← Фикх общий

Фикх общий · id 384

الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

وهبة الزحيلي

Полный текст (7 721 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

خروج المرأة بغير محرم، وسقوط الجمعة والعيدين والأضحية، وإباحة أكل الميتة للمضطر، والصلاة على الراحلة، والتيمم وإسقاط الفرض به، وهذه متعلقة بالسفر القصير، إلا أن أكل الميتة والتيمم لا يختصان بالسفر (١). حكم القصر أو هل القصر رخصة أو عزيمة واجب؟ وبعبارة أخرى: هل المسافر ملزم شرعاً بالقصر، أم أنه مخير بينه وبين الإتمام، وأيهما أفضل: القصر أم الإتمام؟ تتردد أقوال الفقهاء المعتمدة بين آراء ثلاثة: إنه فرض، إنه سنة، إنه رخصة مخير فيها المسافر (٢). قال الحنفية: القصر واجب - عزيمة، وفرض المسافر في كل صلاة رباعية ركعتان، لا تجوز له الزيادة عليهما عمداً، ويجب سجود السهو إن كان سهواً، فإن أتم الرباعية وصلى أربعاً، وقد قعد في الركعة الثانية مقدار التشهد، أجزأته الركعتان عن فرضه، وكانت الركعتان الأخريان له نافلة، ويكون مسيئاً، وإن لم يقعد في الثانية مقدار التشهد، بطلت صلاته، لاختلاط النافلة بها قبل إكمالها. ودليلهم أحاديث ثابتة، منها حديث عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر» (٣) وحديث ابن عباس:

стр. 1297

«فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» (١). وقال المالكية على المشهور الراجح: القصر سنة مؤكدة؛ لفعل النبيصلّى الله عليه وسلم، فإنه لم يصح عنه في أسفاره أنه أتم الصلاة قط، كما في الحديث المتقدم عن ابن عمر وغيره. وقال الشافعية والحنابلة: القصر رخصة على سبيل التخير، فللمسافر أن يتم أو يقصر، والقصر أفضل من الإتمام مطلقاً عند الحنابلة؛ لأنه ﷺ داوم عليه، وكذا الخلفاء الراشدون من بعده، وهو عند الشافعية على المشهور أفضل من الإتمام إذا وجد في نفسه كراهة القصر، أو إذا بلغ ثلاث مراحل عند الحنفية تقدر بـ ٦٩ كم اتباعاً للسنة، وخروجاً من خلاف من أوجبه كأبي حنيفة. لكن الصوم في السفر أفضل من الفطر إن لم يتضرر به لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة:١٨٤/ ٢]. ودليلهم: ١ - الآية السابقة: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء:١٠١/ ٤]، وهذا يدل على أن القصر رخصة مخير بين فعله وتركه كسائر الرخص. ٢ - والحديث السابق عن عمر: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» وقوله ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» (٢).

стр. 1298

٣ - وثبت في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله ﷺ ، فمنهم القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض (١). ٤ - وقالت عائشة: «خرجت مع النبي ﷺ في عُمْرة في رمضان، فأفطر وصُمتُ، وقصر وأتممت، فقلت: بأبي وأمي، أفطرتَ وصمتُ، وقصرتَ وأتممتُ، فقال: أحسنت ياعائشة» (٢). يظهر من هذه الأدلة الأربعة أن القصر رخصة، وهو الراجح المتبادر للذهن. ثانياً - سبب مشروعية القصر: الحكمة من القصر: هو دفع المشقة والحرج الذي قد يتعرض له المسافر غالباً، والتيسير عليه في حقوق الله تعالى، والترغيب في أداء الفرائض، وعدم التنفير من القيام بالواجب، فلا يبقى لمقصر أو مهمل حجة أوذريعة في ترك فرض الصلاة. وسبب مشروعية القصر: هو السفر الطويل، المباح عند الجمهور غير الحنفية. والكلام عن السفر المبيح للقصر الذي تتغير به الأحكام الشرعية يتطلب بحث أمور أربعة وهي: المسافة التي يجوز فيها القصر، نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة: المباح أم أي سفر، الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالقصر (أول السفر)، مقدار الزمان الذي يقصر فيه إذا أقام المسافر في موضع.

стр. 1299

الموضوع الأول - المسافة التي يجوز فيها القصر: اختلف الفقهاء في تقدير مسافة السفر التي يقصر فيها، فقال الحنفية (١): أقل ما تقصر فيه الصلاة مسيرة ثلاثة أيام ولياليها من أقصر أيام السنة في البلاد المعتدلة (٢)، بسير الإبل ومشي الأقدام، ولا يشترط سفر كل يوم إلى الليل، بل أن يسافر في كل يوم منها من الصباح إلى الزوال (الظهر)، فالمعتبر هو السير الوسط مع الاستراحات العادية، فلو أسرع وقطع تلك المسافة من أقل من ذلك كما في وسائل المواصلات الحديثة، جاز له القصر. فإذا قصد الإنسان موضعاً بينه وبين مقصده مسيرة ثلاثة أيام، جاز له القصر، فإن لم يقصد موضعاً، وطاف الدنيا من غير قصد إلى قطع مسيرة ثلاثة أيام لا يترخص بالقصر. والتقدير بثلاث مراحل قريب من التقدير بثلاثة أيام؛ لأن المعتاد من السير في كل يوم مرحلة واحدة، خصوصاً في أقصر أيام السنة. ولا يصح القصر في أقل من هذه المسافة، كما لا يصح التقدير عندهم بالفراسخ (٣) على المعتمد الصحيح، ودليلهم القياس على مدة المسح على الخف المقدرة بالسنة، وهي نص حديث: «يمسح المقيم كمال يوم وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» (٤). والمعتبر في البحر والجبل: مايناسبه أو ما يليق بحاله لقطع المسافة، ففي البحر تعتبر تلك المسافة بحسب اعتدال الريح، لا ساكنة ولا عالية، وفي الجبل يعتبر

стр. 1300

السير فيه بثلاثة أيام ولياليها بحسب طبيعته، وإن كانت تلك المسافة في السهل تقطع بما دونها. ومجموع مدة الثلاثة الأيام بالساعات يختلف بحسب كل بلد، ففي مصر وما ساواها من العرض عشرون ساعة وربع، في كل يوم سبع ساعات إلا ربعاً، ومجموع الثلاثة الأيام في الشام عشرون ساعة إلا ثلث ساعة تقريباً في كل يوم ست ساعات وثلثي ساعة إلا درجة ونصفاً. وقال الجمهور غير الحنفية (١): السفر الطويل المبيح للقصر المقدر بالزمن: يومان معتدلان أو مرحلتان بسير الأثقال ودبيب الأقدام، أي سير الإبل المثقلة بالأحمال على المعتاد من سير وحط وترحال وأكل وشرب وصلاة كالمسافة بين جدة ومكة أو الطائف ومكة أو من عُسفان إلى مكة، ويقدر بالمسافة ذهاباً: بأربعة بُر ُد أو ستة عشر فرسخاً، أو ثمانية وأربعين ميلاً هاشمياً، والميل: ستة آلاف ذراع (٢)، كما ذكر الشافعية والحنابلة، وقال المالكية على الصحيح: الميل ثلاثة آلاف وخمس مئة ذراع، وتقدر بحوالي (٨٩ كم) وعلى وجه الدقة:٨٨.٧٠٤ كم ثمان وثمانين كيلو وسبع مئة وأربعة أمتار، ويقصر حتى لو قطع تلك المسافة بساعة واحدة، كالسفر بالطائرة والسيارة ونحوها؛ لأنه صدق عليه أنه سافر أربعة برد. والمسافة في البحر كالمسافة في البر. ودليلهم: قول النبي ﷺ : «يا أهل مكة، لا تقصروا في أقل من أربعة برد،

стр. 1301

من مكة إلى عُسْفان» (١) وما روي عن ابن عمر وابن عباس ﵄: كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة بُرُد، فما فوق، ولأن في هذا القدر تتكرر مشقة الشد والترحال، وفيما دونه لا تتكرر. وهذه المسافة عند الشافعية محددة تماماً، فيضر نقص المسافة مهما قل. وهي تقريباً لا تحديداً عند الحنابلة والمالكية، فلا يضر عند الحنابلة نقصان المسافة عن هذا المقدار بشيء قليل كميل أو ميلين، ولا يضر عند المالكية نقصان ثمانية أميال. واستثنى المالكية خلافاً لغيرهم (الجمهور) من هذه المسافة أهل مكة ومنى ومزدلفة والمُحَصَّب إذا خرجوا في الحج للوقوف بعرفة، فإنه عملاً بالسنة يسن لهم القصر في الذهاب والإياب إذا بقي عليهم شيء من أعمال الحج التي تؤدى في غير وطنهم، وإلا بأن وصلوا وطنهم أتموا الصلاة. وناقش ابن قدامة (٢) أدلة الجمهور: بأنه روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف المذكور، وأنه معارض لظاهر القرآن؛ لأن ظاهره إباحة القصر لكل من ضرب في الأرض بدون تحديد مسافة، وأنه مخالف لسنة النبي ﷺ ، قال أنس: «إن رسول الله ﷺ كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ، صلى ركعتين» (٣)، وقال ابن قدامة في نهاية نقاشه: الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه.

