إخراج الدواب: ولا يستحب عند المالكية والحنابلة إخراج البهائم والمجانين؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله.
ويستحب إخراجها مع أولادها عند الحنفية، والشافعية في الأصح، ويباح ذلك عند الحنابلة؛ لأن الرزق مشترك بين الكل (١)، وليحصل التحنّن، ويظهر الضجيج بالحاجات، روى البزار مرفوعاً بسند ضعيف: «لولا أطفال رُضَّع، وعباد رُكَّع، وبهائم رُتَّع، لصب عليكم العذاب صباً». وروي أن سليمان ﵇ «خرج يستسقي، فرأى نملة مستلقية، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم» (٢).
التوسل بذوي الصلاح:
ويستحب إخراج أهل الدين والصلاح، لأنه أسرع لإجابتهم، وقد استسقى عمر بالعباس، ومعاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى، فلابأس بالتوسل بالصالحين، قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا عمُّ نبيك ﷺ نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله . وقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يايزيد، ارفع يديك، فرفع يديه، ودعا الله تعالى، فثارت في الغرب سحابة مثل الترس، وهب لها ريح، فسقوا، حتى كادوا لايبلغون منازلهم (٣).
стр. 1402
وهيئة الخارج للاستسقاء كما بينا: أن يكون متضرعاً لله تعالى، متبذلاً أي في ثياب البذلة، لافي ثياب الزينة، ولا يتطيب؛ لأنه من كمال الزينة، ويكون متخشعاً في مشيه، وجلوسه في خضوع، متضرعاً إلى الله تعالى، متذللاً له، راغباً إليه. قال ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متبذلاً متخشعاً متضرعاً (١).
وهل يخرج أهل الذمة؟ قال الحنفية: لا يحضر أهل الذمةلاستسقاء؛ لأن الخروج للدعاء، وقد قال تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [الرعد:١٤/ ١٣]، ولأنه لاستنزال الرحمة، وإنما تنزل عليهم اللعنة، وإن كان الراجح أن دعاء الكافر قد يستجاب استدراجاً. وأما الآية السابقة ﴿وما دعاء﴾ [الرعد:١٤/ ١٣] ففي الآخرة.
وقال الجمهور: لا يمنع أهل الذمة من الخروج مع المسلمين، وأمروا أن يكونوا منفردين لا يختلطون بنا في مصلانا، ولا عند الخروج، ويكره اختلاطهم بنا، كما يكره خروجهم عند الشافعي، ولا يؤمن على دعائهم؛ لأن دعاء الكافر غير مقبول. وكونهم لا يمنعون الحضور؛ لأنهم يسترزقون ويطلبون أرزاقهم من ربهم، وفضل الله واسع، وقد يجيبهم الله تعالى استدراجاً، وطعمة في الدنيا، قال تعالى: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ [الأعراف:١٨٢/ ٧] والله ضمن أرزاقهم في الدنيا كما ضمن أرزاق المؤمنين.
وانفرادهم عن المسلمين؛ لأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب، فيعم من حضرهم، فإن قوم عاد استسقوا، فأرسل الله عليهم ريحاً صرصراً فأهلكتهم.
стр. 1403
رابعاً - خطبة الاستسقاء: قال أبو حنيفة (١) لاخطبة للاستسقاء؛ لأنها تبع للجماعة، ولا جماعة لها عنده، وإنما دعاء واستغفار يستقبل فيهما الإمام القبلة. قال ابن عباس حينما سئل عن صلاة الاستسقاء: خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متبذلاً (٢)، متخشعاً، متضرعاً، فصلى ركعتين، كما يُصلَّى في العيد، لم يخطب خطبتكم هذه (٣).
وقال الصاحبان: يصلي الإمام بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، ثم يخطب، ويستقبل القبلة بالدعاء. ويخطب خطبتين بينهما جلسة كالعيد عند محمد، وخطبة واحدة عند أبي يوسف، ويكون معظم الخطبة الاستغفار.
وقال الجمهور (٤): يخطب الإمام للاستسقاء بعد الصلاة على الصحيح خطبتين كصلاة العيد عند المالكية والشافعية، لقول ابن عباس: صنع رسول الله ﷺ في الاستسقاء كما صنع في العيدين، وخطبة واحدة عند الحنابلة؛ لأنه لم ينقل أنهصلّى الله عليه وسلم خطب بأكثر منها.
ودليلهم على طلب الخطبة وكونها بعد الصلاة: حديث أبي هريرة: «خرج نبي الله ﷺ يوماً يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا الله ، وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» (٥).
стр. 1404
وتجوز عند الشافعية الخطبة قبل الصلاة، لحديث عبد الله بن زيد: «رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي، فحوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (١).
وتختلف عن خطبة العيد في رأي المالكية والشافعية أن الإمام يستغفر الله تعالى بدل التكبير، فيقول: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) ويكثر فيها بالاتفاق الاستغفار؛ لأنه سبب لنزول الغيث، روى سعيد: «أن عمر خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء الذي يُستنزَل به المطر، ثم قرأ: استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً» (٢).
ولا حد للاستغفار عند المالكية في أول الخطبة الأولى والثانية.
ويستغفر الخطيب في الخطبة الأولى عند الشافعية تسعاً، وفي الثانية سبعاً، ويستحب أن يكثر من الاستغفار، لقوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ [نوح:٧١/ ١٠ - ١١]. ويفتتح الإمام عند الحنابلة الخطبة بالتكبير تسعاً نسَقاً كخطبة العيد، ويكثر فيها عندهم الصلاة على النبي ﷺ ؛ لأنها معونة على الإجابة، قال عمر: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك» (٣)، ويقرأ كثيراً: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً﴾ [نوح:٧١/ ١٠] وسائر الآيات التي فيها الأمر به، فإن الله تعالى وعدهم بإرسال الغيث إذا استغفروه.
стр. 1405
الدعاء بالخطبة: ويدعو الإمام في الخطبة الأولى: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً مَريعاً، غَدَقاً، مجلِّلاً، سَحَّاً، طَبَقاً دائماً، لحديث ابن عباس (١).
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين (أي الآيسين بتأخير المطر)، اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء (شدة الجوع)، والجَهد (قلة الخير وسوء الحال)، والضنك (أي الضيق)، ما لا نشكو إلا إليك.
اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض. اللهم ارفع عنا الجهد والعُرْي والجوع، واكشف عنا من البلاء، ما لا يكشفه غيرك.
اللهم إنا نستغفرك، إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً أي دراً، والمراد مطراً كثيراً. وكل ذلك ثابت بحديث واحد عن عبد الله بن عمر.
ويبالغ في الدعاء سراً وجهراً لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ [الأعراف:٥٥/ ٧] ويؤمن القوم على دعائه، فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد (٢). وكان من دعائه ﷺ : «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين» (٣).
стр. 1406
أما الناس فيسرون بالدعاء إن أسر الإمام، ويجهرون به إن جهر.
ويستحب للخطيب استقبال القبلة في أثناء الدعاء، لحديث عبد الله بن زيد المتقدم. وهذا ما قرره الصاحبان، وهو أن الإمام يستقبل القبلة بالدعاء في الخطبة.
وقال المالكية: يستقبل القبلة بوجهه قائماً بعد الفراغ من الخطبتين، ويبالغ في الدعاء برفع الكرب والقحط وإنزال الغيث والرحمة وعدم المؤاخذة بالذنوب، ولا يدعو لأحد من الناس.
