الفاتحة، أو تذكر تركها أو أسرع الإمام قراءته مثلاً، أو كان المأموم بطيء القراءة لعجز، لا لوسوسة، وركع أي الإمام قبل إتمام المأموم الفاتحة، فالصحيح أن المأموم يتم فاتحته، ويسعى خلف إمامه على نظم صلاة نفسه، ما لم يسبق بأكثر من ثلاثة أركان مقصودة في نفسها، طويلة أي ما لم يسبق بثلاثة فما دونها، وهي الركوع والسجودان، أخذاً من صلاته ﷺ بعُسْفان، فلا يعد منها القصير: وهو الاعتدال والجلوس بين السجدتين.
فإن سبق بأكثر من الأركان الثلاثة، بأن لم يفرغ من الفاتحة إلا والإمام قائم عن السجود، أو جالس للتشهد، فالأصح أنه لا تلزمه المفارقة، بل يتبع الإمام فيما هو فيه، ثم يتدارك بعد سلام الإمام ما فاته، كالمسبوق، لما في مراعاة نظم صلاته في هذه الحالة من المخالفة الفاحشة. وهذا كله مفرع على شرط متابعة المقتدي للإمام.
أما المسبوق: فيسن له ألا يشتغل بسنة بعد التحرم، بل بالفاتحة، إلا أن يظن إدراكها مع اشتغاله بالسنة. فإن لم يشتغل بسنة، تبع إمامه في الركوع وجوباً، وسقط عنه ما بقي من الفاتحة، فإن تخلف لإتمام قراءته، حتى رفع الإمام من الركوع، فاتته الركعة، ولا تبطل صلاته، إلا إذا تخلف عنه بركنين فعليين بلا عذر.
وإن اشتغل المسبوق بسنة كدعاء الافتتاح أو التعوذ، قرأ بقدرها من الفاتحة وجوباً، ثم إن فرغ مما عليه، وأدرك الركوع مطمئناً يقيناً مع الإمام أدرك الركعة. وإن فرغ مما عليه، والإمام في الاعتدال، وافقه فيه وفاتته الركعة. وإن لم يفرغ مما عليه واستمر في القراءة وأراد الإمام الهويّ للسجود، تعينت نية المفارقة؛ لأنه إن هوى الإمام للسجود، ولم ينو المفارقة، بطلت صلاته، وإن هوى معه، بطلت صلاته أيضاً.
стр. 1192
وإن لم يشتغل بسنة، قطع القراءة، وركع مع الإمام.
ولو علم المأموم في ركوعه أنه ترك الفاتحة، لم يعد إليها، بل يصلي ركعة بعد سلام الإمام.
ولو علم المأموم ترك الفاتحة أو شك فيه، وقد ركع الإمام، ولم يركع هو، قرأها وجوباً لبقاء محلها، ويعد متخلفاً بعذر، ويطبَّق عليه حكم بطيء القراءة، في الموافق.
والمسبوق الذي فاته بعض ركعات الصلاة مع الإمام: إن أدرك مع الإمام مقدار الركوع الجائز بأن أدركه راكعاً واطمأن معه، فقد أدرك الركعة، وإن لم يدرك ذلك أو أدركه في ركوع زائد أو في الثاني من صلاة الكسوفين، لم يدرك الركعة، لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة، فليضف إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع، فليصل الظهر أربعاً» (١).
وإن أدركه ساجداً، كبر للإحرام، ثم سجد من غير تكبير، على المذهب.
وإن أدركه في آخر الصلاة، كبر للإحرام، وقعد، وحصل له فضيلة الجماعة، فإن أدرك معه الركعة الأخيرة، كان ذلك أول صلاته، لما روي عن علي ﵁ أنه قال: «ما أدركت فهو أول صلاتك» وعن ابن عمر أنه قال: «يكبر، فإذا سلم الإمام قام إلى ما بقي من صلاته» وبه تقررت قاعدة المذهب وهي: ما أدركه المسبوق أول صلاته، وما يتداركه آخرها، لقوله ﷺ : «ما أدركتم
стр. 1193
فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (١). وهذا بخلاف مذاهب الأئمة الآخرين فعندهم: ما أدركه آخر صلاته وما يتداركه أول صلاته، لقوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» (٢).
وإن كانت الصلاة فيها قنوت، فقنت مع الإمام أعاد القنوت في آخر صلاته؛ لأن مافعله مع الإمام فعله للمتابعة، فإذا بلغ إلى موضعه، أعاد كما لو تشهد مع الإمام، ثم قام إلى ما بقي، فإنه يعيد التشهد.
ويسن للمسبوق الذي فاتته الركعتان الأوليان أو إحداهما أن يقرأ سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأخيرتين أو الأولى منهما، لئلا تخلو صلاته من سورة.
الحنابلة (٣):
المسبوق يشمل عندهم (اللاحق) عند الحنفية والمالكية، فمن اقتدى بالإمام من أول الصلاة، أو بعد ركعة فأكثر وفاته شيء منها فهو في الحالتين مسبوق. أما اللاحق الذي بدأ صلاته مع الإمام من أولها، وتخلف عنه بركن أو ركنين لعذر من نوم لا ينقض الوضوء أوغفلة أو سهو أوعجلة ونحوه كزحام، فيجب عليه أن يفعله ويلحق به إذا لم يخش فوت الركعة التالية؛ لأنه أمكنه استدراكه من غير محذور، فلزمه، وتصح الركعة التي أتى بها. وإن لم يأت بها أو خشي فوت الركعة التالية مع الإمام، وجب عليه متابعة إمامه، ولغت الركعة، ووجب عليه قضاؤها على صفتها بعد سلام الإمام.
стр. 1194
والإتيان بها على صفتها معناه: أنه لو فاتته الركعة الأولى، أتى بها بالاستفتاح والتعوذ وقراءة سورة بعد الفاتحة. وإن كانت الثانية قرأ سورة بعد الفاتحة، وإن كانت الثالثة أو الرابعة قرأ الفاتحة فقط.
وإن تخلف عن السجود مع الإمام لعذر، تابع إمامه في السجود الثاني وتمت له الركعة، على أن يقضي ما فاته على صفته بعد سلام الإمام.
وإن تخلف عن إمامه بركعة فأكثر، لعذر من نوم أو غفلة أو نحوه، تابعه فيما بقي من صلاته، وقضى المأموم ما تخلف به بعد سلام إمامه، كمسبوق.
وأما إن تخلف المقتدي عن إمامه بركن بلا عذر، فهو كسبق الإمام بركن: إن فعل ذلك عامداً عالماً، بطلت صلاته، لأنه ترك فرض المتابعة متعمداً. وإن فعل ذلك جاهلاً أو ناسياً، بطلت تلك الركعة إذا لم يأت بما فاته مع إمامه؛ لأنه لم يقتد بإمامه في الركوع، وتصح صلاته، لحديث «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
وأما المسبوق: فإن سبق بالركوع أو بركنين عمداً بطلت صلاته مطلقاً، وإن سبقه بغير ركوع كالهوي للسجود، أو سبقه سهواً لم تبطل صلاته، لكن يجب إعادة ما أتى به بعد إمامه، فإن لم يأت به، ألغيت الركعة.
وما أدرك المسبوق مع الإمام فهو آخر صلاته، كما بينا، فإن أدركه فيما بعد الركعة الأولى كالثانية أو الثالثة، لم يستفتح ولم يستعذ، ومايقضيه المسبوق هو أول صلاته، فيستفتح له، ويتعوذ، ويقرأ السورة، لحديث أبي هريرة السابق أن النبي ﷺ قال: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» (١).
стр. 1195
ويتورك المسبوق مع إمامه في موضع توركه؛ لأنه آخر صلاته، وإن لم يعتد به، كما يتورك المسبوق فيما يقضيه للتشهد الثاني، فلو أدرك ركعتين من رباعية، جلس مع الإمام متوركاً متابعة له للتشهد الأول، وجلس بعد قضاء الركعتين أيضاً متوركاً؛ لأنه يعقبه سلامه. ويندب أن يكرر التشهد الأول، حتى يسلم إمامه التسليمتين؛ لأنه تشهد واقع في وسط الصلاة، فلم تشرع فيه الزيادة على الأول.
وإذا سلم المسبوق مع إمامه سهواً، وجب عليه أن يسجد للسهو في آخر صلاته. وكذا يسجد للسهو إن سها فيما يصليه مع الإمام، وفيما انفرد بقضائه، ولو شارك الإمام في سجوده لسهوه. وإذا لم يسجد الإمام لسهو، وجب على المسبوق سجود السهو بعد قضاء ما فاته.
ويعتبر المسبوق مدركاً للجماعة متى أدرك تكبيرة الإحرام قبل سلام إمامه التسليمة الأولى، ولا يكون مدركاً للركعة إلا إذا ركع مع الإمام قبل رفع رأسه من الركوع، غير شاكّ في إدراك الإمام راكعاً، ولو لم يدرك معه الطمأنينة إذا اطمأن هو، ثم لحق إمامه، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة» (١).
