← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 3823

موجز تاريخ اليهود والرد على بعض مزاعمهم الباطلة

محمود قدح

Полный текст (78 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

دمّر الإمبراطور الروماني تيطس (هيكل سُلَيْمَان) مرّة ثَانِيَة وَقتل وسبى عددا كَبِيرا من الْيَهُود١. وَفِي سنة ١٣٥م قَامَ الْيَهُود بثورة أُخْرَى زمن الإمبراطور الروماني أدريانوس الَّذِي دمّر مَدِينَة أورشليم، وَبنى مَكَان الهيكل معبدًا لـ (جوبيتير) كَبِير آلِهَة الرومان وغيّر اسْم الْمَدِينَة إِلَى (إيليا كابيتولينا) ، وتخلص من الْيَهُود فِيهَا بِالْقَتْلِ والتعذيب والتشريد وَالنَّفْي ومنعهم من دُخُولهَا٢. فازداد تشَتت الْيَهُود وتفرقهم فِي أنحاء الْعَالم - عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ من قبل مُنْذُ التدمير الثَّانِي للهيكل - فِي دوَل آسيا وأوروبا وإقريقيا. يَقُول المؤرخ الْيَهُودِيّ شاهين مكاريوس: "إِلَى هُنَا يَنْتَهِي تَارِيخ الإسرائيليين كأمة، فَإِنَّهُم بعد خراب أورشليم تفَرقُوا فِي جَمِيع بِلَاد الله، وتاريخهم فِيمَا بَقِي من العصور مُلْحق بتاريخ الممالك الَّتِي توطنوها أَو نزلُوا فِيهَا، وَقد قاسوا فِي غربتهم هَذِه صنوف الْعَذَاب وَالْبَلَاء، فَإِن الرومانيين حظروا عَلَيْهِم دُخُول أورشليم"٣ ا?. وَمَعَ تشتتهم فَإِن الْعَذَاب كَانَ يحل بهم أَيْنَمَا حلوا، وتعرضوا لنقمة أهل الْبِلَاد الَّتِي يسكنون فِيهَا بِسَبَب كفرهم وفسقهم وفسادهم وإفسادهم فِي الأَرْض وإشاعتهم للفتن والرذائل وَأكل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ قَالَ الله تَعَالَى

стр. 37

عَنْهُم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ١. فَكَانَ عِقَاب الله عَلَيْهِم بِأَن سلّط عَلَيْهِم من يسومهم سوء الْعَذَاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. وَقَالَ الله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ ٣ فَسلط الله عَلَيْهِم الآشوريين والفراعنة المصريين والبابليين واليونانيين والبطالسة المصريين الوثنيين ثمَّ الرومان الوثنيين والنصرانيين قَدِيما وحديثاً لقرون عديدة، ثمَّ بعد بعثة النَّبِي ﷺ سلطه الله عَلَيْهِم فَأجلى بني قينقاع وَبني النَّضِير عَن الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَقتل بني قُرَيْظَة وَحَارب يهود خَيْبَر حَتَّى استسلموا لَهُ وصالحوه، ثمَّ أوصى بإخراجهم من جَزِيرَة الْعَرَب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ :

стр. 38

"لأخْرجَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب حَتَّى لَا أدع إِلَّا مُسلما" ١. وَفِي الْعَصْر الحَدِيث كَانَ الْيَهُود يسامون سوء الْعَذَاب فِي الدول الأوروبية النَّصْرَانِيَّة وَغَيرهَا فمثلاً اضطهدوا فِي بريطانيا سنة ١٢٩٨م حينما أَمر الْملك ادوارد الأول بطرد الْيَهُود من جَمِيع الْبِلَاد البريطانية، وفتك البريطانيون باليهود فتكاً ذريعاً. وَفِي فرنسا اضطهدهم الْملك لويس التَّاسِع، وَفِي عهد الْملك فيليب الْجَمِيل سنة ١٣٠٦م، وَفِي سنة ١٣٢١م نكل بهم الفرنسيون وطردوهم، وَأَيْضًا فِي سنة ١٥٨٢م طردوا مرّة أُخْرَى. وَفِي إيطاليا حاربهم بابوات الْكَنِيسَة الكاثوليكية حَربًا شعواء، وَفِي سنة ١٥٤٠م ثار عَلَيْهِم الإيطاليون فَقَتَلُوهُمْ وطردوهم. وَفِي روسيا حدثت مذابح فظيعة فِي عهد الحكم القيصري النَّصْرَانِي خَاصَّة فِي سنة ١٨٨١م، وَسنة ١٨٨٢م، وَسنة ١٩٠٢م حَيْثُ قتل الْيَهُود بالآلاف. وَفِي ألمانيا ظلّ الْقَتْل والطرد باليهود قَائِما فِي القرنين الثَّانِي عشر وَالرَّابِع عشر الميلاديين، وَكَانَ آخر مَا لاقوه من عَذَاب وتقتيل وتشريد على يَد هتلر النازي إبتداء من توليه الحكم فِي ألمانيا ١٩٣٣م إِلَى ١٩٤٥م٢.

стр. 39

يتَبَيَّن لنا من هَذِه الْأَمْثِلَة والنماذج لاضطهادات الْيَهُود فِي كل الْبِلَاد الَّتِي نزلُوا بهَا أَنهم تعرضوا لنقمة أهل الْبِلَاد الَّتِي سكنوها وغضبهم يَسْتَوِي فِي ذَلِك تاريخهم الْقَدِيم والوسيط والْحَدِيث والمستقبل أَيْضا حسب الْوَعيد الإلهي فِي الْآيَة الْكَرِيمَة بِأَنَّهُم يسامون الْعَذَاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيكون ذَلِك على يَد الْمُسلمين إِن شَاءَ الله كَمَا وَردت بذلك الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي أَن الْمُسلمين سيقاتلون الْيَهُود فيقتلونهم حَتَّى يَقُول الشّجر وَالْحجر: تعال يَا مُسلم فَإِن ورائي يَهُودِيّ فاقتله١.

стр. 40

الْمطلب التَّاسِع: تجمعهم فِي فلسطين فِي الْعَصْر الحَدِيث . مِمَّا سبق نجد أَن الْيَهُود لم تقم لَهُم قَائِمَة وَلَا دولة وَلَا كيان فِي فلسطين إِلَّا فِي عصرنا المؤلم حينما تحالفت الْيَهُودِيَّة الماكرة مَعَ الصليبية الحاقدة - الَّتِي احتلت بِلَاد الْمُسلمين بجيوشها الصليبية - فِي تشريد الْمُسلمين وسلب أراضيهم فِي فلسطين وخاصة بَيت الْمُقَدّس ومنحها أَو بيعهَا للْيَهُود وتشجيع هجرتهم إِلَيْهَا من شَتَّى بقاع الأَرْض لإِقَامَة دولة غاصبة لَهُم فِي فلسطين وَقد مرّت إِقَامَة تِلْكَ الدولة المشؤمة بالمراحل الْآتِيَة: - لَعَلَّ أول دَعْوَة علنية لإنشاء وَطن قومِي للْيَهُود كَانَت فِي كتاب (نِدَاء الْيَهُود) الَّذِي أصدره السّير هنري فنش بإنجلترا عَام ١٦١٦م١. - ثمَّ جَاءَ الجنرال نابليون بونابرت الفرنسي الَّذِي دَعَا الْيَهُود إِلَى إِقَامَة وَطن لَهُم فِي فلسطين خلال الحملة الَّتِي قَامَ بهَا على مصر والشرق فِي عَام ١٧٩٨م وَوجه إِلَى الْيَهُود بَيَانا سماهم فِيهِ (وَرَثَة فلسطين الشرعيين) ، وَلَكِن

