующие страницы →