رابعاً: ما يفعله المقتدي بعد فراغ إمامه من واجب وغيره: ذكر الحنفية (٢) بعض الأحكام الفرعية المتعلقة بالمقتدي بعد فراغ إمامه وهي:
أـ لو سلم الإمام قبل فراغ المقتدي من قراءة التشهد، فعليه أن يتمه، ثم يسلم.
стр. 1196
ب - لو سلم الإمام قبل فراغ المقتدي من الصلوات الإبراهيمية أو الدعاء، يتركها، ويسلم مع الإمام.
جـ - إذا قام الإمام قبل فراغ المقتدي من قراءة التشهد الأول، أتمه ثم تابع إمامه.
د - إذا رفع الإمام رأسه من الركوع أو السجود قبل فراغ المقتدي من إتمام ثلاث تسبيحات، تابعه، وتركها.
هـ - إذا زاد الإمام سجدة، أو قام بعد القعود الأخير ساهياً، لا يتبعه المقتدي ولو تابعه فسدت صلاته، بل ينتظره، ويسبح لتنبيه الإمام لخطئه، فإن عاد الإمام قبل تقييده الزائدة بسجدة، سجد الإمام للسهو، وسلم المقتدي معه، فإن أتى بسجدة بعد الزائد، سلم المقتدي وحده، لخروج الإمام إلى غير صلاته.
وإن سلم المقتدي قبل أن يقيد الإمام ما زاده بسجدة، فسد فرضه.
وـ يكره سلام المقتدي بعد تشهد الإمام قبل سلامه، لتركه المتابعة، وصحت صلاته، كما صحت صلاة الإمام على الصحيح.
ز - يكره تحريماً الخروج من مسجد بعد الأذان، حتى يصلي الشخص، إلا إذا كان إماماً أو مؤذناً لمسجد آخر، أو خرج بعد صلاته منفرداً.
ح - لو ظن الإمام السهو، فسجد له، فتابعه المقتدي، فبان أن لا سهو، فالأشبه الفساد لصلاة المقتدي، لاقتدائه في موضع الانفراد.
المطلب الرابع - الأمور المشتركة بين الإمام والمأموم:
شروط الاقتداء بالإمام، موقف الإمام والمأموم، أمر الإمام بتسوية الصفوف، صلاة المنفرد عن الصف.
стр. 1197
أولاً - شروط الاقتداء بالإمام: عرفنا شروط كل من الإمام والمقتدي الخاصة بهما، ونبحث هنا شروط ارتباط المقتدي بالإمام أو شروط صحة الجماعة وهي ما يأتي (١):
١ - نية المؤتم الاقتداء باتفاق المذاهب:
أي ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الجماعة أو المأمومية، فلو ترك هذه النية أو مع الشك فيها، وتابعه في الأفعال، بطلت صلاة المقتدي، ولا يجب تعيين الإمام باسمه، فإن عينه وأخطأ بطلت صلاته عند الشافعية.
لكن لابد من تعيين إمام معين بصفة الإمامة، فلو نوى الائتمام بأحد رجلين يصليان، لا بعينه، لم يصح، حتى يعين الإمام بوصفه، لأن تعيينه شرط، ولا يجوز الائتمام بأكثر من واحد، فلو نوى الائتمام بإمامين لم يجز؛ لأنه لا يمكن اتباعهما معاً.
وشرط النية: أن تكون مقارنة للتحريمة عند الشافعية، وأجاز الحنفية أن تكون متقدمة على التحريمة بشرط ألا يفصل بينها وبين التحريمة فاصل أجنبي (٢)، والأفضل عندهم وعند الحنابلة: أن تكون مقارنة خروجاً من الخلاف. واشترط المالكية المقارنة للتحريمة أو قبلها بزمن يسير، كما تقدم في بحث اشتراط النية في الصلاة.
وبناء على هذا الشرط: لو شرع امرؤ في الصلاة منفرداً، لم يجز له الانتقال
стр. 1198
للجماعة إلا في حالة الاستخلاف، كما سيأتي، كما لا يجوز عكسه عند الحنفية والمالكية، وهو أن ينتقل للانفراد، بأن ينوي مفارقة الإمام، وأجاز الشافعية والحنابلة كما بينا نية مفارقة الإمام، وإتمام الصلاة منفرداً، لعذر عند الحنابلة، أو لغير عذر مع الكراهة عند الشافعية، كما بينا سابقاً.
أما نية الإمام الإمامة: فلا تشترط عند الجمهور غير الحنابلة، بل تستحب ليحوز فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل له، إذ ليس للمرء من عمله إلا ما نوى.
واستثنى الشافعية والمالكية الصلاة التي تتوقف صحتها على الجماعة، كالجمعة، والمجموعة للمطر، والمعادة، وصلاة الخوف، فلا بد فيها من نية الإمام الإمامة.
واستثنى الحنفية اقتداء النساء بالرجل، فإنه يشترط نية الرجل الإمامة لصحة اقتداء النساء به.
وقال الحنابلة: تشترط أيضاً نية الإمامة، فينوي الإمام أنه إمام، والمأموم أنه مأموم، وإلا فسدت الصلاة. لكن لو أحرم الشخص منفرداً، ثم جاء آخر، فصلى معه، فنوى إمامته، صح في النفل، عملاً بحديث ابن عباس، وهو أنه قال: «بتُ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ متطوعاً من الليل، فقام إلى القربة، فتوضأ، فقام، فصلى، فقمت لما رأيته صنع ذلك، فتوضأت من القربة، ثم قمت إلى شقه الأيسر، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن» (١).
أما في الفريضة: فإن كان المصلي ينتظر أحداً، كإمام المسجد، فإنه يُحرم
стр. 1199
وحده، وينتظر من يأتي، فيصلي معه، فيجوز ذلك أيضاً عند الحنابلة؛ لأن النبيصلّى الله عليه وسلم أحرم وحده، ثم جاء جابر وجبارة، فأحرما معه، فصلى بهما، ولم ينكر فعلهما. والظاهر أنها كانت صلاة مفروضة؛ لأنهم كانوا مسافرين. أما في غير هذه الحالة، فلا يصح الاقتداء لمن لم ينو الإمامة.
٢ - اتحاد صلاتي الإمام والمأموم:
للفقهاء آراء في تحديد هذا الاتحاد، فقال الحنفية (١): الاتحاد أن يمكنه (أي المقتدي) الدخول في صلاة بنية صلاة الإمام، فتكون صلاة الإمام متضمنة لصلاة المقتدي. فلا يصلي المفترض خلف المتنفل؛ لأن الاقتداء بناء، ووصف الفرضية معدوم في حق الإمام، فلا يتحقق البناء على المعدوم، ولا من يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر؛ لأن الاقتداء شركة وموافقة، فلا بد من الاتحاد سبباً وفعلاً ووصفاً. لأن الاقتداء بناء التحريمة على التحريمة، كما بينا أي أن الاتحاد في الفرضية ونوع الفريضة.
ويصلي المتنفل خلف المفترض؛ لأن فيه بناء الضعيف على القوي، وهو جائز، إلا التراويح في الصحيح؛ فلا يصح الاقتداء فيها بالمفترض لأنها سنة على هيئة مخصوصة، فيراعى وضعها الخاص للخروج عن العهدة أي التبعة أو المسؤولية.
ويصح اقتداء متنفل بمتنفل ومنه ناذر نفل بناذر آخر، ومن يرى الوتر واجباً (وهم الحنفية) بمن يراه سنة، ومن اقتدى في العصر، وهو مقيم، بعد الغروب، بمن أحرم قبله، لاتحاد صلاة الإمام مع صلاة المقتدي في الصور الثلاث.
стр. 1200
ويصح اقتداء متوضئ بمتيمم، وغاسل بماسح على خف أو جبيرة، وقائم بقاعد يركع ويسجد، لا مومئ؛ فالمومئ يصلي خلف مثله، إلا أن يومئ المؤتم قاعداً، والإمام مضطجعاً؛ لأن القعود معتبر، فتثبت به القعدة، أما صلاة القائم بالقاعد فلأنه ﷺ صلى آخر صلاته قاعداً، والناس قيام (١)، وأبو بكر يبلغهم تكبيره، كما يصح اقتداء قائم بأحدب الظهر، وإن بلغ حدبه الركوع على المعتمد، وكذا الاقتداء بأعرج. ويصح اقتداء مومئ بمثله إلا أن يومئ الإمام مضطجعاً، والمؤتم قاعداً أو قائماً فإنه لا يجوز، على المختار، لقوة حال المأموم.
وقال المالكية (٢): يشترط الاتحاد في ذات الصلاة، فلا يصح اقتداء بصلاة ظهر خلف عصر مثلاً، وفي صفة الصلاة أداء وقضاء، فلا يصح أداء خلف قضاء ولا عكسه، وفي زمن الصلاة، وإن اتفقا في القضاء، فلا يصح ظهر يوم السبت خلف ظهر يوم الأحد، ولا عكسه، ولا يصح اقتداء في صلاة صبح بعد طلوع شمس بمن أدرك ركعة قبل طلوع الشمس؛ لأنها للإمام أداء، وللمأموم قضاء.
ويصح اقتداء نفل خلف فرض كركعتي الضحى، خلف صبح بعد الشمس، وركعتي نفل خلف صلاة سفرية، أو أربع خلف صلاة حضرية.