وقال الشافعية: يستقبل الإمام القبلة بعد صدر (نحو ثلث) الخطبة الثانية، ثم يدعو (١) سراً وجهراً، ثم يستقبل الناس بوجهه ويحثهم على الطاعة، ويصلي على النبي ﷺ ويقرأ آية أو آيتين، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويختم بقوله: أستغفر الله لي ولكم.
وقال الحنابلة: يستقبل القبلة في أثناء الخطبة.
رفع الأيدي في الدعاء: ويستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء، لحديث أنس: «كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه، حتى يُرى بياض إبطيه» (٢) وفي حديث أيضاً لأنس: فرفع النبي ﷺ ورفع الناس أيديهم.
قلب الرداء أو تحويله: قال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: يقلب الإمام رداءه عند الدعاء، لما روي أنه ﷺ : «لما استسقى حوَّل ظهره إلى الناس، واستقبل القبلة، وحوَّل رداءه» (٣).
стр. 1407
وصفة القَلْب: إن كان مربَّعاً جعل أعلاه أسفله، وإن كان مُدَوَّراً كالجبة، جعل الجانب الأيمن على الأيسر.
ولا يقلب القوم أرديتهم؛ لأنه لم ينقل أنه ﵇ أمرهم بذلك ولا يسن القلب عند أبي حنيفة؛ لأن الاستسقاء دعاء عنده، فلا يستحب تحويل الرداء فيه كسائر الأدعية.
وقال الجمهور: يحول الإمام رداءه عند استقبال القبلة، على الخلاف السابق في وقت الاستقبال، ويحول الناس الذكور مثله أي مثل الإمام، وهم جلوس، لحديث عبد الله بن زيد، وحديث عائشة، وحديث أبي هريرة كما تقدم (١) وليقلب الله ما بهم من الجدب إلى الخصب، وجاء هذا المعنى في بعض الحديث، روي «أن النبي ﷺ حول رداءه ليتحول القحط» (٢).
وصفة التحويل: أن يجعل يمينه يساره وعكسه أي يجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، بلا تنكيس للرداء عند المالكية والحنابلة، أي فلا يجعل الحاشية السفلى التي على رجليه على أكتافه.
ومع التنكيس في المذهب الجديد للشافعي، فيجعل أعلاه أسفله وعكسه، لحديث: «أنه ﷺ استسقى، وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فثقُلت عليه، فقلَبها الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» (٣).
стр. 1408
ودليل التحويل للناس: حديث عبد الله بن زيد: «رأيت رسول الله ﷺ حين استسقى لنا، أطال الدعاء، وأكثر المسألة، ثم تحول إلى القبلة، وحول رداءه، فقلبه ظهراً لبطن، وتحول الناس معه» (١).
قال الحنابلة: ويظل الرداء محولاً حتى يُنزغ مع الثياب بعد الوصول إلى المنزل، لعدم نقل إعادته. والخلاصة: إن تحويل الرداء للتفاؤل بتحويل الحال من الشدة إلى الرخاء، و «كان رسول الله ﷺ يحب الفأل الحسن» (٢).
خامساً - ما يستحب في الاستسقاء أو وظائف الاستسقاء: يستحب للاستسقاء ما يأتي (٣) بالإضافة لما ذكر سابقاً في الخطبة والخروج للصلاة:
١ - يأمر الإمام الناس بالتوبة من المعاصي، والتقرب إلى الله تعالى بوجوه البر والخير من صدقة وغيرها، والخروج من المظالم وأداء الحقوق؛ لأن ذلك أرجى للإجابة، قال تعالى: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ [هود:٥٢/ ١١]، ولأن المعاصي والمظالم سبب القحط ومنع القطر، والتقوى سبب البركات، لقوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ [الأعراف:٧/ ٩٦] ويأمرالإمام أيضاً بصيام
стр. 1409
ثلاثة أيام متتابعة قبل صلاة الاستسقاء، ويخرج الناس في يوم آخر صياماً، أو في اليوم الرابع إلى الصحراء صياماً فتصير أيام الصيام أربعة؛ لأنه وسيلة إلى نزول الغيث لما فيه من الرياضة والخشوع، وقد روي:
«ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، والمظلوم» (١).
قال الشافعية: ويلزم الناس امتثال أمر الإمام. وقال الحنابلة: ولا يلزم الصيام والصدقة بأمره.
ويأمرهم الإمام أيضاً بالصدقة؛ لأنها متضمنة للرحمة المفضية إلى رحمتهم بنزول الغيث. كما يأمرهم بترك التشاحن من الشحناء وهي العداوة؛ لأنها تحمل على المعصية والبهت، وتمنع نزول الخير بدليل قوله ﷺ : «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت» (٢) ويعين الإمام يوماً يخرج الناس فيه (٣).
٢ - أن يخرج الإمام والناس مشاة إلى الاستسقاء في الصحراء ثلاثة أيام متتابعة، إلا في مكة والمدينة وبيت المقدس، فيجتمعون في المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، كما قدمنا.
وإن لم يخرج الإمام خرج الناس لصلاة الاستسقاء عند الحنفية، وإذا خرجوا، اشتغلوا بالدعاء، ولم يصلوا بجماعة إلا إذا أمر الإمام إنساناً أن يصلي بهم جماعة؛ لأن هذا دعاء، فلا يشترط له حضور الإمام. وإن خرجوا بغير إذن الإمام، جاز؛ لأنه دعاء، فلا يشترط له إذن الإمام.
стр. 1410
وقال الشافعية: إذا كان الوالي بالبلد لا يخرج الناس إلى الصحراء حتى يأذن لهم، لخوف الفتنة. وعند الحنابلة روايتان: إحداهما - لا يستحب إلا بخروج الإمام أو نائبه، فإذا خرجوا دعوا وانصرفوا بلا صلاة ولا خطبة. وفي رواية أخرى: إنهم يصلون لأنفسهم، ويخطب بهم أحدهم.
٣ - التنظيف للاستسقاء بغسل وسواك وإزالة رائحة وتقليم أظفار ونحوه، لئلا يؤذي الناس، وهو يوم يجتمعون له كالجمعة.
ولا يستحب التطيب؛ لأنه يوم استكانة وخضوع، ولأن الطيب للزينة وليس هذا وقت زينة.
٤ - يخرج المرء إلى المصلى متواضعاً متذللاً، متخشعاً (خاضعاً) متضرعاً (مستكيناً) متبذلاً (في ثياب بَذْلة)، لحديث ابن عباس السابق: «خرج النبي ﷺ للاستسقاء متذللاً متواضعاً متخشعاً، حتى أتى المصلى» (١).
٥ - التوسل بأهل الدين والصلاح والشيوخ والعلماء المتقين والعجائز والأطفال والدواب، تحصيلاً للتحنن، وإظهار الضجيج بالحاجات، كما بينا سابقاً (٢)، ويسن لكل من حضر أن يستشفع سراً بخالص عمله.
٦ - الخروج إلى المصلى في الصحراء: لحديث عائشة: «شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوضع له في المصلى» (٣)، ولأن الجمع يكثر، فكان المصلى أرفق بهم.
