← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

المطلب الخامس - الاستخلاف في الصلاة: الاستخلاف: إنابة الإمام غيره من المقتدين إذا كان صالحاً للإمامة، لإتمام الصلاة بدل الإمام لعذر قام به. فيصير الثاني إماماً، ويخرج الأول عن الإمامة، ويصبح في حكم المقتدي بالثاني. و طريقته: أن يأخذ الإمام بثوب المقتدي ولو مسبوقاً، ويجره إلى المحراب، لكن استخلاف المدرك أولى. ويتأخر الإمام محدود باً واضعاً يده على أنفه، موهماً أنه قد رعف قهراً. ويتم الاستخلاف بالإشارة لا بالكلام، ويشير بأصبعه لعدد الركعات الباقية. ويضع يده على ركبته لترك ركوع، وعلى جبهته لترك سجود، وعلى فمه لقراءة. و سببه: طروء عذر للإمام من حدث أو مرض شديد أو عجز عن القراءة الواجبة كالفاتحة ونحو ذلك. وفي أحكامه وأسبابه وشروطه تفصيل بين المذاهب: ف قال الحنفية (١): الاستخلاف جائز، بدليل حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «من أصابه قيء أو رعاف، أو قَلَس (٢)، أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم» (٣) وذكره الكاساني في البدائع عن أبي هريرة بلفظ لم أجده: «إذا صلى أحدكم، فقاء أو رعف في صلاته، فليضع يده على فمه، وليقدم

стр. 1227

من لم يسبق بشيء من صلاته، ولينصرف وليتوضأ، وليبن على صلاته، ما لم يتكلم». والأصح من ذلك: حديث عائشة في استخلاف النبي ﷺ أبا بكر ﵁: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، ثم تأخر أبي بكر، وصلاة النبي ﷺ بالناس، وافتتاحه القراءة من الموضع الذي انتهى إليه أبو بكر (١). وعن عمر ﵁ أنه سبقه الحدث فتأخروقدم رجلاً. وعن عثمان ﵁ مثله، ولأن بالناس حاجة إلى إتمام صلاتهم بالإمام، وقد التزم الإمام بذلك، فإذا عجز عن الوفاء بما التزم بنفسه، استعان بمن يقدر عليه، رعاية لمصلحة المأمومين، كيلا تبطل صلاتهم بالمنازعة. وبناء عليه: إن سبق الإمام الحدث، انصرف، فإن كان إماماً استخلف وتوضأ وبنى على صلاته، واستئناف الصلاة في حق جميع المصلين أفضل، خروجاً من الخلاف لمن منعه. ويتعين الاستئناف إن لم يكن قعد قدر التشهد الأخير بسبب الجنون أو الحدث عمداً أو الاحتلام بنوم أو تفكير أو نظر أو مس بشهوة، أو إغماء أو قهقهة، لأنه يندر وجود هذه العوارض، فلم يكن في معنى ما ورد به النص، ويستأنف الوضوء والصلاة. وسبب الاستخلاف: إما سبق حدث اضطراري، لا اختيار للإمام فيه ولا في سببه ومنه الحدث من نحو عطاس، أو عجز عن قراءة قدر المفروض في رأي أبي حنيفة، لحديث أبي بكر الصديق ﵁، فإنه لما أحس بالنبي ﷺ حَصِر عن القراءة، فتأخر، وتقدم النبي ﷺ وأتم الصلاة.

стр. 1228

ولا يستخلف بسبب حصر بول أو غائط، أو بسبب عجز عن الركوع السجود، لأن له أن يتم قاعداً، أو بسبب خوف أو نسيان قراءة أصلاً؛ لأنه صار أمياً، فتفسد صلاة القوم، أو بسبب إصابة نجاسة من غيره كبول كثير من غير سبق حدثه، أو كشف عورته في صلاته بقدر ركن؛ لأن صلاته حينئذ تفسد، ويفسد معها صلاة المأمومين. ويشترط لصحة الاستخلاف عند الحنفية شروط ثلاثة: أولها - توافر شروط البناء على الصلاة السابقة؛ لأن الاستخلاف في الحقيقة بناء من الخليفة على ما صلاه الإمام، وهي ثلاثة عشر شرطاً: كون الحدث قهرياً، من بدنه لا من نجاسة غيره، وكونه غير موجب للغسل كإنزال بتفكر، وغير نادر كالإغماء والجنون والقهقهة، وألا يؤدي ركناً مع الحدث، أو يمشي، ولم يفعل منافياً عمداً كأن يحدث باختياره، ولا ما لا حاجة له به كالذهاب لماء بعيد مع وجود القريب، وألا يتراخى قدر ركن بغير عذر كزحمة، وألا يتبين أنه كان محدثاً سابقاً قبل الدخول في الصلاة، وألا يتذكر فائتة إن كان صاحب ترتيب مطلوب منه (بأن خرج وقت الصلاة السادسة بعد الفائتة) لأنه تفسد الصلاة الوقتية التي يصليها بذلك السبب، وألا يُتم المؤتم في غير مكانه، فمن سبقه الحدث إماماً أو مأموماً وجب عليه أن يعود بعد الوضوء ليصلي مع الإمام إذا لم يكن قد فرغ إمامه من صلاته، فلو أتم في مكانه فسدت صلاته، أما المنفرد فله أن يتم في مكانه أوغيره، وألا يستخلف الإمام غير صالح للإمامة كصبي وامرأة وأمي، فإذا استخلف أحدهم فسدت صلاته وصلاة القوم. ثانيها - ألا يخرج الإمام من المسجد أو المصلى العام في الصحراء، أو الدار التي كان يصلي فيها قبل الاستخلاف، لأنه على إمامته ما لم يجاوز هذا الحد، فإن

стр. 1229

خرج بطلت الصلاة، أي صلاة القوم والخليفة دون الإمام في الأصح، ما لم يتقدم أحد المصلين بنفسه ناوياً الإمامة. ثالثها - ألا يجاوز الصفوف قبل الاستخلاف إن ذهب يمنة أو يسرة، وألا يجاوز السترة قدامه، أو موضع السجود إن لم تكن له سترة على المعتمد، إن كان يصلي في الصحراء. وإذا لم يحصل استخلاف، وأتم القوم الصلاة فرادى، بطلت صلاة الجميع. ولو استخلف الإمام مسبوقاً أو لاحقاً أو مقيماً وهو مسافر، صح لكن المدرك أولى. فلو أتم المسبوق صلاة الإمام قدم غيره مدركاً ليقوم بالسلام أي ليسلم بالقوم. ولو كان الخليفة مسبوقاً بركعتين، فرضت عليه القعدتان؛ لأن القعدة الأولى فرض على إمامه، وهو قائم مقامه، والثانية فرض عليه. ولو جهل الخليفة المقدار الباقي من الصلاة، قعد في كل ركعة احتياطاً، للاحتمال في كل ركعة أنها آخر صلاة الإمام. و قال المالكية (١): الاستخلاف: هو استنابة الإمام غيره من المأمومين لتكميل الصلاة بهم لعذر قام به. وحكمه: الندب في غير الجمعة، والوجوب فيها. وطريقته: أن يستخلف بالإشارة أو بالكلام واحداً من الجماعة ليتم الصلاة بالقوم. وندب استخلاف الأقرب للإمام من الصف الذي يليه، لأنه أدرى بأفعاله ولتيسر تقدمه، فيقتدون به. وندب تقدم المستخلف إلى موضع الإمام الأصلي إن

стр. 1230

قرب كالصفين، وندب ترك كلام في حالة الحدث وتذكره، ورعاف يقطع الصلاة. ويندب للإمام إذا خرج من الصلاة أن يمسك بأنفه، موهماً أنه راعف ستراً على نفسه. وشرطه: أن يكون الخليفة قد دخل في الصلاة قبل طروء العذر. فإن لم يستخلف، قدم الجماعة واحداً منهم، فإن لم يقدموا تقدم واحد منهم، فإن لم يفعلوا صلوا فرادى، وصحت صلاتهم إلا في الجمعة. أما الجمعة فتبطل إن أتموها فرادى لاشتراط الجماعة فيها. ويبدأ الخليفة من حيث وقف الإمام الأول. وأعذار أو أسباب الاستخلاف ثلاثة: الأول - الخوف على مال للإمام أو لغيره، أو على نفس من التلف لو استمر في صلاته. فإذا خاف الإمام سرقة أوغصباً، أو خاف على صبي الوقوع في بئر أو نار، فيهلك أو يحصل له شدة أذى، وجب عليه قطع الصلاة لحفظ المال، وإنقاذ النفس من الهلاك. الثاني - أن يطرأ على الإمام ما يمنعه من الإمامة، كالعجز عن ركن كالقيام أو الركوع، أو قراءة الفاتحة، أو حصول رعاف مانع للإمامة وهو ماكان دون درهم، أما رعاف القطع أي قطع الصلاة فهو من موانع الصلاة بأن زاد عن درهم وسال ولطخ المكان أو خاف تلويث المسجد، فيندب فيه للإمام الاستخلاف وإن وجب عليه قطع الصلاة، ولا تبطل الصلاة بسببه على المأمومين على المعتمد، ومثله سقوط النجاسة على الإمام أو تذكره لها فيها على المعتمد. الثالث - أن يطرأ على الإمام ما يبطل الصلاة: كأن يسبقه الحدث من بول أو