وقال الحنابلة (٣): الاتحاد في نوع الفرض وقتاً واسماً، فلا يصح ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، أو غيرهما كالعشاء، وعكسه، كما لا تصح صلاة مفترض خلف مفترض بفرض غيره وقتاً واسماً؛ لقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه»، ولا يصح اقتداء مفترض بمتنفل، لهذا الحديث، ولأن
стр. 1201
صلاة المأموم لا تؤدى بنية الإمام، فأشبه صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر. ولا يصح أن يؤم من عدم الماء والتراب، أو به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بأحدهما بمن تطهر بأحدهما.
ولا يصح الاقتداء في صلاة تخالف الأخرى في الأفعال، كصلاة الكسوف أو الجمعة خلف من يصلي غيرهما، وصلاة غيرهما وراء من يصليهما؛ لأنه يفضي إلى مخالفة إمامه في الأفعال، وهو منهي عنه.
ويصح اقتداء متنفل بمفترض، بدليل قوله ﷺ في إعادة الصلاة جماعة: «من يتصدق على هذا؟ فقام رجل فصلى معه» ويصح ائتمام متوضئ بمتيمم؛ لأنه أتى بالطهارة على الوجه الذي يلزمه، والعكس أولى. ويصح ائتمام ما سح على حائل بغاسل، لأن الغسل رافع للحدث.
ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها، وعكسه؛ لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت.
ويصح ائتمام قاضي ظهر يوم، بقاضي ظهر يوم آخر، لأن الصلاة واحدة، وإنما اختلف الوقت. ويلاحظ أن هاتين الحالتين خلاف مذهب المالكية.
ويجوز للعاجز عن القيام أن يؤم مثله.
ولا يؤم القاعد من يقدر على القيام إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون إمام الحي؛ لأنه لا حاجة بالناس إلى تقديم عاجز عن القيام إذا لم يكن الإمام الراتب، فلا يتحمل إسقاط ركن في الصلاة لغير حاجة، والنبي ﷺ حيث فعل ذلك، كان هو الإمام الراتب.
الثاني: أن يكون مرضه يرجى زواله، لأن النبي ﷺ كان يرجى برؤه، ولأن
стр. 1202
اتخاذ الزَّمِن ومن لا يرجى قدرته على القيام إماماً راتباً، يفضي إلى تركهم القيام، ولا حاجة إليه.
وعليه لا تصح الصلاة خلف عاجز عن القيام؛ لأنه عجز عن ركن من أركان الصلاة، فلم يصح الاقتداء به، كالعاجز عن القراءة إلا بمثله، إلا إمام الحي، المرجو زوال علته: وهو كل إمام مسجد راتب.
وإذا صلى إمام الحي جالساً، صلى من وراءه جلوساً، لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون» (١)، وعن عائشة ﵂ قالت: «صلى بنا رسول الله ﷺ في بيته، وهو شاكٍ، فصلى جالساً، وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم: أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالساً، فصلوا جلوساً أجمعون» (٢)، ولأنها حالة قعود الإمام، فكان على المأمومين متابعته كحال التشهد.
فإن صلوا قياماً خلف إمام الحي المرجو زوال علته، صحت صلاتهم؛ لأنه ﷺ لم يأمر من صلى خلفه قائماً بالإعادة، ولأن القيام هو الأصل.
والأفضل لهذا الإمام إذا مرض أن يستخلف؛ لأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فيخرج من الخلاف، ولأن صلاة القائم أكمل، فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة.
стр. 1203
واكتفى الشافعية (١) باشتراط توافق نظم صلاتي الإمام والمقتدي، فإن اختلف نظم صلاتيهما كصلاة مكتوبة وصلاة كسوف، أو مكتوبة وصلاة جنازة، لم تصح القدوة فيها على الصحيح؛ لتعذر المتابعة باختلاف فعلهما.
وتصح قدوة المؤدي بالقاضي (الأداء خلف القضاء) وعكسه، والمفترض بالمتنفل، وعكسه، والظهر خلف العصر وعكسه، وكذا الظهر بالصبح والمغرب، ويكون المقتدي حينئذ كالمسبوق، يتم صلاته بعد سلام إمامه، ولا تضر في هذه الحالة متابعة الإمام في القنوت والجلوس الأخير في المغرب، وللمقتدي فراق الإمام إذا اشتغل بالقنوت والجلوس، مراعاة لنظم صلاته.
وتجوز صلاة الصبح خلف الظهر في الأظهر، فإذا قام الإمام للركعة الثالثة، فإن شاء فارقه وسلم، وإن شاء انتظره ليسلِّم معه، وانتظاره أفضل. وإن أمكنه أي المقتدي القنوت في الركعة الثانية قنت وإلا تركه، وله فراق الإمام ليقنت.
والخلاصة: إن أشد المذاهب في شرط اتحاد صلاتي الإمام والمؤتم هو المالكي، ثم الحنفي، ثم الحنبلي، ثم الشافعي، ولايجيز المالكية خلافاً للجمهور صلاة القائم خلف القاعد، ويصلي المأموم قاعداً عند الحنابلة خلف الجالس.
٣ - ألا يتقدم المأموم على إمامه بعقبه (مؤخر قدمه)، أو بأليته (عجزه) إن صلى قاعداً أو بجنبه إن صلى مضطجعاً. فإن ساواه جاز وكره، ويندب تخلفه عنه قليلاً، وإن تقدم عليه لم تصح صلاته، وهذا شرط عند الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) (٢)، لقوله ﵊: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» ولأنه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه، ولأن ذلك لم ينقل عن النبي ﷺ ولا هو في معنى المنقول.
стр. 1204
والعبرة في ذلك التقدم بالعقب، فإن تقدمت أصابع المقتدي لكبر قدمه على قدم الإمام، ما لم يتقدم أكثر القدم، صحت صلاته.
وأجاز الحنفية والحنابلة التقدم على الإمام في الصلاة حول الكعبة. وكذلك أجاز الشافعية التقدم على الإمام إذا كان المأموم في غير جهة إمامه، فإن كان المأموم والإمام في جهة واحدة، لم يصح تقدمه عليه، ويكره التقدم لغير ضرورة كضيق المسجد، وإلا فلا كراهة. وتبطل الصلاة في الجديد إن تقدم المأموم على إمامه؛ لأنه وقف في موضع ليس بموقف مؤتم بحال، فأشبه إذا وقف في موضع نجس.
وقال المالكية: لا يشترط هذا الشرط، فلو تقدم المأموم على إمامه ولو كان المتقدم جميع المأمومين، صحت الصلاة على المعتمد، لكن يكره التقدم لغير ضرورة، لأن ذلك لايمنع الاقتداء به، فأشبه من خلفه.
٤ - اتحاد مكان صلاة الإمام والمقتدي برؤية أو سماع ولو بمبلِّغ، فلو اختلف مكانهما لم يصح الاقتداء، على تفصيل بين المذاهب. وهذا شرط عند الجمهور غير المالكية؛ لأن الاقتداء يقتضي التبعية في الصلاة، والمكان من لوازم الصلاة، فيقتضي التبعية في المكان ضرورة، وعند اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان، فتنعدم التبعية في الصلاة، لانعدام لازمها.
أما المالكية فقالوا: لا يشترط هذا الشرط، فاختلاف مكان الإمام والمأموم لا يمنع صحة الاقتداء، ووجود حائل من نهر أو طريق أو جدار لا يمنع الاقتداء، متى أمكن ضبط أفعال الإمام برؤية أو سماع، ولا يشترط إمكان التوصل إليه، إلا الجمعة، فلو صلى المأموم في بيت مجاور للمسجد مقتدياً بإمامه، فصلاته باطلة؛ لأن الجامع شرط في صحة الجمعة.
стр. 1205
وأما تفصيل رأي الحنفية (١): فهو أن اختلاف المكان بين الإمام والمأموم مفسد للاقتداء، سواء اشتبه على المأموم حال إمامه أو لم يشتبه على الصحيح. فلو اقتدى راجل براكب، أو بالعكس، أو راكب براكب دابة أخرى، لم يصح الاقتداء لاختلاف المكان، فلو كانا على دابة واحدة صح الاقتداء لاتحاد المكان.
ومن كان بينه وبين الإمام طريق عام يمر فيه الناس، أو نهر عظيم، أو خلاء (أي فضاء) في الصحراء، أو في مسجد كبير جداً كمسجد القدس يسع صفين فأكثر، أوصف من النساء بلا حائل قدر ذراع أو بغير ارتفاعهن قدر قامة الرجل، لا يصح الاقتداء؛ لأن ذلك يوجب اختلاف المكانين عرفاً، مع اختلافهما حقيقة، فيمنع صحة الاقتداء، لقول عمر ﵁: «من كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق أو صف من النساء، فلا صلاة له».
ومقدار الطريق العام الذي يمنع صحة الاقتداء: هو مقدار ما تمر فيه العجلة (العربة) أو تمر فيه الأحمال على الدواب. والمراد بالنهر: ما يسع زورقاً يمر فيه.