стр. 1411
٧ - الدعاء بالمأثور في الخطبة كما بينا، وعند نزول الغيث، لما روى البيهقي «أن الدعاء يستجاب في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، ونزول الغيث، وإقامة الصلاة ورؤية الكعبة» ولما روى البخاري عن عائشة «أن النبي ﷺ كان إذا رأى المطر، قال: صيباً نافعاً» أي مطراً شديداً. ومجموع الدعاء عند نزول المطر من أحاديث متفرقة: «اللهم صيّباً هنيئاً، وسيباً - أي عطاء - نافعاً، مطرنا بفضل الله ورحمته» ويقول عند التضرر بكثرة المطر: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية ومنابت الشجر» (١) «اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب، ولا محق ولا بلاء، ولا هَدْم ولا غَرَق» (٢).
ويكره أن يقول: مطرنا بنَوْء كذا: أي بوقت النجم الفلاني على عادة العرب في إضافة الأمطار إلى الأنواء، لإيهامه أن النوء ممطر حقيقة. فإن اعتقد أنه الفاعل له حقيقة كفر، وعليه يحمل ما في الصحيحين، حكاية عن الله تعالى: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب».
ويكره سب الريح، بل يسن الدعاء عندها لخبر: «الريح من روح الله - أي رحمته - تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، واسألوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرها» (٣) بل يقول كما قدمنا: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر
стр. 1412
ما أرسلت به» (١) «اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» (٢).
ويسبح عند الرعد والصواعق، فيقول: «سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته» (٣) وعند البرق يقول: «سبحان من يريكم البرق خوفاً وطمعاً» ويستحب ألا يُتْبع بصرَه البرقَ؛ لأن السلف الصلاح كانوا يكرهون الإشارة إلى الرعد والبرق ويقولون عند ذلك: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، سُبُّوح قُدُّوس» فيختار الاقتداء بهم في ذلك.
ويقول عند انقضاض الكوكب: «ما شاء الله، لا قوة إلا بالله» (٤).
وإذا سمع نهيق حمار، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، لخبر الشيخين.
وإذا سمع نُباح كلب، استعاذ، فيقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، لحديث أبي داود.
وإذا سمع صياح الديكة، سأل الله من فضله، لخبر الشيخين.
٨ - يستحب لأهل الخصب أن يدعو لأهل الجدب؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى.
٩ - وقال الشافعية: يستحب لكل أحد أن يبرز (يظهر) لأول مطر السنة،
стр. 1413
وأول كل مطر ويكشف من جسده غير عورته ليصيبه شيء من المطر تبركاً. وروى مسلم «أنه ﷺ حسر عن ثوبه حى أصابه المطر، وقال: إنه حديث عهد بربه» (١) أي بخلقه وتنزيله وتكوينه، ويستحب أيضاً أن يغتسل أو يتوضأ بماء السيل، لما روى الشافعي في الأم، بإسناد منقطع: «أنه ﷺ كان إذا سال السيل قال: اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهوراً، فنتطهر به، ونحمد الله عليه».
١٠ - قال المالكية: جاز التنفل في المصلى أو المسجد قبل صلاة الاستسقاء وبعدها؛ لأن المقصود من الاستسقاء الإقلاع عن الخطايا، والاستكثار من فعل الخير.
وذلك بخلاف العيد، فإنه - كما قدمنا- يكره عند الجمهور غير الشافعية التنفل قبل صلاته وبعدها بالمصلى، لا في المسجد عند المالكية، وفي المسجد أيضاً عند الحنفية والحنابلة، لكن لا بعدها عند الحنفية.
والدعاء يكون ببطن الكف إذا كان لطلب شيء وتحصيله، وبظهر الكف إلى السماء إذا أريد به رفع البلاء (٢).
١١ - تعاد صلاة الاستسقاء ثانياً وثالثاً إن لم يُسْقَوْا، فإن تأهبوا للصلاة، فسقوا قبلها اجتمعوا للشكر والدعاء بالزيادة، ويصلون صلاة الاستسقاء المعروفة شكراً لله تعالى، كما يجتمعون للدعاء ونحوه. جاء في الصحيحين: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجّل، يقول: دعوت، فلم يستجب لي» وقال تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم:٧/ ١٤]. حكي عن أصبغ أنه قال: استُسقي للنيل بمصر خمسة وعشرين يوماً متوالية.
стр. 1414
المبحث السابع - صلاة الخوف مشروعيتها، سببها وشروطها، كيفيتها أو صفتها، صفة ما يقضيه المسبوق فيها، متى تفسد؟ الصلاة عند التحام القتال واشتداد الخوف.
أولاً - مشروعية صلاة الخوف: صلاة الخوف مشروعة عند جمهور الفقهاء (١)، هي سنة ثابتة بالكتاب والسنة في أثناء قتال الكفار: أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة. فلتقم طائفة منهم معك، وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ودَّ الذين كفروا لو تغفُلون عن أسلحتكم وأمتعتكم، فيميلون عليكم ميلة واحدة .. ﴾ الآية (٢) وما ثبت في حقه ﵇ ثبت في حق أمته، ما لم يقم دليل على اختصاصه؛ لأن الله تعالى أمر باتباعه، وتخصيصه بالخطاب: ﴿وإذا كنت﴾ [النساء:١٠٢/ ٤] لا يقتضي تخصيصه بالحكم، بدليل قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة:١٠٣/ ٩].
وأما السنة: فقد ثبت وصح أنه ﷺ صلى صلاة الخوف في أربعة مواضع:
стр. 1415
في غزوة ذات الرِّقاع التي حدثت بعد الخندق على الصواب، وبطن نخل (اسم موضع في نجد بأرض غطفان) وعُسْفان (يبعد عن مكة نحو مرحلتين)، وذي قَرَد (ماء على بريد من المدينة، وتعرف بغزوة الغابة، في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية) (١) وصلاها النبي ﷺ أربعاً وعشرين مرة. وقد وردت بها الأحاديث الآتية في صفة صلاتها، مع خبر «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وأجمع الصحابة على فعلها، وصلاها علي وأبو موسى الأشعري وحذيفة، وهي عند الجمهور والمشهور من المذهب المالكي جائزة في السفر والحضر، وقصرها ابن الماجشون من المالكية على حالة السفر.
وقال أبو يوسف: إن صلاة الخوف مختصة بالنبي ﷺ ، فكانت مشروعة في حياته ﵇، لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ [النساء:١٠٢/ ٤]، وحكمة مشروعيتها في حياته ﷺ أن ينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه، وهم كانوا حراصاً على درك هذه الفضيلة، وقد ارتفع بعده ﵊، وكل طائفة تتمكن من أداء الصلاة بإمام خاص، فلا يجوز أداؤها بصفة فيها ذهاب ومجيء ونحوهما مما يخالف صفة الصلاة. ولا تصلى صلاة الخوف بعد النبي ﷺ بإمام واحد، وإنما تصلى بعده بإمامين، يصلي واحد منهما بطائفة ر كعتين، ثم يصلي الآخربطائفة أخرى وهي الحارسة ركعتين أيضاً، وتحرس التي قد صلت.
ورد هذا الاستدلال: بأن الصحابة قد أقاموها بعده ﵊، وهم أعرف بانتهاء الجواز أو بقائه.
والغاية من تشريعها: هو حرص الإسلام على أداء الصلاة جماعة، لتظل رابطة التجمع قوية صلبة دائمة، حتى في أشد أوقات المحن والمخاطر والأزمات.
