"لأخْرجَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى من جَزِيرَة الْعَرَب حَتَّى لَا أدع إِلَّا مُسلما" ١.
وَفِي الْعَصْر الحَدِيث كَانَ الْيَهُود يسامون سوء الْعَذَاب فِي الدول الأوروبية النَّصْرَانِيَّة وَغَيرهَا فمثلاً اضطهدوا فِي بريطانيا سنة ١٢٩٨م حينما أَمر الْملك ادوارد الأول بطرد الْيَهُود من جَمِيع الْبِلَاد البريطانية، وفتك البريطانيون باليهود فتكاً ذريعاً.
وَفِي فرنسا اضطهدهم الْملك لويس التَّاسِع، وَفِي عهد الْملك فيليب الْجَمِيل سنة ١٣٠٦م، وَفِي سنة ١٣٢١م نكل بهم الفرنسيون وطردوهم، وَأَيْضًا فِي سنة ١٥٨٢م طردوا مرّة أُخْرَى.
وَفِي إيطاليا حاربهم بابوات الْكَنِيسَة الكاثوليكية حَربًا شعواء، وَفِي سنة ١٥٤٠م ثار عَلَيْهِم الإيطاليون فَقَتَلُوهُمْ وطردوهم.
وَفِي روسيا حدثت مذابح فظيعة فِي عهد الحكم القيصري النَّصْرَانِي خَاصَّة فِي سنة ١٨٨١م، وَسنة ١٨٨٢م، وَسنة ١٩٠٢م حَيْثُ قتل الْيَهُود بالآلاف.
وَفِي ألمانيا ظلّ الْقَتْل والطرد باليهود قَائِما فِي القرنين الثَّانِي عشر وَالرَّابِع عشر الميلاديين، وَكَانَ آخر مَا لاقوه من عَذَاب وتقتيل وتشريد على يَد هتلر النازي إبتداء من توليه الحكم فِي ألمانيا ١٩٣٣م إِلَى ١٩٤٥م٢.
стр. 39
يتَبَيَّن لنا من هَذِه الْأَمْثِلَة والنماذج لاضطهادات الْيَهُود فِي كل الْبِلَاد الَّتِي نزلُوا بهَا أَنهم تعرضوا لنقمة أهل الْبِلَاد الَّتِي سكنوها وغضبهم يَسْتَوِي فِي ذَلِك تاريخهم الْقَدِيم والوسيط والْحَدِيث والمستقبل أَيْضا حسب الْوَعيد الإلهي فِي الْآيَة الْكَرِيمَة بِأَنَّهُم يسامون الْعَذَاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيكون ذَلِك على يَد الْمُسلمين إِن شَاءَ الله كَمَا وَردت بذلك الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي أَن الْمُسلمين سيقاتلون الْيَهُود فيقتلونهم حَتَّى يَقُول الشّجر وَالْحجر: تعال يَا مُسلم فَإِن ورائي يَهُودِيّ فاقتله١.
стр. 40
الْمطلب التَّاسِع: تجمعهم فِي فلسطين فِي الْعَصْر الحَدِيث .
مِمَّا سبق نجد أَن الْيَهُود لم تقم لَهُم قَائِمَة وَلَا دولة وَلَا كيان فِي فلسطين إِلَّا فِي عصرنا المؤلم حينما تحالفت الْيَهُودِيَّة الماكرة مَعَ الصليبية الحاقدة - الَّتِي احتلت بِلَاد الْمُسلمين بجيوشها الصليبية - فِي تشريد الْمُسلمين وسلب أراضيهم فِي فلسطين وخاصة بَيت الْمُقَدّس ومنحها أَو بيعهَا للْيَهُود وتشجيع هجرتهم إِلَيْهَا من شَتَّى بقاع الأَرْض لإِقَامَة دولة غاصبة لَهُم فِي فلسطين وَقد مرّت إِقَامَة تِلْكَ الدولة المشؤمة بالمراحل الْآتِيَة:
- لَعَلَّ أول دَعْوَة علنية لإنشاء وَطن قومِي للْيَهُود كَانَت فِي كتاب (نِدَاء الْيَهُود) الَّذِي أصدره السّير هنري فنش بإنجلترا عَام ١٦١٦م١.