стр. 1302

الثاني - نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة: قال الحنفية (١): يجوز القصر في كل سفر، سواء أكان قربة أم مباحاً أم معصية، فيجوز القصر لقاطع الطريق ونحوه ممن كان عاصياً بسفره؛ لأن القبح المجاور لشيء مشروع لا يعدم المشروعية، والقبح المجاور: هو ما يقبل الانفكاك كالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة، فإنه قبُح لترك السعي، وهو قابل للانفكاك، إذ قد يوجد ترك السعي للجمعة، بدون البيع، وبالعكس، فكذا السفر، فإنه يمكن قطع الطريق والسرقة مثلاً بلا سفر، وبالعكس. أما القبح لعينه كالكفر، أو القبح شرعاً كبيع الحر، فإنه يعدم المشروعية. ودليلهم بعبارة أخرى على أن العاصي والمطيع في سفرهما سواء في الرخصة: هو إطلاق النصوص وهو: ﴿وإذا ضربتم في الأرض .. ﴾ [النساء:١٠١/ ٤] ولأن نفس السفر ليس بمعصية، وإنما المعصية ما يكون بعده أو يجاوره، فلا يؤثر على رخصة القصر. وقال الجمهور غير الحنفية (٢): لا تباح الرخص المختصة بالسفر من القصر والجمع والفطر والمسح ثلاثاً والصلاة على الراحلة تطوعاً في سفر المعصية كالإباق، وقطع الطريق، والتجارة في الخمر والمحرمات، وهذا هو العاصي بسفره أي الذي أنشأ سفراً لأجل المعصية أو يقصد محلاً لفعل محرم، فلا يقصر الصلاة، ويحرم عليه القصر؛ لأن السفر سبب الرخصة، فلا تناط بالمعصية، فيكون المبدأ عندهم: (الرخص لا تناط بالمعاصي) حتى أكل الميتة، لقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد، فلا إثم عليه﴾ [البقرة:١٧٣/ ٢]، أباح الأكل إن لم يكن عادياً ولا باغياً، فلا يباح لباغ ولاعاد، ولأن الترخص شرع للإعانة على تحصيل المقصد

стр. 1303

المباح توصلاً إلى المصلحة، فلو شرع ههنا، لشرع إعانة على المحرم، تحصيلاً للمفسدة، والشرع منزه عن هذا. وذكر المالكية أنه يكره القصر للاهٍ بالسفر. أما العاصي في السفر: وهو الذي قصد سفراً لغرض مشروع، لكنه ارتكب في أثناء السفر معصية كزنا أو سرقة أو غصب، أو قذف أو غيبة، فيجوز له الترخص من قصر وغيره؛ لأنه لم يقصد السفر لذلك أي للمعصية، وإنما لغرض مشروع، فهو كالمقيم العاصي. قال النووي الشافعي: لو أنشأ امرؤ سفراً مباحاً ثم جعله معصية فلا ترخص في الأصح، ولو أنشأه عاصياً ثم تاب، فمنشئ للسفر من حين التوبة. الثالث - الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالقصر - أول السفر: لا تكفي نية السفر لقصر الصلاة قبل مباشرة السفر وتجاوز حدود البلد، بل لا بد من مباشرة السفر حتى يحق له القصر والفطر، وقد اتفق الفقهاء (١) على أن أول السفر الذي يجوز به القصر ونحوه: هو أن يخرج المسافر من بيوت البلد التي خرج منها ويجعلها وراء ظهره، أو يجاوز العمران من الجانب الذي خرج منه، وإن لم يجاوزها من جانب آخر؛ لأن الإقامة تتعلق بدخولها، فيتعلق السفر بالخروج عنها، لقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض، فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء:١٠١/ ٤] ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج. وسيأتي تفصيل المذاهب في هذا الموضوع.

стр. 1304

ولا يُتم صلاته حتى يدخل أول بيوت البلد الذي يقصده للإقامة فيه. ولا يزال المسافر على حكم السفر حتى ينوي الإقامة مدة معينة سنذكرها. الرابع - مقدار الزمان الذي يقصر فيه إذا أقام المسافر في موضع: يظل للمسافر حق القصر ما لم ينو الإقامة في بلد مدة معينة، وقد اختلف الفقهاء على رأيين في تقدير هذه المدة (١). فقال الحنفية: يصير المسافر مقيماً، ويمتنع عليه القصر إذا نوى الإقامة في بلد خمسة عشر يوماً، فصاعداً، فإن نوى تلك المدة، لزمه الإتمام، وإن نوى أقل من ذلك قصر. ودليلهم: القياس على مدة الطهر للمرأة؛ لأنهما مدتان موجبتان العودة إلى الأصل، فإن مدة الطهر توجب إعادة ما سقط بالحيض، والإقامة توجب إعادة ما سقط بالسفر، فكما قدر مدة الطهر بخمسة عشر يوماً، فكذلك يقدر أدنى مدة الإقامة. وهذا التقرير مأثور عن ابن عباس وابن عمر، قالا: إذا دخلت بلدة وأنت مسافر، وفي عزمك أن تقيم بها خمسة عشر يوماً، فأكمل الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصر. وإن كان ينتظر قضاء حاجة معينة، له القصر ولو طال الترقب سنين، فمن دخل بلداً، ولم ينو أن يقيم فيه خمسة عشر يوماً، وإنما يترقب السفر، ويقول: أخرج غداً أو بعد غد مثلاً، حتى بقي على ذلك سنين، صلى ركعتين أي قصر؛

стр. 1305

لأن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر، وكان يقصر، وروي عن جماعة من الصحابة مثل ذلك. وإذا دخل العسكر أرض الحرب، فنووا الإقامة بها خمسة عشر يوماً، أو حاصروا فيها مدينة أو حصناً، قصروا، ولم يتموا الصلاة، لعدم صحة النية؛ لأن الداخل قلق غير مستقر، فهو متردد بين أن يَهزِم العدو فيَقر، أو يُهزَم من عدوه فيفر. وهذا موافق لمذهب المالكية أيضاً. وقال المالكية والشافعية: إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع، أتم صلاته؛ لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض، والمقيم والعازم على الإقامة غير ضارب في الأرض، والسنة بينت أن ما دون الأربع لا يقطع السفر، ففي الصحيحين: «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً» وأقام النبي ﷺ بمكة في عمرته ثلاثاً يقصر (١). وقدر المالكية المدة المذكورة بعشرين صلاة في مدة الإقامة، فإذا نقصت عن ذلك قصر. ولم يحسب المالكية والشافعية يومي الدخول والخروج على الصحيح عند الشافعية؛ لأن في الأول حط الأمتعة، وفي الثاني الرحيل، وهما من أشغال السفر. وقال الحنابلة: إذا نوى أكثر من أربعة أيام أو أكثر من عشرين صلاة، أتم، لحديث جابر وابن عباس أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة ذي الحجة، فأقام بها

стр. 1306

أما حديث الصحيحين فهو أن النبي ﷺ حرم الإقامة بمكة على المهاجرين، ثم رخص لهم أن يقيموا ثلاثة أيام (المجموع: ٤/ ٢٤٣). الرابع والخامس والسادس، وصلى الصبح في اليوم الثامن، ثم خرج إلى منى، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقال أنس: «أقمنا بمكة عشراً نقصر الصلاة» (١)، قال ابن حجر في الفتح: ولاشك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدة الإقامة بمكة ونواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام، لا سواها، لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلى بمنى. ويحسب من المدة عند الحنابلة يوم الدخول والخروج. فإن كان ينتظر قضاء حاجة يتوقعها كل وقت أو يرجونجاحها أو جهاد عدو أو على أهبة السفر يوماً فيوماً، جاز له القصر عند المالكية والحنابلة، مهما طالت المدة، ما لم ينو الإقامة، كما قرر الحنفية. وقال الشافعية: له القصر ثمانية عشر يوماً غير يومي الدخول والخروج؛ لأنهصلّى الله عليه وسلم أقامها بمكة عام الفتح لحرب هوازن، يقصر الصلاة (٢). ثالثاً - شروط القصر: اشترط الفقهاء لصحة القصر الشروط الآتية (٣):