стр. 1416
وتأثير الخوف في تغيير هيئة الصلاة وصفتها، لا في تغيير عدد ركعاتها، فلا يغيره الخوف، في قول الأكثرين.
ثانياً - سبب صلاة الخوف وشروطها: إن الخوف من هجوم العدو سبب لهذه الصلاة، كما رأى ابن عابدين (١)، وحضور العدو شرط، كما في صلاة المسافر، فإن المشقة سبب لها، والسفر الشرعي شرط. والمراد بالخوف: حضرة العدو، لا حقيقة الخوف، فإن حضرة العدو أو وجوده أقيمت مقام الخوف. ولا تختص صلاة الخوف بالقتال، بل تجوز في كل خوف، كهرب من سيل أو حريق أوسبع أو جمل أو كلب ضار أو صائل أو لص أو حية ونحو ذلك، ولم يجد معدلاً عنه (٢).
ويشترط لصلاة الخوف ما يأتي (٣):
١ - أن يكون القتال مباحاً: أي مأذوناً فيه، سواء أكان واجباً كقتال الكفار الحربيين، والبغاة، والمحاربين (قطاع الطرق) القاصدين سفك الدماء وهتك الحرمات، لقوله تعالى: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء:١٠١/ ٤]، أم جائزاً كقتال من أراد أخذ مال المسلمين.
فلا تصح صلاة الخوف من البغاة والعصاة بالسفر؛ لأنها رحمة وتخفيف
стр. 1417
ورخصة، فلا يجوز أن تتعلق أو تباح بالمعاصي، أي أن صلاة الخوف لا تجوز في القتال المحظور أو الحرام، كقتال أهل العدل وقتال أصحاب الأموال لأخذ أموالهم.
٢ - حضور العدو أو السبع، أو خوف الغرق أو الحَرَق: فمن خاف العدو أو الخطر، سواء أكان الخوف على النفس أم المال، جاز له صلاة الخوف عند الجمهور والمشهور من مذهب المالكية في السفر والحضر وفي البحر والبر، في القتال أوغيره، لعموم قوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ [النساء:١٠٢/ ٤] فهو عام في كل حال. فلو رأوا سواداً ظنوه عدواً، فصلوها، فإن تبين الأمر كما ظنوا صحت صلاتهم، وإن ظهر خلافه، لم تجز، فإذا كانت الصلاة من غير خوف فسدت، قال الشافعية والحنابلة: من أمن وهو في الصلاة أتمها صلاة آمن، ومن كان آمناً فاشتد خوفه أتمها صلاة خائف. وقال المالكية: من أمن صلى صلاة أمان. وتكون صلاة الحضر تامة، وصلاة السفر الرباعية مقصورة؛ لأن الخوف كما قدمنا لا يؤثر في عدد الركعات، ففي السفر الذي يبيح القصر (٩٨ كم) يصلي الإمام بكل طائفة ركعة، وفي الحضر يصلي الإمام بكل طائفة ركعتين.
ثالثاً - كيفية أداء صلاة الخوف أو صفتها:
اتفق الفقهاء على ناحيتين مهمتين:
أولاهما - أنه يجوز للجيش أن يصلوا بإمامين، كل طائفة بإمام.
وثانيتهما - أنه في اشتداد الخوف وتعذر الجماعة، يجوز للجنود أن يصلوا فرادى ركباناً وراجلين، في مواقعهم وخنادقهم، يومئون إيماء بالركوع والسجود إلى أي جهة شاءوا، إلى القبلة وإلى غيرها، يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا، أو إلى غيرها؛ لأن هذه صلاة للضرورة، تسقط بها الأركان والتوجه إلى القبلة.
стр. 1418
وأما صلاة الخوف جماعة لكل الجنود، بإمام واحد: فتجوز صلاتها على أي صفة صلاها رسول الله ﷺ ، وقد جاءت الأخبار بأنها على ستة عشر نوعاً، في صحيح مسلم بعضها، ومعظمها في سنن أبي داود، وفي صحيح ابن حبان منها تسعة، ففي كل مرة كان ﷺ يفعل ما هو أحوط للصلاة وأبلغ في الحراسة.
والمشهور من ذلك سبع صفات، اختار الجمهور منها أقواها وأصحها لديهم، وأجازها كلها الحنابلة، واختار الإمام أحمد منها حديث سهل، وهي ما يأتي (١):
الأولى - صلاة النبي ﷺ في عسفان (٢): اعتمدها الشافعية والحنابلة إذا كان العدو في جهة القبلة: وهي أن يصف الإمام الناس خلفه صفين فأكثر، ويصلي بهم جميعاً ركعة إلى أن يسجد، فإذا سجد سجد معه الصف الذي يليه، وحرس الصف الآخر حتى يقوم الإمام إلى الركعة الثانية، فإذا قام سجد الصف المتخلف، ولحقوه.
وفي الركعة الثانية سجد معه الصف الذي حرس أولاً في الركعة الأولى، وحرس الصف الآخر. فإذا جلس الإمام للتشهد سجد من حرس، وتشهد بالصفين، وسلم بهم جميعاً. فهي صلاة مقصورة لكونها في السفر. وقد اشترط الحنابلة لهذه الصفة: ألا يخاف المسلمون كميناً يأتي من خلف المسلمين، وألا يخفى بعض الكفار عن المسلمين، وأن يكون في المصلين كثرة يمكن تفريقهم
стр. 1419
طائفتين، كل طائفة ثلاثة فأكثر؛ لأن الله تعالى ذكر الطائفة بلفظ الجمع ﴿فإذا سجدوا .. ﴾ [النساء:١٠٢/ ٤] وأقل الجمع ثلاثة. فإن خاف المسلمون كميناً (يكمن في الحرب)، أو خفي بعضهم عن المسلمين، أو كان المسلمون أقل من ستة أشخاص، صلوا على غير هذا الوجه.
الثانية - صلاة النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع (١): وهي التي اختارها الشافعية (٢) والحنابلة إذا كان العدو في غير جهة القبلة، كما اختارها المالكية مطلقاً في مشهور المذهب، سواء أكان العدو في جهة القبلة أم لا. وهي أن يقسم الإمام العسكر طائفتين: طائفة معه، وأخرى تحرس العدو، فيصلي بأذان وإقامة بالطائفة الأولى التي معه في الصلاة الثنائية ركعة، وفي الثلاثية والرباعية ركعتين، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون، ثم يذهبون ويحرسون.
وتأتي الطائفة الثانية، فيقتدون، ويصلي بهم الإمام الركعة الثانية في الثنائية، والركعتين الأخريين في الرباعية، والثالثة في المغرب، ويسلم الإمام، ويتمون صلاتهم بفاتحة وسورة، ولكن بعد سلامه عند المالكية، وينتظر الإمام في التشهد عند الشافعية والحنابلة ثم يسلم بهم، كما هو نص الحديث، ويقرأ الإمام بعد قيامه للركعة الثانية الفاتحة وسورة بعدها في زمن انتظاره الفرقة الثانية، ويكرر التشهد أو يطيل الدعاء فيه. ولا يسلم قبلهم عند الشافعية والحنابلة لقوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا، فليصلوا معك﴾ [النساء:١٠٢/ ٤] فيدل على أن صلاتهم كلها معه، وتحصل المعادلة بين الفرقتين، فإن الأولى أدركت مع الإمام فضيلة الإحرام، والثانية فضيلة السلام.