فإن كانت الصفوف متصلة على الطريق، كما يحصل في الحرمين أو في المساجد المزدحمة بالمصلين، جاز الاقتداء؛ لأن اتصال الصفوف أخرجه من أن يكون ممر الناس، فلم يبق طريقاً، بل صار مصلى في حق هذه الصلاة. وكذلك إن كان على النهر جسر وعليه صف متصل.
والحائل كجدار كبير لا يمنع الاقتداء إن لم يشتبه حال إمامه بسماع من الإمام أو مبلِّغ عنه أو رؤية ولو لأحد المقتدين ولو من باب مشبك يمنع الوصول، ولم يختلف المكان حقيقة كمسجد، وبيت، فإن المسجد مكان واحد، إلا إذا كان المسجد كبيراً جداً، وكذا البيت حكمه حكم المسجد في ذلك لاحكم الصحراء.
стр. 1206
وبه تبين أن الحائل لا يمنع الاقتداء بشرط عدم الاشتباه وعدم اختلاف المكان، ولا يشترط إمكان الوصول إلى الإمام وعدمه.
فالاقتداء بالإمام في أقصى المسجد، والإمام في المحراب، يجوز؛ لأن المسجد على تباعد أطرافه، جعل في الحكم كمكان واحد. ولو قصد المبلِّغ بتكبيرة الإحرام مجرد التبليغ، فتبطل صلاة من يقتدي بتبليغه.
ولو وقف المقتدي على سطح المسجد أو على سطح بناء بجنب المسجد متصل به ليس بينهما طريق، واقتدى بالإمام: فإن كان وقوفه خلف الإمام أو بحذائه، أجزأه؛ لأن أبا هريرة ﵁ وقف على سطح، واقتدى بالإمام، وهو في جوفه، ولأن سطح المسجد تبع للمسجد، وحكم التبع حكم الأصل، فكأنه في جوف المسجد. وهذا إذا كان لا يشتبه عليه حال إمامه، فإن كان يشتبه لا يجوز.
وإن كان وقوفه متقدماً على الإمام لا يجزئه، لانعدام معنى التبعية.
أما لو اقتدى رجل في داره بإمام المسجد، وكانت داره منفصلة عن المسجد بطريق ونحوه، فلا يصح الاقتداء لاختلاف المكان.
والخلاصة: إن اختلاف المكان يمنع صحة الاقتداء، سواء اشتبه على المأموم حال إمامه أو لم يشتبه، واتحاد المكان في المسجد أو البيت مع وجود حائل فاصل يمنع الاقتداء إن اشتبه حال الإمام. أما وجود فاصل يسع صفين أو أكثر في الصحراء أو في المسجد الكبير جداً، فيمنع الاقتداء.
وأما الشافعية (١) فقالوا: يشترط لصحة القدوة أن يعلم المتقدي بانتقالات إمامه، بأن يراه أو يرى بعض صف، أو يسمعه، ولو من مبلِّغ، وإن لم يكن مصلياً.
стр. 1207
أـ فإن كان الإمام والمأموم مجتمعين في مسجد، صح الاقتداء، وإن بعدت المسافة بينهما فيه أكثر من ثلاث مئة ذراع، أو حالت بينهما أبنية كبئر وسطح ومنارة، أو أغلق الباب أثناء الصلاة، فلو صلى شخص في آخر المسجد والإمام في أوله، صح الاقتداء بشرط إمكان المرور بأن لا يوجد بينهما حائل يمنع وصول المأموم إلى الإمام كباب مسمَّر قبل الدخول في الصلاة. ولا فرق في إمكان الوصول إلى الإمام بين أن يكون الشخص مستقبلاً القبلة أو مستدبراً لها.
ويعد سطح المسجد ورحبته ونحوهما في حكم المسجد.
ب - أما إن كان الإمام والمأموم في غير مسجد، كصحراء: فتصح الصلاة بشرط ألا يكون بينهما، وبين كل صفين، أكثر من ثلاث مئة ذراع تقريباً (١)، فلا يضر زيادة ثلاثة أذرع مثلاً، وألا يكون بينهما جدار أو باب مغلق أو مردود أو شباك. ولو كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه، فالثلاث مئة ذراع محسوبة من آخر المسجد. ولا يضر على الصحيح وجود فاصل أو تخلل الشارع، أو النهر الكبير الذي تجري فيه السفن ويسبح فيه السباحون، ولا تخلل البحر بين سفينتين.
وإن كان الإمام والمأموم في بناءين كغرف المدارس، أو العمارتين، صح الاقتداء في أصح الطريقين على النحو التالي: فإن كان بناء المأموم يميناً أو شمالاً، وجب اتصال صف من أحد البناءين بالآخر، ولا تضر في الأصح فُرجة لا تسع واقفاً. وإن كان بناء المأموم خلف بناء الإمام، فالصحيح صحة القدوة بشرط ألا يكون بين الصفين أكثر من ثلاث مئة ذراع.
وإن صح اقتداء الشخص في بناء آخر، صح اقتداء من خلفه أو بجنبه، وإن حال بينه وبين الإمام جدار.
стр. 1208
ولو وقف المقتدي في علو في غير المسجد، كالشرفة في وسط دار مثلاً، وإمامه في سفل، كصحن تلك الدار، أو عكسه أي كان الوقوف عكس الوقوف المذكور، يشترط بالإضافة لشرط اتصال صف من أحدهما بالآخر، محاذاة (موازاة) بعض بدن المأموم بعض بدن الإمام، بأن يحاذي رأس الأسفل قدم الأعلى، مع اعتدال قامة الأسفل.
وأما الحنابلة (١) فلهم تفصيل آخر مستقل قالوا فيه: اختلاف مكان الإمام والمأموم يمنع صحة الاقتداء على النحو التالي:
أـ إن كان الإمام والمأموم في المسجد، صح الاقتداء، ولو كان بينهما حائل أو لم ير الإمام، متى سمع تكبيرة الإحرام، ولو لم تتصل الصفوف عرفاً؛ لأن المسجد بني للجماعة، فكل من حصل فيه حصل في محل الجماعة، بخلاف خارج المسجد، فإنه ليس معداً للاجتماع فيه، فلذلك اشترط الاتصال فيه.
ب - وإن كانا خارج المسجد، فيصح الاقتداء بشرط رؤية الإمام أو مشاهدة من وراء الإمام، ولو في بعض أحوال الصلاة كحال القيام أو الركوع، ولو كان بينهما أكثر من ثلاث مئة ذراع، ولو كانت الرؤية مما لا يمكن النفاذ منه كشباك ونحوه، فإن لم ير المأموم الإمام أو بعض من وراءه، لم يصح اقتداؤه به، ولو سمع التكبير، لقول عائشة لنساء كن يصلين في حجرتها: «لا تصلين بصلاة الإمام، فإنكن دونه في حجاب»، ولأنه لا يمكن الاقتداء به في الغالب. ودليل اشتراط الرؤية حديث عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص رسول الله ﷺ ، فقام أناس يصلون بصلاته، وأصبحوا يتحدثون بذلك، فقام الليلة الثانية، فقام معه أناس يصلون بصلاته» (٢) والظاهر أنهم كانوا يرونه في حال قيامه.
стр. 1209
ولا يشترط اتصال الصفوف خارج المسجد، لعدم الفارق بين المسجد وخارجه، إذا حصلت الرؤية المعتبرة وأمكن الاقتداء أي المتابعة.
جـ - إن كان بينهما نهر تجري فيه السفن، لم تصح القدوة، كما لا تصح إن كان بينهما طريق، ولم تتصل فيه الصفوف عرفاً، وكان الصلاة مما لا تصح في الطريق كصلاة الجمعة والعيد والاستسقاء والكسوف والجنازة.
فإن اتصلت الصفوف في الطريق، صحت القدوة وصلاة المأموم. أما إن انقطعت الصفوف في الطريق مطلقاً، سواء أكانت تلك الصلاة مما تصح في الطريق أم لا، لم تصح صلاة المأموم؛ لأن الطريق ليست محلاً للصلاة، فصار ذلك كوجود النهر.
ولا تصح أيضاً صلاة من بسفينة وإمامه في أخرى غير مقرونة بها؛ لأن الماء طريق، وليست الصفوف متصلة، إلا في شدة الخوف، فلا يمنع ذلك الاقتداء للحاجة.
ويأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغير المسجد إذا اتصلت الصفوف، فالعلو لا يمنع الاقتداء بالإمام.
٥ - متابعة المأموم إمامه:
هذا شرط لصحة القدوة؛ لأن الاقتداء يقتضي التبعية في أفعال الصلاة، وتتحقق التبعية بأن يصير المقتدي مصلِّياً ما صلاَّه الإمام. لخبر الصحيحين: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا».
وللمذاهب آراء في تحقيق معنى هذا الشرط، الذي لولاه لفسدت صلاة المقتدي، ويتصور تنفيذ المتابعة بإحدى صور ثلاث: المقارنة، بأن يقارن
стр. 1210
فعل المأموم فعل إمامه، كأن يقارنه في التحريمة أو الركوع ونحوه، والتعقيب: بأن يكون فعل المأموم الفعل عقب فعل إمامه مباشرة، والتراخي في الفعل: بأن يأتي به بعد إتيان الإمام بفعله متراخياً عنه، ويدركه قبل الدخول في ركن آخر بعده.