- ثمَّ جَاءَ الجنرال نابليون بونابرت الفرنسي الَّذِي دَعَا الْيَهُود إِلَى إِقَامَة وَطن لَهُم فِي فلسطين خلال الحملة الَّتِي قَامَ بهَا على مصر والشرق فِي عَام ١٧٩٨م وَوجه إِلَى الْيَهُود بَيَانا سماهم فِيهِ (وَرَثَة فلسطين الشرعيين) ، وَلَكِن
стр. 41
هزيمَة نابليون حَالَتْ دون إِكْمَال المؤامرة١.
- ثمَّ توالت نداءات وكتابات زعماء ومفكري الْيَهُود إِلَى اتِّخَاذ فلسطين وطناً قومياً للْيَهُود وَإِقَامَة دولة لَهُم فِيهَا بشتى الْوَسَائِل وَمن أبرز هَؤُلَاءِ:
الحاخام (زفى هيرش كاليشر ١٧٩٥ - ١٨٧٤م) فِي كِتَابه (الْبَحْث عَن صهيون) .
والحاخام (مُوسَى هيس ١٨٢١ - ١٨٧٥م) فِي كِتَابه (من روما إِلَى الْقُدس) .
والمفكر الْيَهُودِيّ (بيريتز سمولنسكن ١٨٤٢ - ١٨٨٥م) فِي كِتَابه (فلنبحث عَن الطَّرِيق) وَغَيرهم٢.
- تكونت فِي أوروبا وأمريكا وآسيا وَغَيرهَا عشرات الجمعيات والمنظمات الْيَهُودِيَّة الَّتِي ترعى شؤون الْيَهُود ومصالحهم، وَمن أبرزها (جمعية أحباء صهيون) الَّتِي قدمت عَام ١٨٨٢م طلبا للقنصل العثماني فِي روسيا يطْلبُونَ الْإِقَامَة فِي فلسطين فَكَانَ الرَّد بالرفض الْقَاطِع من السُّلْطَان عبد الحميد العثماني٣٤.
- اسْتَطَاعَ الْيَهُود أَن يتغلغلوا فِي الأوساط الدِّينِيَّة والاجتماعية والمالية والإعلامية والسياسية فِي الْبِلَاد الغربية ذَات النّفُوذ العالمي مثل بريطانيا وروسيا
стр. 42
وفرنسا ثمَّ أمريكا وَغَيرهَا، وَأَن يُسَخِّروا حكومات وشعوب تِلْكَ الْبِلَاد فِي تَحْقِيق الْمصَالح الْيَهُودِيَّة والأهداف الصهيونية وَالَّتِي كَانَت تلتقي مَعَ المطامع والمصالح الصليبية ضد الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين.
فَأَما فِي المجال الديني فقد اسْتَطَاعَ الْيَهُود أَن يندسوا فِي الْكَنِيسَة النَّصْرَانِيَّة ويصلوا إِلَى أَعلَى المناصب الكنسية حَتَّى منصب (بَابا الفاتيكان) ١، ويستصدروا من مجمع (مؤتمر) الفاتيكان العالمي الثَّانِي المنعقد فِي عَام ١٩٦٣م قراراً بتبرئة الْيَهُود من دم الْمَسِيح ﵊، ثمَّ أصدر البابا بولس السَّادِس فِي ٢٨ أكتوبر ١٩٦٥م عَن الْمجمع المسكوني بَيَانا اشْتهر باسم (وَثِيقَة التبرئة) يُؤَكد فِيهِ مَا سبق٢.