стр. 1420
الثالثة - صلاة النبي ﷺ كما رواها ابن عمر (١)، وهي التي اختارها الحنفية: أن يجعل الناس طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة خلفه، فيصلي بهذه الطائفة ركعة وسجدتين وتتمم صلاتها عند الجمهور بقراءة سورة الفاتحة وتسلم وتذهب للحراسة. وقال الحنفية: ثم تمضي إلى وجه العدو للحراسة بدون إتمام الصلاة.
وتأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين، ويتشهد ويسلم وحده لتمام صلاته، ولم يسلموا عند الحنفية لأنهم مسبوقون، وإنما يذهبون مشاة للحراسة في وجه العدو. وتتم هذه الطائفة صلاتها عند الجمهور بقراءة سورة مع الفاتحة ثم تعود لمواقعها. وقال الحنفية: ثم تجيء الطائفة الأولى إلى مكانها الأول، أو تصلي في مكانها تقليلاً للمشي، فتتم صلاتها وحدها بغير قراءة عند الحنفية؛ لأنهم في حكم اللاحقين، وتشهدوا وسلموا، وعادوا لحراسة العدو.
ثم تأتي الطائفة الثانية، فتتم صلاتها بقراءة سورة مع الفاتحة؛ لأنهم لم يدخلوا مع الإمام في أول الصلاة، فاعتبروا في حكم السابقين. ومذهب أشهب تلميذ مالك موافق في هذه الكيفية لمذهب الحنفية.
كيفية أداء الصلوات الخمس حال الإقامة:
فإن كان الإمام مقيماً صلى بالطائفة الأولى ركعتين من الرباعية، وبالطائفة الثانية ركعتين، تسوية بينهما. ويصلي - في المذاهب الأربعة - بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب، وبالثانية ركعة؛ لأنه إذا لم يكن بدّ من التفضيل فالأولى أحق به، وما فات الثانية ينجبر بإدراكها السلام مع الإمام. ويصلي الصبح بكل طائفة ركعة.
стр. 1421
الرابعة - صلاة النبي ﷺ في بطن نخل (مكان من نجد بأرض غطفان) (١)، واعتمدها الشافعية بعد صلاة ذات الرقاع إذا كان العدو في غير جهة القبلة: وهي أن يصلي الإمام مرتين صلاة كاملة، بكل طائفة مرة، ويسلم بكل طائفة. وصفتها حسنة قليلة الكلفة لا تحتاج إلى مفارقة الإمام ولا إلى تعريف كيفية الصلاة، وليس فيها أكثر من أن الإمام في الصلاة الثانية متنفل يؤم مفترضين، وهو جائز اتفاقاً، وعند الحنابلة والحنفية جائز في صلاة الخوف فقط، ممنوع في غيرها.
الخامسة - صلاة النبي ﷺ في ذات الرقاع كما رواها جابر (٢): وهي أن يصلي الإمام الصلاة الرباعية تامة أربعاً بالنسبة إليه، وتصلي معه كل طائفة صلاة مقصورة ركعتين، بلا قضاء للركعتين، فكان للإمام أربع تامة، وللقوم ركعتان مقصورة.
السادسة - صلاة النبي ﷺ بذي قَرَد (ماء على بريد:٢٢١٧٦ م من المدينة). رواها ابن عباس، وحذيفة، وزيد بن ثابت (٣) وغيرهم، ومنعها أكثر الفقهاء، فقال الشافعي عن حديث ابن عباس: «لا يثبت»؛ لأن الخوف لا يؤثر في نقص الركعات، وأجازها الإمام أحمد والمحدثون لصحة الأحاديث فيها: وهي أن يصف الإمام الناس صفين: صفاً خلفه، وصفاً موازي العدو، ويصلي الرباعية الجائز قصرها بكل طائفة ركعة فقط، بلا قضاء ركعة أخرى.
السابعة - صلاته ﷺ بأصحابه عام غزوة نجد، رواها أبو هريرة (٤): وهي
стр. 1422
أن تقوم مع الإمام طائفة، وتبقى طائفة أخرى تجاه العدو، وظهرها إلى القبلة، ثم يحرم وتحرم معه الطائفتان، وتصلي معه إحدى الطائفتين ركعة، ثم يذهبون فيقومون في وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فتصلي لنفسها ركعة، والإمام قائم، ثم يصلي بهم الركعة التي بقيت معه. ثم تأتي الطائفة القائمة في وجه العدو، فيصلون لأنفسهم ركعة، والإمام قاعد، ثم يسلم الإمام ويسلمون جميعاً، أي أن ابتداء الصلاة وانتهاءها تم باشتراك الطائفتين مع الإمام.
حمل السلاح في أثناء الصلاة: يسن للمصلي عند الشافعية والحنابلة (١) في صلاة شدة الخوف حمل السلاح في أثناء الصلاة احتياطاً، ليدفع به العدو عن نفسه، لقوله تعالى: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ [النساء:١٠٢/ ٤] وقوله ﴿ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر، أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم﴾ [النساء:١٠٢/ ٤] فدل على الجناح (الإثم) عند عدم ذلك، لكن لا يحمل في الصلاة سلاحاً نجساً، ولا ما يتأذى به الناس من الرمح في وسط الناس.
صلاة الجمعة في حال الخوف: قال الشافعية والحنابلة (٢): تصلى الجمعة في حال الخوف ببلد حضراً لا سفراً، بشرط كون كل طائفة أربعين رجلاً فأكثر ممن تصح بهم الجمعة، ويسمعون الخطبة.
وتكون الصلاة كصلاة عسفان وكذات الرقاع، لا كصلاة بطن نخل التي تتعدد في صلاة الإمام مرتين بكل طائفة مرة؛ إذ لا تقام جمعة بعد أخرى، ولا يجوز أن يخطب بإحدى الطائفتين، ويصلي بالأخرى، حتى يصلي معه من حضر الخطبة.
стр. 1423
سهو الإمام في صلاة الخوف: قال المالكية والشافعية والحنابلة (١): إذا فرق الإمام العسكر فرقتين كما حدث في صلاة ذات الرقاع أو صلاة عسفان، فسهو الإمام في الركعة الأولى يلحق الجميع، فيسجد المفارقون للسهو عند تمام صلاتهم؛ لأن صلاة الإمام ذاتها نقص في صلاتهم، إلا أن المالكية قالوا: تسجد الفرقة الأولى للسجود القبلي قبل السلام، والبعدي بعده، وتسجد الفرقة الثانية السجود القبلي مع الإمام، وتسجد السجود البعدي بعد قضاء ما عليها.
أما بعد المفارقة في الركعة الثانية: فلا يلحق سهو الإمام الأولين؛ لمفارقتهم الإمام قبل السهو.
وتسجد الفرقة الثانية مع الإمام آخر صلاته، ويلحقهم سهوه في حال انتظارهم.
أما سهو كل فرقة في الركعة الأولى للفرقة الأولى، وفي الركعة الثانية للفرقة الثانية، فيتحمله الإمام، لاقتداء الفرقة الأولى بالإمام حقيقة في الركعة الأولى، واقتداء الفرقة الثانية حكماً في الركعة الثانية.