стр. 41

هزيمَة نابليون حَالَتْ دون إِكْمَال المؤامرة١. - ثمَّ توالت نداءات وكتابات زعماء ومفكري الْيَهُود إِلَى اتِّخَاذ فلسطين وطناً قومياً للْيَهُود وَإِقَامَة دولة لَهُم فِيهَا بشتى الْوَسَائِل وَمن أبرز هَؤُلَاءِ: الحاخام (زفى هيرش كاليشر ١٧٩٥ - ١٨٧٤م) فِي كِتَابه (الْبَحْث عَن صهيون) . والحاخام (مُوسَى هيس ١٨٢١ - ١٨٧٥م) فِي كِتَابه (من روما إِلَى الْقُدس) . والمفكر الْيَهُودِيّ (بيريتز سمولنسكن ١٨٤٢ - ١٨٨٥م) فِي كِتَابه (فلنبحث عَن الطَّرِيق) وَغَيرهم٢. - تكونت فِي أوروبا وأمريكا وآسيا وَغَيرهَا عشرات الجمعيات والمنظمات الْيَهُودِيَّة الَّتِي ترعى شؤون الْيَهُود ومصالحهم، وَمن أبرزها (جمعية أحباء صهيون) الَّتِي قدمت عَام ١٨٨٢م طلبا للقنصل العثماني فِي روسيا يطْلبُونَ الْإِقَامَة فِي فلسطين فَكَانَ الرَّد بالرفض الْقَاطِع من السُّلْطَان عبد الحميد العثماني٣٤. - اسْتَطَاعَ الْيَهُود أَن يتغلغلوا فِي الأوساط الدِّينِيَّة والاجتماعية والمالية والإعلامية والسياسية فِي الْبِلَاد الغربية ذَات النّفُوذ العالمي مثل بريطانيا وروسيا

стр. 42

وفرنسا ثمَّ أمريكا وَغَيرهَا، وَأَن يُسَخِّروا حكومات وشعوب تِلْكَ الْبِلَاد فِي تَحْقِيق الْمصَالح الْيَهُودِيَّة والأهداف الصهيونية وَالَّتِي كَانَت تلتقي مَعَ المطامع والمصالح الصليبية ضد الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين. فَأَما فِي المجال الديني فقد اسْتَطَاعَ الْيَهُود أَن يندسوا فِي الْكَنِيسَة النَّصْرَانِيَّة ويصلوا إِلَى أَعلَى المناصب الكنسية حَتَّى منصب (بَابا الفاتيكان) ١، ويستصدروا من مجمع (مؤتمر) الفاتيكان العالمي الثَّانِي المنعقد فِي عَام ١٩٦٣م قراراً بتبرئة الْيَهُود من دم الْمَسِيح ﵊، ثمَّ أصدر البابا بولس السَّادِس فِي ٢٨ أكتوبر ١٩٦٥م عَن الْمجمع المسكوني بَيَانا اشْتهر باسم (وَثِيقَة التبرئة) يُؤَكد فِيهِ مَا سبق٢. وَأما فِي المجال المالي فقد ظَهرت إمبراطوريات مَالِيَّة يَهُودِيَّة فِي أوروبا وامتد نشاطها إِلَى أمريكا وَمن أبرز تِلْكَ الإمبراطوريات الْمَالِيَّة عائلة (روتشيلد) الْيَهُودِيَّة وَغَيرهَا الَّتِي قَامَت بتمويل الحركات الثورية والمنظمات الصهيونية الَّتِي تخْدم مصَالح الْيَهُود٣. وَأما فِي المجال الإعلامي فقد سيطر الْيَهُود عَن طَرِيق المَال بشرائهم

стр. 43

وإنشائهم للمؤسسات الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية وَعَن طريقها كَانُوا يتحكمون فِي الحكومات والشعوب وتوجيههم حسب خطط الْيَهُود وأهدافهم ومصالحهم. وَمن الْأَمْثِلَة الَّتِي تدل على السيطرة الْيَهُودِيَّة على الْإِعْلَام أَن وكَالَة (رويتر) أسسها (جوليوس باول رويتر الألماني) وَكَانَ يَهُودِيّا اسْمه (إِسْرَائِيل بيير جوزافات) وَقد أسس وكَالَته سنة ١٨٤٨م، كَمَا أَن (وكَالَة أنباء هافاس) أسسها أحد الْيَهُود من عائلة هافاس سنة ١٨٣٥م، وأصبحت فِيمَا بعد الْوكَالَة الرسمية لفرنسا١. وَأما فِي المجال السياسي فقد اسْتَطَاعَ الْيَهُود السيطرة عَلَيْهِ والتغلغل فِيهِ عَن طَرِيق الإغراء المالي والجنسي والتأثير الإعلامي والجمعيات الماسونية للوصول إِلَى أَعلَى المناصب السياسية أَمْثَال الْيَهُودِيّ (بنيامين دزرائيلي) رَئِيس وزراء بريطانيا٢، وأعضاء الحزب الشيوعي فِي روسيا بعد الانقلاب الشيوعي - الَّذِي أطاح بالحكم القيصري النَّصْرَانِي - كَانَ معظمهم من الْيَهُود، وَكَذَلِكَ أَعْضَاء الكونجرس الأمريكي ووزراء ومستشارو الرئيس الأمريكي ومعاونوه٣.

стр. 44

- فِي عَام ١٨٩٦م أصدر الصحفي الْيَهُودِيّ (ثيودور هرتزل) ١ كِتَابه (الدولة الْيَهُودِيَّة) ودعا إِلَى مؤتمر (بازل) بسويسرا عَام ١٨٩٧م حَضَره زعماء الْيَهُود وحاخاماتهم من جَمِيع أنحاء الْعَالم وتقرر فِيهِ إنْشَاء (المنظمة الصهيونية العالمية) وَاخْتِيَار فلسطين لتَكون وطناً قومياً للْيَهُود بعد تجميعهم فِيهَا من أنحاء الْعَالم وبذل كَافَّة الجهود لتحقيق ذَلِك. - فِي عَام ١٩٠١م أنشأ هرتزل (الصندوق الْيَهُودِيّ الوطني) لشراء الْأَرَاضِي فِي فلسطين، وَعرض على السُّلْطَان عبد الحميد العثماني رشوة مَالِيَّة ضخمة مُقَابل السماح للْيَهُود بِالْهِجْرَةِ إِلَى فلسطين فرفض السُّلْطَان ﵀ ذَلِك الْعرض الدنيء وَقَامَ بطرد هرتزل. - فِي عَام ١٩٠٩م تمكن الماسونيون من الإطاحة بالسلطان عبد الحميد وعزله بانقلاب عسكري عَلَيْهِ، وتولي حزب الِاتِّحَاد والترقي (مُعظم أَعْضَائِهِ من يهود الدونمة السلانيك والماسونيين) للسلطة الفعلية فِي تركيا، ثمَّ قَامُوا بإلغاء الْخلَافَة العثمانية فِي عَام ١٩٢٤م على يَد مصطفى كَمَال أتاتورك (عميل الغرب) ٢. - ثمَّ فِي ٢ نوفمبر ١٩١٧م أصدر وَزِير خارجية بريطانيا (بلفور)

стр. 45

وعده المشؤم بمنح الْيَهُود حق إِقَامَة وَطن قومِي لَهُم فِي فلسطين ومساعدتهم فِي ذَلِك. - وَفِي نفس الْعَام ١٩١٧م احتلت الجيوش البريطانية فلسطين بعد هزيمَة الدولة العثمانية حليفة ألمانيا فِي الْحَرْب العالمية الأولى (١٩١٤م - ١٩١٧م) ، ثمَّ وضعت فلسطين وَمَا جاورها تَحت الانتداب البريطاني بموافقة عصبَة الْأُمَم المتحدة (الدول الغربية) فِي ٢٥ إبريل من عَام ١٩٢٠م إِلَى عَام ١٩٣٢م حَيْثُ قَامَت بريطانيا بتحقيق وعد بلفور المشؤم فِي تشجيع ودعم الْهِجْرَة الْيَهُودِيَّة إِلَى فلسطين وتوطينها وحمايتها، فَهَاجَرَ إِلَى فلسطين أثْنَاء مُدَّة الانتداب البريطاني مَا يقرب من ١١٨ ألف يَهُودِيّ كوّنوا عصابات إرهابية مسلحة مثل الهاجاناه١، والأرجون٢، وشتيرن٣، وقوات البالماخ٤ وَغَيرهَا بهدف الإستيلاء على أَرَاضِي الْمُسلمين وتشريدهم وإرهابهم، وَقد اندمجت تِلْكَ العصابات الْيَهُودِيَّة بعد ذَلِك فِي (جَيش الدفاع) فِي الدولة الْيَهُودِيَّة. - فِي ٢٦ نوفمبر ١٩٤٧م أصدرت الْأُمَم المتحدة قَرَارهَا بتقسيم فلسطين بَين الْمُسلمين وَالْيَهُود وانتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين. - ثمَّ فِي ١٥ مايو ١٩٤٨م أعلن بن جوريون قيام دولة يَهُودِيَّة فِي فلسطين٥ على أثر إعلان بريطانيا انْتِهَاء الانتداب، وَقد تسارعت الدول الغربية الصليبية الَّتِي تتلاقى مصالحها ومطامعها مَعَ المخططات الْيَهُودِيَّة إِلَى