стр. 1231

ريح أو غيرهما، وهو يصلي، أو يتذكر أنه كان محدثاً قبل الصلاة، أو غلبت عليه القهقهة أو طرأ عليه جنون أو إغماء أو موت، أو رعف رعافاً تبطل به الصلاة على المشهور، أو طرأ عليه شك هل دخل الصلاة بوضوء أو لا، أو تحقق الطهارة والحدث وشك في السابق منهما، أما إن شك هل انتقض وضوءه فلا يقطع الصلاة ويستمر فيها، ثم إن بان الطهر لم يعد الصلاة، وإلا أعاد الإمام فقط. وينتظر المسبوق سلام المستخلف، فإن لم ينتظره بطلت صلاته، وإن كان المستخلف مسبوقاً، أشار لهم جميعاً بأن يجلسوا، وقام لقضاء ما عليه. وإن جهل الخليفة المسبوق ما صلى الأول، أشار لهم، فأفهموه بالإشارة أوالكلام إن لم يفهم الإشارة. وإن قيل للخليفة: أسقطت ركوعاً مثلاً، عمل بذلك إن لم يعلم خلافه. وعلى الخليفة أن يراعي نظم صلاة الإمام، ويندب أن يقرأ من انتهاء قراءة الإمام إن علم بانتهاء قراءته، وإلا ابتدأ القراءة وجلس في محل الجلوس، وهكذا بحسب كون الصلاة سرية أو جهرية. و قال الشافعية (١): يجوز الاستخلاف في المذهب الجديد، فإذا خرج الإمام من صلاة الجمعة أو غيرها بحدث تعمده أو سبقه أو نسيه، أو غيره كرعاف وتعاطي فعل مبطل للصلاة، أو بلا سبب، جاز الاستخلاف في الأظهر الجديد، لأنها صلاة بإمامين، وهي جائزة، وصح «أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يصلي بالناس، فجاء رسول الله ﷺ ، فجلس إلى جنبه، فاقتدى به أبو بكر، والناس» (٢)، وقد استخلف عمر ﵁ حين طعن (٣).

стр. 1232

والاستخلاف مندوب للإمام، ولو تقدم واحد بنفسه جاز، واستخلاف المصلين أولى من استخلاف الإمام، لأن الحق في ذلك لهم، إلا في الركعة الأولى من الجمعة، فإنه واجب عليهم أن يستخلفوا واحداً منهم لتدرك بها الجمعة، دون الركعة الثانية، فلا يلزم الاستخلاف، لإدراكهم مع الإمام ركعة كالمسبوق، فيتمونها فرادى جمعة. ويشترط لصحة الاستخلاف في الجمعة شرطان: أحدهما - أن يستخلف الإمام للجمعة مقتدياً به قبل حدثه، فلا يصح استخلاف من لم يكن مقتدياً بالإمام. ولا يشترط كون المقتدي حضر الخطبة لا الركعة الأولى في الأصح فيهما. والثاني - أن يستخلف عن قرب، بألا يمضي زمن قبل الاستخلاف يسع ركناً قصيراً من أركان الصلاة. فإن كان الخليفة قد أدرك الركعة الأولى من الجمعة مع الإمام، تمت الجمعة مطلقاً للخليفة والمأمومين. وإن لم يدرك الركعة الأولى تمت الجمعة للمقتدين دونه في الأصح فيهما. ولا يلزم المقتدين في الجمعة وغيرها استئناف نية القدوة في الأصح. أما في غير الجمعة فلا يشترط شيء لصحة الاستخلاف، بل يجوز أن يستخلف غير مقتد، وأن يستخلف بعد طول الفصل، لكن يحتاج المقتدون لنية الاقتداء بالقلب إن كان الخليفة غير مقتد قبل الاستخلاف، وكانت صلاته مخالفة لصلاة الإمام، كأن كان في الركعة الأولى مثلاً، والإمام في الثانية. كما يحتاجون لنية القدوة إذا طال الفصل بأن مضى زمن يسع ركناً فأكثر.

стр. 1233

وعلى الخليفة أن يراعي نظم صلاة الإمام وجوباً في الواجب وندباً في المندوب. وعلى المسبوق أيضاً أن يراعي نظم صلاة الإمام، فإذا صلى ركعة تشهد، وأشار إليهم ليفارقوه أو ينتظروا. وإذا لم يستخلف أحد في غير الجمعة نوى المقتدون المفارقة، وأتموا صلاتهم فرادى، وصحت. أما الجمعة فلهم نية المفارقة إذا أدركوا الركعة الأولى جماعة، وأتموا فرادى في الثانية إذا بقي العدد أربعين إلى آخر الصلاة. و قال الحنابلة (١): يجوز الاستخلاف لعذر كخوف ومرض شديد، وعجز عن ركن قولي كالفاتحة أو واجب قولي كتسبيحات الركوع والسجود. ولا يجوز الاستخلاف لسبق الحدث للإمام، لأن صلاته تبطل به، ويلزمه استئنافها، خلافاً لبقية الأئمة، ودليلهم حديث علي بن طلق: «إذا فسا أحدكم في صلاته، فلينصرف، فليتوضأ، وليعد الصلاة» (٢) ورأي الجمهور أصح بدليل استخلاف عمر لعبد الرحمن بن عوف لما طعن. والمستخلف ولو كان من غير المقتدين كما قال الشافعية يبني على ما مضى من صلاة الإمام من قراءة أو ركعة أو سجدة، ويقضي من سبق ببعض الصلاة بعد فراغ صلاة المأمومين. فإذا كان مسبوقاً استخلف قبل السلام من يسلم بهم، وقام لقضاء ما سبقه به الإمام، فإن لم يستخلف كان للمصلي الخيار بين أن يسلموا لأنفسهم، أو ينتظروه جالسين حتى يقضي ما فاته، ويسلم بهم.

стр. 1234

وإذا لم يستخلف الإمام، جاز للقوم أن يستخلفوا بدله، ليتم بهم الصلاة، كما جاز لهم أن يتموها فرادى. وإن قدمت كل طائفة من المأمومين لهم إماماً يصلي بهم، جاز عندهم كالشافعية. وقال الحنفية: تفسد صلاتهم كلهم. ويبني الخليفة الذي كان مع الإمام في الصلاة على فعل: أي ترتيب الإمام؛ لأنه نائبه، حتى في القراءة يأخذ من حيث بلغ الإمام؛ لأن قراءة الإمام قراءة له. أما الخليفة الذي لم يكن مع الإمام في الصلاة، فإنه يبتدئ الفاتحة، ولا يبني على قراءة الإمام؛ لأنه لم يأت بفرض القراءة، ولم يوجد ما يسقطه عنه؛ لأنه لم يصر مأموماً بحال، لكن يسرّ ما كان قرأه الإمام من الفاتحة، ثم يجهر بما بقي من القراءة ليحصل البناء على فعل الإمام. فإن لم يعلم الخليفة المسبوق، أو الذي لم يدخل مع الإمام في الصلاة، ماصلى الإمام الأول، بنى الخليفة على اليقين، كالمصلي يشك في عدد الركعات. فإن سبَّح له المأموم للتنبيه، رجع إليه، ليبني على ترتيب الأول. والخلاصة: إن أكثر المذاهب سعة في قضية الاستخلاف هو مذهب الشافعية إذ إنهم أجازوه لغير سبب، وبالكلام من الإمام، ثم المالكية، ثم الحنفية، ثم الحنابلة.