وَأما فِي المجال المالي فقد ظَهرت إمبراطوريات مَالِيَّة يَهُودِيَّة فِي أوروبا وامتد نشاطها إِلَى أمريكا وَمن أبرز تِلْكَ الإمبراطوريات الْمَالِيَّة عائلة (روتشيلد) الْيَهُودِيَّة وَغَيرهَا الَّتِي قَامَت بتمويل الحركات الثورية والمنظمات الصهيونية الَّتِي تخْدم مصَالح الْيَهُود٣.
وَأما فِي المجال الإعلامي فقد سيطر الْيَهُود عَن طَرِيق المَال بشرائهم
стр. 43
وإنشائهم للمؤسسات الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية وَعَن طريقها كَانُوا يتحكمون فِي الحكومات والشعوب وتوجيههم حسب خطط الْيَهُود وأهدافهم ومصالحهم.
وَمن الْأَمْثِلَة الَّتِي تدل على السيطرة الْيَهُودِيَّة على الْإِعْلَام أَن وكَالَة (رويتر) أسسها (جوليوس باول رويتر الألماني) وَكَانَ يَهُودِيّا اسْمه (إِسْرَائِيل بيير جوزافات) وَقد أسس وكَالَته سنة ١٨٤٨م، كَمَا أَن (وكَالَة أنباء هافاس) أسسها أحد الْيَهُود من عائلة هافاس سنة ١٨٣٥م، وأصبحت فِيمَا بعد الْوكَالَة الرسمية لفرنسا١.
وَأما فِي المجال السياسي فقد اسْتَطَاعَ الْيَهُود السيطرة عَلَيْهِ والتغلغل فِيهِ عَن طَرِيق الإغراء المالي والجنسي والتأثير الإعلامي والجمعيات الماسونية للوصول إِلَى أَعلَى المناصب السياسية أَمْثَال الْيَهُودِيّ (بنيامين دزرائيلي) رَئِيس وزراء بريطانيا٢، وأعضاء الحزب الشيوعي فِي روسيا بعد الانقلاب الشيوعي - الَّذِي أطاح بالحكم القيصري النَّصْرَانِي - كَانَ معظمهم من الْيَهُود، وَكَذَلِكَ أَعْضَاء الكونجرس الأمريكي ووزراء ومستشارو الرئيس الأمريكي ومعاونوه٣.
стр. 44
- فِي عَام ١٨٩٦م أصدر الصحفي الْيَهُودِيّ (ثيودور هرتزل) ١ كِتَابه (الدولة الْيَهُودِيَّة) ودعا إِلَى مؤتمر (بازل) بسويسرا عَام ١٨٩٧م حَضَره زعماء الْيَهُود وحاخاماتهم من جَمِيع أنحاء الْعَالم وتقرر فِيهِ إنْشَاء (المنظمة الصهيونية العالمية) وَاخْتِيَار فلسطين لتَكون وطناً قومياً للْيَهُود بعد تجميعهم فِيهَا من أنحاء الْعَالم وبذل كَافَّة الجهود لتحقيق ذَلِك.
- فِي عَام ١٩٠١م أنشأ هرتزل (الصندوق الْيَهُودِيّ الوطني) لشراء الْأَرَاضِي فِي فلسطين، وَعرض على السُّلْطَان عبد الحميد العثماني رشوة مَالِيَّة ضخمة مُقَابل السماح للْيَهُود بِالْهِجْرَةِ إِلَى فلسطين فرفض السُّلْطَان ﵀ ذَلِك الْعرض الدنيء وَقَامَ بطرد هرتزل.
- فِي عَام ١٩٠٩م تمكن الماسونيون من الإطاحة بالسلطان عبد الحميد وعزله بانقلاب عسكري عَلَيْهِ، وتولي حزب الِاتِّحَاد والترقي (مُعظم أَعْضَائِهِ من يهود الدونمة السلانيك والماسونيين) للسلطة الفعلية فِي تركيا، ثمَّ قَامُوا بإلغاء الْخلَافَة العثمانية فِي عَام ١٩٢٤م على يَد مصطفى كَمَال أتاتورك (عميل الغرب) ٢.