стр. 46

الِاعْتِرَاف بالدولة الْيَهُودِيَّة الغاصبة وَفِي مُقَدّمَة تِلْكَ الدول إمريكا وروسيا وفرنسا. - وَقد استطاعت الدولة الْيَهُودِيَّة الَّتِي سُميت باسم (إِسْرَائِيل) ترسيخ وجودهَا بل توسيع أراضيها المغتصبة فِي المنطقة الْعَرَبيَّة الإسلامية بدعم حلفائها الغربيين - وخاصة إمريكا وروسيا - حَيْثُ قَامَت باحتلال الْقُدس الغربية وجنوب النقب عَام ١٩٤٩م، ثمَّ احتلال الْقُدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزه وصحراء سيناء وهضبة الجولان عَام ١٩٦٧م، وَبِنَاء المستوطنات الإسرائيلية على الْأَرَاضِي المحتلة. كل ذَلِك سعياً وَرَاء تَحْقِيق الْحلم الصهيوني الْيَهُودِيّ بِمَا يُسمى (إِسْرَائِيل الْكُبْرَى) من النّيل إِلَى الْفُرَات، وَلَكِن تقلّص ذَلِك الْحلم حينما تمكنت الجيوش الْعَرَبيَّة فِي حَرْب رَمَضَان سنة ١٣٩٣? (٦ أكتوبر ١٩٧٣م) من تحطيم أسطورة الْجَيْش الإسرائيلي وَخط بارليف الَّذِي لَا يقهر - بزعمهم -، واستعاد المصريون صحراء سيناء، مِمَّا دفع باليهود إِلَى تَغْيِير إستراتيجيتهم فِي اختراق الْبِلَاد الْعَرَبيَّة فسعت إِلَى توقيع معاهدة السَّلَام فِي كامب ديفيد بأمريكا عَام ١٩٧٨م بَين الرئيس الْمصْرِيّ مُحَمَّد أنور السادات والرئيس الإسرائيلي مناحيم بيجين. - وعَلى الرغم من ذَلِك فقد قَامَت إِسْرَائِيل بغزو جنوب لبنان فِي نفس عَام ١٩٧٨م وإحتلالها وتشريد أَهلهَا وَقتل الأبرياء الْآمنينَ، وواصلت إِسْرَائِيل إعتدائها واجتياح لبنان حَتَّى وصلت إِلَى بيروت عَام ١٩٨٢م وَلَا تزَال تواصل إعتداءاتها. - وَبعد جهود حثيثة من الولايات المتحدة الأمريكية ومصر والإتحاد السوفيتي ودول أُخْرَى عقد مؤتمر السَّلَام فِي الشرق الْأَوْسَط فِي ٣٠ أكتوبر عَام ١٩٩١م بالعاصمة الإسبانية (مدريد) لوضع حد للصراع الْعَرَبِيّ الإسرائيلي

стр. 47

بِحُضُور الفلسطينيين والإسرائيليين على مائدة المفاوضات لإِقَامَة سَلام دَائِم وعادل بَين شعوب الشرق الْأَوْسَط. وَلَكِن يجب علينا أَن لَا ننسى مَعَ ذَلِك أَن الْيَهُود أعداؤنا مَاضِيا وحاضراً ومستقبلاً قَالَ تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا..﴾ ١، وَالصُّلْح مَعَ الْيَهُود أَو غَيرهم من الْكفَّار - إِذا حدث مَعَ وجود الْمصلحَة أَو الضَّرُورَة حسب مَا يرَاهُ ولي أَمر الْمُسلمين - لَا يلْزم مِنْهُ مَوَدَّتهمْ وَلَا محبتهم وَلَا مُوَالَاتهمْ وَلَا يَقْتَضِي تمليكهم لما تَحت أَيْديهم بل يجب على الْمُسلمين أَن يعدوا الْعدة مَا اسْتَطَاعُوا حَتَّى تَنْتَهِي الْهُدْنَة المؤقتة، أَو يقوى الْمُسلمُونَ على إبعادهم عَن ديار الْمُسلمين بِالْقُوَّةِ فِي الْهُدْنَة الْمُطلقَة، وَيجب قِتَالهمْ عِنْد الْقُدْرَة حَتَّى يدخلُوا فِي الْإِسْلَام أَو يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون٢. وَلنْ يتَحَقَّق ذَلِك إِلَّا إِذا عَاد الْمُسلمُونَ إِلَى دينهم وتمسكوا بِكِتَاب رَبهم وَسنة نَبِيّهم وطبقوه فِي حياتهم وَجَمِيع شؤونهم أفراداً وأسراً ومجتمعات وحكومات ودولاً، فَإِذا تحقق ذَلِك كَانُوا جديرين بنصر الله لَهُم وهزيمة أعدائهم واستعادة مقدساتهم ومجدهم فيكونون خير أمة أخرجت للنَّاس قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ٣. وَلَا تُوجد أمة تَسْتَطِيع تَخْلِيص البشرية من شرور الْيَهُود ودولتهم إِلَّا أمة الْإِسْلَام، إِن هَذِه الدولة الْيَهُودِيَّة - الَّتِي لَا تزَال تنفث سمومها وتواصل عدوانها

стр. 48

ومكائدها ضد الْمُسلمين، وتعيث فِي الأَرْض شروراً وإرهاباً وفتناً وَفَسَادًا - تسير على خطى سلفهم من الْيَهُود الَّذِي قَالَ الله عَنْهُم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ٢.

стр. 49

المبحث الثَّانِي: مزاعم وأساطير يَهُودِيَّة بَاطِلَة . مدْخل … المبحث الثَّانِي مزاعم وأساطير يَهُودِيَّة بَاطِلَة. الْيَهُود - لعنهم الله - قوم بهت وَكذب، وَهَذِه الصّفة من أقبح الصِّفَات الَّتِي انغرست فِي نُفُوسهم - خَاصَّة فِي زعمائهم - وأصبحت طبعا لَازِما لَهُم كَأَنَّهُمْ جُبلوا عَلَيْهَا، وَقد بلغت بهم الجرأة فِي الْكَذِب وَالْكفْر إِلَى حد الإفتراء وَالْكذب على الله ، وَقد سجّل الْقُرْآن الْكَرِيم عَلَيْهِم تِلْكَ الصّفة المذمومة فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ١، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ … وَمِنَ الَّذِينَ

стр. 50

هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١، وَغَيرهَا من الْآيَات الْكَرِيمَة٢. كَمَا شهد عَلَيْهِم شَاهد من أنفسهم هداه الله إِلَى الْإِسْلَام فقد روى أنس بن مَالك ﵁ فِي قصَّة إِسْلَام عبد الله بن سَلام ﵁ أَنه قَالَ لرَسُول الله ز: يَا رَسُول الله إِن الْيَهُود قوم بهت فاسألهم عني قبل أَن يعلمُوا بِإِسْلَامِي، فَجَاءَت الْيَهُود فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "أَي رجل عبد الله بن سَلام فِيكُم"؟ قَالُوا: خيرنا وَابْن خيرنا وأفضلنا وَابْن أفضلنا – وَفِي رِوَايَة: ذَلِك سيدنَا وَابْن سيدنَا، وَأَعْلَمنَا وَابْن أعلمنَا – فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "أَرَأَيْتُم إِن أسلم عبد الله بن سَلام"؟ قَالُوا: أَعَاذَهُ الله من ذَلِك، فَأَعَادَ عَلَيْهِم فَقَالُوا مثل ذَلِك، فَخرج إِلَيْهِم عبد الله فَقَالَ: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله. قَالُوا: شَرنَا وَابْن شَرنَا، وتنقصوه، قَالَ: هَذَا مَا كنت أَخَاف يَا رَسُول الله٣. وَقد استخدم الصهاينة٤ الْيَهُود سلَاح الْكَذِب والافتراء فِي خداع الرَّأْي