стр. 1235

المبحث الثاني - صلاة الجمعة فرضيتها ومنزلتها، وفضل السعي إليها وحكمتها، ومن تجب عليه، كيفيتها ومقدارها، شروط صحتها، سنن الخطبة ومكروهاتها، سنن الجمعة ومكروهاتها، مفسدات الخطبة، صلاة الظهر يوم الجمعة، ففي هذا المبحث تسعة مطالب. وسميت جمعة لاجتماع الناس لها، وقيل: لما جمع في يومها من الخير، وقيل: لأن خلق آدم جمع فيه، أو لاجتماعه فيه مع حواء في الأرض. واسمها القديم في الجاهلية يوم العروبة: أي المبين المعظم، وقيل: يوم الرحمة. المطلب الأول - فرضية الجمعة ومنزلتها: صلاة الجمعة فرض عين (١)، يكفر جاحدها لثبوتها بالدليل القطعي، وهي فرض مستقل ليست بدلاً عن الظهر، لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب الجمعة عليه كالمسافر والمرأة، وهي آكد من الظهر، بل هي أفضل الصلوات، ويومها أفضل الأيام، وخير يوم طلعت فيه الشمس، يعتق الله فيه ست مئة ألف عتيق من النار، من مات فيه كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر، ودليل فضل يومها حديث مرفوع: «يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها، وأعظم عند الله من يوم الفطر، ويوم الأضحى (٢).

стр. 1236

وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة وقال: حسن صحيح: أن النبي ﷺ قال: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة». وأدلة فرضيتها العينية المستقلة، لا الكفائية: القرآن: وهو قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢] أي امضوا إلى ذكر الله، فأمر بالسعي، والأمر يقتضي الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب، ونهى عن البيع لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهي عن البيع من أجلها، والمراد بالسعي ههنا: الذهاب إليها، لا الإسراع. والسنة: وهو قوله ﷺ : «لينتهين أقوام عن وَدْعهم الجُمعات، أو ليختِمَنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين» (١) وقوله: «رواح الجمعة واجب على كل محتلم» (٢) وقوله ﵇ أيضاً: «من ترك الجمعة ثلاث جمع تهاوناً، طبع الله على قلبه» (٣). وتاركها يستحق العقاب، لقوله ﷺ لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمُر رجلاً يُصلّي بالناس، ثم أحّرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم» (٤).

стр. 1237

والإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب الجمعة. وفرضت بمكة قبل الهجرة، لما روى الدارقطني عن ابن عباس قال: «أذن للنبي ﷺ في الجمعة قبل أن يهاجر، فلم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير: «أما بعد، فانظر إلى اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين». فأول من جمّع مصعب بن عمير حتى قدم النبي ﷺ المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر. وكان أسعد بن زرارة هو الذي جمع الناس، وكان مصعب نزيلهم، وكان يصلي بهم، ويقرئهم ويعلمهم الإسلام، وكان يسمى المقرئ، فأسعد دعاهم، ومصعب صلى بهم. والدليل على أن الجمعة فرض مستقل، وأنها ليست ظهراً مقصوراً، وإن كان وقتها وقت الظهر، وتدرك به: هو أن الظهر لايغني عنها، ولقول عمر ﵁: «الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم ﷺ ، وقد خاب من افترى» (١). المطلب الثاني - فضل السعي إلى الجمعة وحكمتها: حكمتها: الجمعة شرعت لدعم الفكر الجماعي، وتجمع المسلمين وتعارفهم وتآلفهم، وتوحيد كلمتهم، وتدريبهم على طواعية القائد، والتزام متطلبات القيادة، وتذكيرهم بشرع الإسلام دستوراً وأحكاماً وأخلاقاً وآداباً وسلوكاً، وتنفيذاً لأوامر الجهاد، وما تتطلبه المصلحة العامة في الداخل والخارج، والأمر

стр. 1238

بالمعروف والنهي عن المنكر. والخلاصة: إن تكرار الوعظ والتذكير الدائم كل أسبوع له أثر واضح في إصلاح الفرد والجماعة لقوله تعالى: ﴿وذكِّر، فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات:٥٥/ ٥١]. السعي إليها: ومن أجل تلك الأهداف والغايات السامية، ولكسب الثواب الأخروي، كان السعي للجمعة واجباً، حكمه حكم الجمعة؛ لأنه ذريعة إليها لقوله سبحانه: ﴿فاسعَوْا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢]، والتبكير إليها فضيلة، وكان ترك أعمال التجارة من بيع وشراء ومختلف شؤون الحياة أمراً لازماً لئلا يتشاغل عنها ويؤدي ذلك إلى إهمالها أو تعطيلها. ويبدأ وجوب السعي إليها عند الجمهور بالنداء إليها بالأذان الذي بين يدي الخطيب، وعند الحنفية بالأذان الأول عند الزوال، إلا إذا كان بعيد الدار عن المسجد، فيجب عليه السعي بقدر ما يدرك الفريضة (١). وللتبكير إلى الجمعة درجات في الثواب، قال رسول الله ﷺ : «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرَّب بَدَنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (٢). وقت الرواح المرغب فيه إلى الجمعة: اعتقد جماعة منهم الجمهور غير المالكية: أن هذه الساعات هي من أول النهار إلى الزوال، وتنقسم إلى خمس، فندبوا الرواح من أول النهار، لكن الأظهر ما ذكرته المالكية: أنها أجزاء ساعة قبل

стр. 1239

الزوال؛ لأن الساعة شرعاً ولغة هي الجزءمن أجزاء الزمان، ولم ينقل عند أحد من الصحابة أنه ذهب إلى الجمعة قبل طلوع الشمس أو بعدها بقليل (١). وأداء الجمعة بآدابها يغفر للمؤمن ما بين الجمعتين، لقوله ﷺ : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفِّرات ما بينهن إذا اجتُنِبت الكبائر» (٢) ولقوله ﵇: «من اغتسل ثم أتى الجمعة حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلِّي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضلُ - أي زيادة - ثلاثة أيام» (٣). ساعة الإجابة: وفيها ساعة يستجاب الدعاء فيها، «عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، أشار - أي النبي ﷺ بيده يقللها» (٤)، وفي تحديد وقت هذه الساعة أقوال أصحها - كما ثبت عن أبي بردة في صحيح مسلم -: أنها فيما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن يقضي الصلاة. خصوصيات الجمعة: وللجمعة مزايا متعددة هي مئة مزية أوضحها الإمام السيوطي في كتاب خاص بعنوان (خصوصيات يوم الجمعة) (٥)، ومنها أنه تجتمع الأرواح فيها، وتزار القبور، ويأمن الميت من عذاب القبر، ومن مات فيه أو

стр. 1240

في ليلته أمن فيه من عذاب القبر، ولا تسجر فيه جهنم، وفيه يزور أهل الجنة ربهم تعالى (١). التشريك في العبادة: ومن سعى يريد الجمعة، وحوائجه، وكان معظم مقصوده الجمعة، نال ثواب السعي إليها، قال الحنفية (٢): وبهذا يعلم أن من شرَّك في عبادته، فالعبرة للأغلب. البيع وقت النداء لصلاة الجمعة: يجب السعي لأداء الجمعة كما بينا عند الجمهور عند الأذان الثاني الذي يكون بين يدي الخطيب على المنبر، وقال الحنفية في الأصح: يجب السعي بعد الأذان الأول، وإن لم يكن في زمن الرسول ﷺ ، بل في زمن عثمان ﵁. ويكره تحريماً عند الحنفية، ويحرم عند غيرهم التشاغل عن الجمعة بالبيع وغيره من العقود من إجارة ونكاح وصلح وسائر صنايع الأعمال، وذلك عند الجمهور بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب، مما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة، لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢]، فورد النص على البيع، وقيس عليه غيره، سواء أكان عقداً أم لا، لأن كل ذلك يمنع عن تحقيق الغاية المطلوبة وهي أداء الجمعة (٣). وأضاف الشافعية أنه يكره البيع ونحوه قبل الأذان بعد الزوال.

стр. 1241

وقال الحنابلة (١): لا يحرم غير البيع من العقود كالإجارة والصلح والنكاح؛ لأن النهي مختص بالبيع، وغيره لا يساويه في الشغل عن السعي، لقلة وجوده، فلا يصح قياسه على البيع. غير أني لا أتردد في تصويب الرأي الأول، وعدم الالتفات للرأي الثاني، لأن الأمور بمقاصدها، ولأن الحنابلة القائلين بسد الذرائع يلزمهم سد كل الوسائل المؤدية إلى إهمال الجمعة. وتحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطبين بالجمعة، أما غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين، فلا يثبت في حقهم ذلك. وهل البيع إذا وقع وقت النداء صحيح، أو باطل يفسخ (٢)؟ قال الحنفية: البيع صحيح مكروه تحريماً؛ لأن الأمر بترك البيع ليس لعين البيع، بل لترك استماع الخطبة، ويقرب من قولهم قول الشافعية: البيع صحيح حرام. وقال المالكية: إنه من البيوع الفاسدة، ويفسخ على المشهور، وكذلك قال الحنابلة: لا يصح هذا البيع. وسبب اختلافهم: هل النهي عن الشيء الذي أصله مباح إذا تقيد النهي بصفة يعود بفساد المنهي عنه، أو لا؟. المطلب الثالث - من تجب عليه الجمعة أو شروط وجوب الجمعة: الجمعة كغيرها من الصلوات الخمس في الأركان والشروط والآداب، وتختص بشروط لوجوبها وصحتها ولزومها، وبآداب.

