واحتجوا بأن مواقيت الصلاة تثبت بالتواتر، فلا يجوز تركها بخبر الواحد.
وقال ابن مسعود فيما يرويه الشيخان: «والذي لا إله غيره، ما صلى رسول الله ﷺ صلاة قط إلا لوقتها، إلا صلاتين، جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجَمْع» أي بالمزدلفة.
والحق: جواز الجمع لثبوته بالسنة، والسنة مصدر تشريعي كالقرآن.
ثانياً - أسباب الجمع بين الصلاتين وشروطه: اتفق مجيزو الجمع تقديماً وتأخيراً على جوازه في أحوال ثلاثة: هي السفر، والمطر ونحوه من الثلج والبرد، والجمع بعرفة والمزدلفة، واختلفوا فيما سواها، وفي شروط صحة الجمع.
فقال المالكية (١): أسباب الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً ستة: هي السفر، والمطر، والوحل مع الظلمة، والمرض كالإغماء ونحوه، وجمع عرفة، ومزدلفة، وكلها يرخص لها الجمع جوازاً للرجل أو المرأة، إلا جمع عرفة ومزدلفة، فهو سنة.
أما السفر: فيجوز فيه الجمع مطلقاً، سواء أكان طويلاً أم قصيراً في مسافة القصر، إذا كان في البرّ لا في البحر، قصراً للرخصة على موردها، وكان غير عاص بالسفر وغير لاه.
ويشترط لجواز جمع التقديم في السفر شرطان:
١ - أن تزول عليه الشمس (يدخل الظهر) وهو مسافر في مكان نزوله للاستراحة.
стр. 1332
٢ - أن ينوي الارتحال قبل وقت العصر، والنزول للاستراحة بعد غروب الشمس فإن نوى الاستراحة قبل اصفرار الشمس، صلى الظهر فقط، وأخر العصر وجوباً لوقتها الاختياري، فإن قدمه أجزأته الصلاة.
وإن نوى الاستراحة بعد الاصفرار وقبل الغروب، صلى الظهر في وقته، وخُيِّر في العصر إن شاء قدمها، وإن شاء أخَّرها حتى ينزل للاستراحة.
وإن دخل وقت الظهر (أي بزوال الشمس) وهو سائر: فإن نوى النزول وقت الاصفرار أو قبله، أخر الظهر، وجمعها مع العصر جمع تأخير، وإن نوى النزول بعد الغروب، فيجمع بين الصلاتين جمعاً صورياً، فيصلي الظهر في آخر وقتها الاختياري، والعصر في أول وقتها الاختياري.
والمغرب والعشاء له حكم هذا التفصيل، مع ملاحظة أن غروب الشمس ينزل منزلة الزوال عند الظهر، وطلوع الفجر كالغروب، وابتداء الثلثين الأخيرين من الليل كاصفرار الشمس.
وأما المرض كالمبطون أوغيره فيجيز الجمع الصوري: بأن يصلي الفرض المتقدم في آخر وقته الاختياري، والفرض الثاني في أول وقته الاختياري، وفائدته عدم الكراهة. أما الصحيح فله الجمع الصوري مع الكراهة.
ومن خاف إغماء أو دَوْخة أو حمى عند دخول وقت الصلاة الثانية (العصر أو العشاء) فله تقديم الثانية عند الأولى؛ جوازاً على الراجح.
والخلاصة: إن المريض يجمع إن خاف أن يغيب على عقله أو إن كان الجمع أرفق به، ووقته في وقت الأولى.
وأما المطر أو البرد أو الثلج، أو الطين مع الظلمة الواقع أو المتوقع: فيجيز
стр. 1333
جمع التقديم فقط لمن يصلي العشاءين (المغرب والعشاء) بجماعة في المسجد، إذا كان المطر غزيراً يحمل أوساط الناس على تغطية رؤوسهم، والوحل أو الطين كثيراً يمنع أواسط الناس من لبس المداس. ولا يجوز الجمع إلا باجتماع الوحل مع الظلمة، لا بأحدهما فقط.
ولو انقطع المطر بعد الشروع في الجمع، جاز الاستمرار فيه.
والمشهور أن يكون هذا الجمع بأذان وإقامة لكل واحدة من الصلاتين ويكون الأذان الأول للمغرب على المنارة بصوت مرتفع والثاني بصوت منخفض في المسجد، لا على المنارة، ويؤخر البدء بالمغرب ندباً بعد الأذان بقدر ثلاث ركعات، ثم ينصرف الناس إلى منازلهم من غير تنفل في المسجد؛ لأن النفل حينئذ مكروه، فلا نفل بعد الجمع في المسجد، ولا وتر حتى يغيب الشفق.
ولا يتنفل بين الصلاتين، والنفل مكروه لا يمنع صحة الجمع، ولا يجوز هذا الجمع لجار المسجد، ولو كان مريضاً يشق عليه الخروج للمسجد، أو كان امرأة ولا يخشى منها الفتنة.
وكذلك لا يجوز هذا الجمع لمن صلى منفرداً في المسجد إلا أن يكون إماماً راتباً له منزل ينصرف إليه، فإنه يجمع وحده، وينوي الجمع والإمامة؛ لأنه ينزل منزلة الجماعة.
وتجب نية الجمع في الصلاة الأولى كنية الإمامة.
وأما الجمع في الحج فهو سنة اتفاقاً، فيسن للحاج أن يجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة، سواء أكان من أهلها أم أهل غيرها من أماكن النسك كمنى ومزدلفة، أو من أهل الآفاق، ويقصر من لم يكن من أهل عرفة للسنة، وإن لم تكن المسافة مسافة قصر.
стр. 1334
ويسن أيضاً للحاج أن يصلي المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة، ويسن قصر العشاء لغير أهل مزدلفة؛ لأن القاعدة أن الجمع سنة لكل حاج، والقصر خاص بغير أهل المكان الذي فيه وهو عرفة ومزدلفة.
الشافعية (١): أجازوا الجمع فقط في السفر والمطر والحج بعرفة ومزدلفة.
أما الجمع بسبب المطر أو الثلج والبرد الذائبين: فالأظهر جوازه تقديماً لمن صلى بجماعة في مسجد بعيد، وتأذى بالمطر في طريقه، والمذهب الجديد منع جمع التأخير فيه؛ لأن استدامة المطر غير متيقنة فقد ينقطع، فيؤدي إلى إخراج الصلاة عن وقتها من غير عذر.
ودليلهم على جواز جمع التقديم: ما في الصحيحين عن ابن عباس «صلى بنا رسول الله ﷺ بالمدينة الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً» زاد مسلم «من غير خوف ولا سفر». وشرط جواز التقديم: وجود المطر عند السلام من الصلاة الأولى، ليتصل المطر بأول الثانية، فلا بد من امتداده بينهما، ولا يضر انقطاعه فيما عدا ذلك.
ويجمع العصر مع الجمعة في المطر جمع تقديم، وإن لم يكن موجوداً حال الخطبة؛ لأنها ليست من الصلاة.
والمشهور في المذهب عدم جواز الجمع بسبب الوحل والريح والظلمة والمرض لحديث مواقيت الصلاة، ولايجوز مخالفته إلا بنص صريح.
و «لأن النبي ﷺ مرض أمراضاً كثيرة، ولم ينقل جمعة بالمرض صريحاً».
стр. 1335
ولأن من كان ضعيفاً ومنزله بعيداً عن المسجد بعداً كثيراً، لا يجوز له الجمع، مع المشقة الظاهرة، فكذا المريض.
ويندب جمع التقديم للحاج بعرفة، وجمع التأخير بمزدلفة، كما قال المالكية.
وأما الجمع بسبب السفر فيجوز تقديماً وتأخيراً إذا كان السفر طويلاً كما في القصر.
و يشترط لجمع التقديم ستة شروط:
الأول - نية الجمع: أي أن ينوي جمع التقديم، في أول الصلاة الأولى، وتجوز في أثنائها في الأظهر، ولو مع السلام منها.