стр. 51

العالمي - خَاصَّة الغربي - وتضليله وتسخيره لأطماعهم ومخططاتهم الصهيونية وَذَلِكَ بِوَاسِطَة نشر الأكاذيب والأساطير والدعاوى الْيَهُودِيَّة الكاذبة وتقديمها إِلَى النَّاس على أَنَّهَا حقائق ثَابِتَة لَا تقبل الشَّك والريب بهَا - بزعمهم - عَن طَرِيق مُخْتَلف الْوَسَائِل الإعلامية العالمية الْيَهُودِيَّة وأبواقها التابعة لَهَا، وَمن أبرز تِلْكَ الأكاذيب مَا يَأْتِي: ١ - الادعاء بِأَنَّهُم أَبنَاء الله وأحباؤه وَشعب الله الْمُخْتَار. ٢ - الزَّعْم بنقاء الْجِنْس والعنصراليهودي المتميز. ٣ - الإدعاء بِأَن للْيَهُود حَقًا تأريخياً ودينياً فِي فلسطين. إِن هَذِه الإدعاءات أسهمت فِي تبرير جرائمهم ومكائدهم وحروبهم ومفسادهم أَمَام الرَّأْي العالمي لتحقيق الهدف الصهيوني فِي إِقَامَة وَطن قومِي لَهُم فِي فلسطين - والغاية تبرر الْوَسِيلَة حسب الْقَاعِدَة الميكافيلية الْيَهُودِيَّة -، حَيْثُ ترافق وتزامن نشر هَذِه الإدعاءات الْيَهُودِيَّة الصهيونية وَغَيرهَا مَعَ الخطوات والمراحل السَّابِقَة لمخطط الْيَهُود فِي احتلال فلسطين، وسوف نبين إِن شَاءَ الله تَعَالَى بطلَان هَذِه المزاعم بالأدلة والبراهين الساطعة.

стр. 52

الْمطلب الأول: زعمهم بِأَنَّهُم شعب الله الْمُخْتَار . إِن الشُّعُور بالاستعلاء والاستكبار على جَمِيع الْخلق دَاء عضال ومزمن عِنْد الْأمة الْيَهُودِيَّة ذكره الْقُرْآن الْكَرِيم عَنْهُم فِي آيَات كَثِيرَة وتزخر بِهِ نُصُوص كتبهمْ المقدسة لديهم وَمِنْهَا مَا ورد فِي توراتهم المحرفة "أَنْتُم أَوْلَاد للرب إِلَهكُم … لِأَنَّك شعب مقدس للرب إلهك، وَقد اختارك الرب لكَي تكون لَهُ شعبًا خَاصّا فَوق جَمِيع الشعوب الَّذين على وَجه الأَرْض"١.

стр. 53

وَيَقُول الرِّبِّي عقيبا فِي المشنا (وَصَايَا الْآبَاء ٣/١٨) : بَنو إِسْرَائِيل أحباء الله لأَنهم يدعونَ أبناءه، بل هُنَاكَ برهَان أعظم على هَذَا الْحبّ، وَهُوَ أَن الله نَفسه قد سماهم بِهَذَا الِاسْم فِي قَوْله فِي التَّوْرَاة: "أَنْتُم أَوْلَاد للرب إِلَهكُم" ١. وَفِي مصطلحاتهم نجدهم يخلعون على أنفسهم صِفَات الْمَدْح والتعظيم فيسمون أنفسهم أَيْضا بـ (الشّعب الأزلي) وبالعبرية [عَام عولام] ، و (الشّعب الأبدي) وبالعبرية [عَام ينصح] ، و (شعب الله) وبالعبرية [عَام ألوهيم] ٢. وانبنى على ذَلِك احتقارهم للأمم الْأُخْرَى وتسميتها بِأَلْفَاظ السباب والشتائم مثل (الجوييم) و (عاريل) و (ممزير) ٣، ثمَّ تَمَادَوْا فِي ادعائهم بِأَن لَهُم حق السيطرة على الْعَالم مَا داموا أَنهم أَبنَاء الله وأحباؤه. بطلَان هَذِه الدَّعْوَى: لقد بيّن الْقُرْآن الْكَرِيم بطلَان زعمهم بالأدلة الْوَاضِحَة الدامغة فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ

стр. 54

خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ١. قَالَ الإِمَام الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير الْآيَة الْكَرِيمَة: "لم يَكُونُوا يخلون من أحد أَمريْن: إِمَّا أَن يَقُولُوا: هُوَ يعذبنا، فَيُقَال لَهُم: فلستم إِذا أبناؤه وَلَا أحباؤه فَإِن الحبيب لَا يعذب حَبِيبه، وَأَنْتُم تقرون بعذابه وَذَلِكَ دَلِيل على كذبكم، وَإِمَّا أَن يَقُولُوا: لَا يعذبنا، فيكذبوا مَا فِي كتبهمْ وَمَا جَاءَت بِهِ رسلهم، ويبيحوا الْمعاصِي وهم معترفون بِعَذَاب العصاة مِنْهُم فيلتزمون أَحْكَام كتبهمْ"٢. قلتُ: قد كَانَ وسيكون عَذَاب الله للْيَهُود على ذنوبهم فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة كَمَا بينّاه فِي أثْنَاء الحَدِيث عَن تاريخهم٣. ثمَّ بَيَّن الله بطلَان اصل الادعاء، وبيّن لَهُم مَا هُوَ الْحق من أَمرهم فَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أَي لَيْسَ الْأَمر كَمَا زعمتم أَيهَا الْيَهُود، بل الْحق أَنكُمْ كَسَائِر الْبشر من خلق الله إِن آمنتم وأصلحتم أَعمالكُم نلتم الثَّوَاب، وَإِن بَقِيتُمْ على كفركم وجحودكم نلتم الْعقَاب، لَا فضل لأحد على أحد عِنْد الله إِلَّا بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح٤. فَالنَّاس من أصل وَأب وَاحِد من آدم ﵊ وَهُوَ من تُرَاب قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ٥.

стр. 55

فَلَا فرق بَين أسود وأبيض وَلَا ميزة لفرد على آخر وَلَا فضل لإِنْسَان على إِنْسَان عِنْد الله إِلَّا بالتقوى وَهُوَ المقياس الصَّحِيح قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ١. كَمَا أبطل الله زعمهم بقوله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ ٢. وتحداهم الله فِي الْقُرْآن الْكَرِيم لإِظْهَار كذبهمْ بقوله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٣. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٤. ثمَّ نقُول متعجبين ومستنكرين كَيفَ يكون الْيَهُود أَبنَاء الله وأحباؤه وَقد غضب الله عَلَيْهِم ولعنهم فِي كتبه المقدسة الْمنزلَة على أنبيائه الْكِرَام؟!، فقد ورد فِي الْقُرْآن الْكَرِيم لعن الله وغضبه عَلَيْهِم صَرَاحَة فِي أحد عشر موضعا فِي الْآيَات القرآنية الْآتِيَة: - - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ ٥.