стр. 1242

تجب الجمعة على كل مكلف (بالغ عاقل) حر، ذكر، مقيم غير مسافر، بلا مرض ونحوه من الأعذار، سمع النداء، فلا تجب على صبي ومجنون ونحوه، وعبد، وامرأة ومسافر، ومريض، وخائف وأعمى وإن وجد قائداً عند أبي حنيفة، ويجب عليه إن وجد من يقوده عند المالكية والشافعية، والحنابلة والصاحبين من الحنفية، ومن لم يسمع النداء، على تفصيل آتٍ، ولا على معذور بمشقة مطر ووَحَل وثلج. لكن إن حضر هؤلاء وصلوا مع الناس، أجزأهم ذلك عن فرض الوقت،؛ لأنهم تحملوا المشقة، فصاروا كالمسافر إذا صام، ولأن كل من صحت ظهره ممن لا تلزمه الجمعة صحت جمعته بالإجماع، لأنها إذا أجزأت عمن لا عذر له، فصاحب العذر أولى، وإنما سقطت عنه رفقاً به، فترك الجمعة للمعذور رخصة، فلو أدى الجمعة سقط عنه الظهر، وتقع الجمعة فرضاً، وترك الترخص يعيد الأمر إلى العزيمة، أي أنه إن تكلف حضورها وجبت عليه، وانعقدت به، ويصح أن يكون إماماً فيها. روى أبو داود عن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض». وبه يتبين أن شروط وجوب الجمعة هي ما يأتي: يشترط لوجوب الجمعة شروط وجوب الطهارة والصلاة، وهي ثلاثة عند الجمهور: (الإسلام والبلوغ والعقل) وعشرة عند المالكية وهي: الإسلام والبلوغ والعقل، وعدم الحيض والنفاس، ودخول الوقت، وعدم النوم، وعدم النسيان، وعدم الإكراه، ووجود الماء أو الصعيد، والقدرة على الفعل بقدر الإمكان. و يزاد عليها أربعة شروط (١):

стр. 1243

١ - الذكورة: فلا تجب الجمعة على أنثى. ٢ - الحرية: فلا تجب على عبد. ٣ - الإقامة في محل الجمعة: فلا تجب على مسافر لم ينو الإقامة (١) لحديث «لاجمعة على مسافر» (٢)، وفي هذا تفصيل المذاهب: قال الحنفية: يشترط الإقامة في مصر أي بلد كبير: وهو ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة، والقرية بخلافها. فلا تجب الجمعة على مقيم بقرية. وتجب الجمعة أيضاً على من كان في فِناء المصر أي ما امتد من جوانبها، وقدروه بفرسخ (٥٥٤٤ م) في المختار للفتوى. أما من كان خارج المصر: فتجب عليه الجمعة إن كان يسمع النداء من المنائر بأعلى صوت. وهو قول محمد، وبه يفتى، لحديث أبي داود: «الجمعة على كل من سمع النداء». ولا جمعة على من يقيم في أطراف المصر، ويفصل بينه وبينها مسافة من مزارع ونحوها، وإن بلغه النداء. وتقدير البعد بغَلوة سهم أي مقدار رمية وهي (أربع مئة ذراع) أو ميل، ليس بشيء. والخلاصة: تجب الجمعة على من يسكن المصر، أو ما يتصل به، فلا تجب على أهل السواد (القرى) ولو كان قريباً، وتجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة لمدة خمسة عشر يوماً، وليس الاستيطان (دوام الإقامة) شرطاً لوجوب الجمعة.

стр. 1244

وروى الدارقطني وغيره عن النبي ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة إلا امرأة ومسافراً وعبداً ومريضاً». وقال المالكية: تجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة أربعة أيام صحاح فأكثر، وإن لم تنعقد به. وتجب الجمعة على مقيم ببلد الجمعة، وعلى المقيم بقرية أو خيمة بعيدة عن بلد الجمعة بنحو فرسخ أو ثلاثة أميال وثلث، لا أكثر، وتقدر المسافة من المنارة التي في طرف البلد. ولا يشترط في بلد الجمعة أن يكون مصراً، فتصح في القرية، وفي الأخصاص (وهي بيوت الجريد أو القصب)، ولا تصح ولا تجب في بيوت الشعر؛ لأن الغالب عليهم الارتحال، إلا إذا كانوا قريبين من بلد الجمعة، كما لا تصح ولا تجب على من أقام مؤقتاً في مكان ولو لشهر مثلاً، إذ لا بد من الاستيطان: وهو الإقامة في بلد على التأبيد. وقال الشافعية: تجب الجمعة على المقيم في بلد، مصر أو قرية، سمع النداء أو لم يسمعه، وعلى من في خارجه إن سمع النداء، لقوله ﷺ : «الجمعة على من سمع النداء» (١) فلا جمعة على الحصادين، إلا إذا سمعوا النداء. والاعتبار في سماع النداء: أن يقف المؤذن في طرف البلد، والأصوات هادئة، والريح ساكنة، وهو مستمع، فإذا سمع النداء لزمه، وإن لم يسمع لم يلزمه. وتجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة أربعة أيام، أو سافر يوم الجمعة بعد فجر يومها، فإن سافر قبل الفجر فلا جمعة عليه، ولكن لا تنعقد الجمعة بالعدد المطلوب وهوأربعون بالمسافر، بل لا بد من كون الأربعين متوطنين، فالاستيطان شرط الانعقاد لا شرط الوجوب للجمعة، كما أن شرط صحة الجمعة هو وقوعها في بناء لا صحراء. روى البيهقي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة» وروى أبو داود عن كعب بن مالك

стр. 1245

﵁: «أن أول من جمَّع بهم - أي في المدينة - أسعد بن زرارة ﵁، وكانوا يومئذٍ أربعين». ومذهب الحنابلة: تجب الجمعة على مستوطنين ببناء أو ماقاربه من الصحراء، مقيم في بلد وإن لم يكن مصراً تقام فيه الجمعة، ولو كان بينه وبين موضع إقامة الجمعة فرسخ، ولو لم يسمع النداء؛ لأنه بلد واحد، فلا فرق بين البعيد والقريب، ولأن بُعد الفرسخ في مظنة القرب. كما تجب الجمعة على من كان خارج البلد الذي تقام فيه الجمعة إذا كان بينه وبين موضعها فرسخ تقريباً فأقل كما قال المالكية؛ لأنه من أهل الجمعة، ويسمع النداء كأهل المصر، والعبرة بسماعه من المنارة، لا بين يدي الإمام. والمعتبر مظنة السماع غالباً، كما قال الشافعية: إذا كان المؤذن صيِّتاً، والرياح ساكنة، والأصوات هادئة، والعوارض منتفية. وتجب على المسافر إذا نوى الإقامة أربعة أيام فأكثر، أو كان سفره معصية، لئلا تكون المعصية سبباً للتخفيف عنه، أو كان بينه وبين بلد إقامته فرسخ فأقل، أو سافر مسافة دون مسافة القصر. ولا تجب الجمعة على من كان في قرية لا يبلغ عددهم أربعين، أو كان مقيماً في خيام (ما يبنى من عيدان الشجر) ونحوها كبيوت الشعر، أو كان مسافراً سفراً لمسافة القصر (٩٨ كم)، أو كان بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ، أو مقيم في قرية يظعن أهلها عنها في الشتاء دون الصيف أو في بعض السنة؛ لأنهم ليسوا من أهلها، ولا يسمعون نداءها، ولأنه ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة في السفر. ولا جمعة بمنى وعرفة نصاً؛ لأنه لم ينقل فعلها هناك.