رابعاً - صفة ما يقضيه المسبوق في صلاة الخوف، هل هو أول صلاته أو آخرها؟ سبق بحث هذا الموضوع في صلاة الجماعة - بحث المسبوق، وملخصه (٢): أن الشافعي قال: ما يدركه المسبوق أول صلاته، وما يقضيه آخر صلاته لقوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» وهذا هو المتبادر للذهن المتفق مع ترتيب ما
стр. 1424
أنجز من أعمال الصلاة، فمن أدرك ركعة في صلاة المغرب، قام إلى ركعة واحدة، فقرأ الفاتحة وسورة، ثم جلس للتشهد، ثم أتى بركعة يقرأ فيها الفاتحة فقط.
وقال الحنفية والحنابلة في ظاهر المذهب: ما يقضيه المسبوق أول صلاته، وما يدركه مع الإمام آخرها، أي عكس ترتيب ما أنجز من أعمال الصلاة، لخبر «ماأدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا»، فيقرأ دعاء الافتتاح ويتعوذ، ويقرأ السورة بعد الفاتحة، وإذا أدرك مع الإمام ركعة من المغرب فقط، صلى ركعتين من غير أن يجلس بينهما، ثم قام.
وقال المالكية: يفرق بين الأقوال والأفعال، فيقضي في الأقوال أي القراءة، كالحنفية والحنابلة، ويبني في الأفعال أي الأداء كالشافعية.
خامساً - متى تبطل صلاة الخوف؟ قال الحنفية (١): تفسد صلاة الخوف بمشي لغير اصطفاف، وسبق حدث، وركوب مطلقاً أي لاصطفاف أو غيره؛ لأن الركوب عمل كثير، وهو مما لا يحتاج إليه، بخلاف المشي، فإنه أمر لا بد منه، حتى يصطفوا بإزار العدو.
كما تفسد بقتال كثير، لا بقليل كرَمْية سهم، فلا يقاتل المصلون حال الصلاة لعدم الضرورة إليه، فإذا فعلوا ذلك، وكان كثيراً، بطلت صلاتهم لمنافاته للصلاة من غير ضرورة إليه، بخلاف المشي، فإنه ضروري لأجل الاصطفاف.
قال النووي (٢): لا يجوز الصياح ولا غيره من الكلام بلا خلاف، فإن صاح فبان منه حرفان، بطلت صلاته بلا خلاف؛ لأنه ليس محتاجاً إليه، بخلاف المشي وغيره.
стр. 1425
ولا تضر الأفعال اليسيرة بلا خلاف؛ لأنها لا تضر في غير الخوف ففيه أولى.
وأما الأفعال الكثيرة: فإن لم تتعلق بالقتال، بطلت الصلاة بلا خلاف. وإن تعلقت به كالطعنات والضربات المتوالية، فإن لم يحتج إليها أبطلت بلا خلاف أيضاً؛ لأنها عبث.
وإن احتاج إليها فالأصح عند الأكثرين: أن الصلاة لا تبطل؛ قياساً على المشي، ولأن مدار القتال على الضرب، ولا يحصل المقصود غالباً بضربة وضربتين، ولا يمكن التفريق بين الضربات.
سادساً - الصلاة عند التحام القتال واشتداد الخوف: اتفق الفقهاء - كما أشرنا - على أنه ليس للصلاة كيفية معينة عند اشتداد الخوف من العدو، ويصلي العسكر إيماء. وعبارات الفقهاء في ذلك ما يأتي:
قال الحنفية (١): إن اشتد خوف العسكر بحيث لا يدعهم العدو يصلون وعجزوا عن النزول، صلوا ركباناً فرادى؛ لأنه لا يصح الاقتداء لاختلاف المكان بين الإمام والمأمومين، ويومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاؤوا، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة، لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ [البقرة:٢٣٩/ ٢]، وسقط التوجه للقبلة للضرورة، كما سقطت أركان الصلاة.
والسابح في البحر: إن أمكنه أن يرسل أعضاءه ساعة صلى بالإيماء، وإلا لاتصح صلاته، كصلاة الماشي والسائف، وهو يضرب بالسيف، فلا يصلي أحد حال المسايفة.
стр. 1426
و قال الجمهور: تجوز الصلاة إيماء عند اشتداد الخوف وفي حال التحام القتال، وهي صلاة المسايفة.
و عبارة المالكية (١): تجوز الصلاة عند اشتداد الخوف، وفي حال المسايفة أو مناشبة الحرب، في آخر الوقت المختار، إيماء بالركوع والسجود إن لم يمكنا، ويخفض للسجود أكثر من الركوع، فرادى (وُحداناً)، بقدر الطاقة، مشاة أو ركباناً، وقوفاً أو ركضاً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
فيحل للمصلي صلاة الالتحام للضرورة مشي وهرولة وجري وركض، وضرب وطعن للعدو، وكلام من تحذير وإغراء، وأمر ونهي، وعدم توجه للقبلة، ومسك سلاح ملطخ بالدم. فإن أمنوا في صلاة الالتحام أتموا صلاة أمن بركوع وسجود.
و عبارة الشافعية (٢): إذا التحم القتال أو اشتد الخوف يصلي كل واحد كيف أمكن راكباً وماشياً، وأومأ للركوع والسجود، إن عجز عنهما، والسجود أخفض. ويعذر في ترك القبلة، وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح، ولا يعذر في الصياح بل تبطل به الصلاة، ويُلقي السلاح إذا دُمي دماً لا يعفى عنه، حذراً من بطلان الصلاة، فإن احتاج إلى إمساكه بأن لم يكن له منه بد، أمسكه للحاجة. ولاقضاء للصلاة حينئذ في الأظهر.
وله أن يصلي هذه الصلاة (أي شدة الخوف) حضراً وسفراً، في كل قتال وهزيمة مباحين وهرب من حريق وسيل وسبع وغريم عند الإعسار، وخوف حبسه.
стр. 1427
و عبارة الحنابلة (١): إذا كان الخوف شديداً، وهم في حال المسايفة، صلوا رجالاً وركباناً، إلى القبلة وإلى غيرها، يومئون إيماء بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم كالمريض، يبتدئون تكبيرة الإحرام إلى القبلة إن قدروا أو إلى غيرها. ويتقدمون ويتأخرون، ويضربون ويطعنون، ويكرون ويفرون، ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها.
ويصح أن يصلوا في حال شدة الخوف جماعة، بل تجب، رجالاً وركباناً، بشرط إمكان المتابعة، فإن لم تمكن لم تجب الجماعة ولا تنعقد.
ولا يضر تأخر الإمام عن المأموم في شدة الخوف، للحاجة إليه.
ولا يضر تلويث سلاحه بدم ولو كان كثيراً، وتبطل الصلاة بالصياح والكلام لعدم الحاجة إليه.
وتجوز هذه الصلاة لمن هرب من عدو هرباً مباحاً كخوف قتل أو أسر محرَّم بأن يكون الكفار أكثر من مثلي المسلمين، أو هرب من سيل أو سبع ونحوه، كنار أو غريم ظالم، أو خاف على نفسه أو أهله أو ماله من شيء مما سبق.
стр. 1428
المبحث الثامن - صلاة الجنازة، وأحكام الجنائز والشهداء والقبور
وفيه أربعةمطالب، علماً بأن المراد بالجنازة - بفتح الجيم أو كسرها - الميت في النعش:
المطلب الأول - ما يطلب من المسلم قبل الموت، وما يستحب حالة الاحتضار وبعد الموت من التجهيز.