стр. 56

- وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١. - وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ ٢. - وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٣. - وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٤. - وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ ٥. - وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ ٦. - وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ

стр. 57

عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١. - وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢. - وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ..﴾ ٣. - وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٤. ولعنهم الله ضمنا مَعَ الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ والظالمين والكاذبين فِي آيَات كَثِيرَة فِي الْقُرْآن الْكَرِيم. كَمَا عذبهم بألوان من الْعَذَاب لم تحدث لغَيرهم كالمسخ قردة وَخَنَازِير. قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ٥. وحرّم عَلَيْهِم طَيّبَات أحلّت لغَيرهم. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ

стр. 58

ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ١. وَقضى الله عَلَيْهِم بالتشريد وَالْعَذَاب والمسكنة وَالْغَضَب عَلَيْهِم قَالَ تَعَالَى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ٢. وَإِن إِنْزَال الْعَذَاب من الله على الْيَهُود بِسَبَب كفرهم وعصيانهم ثَابت فِي كتبهمْ الَّتِي يقدسونها لتظل شَاهدا على افترائهم وكذبهم فقد ورد فِي توراتهم قَول مُوسَى ﵊: "لِأَنِّي أَنا عَارِف تمردكم ورقابكم الصلبة، هُوَ ذَا وَأَنا بعد حيّ مَعكُمْ الْيَوْم قد صرتم تقاومون الرب، فكم بالحري بعد موتى … لِأَنِّي عَارِف أَنكُمْ بعد موتِي تفسدون وتزيغون عَن الطَّرِيق الَّذِي أوصيتكم بِهِ، ويصيبكم الشَّرّ فِي آخر الْأَيَّام، لأنكم تَعْمَلُونَ الشَّرّ أَمَام الرب حَتَّى تغيظوه بأعمال أَيْدِيكُم"٣. وَذكرت المزامير بعض الْعُقُوبَات الإلهية الَّتِي نزلت على الْيَهُود بِسَبَب كفرهم وعصيانهم، وفيهَا: "وتعلقوا ببعل فغور وأكلوا ذَبَائِح الْمَوْتَى وأغاظوه بأعمالهم فاقتحمهم الوباء، فَوقف فينحاس ودان فَامْتنعَ الوباء … لم يستأصلوا الْأُمَم الَّذين قَالَ لَهُم الرب عَنْهُم، بل اختلطوا بالأمم وتعلموا أَعْمَالهم، وعبدوا أصنامهم فَصَارَت لَهُم شركا، وذبحوا بنيهم وبناتهم للأوثان، وأهرقوا دَمًا زكياً،

стр. 59

دم بنيهم وبناتهم الَّذين ذبحوهم لأصنام كنعان، وتدنست الأَرْض بالدماء، وتنجسوا بأعمالهم، وزنوا بأفعالهم، فحمي غضب الرب على شعبه وَكره مِيرَاثه، أسلمهم ليد الْأُمَم وتسلط عَلَيْهِم مبغضوهم، وضغطهم أعداؤهم فذلوا تَحت يدهم … "١. وَقَالَ نَبِيّهم أرميا فِي رثاء بَيت الْمُقَدّس وَمَا أَصَابَهَا من الْأَعْدَاء: "لِأَن الرب قد أذلها لأجل كَثْرَة ذنوبها، ذهب أَوْلَادهَا إِلَى السَّبي قُدَّام الْعَدو"٢. وَقَالَ أرميا عَن الله وعذابه: "نَحن أَذْنَبْنَا وعصينا أَنْت لم تغْفر، إلتحفت بِالْغَضَبِ وطردتنا"٣ وَقَالَ: "ردّ لَهُم جَزَاء يَا رب حسب عمل أياديهم، لعنتك لَهُم، اتبع بِالْغَضَبِ وأهلكهم من تَحت سماوات الرب"٤. ثمَّ قَالَ فِي نِهَايَة رثاءه لما أصَاب بني إِسْرَائِيل: "لماذا تنسانا إِلَى الْأَبَد وتتركنا طول الْأَيَّام، ارددنا يَا رب إِلَيْك فنرتد، جدد أيامنا كالقديم، هَل كل الرَّفْض رفضتنا؟ ﴿هَل غضِبت علينا جدا؟﴾ "٥. كَمَا أَن الأناجيل نسبت إِلَى الْمَسِيح ﵊ ذمّ الْيَهُود وتوعدهم بِالْعَذَابِ الإلهي، فَقَالَ: "يَا أورشليم يَا أروشليم، يَا قاتلة الْأَنْبِيَاء، وراجمة الْمُرْسلين إِلَيْهَا، كم أردْت أَن أجمع أولادك كَمَا تجمع الدَّجَاجَة فراخها

стр. 60

تَحت جناحها وَلم تريدوا، هوذا بَيتكُمْ يتْرك لكم خراباً" ١. ونكتفي بِهَذِهِ النُّصُوص فِي بَيَان بطلَان دَعْوَى الْيَهُود بِأَنَّهُم أَبنَاء الله وأحباؤه.

стр. 61

الْمطلب الثَّانِي: زعمهم نقاء الْجِنْس الْيَهُودِيّ إِن الإحساس بالتميز والاستعلاء والاستكبار لابد أَن يُؤَدِّي باليهود إِلَى التعصب لجنسهم، وَزَاد فِي ذَلِك تأثرهم بِمن كَانُوا يعيشون بَينهم فِي أوروبا القومية، وبالتعصب الديني السائد فِي أوروبا فِي العصور الْوُسْطَى مِمَّا ألجأ الْيَهُود إِلَى الانعزال - إِضَافَة إِلَى عوامل أُخْرَى - والانفراد بأحياء خَاصَّة بهم عرفت باسم (الجيتو) كَمَا عرفت فِي الدول الْعَرَبيَّة باسم (حارة الْيَهُود) ، فَادعوا تِلْكَ الدَّعْوَى الزائفة "بِأَن جَمِيع يهود الْعَالم من سلالة شعب إِسْرَائِيل، وَأَن يهود كل بلدان الْعَالم إِنَّمَا هم امتداد عضوي للآباء الأول من عصر إِسْحَاق وَيَعْقُوب" ١. وَقَالَ زعيم الصهيونية هرتزل: إِن الْيَهُود بقوا شعبًا وَاحِدًا وعرقاً متميزاً، إِن قوميتهم المتميزة لَا يُمكن أَن تَزُول، وَيجب أَن لَا تنقرض، لذَلِك لَا يُوجد غير حل وَاحِد فَقَط للمسألة الْيَهُودِيَّة، هِيَ الدولة الْيَهُودِيَّة٢. بِهَذَا النَّص يتَبَيَّن لنا الهدف والمغزى من تِلْكَ الدَّعْوَى الزائفة وَهُوَ تبرير الاحتلال الْيَهُودِيّ الصهيوني لفلسطين بِدَعْوَى العودة إِلَى أَرض الْآبَاء والأجداد!! وَقد بلغ من تَأْثِير الدعاية الصهيونية وترويجها لهَذِهِ الأسطورة أَن صدقهَا

стр. 62

بعض الْعَرَب فاعتقدوا بِأَن الْيَهُود المتجمعين فِي إِسْرَائِيل هم من سلالة النَّبِي الْكَرِيم يَعْقُوب (إِسْرَائِيل) ﵊. بطلَان هَذِه الدَّعْوَى: إِذا عدنا إِلَى تأريخ الْيَهُود وكتبهم المقدسة لديهم وجدنَا أَن الإختلاط الجنسي بَين الْيَهُود وَغَيرهم ثَابت مُنْذُ بداية تاريخهم، فقد ورد فِي كتبهمْ مَا يَأْتِي "فسكن بَنو إِسْرَائِيل فِي وسط الكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين، وَاتَّخذُوا بناتهم لأَنْفُسِهِمْ نسَاء، وأعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلِهَتهم"١. وَلَو ألقينا نظرة خاطفة على الْيَهُود المعاصرين لوجدناهم مختلفي الألوان والأشكال حسب الْبِلَاد الَّتِي عاشوا فِيهَا وَقدمُوا مِنْهَا إِلَى فلسطين، لذَلِك يَقُول عَالم الأنثروبولوجيا السويسري أوجين بيتار: "إِن جَمِيع الْيَهُود فِي نظر عُلَمَاء الأنثروبولوجيا، على الرغم من كل مَا يدّعيه الْيَهُود والمنضوون تَحت الفكرة العنصرية الإسرائيلية، بعيدون عَن الانتماء إِلَى (جنس يَهُودِيّ) ، وكما يَقُول رينان: "لَا تُوجد سحنة يَهُودِيَّة، بل هُنَاكَ عدَّة سحنات يَهُودِيَّة) ، وَلَيْسَ هُنَاكَ أصحّ من قَوْله هَذَا، فَنحْن لَا نستطيع أَن نعتبر الْيَهُود الحاليين مكوّنين لكتلة بشرية ذَات عنصر وَاحِد، وَلَا حَتَّى فِي فلسطين، بعد أَن جرَّت إِلَيْهَا الحركات الصهيونية كثيرا من الإسرائيليين دون اخْتِيَار أَو تَمْيِيز. فاليهود ينتمون إِلَى طَائِفَة دينية واجتماعية، اندمج فِيهَا فِي كل عصور التَّارِيخ أشخاص من أَجنَاس متباينة، وَكَانَ أُولَئِكَ المتهودون يدْخلُونَ فِيهَا من جَمِيع الْآفَاق المسكونة بالبشر، من