الثاني - الترتيب أي البُداءة بالأولى صاحبة الوقت: وهو أن يقدم الأولى، ثم يصلي الثانية؛ لأن الوقت للأولى، وإنما يفعل الثانية تبعاً للأولى، فلا بد من تقديم المتبوع، فلو صلاهما مبتدئاً بالأولى، فبان فسادها بفوات شرط أو ركن، فسدت الثانية أيضاً، لانتفاء شرطها من البداءة بالأولى، ولكن تنعقد الثانية نافلة على الصحيح.
الثالث - الموالاة أي التتابع بألا يفصل بينهما فاصل طويل؛ لأن الجمع يجعلهما كصلاة واحدة، فوجب الولاء كركعات الصلاة أي فلا يفرق بينهما، كما لا يجوز أن يفرق بين الركعات في صلاة واحدة، فإن فصل بينهما بفصل طويل ولو بعذر كسهو وإغماء، بطل الجمع، ووجب تأخير الصلاة الثانية إلى وقتها، لفوات شرط الجمع، وإن فصل بينهما بفصل يسير، لم يضر، كالفصل بينهما بالأذان والإقامة والطهارة، لما في الصحيحين عن أسامة: «أن النبي ﷺ لما جمع بنمرة، أقام للصلاة بينهما».
стр. 1336
ويعرف طول الفصل بالعرف؛ لأنه لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة.
وللمتيمم الجمع بين الصلاتين على الصحيح، كالمتوضئ، فلايضر تخلل طلب خفيف للماء؛ لأن ذلك من مصلحة الصلاة، فأشبه الإقامة، بل أولى؛ لأنه شرط دونها.
ويلاحظ أن هذه الشروط الثلاثة (نية الجمع، والترتيب والموالاة) لا تجب في جمع التأخير على الصحيح.
الرابع - دوام السفر إلى الإحرام بالصلاة الثانية، حتى ولو انقطع سفره بعد ذلك أثناءها. أما إذا نقطع سفره قبل الشروع في الثانية، فلا يصح الجمع، لزوال السبب.
الخامس - بقاء وقت الصلاة الأولى يقيناً إلى عقد الصلاة الثانية.
السادس - ظن صحة الصلاة الأولى: فلو جمع العصر مع الجمعة في مكان تعددت فيه لغير حاجة، وشك في السبق والمعية، لا يصح جمع العصر معها جمع تقديم.
و يشترط لجمع التأخير شرطان فقط:
الأول - نية التأخير قبل خروج وقت الصلاة الأولى، ولو بقدر ركعة: أي بزمن لو ابتدئت فيه، كانت أداء. وإلا فيعصي، وتكون قضاء. ودليل اشتراط النية: أنه قد يؤخر للجمع، وقد يؤخر لغيره، فلا بد من نية يتميز بها التأخير المشروع عن غيره.
الثاني - دوام السفر إلى تمام الصلاة الثانية، فإن لم يدم إلى ذلك بأن أقام ولو في أثنائها، صارت الأولى (وهي الظهر أو المغرب) قضاء؛ لأنها تابعة للثانية في الأداء للعذر، وقد زال قبل تمامها.
стр. 1337
أما الترتيب: فليس بواجب؛ لأن وقت الثانية وقت الأولى، فجاز البداية بما شاء منهما. وأما التتابع: فلا يجب أيضاً؛ لأن الأولى مع الثانية كصلاة فائتة مع صلاة حاضرة، فجاز التفريق بينهما. وإنما الترتيب والتتابع سنة، وليس بشرط.
أما سنة الصلاة: فإذا جمع الظهر والعصر قدم سنة الظهر التي قبلها، وله تأخيرها، سواء أجمع تقديماً أم تأخيراً، ولو توسيطها إن جمع تأخيراً، سواء قدم الظهر أم العصر. وإذا جمع المغرب والعشاء، أخر سنتهما، وله توسيط سنة المغرب إن جمع تأخيراً، وقدم المغرب، وتوسيط سنة العشاء إن جمع تأخيراً وقدم العشاء. وما سوى ذلك ممنوع.
الحنابلة (١): يجوز جمع التقديم والتأخير في ثمان حالات:
إحداها - السفر الطويل المبيح للقصر، أي قصر الصلاة الرباعية: بأن يكون السفر غير حرام ولا مكروه، ويبلغ مسافة يومين، لأنه أي الجمع رخصة تثبت لدفع المشقة في السفر، فاختصت بالطويل كالقصر والمسح ثلاثاً.
الثانية - المرض: الذي يؤدي إلى مشقة وضعف بترك الجمع، لأن النبي ﷺ «جمع من غير خوف ولا مطر» وفي رواية «من غير خوف ولا سفر» (٢)، ولا عذر بعد ذلك إلا المرض، واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر. والمريض مخير في التقديم والتأخير كالمسافر، فإن استوى عنده الأمران فالتأخير أولى.
الثالثة - الإرضاع: يجوز الجمع لمرضع، لمشقة تطهير النجاسة لكل صلاة، فهي كالمريضة.
стр. 1338
الرابعة - العجز عن الطهارة بالماء أو التيمم لكل صلاة: يجوز الجمع لعاجز عنهما، دفعاً للمشقة؛ لأنه كالمسافر والمريض.
الخامسة - العجز عن معرفة الوقت: يجوز الجمع لعاجز عن ذلك كالأعمى.
السادسة - الاستحاضة ونحوها: يجوز الجمع لمستحاضة ونحوها كصاحب سلس بول أو مذي أو رعاف دائم ونحوه، لما جاء في حديث حَمْنة السابق حين استفتت النبي ﷺ في الاستحاضة، حيث قال فيه: «فإن قويت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي» (١) ومن به سلس البول ونحوه في معناها.
السابعة والثامنة: العذر أو الشغل: يجوز لمن له شغل، أو عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة، كخوف على نفسه أو حرمته أو ماله، أو تضرر في معيشة يحتاجها بترك الجمع ونحوه. وهذا منفذ يلجأ إليه العمال وأصحاب المزارع للسقي في وقت النوبة (أو الدور).
والجمع للمطر: جائز بين المغرب والعشاء، كما قال المالكية، لما قال أبو سلمة ابن عبد الرحمن: «إن من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء» (٢) وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ .
ولا يجوز الجمع بين الظهر والعصر، لقول أبي سلمة السابق، فلم يرد إلا في المغرب والعشاء. والجمع للمطر يكون في وقت الأولى، لفعل السلف، ولأن تأخير الأولى إلى وقت الثانية يفضي إلى لزوم المشقة والخروج في الظلمة، أو طول الانتظار في المسجد إلى دخول وقت العشاء. وإن اختار الناس تأخير الجمع جاز. والمطر المبيح للجمع: هو ما يبل الثياب، وتلحق المشقة بالخروج فيه.
стр. 1339
والثلج والبرد كالمطر في ذلك. أما الطل والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب فلا يبيح.
وأما الوحل بمجرده فهو عذر في الأصح؛ لأن المشقة تلحق بذلك في النعال والثياب، كما تلحق بالمطر؛ لأن الوحل يلوث الثياب والنعال، ويعرض الإنسان للزلق فيتأذى به بنفسه وثيابه، وذلك أعظم من البلل.
وأما الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة: فيبيح الجمع في الأصح؛ لأن ذلك عذر في الجمعة والجماعة، روى نافع عن ابن عمر، قال: «كان رسول الله ﷺ ينادي مناديه في الليلة المطيرة أو الليلة الباردة ذات الريح: صلوا في رحالكم» (١).
وهذه الأعذار كلها تبيح الجمع تقديماً وتأخيراً، حتى لمن يصلي في بيته، أو يصلي في مسجد ولو كان طريقه مسقوفاً، ولمقيم في المسجد ونحوه كمن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة، ولو لم ينله إلا مشقة يسيرة.