стр. 1307

١ - أن يكون السفر طويلاً مقدراً بمسيرة مرحلتين أو يومين أو ستة عشر فرسخاً عند الجمهور، أو ثلاث مراحل أو ثلاثة أيام بلياليها عند الحنفية، على الخلاف السابق بيانه. ٢ - أن يكون السفر مباحاً غير محرم أو محظور كالسفر للسرقة أو لقطع الطريق، ونحو ذلك، في رأي الجمهور غير الحنفية. فإن قصر المرء في سفر المعصية لا تنعقد صلاته عند الشافعية والحنابلة؛ لأنه فعل ما يعتقد تحريمه كمن صلى وهو يعتقد أنه محدث، ويصح القصر مع الإثم عند المالكية. ولا يقصر عند الحنابلة لسفر مكروه، ويقصر عند المالكية والشافعية. ويرى الحنفية: أنه يجوز القصر في السفر المحرم والمكروه والمباح كما بينا ويقصر لسفر التجارة والتنزه والتفرج، ولزيارة المساجد والآثار، والقبور، وهو الصحيح عند الحنابلة في زيارة القبور. ٣ - مجاوزة العمران من موضع إقامته: كما بينا، وللفقهاء تفريعات في توضيح هذا الشرط. فقال الحنفية (١): أن يجاوز بيوت البلد التي يقيم فيها من الجهة التي خرج منها، وإن لم يجاوزها من جانب آخر. وأن يجاوز كل البيوت ولو كانت متفرقة متى كان أصلها من البلد، وأن يجاوز ما حول البلد من مساكن، والقرى المتصلة بالبلد. ويشترط أن يجاوز الساحة (الفناء) المتصلة بموضع إقامته: وهو المكان المعد لصالح السكان كركض الدواب ودفن الموتى وإلقاء التراب. ولا يشترط أن تغيب البيوت عن بصره، ولا مجاوزة البيوت الخربة، ولا

стр. 1308

مجاوزة البساتين؛ لأنها لا تعتبر من العمران، وإن اتصلت بالبناء أو سكنها أهل البلدة. وإذا كان ساكناً في الأخبية (الخيام) فلا بد من مجاوزتها، وإذا كان مقيماً على ماء أو محتطب فلا بد من مفارقته، ما لم يكن المحتطب واسعاً جداً، والنهر بعيد المنبع أو المصب، وإلا فالعبرة بمجاوزة العمران. وقال المالكية (١): المسافر إما حضري، أو بدوي، أو جبلي. فالحضري: الساكن في مدينة أو بلد أو قرية ولولا جمعة فيها، لا يقصر إلا إذا جاوز بنيانها والفضاء الذي حولها والبساتين المتصلة بها ولو حكماً: بأن يرتفق أو ينتفع سكانها بها بنار أو خبز أو طبخ، والمسكونة بأهلها ولو في بعض العام. ولا يشترط مجاوزة المزارع والبساتين المنفصلة، أو غير المسكونة في وقت من العام. والبدوي: ساكن البادية أو الخيام، لا يقصر إلا إذا جاوز جميع خيام أو بيوت القبيلة أو القبائل المتعاونة فيما بينها، ولو كانت متفرقة، حيث جمعهم اسم الحي والدار (٢)، أو الدار فقط. والجبلي: ساكن الجبال يقصر إذا جاوز محله أو مكانه. وساكن القرية التي لا بساتين فيها مسكونة: يقصر إذا جاوز بيوت القرية والأبنية الخرا ب التي في طرفها. وساكن البساتين: يقصر بمجرد انفصاله عن مسكنه، سواء أكانت تلك البساتين متصلة بالبلد أم منفصله عنها.

стр. 1309

وقال الشافعية (١): إن كان للبلد أو القرية سور، فأول السفر مجاوزة السور، وإن كان وراءه عمارة في الأصح. وإن لم يكن للبلد أو القرية سور: فأول السفر مجاوزة آخر العمران، وإن تخلله نهر أو بستان أو خراب، حتى لا يبقى بيت متصل أو منفصل عن محل الإقامة، ولا يشترط مجاوزة الخراب المهجور الخارج عن العمران؛ لأنه ليس محل إقامة، كما لا يشترط مجاوزة البساتين والمزارع، وإن اتصلت بما سافر منه. ولا بد من مجاوزة المقابر المتصلة بالقرية التي لا سور لها. وساكن الخيام: يقصر إن جاوز الحِلَّة، أي البيوت التي يجتمع أهلها فيها للسمر، ويستعير بعضهم من بعض، سواء أكانت مجتمعة أم متفرقة، وجاوز أيضاً مرافق الخيام كمطرح الرماد وملعب الصبيان ومرابط الخيل؛ لأنها معدودة من مواضع إقامتهم. ويعتبر مع مجاوزة المرافق عرض الوادي إن سافر في عرضه، ومجاوزة المهبط إن كان في ربوة (مرتفع)، والمصعد إن كان في وَهْدة (منخفض)، هذا إن اعتدلت الثلاثة (الوادي والمهبط والمصعد)، فإن اتسعت اكتفي بمجاوزة الحلة عرفاً. وساكن غير الأبنية والخيام يبتدئ سفره بمجاوزة محل رحله ومرافقه. هذا كله في سفر البر، أما السفر في البحر: فيبتدئ من أول تحرك أو جري السفينة أو الزورق، فإن جرت السفينة محاذية للأبنية التي في البلدة فلا بد من مجاوزة تلك الأبنية.

стр. 1310

وينتهي السفر بوصوله سور وطنه، أو عمرانه إن كان غير مسور. وقال الحنابلة (١): يقصر المسافر إذا فارق خيام قومه، أو بيوت قريته العامرة، سواء أكانت داخل السور أم خارجه، بما يعد مفارقة عرفاً؛ لأن الله تعالى إنما أباح القصر لمن ضرب في الأرض، وسواء اتصل بها بيوت خربة أو صحراء، فإن اتصل بالبيوت الخربة بيوت عامرة أو بساتين يسكنها أهلها ولو ضيفاً مثلاً وقت النزهة، فلا يقصر إلا بمفارقة الجميع من الخراب والعامر والبساتين المسكونة. ولو كان للبلد محال، كل محلة منفردة عن الأخرى، كبغداد في الماضي، فمتى خرج من محلته، أبيح له القصر إذا فارق أهله. وإن كان بعضها متصلاً ببعض كاتصال أحياء المدن المعاصرة، لم يقصر حتى يفارقها جميعها. ولو كانت قريتان متدانيتين (متقاربتين)، واتصل بناء إحداهما بالأخرى، فهما كالواحدة، وإن لم يتصل بناؤهما، فلكل قرية حكم نفسها. والملاح الذي يسير بسفينته وليس له بيت سوى سفينته، فيها أهله وتنوره وحاجته، لا يباح له الترخص. ٤ - أن يقصد من ابتداء السفر موضعاً معيناً، ويعزم أن يقطع مسافة القصر من غير تردد فلا قصر ولا فطر لهائم: وهو من خرج على وجهه لا يدري أين يتوجه، ولا لمن خرج يطلب آبقاً أو حيواناً هارباً، أو غريماً يرجع متى وجده، ولا لسائح لا يقصد مكاناً معيناً، كما لا قصر لمن طاف الأرض كلها من غير قصد إلى قطع مسافة القصر المطلوبة؛ لأنه لم يقصد قطع المسافة، وكذلك لا يقصر عند الجمهور إذا نوى قطع المسافة ونوى الإقامة أثناءها بما يقطع السفر، كما سنبين.

стр. 1311

وقال الحنفية: له أن يقصر حتى يقيم بالفعل، ولا تضر نية الإقامة السابقة، وهذا هو المعقول الأولى بالاتباع. ٥ - الاستقلال بالرأي: فمن كان تابعاً غيره ممن هو مالك أمره كالزوجة مع زوجها، والجندي مع أميره، والخادم مع سيده والطالب مع أستاذه، ولا يعرف كل واحد منهم مقصده، لا يقصر؛ لأن شرط قصد موضع معين لم يتحقق. وهذا الشرط عند الشافعية مقيد بما قبل قطع مسافة القصر، فإن قطعوا مسافة القصر، قصروا، وإن لم يقصر المتبوعون لتيقن طول سفرهم. وأضاف الشافعية: أن التابع إن نوى الرجوع من سفره متى تخلص من التبعية، كالجندي إذا شطب اسمه، والخادم إذا ترك الخدمة، لا يقصر حتى يقطع مسافة القصر وهي المرحلتان أو اليومان. أما عند الحنفية فهذا الشرط مطلق، فليس للتابع القصر ما لم ينو متبوعه السفر. ولا يلزم التبع بإتمام الصلاة إلا إن علم بنية المتبوع الإقامة في الأصح، فلو صلى مخالفاً له قبل علمه صحت في الأصح. ٦ - ألا يقتدي من يقصر بمقيم أو بمسافر يتم الصلاة، أو بمشكوك السفر عند الشافعية والحنابلة: فإن فعل ذلك وجب عليه إتمام الصلاة، ولو اقتدى به في التشهد الأخير. لكن الحنفية لم يجيزوا اقتداء المسافر بالمقيم إلا في الوقت، فيتم صلاته؛ لأن فرضه يتغير من اثنين إلى أربع. أما بعد خروج الوقت فلا يجوز له الاقتداء بالمقيم؛ لأن فرضه استقر في ذمته ركعتين فقط، فلا يتغير فرضه إلى أربع بعد خروج الوقت، فإن خالف واقتدى به بطلت صلاته.