стр. 63

الْيَهُود الأحباش - الفلاشة -، إِلَى الْيَهُود الأشكناز - من الْجِنْس الجرماني -، إِلَى التاميل - الْيَهُود الأفارقة الزنوج -، إِلَى الْيَهُود الهنود الَّذين يسمّون ببني إِسْرَائِيل، وَالْيَهُود الخزر الَّذِي ينتمون إِلَى الْجِنْس التركي، فَهَل هُنَاكَ من هَذِه الْأَنْوَاع الإسرائيلية نوع يعْتَبر من نَاحيَة التشريح والتحليل ممثلاً حَقِيقِيًّا ونقياً للْجِنْس الْيَهُودِيّ؟! " وَيسْتَمر عَالم الْأَجْنَاس البشرية السويسري فِي تَحْلِيل كل نوع من الجاليات الْيَهُودِيَّة فِي الْعَالم، من حَيْثُ الْقَامَة والجمجمة والهيكل العظمي والتقاطيع ولون الْبشرَة وَالشعر والعينين وشكل الْأنف وَغَيرهَا من المميزات البيولوجية، ليخرج بنتيجة حاسمة وَهِي أَن الدَّعْوَى العنصرية الَّتِي يُجَاهر بهَا الْيَهُود من نَاحيَة وأعداء الْيَهُود من نَاحيَة أُخْرَى لَيست إِلَّا ادِّعَاء خرافياً من نسج الخيال"١. وَلَو أردنَا معرفَة حَقِيقَة الْكَثْرَة الْغَالِبَة من الْيَهُود المعاصرين فِي فلسطين المحتلة وخاصة الطَّبَقَة الحاكمة فِي إِسْرَائِيل من السياسيين وكبار القادة العسكريين وأقطاب الصهيونية الحديثة، لوجدنا أَنهم ينتمون إِلَى يهود الأشكناز٢ وهم أحفاد الخزر الَّذين كَانُوا فِي جنوب روسيا واعتنقوا الدّيانَة الْيَهُودِيَّة فِي القرنين السَّابِع وَالثَّامِن الميلادي.

стр. 64

وَعَن هَؤُلَاءِ الخزر تَقول الموسوعة الْيَهُودِيَّة طبعة ١٩٠٣م فِي المجلد الرَّابِع ص١ - ٥ مَا يَأْتِي: "الخزر: شعب تركي الأَصْل تمتزج حَيَاته وتاريخه بالبداية الأولى لتاريخ يهود روسيا … أكرهته الْقَبَائِل البدوية فِي السهول من جِهَة، وَدفعه توقه إِلَى السَّلب والانتقام من جِهَة أُخْرَى … على توطيد أسس مملكة الخزر فِي مُعظم أَجزَاء روسيا الجنوبية، قبل قيام الفارنجيين (سنة ٨٥٥م) بتأسيس الملكية الروسية … فِي هَذَا الْوَقْت (٨٥٥م) كَانَت مملكة الخزر فِي أوج قوتها تخوض غمار حروب دائمة … وَعند نِهَايَة الْقرن الثَّامِن … تحوّل ملك الخزر ونبلاؤه وَعدد كَبِير من شعبه الوثنيين إِلَى الدّيانَة الْيَهُودِيَّة … كَانَ عدد السكان الْيَهُود ضخما فِي جَمِيع أنحاء مقاطعة الخزر، خلال الفترة الْوَاقِعَة بَين الْقرن السَّابِع والقرن الْعَاشِر … بدا عِنْد حوالي الْقرن التَّاسِع، أَن جَمِيع الخزر أَصْبحُوا يهودا، وَأَنَّهُمْ اعتنقوا الْيَهُودِيَّة قبل وَقت قصير فَقَط"١ إِن مملكة الخزر الْيَهُودِيَّة الَّتِي قَامَت فِي جنوب روسيا - بمنطقة القوقاز فِيمَا بَين نهري الفولجا والدون - استمرت لمُدَّة قرنين تَقْرِيبًا وَكَانَ اسْم عاصمتها (إتل) وَسَقَطت على يَد أُمَرَاء (كييف) الروس فِي الفترة بَين سنة ٩٦٤ و٩٧٣م، ودامت لَهُم ولَايَة فِي القرم نصف قرن آخر إِلَى سنة ١٠١٦م٢.

стр. 65

خريطة منقولة عَن دَائِرَة المعارف الْيَهُودِيَّة تبيّن التَّوْزِيع الديني فِي أوربا عَام ٩٠٠ ميلادية، وَفِي وَسطهَا تظهر امبراطورية الخزر الْيَهُودِيَّة، الَّتِي دَامَت ثَلَاثَة قُرُون، وَكَانَت كبرى دوَل الْيَهُود فِي التَّارِيخ وَلَا تمت بأية صلَة عرقية إِلَى دَوْلَتِي " إِسْرَائِيل ويهوذا " التاريخيتين على أَرض فلسطين. والحقيقة أنَّ من يَزْعمُونَ أنفسهم (يهودا) المتحدرين تاريخياً من سلالة الخزر يشكلون أَكثر من ٩٢ … بِالْمِائَةِ من جَمِيع من يسمون أنفسهم (يهودا) فِي كل مَكَان من الْعَالم الْيَوْم، والخزر الآسيويون الَّذين أنشأوا مملكة الخزر فِي أوروبا الشرقية أَصْبحُوا يسمون أنفسهم (يهودا) بالتحول والاعتناق سنة (٧٢٠م) ، وَهَؤُلَاء لم تطَأ أَقْدَام أجدادهم قطّ (الأَرْض المقدسة) فِي تَارِيخ الْعَهْد الْقَدِيم، هَذِه حَقِيقَة تاريخية لَا تقبل جدلاً.

стр. 66

وَيُؤَيّد ذَلِك مُعظم الباحثين فِي عُلُوم الْإِنْسَان والْآثَار والتاريخ المختصون بموضوع خزر أمس ويهود الْيَوْم١. وَإِن حرص الْيَهُود المعاصرين - الَّذين بيّنا حَقِيقَة أصلهم ونسبهم - على الانتساب - كذبا وزوراً وبهتاناً - إِلَى نسل بني إِسْرَائِيل القدماء، لتَكون لَهُم حجَّة ودليلٌ لتعزيز ادعائهم الْبَاطِل بِأَن لَهُم حَقًا تأريخياً ودينياً فِي أَرض فلسطين، وَهُوَ مَا سنبين بُطْلَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الأكذوبة الثَّالِثَة من أكاذيب الْيَهُود وأساطيرهم.

стр. 67

الْمطلب الثَّالِث: زعمهم أَن لَهُم حَقًا تاريخياً ودينياً فِي فلسطين يَدعِي الْيَهُود أَن لَهُم حقوقاً تاريخية فِي فلسطين لِأَن أجدادهم سكنوها فَتْرَة من الزَّمن، بدءاً بإبراهيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب، ومروراً بمُوسَى ويوشع بن نون عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَإِقَامَة مملكتهم زمن دَاوُد وَسليمَان عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، وانتهاءاً بطرد آخر يَهُودِيّ من بَيت الْمُقَدّس فِي عصر التشرد والتشتت الْيَهُودِيّ الَّذِي بَدْء عَام ٧٠م. وَيَدعِي الْيَهُود أَيْضا أَن لَهُم حَقًا دينياً على مَا جَاءَ فِي كتبهمْ المقدسة لديهم أَن الله وعدهم بامتلاك (أَرض كنعان) فلسطين وَمَا جاورها (من النّيل إِلَى الْفُرَات) وَهِي أَرض الميعاد لتَكون لَهُم ملكا ووطناً ويستدلون على ذَلِك بِمَا ورد فِي التَّوْرَاة أَن ذَلِك الْوَعْد كَانَ مَعَ أَبِيهِم إِبْرَاهِيم ﵊ حينما