قال الحنفية:
المتابعة بإحدى صورها الثلاث المذكورة تكون فرضاً في فروض الصلاة، وواجبة في الواجب، وسنة في السنة. فلو ترك الركوع مع الإمام بأن ركع قبله أو بعده، ولم يشاركه فيه، أو سجد قبل الإمام أو بعده ولم يشاركه في السجود، تلغى الركعة التي لم تتحقق فيها المتابعة، ويجب عليه قضاؤها بعد سلام الإمام وإلا بطلت صلاته. ولو ترك المتابعة في القنوت أثم؛ لأنه ترك واجباً، ولو ترك المتابعة في تسبيح الركوع مثلاً فقد ترك السنة.
ولا تلزم المتابعة في أمور أربعة:
الأول: إذا زاد الإمام عمداً في صلاته سجدة.
الثاني: إذا زاد في تكبيرات العيد.
الثالث: إذا زاد في تكبيرات الجنازة، كأن كبر خمساً.
الرابع: أن يقوم الإمام سهواً إلى ركعة زائدة عن الفرض بعد القعود الأخير، فإن عاد بعد تنبيه المقتدي له، صحت الصلاة، ووجب سجود السهو، وإن قيّد ركعته الزائدة بسجدة، سلم المقتدي وحده. وإن قام الإمام قبل القعود الأخير وقيد ركعته الزائدة بسجدة، بطلت صلاتهم جميعاً.
وللمقتدي أن يأتي بأمور تسعة ولا يتابع في تركها وهي:
стр. 1211
رفع اليدين في التحريمة، وقراءة الثناء، وتكبيرات الركوع، وتكبيرات السجود، والتسبيح فيهما، والتسميع، وقراءة التشهد، والسلام، وتكبير التشريق.
ويتابع المقتدي الإمام في ترك أمور خمسة وهي:
تكبيرات العيد، والقعدة الأولى، وسجدة التلاوة، وسجود السهو، والقنوت إذا خاف فوت الركوع، فإن لم يخف ذلك فعليه القنوت.
والمتابعة في تكبيرة الإحرام أفضل، فإن كبر قبل الإمام فلا تصح صلاته، وإن تراخى في التكبير، فقد فاته إدراك وقت فضيلة التحريمة، وإن كبر مع تكبيرة الإمام جاز، فإن فرغ قبله لم يجزه.
وكذلك المتابعة في السلام أفضل: بأن يسلم المأموم مع إمامه، إن أتم تشهده، لا قبله، ولا بعده، فإن سلم قبله بعد أن أتم تشهده صحت صلاته مع الكراهة إن كان بغير عذر، وإن سلم بعده فقد ترك الأفضل.
وإن لم يتم المقتدي تشهده، أتمه، ثم سلم.
و قال المالكية (١):
المتابعة: أن يكون فعل المأموم عقب فعل الإمام، فلا يسبقه ولا يساويه ولا يتأخر عنه. والمتابعة للإمام بهذا المعنى شرط في الإحرام والسلام فقط، بأن يكبر للإحرام بعده، ويسلم بعده. فلو ساواه بطلت صلاته، ويصح أن يبتدئ بعد الإمام ويختم بعده قطعاً أو معه على الصحيح، ولا يصح أن يختم قبله.
стр. 1212
وأما المتابعة في غير الإحرام والسلام، فليست بشرط، فلو ساوى المأموم إمامه في الركوع أو السجود مثلاً، صحت صلاته مع الكراهة، وحرم عليه أن يسبق الإمام في غير الإحرام والسلام من سائر الأركان، لكن إن سبقه لا تبطل به الصلاة إن اشترك مع الإمام.
فإن سبقه في الركوع أو السجود وانتظر الإمام فيه حتى ركع أو سجد صحت صلاته، وأثم إن كان متعمداً لهذا السبق.
وإن لم ينتظره، بل رفع قبله، بطلت صلاته. وإن رفع ساهياً، عاد إليه وصحت صلاته.
وإذا تأخر عن إمامه، كأن ركع بعد أن رفع الإمام من الركوع، فإن حصل ذلك في الركعة الأولى عمداً، بطلت صلاته، لإعراضه عن المأمومية. وإن حصل ذلك سهواً، ألغى هذه الركعة، وقضاها بعد سلام إمامه.
أما إن رفع قبل إمامه في غير الركعة الأولى، فلا تبطل الصلاة، وأثم إن كان عامداً.
وإن ترك المأموم القنوت في الصبح، مع إتيان الإمام به، فلا إثم عليه، لأن القنوت مندوب.
ولا يتابع المأموم الإمام في أمور هي:
أن يزيد الإمام في تكبيرات العيد، ولو كانت الزيادة بحسب مذهب الإمام.
وأن يزيد في تكبير الجنازة عن أربع.
وأن يقوم الإمام لركعة زائدة سهواً، فعلى المأموم أن يجلس، وإن تابعه فيها عمداً بطلت صلاته.
стр. 1213
وللمقتدي أن يفعل أموراً ولو تركها الإمام وهي:
رفع اليدين في تكبيرة الإحرام لأنه مندوب، وتكبيرات الصلاة، لأنها سنة، وتكبيرات التشريق عقب الصلاة، لأنها مندوبة، وسجود السهو عن إمامه بشرط أن يدرك معه ركعة وإلا بطلت صلاته، لأنه سنة، وتكبيرات العيد؛ لأنها سنة.
ويتابع المقتدي إمامه في ترك الجلوس الأول، والعودة له قبل أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه، كما يتابعه في ترك سجود التلاوة إن تركه.
وتبطل الصلاة إن ترك الإمام السلام، ولو أتى به المأموم لأنه ركن لا بد منه لكل مصلٍ.
و قال الشافعية (١):
تجب المتابعة في أفعال الصلاة لا في أقوالها، بأن يتأخر ابتداء فعل المأموم عن ابتداء فعل الإمام، ويتقدم ابتداء فعل المأموم على فراغ الإمام من الفعل، وتندب المتابعة في الأقوال، لما في الصحيحين: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، فإن قارنه في فعل أو قول، لم يضر أي لم يأثم؛ لأن القدوة منتظمة لا مخالفة فيها، بل هي مكروهة ومفوِّتة لفضيلة الجماعة، لا رتكابه المكروه.
إلا تكبيرة الإحرام، فإن قارن المأموم الإمام فيها، بطلت.
وكذا تبطل الصلاة إن تقدم المأموم على إمامه أو تأخر بركنين فعليين بلا عذر أي أنه يشترط تيقن تأخر جميع تكبيرته للإحرام عن جميع تكبيرة إمامه، وألا يتقدم أو يتأخر عن إمامه بركنين فعليين لغير عذر وألا يتقدم سلامه عن سلام الإمام.
стр. 1214
وعلى هذا لا تبطل الصلاة إن قارنه في غير التحرم، أو تقدم عليه بركن فعلي، أو تأخر عنه به، في الأصح، لكن المقارنة في السلام مكروهة فقط، والسلام قبل الإمام مبطل للصلاة، وإن سبق الإمام بركنين فعليين بلا عذر كأن سجد والإمام في القراءة، بطلت الصلاة. ولا يضر السبق بركنين غير فعليين كتشهد وصلاة على النبي ﷺ ، ولكن يكره بلا عذر، ولا يضر السبق بركنين أحدهما قولي والآخر فعلي كقراءة الفاتحة والركوع ولكن يحرم الركن الفعلي.
فيحرم على المقتدي تقدمه على الإمام بركن فعلي تام، كأن ركع أو رفع والإمام قائم، لخبر الصحيح: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار» (١).
وإن تخلف المقتدي عن الإمام بعذر كبطء قراءة بلا وسوسة، واشتغال الموافق بدعاء الافتتاح أو ركع إمامه، فشك في الفاتحة، أو تذكر تركها، أو أسرع الإمام قراءته، عذر إلى ثلاثة أركان طويلة، كما بينا في بحث الموافق، فإن زاد، فالأصح يتبعه فيما هو فيه، ثم يتدارك بعد سلام الإمام.
و قال الحنابلة (٢):
المتابعة: ألا يسبق المأموم إمامه بفعل من أفعال الصلاة، أو بتكبيرة الإحرام أو بالسلام، وألا يتخلف عنه بفعل من الأفعال. ويستحب أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد فراغ الإمام مما كان فيه، للحديث السابق: «إنما جعل الإمام ليؤتم به .. ».
فإن سبقه بالركوع عمداً بأن ركع ورفع قبل ركوع الإمام، بطلت صلاته.
стр. 1215
وإن سبقه بركن غير الركوع كالهوي للسجود، أو القيام للركعة التالية، لم تبطل صلاته، ولكن يجب عليه الرجوع ليأتي بما فعله بعد إمامه. أما إن فعل شيئاً من ذلك سهواً أو جهلاً، فصلاته صحيحة، لكن يجب عليه إعادة ما فعله بعد إمامه.
ويحرم سبق الإمام عمداً بشيء من أفعال الصلاة، للحديثين السابقين: «إنما جعل الإمام .. » «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه .. » ولا يكره للمأموم سبق الإمام ولا موافقته بغير الإحرام والسلام، كالقراءة والتسبيح والتشهد.