المطلب الثاني - حقوق الميت (الغسل، والتكفين، والصلاة عليه، وحمل الجنازة والدفن).
المطلب الثالث - التعزية والبكاء على الميت.
المطلب الرابع - الشهادة في سبيل الله.
وفي كل مطلب فروع كثيرة، أبحث كل مطلب منها على حدة.
المطلب الأول - مايطلب من المسلم قبل الموت، وما يستحب حالة الاحتضار وبعد الموت من التجهيز:
الاستعداد للموت: الموت جسر بين حياتين: حياة الدنيا الفانية، وحياة الآخرة الخالدة، والدنيا مزرعة للآخرة، فمن عمل صالحاً في دنياه، نجا من سوء الحساب والعذاب في الآخرة، وكان من الخالدين في جنان الله، ومن عمل سوءاً كان من المعذبين في نار جهنم إلا أن يعفو الله عنه.
стр. 1429
والموت انتقال من عالم لآخر، وليس فناء، وإنما هو مفارقة الروح للبدن، والروح عند جمهور المتكلمين: جسم لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر، وهو باق لايفنى عند أهل السنة. وقوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر:٣٩/ ٤٢] تقديره عند موت أجسادها.
والمستحب لكل إنسان ذكر الموت والاستعداد له (١)، لقوله ﷺ : «أكثروا من ذكر هاذم اللذات» (٢) يعني الموت، والهاذم: القاطع. زاد البيهقي والنسائي: «فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله، ولا قليل إلا كثره» أي كثير من الدنيا، وقليل من العمل. ولحديث ابن مسعود: «أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: نستحيي يانبي الله، والحمد لله، قال: ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء» (٣).
والاستعداد للموت: بالخروج من المظالم، والتوبة من المعاصي، والإقبال على الطاعات، لقوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً، ولايشرك بعبادة ربه أحداً﴾ [الكهف:١٨/ ١١٠] ولما روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ أبصر جماعة يحفرون قبراً، فبكى حتى بلَّ الثرى بدموعه، وقال: «إخواني لمثل هذا فأعدوا» (٤) أي تأهبوا واتخذوا له عُدة، وهي ما يعد للحوادث.
стр. 1430
ويسن للمريض عند الاحتضار أن يحسن الظن بالله تعالى، متناسياً آثامه وسيئاته، معتقداً أنه مقبل على رب كريم غفار للذنوب كلها، ما دام مؤمناً، للحديث القدسي الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم: «أنا عند ظن عبدي بي».
عيادة المريض: تسن عيادة المريض (١)، قال البراء: «أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز وعيادة المريض» (٢)، وعن أبي هريرة مرفوعاً: «حق المسلم على المسلم ست، إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتْبعه» (٣)، وعن علي ﵁: «أن النبي ﷺ قال: ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة» (٤).
الرقية: إذا دخل الرجل على مريض دعا له بالصلاح والعافية ورقاه، قال ثابت لأنس: يا أبا حمزة اشتكيت، قال أنس: أفلا أرقيك برقية رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: «اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، شفاء لا يغادر سقماً»، وروى أبو سعيد قال: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، وعين حاسدة، الله يشفيك» (٥).
стр. 1431
والمستحب أن يقول: (أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك) سبع مرات، لما روي أن النبي ﷺ قال: «من عاد مريضاً لم يحضره أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، عافاه الله تعالى من ذلك المرض» (١).
ويستحب أن يقرأ عنده فاتحة الكتاب، لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «وما يدريك أنها رقية؟»، وأن يقرأ عنده سورة الإخلاص والمعوذتين. فقد ثبت ذلك عنه ﷺ ، وروى أبو داود: «أنه ﷺ قال: إذا جاء رجل يعود مريضاً، فليقل: اللهم اشف عبد ك ينكأ بك عدواً، أو يمشي لك إلى صلاة»، وصح أن جبريل عاد النبي ﷺ فقال: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، باسمه أرقيك» وأنه ﷺ كان إذا دخل على من يعوده، قال: «لا بأس، طهور إن شاء الله».
مجاملة المريض: ويسأل العائد المريض عن حاله، وينفِّس له في الأجل بما يطيب نفسه، إدخالاً للسرور عليه، ولقولهصلّى الله عليه وسلم: «إذا دخلتم على المريض فنفِّسوا له في الأجل، فإنه لا يرد من قضاء الله شيئاً، وإنه يطيب نفس المريض» (٢) ويرغِّبه في التوبة والوصية، لحديث «ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي فيه، إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٣).
ولا يطيل العائد الجلوس عند المريض خوفاً من الضجر، وتكره العيادة وسط النهار، ويعاد بكرة أوعشياً، ويعاد في رمضان ليلاً، لأنه ربما رأى من المريض مايضعفه.
стр. 1432
الشكوى والصبر وحسن الظن بالله تعالى: ويخبر المريض عن حاله من الوجع، ولو لغير طبيب بلا شكوى، بعد أن يحمد الله، لحديث ابن مسعود مرفوعاً: «إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاكٍ»
ويستحب أن يصبَّر المريض وكل مبتلى، للأمر به في قوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ [النحل:١٦/ ١٢٧] وقوله: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر:٣٩/ ١٠] وقوله ﷺ : «والصبر ضياء» (١)، وروي أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: «يارسول الله، ادع الله أن يشفيني، فقال: إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك، فقالت: أصبر ولا حساب علي» (٢).
والصبر الجميل: صبر بلا شكوى إلى المخلوق، والشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر، بل هي مطلوبة، ومن الشكوى إلى الله قول أيوب: «رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين» وقول يعقوب: «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله».
وينبغي كما تقدم أن يكون المريض حسن الظن بالله تعالى، لما روى جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى» (٣) ومعناه: أن يظن أن الله تعالى يرحمه، ويرجو ذلك كرماً ورحمة ومسامحة؛ لأنه أكرم الأكرمين يعفو عن السيئات، ويقيل العثرات، فيقدم الرجاء على الخوف، كما في الحديث الصحيح: «أنا عند حسن ظن عبدي بي» (٤).
стр. 1433
كراهة تمني الموت: يكره تمني الموت لضر نزل بالمرء في بدنه أو ضيق في دنياه أو نحو ذلك، جاء في الصحيحين: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي.
» ولا يكره تمني الموت لضرر بدينه أو خوف فتنة، لقوله ﷺ : «وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون».
وتمني الشهادة في سبيل الله ليس من تمني الموت المنهي عنه:
التداوي: قال الشافعية: ويسن للمريض التداوي، لخبر: «إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير المحرَّم» (١)، وخبر ابن مسعود: «ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء، جهله من جهله، وعلمه من علمه، فعليكم بألبان البقر، فإنها تُرِمُّ من كل الشجر» (٢) أي تأكل. وخبر أبي الدرداء: «إن الله تعالى أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بالحرام» (٣) ويكره إكراه المريض على التداوي وعلى الطعام، لما في ذلك من التشويش عليه.
قال النووي في المجموع (٤): إن ترك التداوي توكلاً، فهو فضيلة.
وكذلك قال الحنابلة (٥): ترك الدواء أفضل؛ لأنه أقرب إلى التوكل. ولا يجب التداوي ولو ظن نفعه، لكن يجوز اتفاقاً، ولا ينافي التوكل، لخبر
стр. 1434
أبي الدرداء السابق. ويحرم التداوي بسُمْ لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:١٩٥/ ٢].