- ثمَّ فِي ٢ نوفمبر ١٩١٧م أصدر وَزِير خارجية بريطانيا (بلفور)
стр. 45
وعده المشؤم بمنح الْيَهُود حق إِقَامَة وَطن قومِي لَهُم فِي فلسطين ومساعدتهم فِي ذَلِك.
- وَفِي نفس الْعَام ١٩١٧م احتلت الجيوش البريطانية فلسطين بعد هزيمَة الدولة العثمانية حليفة ألمانيا فِي الْحَرْب العالمية الأولى (١٩١٤م - ١٩١٧م) ، ثمَّ وضعت فلسطين وَمَا جاورها تَحت الانتداب البريطاني بموافقة عصبَة الْأُمَم المتحدة (الدول الغربية) فِي ٢٥ إبريل من عَام ١٩٢٠م إِلَى عَام ١٩٣٢م حَيْثُ قَامَت بريطانيا بتحقيق وعد بلفور المشؤم فِي تشجيع ودعم الْهِجْرَة الْيَهُودِيَّة إِلَى فلسطين وتوطينها وحمايتها، فَهَاجَرَ إِلَى فلسطين أثْنَاء مُدَّة الانتداب البريطاني مَا يقرب من ١١٨ ألف يَهُودِيّ كوّنوا عصابات إرهابية مسلحة مثل الهاجاناه١، والأرجون٢، وشتيرن٣، وقوات البالماخ٤ وَغَيرهَا بهدف الإستيلاء على أَرَاضِي الْمُسلمين وتشريدهم وإرهابهم، وَقد اندمجت تِلْكَ العصابات الْيَهُودِيَّة بعد ذَلِك فِي (جَيش الدفاع) فِي الدولة الْيَهُودِيَّة.
- فِي ٢٦ نوفمبر ١٩٤٧م أصدرت الْأُمَم المتحدة قَرَارهَا بتقسيم فلسطين بَين الْمُسلمين وَالْيَهُود وانتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين.
- ثمَّ فِي ١٥ مايو ١٩٤٨م أعلن بن جوريون قيام دولة يَهُودِيَّة فِي فلسطين٥ على أثر إعلان بريطانيا انْتِهَاء الانتداب، وَقد تسارعت الدول الغربية الصليبية الَّتِي تتلاقى مصالحها ومطامعها مَعَ المخططات الْيَهُودِيَّة إِلَى
стр. 46
الِاعْتِرَاف بالدولة الْيَهُودِيَّة الغاصبة وَفِي مُقَدّمَة تِلْكَ الدول إمريكا وروسيا وفرنسا.
- وَقد استطاعت الدولة الْيَهُودِيَّة الَّتِي سُميت باسم (إِسْرَائِيل) ترسيخ وجودهَا بل توسيع أراضيها المغتصبة فِي المنطقة الْعَرَبيَّة الإسلامية بدعم حلفائها الغربيين - وخاصة إمريكا وروسيا - حَيْثُ قَامَت باحتلال الْقُدس الغربية وجنوب النقب عَام ١٩٤٩م، ثمَّ احتلال الْقُدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزه وصحراء سيناء وهضبة الجولان عَام ١٩٦٧م، وَبِنَاء المستوطنات الإسرائيلية على الْأَرَاضِي المحتلة. كل ذَلِك سعياً وَرَاء تَحْقِيق الْحلم الصهيوني الْيَهُودِيّ بِمَا يُسمى (إِسْرَائِيل الْكُبْرَى) من النّيل إِلَى الْفُرَات، وَلَكِن تقلّص ذَلِك الْحلم حينما تمكنت الجيوش الْعَرَبيَّة فِي حَرْب رَمَضَان سنة ١٣٩٣? (٦ أكتوبر ١٩٧٣م) من تحطيم أسطورة الْجَيْش الإسرائيلي وَخط بارليف الَّذِي لَا يقهر - بزعمهم -، واستعاد المصريون صحراء سيناء، مِمَّا دفع باليهود إِلَى تَغْيِير إستراتيجيتهم فِي اختراق الْبِلَاد الْعَرَبيَّة فسعت إِلَى توقيع معاهدة السَّلَام فِي كامب ديفيد بأمريكا عَام ١٩٧٨م بَين الرئيس الْمصْرِيّ مُحَمَّد أنور السادات والرئيس الإسرائيلي مناحيم بيجين.