وفعل الأرفق من جمع التقديم أو التأخير لمن يباح له أفضل بكل حال، لحديث معاذ السابق، المتضمن التخيير بحسب الحاجة بين التقديم والتأخير (٢)، وروى مالك عن معاذ: «وأخر النبي ﷺ الصلاة يوماً في غزوة تبوك، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعاً» (٣)، فإن استويا فالتأخير أفضل لأنه أحوط، وفيه خروج من الخلاف، وعمل بالأحاديث كلها.
стр. 1340
قال ابن تيمية: جمع رسول الله ﷺ بين الصلاتين في السفر والحضر أيضاً لئلا يحرج أمته، روى مسلم وغيره عن ابن عباس أنه قال: «صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر» (١).
لكن الجمع في أثناء الحج يكون تقديماً بين الظهر والعصر في عرفة، وتأخيراً في المزدلفة بين المغرب والعشاء، لفعله ﷺ ، لاشتغاله وقت العصر بعرفة بالدعاء، ووقت المغرب ليلة المزدلفة بالسير إليها.
شروط الجمع: يشترط لصحة الجمع مطلقاً تقديماً وتأخيراً: مراعاة الترتيب بين الصلوات، فيقدم الأولى على الثانية، ولا يسقط - على الصحيح في المذهب - الترتيب هنا بالنسيان، كما يسقط في قضاء الفوائت.
ويشترط لصحة جمع التقديم شروط أربعة أخرى:
الأول - نية الجمع عند الإحرام بالصلاة الأولى: لحديث «إنما الأعمال بالنيات».
الثاني - الموالاة: فلا يفرق بين المجموعتين إلا بقدر الإقامة والوضوء الخفيف؛ لأن معنى الجمع المتابعة والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع التفريق الطويل، والخفيف أمر يسير وهو معفو عنه، وهما من مصالح الصلاة.
الثالث - وجود العذر المبيح للجمع من سفر أو مرض ونحوه عند افتتاح الصلاتين المجموعتين، وعند سلام الأولى؛ لأن افتتاح الأولى من موضع النية وفراغها، وافتتاح الثانية موضع الجمع، فلو انقطع المطر، ولم يوجد وحل بعده قبل ذلك، بطل الجمع.
стр. 1341
الرابع - دوام العذر إلى فراغ الثانية شرط في السفر والمرض: فلو انقطع السفر قبل ذلك، بطل الجمع. ولا يشترط دوام العذر إلى فراغ الثانية في جمع مطر ونحوه كثلج وبرد إن خلفه وحل.
ويشترط لجمع التأخير شرطان:
الأول - نية الجمع في وقت الصلاة الأولى ما لم يضق وقتها عن فعلها، فإن ضاق وقت الأولى عن فعلها، لم يصح الجمع؛ لأن تأخيرها إلى القدر الذي يضيق عن فعلها حرام، ويأثم بالتأخير.
الثاني - استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية؛ لأن المجوِّز للجمع العذر، فإذا لم يستمر، وجب ألا يجوز، لزوال المقتضي، كالمريض يبرأ، والمسافر يقدم، والمطر ينقطع. ولا أثر لزوال العذر بعد دخول وقت الثانية؛ لأنهما صارتا واجبتين في ذمته، فلا بد له من فعلهما.
ويشترط الترتيب في كل من الجمعين، كما قدمنا. ولا تشترط الموالاة في جمع التأخير، فلا بأس بالتطوع بينهما، كما لا تشترط نية الجمع في الثانية؛ لأنها مفعولة في وقتها، فهي أداء بكل حال.
ولا يشترط في نوعي الجمع اتحاد إمام ولا مأموم، فلو تنوع الإمام في صلاتي الجمع، أو نوى الجمع إماماً بمن لا يجمع، صح الجمع؛ لأن لكل صلاة حكم نفسها، وهي منفردة بنيتها.
وإذا بان فساد الأولى بعد الجمع بنسيان ركن أو غيره، بطلت الأولى والثانية.
стр. 1342
السنن: إذا جمع في وقت الأولى: فله أن يصلي سنة الثانية منهما، ويوتر قبل دخول وقت الثانية؛ لأن سنتها تابعة لها، فيتبعها في فعلها ووقتها. وبما أن وقت الوتر: ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، وقد صلى العشاء، فإن وقته يدخل بعد صلاة العشاء جمعاً.
стр. 1343
المبحث الرابع - صلاة العيدين سبب التسمية: سمي العيد بهذا الاسم؛ لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان أي أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل عام، منها الفطر بعد المنع عن الطعام وصدقة الفطر، وإتمام الحج بطواف الزيارة، ولحوم الأضاحي وغيرها؛ ولأن العادة فيه الفرح والسرور والنشاط والحبور غالباً بسبب ذلك، وأصل معنى (عيد) لغةً: عود، والعود هو الرجوع، فهو يعود ويتكرر بالفرح كل عام.
مضمون البحث: الكلام عن صلاة العيد يتناول أدلة مشروعيتها، وحكمها الفقهي، ووقتها وموضعها، وكيفيتها أو صفتها، وخطبتها، وحكم التكبير في العيدين، وسنن العيد أو مستحباته أو وظائفه، والتنفل قبل العيد وبعده، كيفية صلاته ﷺ صلاة عيد الفطر والأضحى وكيفية خطبته.
أولاً - أدلة مشروعية صلاة العيد: شرعت صلاة العيد في السنة الأولى من الهجرة، بدليل ما روى أنس: «قدم رسول الله ﷺ المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : إن الله قد أبدلكما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر».
وأدلة مشروعيتها: الكتاب والسنة والإجماع (١).
стр. 1344
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر:١٠٨/ ٢] المشهور في التفسير: أن المراد بذلك صلاة العيد أي صلاة الأضحى والذبح.
وأما السنة: فثبت أن رسول الله ﷺ بالتواتر كان يصلي صلاة العيدين. وأول عيد صلاه ﷺ : عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة. قال ابن عباس: «شهدت صلاة الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فكلهم يصليها قبل الخطبة» وعنه «أن النبي ﷺ صلى العيد بغير أذان ولا إقامة» (١).
ثانياً - حكمها الفقهي: يتردد حكم صلاة العيد بين آراء ثلاثة: كونها فرض كفاية، أو واجباً، أو سنة.
فقال الحنابلة في ظاهر المذهب (٢): صلاة العيد فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، أي كصلاة الجنازة، للآية السابقة ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر:١٠٨/ ٢] وهي صلاة العيد في المشهور في السِّيَر، وكان النبي ﷺ والخلفاء بعده يداومون عليها، ولأنها من أعلام الدين الظاهرة، فكانت واجبة كالجهاد، ولم تجب عيناً على كل مسلم، لحديث الأعرابي الآتي: «إلا أن تطَّوع» المقتضي نفي وجوب صلاة، سوى الخمس، وإنما وجب العيد بفعل النبي ﷺ ، ومن صلى معه.
فإن تركها أهل بلد يبلغون أربعين بلا عذر، قاتلهم الإمام كالأذان؛ لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين.
стр. 1345
وقال الحنفية في الأصح (١): تجب صلاة العيدين على من تجب عليه الجمعة بشرائطها المتقدمة سوى الخطبة، فإنها سنة بعدها.
ودليلهم على الوجوب: مواظبة النبي ﷺ عليها.
وقال المالكية والشافعية (٢): هي سنة مؤكدة تلي الوتر في التأكيد، لمن تجب عليه الجمعة: وهو الذكر البالغ الحر المقيم ببلد الجمعة، أو النائي عنه كبعد فرسخ (٥٥٤٤ م) منه، ولا تندب عند المالكية لصبي وامرأة وعبد ومسافر لم ينو إقامة تقطع حكم السفر، وندبت لغير المرأة الشابة، ولا تندب لحاج ولا لأهل منى، ولو غير حاجين.
وتشرع عند الشافعية للمنفرد كالجماعة، والعبد والمرأة والمسافر والخنثى والصغير، فلا تتوقف على شروط الجمعة من اعتبار الجماعة والعدد وغيرهما. وهي أفضل في حق غير الحاج بمنى من تركها بالإجماع.