стр. 1246

السفر يوم الجمعة: للفقهاء رأيان في مشروعية السفر يوم الجمعة بعد الفجر (١)، فأجازه الحنفية والمالكية، ومنعه الشافعية والحنابلة إن خيف فوت الجمعة، واتفقوا على منعه بعد دخول وقت الظهر (أي بعد الزوال) وقبل أداء صلاتها. قال الحنفية: لابأس بالسفر يوم الجمعة إذا خرج عن عمران المصر قبل دخول وقت الظهر، والصحيح أنه يكره السفر بعد الزوال وقبل أن يصلي الجمعة، ولا يكره قبل الزوال. وكذلك قال المالكية: يجوز السفر يوم الجمعة قبل الزوال، ولكنه يكره لمن لا يدركها في طريقه، ويحرم ويمنع بعد الزوال وقبل الصلاة اتفاقاً. ودليلهم قول عمر: «الجمعة لا تحبس عن سفر». وقال الشافعية والحنابلة: يحرم على من تجب عليه الجمعة السفر قبل الزوال وبعده، إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة أو كان السفر واجباً كالسفر لحج ضاق وقته وخاف فوته، لما روى ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ قال: من سافر من دار إقامة يوم الجمعة، دعت عليه الملائكة، لا يُصحَب في سفره، ولا يعان على حاجته» (٢)، وهذا وعيد لا يلحق بالمباح، ولأن الجمعة قد وجبت عليه، فلم يجز له الاشتغال بما يمنع منها كاللهو والتجارة. كذلك كره الشافعية السفر ليلة الجمعة، جاء في الإحياء للغزالي: «من سافر ليلة الجمعة دعا عليه ملكان».

стр. 1247

وفي تقديري أن رأي المالكية والحنفية أصح، تيسيراً على الناس، ومنعاً للحرج، ولضعف حديث الفريق الثاني. ٤ - السلامة من الأعذار: فلا بد لمن تجب عليه الجمعة من الصحة، والأمن، والحرية، والبصر، والقدرة على المشي، وعدم الحبس، وعدم المطر الشديد والوحل والثلج ونحوها، كما بينا في بحث أعذار مسقطات الجماعة والجمعة. فلا تجب الجمعة على مريض لعجزه عن ذلك، وممرِّض إن بقي المريض ضائعاً، وشيخ فانٍ، وخائف على نفسه أو ماله أو لخوف غريم أو ظالم أو فتنة، وعبد؛ لأنه مشغول بخدمة مولاه، وأعمى عند أبي حنيفة، ويجب عليه عند الحنابلة والصاحبين والمالكية والشافعية إذا وجد، أي الأعمى قائداً، ولا يجب عليه إن وجد قائداً عند أبي حنيفة، ولا تجب على مفلوج الرِّجل ومقطوعها وزَمِن، ومحبوس، ومعذور بمشقة مطر ووحل وثلج. ولا تجب على قروي عند الحنفية. سقوط الجمعة عمن حضر العيد إلا الإمام عند الحنابلة: قال الحنابلة (١): كما تسقط الجمعة عن ذوي الأعذار أو الأشغال كمريض ونحوه، تسقط عمن حضر العيد مع الإمام إن اتفق عيد في يوم جمعة إسقاط حضور، لا إسقاط وجوب، إلا الإمام، فإنها لا تسقط عنه، إلا أن لايجتمع له من يصلي به الجمعة، ويصح أن يؤم فيها، والأفضل حضورها خروجاً من الخلاف. ودليلهم: حديث زيد بن أرقم: «من شاء أن يُجمِّع فليُجمِّع» (٢)، وحديث

стр. 1248

أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمِّعون» (١)، ولأن الجمعة إنما زادت عن الظهر بالخطبة، وقد حصل سماعها في العيد، فأجزأه عن سماعها ثانياً، ولأن وقتها واحد، فسقطت إحداهما بالأخرى كالجمعة مع الظهر. وقوله: (إنا مجمعون) يدل على أن الإمام لاتسقط عنه، ولأنه لو تركها، لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه ومن يريدها ممن سقطت عنه، بخلاف غيره من الناس. المطلب الرابع - كيفية الجمعة ومقدارها: الجمعة: ركعتان وخطبتان قبلها (٢)، قال عمر: «صلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، وقد خاب من افترى» (٣) فلها ركنان: الصلاة والخطبة، والصلاة ركعتان بقراءة جهرية إجماعاً، والخطبة: فرض وهي خطبتان قبل الصلاة، وشرط في صحة الجمعة على الأصح، وأقل ما يسمى خطبة عند العرب، تشمل على حمد لله تعالى وصلاة على رسوله، ووعظ في أمور الدين والدنيا، وقرآن. ويسن قبلها أربع ركعات اتفاقاً، وبعدها عند الجمهور غير المالكية أربع أيضاً. المطلب الخامس - شروط صحة الجمعة: يشترط لصحة الجمعة زيادة على شروط صحة الصلاة الإحدى عشرة المتقدمة

стр. 1249

سبعة شرائط عند الحنفية والشافعية، وخمسة شرائط عند المالكية وأربعة لدى الحنبلية (١). ١ - وقت الظهر: فتصح فيه فقط، ولا تصح بعده، ولا تقضى جمعة، فلو ضاق الوقت، أحرموا، بالظهر، ولا تصح عند الجمهور غير الحنابلة قبله، أي قبل وقت الزوال، بدليل مواظبة النبي ﷺ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس، قال أنس ﵁: «كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس» (٢) أي إلى الغروب، وهو الزوال، وعلى ذلك جرى الخلفاء الراشدون فمن بعدهم، ولأن الجمعة والظهر فرْضا وقت واحد، فلم يختلف وقتهما، كصلاة الحضر وصلاة السفر. وقال الحنابلة: يجوز أداء الجمعة قبل الزوال، وأول وقتها أول وقت صلاة العيد، لقول عبد الله بن سَيْدان السُّلَمي، «شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك، ولا أنكره» (٣) فكان كالإجماع، ولأنها صلاة عيد، أشبهت العيدين.

стр. 1250

وتفعل قبل الزوال جوازاً أو رخصة، وتجب بالزوال، وفعلها بعد الزوال أفضل لما روى سلمة بن الأكوع قال: «كنا نجمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبَّع الفيء» (١). وآخر وقت الجمعة: آخر وقت الظهر بغير خلاف، ولأنها بدل منها، أو واقعة موقعها، فوجب الإلحاق بها، لما بينهما من المشابهة. متى تدرك الصلاة جمعة؟ للفقهاء رأيان في إدراك جزء من صلاة الجمعة مع الإمام. فقال الحنفية على الراجح (٢): من أدرك الإمام يوم الجمعة في أي جزء من صلاته، صلى معه ما أدرك، وأكمل الجمعة، وأدرك الجمعة، حتى وإن أدركه في التشهد أو في سجود السهو. وهو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، لقوله ﷺ : «ماأدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» (٣). وقال الجمهور (٤): إذا أدرك الركعة الثانية مع الإمام، فقد أدرك الجمعة، وأتمها جمعة، وإن لم يدرك معه الركعة الثانية، أتمها ظهراً، لإطلاق قوله ﷺ : «من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى» وفي لفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة» وفي رواية: «من أدرك في الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة» (٥).

стр. 1251

٢ - البلد: أي كونها في مصر جامع، أو في مصلى المصر عند الحنفية: وهو كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، هذا في مشهور المذهب الحنفي، لكن المفتى به عند أكثر الحنفية، أن المصر كما قدمنا: هو ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة. وهذا شرط وجوب وصحة، فلا يصح أداء الجمعة إلا في المصر وتوابعه، ولا تجب على أهل القرى التي ليست من توابع المصر، ولا يصح أداء الجمعة فيها. ودليلهم على اشتراط المصر: ما رواه عبد الرزاق عن علي موقوفاً: «لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع». وقال المالكية: كونها في موضع الاستيطان، وهو إما بلد أو قرية، مبنية بأحجار ونحوها، أو بأخصاص من قصب أو أعواد شجر، لا خيم من شعر أو قماش؛ لأن الغالب على أهلها الارتحال، فأشبهوا المسافرين. وهذا شرط صحة ووجوب عند المالكية؛ لأن الصحيح عندهم أن الشروط الأربعة وهي الإمام والجماعة والمسجد وموضع الاستيطان هي شروط وجوب وصحة معاً، ولا بد أن تستغني القرية بأهلها عادة، بالأمن على أنفسهم، والاكتفاء في معاشهم عن غيرهم. ولا يحدون بحد كمئة أو أقل أو أكثر. وقرر الشافعية: أن تقام الجمعة في خِطّة بلد أو قرية، وإن لم تكن في مسجد. ولا تلزم الجمعة في الأظهر أهل الخيام وإن استقروا في الصحراء أبداً؛ لأنهم على هيئة المسافرين أو المستوفزين للسفر، وليس لهم أبنية المستوطنين، ولأن قبائل العرب الذين كانوا مقيمين حول المدينة ما كانوا يصلونها، وما أمرهم النبي ﷺ بها. والمراد بالخِطَّة: الأرض التي خُطَّ عليها أعلام للبناء فيها. ويقصد بها هنا