стр. 1312

٧ - أن ينوي القصر عند الإحرام بالصلاة: وهذا شرط عند الشافعية والحنابلة؛ لأن الأصل الإتمام، وإطلاق النية ينصرف إليه، فكان لا بد من نية القصر. واكتفى المالكية باشتراط نية القصر في أول صلاة يقصرها في السفر، ولا يلزم تجديدها فيما بعدها من الصلوات كنية الصيام أول رمضان، فإنها تكفي عن باقي الشهر. أما الحنفية: فاكتفوا بنية السفر قبل الصلاة، فمتى نوى السفر، كان فرضه القصر ركعتين، فلا ينويه عند الإحرام لكل صلاة. ٨ - البلوغ: شرط عند الحنفية، فلا يقصر الصبي الصلاة في السفر. ولم يشترطه جمهور الفقهاء، فيصح للصبي القصر؛ لأن كل من له قصد صحيح، ونوى سفراً يبلغ المسافة المقررة يقصر. ٩ - اشترط الشافعية أن يدوم سفره من أول الصلاة إلى آخرها: فإن انتهت به سفينته إلى محل إقامته، أو سارت به منها، أو شك هل نوى الإقامة، أو هل هذه البلدة التي وصلها هي بلده أو لا، وهو في أثناء الصلاة في الجميع، أتم صلاته، لزوال سبب الرخصة، أو الشك في زواله. خلاصة آراء الفقهاء في شروط القصر: مذهب الحنفية: يقصر من نوى السفر، وقصد موضعاً معيناً، ولو عاصياً بسفره، متى جاوز بيوت محل إقامته، وجاوز ما اتصل به من فناء البلد، والفناء: المكان المعد لمصالح البلد، كركض الدواب ودفن الموتى. كما يشترط أن يجاوز ربض البلد: وهو ماحول المدينة من بيوت ومساكن، فإنه في حكم المصر، وكذا يشترط في الصحيح مجاوزة القرى المتصلة بربض البلد.

стр. 1313

ويشترط لصحة نية السفر ثلاثة أمور: الاستقلال بالحكم على الأوضاع من إقامة وسفر، والبلوغ، وعدم نقصان السفر عن ثلاثة أيام. مذهب المالكية: شروط القصر ستة: طول السفر وهي ثمانية وأربعون ميلاً على المشهور، وأن يعزم من أول سفره على قطع المسافة من غير تردد، وأن يقصد جهة معينة، وأن يكون السفر مباحاً، وأن يجاوز البلد وما يتصل به من الأبنية والبساتين المعمورة، وألا يعزم في خلال سفره على إقامة أربعة أيام بلياليها. مذهب الشافعية: شروط القصر ثمانية: أن يكون السفر طويلاً وهو ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية (١)، أو مرحلتان وهما سير يومين بلا ليلة معتدلين، أو ليلتين بلا يوم معتدلتين، أو يوم وليلة معتدلين، بسير الأثقال، والبحر كالبر؛ وقصد موضع معين أول سفره ليعلم أنه طويل، فيقصر أو لا؛ وأن يكون السفر مباحاً فلا قصر لعاص بسفره، ولا لناشزة من زوجها؛ والعلم بجواز القصر، فلو قصر جاهلاً به لم تصح صلاته لتلاعبه؛ وأن ينوي القصر في الإحرام للصلاة؛ وأن يتحرز عما ينافي نية القصر في أثناء دوام الصلاة، كنية الإتمام، فلو نواه بعد نية القصر أتم؛ وألا يقتدي ولو لحظة بمتم ولا بمشكوك السفر ولا بإمام محدث، فإن اقتدى به في أي جزء من صلاته، لزمه الإتمام، لخبر الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس: «سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة».

стр. 1314

ويشترط أخيراً كونه مسافراً في جميع صلاته، فلو نوى الإقامة فيها، أو بلغت سفينته دار إقامته، أتم. مذهب الحنابلة: شروط القصر ثمانية: إذا كان السفر طويلاً وهو ثمانية وأربعون ميلاً هاشمية، وواجباً أو مباحاً؛ وأن يجاوز بيوت قريته، ويجعلها وراء ظهره بما يعد مفارقة عرفاً، وأن ينوي سفراً يبلغ تلك المسافة، والمعتبر نية المسافر سفر المسافة، لا حقيقتها، فمن نوى ذلك قصر، ولو رجع قبل استكمال المسافة؛ وأن يقصد موضعاً معيناً في ابتداء السفر؛ وأن ينوي القصر عند أول الصلاة؛ وألا يقتدي بمقيم ولا بمشكوك في سفره ولا بمن تلزمه إعادة الصلاة كمن يقتدي بمقيم يحدث في أثناء الصلاة، فيلزمه إعادتها تامة؛ لأنها وجبت عليه تامة في الابتداء، فلا يجوز أن تعاد مقصورة؛ وكونه مسافراً في جميع الصلاة، كما قال الشافعية. ويرى ابن تيمية في مقدار السفر عدم تحديده بمسافة معينة، فكل ما يسمى سفراً عن الأماكن في عادات الناس يجوز فيه القصر، وليس للسفر حد مقدر في الشرع ولا في اللغة، بل ما سموه سفراً فهو سفر (١). رابعاً - اقتداء المسافر بالمقيم وعلى العكس: اقتداء المسافر بالمقيم: اتفق الفقهاء (٢) على أنه يجوز اقتداء المسافر بالمقيم، مع الكراهة عند المالكية، لمخالفة المسافر سنته من القصر، وعلى أنه إذا اقتدى

стр. 1315

المسافر بالمقيم، يجب عليه إتمام الصلاة أربعاً، متابعة للإمام، ويتغير فرضه عند الحنفية إلى الأربع، كما يتغير بنية الإقامة. واشترط الحنفية لجواز الاقتداء بقاء الوقت، ولو قدر ما يسع التحريمة، أما عند خروج الوقت فلا يصح اقتداء المسافر بالمقيم؛ لأن فرضه لا يتغير بعد الوقت، لانقضاء السبب، كما لا يتغير عندهم بنية الإقامة. والدليل على وجوب الإتمام من السنة: هو ما ذكرناه عن ابن عباس أنه قيل له: «ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة» (١)، وقال نافع: «كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام، صلاها أربعاً، وإذا صلى وحده صلاها ركعتين» (٢)، وقال النبي ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه». وأضاف الشافعية والحنابلة: أنه لو رَعَف الإمام المسافر، واستخلف غيره، أتم المقتدون دون الإمام. اقتداء المقيم بالمسافر: اتفق الفقهاء (٣) أيضاً على أنه يجوز اقتداء المقيم بالمسافر، مع الكراهة عند المالكية، لمخالفة نية إمامه، فإذا صلى المسافر بالمقيمين ركعتين سلم، ثم أتم المقيمون صلاتهم. ويستحب للمسافر الإمام أن يقول عقب التسليمتين: أتموا صلاتكم، فإني مسافر، لدفع توهم أنه سها، ولئلا يشتبه على الجاهل عدد ركعات الصلاة، فيظن أن الرباعية ركعتان.