ودليلهم على سنيتها: قوله ﷺ للأعرابي السائل عن الصلاة: «خمس صلوات كتبهن الله تعالى على عباده، قال له: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطَّوع» (٣) وكونها مؤكدة: لمواظبته ﷺ عليها.
والتهنئة بالعيد والأعوام والأشهر مشروعة مباحة، لا سنة فيها ولا بدعة (٤).
стр. 1346
شرائط وجوبها وجوازها:
قال الحنفية (١): كل ما هو شرط وجوب الجمعة وجوازها فهو شرط وجوب صلاة العيدين، وجوازها، من الإمام والجماعة، والمصر، والوقت، إلا الخطبة فإنها سنة بعد الصلاة، ولو تركها جازت صلاة العيد.
أما الإمام أي حضور السلطان أو الحاكم أو نائبه: فهو شرط أداء العيد كالجمعة، لما ثبت في السنة، ولأنه لو لم يشترط السلطان، لأدى إلى الفتنة، بسبب تجمع الناس، وتنازعهم على التقدم للإمامة لما فيها من الشرف والعلو والرفعة.
وأما المصر: فلقول علي موقوفاً عليه: «لا جمعة ولا تشريق، ولا صلاة فطر، ولا أضحى، إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة» (٢).
وأما الجماعة: فلأنها ما أديت إلا بجماعة.
وأما الوقت: فإنها لا تؤدى إلا في وقت مخصوص، كما جرى به التوارث عن السلف.
والذكورة والعقل والبلوغ والحرية وصحة البدن والإقامة من شرائط وجوبها، كما هي من شرائط وجوب الجمعة، فلا تجب على النسوان والصبيان والمجانين والعبيد بدون إذن مواليهم، ولا على الزمنى والمرضى والمسافرين، كما لاتجب عليهم الجمعة.
أما الحنابلة (٣) فقالوا: يشترط لصحة صلاة العيد استيطان أربعين عدد الجمعة ولا يشترط لها إذن، ويفعلها المسافر والعبد والمرأة والمنفرد تبعاً لأهل وجوبها.
стр. 1347
خروج النساء إلى صلاة العيد:
اتفق الفقهاء منهم الحنفية والمالكية (١) على أنه لا يرخص للشابات من النساء الخروج إلى الجمعة والعيدين وشيء من الصلاة، لقوله تعالى: ﴿وقَرْن في بيوتكن﴾ [الأحزاب:٣٣/ ٣٣] والأمر بالقرار نهي عن الانتقال، ولأن خروجهن سبب الفتنة بلا شك، والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام.
وأما العجائز: فلا خوف في أن يرخص لهن الخروج في الفجر والمغرب والعشاء، والعيدين، واختلفوا في الظهر والعصر والجمعة، كما بينا سابقاً. وهذا التفصيل بين الشابة والعجوز هو مذهب الآخرين أيضاً.
وعبارة الشافعية والحنابلة (٢): لا بأس بحضور النساء مصلى العيد غير ذوات الهيئات فلا تحضر المطيبات، ولا لابسات ثياب الزينة أو الشهرة، لما روت أم عطية، قالت: «كان رسول الله ﷺ يخرج العَواتِق والحُيَّض، وذوات الخدور في العيد، فأما الحُيَّض فكن يعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين» (٣).
وإذا أراد النساء الحضور تنظفن بالماء، ولا يتطيبن، ولا يلبسن الشهرة من الثياب، أي الثياب الفاخرة، ويعتزلن الرجال فلا يختلطن بهم، ويعتزل الحُيَّض المُصلَّى للحديث السابق، ولقوله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن
стр. 1348
تَفِلات» (١) أي غير عطرات، ولأن المرأة إذا تطيبت ولبست الشهرة من الثياب، دعا ذلك إلى الفساد.
ثالثاً - وقتها: اتفق الفقهاء على أن وقت صلاة العيد: هو ما بعد طلوع الشمس قدر رمح أو رمحين، أي بعد حوالي نصف ساعة من الطلوع، إلى قبيل الزوال، أي قبل دخول وقت الظهر، وهو وقت صلاة الضحى؛ للنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، فتحرم عند الشروق، وتكره بعدها عند الجمهور، فإذا صلوا قبل ارتفاع الشمس قدر رمح لا تكون عند الحنفية صلاة عيد، بل نفلاً محرماً (٢).
تعجيل الصلاة وتأخيرها: يسن تعجيل صلاة الأضحى في أول وقتها بحيث يوافق الحجاج بمنى في ذبحهم، وتأخير صلاة الفطر عن أول وقتها قليلاً، لما روى الشافعي مرسلاً أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم، وهو بنجران: «أن عجِّل الأضحى، وأخر الفطر، وذكِّر الناس» ولأنه يتسع لذلك وقت الأضحية، ووقت صدقة الفطر.
هل تقضى صلاة العيد وهل تصلى منفرداً؟ للفقهاء رأيان:
قال الحنفية والمالكية (٣): من فاتته صلاة العيد مع الإمام، لم يقضها؛ لفوات وقتها، والنوافل لا تقضى، ولأنها لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد، فلو
стр. 1349
أمكنه الذهاب لإمام آخر فعل، لأنها تؤدى بمواضع اتفاقاً. ولا تجوز للمنفرد وإنما تصلى جماعة.
وقال الشافعية والحنابلة (١): من فاتته صلاة العيد مع الإمام، سنَّ له قضاؤها على صفتها، لفعل أنس، ولأنه قضاء صلاة، فكان على صفتها كسائر الصلوات. وله قضاؤها متى شاء في العيد وما بعده متى اتفق، والأفضل قضاؤها في بقية اليوم.
وتجوز صلاة العيد للمنفرد والعبد والمسافر والمرأة، كما بينا.
المدرك عند الشافعية والحنابلة: إن أدرك المصلي الإمام في الخطبة، صلى تحية المسجد ثم جلس فسمعها، ولو كان بمسجد، ثم صلى العيد متى شاء، قبل الزوال أو بعده على صفتها، ولو منفرداً أو بجماعة دون أربعين؛ لأنها عند الشافعية نفل، فجاز للمنفرد فعلها كصلاة الكسوف، وتصير عند الحنابلة القائلين بفرضيتها تطوعاً لسقوط فرض الكفاية بالطائفة الأولى (٢).
وإن أدرك المرء الإمام في التشهد، جلس معه، فإذا سلم الإمام، قام فصلى ركعتين، يأتي فيهما بالتكبير؛ لأنه أدرك بعض الصلاة التي ليست مبدلة من أربع، فقضاها على صفتها كسائر الصلوات.
صلاتها في اليوم الثاني إذا تأخر إثبات العيد لما بعد الزوال:
إذا لم يعلم قوم بالعيد إلا بعد زوال الشمس (أي ظهر العيد)، أو غُمَّ الهلال على الناس، فشهدوا عند الإمام برؤية الهلال بعد الزوال، أو حصل عذر مانع كمطر شديد، ففي جواز صلاة العيد في اليوم التالي رأيان:
стр. 1350
قال المالكية (١): لا تصلى من الغد، ولا تنوب عن صلاة الجمعة؛ لفوات وقتها.
وقال الجمهور (٢): تصلى في اليوم التالي من الغد، وفي عيد الأضحى إلى ثلاثة أيام، لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: «غمَّ علينا هلال شوال، فأصبحنا صياماً، فجاء ركب في آخر النهار، فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي ﷺ الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غداً لعيدهم» (٣) أي إلى المصلى كما في رواية البيهقي.
وهذا هو الراجح، قال أبو بكر الخطيب: «سنة النبي ﷺ أولى أن تتبع»، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب، وكالفرائض.
وإن شهد اثنان برؤية هلال شوال ليلة الحادي والثلاثين صلوا بالاتفاق في الغد، ولا يكون ذلك قضاء؛ لأن فطرهم غداً، لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وعرفتكم يوم تعرفون» (٤).