стр. 1252

الأمكنة المعدودة من البلد. وهي تشبه المخطط التنظيمي لكل بلد في عصرنا. ولا بد أن تكون الأبنية مجتمعة بحسب العرف. واشترط الحنابلة: أن يكون المكلفون بالجمعة وهم أربعون فأكثر مستوطنين أي مقيمين بقرية مجتمعة البناء، بما جرت العادة بالبناء به، من حجر أو لبن أو طين أو قصب أو شجر؛ لأنه ﷺ «كتب إلى قرى عُرينة أن يصلوا الجمعة» ولا جمعة على أهل الخيام وبيوت الشعر والحركات، ولا تصح منهم؛ لأن ذلك لا ينصب للاستيطان غالباً. والخلاصة: لا بد لإقامة الجمعة عند الجمهور من كونها في مدينة أو قرية، ولابد أن تكون القرية كبيرة عند الحنفية، فلا تجب على سكان القرى الصغيرة، أي لا بد من المصر عندهم، أما عند غيرهم فلا يشترط المصر، والقرية والبلد سواء. ٣ - الجماعة: الجماعة شرط، لما رواه أبو داود: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة .. » وانعقد الإجماع على ذلك. وأقل الجماعة عند أبي حنيفة ومحمد في الأصح: ثلاثة رجال سوى الإمام، ولو كانوا مسافرين أو مرضى؛ لأن أقل الجمع الصحيح إنما هو الثلاث، والجماعة شرط مستقل في الجمعة، لقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢] والجمعة مشتقة من الجماعة، ولا بد لهم من مذكر وهو الخطيب. فإن تركوا الإمام أو نفروا بعد التحريمة قبل السجود، فسدت الجمعة، وصليت الظهر. وإن عادوا وأدركوا الإمام راكعاً، أو بقي ثلاثة رجال يصلون مع الإمام. أو نفروا بعد الخطبة وصلى الإمام بآخرين، صحت الجمعة، فوجود الجماعة: شرط انعقاد الأداء، لا شرط دوام وبقاء إلى آخر الصلاة، ولا يتحقق الأداء إلا بوجود تمام الأركان وهي القيام والقراءة والركوع

стр. 1253

والسجود، فلو نفروا بعد التحريمة قبل السجود فسدت الجمعة، ويستقبل (يستأنف) لظهر، كما بينا. وقال المالكية: يشترط حضور اثني عشر رجلاً للصلاة والخطبة، لما روي عن جابر أن النبي ﷺ كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عِير (إبل تحمل التجارة) من الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وإذا رأ وا تجارة أو لهواً، انفضوا إليها، وتركوك قائماً﴾ (١) [الجمعة:١١/ ٦٢]. ويشترط لهذا الشرط شرطان أيضاً: الأول - أن يكون العدد من أهل البلد، فلا تصح من المقيمين به لنحو تجارة، إذا لم يحضرها العدد المذكور من المستوطنين بالبلد. الثاني - أن يكونوا باقين مع الإمام من أول الخطبة حتى السلام من صلاتها، فلو فسدت صلاة واحد منهم، ولو بعد سلام الإمام، بطلت الجمعة، أي أن بقاء الجماعة إلى كمال الصلاة شرط على المشهور. وقال الشافعية والحنابلة: تقام الجمعة بحضور أربعين فأكثر بالإمام من أهل القرية المكلفين الأحرار الذكور المستوطنين، بحيث لا يظعن منه أحدهم شتاء ولاصيفاً إلا لحاجة، ولو كانوا مرضى أو خرساً أو صماً، لا مسافرين، لكن يجوز كون الإمام مسافراً إن زاد العدد عن الأربعين، ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين، لحديث كعب المتضمن أن عدد المصلين في أول صلاة جمعة بالمدينة مع أسعد بن زرارة كانوا أربعين رجلاً (٢). وروى البيهقي عن ابن مسعود أنه ﷺ جمع بالمدينة

стр. 1254

وكانوا أربعين رجلاً. ولم يثبت أنه ﷺ صلى بأقل من أربعين، فلا تجوز بأقل منه. فلو انفض الأربعون أو بعضهم في الخطبة، لم تصح الجمعة؛ لأن سماع الأربعين جميع أركان الخطبة مطلوب، والمقصود من الخطبة إسماع الناس، فإن نقصوا عن الأربعين قبل إتمام الجمعة استأنفوا ظهراً ولم يتموها جمعة؛ لأن العدد شرط، فاعتبر في جميعها كالطهارة. ويظهر لي أن الجمعة تتطلب الاجتماع، فمتى تحققت الجماعة الكثيرة عرفاً، وجبت الجمعة وصحت، وليس هناك نص صريح في اشتراط عدد معين. والجماعة في الجمعة شرط بالاتفاق، إذ كان معلوماً من الشرع أنها حال موجودة في الصلاة. فإن سبق أحد المصلين بركعة، صحت جمعته، وأتى بركعة ثانية، فإن لم يدرك مع الإمام ركوع الركعة الثانية، أتم صلاته ظهراً، والدليل ما رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها، فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته». ٤ - كون الأمير أو نائبه هو الإمام، والإذن العام من الإمام بفتح أبواب الجامع للواردين عليه. اشترط الحنفية هذين الشرطين: الأول - أن يكون السلطان ولو متغلباً أو نائبه، أو من يأذن له بإقامة الجمعة كوزارة الأوقاف الآن هو إمام الجمعة وخطيبها؛ لأنها تقام بجمع عظيم، وقد تقع منازعة في شؤون الجمعة، فلا بد منه تتميماً لأمره، ومنعاً من تقدم أحد. والثاني - الإذن العام: وهو أن تفتح أبواب الجامع ويؤذن للناس بالدخول إذناً عاماً، بأن لا يمنع أحد ممن تصح منه الجمعة عن دخول الموضع الذي تصلى فيه؛

стр. 1255

لأن كل تجمع يتطلب الإذن بالحضور، ولأنه لا يحصل معنى الاجتماع إلا بالإذن، ولأنها من شعائر الإسلام، وخصائص الدين، فلزم إقامتها على سبيل الاشتهار والعموم. ولم يشترط غير الحنفية هذين الشرطين، فلا يشترط إذن الإمام لصحة الجمعة، ولا حضوره؛ لأن علياً صلى بالناس، وعثمان محصور، فلم ينكره أحد، وصوبه عثمان (١)، ولأن الجمعة فرض الوقت، فأشبهت الظهر في عدم هذين الشرطين (٢). ٥ - أن تكون بالإمام وفي الجامع: اشترط المالكية هذين الشرطين وهما: أن تصلى بإمام مقيم، فلا تصح أفراداً، وأن يكون مقيماً غير مسافر، ولو لم يكن متوطناً، وأن يكون هوالخطيب إلا لعذر يبيح الاستخلاف كرعاف ونقض وضوء، وأن يكون حراً فلا تصح إمامة العبد. ولا يشترط أن يكون الإمام والياً، خلافاً للحنفية. وأن تكون الصلاة بجامع يجمع فيه على الدوام، فلا تصح في البيوت ولا في رحبة دار، ولا في خان، ولا في ساحة من الأرض، وفي الجملة: لا تصح المواضع المحجورة كالدور والحوانيت. وللجامع شروط أربعة: أن يكون مبنياً، وأن يكون بناؤه بحسب العادة والعرف فيجوز بالقصب ونحوه، وأن يكون متحداً، ومتصلاً بالبلد، فالجمعة لا تكون إلا متحدة في البلد، وإذا تعددت الجمع، فالذي تصح الجمعة فيه هو الجامع العتيق الأقدم؛ دون غيره، والمراد بالعتيق: ما أقيمت فيه الجمعة ابتداء، ولو تأخر بناؤه عن غيره.