- وعَلى الرغم من ذَلِك فقد قَامَت إِسْرَائِيل بغزو جنوب لبنان فِي نفس عَام ١٩٧٨م وإحتلالها وتشريد أَهلهَا وَقتل الأبرياء الْآمنينَ، وواصلت إِسْرَائِيل إعتدائها واجتياح لبنان حَتَّى وصلت إِلَى بيروت عَام ١٩٨٢م وَلَا تزَال تواصل إعتداءاتها.
- وَبعد جهود حثيثة من الولايات المتحدة الأمريكية ومصر والإتحاد السوفيتي ودول أُخْرَى عقد مؤتمر السَّلَام فِي الشرق الْأَوْسَط فِي ٣٠ أكتوبر عَام ١٩٩١م بالعاصمة الإسبانية (مدريد) لوضع حد للصراع الْعَرَبِيّ الإسرائيلي
الْمطلب الثَّانِي: زعمهم نقاء الْجِنْس الْيَهُودِيّ
إِن الإحساس بالتميز والاستعلاء والاستكبار لابد أَن يُؤَدِّي باليهود إِلَى التعصب لجنسهم، وَزَاد فِي ذَلِك تأثرهم بِمن كَانُوا يعيشون بَينهم فِي أوروبا القومية، وبالتعصب الديني السائد فِي أوروبا فِي العصور الْوُسْطَى مِمَّا ألجأ الْيَهُود إِلَى الانعزال - إِضَافَة إِلَى عوامل أُخْرَى - والانفراد بأحياء خَاصَّة بهم عرفت باسم (الجيتو) كَمَا عرفت فِي الدول الْعَرَبيَّة باسم (حارة الْيَهُود) ، فَادعوا تِلْكَ الدَّعْوَى الزائفة "بِأَن جَمِيع يهود الْعَالم من سلالة شعب إِسْرَائِيل، وَأَن يهود كل بلدان الْعَالم إِنَّمَا هم امتداد عضوي للآباء الأول من عصر إِسْحَاق وَيَعْقُوب" ١.
وَقَالَ زعيم الصهيونية هرتزل: إِن الْيَهُود بقوا شعبًا وَاحِدًا وعرقاً متميزاً، إِن قوميتهم المتميزة لَا يُمكن أَن تَزُول، وَيجب أَن لَا تنقرض، لذَلِك لَا يُوجد غير حل وَاحِد فَقَط للمسألة الْيَهُودِيَّة، هِيَ الدولة الْيَهُودِيَّة٢.
بِهَذَا النَّص يتَبَيَّن لنا الهدف والمغزى من تِلْكَ الدَّعْوَى الزائفة وَهُوَ تبرير الاحتلال الْيَهُودِيّ الصهيوني لفلسطين بِدَعْوَى العودة إِلَى أَرض الْآبَاء والأجداد!!
وَقد بلغ من تَأْثِير الدعاية الصهيونية وترويجها لهَذِهِ الأسطورة أَن صدقهَا
стр. 62
بعض الْعَرَب فاعتقدوا بِأَن الْيَهُود المتجمعين فِي إِسْرَائِيل هم من سلالة النَّبِي الْكَرِيم يَعْقُوب (إِسْرَائِيل) ﵊.