وإن سبقه بركنين عمداً بطلت صلاته، وإن سبقه سهواً لم تبطل لكنه يعيد ما أتى به، فإن لم يعده، ألغيت الركعة.
ومقارنة المقتدي لإمامه في أفعال الصلاة مكروهة كالشافعية.
وإن سبقه أو ساواه في تكبيرة الإحرام، بطلت صلاته، عمداً أو سهواً.
وإن سبقه في السلام عمداً بطلت صلاته، وإن كان سهواً، أتى به بعد سلام إمامه، وإلا بطلت صلاته.
ولو تأخر المقتدي عن إمامه بركن عمداً: فإن كان الركن ركوعاً، بطلت صلاته، وإن كان غير الركوع أو كان التأخر سهواً أو جهلاً، وجب عليه الإتيان به، ما لم يخف فوات الركعة التالية، فإن خاف ذلك، تابع الإمام، ولغت الركعة، وعليه الإتيان بها بعد سلام إمامه.
ولو كان التأخر عن الإمام بركنين عمداً، بطلت صلاته، وإن كان سهواً وجب عليه الإتيان بهما إذا لم يخف فوات الركعة التالية، وإلا ألغيت الركعة، وأتى بها بعد سلام الإمام.
وإن تخلف المأموم عن إمامه بركن بلا عذر فهو كتفصيل حكم السبق به، وإن
стр. 1216
تخلف عنه بعذر من نوم أو غفلة ونحوهما، فعله ولحق بإمامه وجوباً، وإن لم يأت به، لم تصح الركعة، ويأتي بها بعد سلام الإمام.
ولو سبق الإمام المأموم بالقراءة، وركع الإمام، تبعه المأموم وقطع القراءة، لأنها في حقه مستحبة، والمتابعة واجبة، ولا تعارض بين واجب ومستحب. أما التشهد: فإن سبق به الإمام، أتمه المأموم، ثم سلم، لعموم الأوامر بالتشهد.
والخلاصة: إن المقارنة مع تكبيرة الإمام جائزة عند الحنفية والحنابلة، مبطلة للصلاة عند المالكية والشافعية، كما أن السبق بها مبطل اتفاقاً، أما من رفع رأسه قبل الإمام، فقد أساء عند الجمهور (منهم أئمة المذاهب) ولكن صلاته جائزة، وأنه يجب عليه أن يرجع، فيتبع الإمام.
٦ - اشترط الشافعية أيضاً: الموافقة للإمام في سنة تفحش المخالفة بها، فلو ترك الإمام سجدة التلاوة، وسجدها المأموم، أو عكسه، أو ترك الإمام التشهد الأول، وأتى به المأموم، بطلت صلاته إن علم وتعمد.
وإن تشهد الإمام، وقام المأموم عمداً، لم تبطل صلاته؛ لأنه انتقل إلى فرض آخر، وهو القيام، لكن يندب له العود، خروجاً من خلاف من أوجبه.
فالموافقة في سنة تنحصر في ثلاث سنن: سجدة التلاوة في صبح يوم الجمعة، وسجود السهو، والتشهد الأول. أما القنوت، فلا يجب على المقتدي متابعة إمامه فيه، فعلاً ولا تركاً.
واشترط الشافعية أيضاً: أن يكون الإمام في صلاة لا تجب إعادتها، فلا يصح الاقتداء بفاقد الطهورين؛ لأن صلاته تجب إعادتها.
стр. 1217
٧ - اشترط الحنفية أيضاً عدم محاذاة المرأة ولو كانت محرماً في الصف، وإلا بطلت صلاة ثلاثة: المحاذي يميناً وشمالاً ومن خلفها بالشروط الستة الآتية (١) عملاً بما وردت به النصوص:
الأول - أن تكون المرأة المحاذية مشتهاة، بأن كانت بنت سبع سنين وهي ضخمة تصلح للجماع، أو ثمان أو تسع فأكثر، ولا تفسد بالمجنونة لعدم جواز صلاتها.
الثاني - أن تكون الصلاة مطلقة أي كاملة الأركان، وهي التي لها ركوع وسجود، وإن كانا يصليان إيماء، أو لم تتحد صلاتهما كصلاة ظهر بمصلي عصر على الصحيح. وخرج بالمطلقة صلاة الجنازة، فلا تبطل بالمحاذاة للمرأة.
الثالث - أن تكون الصلاة مشتركة بينهما تحريمة وأداء: ومعنى المشتركة تحريمة: أن يكونا بانيين تحريمتهما على تحريمة الإمام. ومعنى المشتركة أداء: أن يكون لهما إمام فيما يؤديانه تحقيقاً أو تقديراً (٢)، وذلك يشمل المدرك: الذي أدرك أول الصلاة مع الإمام وأدرك جميع الصلاة كاملة مع الإمام، واللاحق: وهو الذي أدرك أول الصلاة، وفاته من آخرها شيء بسبب النوم أو الحدث.
أما المسبوق فلا تفسد صلاته فيما يقضيه أو يتمه مما فاته من صلاته.
وأما المحاذاة في الصلاة بدون اشتراك فمكروه.
الرابع - ألا يكون بينهما حائل: بمقدار ذراع في غلظ إصبع على الأقل، أو فرجة تسع رجلاً.
стр. 1218
الخامس - أن تكون المحاذاة في ركن كامل، فلو تحرمت في صف، وركعت في آخر، وسجدت في ثالث، فسدت صلاة من عن يمينها ويسارها وخلفها من كل صلاة.
السادس - أن تتحد الجهة: فإن اختلفت كالصلاة في جوف الكعبة، وصلاة التحري في الليلة المظلمة، فلا تبطل.
وجامع هذه الشروط: أن يقال: محاذاة مشتهاة، منوية الإمامة، في ركن، صلاة مطلقة، مشتركة تحريمة وأداء، مع اتحاد مكان وجهة، دون حائل ولا فرجة.
والمرأة الواحدة: تفسد صلاة ثلاثة: واحد عن يمينها، وآخر عن شمالها، وآخر خلفها إلى آخر الصفوف، ليس غير، لأن من فسدت صلاته يصير حائلاً بينها وبين الذي يليه.
والمرأتان تفسدان صلاة أربعة: وهم اثنان خلفهما إلى آخر الصفوف، واثنان عن يمين وشمال. والثلاث في الصحيح يفسدن صلاة واحد عن يمينهن، وآخر عن شمالهن، وثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف.
ومحاذاة الأمرد الصبيح المشتهى، لا يفسد الصلاة على المذهب؛ لأن الفساد في المرأة غير معلل بالشهوة، بل بترك فرض المقام.
و قال الجمهور غير الحنفية (١):
إن وقفت المرأة في صف الرجال، لم تبطل صلاة من يليها ولاصلاة من خلفها، فلا يمنع وجود صف تام من النساء اقتداء من خلفهن من الرجال، ولا
стр. 1219
تبطل صلاة من أمامها، ولا صلاتها، كما لو وقفت في غير صلاة، والأمر بتأخير المرأة «أخروهن من حيث أخرهن الله» (١) لا يقتضي الفساد مع عدمه؛ لأن ترتيب الصفوف سنة نبوية فقط، والمخالفة من الرجال أو النساء لا تبطل الصلاة، بدليل أن ابن عباس وقف على يسار النبي ﷺ ، فلم تبطل صلاته، وأحرم أبو بكرة خلف الصف وركع ثم مشى إلى الصف، فقال له النبي ﷺ : «زادك الله حرصاً ولا تَعُد».
واشترط الحنفية أيضاً لصحة الاقتداء: ألا يفصل بين الإمام والمأموم صف من النساء، فإن كن ثلاثاً فسدت صلاة ثلاثة من الرجال إلى آخر الصفوف، وإن كن اثنتين فسدت صلاة اثنين من الرجال خلفهما إلى آخر الصفوف، وإن كانت واحدة، فسدت صلاة محاذيها يميناً وشمالاً، ومن كان خلفها أي صلاة رجل واحد إلى آخر الصفوف.
وقال غير الحنفية: يكره أن يصلي وأمامه امرأة أخرى تصلي لحديث: «أخروهن من حيث أخرهن الله» أما في غير الصلاة فلايكره، لخبر عائشة، وروى أبو حفص عن أم سلمة، قالت: «كان فراشي حيال مصلى النبي ﷺ ».
وذكر الحنفية شرطاً آخر لصحة الاقتداء وهو كما قدمنا شرط في الإمام: وهو صحة صلاة الإمام، فلو تبين فسادها فسقاً من الإمام، أو نسياناً لمضي مدة المسح على الخف، أو لوجود الحدث أو غير ذلك، لم تصح صلاة المقتدي، لعدم صحة البناء على صلاة الإمام.
كذلك لا يصح الاقتداء إن كانت الصلاة صحيحة في زعم الإمام، فاسدة في
стр. 1220
زعم المقتدي، لبنائه على الفاسد في زعمه، فلا يصح. أما لو فسدت الصلاة في زعم الإمام وهو لا يعلم به، وعلمه المقتدي، صحت الصلاة في قول الأكثر، وهو الأصح؛ لأن المقتدي يرى جواز صلاة إمامه، والمعتبر في حقه رأي نفسه (١).