стр. 1256

ولا يشترط كون الجامع مسقفاً على الراجح، ولا قصد تأبيد إقامة الجمعة فيه، ولا قصد إقامة الصلوات الخمس فيه. وتصح الجمعة في رحاب المسجد: وهي ما زيد خارج محيطه لتوسعته، وتصح في طرق المسجد المتصلة به من غير فصل ببيوت أو حوانيت أو أشياء محجورة، سواء ضاق المسجد أو اتصلت الصفوف أم لا، وتكره في الرحاب والطرق من غير ضرورة. ولا تجوز الجمعة على سطح المسجد، ولو ضاق بالناس، ولا في الأماكن المحجورة كالدور والحوانيت. ٦ - عدم تعدد الجمع لغير حاجة: اشترط الشافعية لصحة الجمعة ألا يسبقها ولا يقارنها جمعة في البلد أو القرية، إلا لكبر البلد وعسر اجتماع الناس في مكان، وتعسر الاجتماع: إما لكثرة الناس، أو لقتال بينهم، أو لبعد أطراف البلد، بأن يكون من بطرفها لا يبلغهم صوت المؤذن بالشروط السابقة في وجوب الجمعة. ودليل هذا الشرط أنه ﷺ وصحبه والخلفاء الراشدين والتابعين لم يقيموا سوى جمعة واحدة، ولأن الاقتصار على واحدة أدعى لتحقيق المقصود من إظهار شعار الاجتماع، واجتماع الكلمة. فإن سبقت إحدى الجمع غيرها فهي الصحيحة، وما بعدها باطل؛ لأنه لا يزاد على واحدة وإن تقارنتا فهما باطلتان. والعبرة في السبق والمقارنة: بالراء من تكبيرة إحرام الإمام. فإن علم السابق ثم نسي، وجبت الظهر على الجميع، لالتباس الصحيحة بالفاسدة، وإن علمت المقارنة أو لم يعلم سبق ولا مقارنة، أعيدت الجمعة إن اتسع الوقت، لعدم وقوع جمعة مجزئة.

стр. 1257

وإن تعددت الجمعة لحاجة، بأن عسر اجتماع بمكان، جاز التعدد، وصحت صلاة الجميع على الأصح، سواء وقع إحرام الأئمة معاً أو مرتباً، وسن صلاة الظهر احتياطاً، فالاحتياط لمن صلى ببلد تعددت فيه الجمعة لحاجة، ولم يعلم سبق جمعته: أن يعيدها ظهراً، خروجاً من خلاف من منع التعدد، ولو لحاجة. وينوي آخر ظهر بعد صلاة الجمعة أو ينوي الظهر احتياطاً، خروجاً عن عهدة فرض الوقت بأداء الظهر. و صلاة الظهر بعد الجمعة: إما واجبة إن تعددت الجمع لغير حاجة، أو مستحبة إذا كان التعدد بقدر الحاجة فقط، أو زائداً عليها ولم يدر هل التعدد لحاجة أو لا، أو حرام فيما إذا كان بالبلد جمعة واحدة فقط كبعض قرى الأرياف. وكذلك قرر المالكية على الراجح: أنه يمنع تعدد الجمعة في مسجدين أو أكثر في مصر واحد، ولا تكون الجمعة إلا متحدة في البلد، فإن تعددت صحت جمعة الجامع الأقدم أو العتيق: وهو المسجد الذي أقيمت فيه أول جمعة في البلد، ولو تأخر بناؤه عن غيره، كما بينا (١). والحنابلة مع الشافعية والمالكية فيما ذكر (٢): وهو إن كان البلد كبيراً يحتاج إلى جوامع أو في حال خوف الفتنة بأن يكون بين أهل البلد عداوة، أو في حال سعة البلد وتباعد أطرافه، فصلاه الجمعة في جميعها جائزة؛ لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد، وقد ثبت أن علياً ﵁ كان يخرج يوم العيد إلى المصلى، ويستخلف على ضعَفَة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم. وأما ترك النبي ﷺ وأصحابه إقامة

стр. 1258

جمعتين، فلعدم الحاجة إليه، ولأن الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته ﵇، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم، لأنه المبلغ عن الله تعالى. ولما دعت الحاجة إلى تعدد الجمعات في الأمصار، صليت في أماكن، ولم ينكر أحد، فكان إجماعاً. وإن تحققت الحاجة بجمعتين اثنتين، لم تجز الجمعة الثالثة لعدم الحاجة إليها، وهكذا الرابعة والخامسة. ويحرم إقامة الجمعة والعيد بأكثر من موضع من البلد لغير حاجة، ويحرم إذن الحاكم في إقامة جمعة زائدة عند عدم الحاجة إليها، كما يحرم الإذن فيما زاد على قدر الحاجة. فإن أقيمت الجمعة في موضعين فأكثر مع عدم الحاجة، فجمعة الإمام (الحاكم) التي باشرها أو أذن فيها: هي الصحيحة؛ لأن في تصحيح غيرها افتياتاً عليه، وتفويتاً لجمعته. فإن استويا في الإذن وعدم إذن الإمام، فالسابقة هي الصحيحة، والثانية باطلة. والسبق يكون بتكبيرة الإحرام، كما قال الشافعية، لا بالشروع في الخطبة ولا بالسلام. وإن تقارنتا معاً، واستوتا في الإذن أو عدمه، بطلتا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما. وإن جهلت الجمعة الأولى ببلد لغير حاجة، أو لم يعلم سبق إحداهما، أو علم الحال ثم أنسي، صلوا ظهراً. والخلاصة: إن رأي الجمهور (المالكية على المشهور، والشافعية والحنابلة) والكاساني من الحنفية: هو عدم جواز التعدد إلا لحاجة.

стр. 1259

أما الحنفية (١) على المذهب وعليه الفتوى فقالوا: يؤدى أكثر من جمعة في مصر واحد بمواضع كثيرة دفعاً للحرج؛ لأن في إلزام اتحاد الموضع حرجاً بيناً، لتطويل المسافة على أكثر الحاضرين، ولم يوجد دليل على عدم جواز التعدد، والضرورة أو الحاجة تقضي بعدم اشتراطه، لا سيما في المدن الكبرى. والحق: رجحان هذا الرأي، لاتساع البنيان، وكثرة الناس، وللحاجة في التيسير عليهم في أداء الجمعة، ولأن منع التعدد لم يقم عليه دليل صحيح، قال ابن رشد (٢): لو كان شرط عدم التعدد، واشتراط المصر والسلطان واشتراط مالك المسجد شروطاً في صحة صلاة الجمعة، لما جاز أن يسكت عنها ﵊، ولا أن يترك بيانها، لقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل:٤٤/ ١٦]، ولقوله تعالى: ﴿إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه﴾ [النحل:٦٤/ ١٦]، وتعدد الجمع اليوم يتفق مع مبدأ يسر الإسلام ودفع الحرج عن المصلين، ولا تجب صلاة الظهر على أحد من المصلين، كما قرر بعض الشافعية كالرملي في المدن الكبرى كالقاهرة وبغداد ودمشق، وأما كون الجمعة لمن سبق فمعناه زيادة الأجر لمن بكر في المجيء للمسجد. قال ابن تيمية: إقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة يجوز عند أكثر العلماء، ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي، وجوز ذلك أكثر العلماء (٣).

стр. 1260

٧ - الخطبة قبل الصلاة: اتفق الفقهاء على أن الخطبة شرط في الجمعة، لا تصح بدونها (١)، لقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢] والذكر: هو الخطبة، ولأن النبي ﷺ لم يصل الجمعة بدون الخطبة (٢)، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وعن عمر وعائشة ﵄ أنهما قالا: قصرت الصلاة لأجل الخطبة. والأصح عند الحنفية: أن الخطبة ليست قائمة مقام ركعتين، بل كشطرها في الثواب، لما ورد به الأثر من أن الخطبة كشطر الصلاة. وهي خطبتان قبل الصلاة اتفاقاً، واختلف الفقهاء في شروط الخطبة. فقال الحنفية (٣): يخطب الإمام بعد الزوال قبل الصلاة خطبتين خفيفتين بقدر سورة من طوال المفصل، يفصل بينهما بقَعْدة قدر قراءة ثلاث آيات، ويخفض جهره بالثانية عن الأولى، ويخطب قائماً، مستقبل الناس، على طهارة من الحدثين، وستر عورة، ولو كان الحاضرون صُمَّاً أو نياماً.