стр. 1351
رابعاً - موضع أداء صلاة العيد: للفقهاء رأيان متقاربان (١)، فقال الجمهور غير الشافعية: موضعها في غير مكة: المصلى (الصحراء خارج البلد، على أن يكون قريباً من البلد عرفاً عند الحنابلة) لا المسجد، إلا من ضرورة أو عذر، وتكره في المسجد، بدليل فعل النبي ﷺ ، والكراهة لمخالفة فعله ﵇. فإن كان عذر لم تكره، لقول أبي هريرة: «أصابنا مطر في يوم عيد، فصلى بنا النبي ﷺ في المسجد» (٢) وروي أن عمر وعثمان ﵄ صليا في المسجد في المطر.
أما في مكة: فالأفضل فعلها في المسجد الحرام، لشرف المكان، ومشاهدة الكعبة، وذلك من أكبر شعائر الدين.
وقال الشافعية: فعل صلاة العيد في المسجد أفضل؛ لأنه أشرف وأنظف من غيره، إلا إذا كان مسجد البلد ضيقاً، فالسنة أن تصلى في المصلى، لما روي أن النبي ﷺ كان يخرج إلى المصلى (٣)، ولأن الناس يكثرون في صلاة العيد، وإذا كان المسجد ضيقاً تأذى الناس. قال الشافعية ﵀: فإن كان المسجد واسعاً، فصلى في الصحراء فلا بأس، وإن كان ضيقاً، فصلى فيه ولم يخرج إلى المصلى، كرهت.
فإن كان في الناس ضعفاء، استخلف الإمام في مسجد البلد من يصلي بهم،
стр. 1352
لما روي أن علياً ﵁ استخلف أبا مسعود الأنصاري ﵁، ليصلي بضعَفة الناس في المسجد (١).
وقال الحنفية: ولا يخرج المنبر إلى المصلى (الجبانة) يوم العيد، ولا بأس ببنائه دون إخراجه.
خامساً - كيفية صلاة العيد أو صفتها: صلاة العيد ركعتان بالاتفاق، لقول عمر ﵁: «صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم، وقد خاب من افترى» (٢) وهي تشمل بعد الإحرام على تكبيرات: ثلاث عند الحنفية، وست في الأولى وخمس في الثانية عند المالكية والحنابلة، وسبع في الأولى وخمس في الثانية عند الشافعية قبل القراءة في الركعتين إلا عند الحنفية في الركعة الثانية يكون التكبير بعد القراءة، ويندب بعد الفاتحة قراءة سورتين هما عند الجمهور: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى:٨٧/ ١] و ﴿الغاشية﴾ [الغاشية:٨٨]، ولكن عند المالكية يقرأ في الثانية سورة ﴿والشمس﴾ [الشمس:٩١] ونحوها، وعند الشافعية: ﴿ق﴾ [ق:٥٠/ ١]
و ﴿اقتربت﴾ [القمر:٥٤/ ١]. ولا يؤذَّن لها ولا يقام، لما روي عن ابن عباس ﵄ قال: «شهدت العيد مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكلهم صلى قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة» (٣) والسنة أن ينادى
стр. 1353
لها: «الصلاة جامعة» لما روي عن الزهري أنه كان ينادَى به (١) وقياساً على صلاة الكسوف.
ويبدأ بها عند الجمهور غير المالكية بالنية بقلبه ولسانه فيقول: (أصلي صلاة العيد لله تعالى) إماماً أو مقتدياً، ويأتي بعد الإحرام بدعاء الافتتاح أو الثناء.
كيفيتها في المذاهب:
الحنفية (٢):
ينادى (الصلاة جامعة)، ثم ينوي المصلي إماماً أو مقتدياً صلاة العيد بقلبه ولسانه قائلاً: (أصلي صلاة العيد لله تعالى) إماماً للإمام، ومقتدياً للمؤتمين، ثم يكبر تكبيرة الإحرام ثم يضع يديه تحت سرته، ثم يقرأ الإمام والمؤتم الثناء: (سبحانك اللهم وبحمد ك .. الخ)، ثم يكبر الإمام والقوم ثلاثاً تسمى تكبيرات الزوائد، لزيادتها على تكبيرة الإحرام والركوع، رافعاً يديه في كل منها، ثم يرسلها، ويسكت بعد كل تكبيرة مقدار ثلاث تسبيحات، ولا يسن ذِكْر معين، ولابأس بأن يقول: (سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، ثم توضع اليدان تحت السرة.
ثم يتعوذ الإمام ويسمي سراً، ثم يقرأ جهراً الفاتحة، وسورة بعدها، وندب أن تكون سورة ﴿الأعلى﴾ [الأعلى:٦/ ٨٧] تماماً، ثم يركع الإمام والقوم.
стр. 1354
فإذا قام للركعة الثانية: ابتدأ بالبسملة، ثم بالفاتحة، ثم بالسورة ليوالي بين القراءتين، وهو الأفضل عندهم، وندب أن تكون سورة ﴿الغاشية﴾ [الغاشية:١/ ٨٨] (١).
ثم يكبر الإمام والقوم تكبيرات الزوائد ثلاثاً مع رفع اليدين كما في الركعة الأولى، لأثر ابن مسعود، قال: «يكبر تكبيرة، ويفتتح به الصلاة، ثم يكبر بعدها ثلاثاً، ثم يقرأ، ثم يكبر تكبيرة، يركع بها، ثم يسجد، ثم يقوم، فيقرأ، ثم يكبر ثلاثاً، ثم يكبر تكبيرة، يركع بها» (٢)، ثم تتم الركعة الثانية إلى السلام.
فإن قدم التكبيرات في الثانية على القراءة جاز، وكذا إذا كبر زيادة على الثلاث إلى ست عشرة تكبيرة، فإذا زاد لا يلزم المؤتم المتابعة.
وإن نسي الإمام التكبيرات وركع، فإنه يعود ويكبر، ولا يعيد القراءة، ويعيد الركوع.
أما المسبوق الذي سبقه الإمام: فإن كان قبل التكبيرات الزوائد، يتابع الإمام على مذهبه، ويترك رأيه. وإن أدركه بعدما كبر الإمام الزوائد وشرع في القراءة، فإنه يكبر تكبيرة الافتتاح، ويأتي بالزوائد برأي نفسه لا برأي الإمام؛ لأنه مسبوق.
وإن أدرك الإمام في الركوع: فإن لم يخف فوت الركعة مع الإمام، يكبر للافتتاح قائماً، ويأتي بالزوائد، ثم يتابع الإمام في الركوع. وإن خاف إن كبر أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، كبر للافتتاح، ثم كبر للركوع، وركع؛ لأنه لو لم
стр. 1355
يركع يفوته الركوع والركعة، وهذا لايجوز. ثم إذا ركع يكبر تكبيرات العيد في الركوع عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن للركوع حكم القيام. وقال أبو يوسف. لا يكبر؛ لأنه فات عن محله، وهو القيام، فيسقط كالقنوت.
وعلى الرأي الأول الراجح: إن أمكنه الجمع بين التكبيرات والتسبيحات جمع بينهما، وإن لم يمكنه الجمع بينهما يأتي بالتكبيرات دون التسبيحات؛ لأن التكبيرات واجبة، والتسبيحات سنة، والاشتغال بالواجب أولى. فإن رفع الإمام رأسه من الركوع قبل أن يتمها رفع رأسه؛ لأن متابعة الإمام واجبة، وسقط عنه ما بقي من التكبيرات؛ لأنه فات محلها.
هذا إذا أدرك الإمام في الركعة الأولى. فإن أدركه في الركعة الثانية، كبر للافتتاح، وتابع إمامه في الركعة الثانية، فإذا فرغ الإمام من صلاته، قام إلى قضاء
ما سبق به، متبعاً رأي نفسه؛ لأنه منفرد فيما يقضي، بخلاف اللاحق؛ لأنه في الحكم كأنه خلف الإمام.
وتقدم صلاة العيد على صلاة الجنازة إذا اجتمعتا، وتقدم صلاة الجنازة على الخطبة.