٨ - اشترط الحنابلة (٢) أن يقف المأموم إن كان واحداً عن يمين الإمام، فإن خالف ووقف عن يساره أو خلفه مع خلو يمينه، وصلى ركعة كاملة، بطلت صلاته إن كان ذكراً أو خنثى، لأن النبي ﷺ أدار ابن عباس وجابراً إلى اليمين وهو في الصلاة. فإن كان امرأة، فلا تبطل صلاتها بالوقوف خلف الإمام؛ لأنه موقفها المشروع.
وإذا وقف المأموم عن يسار الإمام، أحرم أو لا، سُنَّ للإمام أن يديره من ورائه إلى يمينه، ولم تبطل تحريمته، لفعله ﷺ السابق بابن عباس وجابر.
ثانياً: موقف الإمام والمأموم: للصلاة جماعةً كيفية منظمة على نحو مرتب معين ثابت في السنة النبوية، بحيث يتقدم الإمام، ويقف المأمومون خلفه رجالاً كانوا أو نساء؛ لفعله ﷺ : «كان إذا قام إلى الصلاة قام أصحابه خلفه» (٣) ويتقدم الإمام إلا إمام العراة، فيقف وجوباً وسطهم عند الحنابلة وندباً عند غيرهم، وإلا إمامة النساء فيستحب للمرأة أن تقف وسطهن، لما روي عن عائشة، ورواه سعيد بن منصور عن أم سلمة أنهما أمتا نساء وسطهن (٤)، ولأنه يستحب لها التستر، وهذا أستر للمرأة الإمام.
стр. 1221
وكيفية وقوف المأمومين على النحو التالي (١):
أـ إذا كان مع الإمام رجل واحد أو صبي مميز، استحب أن يقف عن يمين الإمام، مع تأخره قليلاً بعقبه. وتكره عند الجمهور مساواته له، أو الوقوف عن يساره أو خلفه لمخالفته السنة، وتصح الصلاة ولا تبطل. وقال الحنابلة كما بينا: تبطل الصلاة إن صلى على هذا النحو المخالف ركعة كاملة.
ودليل هذه الكيفية ما روى ابن عباس ﵄ قال: «بت عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله ﷺ يصلي، فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه» (٢).
ب - إن كان رجل وامرأة، قام الرجل عن يمين الإمام، والمرأة خلف الرجل. وقال الحنابلة: إن أم الرجل خنثى مشكلاً وحده، فالصحيح أن يقف عن يمين الإمام احتياطاً لاحتمال أن يكون رجلاً. فإن كان مع الخنثى رجل، وقف الرجل عن يمين الإمام، والخنثى عن يساره، أو عن يمين الرجل، ولا يقفان خلفه، لجواز أن يكون امرأة، وإن كان رجلاً وخنثى وقف الثلاثة صفاً خلف الإمام.
جـ - إن كان رجلان أو رجل وصبي، صفَّا خلف الإمام، وكذا إن كان امرأة أو نسوة، تقوم أو يقمن خلفه بحيث لا يزيد ما بينه وبين المقتدين عن ثلاثة أذرع، لخبر مسلم عن جابر قال: «صليت خلف رسول الله ﷺ ، فقمت عن يمينه، ثم جاء جابر ابن صخر، فقام عن يساره، فأخذ بأيدينا جميعاً حتى أقامنا خلفه» (٣).
стр. 1222
أما الرجل والصبي والمرأة والنسوة، فلما في الصحيحين عن أنس: «أنه ﵊ صلى في بيت أم سليم، فقمت أنا ويتيم خلفه، وأم سليم خلفنا» (١)، فلو حدثت مخالفة لما ذكر كره.
وقال الحنابلة في الصبي والرجل: يقف الرجل عن يمين الإمام والصبي يقف عن يمينه أو يساره، لا خلفه. وقال الحنفية في هذا: لا تكره المساواة مع الإمام.
د - إذا اجتمع رجال وصبيان وخناثى وإناث: صف الرجال ثم الصبيان، ثم الخناثى ولو منفردة، ثم النساء، لقوله ﷺ : «ليلني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق» (٢)، وعلى هذا: السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والسن، ويلي الإمام أكملهم، ويؤخر الصبيان والغلمان، ولا يلون الإمام. والزائد يقف خلف الصف، ولو قام واحد بجنب الإمام، وخلفه صف، كره إجماعاً.
هـ - يقف الإمام وسط القوم في الصف، لقوله ﷺ : «وسطوا الإمام وسدّوا الخلل» (٣)، والسنة أن يقوم في المحراب ليعتدل الطرفان لأن المحاريب نصبت وسط المساجد، وقد عينت لمقام الإمام فإن وقف عن يمينهم أو يسارهم، فقد أساء بمخالفة السنة، والإساءة عند الحنفية دون كراهة التحريم، وأفحش من كراهة التنزيه (٤). قال أبو حنيفة وقوله هو الأصح: أكره أن يقوم الإمام بين الساريتين، أو في زاويةأو في ناحية المسجد، أو إلى سارية؛ لأنه خلاف عمل الأمة.
стр. 1223
فضل الصف الأول: المستحب أن يتقدم الناس في الصف الأول (١)، لما روى أبو هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لو يعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة» (٢) وروى البراء ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول» (٣)، ولقوله ﷺ : «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها» (٤) وهذا التصريح بأفضلية الصف الأول للرجال وأنه خيرها لما فيه من إحراز الفضيلة، وكون شرها آخرها لما فيه من ترك الفضيلة الحاصلة بالتقدم إلى الصف الأول. وكون خيرها آخرها للنساء للبعد عن مخالطة الرجال.
والمستحب أن يعتمدوا يمين الإمام، لما روى البراء قال: «كان يعجبنا عن يمين رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان يبدأ بمن عن يمينه، فيسلم عليه» (٥).
فإن وجد في الصف الأول فرجة استحب أن يسدها، لما روى أنس ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : أتموا الصف الأول، فإن كان نقص ففي المؤخر» (٦).
وـ محاذاة المرأة الرجل في الصلاة: يرى الحنفية أنه إذا صلت امرأة في صف
стр. 1224
الرجال أو رجل في صف النساء، فسدت صلاة من حاذته المرأة من الرجال، ولا تفسد صلاة المرأة. وذهب الجمهور إلى كراهة ذلك، وقالوا:
لا تفسد صلاة أحد من الرجال ولامن النساء (١).
ثالثاً - أمر الإمام بتسوية الصفوف وسد الثغرات: يستحب للإمام أن يأمر بتسوية الصفوف، وسد الخلل (الثغرات) (٢)، وتسوية المناكب (٣)، لحديث أَنس: «اعتدلوا في صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري، قال أنس: فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه» (٤) ويقول الإمام: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» لحديث أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا، ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» (٥).
رابعاً - صلاة المنفرد عن الصف: اختلف الفقهاء في صحة الصلاة خلف الصفوف منفرداً على رأيين (٦): فقال الجمهور غير الحنابلة: إذا صلى إنسان خلف الصف وحده، فصلاته تجزئ، بدليل
стр. 1225
حديث أنس المتقدم المتضمن قيام العجوز وحدها خلف الصف، وحديث أبي بكرة: «أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال:
زادك الله حرصاً، ولا تعُد» (١) وحديث ابن عباس قال: «أتيت النبي ﷺ من آخر الليل، فصليت خلفه، فأخذ بيدي، فجرَّني حتى جعلني حِذَاءه» (٢).
إلا أن الشافعية والحنفية قالوا: الصلاة صحيحة مع الكراهة، وقال الشافعية: فإن لم يجد المصلي سعة أحرم، ثم جرَّ واحداً من الصف إليه، ليصطف معه، خروجاً من الخلاف، وحملوا الحديثين الآتيين الواردين بالإعادة على الاستحباب جمعاً بين الأدلة، وقوله ﷺ : «لا صلاة للذي خلف الصف» أي لا صلاة كاملة، كقوله ﷺ «لا صلاة بحضرة طعام» وهذا أولى الآراء، لقوة دليله. لكن ذكر الحنفية: أنه لو انفرد ثم مشى ليلحق بالصف، فإن مشى في صلاته مقدار صف واحد لا تفسد، وإن مشى أكثر من ذلك فسدت. ولم يوافق المالكية الشافعية فقالوا: من لم يجد مدخلاً في الصف، صلى وراءه، ولم يجذب إليه رجلاً.
وقال الحنابلة: صلاة المنفرد إذا صلى ركعة كاملة خلف الصف وحده فاسدة غير مجزئة، وتجب إعادتها، بدليل حديث وابصة بن معبد: «أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد صلاته» (٣) وحديث علي بن شيبان: «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف، فوقف، حتى انصرف الرجل، فقال له: استقبل صلاتك، فلا صلاة لمنفرد خلف الصف» (٤).
стр. 1226
المطلب الخامس - الاستخلاف في الصلاة:
الاستخلاف: إنابة الإمام غيره من المقتدين إذا كان صالحاً للإمامة، لإتمام الصلاة بدل الإمام لعذر قام به. فيصير الثاني إماماً، ويخرج الأول عن الإمامة، ويصبح في حكم المقتدي بالثاني.