стр. 1261

ولو خطب قاعداً أو على غير طهارة، جاز لحصول المقصود، إلا أنه يكره لمخالفته الموروث، وللفصل بينها وبين الصلاة لتجديد طهارته، فالطهارة والقيام سنةعندهم، والسبب في ذلك أنها لا تقوم مقام الركعتين في الأصح؛ لأنها تنافي الصلاة، لما فيها من استدبار القبلة والكلام، فلا يشترط لها شرائط الصلاة. ولو اقتصر الخطيب على ذكر الله تعالى كتحميدة أو تهليلة أو تسبيحة، فقال: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، جاز عند أبي حنيفة مع الكراهة، لقوله تعالى: ﴿فاسعَوْا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢] والمراد به الخطبة باتفاق المفسرين، وقد أطلق عليها الذكر، من غير فصل بين قليل وكثير، فالزيادة عليها نسخ، وروي أن «عثمان ﵁: لما صعد المنبر أول جمعة ولّي، قال: الحمد لله، فأرتج (أي أغلق)، فنزل، وصلى» وكان بمحضر من علماء الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فدل على أن هذا المقدار كاف. وقال الصاحبان: لا بد من ذِكْر طويل يسمى خطبة، وأقله قدر التشهد؛ لأن الخطبة هي الواجبة، والتسبيحة أو التحميدة لا تسمى خطبة. وشروط الخطبة عند الحنفية ستة: أن تكون قبل الصلاة، وبقصد الخطبة، وفي الوقت، وأن يسمعها واحد ممن تنعقد بهم الجمعة على الأقل في الصحيح، فيكفي حضور عبد أو مريض أو مسافر ولو جنباً، ولا تصح بحضور صبي أو امرأة فقط، ولا يشترط سماع جماعة. ويشترط أيضاً ألا يفصل فاصل كثير أجنبي كتناول غداء أو غسل بين الخطبة والصلاة، فإن وجد أعيدت الخطبة، لبطلان الخطبة الأولى. ولا يشترط اتحاد الإمام والخطيب، لكن لا ينبغي أن يصلي غير الخطيب؛ لأنهما كشيء واحد. وأجازوا الخطبة، بغير العربية ولو لقادر عليها، سواء أكان القوم عرباً أم غيرهم.

стр. 1262

ويبدأ قبل الخطبة الثانية بالتعوذ سراً، ثم يحمد الله تعالى والثناء عليه، ويأتي بالشهادتين، والصلاة على النبي ﷺ ، والعظة والتذكير، ويندب ذكر الخلفاء الراشدين والعمّين (حمزة والعباس)، ولا يندب الدعاء للسلطان، وجوزه بعضهم، فقد ثبت أن أبا موسى الأشعري أمير الكوفة دعا لعمر، ويكره تحريماً وصفه بما ليس فيه. واشترط المالكية (١) تسعة شروط لخطبتي الجمعة هي: الأول - أن يكون الخطيب قائماً، والأظهر أن هذا واجب غير شرط، فإن جلس أتم خطبته وصحت. الثاني - أن تكون الخطبتان بعد الزوال، فإن تقدمتا عليه، لم يجز. الثالث - أن يكونا مما تسميه العرب خطبة، ولو سجعتين نحو: اتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه وزجر، فإن سبح أو هلل أو كبر، لم يجزه. وندب ثناء على الله، وصلاة على نبيه، وأمر بتقوى، ودعا بمغفرة وقراءة شيء من القرآن، فإذا قال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، أما بعد: أوصيكم بتقوى الله وطاعته، وأحذركم عن معصيته ومخالفته، قال تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ [الزلزلة:٧/ ٩٩ - ٨]. ثم يجلس ويقول بعد قيامه بعد الثناء والصلاة على النبي ﷺ : أما بعد، فاتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه وزجر، يغفر الله لنا ولكم، لكان آتياً بالخطبة على الوجه الأكمل باتفاق العلماء. الرابع - كونهما داخل المسجد كالصلاة، فلو خطبهما خارجه، لم يصحا.

стр. 1263

الخامس - أن يكونا قبل الصلاة، فلا تصح قبلهما، فإن أخرهما عنهما، أعيدت الصلاة إن قرب الزمن عرفاً، ولم يخرج من المسجد، فإن طال الزمن أعيدتا؛ لأنهما مع الصلاة كركعتين من الظهر. السادس - أن يحضرهما الجماعة: الاثنا عشر، فإن لم يحضروا من أولهما، لم يجزيا؛ لأنهما كركعتين. السابع والثامن والتاسع - أن يجهر بهما، وأن يكونا بالعربية، ولو للأعاجم، واتصال أجزائهما ببعض وأن تتصل الصلاة بهما، وليس من شرط الخطبتين الطهارة على المشهور، لكن كره فيهما ترك الطهر من الحدثين الأصغر والأكبر، ووجب انتظاره لعذر قرب زواله بالعرف كحدث حصل بعد الخطبة، أو رعاف يسير والماء قريب. ولا يصلي غير من يخطب إلا لعذر، فيشترط اتحاد الإمام والخطيب إلا لعذر طرأ عليه كجنون ورعاف مع بعد الماء. وقال الشافعية (١): للخطبة خمسة أركان أو فروض: حمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله ﷺ ، والوصية بالتقوى، وتجب هذه الثلاثة في كل من الخطبتين، وقراءة آية مفهمة في إحدى الخطبتين، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بأمر أخروي. أما الأول وهو الحمد فلما رواه مسلم، وأما الثاني فلأن الخطبة عبادة، فتفتقر إلى ذكر الله تعالى وذكر رسوله، كالأذان والصلاة، وأما الثالث فلما رواه مسلم، ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذير، ولا يتعين لفظ الوصية بالتقوى

стр. 1264

الصحيح؛ لأن الفرض الوعظ والحمل على طاعة الله تعالى، فيكفي ما دل على الموعظة، طويلاً كان أو قصيراً كأطيعوا الله وراقبوه. وأما الرابع: فلما رواه الشيخان، سواء أكانت الآية وعداً أم وعيداً أم حكماً أم قصة. وأما الخامس: فلنقل الخلف له عن السلف. وكون الدعاء في الثانية؛ لأنه يليق بالخواتم. والأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط، وإنما هو سنة. وشروط كل من الخطبتين خمسة عشر هي ما يأتي: كونهما قبل الصلاة، عدم الانصراف عنهما بصارف، القيام لمن قدر عليه اتباعاً للسنة، وكونهما بالعربية، وفي الوقت بعد الزوال، والجلوس بينهما بالطمأنينة كالجلوس بين السجدتين بقدر سورة الإخلاص استحباباً، أما القاعد فيفصل بسكتة، وإسماع العدد الذي تنعقد به الجمعة: بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما حتى يسمعها تسعة وثلاثون غيره كاملون، فلا بد من الإسماع والسماع بالفعل، لا بالقوة، فلو كانوا صُماً أو بعضهم لم تصح كبعدهم. وإلا كان الخطيب من الأربعين فيشترط أن يسمع نفسه، فلو كان أصم لم يكف. والولاء بين كلمات كل من الخطبتين، وبينهما وبين الصلاة اتباعاً للسنة، فلا يجوز الفصل الطويل بين الخطبة والصلاة، كما قال الحنفية. وطهارة الحدثين وطهارة النجس في الثوب والبدن والمكان، وستر العورة، اتباعاً للسنة؛ لأن الخطبة قائمة مقام الركعتين، فتكون بمنزلة الصلاة، حتى يشترط لها دخول الوقت، فيشترط لها سائر شروط الصلاة من ستر العورة وطهارة الثوب والبدن والمكان. وأن تقع الخطبتان في مكان تصح فيه الجمعة، وأن يكون الخطيب ذكراً، وأن

стр. 1265

تصح إمامته بالقوم، وأن يعتقد العالم الركن ركناً والسنة سنة، وغير العالم ألا يعتقد الفرض سنة. وقال الحنابلة (١): يشترط للجمعة أن يتقدمها خطبتان، للأدلة السابقة، وهما بدل ركعتين لما تقدم عن عمر وعائشة، ولا يقال: إنهما بدل ركعتين من الظهر؛ لأن الجمعة ليست بدلاً عن الظهر، بل الظهر بدل عنها إذا فاتت. ويشترط لصحة كل من الخطبتين ما يأتي: حمد الله بلفظ: الحمد لله، فلا يجزئ غيره، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» (٢) أي أقطع، وعن ابن مسعود قال: «كان النبي ﷺ إذا تشهد قال: الحمد لله» (٣). والصلاة على رسول الله ﷺ بلفظ الصلاة؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى، افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان. ولا يجب السلام عليه مع الصلاة عليهصلّى الله عليه وسلم. وقراءة آية كاملة لقول جابر: «كان ﷺ يقرأ آيات، ويذكِّر الناس» (٤)، ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، والخطبة فرض، فوجبت فيها القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية، وإنما يقرأ ما شاء، ولو قرأ: ﴿ثم نظر﴾ [المدثر:٢١/ ٧٤]، و ﴿مدهامتان﴾ [الرحمن:٦٤/ ٥٥] لم يكف.
следующие страницы →