стр. 1316

وذكر الحنفية أنه ينبغي أن يقول ذلك قبل شروعه في الصلاة، وإلا فبعد سلامه. ودليل الجواز: ما رواه عمران بن حصين قال: «ما سافر رسول الله ﷺ سَفَراً إلا صلى ركعتين، حتى يرجع، وإنه أقام بمكة زمن الفتح ثمان عشرة ليلة، يصلي بالناس ركعتين ركعتين، إلا المغرب، ثم يقول: يا أهل مكة، قوموا فصلوا ركعتين أخريين، فإنا قوم سَفْر» (١). وإذا قام الإمام للإتمام سهواً أو جهلاً بعد نية القصر، سبّح له المأموم، بأن يقول: سبحان الله، فإن رجع سجد لسهوه، وإن لم يرجع فلا يتبعه، بل يجلس حتى يسلم إمامه. خامساً - ما يمنع القصر: ينتهي سفر المسافر، ويمتنع القصر، ويجب الإتمام بنية الإقامة في موضع أثناء سفره مدة معينة بيناها (٥١ يوماً عند الحنفية، و ٤ أيام عند المالكية والشافعية، وأكثر من ٤ أيام عند الحنابلة)، وبالرجوع فعلاً إلى محل إقامته المعتادة، وبغيرها من حالات أخرى مقررة في المذاهب. ١ - أن ينوي المسافر الإقامة مدة معينة: لما روي عن أبي هريرة أنه «صلى مع النبي ﷺ إلى مكة في المسير والمُقام بمكة إلى أن رجعوا ركعتين» (٢) وبما أنه لم يحدد النص مدة الإقامة فقد اختلف الفقهاء في تقدير المدة:

стр. 1317

فقال الحنفية (١): يمتنع القصر بنية الإقامة ولو في الصلاة ما لم يخرج وقتها ولم يكن لاحقاً مدة نصف ظهر (١٥ يوماً) كاملة فأكثر، فإن نوى الإقامة أقل من هذه المدة ولو بساعة، أو نواها بعد أن خرج الوقت وهو فيها، أو كان لاحقاً مدركاً الإمام أول الصلاة، والإمام مسافر، فأحدث أو نام، فانتبه بعد فراغ الإمام، ونوى الإقامة، لم يتم الصلاة، وإنما يقصرها ولو بقي سنين مسافراً؛ لأن الإقامة لا تتحقق بأقل من نصف الشهر، ولأن الواجب بعد خروج الوقت استقر في الذمة كما هو في الوقت، ولأن اللاحق في الحكم كأنه خلف الإمام. ولا تمنع نية الإقامة القصر إلا بشروط أربعة: الأول - أن يترك السير بالفعل: فلو نوى الإقامة وهو ما يزال مسافراً يسيراً، لايكون مقيماً، ويجب عليه القصر. الثاني - أن يكون موضع الإقامة صالحاً لها كمدينة أو قرية لكل الناس، أو برية لأهل الخيام، فلو نوى الإقامة في موضع غير صالح كبحر أو جزيرة مهجورة أو صحراء خالية من الناس، قصر. الثالث - أن يكون الموضع واحداً غير متعدد: فلو نوى الإقامة خمسة عشر يوماً ببلدتين مستقلتين كمكة ومنى، لم تصح نيته ويقصر؛ إذ لا بد من نية الإقامة تلك المدة في موضع واحد. الرابع - أن يكون ناوي الإقامة مستقلاً بالرأي: أما لو كان تابعاً لغيره كالمرأة والخادم وإن نوى الإقامة، فيقصر ولا يتم، إلا إن علم نية متبوعه الإقامة في الأصح، فيتم الصلاة مثله، كما سبق.

стр. 1318

ومن ترقب السفر غداً أو بعده، أو انتظر قادماً أو قافلة مثلاً ما لم يعلم تأخرها نصف شهر، أو كان مع العسكر الذين نووا الإقامة في دار الحرب، أو حاصر حصناً في دار الحرب، قصر الصلاة، ولم يتمها، كما بينا سابقاً. وقال المالكية (١): يمتنع القصر بنية الإقامة أربعة أيام صحاح غير يومي الدخول والخروج، تستلزم عشرين صلاة، وإلا فلا، أو العلم بإقامة الأربعة الأيام عادة في محل ما، بأن كانت عادةالقافلة أن تقيم في ذلك المحل أربعة أيام، فإنه يتم. فإن لم تجب عليه العشرون صلاة، كأن دخل بلداً قبل فجر السبت مثلاً، ونوى الإقامة إلى غروب يوم الثلاثاء، وخرج قبل العشاء، قصر، ولم ينقطع حكم سفره؛ لأنه وإن كانت الأربعة الأيام صحاحاً، إلا أنه لم يجب عليه عشرون صلاة. وإن لم يقم أربعة أيام كأن دخل بلداً قبل العصر، ولم يكن صلى الظهر، ونوى الارتحال بعد صبح اليوم الخامس، لم ينقطع حكم سفره؛ لأنه وإن وجب عليه عشرون صلاة، إلا أنه لم يقم إلا ثلاثة أيام صحاح. فلا بد من الأمرين أو الشرطين معاً: إقامة أربعة أيام صحاح، ووجوب عشرين صلاة. ومن أقام لحاجة متى قضيت سافر، فلا ينقطع القصر، ولو طالت المدة، إلا إذا علم أنها لا تقضى حاجته إلا بعد الأربعة الأيام. ومثله من لم ينو الإقامة وأقام مدة طويلة، له أن يقصر. ومن نوى الإقامة وهو في الصلاة، قطع الصلاة، وندب أن يشفع إن صلى

стр. 1319

ركعة بسجدتيها، ولا تجزئ صلاة تامة إن أتمها، ولا مقصورة إن قصرها. وإن نوى الإقامة بعد الفراغ من الصلاة، أعادها بوقت اختياري أي وقتها المعتاد. ولا يشترط في محل الإقامة: أن يكون صالحاً للإقامة فيه. ويستثنى من نية الإقامة حالة العسكر في دار الحرب الذي ينوي إقامة أربعة أيام فأكثر، فلا ينقطع حكم سفره، ويقصر. وقال الشافعية (١): يمتنع القصر إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام تامة بلياليها، أو نوى الإقامة مطلقاً، غير يومي الدخول والخروج، على الصحيح، بموضع صالح للإقامة أو غير صالح كصحراء على الأصح، فإن نوى أقل من أربعة أيام، قصر. وإن كانت له حاجة وجزم بأنها لا تقضى في أربعة أيام، أتم ولم يقصر، سواء نوى الإقامة أم لا. أما إن أقام ببلد بنية أن يرحل إذا تحققت حاجة يتوقعها كل وقت، فله القصر إلى ثمانية عشر يوماً، كما ذكرت. وقال الحنابلة (٢): يمتنع القصر لو نوى المسافر إقامة مطلقة بأن لم يحدها بزمن معين، ولو في مكان غير صالح للإقامة كبادية ودار حرب، أو نوى إقامة أكثر من عشرين صلاة، أو أكثر من أربعة أيام مع يومي الدخول والخروج، وأتم صلاته. لكن إن أقام لحاجة يتوقع قضاءها، فله القصر، ولو استمر سنين، وهذا هو رأي الجمهور، وقصره الشافعية على ثمانية عشر يوماً كما بينا.

стр. 1320

٢ - العودة إلى محل الإقامة الدائمة، أو نية العودة: سأبحث هذه الحالة في ضوء المصطلحات الحديثة للإقامة والوطن بالاعتماد على اصطلاح الفقهاء في الماضي، والاصطلاحات الحديثة هي ما يلي: أـ الوطن: هو إقليم الدولة التي ينتمي إليها ويحمل جنسيتها بحسب التقسيم الإقليمي للدول المعاصرة. وهذا المفهوم لا صلة له ببحثنا. ب - محل الإقامة الدائمة: هو محل العمل الذي يسكن فيه، أو محل المعيشة. جـ - محل الميلاد: هو البلد الذي ولد ونشأ فيه، وفيه أهله وعشيرته، ويشمل هذين الاثنين عند الحنفية: الوطن الأصلي إذ هو موطن الولادة، أو التزوج، أو التوطن. د - محل الإقامة المؤقتة: هو المكان الذي يقيم فيه لفترة زمنية مؤقتة أو لمهمة قد تطول وقد تقصر، ويقابله عند الحنفية «وطن الإقامة» إذا كانت نصف شهر فأكثر، ووطن السكنى إذا أقام دون نصف شهر. هـ - بلد الزوجة: هو البلد الذي له فيه زوجة إما الزوجة الوحيدة أو الثانية ويدخل تحت مفهوم الوطن الأصلي. وبحثنا يتردد بين هذه المصطلحات الأربعة الأخيرة. قال الحنفية (١): الوطن ثلاثة أنواع:

стр. 1321

الوطن الأصلي: هو الذي ولد فيه أو تزوج، أو لم يتزوج وقصد التعيش فيه، لا الارتحال عنه. ووطن الإقامة: موضع نوى الإقامة فيه نصف شهر فما فوقه. ووطن السكنى: هو ما ينوي الإقامة فيه دون نصف شهر، وهذا لم يعتبره المحققون في حالة تغيير الموطن. متى يتم المسافر الصلاة عادة؟ إذا دخل المسافر بلده أي محل إقامته الدائمة، أتم الصلاة، وإن لم ينو الإقامة فيه، كأن دخله لقضاء حاجة؛ لأنه معين للإقامة، وقد زال سبب الرخصة وهو السفر. هذا إن سار مدة السفر (٣ أيام بلياليها)، وإلا بأن رجع إلى بلده قبل قطع مسافة السفر، أتم بمجرد نية العودة، لعدم تحقق السفر المجيز للقصر. وإذن فيجب عليه الإتمام في هاتين الحالتين: العودة للوطن، ونية العودة قبل قطع مسافة القصر، فإن عاد بعد قطع مسافة القصر، يقصر حتى يعود لبلده بالفعل. متى يتم المسافر الصلاة ومتى يقصر حالة الانتقال عن الوطن؟ أـ الانتقال عن الوطن الأصلي: يتم الصلاة إذا انتقل من محل الإقامة الدائمة كمركز الوظيفة اليوم إلى موطن آخر له فيه زوجة، أو إلى محل الميلاد الذي بقي له فيه أهل أي زوجة، كالريف، فمن كان موظفاً في دمشق مثلاً ثم سافر إلى قريته الأصلية في الريف لزيارة الأهل (الزوجة)، أتم الصلاة، سواء أكانت المسافة بين مقر العمل أو الوظيفة وبين الريف مسافة القصر أم لا؛ لأنه في هذه الحالة يكون له موطنان، وكل منهما وطن أصلي له. فإن لم يبق له أهل في الريف، وإن بقي فيه عقار (أرض أو دار)، قصر

стр. 1322

الصلاة؛ لأن محل الميلاد وإن كان وطناً أصلياً له، إلا أنه بطل بمثله وهو مقر عمله، وبه يتبين أن الوطن الأصلي للإنسان يبطل إذا هاجر بنفسه وأهله ومتاعه إلى بلد آخر، فإن عاد إلى بلده الأول لعمل مثلاً، وجب عليه قصر الصلاة. كذلك يقصر الصلاة إن عاد إلى بلد مقر الوظيفة، بعد أن انتقل عنها بكل أهله، واستوطن بلداً غيرها؛ لأنه لم يبق له وطناً، إذ إن الوطن الأصلي يبطل بمثله، دون السفر عنه، بدليل أنه ﵇ بعد الهجرة عد نفسه بمكة من المسافرين، أما لو سافر عنه إلى بلد آخر مدة مؤقتة كأن ترك دمشق إلى حلب، ثم عاد إليه فيتم الصلاة؛ لأن الوطن الأصلي لا يبطل حكمه بوطن الإقامة ولا بالسفر؛ لأن الشيء لا يبطل بما هو دونه، بل بما هو مثله أو فوقه. ب - الانتقال عن محل الإقامة المؤقتة (وطن الإقامة): من تنقل في البلدان فأقام في بلد نصف شهر مثلاً، ثم عاد إليه، قصر الصلاة فيه ما لم ينو الإقامة مجدداً نصف شهر؛ لأن وطن الإقامة يبطل حكمه بمثله، وبالسفر عنه أي بإنشاء السفر منه، كما يبطل بالوطن الأصلي. ولا يبطل وطن الإقامة بإنشاء السفر من غيره، مادام المسافر يمرّ عليه، ومادامت المسافة بينه وبين المكان الذي أنشأ السفر منه دون مسافة القصر. و قال المالكية (١): يمتنع القصر على المسافر وعليه الإتمام إن عاد إلى بلدته الأصلية التي نشأ فيها وينتسب إليها، أو مرّ فيها، أو إلى البلد التي نوى فيها إقامة دائمة، أو إلى بلد الزوجة التي دخل بها وكانت غير ناشز وإن لم ينو إقامة أربعة أيام، أو إلى البلد

стр. 1323

التي نوى فيها الإقامة أربعة أيام فأكثر. أما دخول بلد الزوجة التي لم يدخل بها أو كانت ناشزاً، فلا يمنع القصر. أما في أثناء الرجوع، فإن الرجوع في حقه سفر مستقل، فإن كان هناك مسافة قصر، قصر الصلاة، وإلا فلا، ويتم الصلاة حينئذ. ويمتنع القصر أيضاً بنية دخوله وطنه أو مكان زوجته في أثناء الطريق، إن لم يكن بينه وبين المحل المنوي دخوله مسافة القصر الشرعية. و قال الشافعية (١): الوطن: هو محل الإقامة الدائمة صيفاً وشتاءً. ويمتنع القصر برجوعه إلى وطنه، وإلى موضع نوى الإقامة فيه مطلقاً، أو أربعة أيام صحيحة، أو لحاجة لا تنقضي إلا في المدة المذكورة، كما يمتنع القصر بنية الرجوع إلى وطنه أو بالتردد فيه وهو ماكث غير سائر، ومستقل غير تابع، ولو بمحل لا يصلح للإقامة كمفازة، من دون مسافة القصر، فإن نوى الرجوع وهو سائر أو تابع لغيره كالزوجة لزوجها فيقصر حتى يرجع فعلاً. وكذلك يقصر إذا كان قاصداً المرور بوطنه فقط دون الإقامة، كما أنه يقصر في بلد أقام فيها إن كان يتوقع قضاء حاجة كل وقت إلى ثمانية عشر يوماً، ويقصر أيضاً بالرجوع إلى غير وطنه (وهو غير محل الإقامة الدائمة) وإن كان له فيه أهل أو عشيرة، ولا يقصر بنية الرجوع إلى غير وطنه إذا كان الرجوع لغير حاجة، فإن كان لحاجة كتطهر فيقصر.

стр. 1324

و قال الحنابلة (١): من رجع إلى الوطن الذي سافر منه، أو نوى الرجوع قبل قطع مسافة القصر، فلا يقصر وإنما يتم الصلاة، كما إنه يتمها إذا مرّ (أي مسافر) بوطنه، ولو لم يكن له حاجة سوى المرور؛ لأنه في حكم المقيم إذ ذاك. أو مر ببلد له فيه امرأة، ولو لم يكن وطنه، حتى يفارقه، لأنه كما سبق في حكم المقيم إذ ذاك. أو مر ببلد تزوج فيه، حتى يفارقه، لحديث عثمان، سمعت النبي ﷺ يقول: «من تأهل في بلد، فليصل صلاة المقيم» (٢) وظاهره: ولو بعد فراق الزوجة، أما لو كان له به أقارب كأم وأب أو ماشية أو مال، لم يمتنع عليه القصر، إذا لم يكن مما سبق. خلاصة آراء المذاهب في الحالات التي يمتنع فيها القصر ويصبح المسافر فيها في حكم المقيم: الحنفية (٣): يمتنع القصر بنية الإقامة نصف شهر ببلد أو قرية واحدة، لا ببلدتين لم يعين المبيت بإحداهما، وبالعودة إلى وطنه (محل إقامته الدائمة)، إن قطع مسافة القصر عن بلده، وباقتداء المسافربالمقيم، وبعدم الاستقلال بالرأي، وبعدم قصد جهة معينة. المالكية (٤): يقطع القصر أحد أمور خمسة:

стр. 1325

الأول - دخول بلدِه الراجع هو إليه، سواء أكانت وطنه أم لا، وإن لم ينو إقامة أربعة أيام إلا مقيماً ببلد إقامة مؤقتة تركه ناوياً السفر، ثم عاد إليه، فله القصر. والمراد ببلده الذي سافر منه: هو وطنه أو محل زوجته الكائن في أثناء المسافة. وإنما كان دخول البلد قاطعاً للقصر؛ لأن دخول البلد مظنة للإقامة، فإذا كفت نية الإقامة في قطع القصر، ففعل الإقامة أولى. الثاني - الرجوع إلى وطنه أو محل زوجته المدخول بها قبل أن يقطع مسافة القصر، ومجرد الأخذ في الرجوع يقطع حكم السفر. الثالث - دخول وطنه أثناء المرور عليه، بأن كان بمحل آخر غير وطنه، وسافر منه إلى بلد آخر. الرابع - نية الإقامة أربعة أيام صحاح تستلزم عشرين صلاة، أو العلم مسبقاً بإقامة الأربعة الأيام عادة في محل، اعتادت القافلة أن تقيم فيه. الخامس - دخول مكان زوجة دخل بها فقط؛ لأنه في حكم الوطن. أما دخول مكان الأقارب كأم أو أب، فلا يقطع السفر ولا يمنع القصر. الشافعية (١): يمتنع القصر بنية الإقامة أربعة أيام صحيحة، وبالعودة لوطنه (محل الإقامة الدائمة)، وباقتداء المسافر بالمقيم أو بمشكوك السفر، وبعدم قصد جهة معينة، وبعدم الاستقلال بالرأي دون مسافة القصر، وبسفر المعصية، وبانقطاع السفر أثناء الصلاة، وبعدم نية القصر أثناء الإحرام. الحنابلة (٢): يمنع القصر ويجب الإتمام في إحدى وعشرين صورة:

стр. 1326

الأولى - مرور المسافر بوطنه ولو لم يكن له حاجة سوى المرور عليه. الثانية - المرور ببلد له فيه امرأة، ولو لم يكن وطنه. الثالثة - المرور ببلد تزوج فيه، وقد سبق ذكر هذه الحالات قريباً. الرابعة - إن أحرم مقيماً في حضر، ثم سافر. الخامسة - إن دخل عليه وقت صلاة في الحضر، ثم سافر. السادسة - إن أحرم بالصلاة الرباعية في سفر، ثم أقام، كراكب سفينة وصلت إلى وطنه أثناء الصلاة، تغليباً لحكم الحضر. السابعة والثامنة - إن ذكر صلاة حضر في سفر، أوعكسه: أي صلاة سفر في حضر، لزمه أن يتم؛ لأنه الأصل، فغلِّب حكم الحضر. التاسعة والعاشرة - ائتم بمقيم أو بمن يلزمه الإتمام. الحادية عشرة - ائتم بمن يشك في كونه مسافراً، أو بمن يغلب على ظنه أنه مقيم، ولو بان بعدئذ كونه مسافراً، لعدم الجزم بكونه مسافراً عند الإحرام. الثانية عشرة - أحرم بصلاة يلزمه إتمامها، ففسدت وأعادها: كمن يقتدي بمقيم فيحدث في أثناء الصلاة، فيلزمه إعادتها تامة؛ لأنها وجبت عليه أولاً تامة، فلا يجوز أن تعاد مقصورة. الثالثة عشرة - إن لم ينو القصر عند دخوله الصلاة أي عند إحرامه، فيلزمه أن يتم؛ لأنه الأصل، وإطلاق النية ينصرف إليه. الرابعة عشرة - إن شك في الصلاة: هل نوى القصر أم لا، ولو تذكر بعدئذ في أثناء الصلاة، لزمه أن يتم، لوجود ما أوجب الإتمام في بعضها، فغلب؛ لأنه الأصل.

стр. 1327

الخامسة عشرة - إن تعمد ترك صلاة أو بعضها في سفر، بأن أخرها بلا عذر، حتى خرج وقتها، فيلزمه أن يتم، قياساً على السفر المحرَّم، لأنه صار عاصياً بتأخيرها متعمداً من غير عذر. السادسة عشرة - العزم على قلب السفر لمعصية كقطع الطريق، ونية الرجوع في مكان بينه وبين موطنه دون مسافة القصر. السابعة عشرة - إن تاب في الصلاة من سفر المعصية، لزمه أن يتم، وكذلك يتم إن قصر معتقداً تحريم القصر، ولو أنه مخطئ في اعتقاده. الثامنة عشرة - إن نوى المسافر في الصلاة الإتمام، بعد أن نوى القصر، أتم وجوباً؛ لأنه رجع إلى الأصل. التاسعة عشرة - إن نوى إقامة مطلقة: بأن لم يحدها بزمن، في بلد، ولو في دار حرب، أو في بادية لا يقام فيها، لزوال السفر المبيح للقصر بنية الإقامة. العشرون - إن نوى إقامة أكثر من عشرين صلاة، أتم. الحادية والعشرون - إن شك في نيته: هل نوى إقامة ما يمنع القصر أم لا، أتم؛ لأن الإتمام هو الأصل، فلا ينتقل عنه مع الشك في مبيح الرخصة. سادساً - قضاء الصلاة الفائتة في السفر: سبق بيانه في بحث قضاء الفوائت، وأوجز هنا آراء الفقهاء فيه: قال الحنفية والمالكية (١): من فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين، كما فاتته في السفر،

стр. 1328

ومن فاتته صلاة في الحضر قضاها في السفر أربعاً؛ لأنه بعدما تقرر لا يتغير؛ ولأن القضاء بحسب الأداء. وقال الشافعية والحنابلة (١): الصلاة الفائتة في الحضر، تقضى أربعاً سواء في السفر أم في الحضر؛ لأن القصر رخصة من رخص السفر، فيبطل بزواله كالمسح ثلاثة أيام، ولأنها ثبتت في ذمته تامة، وفائتة السفر تقضى مقصورة في السفر دون الحضر، في الأظهر عند الشافعية؛ لأنها وجبت في السفر، فينظر إلى وجود السبب. وقد تعادل في نظري الرأيان، وللمرء الأخذ بأحدهما، ويختار بحسب ما يراه أحوط ديناً. سابعاً - صلاة السنن في السفر: قال النووي (٢): قد اتفق الفقهاء على استحباب النوافل المطلقة في السفر، واختلفوا في استحباب النوافل الراتبة، فتركها ابن عمر وآخرون، واستحبها الشافعي وأصحابه والجمهور. ودليلهم أولاً - الأحاديث العامة الواردة في ندب مطلق الرواتب، وحديث صلاته ﷺ الضحى في يوم الفتح، وركعتي الصبح، حين ناموا حتى طلعت الشمس، وأحاديث أخر ذكرها أصحاب السنن. وثانياً - القياس على النوافل المطلقة.

стр. 1329

وأما ما في الصحيحين عن ابن عمر، أنه قال: صحبت النبي ﷺ ، فلم أره يُسبِّح - أي يتنفل - في السفر، وفي رواية: صحبت رسول الله ﷺ ، وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكروعمر وعثمان كذلك، فقال النووي: لعل النبي ﷺ كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر، فإن النافلة في البيت أفضل، ولعله تركها في بعض الأوقات تنبيهاً على جواز تركها. وقال الحنفية (١): ويأتي المسافر بالسنن الرواتب إن كان في حال أمن وقرار أي نازلاً مستقراً، وإلا بأن كان في حال خوف وفرار، أي في السير، لا يأتي بها، وهو المختار. وحرر ابن تيميمة الموضوع قائلاً: فعل السنن الرواتب في السفر جائز، فمن شاء فعلها، ومن شاء تركها باتفاق الأئمة، والفعل أحياناً أفضل لحاجة الإنسان إليها، والترك أحياناً أفضل إذا اشتغل الإنسان بما هو أفضل منها، لكن النبي ﷺ لم يكن يصلي من الرواتب إلا ركعتي الفجر والوتر. أما الصلاة قبل الظهر وبعدها، وبعد المغرب، فلم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك في السفر (٢). المطلب الثاني - الجمع بين الصلاتين: أولاً - مشروعية الجمع: يجوز عند الجمهور غير الحنفية (٣) الجمع بين الظهر والعصر تقديماً في وقت الأولى، وتأخيراً في وقت الثانية، والجمعة كالظهر في جمع التقديم، وبين المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً أيضاً في السفر الطويل كما في القصر (٨٩ كم).

стр. 1330

فالصلوات التي تجمع: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في وقت إحداهما ويسمى الجمع في وقت الصلاة الأولى: جمع التقديم، والجمع في وقت الصلاة الثانية: جمع التأخير. والأفضل عدم الجمع خروجاً من الخلاف، ولعدم مداومة النبي ﷺ عليه، ولو كان أفضل لأدامه كالقصر. ودليل جمع التأخير: الثابت في الصحيحين عن أنس وابن عمررضي الله عنهما، أما حديث الأول، فقال أنس: كا ن رسول الله ﷺ إذا رحل قبل أن تزيغ - تميل ظهراً - الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل يجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب (١). وأما حديث ابن عمر فهو: أنه استُغيث على بعض أهله، فجدَّ به السير، فأخر المغرب حتى غاب الشَّفَق، ثم نزل، فجمع بينهما، ثم أخبرهم أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك إذا جدَّ به السير (٢). ودليل جمع التقديم: الصحيح من حديث معاذ ﵁: أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب» (٣). وقال الحنفية (٤): لا يجوز الجمع إلا في يوم عرفة للمحرم بالحج جمع تقديم بين الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين؛ لأن العصر يؤدى قبل وقته المعهود، فيفرد بالإقامة إعلاماً للناس. وفي ليلة المزدلفة جمع تأخير بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامة واحدة؛ لأن العشاء في وقتها فلم تحتج للإعلام.