المالكية (١):
كالحنفية في أداء صلاة العيد ركعتين جهراً بلا أذان ولا إقامة، واستحباب قراءة ﴿سبح﴾ [الأعلى:٨٧] ونحوها، وسورة ﴿والشمس﴾ [الشمس:٩١] ونحوها، إلا أن التكبير في الركعة الأولى ست بعد تكبيرة الإحرام، وفي الثانية
стр. 1356
خمس غير تكبيرة القيام، قبل القراءة ندباً، فإن أخر التكبير عن القراءة صح، وخالف المندوب. ولا يتبع المؤتم الإمام في التأخير عن القراءة ولا في الزيادة عن هذا القدر. ودليلهم على عدد التكبير عمل أهل المدينة، وقول ابن عمر: «شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبر في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمساً قبل القراءة».
ويندب موالاة التكبير إلا الإمام فيندب له الانتظار بعد كل تكبيرة، حتى يكبر المقتدون به، ويرفع يديه في تكبيرة الإحرام فقط، ولا يرفع يديه مع التكبيرات في المشهور، ويكره الرفع. ويسكت المكبر. ويكره أن يقول شيئاً من تسبيح أو تحميد أو تهليل أو غيرها.
والتكبيرات سنة مؤكدة، فلو نسي الإمام شيئاً منها، وتذكره في أثناء قراءته أوبعدها، كبَّر، ما لم يركع، وأعاد القراءة، وسجد بعد السلام سجود السهو، لزيادة القراءة الأولى.
وإن تذكره بعد أن ركع، استمرَ في صلاته وجوباً، ولا يرجع له، إذ لا يرجع من فرض لنفل، وإلا بطلت الصلاة، ويسجد الإمام للسهو ولو لترك تكبيرة واحدة، إذ كل تكبيرة منها سنة مؤكدة. وأما المؤتم فالإمام يحمله عنه.
وإذا لم يسمع المقتدي تكبير الإمام تحرّى تكبيره وكبر.
والمسبوق: لا يكبر ما فاته أثناء تكبير الإمام، ويكمل ما فاته بسبب تأخر اقتدائه بعد فراغ الإمام منه، وإذا اقتدى بالإمام أثناء القراءة بعد التكبير، فإنه يأتي بالتكبير بعد إحرامه، سواء في الركعة الأولى أو الثانية. ويأتي بست تكبيرات في الأولى، وبخمس في الثانية. وإذا فاتته الركعة الأولى يقضيها ستاً غير تكبيرة القيام، وإن أدرك مع الإمام أقل من ركعة، قضى ركعتين بعد سلام الإمام، يكبر في الأولى ستاً، وفي الثانية خمساً.
стр. 1357
الشافعية (١):
هم كالحنفية في دعاء الافتتاح والتعوذ والجهر بالقراءة، إلا أن التكبير عندهم سبع في الأولى، خمس في الثانية، قبل القراءة مع رفع اليدين في الجميع، يقف بين كل ثنتين كآية معتدلة، يهلل ويكبر ويمجِّد (أي يعظم الله)، واضعاً يمناه على يسراه بينهما، تحت صدره، ويحسن في ذلك الباقيات الصالحات: (سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) (٢) ثم يتعوذ ويقرأ. والتكبير ليس فرضاً ولا بعضاً من أبعاض الصلاة، وإنما هو سنة أو هيئة كالتعوذ ودعاء الافتتاح، فلا يسجد للسهو لتركهن عمداً ولا سهواً، وإن كان الترك لكلهن أو بعضهن مكروهاً.
ولو نسيها المصلي وتذكرها قبل الركوع، وشرع في القراءة، ولو لم يتم الفاتحة، لم يتداركها، وفاتت في المذهب الجديد لفوات محله، فلو عاد لم تبطل صلاته، ولو عاد إلى القيام في الركوع أوبعده ليكبر، فإن صلاته تبطل إن كان عالماً متعمداً. والجهل كالنسيان.
ولو زاد الإمام عن عدد التكبير لا يتابعه المأموم، وإذا ترك الإمام التكبير تابعه المأموم في تركه، فإن فعل بطلت صلاته إذا رفع يديه ثلاث مرات متوالية؛ لأنه فعل كثير تبطل به الصلاة، وإلا فلا تبطل. وإذا كبر الإمام أقل من هذا العدد تابعه المؤتم. والمسبوق ببعض الصلاة يكبر إذا فرغ من قضاء ما فاته.
стр. 1358
ودليلهم على عدد التكبير: ما رواه الترمذي وحسنه (١): «أنه ﷺ كبَّر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الثانية خمساً قبل القراءة».
ودليلهم على التسبيح والتحميد بين التكبيرات: ما رواه البيهقي عن ابن مسعود قولاً وفعلاً، وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة: صدق. وهي الباقيات الصالحات، قال تعالى: ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً﴾ [الكهف:١٨/ ٤٦] وهي عند ابن عباس وجماعة.
ودليلهم على رفع اليدين: ما روي أن عمر ﵁ «كان يرفع يديه في كل تكبيرة في العيد» (٢).
والسنة أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى: ﴿ق﴾ [ق:١/ ٥٠]، وفي الثانية: ﴿اقتربت﴾ [القمر:٥٤/ ١]، بكمالهما جهراً، بدليل ما رواه أبو واقد الليثي: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفطر والأضحى بـ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ [ق:٥٠/ ١]، و ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر:٥٤/ ١] (٣)، والجهر بالقراءة لنقل الخلف عن السلف.
ولو قرأ في الأولى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى:٨٧/ ١]، وفي الثانية: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية:١/ ٨٨]، كان سنة أيضاً، لثبوته أيضاً في صحيح مسلم. وله أن يقرأ أيضاًَ في الأولى (الكافرون) [الكافرون:١٠٩/ ١] وفي الثانية (الإخلاص) [الإخلاص:١١٢].
стр. 1359
الحنابلة (١):
هم كالجمهور غير المالكية في دعاء الافتتاح والتعوذ قبل القراءة، وكالمالكية في عدد التكبير: في الأولى ستاً زوائد، وفي الثانية خمساً، لما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة، سبعاً في الأولى، وخمساً في الآخرة» (٢) وعدوا السبع مع تكبيرة الإحرام، خلافاً للشافعية.
ويرفع يديه مع كل تكبيرة، لحديث وائل بن حجر: «أنه ﷺ كان يرفع يديه في التكبير» ويقول بين كل تكبيرتين زائدتين: «الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً» لحديث ابن مسعود السابق في رأي الشافعية. وإن أحب قال غير ذلك من الذكر؛ إذ ليس فيه ذِكْر مؤقت أي محدود. ولا يأتي بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين بذكر أصلاً.
والتكبير والذكر بين التكبيرات كما قال الشافعية: سنة، وليس بواجب، ولا تبطل الصلاة بتركه عمداً ولا سهواً. فإن نسي التكبير وشرع في القراءة، لم يعد إليه، لأنه سنة فات محلها، كما لو نسي الاستفتاح أو التعوذ، حتى شرع في القراءة، أو نسي قراءة سورة حتى ركع.
стр. 1360
كذلك لا يأتي بالتكبير إن أدرك الإمام قائماً بعد التكبير الزائد أو بعضه، لفوات محله، كما لو أدرك الإمام راكعاً. والمسبوق ولو بنوم أو غفلة ببعض صلاته يكبر إذا فرغ من قضاء ما فاته، وهو قول أكثر أهل العلم، ويعمل في القضاء بمذهبه، ودليلهم عموم قوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا، ومافاتكم فاقضوا».
ويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسبح، وفي الثانية بعد الفاتحة بالغاشية لحديث سمرة بن جندب «أن النبي ﷺ كان يقرأ في العيدين بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية» (١)؛ لأن في سورة ﴿الأعلى﴾ [الأعلى:٨٧] حثاً على الصدقة والصلاة في قوله ﴿قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى:٨٧/ ١٤ - ١٥] (٢).