و طريقته: أن يأخذ الإمام بثوب المقتدي ولو مسبوقاً، ويجره إلى المحراب، لكن استخلاف المدرك أولى. ويتأخر الإمام محدود باً واضعاً يده على أنفه، موهماً أنه قد رعف قهراً. ويتم الاستخلاف بالإشارة لا بالكلام، ويشير بأصبعه لعدد الركعات الباقية. ويضع يده على ركبته لترك ركوع، وعلى جبهته لترك سجود، وعلى فمه لقراءة.
و سببه: طروء عذر للإمام من حدث أو مرض شديد أو عجز عن القراءة الواجبة كالفاتحة ونحو ذلك.
وفي أحكامه وأسبابه وشروطه تفصيل بين المذاهب:
ف قال الحنفية (١):
الاستخلاف جائز، بدليل حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: «من أصابه قيء أو رعاف، أو قَلَس (٢)، أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم» (٣) وذكره الكاساني في البدائع عن أبي هريرة بلفظ لم أجده: «إذا صلى أحدكم، فقاء أو رعف في صلاته، فليضع يده على فمه، وليقدم
стр. 1227
من لم يسبق بشيء من صلاته، ولينصرف وليتوضأ، وليبن على صلاته، ما لم يتكلم».
والأصح من ذلك: حديث عائشة في استخلاف النبي ﷺ أبا بكر ﵁: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، ثم تأخر أبي بكر، وصلاة النبي ﷺ بالناس، وافتتاحه القراءة من الموضع الذي انتهى إليه أبو بكر (١).
وعن عمر ﵁ أنه سبقه الحدث فتأخروقدم رجلاً. وعن عثمان ﵁ مثله، ولأن بالناس حاجة إلى إتمام صلاتهم بالإمام، وقد التزم الإمام بذلك، فإذا عجز عن الوفاء بما التزم بنفسه، استعان بمن يقدر عليه، رعاية لمصلحة المأمومين، كيلا تبطل صلاتهم بالمنازعة.
وبناء عليه: إن سبق الإمام الحدث، انصرف، فإن كان إماماً استخلف وتوضأ وبنى على صلاته، واستئناف الصلاة في حق جميع المصلين أفضل، خروجاً من الخلاف لمن منعه. ويتعين الاستئناف إن لم يكن قعد قدر التشهد الأخير بسبب الجنون أو الحدث عمداً أو الاحتلام بنوم أو تفكير أو نظر أو مس بشهوة، أو إغماء أو قهقهة، لأنه يندر وجود هذه العوارض، فلم يكن في معنى ما ورد به النص، ويستأنف الوضوء والصلاة.
وسبب الاستخلاف: إما سبق حدث اضطراري، لا اختيار للإمام فيه ولا في سببه ومنه الحدث من نحو عطاس، أو عجز عن قراءة قدر المفروض في رأي أبي حنيفة، لحديث أبي بكر الصديق ﵁، فإنه لما أحس بالنبي ﷺ حَصِر عن القراءة، فتأخر، وتقدم النبي ﷺ وأتم الصلاة.
стр. 1228
ولا يستخلف بسبب حصر بول أو غائط، أو بسبب عجز عن الركوع السجود، لأن له أن يتم قاعداً، أو بسبب خوف أو نسيان قراءة أصلاً؛ لأنه صار أمياً، فتفسد صلاة القوم، أو بسبب إصابة نجاسة من غيره كبول كثير من غير سبق حدثه، أو كشف عورته في صلاته بقدر ركن؛ لأن صلاته حينئذ تفسد، ويفسد معها صلاة المأمومين.
ويشترط لصحة الاستخلاف عند الحنفية شروط ثلاثة:
أولها - توافر شروط البناء على الصلاة السابقة؛ لأن الاستخلاف في الحقيقة بناء من الخليفة على ما صلاه الإمام، وهي ثلاثة عشر شرطاً:
كون الحدث قهرياً، من بدنه لا من نجاسة غيره، وكونه غير موجب للغسل كإنزال بتفكر، وغير نادر كالإغماء والجنون والقهقهة، وألا يؤدي ركناً مع الحدث، أو يمشي، ولم يفعل منافياً عمداً كأن يحدث باختياره، ولا ما لا حاجة له به كالذهاب لماء بعيد مع وجود القريب، وألا يتراخى قدر ركن بغير عذر كزحمة، وألا يتبين أنه كان محدثاً سابقاً قبل الدخول في الصلاة، وألا يتذكر فائتة إن كان صاحب ترتيب مطلوب منه (بأن خرج وقت الصلاة السادسة بعد الفائتة) لأنه تفسد الصلاة الوقتية التي يصليها بذلك السبب، وألا يُتم المؤتم في غير مكانه، فمن سبقه الحدث إماماً أو مأموماً وجب عليه أن يعود بعد الوضوء ليصلي مع الإمام إذا لم يكن قد فرغ إمامه من صلاته، فلو أتم في مكانه فسدت صلاته، أما المنفرد فله أن يتم في مكانه أوغيره، وألا يستخلف الإمام غير صالح للإمامة كصبي وامرأة وأمي، فإذا استخلف أحدهم فسدت صلاته وصلاة القوم.
ثانيها - ألا يخرج الإمام من المسجد أو المصلى العام في الصحراء، أو الدار التي كان يصلي فيها قبل الاستخلاف، لأنه على إمامته ما لم يجاوز هذا الحد، فإن
стр. 1229
خرج بطلت الصلاة، أي صلاة القوم والخليفة دون الإمام في الأصح، ما لم يتقدم أحد المصلين بنفسه ناوياً الإمامة.
ثالثها - ألا يجاوز الصفوف قبل الاستخلاف إن ذهب يمنة أو يسرة، وألا يجاوز السترة قدامه، أو موضع السجود إن لم تكن له سترة على المعتمد، إن كان يصلي في الصحراء.
وإذا لم يحصل استخلاف، وأتم القوم الصلاة فرادى، بطلت صلاة الجميع.
ولو استخلف الإمام مسبوقاً أو لاحقاً أو مقيماً وهو مسافر، صح لكن المدرك أولى. فلو أتم المسبوق صلاة الإمام قدم غيره مدركاً ليقوم بالسلام أي ليسلم بالقوم. ولو كان الخليفة مسبوقاً بركعتين، فرضت عليه القعدتان؛ لأن القعدة الأولى فرض على إمامه، وهو قائم مقامه، والثانية فرض عليه.
ولو جهل الخليفة المقدار الباقي من الصلاة، قعد في كل ركعة احتياطاً، للاحتمال في كل ركعة أنها آخر صلاة الإمام.
و قال المالكية (١):
الاستخلاف: هو استنابة الإمام غيره من المأمومين لتكميل الصلاة بهم لعذر قام به. وحكمه: الندب في غير الجمعة، والوجوب فيها.
وطريقته: أن يستخلف بالإشارة أو بالكلام واحداً من الجماعة ليتم الصلاة بالقوم. وندب استخلاف الأقرب للإمام من الصف الذي يليه، لأنه أدرى بأفعاله ولتيسر تقدمه، فيقتدون به. وندب تقدم المستخلف إلى موضع الإمام الأصلي إن
стр. 1230
قرب كالصفين، وندب ترك كلام في حالة الحدث وتذكره، ورعاف يقطع الصلاة. ويندب للإمام إذا خرج من الصلاة أن يمسك بأنفه، موهماً أنه راعف ستراً على نفسه.
وشرطه: أن يكون الخليفة قد دخل في الصلاة قبل طروء العذر. فإن لم يستخلف، قدم الجماعة واحداً منهم، فإن لم يقدموا تقدم واحد منهم، فإن لم يفعلوا صلوا فرادى، وصحت صلاتهم إلا في الجمعة. أما الجمعة فتبطل إن أتموها فرادى لاشتراط الجماعة فيها.
ويبدأ الخليفة من حيث وقف الإمام الأول.
وأعذار أو أسباب الاستخلاف ثلاثة:
الأول - الخوف على مال للإمام أو لغيره، أو على نفس من التلف لو استمر في صلاته. فإذا خاف الإمام سرقة أوغصباً، أو خاف على صبي الوقوع في بئر أو نار، فيهلك أو يحصل له شدة أذى، وجب عليه قطع الصلاة لحفظ المال، وإنقاذ النفس من الهلاك.
الثاني - أن يطرأ على الإمام ما يمنعه من الإمامة، كالعجز عن ركن كالقيام أو الركوع، أو قراءة الفاتحة، أو حصول رعاف مانع للإمامة وهو ماكان دون درهم، أما رعاف القطع أي قطع الصلاة فهو من موانع الصلاة بأن زاد عن درهم وسال ولطخ المكان أو خاف تلويث المسجد، فيندب فيه للإمام الاستخلاف وإن وجب عليه قطع الصلاة، ولا تبطل الصلاة بسببه على المأمومين على المعتمد، ومثله سقوط النجاسة على الإمام أو تذكره لها فيها على المعتمد.
الثالث - أن يطرأ على الإمام ما يبطل الصلاة: كأن يسبقه الحدث من بول أو