بطلَان هَذِه الدَّعْوَى:
إِذا عدنا إِلَى تأريخ الْيَهُود وكتبهم المقدسة لديهم وجدنَا أَن الإختلاط الجنسي بَين الْيَهُود وَغَيرهم ثَابت مُنْذُ بداية تاريخهم، فقد ورد فِي كتبهمْ مَا يَأْتِي "فسكن بَنو إِسْرَائِيل فِي وسط الكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين، وَاتَّخذُوا بناتهم لأَنْفُسِهِمْ نسَاء، وأعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلِهَتهم"١.
وَلَو ألقينا نظرة خاطفة على الْيَهُود المعاصرين لوجدناهم مختلفي الألوان والأشكال حسب الْبِلَاد الَّتِي عاشوا فِيهَا وَقدمُوا مِنْهَا إِلَى فلسطين، لذَلِك يَقُول عَالم الأنثروبولوجيا السويسري أوجين بيتار: "إِن جَمِيع الْيَهُود فِي نظر عُلَمَاء الأنثروبولوجيا، على الرغم من كل مَا يدّعيه الْيَهُود والمنضوون تَحت الفكرة العنصرية الإسرائيلية، بعيدون عَن الانتماء إِلَى (جنس يَهُودِيّ) ، وكما يَقُول رينان: "لَا تُوجد سحنة يَهُودِيَّة، بل هُنَاكَ عدَّة سحنات يَهُودِيَّة) ، وَلَيْسَ هُنَاكَ أصحّ من قَوْله هَذَا، فَنحْن لَا نستطيع أَن نعتبر الْيَهُود الحاليين مكوّنين لكتلة بشرية ذَات عنصر وَاحِد، وَلَا حَتَّى فِي فلسطين، بعد أَن جرَّت إِلَيْهَا الحركات الصهيونية كثيرا من الإسرائيليين دون اخْتِيَار أَو تَمْيِيز. فاليهود ينتمون إِلَى طَائِفَة دينية واجتماعية، اندمج فِيهَا فِي كل عصور التَّارِيخ أشخاص من أَجنَاس متباينة، وَكَانَ أُولَئِكَ المتهودون يدْخلُونَ فِيهَا من جَمِيع الْآفَاق المسكونة بالبشر، من
стр. 63
الْيَهُود الأحباش - الفلاشة -، إِلَى الْيَهُود الأشكناز - من الْجِنْس الجرماني -، إِلَى التاميل - الْيَهُود الأفارقة الزنوج -، إِلَى الْيَهُود الهنود الَّذين يسمّون ببني إِسْرَائِيل، وَالْيَهُود الخزر الَّذِي ينتمون إِلَى الْجِنْس التركي، فَهَل هُنَاكَ من هَذِه الْأَنْوَاع الإسرائيلية نوع يعْتَبر من نَاحيَة التشريح والتحليل ممثلاً حَقِيقِيًّا ونقياً للْجِنْس الْيَهُودِيّ؟! " وَيسْتَمر عَالم الْأَجْنَاس البشرية السويسري فِي تَحْلِيل كل نوع من الجاليات الْيَهُودِيَّة فِي الْعَالم، من حَيْثُ الْقَامَة والجمجمة والهيكل العظمي والتقاطيع ولون الْبشرَة وَالشعر والعينين وشكل الْأنف وَغَيرهَا من المميزات البيولوجية، ليخرج بنتيجة حاسمة وَهِي أَن الدَّعْوَى العنصرية الَّتِي يُجَاهر بهَا الْيَهُود من نَاحيَة وأعداء الْيَهُود من نَاحيَة أُخْرَى لَيست إِلَّا ادِّعَاء خرافياً من نسج الخيال"١.
وَلَو أردنَا معرفَة حَقِيقَة الْكَثْرَة الْغَالِبَة من الْيَهُود المعاصرين فِي فلسطين المحتلة وخاصة الطَّبَقَة الحاكمة فِي إِسْرَائِيل من السياسيين وكبار القادة العسكريين وأقطاب الصهيونية الحديثة، لوجدنا أَنهم ينتمون إِلَى يهود الأشكناز٢ وهم أحفاد الخزر الَّذين كَانُوا فِي جنوب روسيا واعتنقوا الدّيانَة الْيَهُودِيَّة فِي القرنين السَّابِع وَالثَّامِن الميلادي.