ويجهر بالقراءة، لما روى الدارقطني عن ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء».
سادساً - خطبة العيد: تسن عند الجمهور وتندب عند المالكية خطبتان للعيد كخطبتي الجمعة في الأركان والشروط والسنن والمكروهات، بعد صلاة العيد خلافاً للجمعة، بلا خلاف بين المسلمين، يذكِّر الإمام في خطبة عيد الفطر بأحكام زكاة الفطر (٣)،
стр. 1361
لقوله ﷺ : «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» (١)، وفي عيد الأضحى بأحكام الأضحية وتكبيرات التشريق ووقوف الناس بعرفة وغيرها، تشبهاً بالحجاج، وما يحتاجون إليه في يومهم، ويحسن تعليمهم ذلك في خطبة الجمعة السابقة على العيد. وإذا صعد على المنبر لا يجلس عند الحنفية، ويجلس عند الحنابلة والمالكية والشافعية ليستريح.
ودليل سنية الخطبة: التأسي بالنبي ﷺ وبخلفائه الراشدين فلا يجب حضورها ولا استماعها، لما روى عطاء عن عبد الله بن السائب قال: «شهدت مع النبي ﷺ العيد، فلما انقضت الصلاة، قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة، فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب» (٢) ولو ترك الخطبة جازت صلاة العيد.
وكونها بعد الصلاة اتباعاً للسنة أيضاً، فإن ابن عمر قال: «إن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة» (٣) فلو خطب الإمام قبل الصلاة صح عند الحنفية وأساء، لترك السنة، لأن التأخير سنة.
ويبدأ الخطيب خطبته بالتكبير، كما يكبر في أثنائها، من غير تحديد عند المالكية، وقيل عندهم: سبعاً في أولها. وعند الجمهور: يكبر في الخطبة الأولى تسع تكبيرات متوالية، وفي الثانية: يكبر في الثانية بسبع متوالية أيضاً، لما روى سعيد بن منصور عن عبيد الله بن عتبة، قال: «كان يكبر الإمام يومي العيد قبل أن
стр. 1362
يخطب تسع تكبيرات، وفي الثانية: سبع تكبيرات» ويستحب عند الحنفية أيضاً أن يكبر الإمام قبل نزوله من المنبر أربع عشرة مرة، ويندب للإمام بعد فراغه من الخطبة أن يعيدها لمن فاته سماعها، ولو نساء، اتباعاً للسنة، رواه الشيخان.
ويلاحظ أن الخطب المشروعة عشر: خطبة الجمعة، والعيدين، والكسوفين، والاستسقاء، والزواج، وأربع في الحج عند الشافعية، وثلاث عند الحنفية، وكلها بعد الصلاة إلا خطبتي الجمعة وعرفة فقبلها، وخطبة الزواج لا تقترن بصلاة، وكل منها ثنتان إلا الثلاثة الباقية في الحج عند الشافعية ما عدا خطبة عرفة، وخطبة النكاح، ففرادى، ويبدأ بالتحميد في ثلاث: خطبة الجمعة والاستسقاء والزواج، ويبدأ بالتكبير في خمس أوست: خطبة العيدين، وثلاث أو أربع خطب الحج. إلا التي بمكة وعرفة، يبدأ فيها بالتكبير ثم بالتلبية، ثم بالخطبة.
و تختلف خطبة العيد عن خطبة الجمعة في أمور:
منها - أن خطبة الجمعة تكون قبل الصلاة، وخطبة العيد بعد الصلاة، فإذا قدمها لم تصح عند غير الحنفية، ويندب إعادتها بعد الصلاة. ومنها - أن خطبتي الجمعة تبدآن بالحمد لله، وهو شرط أو ركن عند الشافعية والحنابلة، سنة عند الحنفية، مندوب عند المالكية، أما خطبتا العيدين فيسن افتتاحهما بالتكبير.
ومنها - يسن بالمستمع خطبة العيد عند الحنفية والحنابلة والمالكية أن يكبر سراً عند تكبير الخطيب، أما خطبة الجمعة فيحرم الكلام فيها، ولو ذكراً عند الجمهور، وقال الحنفية: لا يكره الذكر في خطبة الجمعة والعيد على الأصح. ويحرم الكلام غير التكبير عند الحنابلة في كل من خطبة العيد والجمعة.
وقال الشافعية: الكلام مكروه لا محرم في خطبة الجمعة والعيد، ولا يكبر الحاضرون في حال الخطبة، بل يستمعونها.
стр. 1363
ومنها - أن الخطيب عند الحنفية خلافاً للجمهور لايجلس إذا صعد المنبر، ويجلس في خطبة الجمعة.
ومنها - أن الخطيب عند المالكية إذا أحدث في أثناء خطبة العيد يستمر ولا يستخلف، بخلاف خطبة الجمعة، فإنه إذا أحدث فيها يستخلف.
ومنها - أن خطبة العيد عند الشافعية لا يشترط فيها شروط خطبة الجمعة من قيام وطهارة وستر عورة وجلوس بين الخطبتين، وإنما يسن ذلك فقط.
سابعاً - حكم التكبير في العيدين: اتفق الفقهاء على مشروعية التكبير في العيدين في الغدو إلى الصلاة، وفي إدبار الصلوات أيام الحج. أما التكبير في الغدو إلى صلاة العيد: فقال أبو حنيفة (١): يندب التكبير سراً في عيد الفطر في الخروج إلى المصلى لحديث «خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي» (٢)، ويقطعه إذا انتهى إلى المصلى في رواية، وفي رواية: إلى الصلاة. وقال الصاحبان: يكبر جهراً، واتفقوا على التكبير جهراً في عيد الأضحى في الطريق.
وقال الجمهور (٣): يكبر في المنازل والمساجد والأسوق والطرق أي عند الغدو إلى الصلاة جهراً، إلى أن تبدأ الصلاة، وعند الحنابلة: إلى فراغ الخطبة،
стр. 1364
وهو في الفطر آكد من تكبير ليلة الأضحى لقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة، ولتكبروا الله على ما هداكم، ولعلكم تشكرون﴾ [البقرة:١٨٥/ ٢] ولما فيه من إظهار شعائر الإسلام، وتذكير الغير.
ويندب التكبير المطلق (وهو ما لا يكون عقب الصلاة) عند الشافعية والحنابلة: من غروب شمس ليلة عيد الفطر، لا ما قبلها: ولا يسن التكبير المقيد (وهو المفعول عقب الصلاة) ليلة الفطر عند الحنابلة وفي الأصح عند الشافعية، لعدم وروده.
و صيغة التكبير:
عند الحنفية والحنابلة شفعاً: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر (ثنتين)، ولله الحمد) عملاً بخبر جابر عن النبي ﷺ الآتي، وهو قول الخليفتين الراشدين، وقول ابن مسعود.
وصيغته عند المالكية والشافعية في الجديد ثلاثاً: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)، وهذا هو الأحسن عند المالكية، فإن زاد (لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد) فهو حسن، عملاً بما ورد عن جابر وابن عباس ﵃، ويستحب أن يزيد عند الشافعية بعد التكبيرة الثالثة: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً) كما قاله النبي ﷺ على الصفا. ويسن أن يقول أيضاً بعد هذا: (لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر). وهذه الزيادة إن شاءها عند الحنفية، ويختمها بقوله: (اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وعلى أصحاب محمد، وعلى أزواج محمد، وسلم تسليماً كثيراً).
стр. 1365
وأما التكبير في إدبار الصلوات أيام الحج في عيد الأضحى:
ف قال الحنفية (١):
يجب على الرجال والنساء تكبير التشريق (٢) في الأصح مرة، وإن زاد عليها يكون فضلاً، عقب كل فرض عيني بلا فصل يمنع البناء على الصلاة (كالخروج من المسجد أو الكلام أو الحدث عامداً) ويؤدى بجماعة أو منفرداً، ولو قضاء، ويكون التكبير للرجال جهراً، وتخافت المرأة بالتكبير، ولا يكبر عقب الوتر وصلاة العيد.