стр. 68

قَالَ لَهُ الرب: "لنسلك أعطي هَذِه الأَرْض من نهر مصر إِلَى النَّهر الْكَبِير نهر الْفُرَات"١. وَقَالَ لَهُ الرب أَيْضا: "وأقيم عهدي بيني وَبَيْنك وَبَين نسلك من بعْدك فِي أجيالهم عهدا أبدياً، لأَكُون إِلَهًا لَك ولنسلك من بعْدك، وَأعْطِي لَك ولنسلك من بعْدك أَرض غربتك كل أَرض كنعان ملكا أبدياً وأكون إلههم"٢. وَيَزْعُم الْيَهُود المعاصرون أَنهم أحفاد إِبْرَاهِيم وسلالته وَأَنَّهُمْ شعب الله الْمُخْتَار فهم الأحق إِذا بفلسطين وَمَا جاورها أَرض الْآبَاء والأجداد. بطلَان هَذِه الدَّعْوَى: فَأَما بِالنِّسْبَةِ لزعمهم بِالْحَقِّ التاريخي فنبين بُطْلَانه بالآتي: ١ - أَن من الثَّابِت تأريخياً وجود الْقَبَائِل الْعَرَبيَّة من الكنعانيين والفينقيين فِي فلسطين قبل ظُهُور الْيَهُود بآلاف السنوات، وَلم يَنْقَطِع وجود الْعَرَب واستمرارهم فِي فلسطين إِلَى يَوْمنَا بِخِلَاف الْيَهُود. وَقد بَينا ذَلِك من قبل٣. ٢ - أَن على الْيَهُود المعاصرين - سلالة الخزر - أَن يطالبوا بِالْحَقِّ التاريخي لمملكة الخزر بجنوب روسيا وبعاصمتهم (إتل) ، وَلَيْسَ بفلسطين أَو بَيت الْمُقَدّس، لِأَن أجدادهم لم يطأوها من قبل، وَقد أوضحنا ذَلِك أَيْضا٤. ٣ - كَانَت مُدَّة بَقَاء بني إِسْرَائِيل فِي فلسطين لَا تزيد عَن ثَلَاثَة قُرُون

стр. 69

وَنصف قرن - وَبَعض المؤرخين يرى أَنَّهَا تبلغ خَمْسَة قُرُون - فَهَل الْمدَّة الَّتِي مكثوها فِي فلسطين كَافِيَة فِي إِثْبَات حَقهم مُقَابل وجود الْعَرَب فِي فلسطين من قبلهم وبعدهم لمئات الْقُرُون؟!! وَأما بِالنِّسْبَةِ للحق الديني والوعد الإلهي لإِبْرَاهِيم ﵊ وانتسابهم إِلَيْهِ دينياً فَهُوَ بَاطِل من وُجُوه عديدة نذْكر مِنْهَا مَا يَأْتِي: - ١ - بعد أَن أوضحنا بطلَان انتساب مُعظم الْيَهُود المعاصرين إِلَى سلالة إِسْرَائِيل (يَعْقُوب) بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فقد بَين لنا الْقُرْآن الْكَرِيم بطلَان انتساب الْيَهُود إِلَى إِبْرَاهِيم ﵊ دينياً فَقَالَ : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. وَقَالَ : ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢. ٢ - أَنه لايسلم للْيَهُود صِحَة كتبهمْ المقدسة لديهم وَمَا احْتَجُّوا بهَا من نُصُوص، فقد أثبت الْقُرْآن الْكَرِيم أَنهم تجرؤا على كتب الله الْمنزلَة على أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل بالتحريف والتزوير والتغيير قَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ

стр. 70

وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ … ﴾ ١. وَهَذَا مَا سنبينه وَنَذْكُر الشواهد والأدلة عَلَيْهِ فِيمَا سَيَأْتِي٢ إِن شَاءَ الله تَعَالَى. ٣ - وعَلى فرض التَّسْلِيم لَهُم - جدلاً - صِحَة مَا استدلوا بِهِ على الْوَعْد الإلهي من كتبهمْ، فَإنَّا نقُول إِن الْوَعْد الإلهي قد أعطي لإِبْرَاهِيم أَولا عِنْد وُصُوله أَرض كنعان وَلم يُولد لَهُ ولد حِينَئِذٍ (تكوين ١٢/٧) ، وتكرر الْوَعْد حِين رُجُوعه إِلَى أَرض كنعان من مصر (تكوين ١٣/١٥) ، ثمَّ تكَرر الْوَعْد وَلم يكن لإِبْرَاهِيم ولد (تكوين ١٥/١٨) ، ثمَّ تكَرر الْوَعْد لإِبْرَاهِيم بعد أَن ولد لَهُ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام (تكوين ١٧/٨) . بِنَاء على ذَلِك فالوعد الإلهي من حق إِسْمَاعِيل ﵊ جدُّ الْعَرَب وَالْمُسْلِمين دون غَيره، لِأَن إِسْحَاق الابْن الثَّانِي لإِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام لم يُولد بعد٣. فَإِن قيل: بِأَن الْوَعْد الإلهي لَهُم بِالْأَرْضِ المقدسة إرثٌ وموطنٌ أبديٌ قد ذكر فِي الْقُرْآن الْكَرِيم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ٤. فَالْجَوَاب: أَنه بِقطع النّظر عَن كَون يهود الْيَوْم هم غير بني إِسْرَائِيل القدماء ١ - سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ١٣. ٢ - فِي بحث عنوانه (الْأَسْفَار المقدسة عِنْد الْيَهُود وأثرها فِي انحرافهم - عرض وَنقد) ٣ - انْظُر: الصهيونية والعنف ص٦٦ د. حسن ظاظا، الصهيونية وخطرها على البشرية ص٧٢ د. حمود الرحيلي. ٤ - سُورَة الْمَائِدَة، آيَة ٢٠، ٢١، وَبِنَحْوِ هَذِه الْآيَة فِي سُورَة الْأَعْرَاف، آيَة ١٣٧، وَسورَة الْإِسْرَاء، آيَة ١٠٤، وَسورَة الشُّعَرَاء، آيَة ٥٧ - ٥٩.

стр. 71

- كَمَا بَيناهُ من قبل - وَأَن مَا جَاءَ فِي الْآيَة لَا يعنيهم؛ لِأَنَّهَا لَا تَشْمَل من دَان باليهودية من غير بني إِسْرَائِيل وهم مُعظم أَو كل يهود الْيَوْم، فَإِن الْحق فِي هَذَا الْأَمر الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْمُفَسّرين هُوَ أَن عبارَة الْآيَة لَيست على التَّأْبِيد، وَإِنَّمَا هِيَ خَاصَّة بالزمن الَّذِي وعدوا فِيهِ بذلك ونتيجة لما كَانَ من استجابتهم لأوامر الله وصبرهم١. وَذَلِكَ الْجَزَاء لإيمانهم وتفضيلهم على عالمي زمانهم سنّة إلهية فِي عباده ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ٢. فَلَمَّا انحرف بَنو إِسْرَائِيل عَن دين الله الْحق وَارْتَدوا وفسدوا وأفسدوا فِي الأَرْض لم يعد لَهُم حق بالتمسك بالوعد الإلهي لَهُم، بل كَانَ الْجَزَاء عَلَيْهِم بِمَا تضمنته الْآيَات الْكَرِيمَة بلعنة الله عَلَيْهِم وغضبه وعقابه بتشتيتهم فِي الأَرْض وتسليط من يسومهم سوء الْعَذَاب عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَضرب الذلة والمسكنة عَلَيْهِم أَيْن مَا ثقفوا جَزَاء لنقضهم مواثيق الله وكفرهم بآياته. ٤ - كَمَا يُمكن القَوْل أَيْضا أَن وعد الله لَهُم قد تحقق بعد مُوسَى ﵊ حينما دخل بَنو إِسْرَائِيل الأَرْض المقدسة بقيادة يُوشَع بن نون - فَتى مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام - وَأَقَامُوا فِيهَا زمن دَاوُد وَسليمَان ﵉ حينما فَضلهمْ الله على عالمي زمانهم، وَلَكِن حينما كفرُوا بِاللَّه وفسدوا وأفسدوا فِي الأَرْض غضب الله عَلَيْهِم فعذبهم وسلط عَلَيْهِم من يسومهم سوء الْعَذَاب وحرمهم من الأَرْض المقدسة وشردهم وشتتهم فِي الأَرْض.