стр. 64
وَعَن هَؤُلَاءِ الخزر تَقول الموسوعة الْيَهُودِيَّة طبعة ١٩٠٣م فِي المجلد الرَّابِع ص١ - ٥ مَا يَأْتِي:
"الخزر: شعب تركي الأَصْل تمتزج حَيَاته وتاريخه بالبداية الأولى لتاريخ يهود روسيا … أكرهته الْقَبَائِل البدوية فِي السهول من جِهَة، وَدفعه توقه إِلَى السَّلب والانتقام من جِهَة أُخْرَى … على توطيد أسس مملكة الخزر فِي مُعظم أَجزَاء روسيا الجنوبية، قبل قيام الفارنجيين (سنة ٨٥٥م) بتأسيس الملكية الروسية … فِي هَذَا الْوَقْت (٨٥٥م) كَانَت مملكة الخزر فِي أوج قوتها تخوض غمار حروب دائمة … وَعند نِهَايَة الْقرن الثَّامِن … تحوّل ملك الخزر ونبلاؤه وَعدد كَبِير من شعبه الوثنيين إِلَى الدّيانَة الْيَهُودِيَّة … كَانَ عدد السكان الْيَهُود ضخما فِي جَمِيع أنحاء مقاطعة الخزر، خلال الفترة الْوَاقِعَة بَين الْقرن السَّابِع والقرن الْعَاشِر … بدا عِنْد حوالي الْقرن التَّاسِع، أَن جَمِيع الخزر أَصْبحُوا يهودا، وَأَنَّهُمْ اعتنقوا الْيَهُودِيَّة قبل وَقت قصير فَقَط"١
إِن مملكة الخزر الْيَهُودِيَّة الَّتِي قَامَت فِي جنوب روسيا - بمنطقة القوقاز فِيمَا بَين نهري الفولجا والدون - استمرت لمُدَّة قرنين تَقْرِيبًا وَكَانَ اسْم عاصمتها (إتل) وَسَقَطت على يَد أُمَرَاء (كييف) الروس فِي الفترة بَين سنة ٩٦٤ و٩٧٣م، ودامت لَهُم ولَايَة فِي القرم نصف قرن آخر إِلَى سنة ١٠١٦م٢.
стр. 65
خريطة منقولة عَن دَائِرَة المعارف الْيَهُودِيَّة تبيّن التَّوْزِيع الديني فِي أوربا عَام ٩٠٠ ميلادية، وَفِي وَسطهَا تظهر امبراطورية الخزر الْيَهُودِيَّة، الَّتِي دَامَت ثَلَاثَة قُرُون، وَكَانَت كبرى دوَل الْيَهُود فِي التَّارِيخ وَلَا تمت بأية صلَة عرقية إِلَى دَوْلَتِي " إِسْرَائِيل ويهوذا " التاريخيتين على أَرض فلسطين.
والحقيقة أنَّ من يَزْعمُونَ أنفسهم (يهودا) المتحدرين تاريخياً من سلالة الخزر يشكلون أَكثر من ٩٢ … بِالْمِائَةِ من جَمِيع من يسمون أنفسهم (يهودا) فِي كل مَكَان من الْعَالم الْيَوْم، والخزر الآسيويون الَّذين أنشأوا مملكة الخزر فِي أوروبا الشرقية أَصْبحُوا يسمون أنفسهم (يهودا) بالتحول والاعتناق سنة (٧٢٠م) ، وَهَؤُلَاء لم تطَأ أَقْدَام أجدادهم قطّ (الأَرْض المقدسة) فِي تَارِيخ الْعَهْد الْقَدِيم، هَذِه حَقِيقَة تاريخية لَا تقبل جدلاً.