و مدته: من فجر يوم عرفة إلى عصر يوم العيد عند أبي حنيفة، وإلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق عند الصاحبين، وبقولهما يفتى، فهي ثلاث وعشرون صلاة.
والتكبير واجب عقيب الصلوات المفروضات على كل من صلى المكتوبة، ولو منفرداً أو مسافراً أو مقتدياً؛ لأنه تبع لها، على المفتى به من قول الصاحبين. والمسبوق يكبر وجوباً كاللاحق، بعد قضاءما فاته من الصلاة مع الإمام، ولو ترك الإمام التكبير يكبر المقتدي.
ويبدأ المحرم بالتكبير، ثم بالتلبية (٣)، ولا يفتقر التكبير للطهارة، ولا لتكبير الإمام، فلو تركه الإمام كبر المقتدي.
стр. 1366
ودليلهم على إيجاب التكبير ومدته: قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة:٢٠٣/ ٢] وحديث جابر: «كان رسول الله ﷺ يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصر، من آخر أيام التشريق، حين يسلِّم من المكتوبات» وفي لفظ: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح من غداة عرفة، أقبل على أصحابه، فيقول: على مكانكم، ويقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر، من آخر أيام التشريق» (١).
و قال المالكية (٢):
يندب للجماعة والفرد التكبير إثر كل صلاة من الصلوات المكتوبات من خمس عشرة فريضة وقتية، من ظهر يوم النحر إلى صبح اليوم الرابع، لقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج:٢٨/ ٢٢] وهذا الخطاب وإن كان مقصوداً به أهل الحج، فإن الجمهور رأوا أنه يعم الحجاج وغيرهم، وتلقى الناس ذلك بالعمل، والناس تبع للحجيج وهم يكبرون من الظهر.
ولا يكبر بعد نافلة، ولا مقضية من الفرائض، وإن نسي التكبير كبَّر إذا تذكر إن قرب الزمن، لا إن خرج من المسجد أو طال عرفاً. وكبّر مؤتم ندباً ترك إمامه التكبير، وندب تنبيه الناسي ولو بالكلام.
стр. 1367
و قال الشافعية في الأظهر (١):
يكبّر الحاج عقب الصلوات من ظهر النحر، لأنها أول صلاته بمنى ووقت انتهاء التلبية ويختم بصبح آخر التشريق لأنها آخر صلاة يصليها بمنى، كما قال المالكية؛ وغير الحاج كالحاج في الأظهر والمشهور في المذهب؛ لأن الناس تبع للحجيج، ولإطلاق حديث مسلم: «أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى» وقيل: من صبح عرفة إلى عصر آخر التشريق، والعمل على هذا في الأمصار، وصح من فعل عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ﵃، واختاره النووي، وقال: إنه الأصح. ولا يكبر الحاج ليلةالأضحى، بل يلبي؛ لأن التلبية شعاره، والمعتمر يلبي إلى أن يشرع في الطواف.
والأظهر أنه يُكَّبر في هذه الأيام للفائتةوالراتبة والمنذورة والنافلة المطلقة أو المقيدة، وذات السبب كتحية المسجد؛ لأنه شعار الوقت.
والتكبير سنة في العيدين في المنازل والطرق والمساجد والأسواق برفع الصوت، لما روى نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله بن عباس، وعلي وجعفر، والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن، رافعاً صوته بالتهليل والتكبير، ويأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلَّى (٢).
ويكبر لرؤية الأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) في الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة، لقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج:٢٨/ ٢٢].
стр. 1368
و قال الحنابلة (١):
يسن التكبير مطلقاً في العيدين، ويسن إظهاره في المساجد والمنازل والطرق، حضراً وسفراً، في كل موضع يجوز فيه ذكر الله، ويسن الجهر به لغير أنثى، من كل من كان من أهل الصلاة من مميز وبالغ، حر أوعبد، ذكر أو أنثى، من أهل القرى والأمصار، عقب كل فريضة ولو مقضية، تصلى في جماعة في المشهور، في ثلاث وعشرين فريضة من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، لحديث جابر السابق أن النبي ﷺ صلى الصبح يوم عرفة، وأقبل علينا، فقال: «الله أكبر، الله أكبر» ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق (٢)، وفي بعضها «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد». والمسافر كالمقيم، والحاج المحرم كغير الحاج في مدة التكبير؛ لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية، ويبدأ بالتكبير ثم يلبي. لأن التكبير من جنس الصلاة.
ولا يكبر من صلى وحده، لقول ابن مسعود: «إنما التكبير على من صلى جماعة» (٣)، ولأنه ذكر مختص بوقت العيد، فأشبه الخطبة.
ويكبر مأموم نسي إمامه التكبير ليحوز الفضيلة، كقول: آمين.
ويأتي بالتكبير الإمام مستقبل الناس، لحديث جابر السابق أن النبي ﷺ «كان يقبل بوجهه على أصحابه، ويقول: على مكانكم، ثم يكبر» ويكبر غير الإمام مستقبل القبلة؛ لأنه ذكر مختص بالصلاة، أشبه الأذان والإقامة. ويجزئ التكبير مرة واحدة، وإن زاد على مرة فلا بأس، وإن كرره ثلاثاً فحسن. والأولى أن يُكبَّر
стр. 1369
عقب صلاة العيد؛ لأنها صلاة مفروضة في جماعة، فأشبهت صلاة الفجر، ولأن هذه الصلاة أخص بالعيد، فكانت أحق بتكبيره.
ويستحب التكبير أيضاً في أيام العشر من ذي الحجة وهي الأيام المعلومات، لقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج:٢٨/ ٢٢].
ثامناً - سنن العيد أو مستحباته أو وظائفه: يستحب في مقدمات عيد الأضحى الاجتهاد في عمل الخير، أيام عشر ذي الحجة، من ذِكْر الله تعالى والصيام والصدقة وسائر أعمال البر؛ لأنها أفضل الأيام، لحديث «مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع بشيء من ذلك» (١).
ويندب الامتناع عن تقليم الأظفار وحلق الرأس في عشر ذي الحجة، لما ورد في صحيح مسلم، قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل العشر، وأراد بعضكم أن يضحي، فلا يأخذن شعراً، ولا يقلمن ظفراً».
ويندب في العيد عدا التكبير ما يأتي (٢):
١ - إحياء ليلتي العيد بطاعة الله تعالى أي بالعبادة من ذكر وصلاة وتلاوة
стр. 1370
قرآن، وتكبير وتسبيح واستغفار، ويحصل ذلك بالثلث الأخير من الليل، والأولى إحياء الليل كله، لقوله ﷺ :
«من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى محتسباً، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» (١).
ويقوم مقام ذلك: صلاة العشاء والصبح في جماعة.
والدعاء في ليلتي العيد مستجاب، فيستحب كما يستحب في ليلة الجمعة وليلتي أول رجب ونصف شعبان.
٢ - الغسل والتطيب والاستياك ولبس الرجال أحسن الثياب، قياساً على الجمعة، وإظهاراً لنعمة الله وشكره. ويدخل وقت الغسل عند الشافعية بنصف الليل، وعند المالكية: بالسدس الأخير من الليل، ويندب كونه بعد صلاة الصبح، وعند الحنفية والحنابلة بعد الصبح قبل الذهاب إلى المصلى، وهو غسل عند الحنفية للصلاة؛ لأنه ﷺ كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر (٢)، وكان علي وعمر ﵄ يغتسلان يوم العيد.
وكان ﵇ يتطيب يوم العيد، ولو من طيب أهله. وكان للنبي ﷺ بردة حمراء يلبسها يوم العيد (٣). وتخرج النساء كما بينا ببذلة بلا طيب خشية الافتتان بها.
ويتنظف ويتزين بإزالة الظفر والريح الكريهة كالجمعة، والإمام بذلك آكد؛ لأنه منظور إليه من بين سائر الناس.