стр. 72

وَأما فِيمَا يتَعَلَّق بِمَسْأَلَة مَا إِذا كَانَ الْوَعْد أبديا وَلَا يُمكن نسخه فَيَقُول الدكتور الْفَرد جلوم - أستاذ دراسات الْعَهْد الْقَدِيم فِي جَامِعَة لندن: بِأَنَّهُ لم يقطع إطلاقاً أَي وعد غير مَشْرُوط بِأَن التَّمَلُّك سَيكون أبدياً، هَذَا مَعَ أَن الْمَقْصُود كَانَ فَتْرَة طَوِيلَة غير محددة. اهـ١. ٥ - إِن الْوَعْد الإلهي مَشْرُوط بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح، فقد ورد فِي التَّوْرَاة الْأَمر بذلك وبالمثوبة عَلَيْهِ، والوعيد الشَّديد لمن كفر بِاللَّه وارتد عَن دينه وَنَصه: "فَإِن انْصَرف قَلْبك وَلم تسمع بل غويت وسجدت لآلهة أُخْرَى وعبدتها، فَإِنِّي أنبئكم أَنكُمْ لَا محَالة هالكون"٢. وَقد ثَبت فِي أسفارهم المقدسة لديهم أَنهم قد كفرُوا بِاللَّه وَارْتَدوا وعبدوا آلِهَة وأوثاناً أُخْرَى، وَقد أوضحنا ذَلِك أثْنَاء سردنا لتاريخهم٣. لذَلِك حل بهم الْعَذَاب وَالْبَلَاء وَالْغَضَب من الله وَهُوَ ثَابت أَيْضا فِي أسفارهم حَيْثُ يَقُول نَبِيّهم أرميا: "لماذا بادت الأَرْض واحترقت كبرية بِلَا عَابِر؟! فَقَالَ الرب: على تَركهم شريعتي الَّتِي جَعلتهَا أمامهم، وَلم يسمعوا لصوتي وَلم يسلكوا بهَا، بل سلكوا وَرَاء عناد قُلُوبهم ووراء البعليم٤ الَّتِي علمهمْ إِيَّاهَا آباؤهم، لذَلِك قَالَ رب الْجنُود إِلَه إِسْرَائِيل: هَا أنذا أطْعم هَذَا الشّعب أفْسِنْتينا٥، وأسقيهم مَاء العلقم، وأبددهم فِي أُمَم لم يعرفوها هم وَلَا آباؤهم،

стр. 73

وَأطلق وَرَاءَهُمْ السَّيْف حَتَّى أفنيهم"١. وَقَالَ: "هَكَذَا قَالَ الرب: إِن كنت لم أجعَل عهدي مَعَ النَّهَار وَاللَّيْل فَرَائض السَّمَاوَات وَالْأَرْض، فَإِنِّي أرفض نسل يَعْقُوب وَدَاوُد عَبدِي"٢. بل قد ورد التَّصْرِيح فِي أسفارهم المقدسة لديهم بحرمانهم من بَيت الْمُقَدّس بِسَبَب كفرهم وضلالهم وعصيانهم، فَقَالَ أشعيا: "فَكَانَ إليّ كَلَام الرب قَائِلا: يَا ابْن آدم إِن الساكنين فِي هَذِه الخرب فِي أَرض إِسْرَائِيل يَتَكَلَّمُونَ قائلين: إِن إِبْرَاهِيم كَانَ وَاحِدًا وَقد ورث الأَرْض وَنحن كَثِيرُونَ، لنا أَعْطَيْت الأَرْض مِيرَاثا، لذَلِك قل لَهُم: هَكَذَا قَالَ السَّيِّد الرب تَأْكُلُونَ بِالدَّمِ وترفعون أعينكُم إِلَى أصنامكم وتسفكون الدَّم، أفترثون الأَرْض ﴿ ﴿وقفتم على سيفكم فَعلْتُمْ الرجس، وكل مِنْكُم نجَّس امْرَأَة صَاحبه، أفترثون الأَرْض﴾ ﴾ "٣. فَمَتَى نقض الْيَهُود عهد الله فَإِنَّهُ لَا ينفذ عَهده ووعده لَهُم بل ينفذ وعيده وعذابه، فالأرض لله يُورثهَا من أَقَامَ دينه وَاتبع تعاليمه لَا من يفْسد فِي الأَرْض ويعيث فَسَادًا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٤. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ٥. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ

стр. 74

كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ٢. والمسلمون هم المُرَاد بِهَذِهِ الْآيَات الْكَرِيمَة إِذا صدقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ وَرَجَعُوا إِلَى كتاب الله وَسنة نبيه، وتمسكوا بِالْإِسْلَامِ كَامِلا أفراداً وأسراً ومجتمعات ودولاً، ونكتفي بِهَذِهِ الْأَوْجه فِي الرَّد على مزاعم الْيَهُود وَبَيَان بُطْلَانهَا٣.

стр. 75

مصَادر ومراجع … فهرس المصادر والمراجع ١ - الْقُرْآن الْكَرِيم. ٢ - الْأُخوة الزائفة - جاك تني، تعريب أَحْمد التازوري، مؤسسة الرسَالَة، بيروت. ٣ - أبحاث فِي الْفِكر الديني الْيَهُودِيّ - د. حسن ظاظا، الطبعة الأولى دَار الْقَلَم، بيروت، ١٤٠٧ هـ. ٤ - أَحْجَار على رقْعَة الشطرنج - وليم كار. ٥ - إِسْرَائِيل حرفت الأناجيل والأسفار المقدسة - أَحْمد عبد الْوَهَّاب، مكتبة وَهبة، الْقَاهِرَة - ١٩٧٢م. ٦ - الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة - لِابْنِ كثير، دَار الْفِكر الْعَرَبِيّ - الْقَاهِرَة. ٧ - بابوات من الْحَيّ الْيَهُودِيّ - واكيم بيرنز، تعريب خَالِد أسعد عِيسَى. ٨ - بَنو إِسْرَائِيل فِي الْقُرْآن الْكَرِيم - د. مُحَمَّد عبد السَّلَام مُحَمَّد، الطبعة الأولى، ١٤٠٠هـ، مكتبة الْفَلاح، الكويت. ٩ - بَنو إِسْرَائِيل فِي الْكتاب وَالسّنة – د. مُحَمَّد سيد طنطاوي، الطبعة الأولى، الزهراء للإعلام الْعَرَبِيّ، الْقَاهِرَة ١٤٠٧هـ. ١٠ - تَارِيخ الْإِسْلَام – للذهبي، شمس الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد الذَّهَبِيّ، تَحْقِيق: د. عمر عبد السلام، ط (١) ، دَار الْكتاب الْعَرَبِيّ - بيروت، ١٤٠٧هـ. ١١ - تَارِيخ بني إِسْرَائِيل من أسفارهم – محمَّد دروزة، المكتبة العصرية، بيروت، ١٣٨٩ هـ - / ١٩٦٩ م. ١٢ - تَارِيخ الإسرائيليين – شاهين مكاريوس – مطبعة المقتطف، مصر ١٩٠٤م. ١٣ - تَارِيخ الدولة الْعلية العثمانية - مُحَمَّد فريد بك، تَحْقِيق: د. إِحْسَان حَقي، الطبعة الثَّانِيَة، دَار النفائس - بيروت، ١٤٠٣هـ. ١٤ - التَّارِيخ الْيَهُودِيّ الْعَام – د. صابر طعيمة، الطبعة الثَّانِيَة، ١٤٠٣هـ - دَار الجيل، بيروت. ١٥ - تَفْسِير آيَات أشكلت على كثير من الْعلمَاء حَتَّى لَا يُوجد طَائِفَة من كتب التَّفْسِير فِيهَا القَوْل الصَّوَاب بل لَا يُوجد فِيهَا إِلَّا مَا هُوَ خطأ - شيخ الْإِسْلَام الإِمَام ابْن تَيْمِية، تَحْقِيق: عبد العزيز الْخَلِيفَة، الطبعة الأولى، مكتبة الرشد - الرياض، سنة ١٤١٧هـ.
следующие страницы →