стр. 1331

واحتجوا بأن مواقيت الصلاة تثبت بالتواتر، فلا يجوز تركها بخبر الواحد. وقال ابن مسعود فيما يرويه الشيخان: «والذي لا إله غيره، ما صلى رسول الله ﷺ صلاة قط إلا لوقتها، إلا صلاتين، جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجَمْع» أي بالمزدلفة. والحق: جواز الجمع لثبوته بالسنة، والسنة مصدر تشريعي كالقرآن. ثانياً - أسباب الجمع بين الصلاتين وشروطه: اتفق مجيزو الجمع تقديماً وتأخيراً على جوازه في أحوال ثلاثة: هي السفر، والمطر ونحوه من الثلج والبرد، والجمع بعرفة والمزدلفة، واختلفوا فيما سواها، وفي شروط صحة الجمع. فقال المالكية (١): أسباب الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً ستة: هي السفر، والمطر، والوحل مع الظلمة، والمرض كالإغماء ونحوه، وجمع عرفة، ومزدلفة، وكلها يرخص لها الجمع جوازاً للرجل أو المرأة، إلا جمع عرفة ومزدلفة، فهو سنة. أما السفر: فيجوز فيه الجمع مطلقاً، سواء أكان طويلاً أم قصيراً في مسافة القصر، إذا كان في البرّ لا في البحر، قصراً للرخصة على موردها، وكان غير عاص بالسفر وغير لاه. ويشترط لجواز جمع التقديم في السفر شرطان: ١ - أن تزول عليه الشمس (يدخل الظهر) وهو مسافر في مكان نزوله للاستراحة.

стр. 1332

٢ - أن ينوي الارتحال قبل وقت العصر، والنزول للاستراحة بعد غروب الشمس فإن نوى الاستراحة قبل اصفرار الشمس، صلى الظهر فقط، وأخر العصر وجوباً لوقتها الاختياري، فإن قدمه أجزأته الصلاة. وإن نوى الاستراحة بعد الاصفرار وقبل الغروب، صلى الظهر في وقته، وخُيِّر في العصر إن شاء قدمها، وإن شاء أخَّرها حتى ينزل للاستراحة. وإن دخل وقت الظهر (أي بزوال الشمس) وهو سائر: فإن نوى النزول وقت الاصفرار أو قبله، أخر الظهر، وجمعها مع العصر جمع تأخير، وإن نوى النزول بعد الغروب، فيجمع بين الصلاتين جمعاً صورياً، فيصلي الظهر في آخر وقتها الاختياري، والعصر في أول وقتها الاختياري. والمغرب والعشاء له حكم هذا التفصيل، مع ملاحظة أن غروب الشمس ينزل منزلة الزوال عند الظهر، وطلوع الفجر كالغروب، وابتداء الثلثين الأخيرين من الليل كاصفرار الشمس. وأما المرض كالمبطون أوغيره فيجيز الجمع الصوري: بأن يصلي الفرض المتقدم في آخر وقته الاختياري، والفرض الثاني في أول وقته الاختياري، وفائدته عدم الكراهة. أما الصحيح فله الجمع الصوري مع الكراهة. ومن خاف إغماء أو دَوْخة أو حمى عند دخول وقت الصلاة الثانية (العصر أو العشاء) فله تقديم الثانية عند الأولى؛ جوازاً على الراجح. والخلاصة: إن المريض يجمع إن خاف أن يغيب على عقله أو إن كان الجمع أرفق به، ووقته في وقت الأولى. وأما المطر أو البرد أو الثلج، أو الطين مع الظلمة الواقع أو المتوقع: فيجيز

стр. 1333

جمع التقديم فقط لمن يصلي العشاءين (المغرب والعشاء) بجماعة في المسجد، إذا كان المطر غزيراً يحمل أوساط الناس على تغطية رؤوسهم، والوحل أو الطين كثيراً يمنع أواسط الناس من لبس المداس. ولا يجوز الجمع إلا باجتماع الوحل مع الظلمة، لا بأحدهما فقط. ولو انقطع المطر بعد الشروع في الجمع، جاز الاستمرار فيه. والمشهور أن يكون هذا الجمع بأذان وإقامة لكل واحدة من الصلاتين ويكون الأذان الأول للمغرب على المنارة بصوت مرتفع والثاني بصوت منخفض في المسجد، لا على المنارة، ويؤخر البدء بالمغرب ندباً بعد الأذان بقدر ثلاث ركعات، ثم ينصرف الناس إلى منازلهم من غير تنفل في المسجد؛ لأن النفل حينئذ مكروه، فلا نفل بعد الجمع في المسجد، ولا وتر حتى يغيب الشفق. ولا يتنفل بين الصلاتين، والنفل مكروه لا يمنع صحة الجمع، ولا يجوز هذا الجمع لجار المسجد، ولو كان مريضاً يشق عليه الخروج للمسجد، أو كان امرأة ولا يخشى منها الفتنة. وكذلك لا يجوز هذا الجمع لمن صلى منفرداً في المسجد إلا أن يكون إماماً راتباً له منزل ينصرف إليه، فإنه يجمع وحده، وينوي الجمع والإمامة؛ لأنه ينزل منزلة الجماعة. وتجب نية الجمع في الصلاة الأولى كنية الإمامة. وأما الجمع في الحج فهو سنة اتفاقاً، فيسن للحاج أن يجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة، سواء أكان من أهلها أم أهل غيرها من أماكن النسك كمنى ومزدلفة، أو من أهل الآفاق، ويقصر من لم يكن من أهل عرفة للسنة، وإن لم تكن المسافة مسافة قصر.

стр. 1334

ويسن أيضاً للحاج أن يصلي المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة، ويسن قصر العشاء لغير أهل مزدلفة؛ لأن القاعدة أن الجمع سنة لكل حاج، والقصر خاص بغير أهل المكان الذي فيه وهو عرفة ومزدلفة. الشافعية (١): أجازوا الجمع فقط في السفر والمطر والحج بعرفة ومزدلفة. أما الجمع بسبب المطر أو الثلج والبرد الذائبين: فالأظهر جوازه تقديماً لمن صلى بجماعة في مسجد بعيد، وتأذى بالمطر في طريقه، والمذهب الجديد منع جمع التأخير فيه؛ لأن استدامة المطر غير متيقنة فقد ينقطع، فيؤدي إلى إخراج الصلاة عن وقتها من غير عذر. ودليلهم على جواز جمع التقديم: ما في الصحيحين عن ابن عباس «صلى بنا رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً» زاد مسلم «من غير خوف ولا سفر». وشرط جواز التقديم: وجود المطر عند السلام من الصلاة الأولى، ليتصل المطر بأول الثانية، فلا بد من امتداده بينهما، ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك. ويجمع العصر مع الجمعة في المطر جمع تقديم، وإن لم يكن موجوداً حال الخطبة؛ لأنها ليست من الصلاة. والمشهور في المذهب عدم جواز الجمع بسبب الوحل والريح والظلمة والمرض لحديث مواقيت الصلاة، ولايجوز مخالفته إلا بنص صريح. و «لأن النبي ﷺ مرض أمراضاً كثيرة، ولم ينقل جمعة بالمرض صريحاً».

стр. 1335

ولأن من كان ضعيفاً ومنزله بعيداً عن المسجد بعداً كثيراً، لا يجوز له الجمع، مع المشقة الظاهرة، فكذا المريض. ويندب جمع التقديم للحاج بعرفة، وجمع التأخير بمزدلفة، كما قال المالكية. وأما الجمع بسبب السفر فيجوز تقديماً وتأخيراً إذا كان السفر طويلاً كما في القصر. و يشترط لجمع التقديم ستة شروط: الأول - نية الجمع: أي أن ينوي جمع التقديم، في أول الصلاة الأولى، وتجوز في أثنائها في الأظهر، ولو مع السلام منها. الثاني - الترتيب أي البُداءة بالأولى صاحبة الوقت: وهو أن يقدم الأولى، ثم يصلي الثانية؛ لأن الوقت للأولى، وإنما يفعل الثانية تبعاً للأولى، فلا بد من تقديم المتبوع، فلو صلاهما مبتدئاً بالأولى، فبان فسادها بفوات شرط أو ركن، فسدت الثانية أيضاً، لانتفاء شرطها من البداءة بالأولى، ولكن تنعقد الثانية نافلة على الصحيح. الثالث - الموالاة أي التتابع بألا يفصل بينهما فاصل طويل؛ لأن الجمع يجعلهما كصلاة واحدة، فوجب الولاء كركعات الصلاة أي فلا يفرق بينهما، كما لا يجوز أن يفرق بين الركعات في صلاة واحدة، فإن فصل بينهما بفصل طويل ولو بعذر كسهو وإغماء، بطل الجمع، ووجب تأخير الصلاة الثانية إلى وقتها، لفوات شرط الجمع، وإن فصل بينهما بفصل يسير، لم يضر، كالفصل بينهما بالأذان والإقامة والطهارة، لما في الصحيحين عن أسامة: «أن النبي ﷺ لما جمع بنمرة، أقام للصلاة بينهما».
следующие страницы →