عيادة الذمي: قال الحنابلة (١): تحرم عيادة الذمي كبداءته بالسلام.
وقال الشافعية (٢): لا تستحب عيادة الذمي، لكن تجوز إن كان هناك جوار أو قرابة أو نحوهما كرجاء إسلامه، وفاء بصلة الرحم وحق الجوار. جاء في صحيح البخاري عن أنس قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه، وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار».
توبة اليأس وإيمان اليأس (٣): اتفق العلماء على أن إيمان اليأس لا يقبل، لقوله تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ [غافر:٤٠/ ٨٥] واليأس: معاينة أسباب الموت بحيث يعلم قطعاً أن الموت يدركه لا محالة.
وقال الأشاعرة: إن توبة اليأس لا تقبل كإيمان اليأس، لعدم الاختيار، وعدم توافر ركن التوبة: وهو العزم بطريق التصميم على ألا يعود في المستقبل إلى ما ارتكب من المعاصي.
والمختار عند الحنفية: أن توبة اليأس مقبولة، لا إيمان اليأس؛ لأن الكافر غير عارف بالله تعالى، ويبدأ إيماناً وعرفاناً جديداً، والفاسق عارف، وحاله حال البقاء، والبقاء أسهل من الابتداء، ولقوله ﷺ : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم
стр. 1435
يغرغر» (١) والغرغرة تكون قرب كون الروح في الحلقوم، وحينئذ فلا يمكن النطق.
موت الفجأة وهيئة البعث: صح أن الميت يبعث بالحالة التي يموت فيها من الأعمال، لقوله ﷺ : «يبعث كل عبد على مامات عليه» (٢). وصح أن موت الفجأة أخذة أسف، وروي أنه ﷺ استعاذ من موت الفجأة. والتوفيق بين الأمرين: أن يحمل الأول على من له تعلقات يحتاج بسببها إلى الإيصاء والتوبة، أما المتيقظون فإنه تخفيف ورفق بهم، روي عن ابن مسعود وعائشة: أن موت الفجأة راحة للمؤمن، وأخذة غضب للكافر (٣).
ما يستحب حال الاحتضار: يستحب للمحتضر وهو من حضره الموت ولم يمت ما يأتي (٤)، علماً بأن علامة الاحتضار: استرخاء قدميه، واعوجاج منخره، وانخساف صد غيه، والاحتضار: هو ظهور دلائل الموت على المريض.
أ - إضجاعه على جنبه الأيمن إلى القبلة، اتباعاً للسنة، لقوله ﷺ عن البيت الحرام: «قبلتكم أحياء وأمواتاً» (٥)، ولقول حذيفة: «وجهوني» وقول فاطمة الزهراء لأم رافع: «استقبلي بي القبلة» (٦).
стр. 1436
فإن تعذر ذلك لضيق المكان ونحوه يوضع مستلقياً على قفاه ووجهه وقدماه نحو القبلة؛ لأنه أيسر لخروج روحه. وإن شق عليه ترك على حاله. ويسن تجريع المحتضر بماء بارد بملعقة أو قطنة مثلاً.
ب - تلقينه الشهادة مرة: وهي «لا إله إلا الله» بأن يقول القريب عنده ذلك، لقوله ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (١) وزيد في رواية: «فإنه ليس مسلم يقولها عند الموت إلا أنجته من النار» وروى أبو داود والحاكم حديثاً عن معاذ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة».
وقال الحنفية المالكية: يلقن ندباً الشهادتين قبل الغرغرة، لأن الأولى لا تقبل بدون الثانية. وذلك عند الجميع في لطف ومداراة. من غير إلحاح عليه ولا تكرار ولا أمر، لئلا يضجر، فإن تكلم بشيء فيعيد تلقينه لتكون «لا إله إلا الله» آخر كلامه.
وأضاف الحنفية: لا يلقن بعد تلحيده: وضعه في القبر، وإن فعل فالتلقين مشروع عند أهل السنة، ويكفي أن يقال: «يا فلان ابن فلان، أو يا عبد الله بن عبد الله، اذكر دينك الذي كنت عليه في دار الدنيا، من شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وقل: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً» (٢). ويغتفر في حق المحتضر ما ظهر منه من كلمات كفرية، ويعامل معاملة موتى المسلمين، حملاً على أنه في حال زوال عقله.
стр. 1437
وقد أجمع أهل السنة على أن سؤال الملكين في القبر حق، وأن كل ذي روح من بني آدم يسأل في القبر. والأرجح عند ابن عبد البر والسيوطي: أن الآثار دلت على أنه لا يكون السؤال إلا لمؤمن أو منافق، ممن يكون منسوباً إلى أهل القبلة بظاهر الشهادة، دون الكافر الجاحد.
وذكر السيوطي أن من لايسأل ثمانية: الشهيد والمرابط، والمطعون، والميت زمن الطاعون إذا كان صابراً محتسباً، والصدِّيق، والأطفال، والميت يوم الجمعة أو ليلتها، والقارئ كل ليلة: تبارك الملك. وضم بعضهم إليها السجدة، والقارئ في مرض موته: قل هو الله أحد.
جـ - قراءة القرآن عند المحتضر: قال المالكية: تكره القراءة عند الموت إن فعله استناناً كما يكره القراءة بعد الموت، وعلى القبر؛ لأنه ليس من عمل السلف، لكن المتأخرون على أنه لا بأس بقراءة القرآن والذكر وجعل ثوابه للميت، ويحصل له الأجر إن شاء الله. وقال الجمهور: يندب قراءة ﴿يس﴾ لحديث «اقرؤوا على موتاكم يس» (١) واستحسن بعض متأخري الحنفية والشافعية قراءة ﴿الرعد﴾ أيضا ً، لقولجابر: «إنها تهون عليه خروج روحه»
. والحكمة من قراءة ﴿يس﴾ أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها، فإذا قرئت عنده، تجدد له ذكر تلك الأحوال.
د - أن يتولى أرفق أهل المريض به، وأعلمهم بسياسته، وأتقاهم لربه تعالى إذا مات لا قبل الموت: إغماض عينيه، وشد لَحْييه (الفك السفلي) بعصابة من أسفلهما، وتربط فوق رأسه، تحسيناً له، ويقول: «بسم الله، وعلى ملة رسول الله، اللهم يسِّر عليه أمره، وسهِّل عليه ما بعده، وأسعده بلقائك، واجعل ما خرج
стр. 1438
إليه خيراً مما خرج عنه» قال الحنفية: ويخرج من عنده الحائض والنفساء والجنب، لامتناع حضور الملائكة بسببهم.
ويحضر عنده الطيب كبخور، وتلين مفاصله (١) من اليدين والرجلين، وتلين أصابعه، ويستر جميع بدنه بثوب خفيف كما فعل بالنبي ﷺ إذ سُجِّي (غطي) ببُرد حِبرة (ثوب في أعلام)، ويوضع على بطنه شيء ثقيل من أنواع الحديد، لئلا ينتفخ فيقبح منظره، ويوضع على سرير ونحوه مما هو مرتفع لئلا تسرع له هوام الأرض، وتنزع ثيابه عنه لئلا يسرع فساده، ويوجه للقبلة كمحتضر، كما تقدم، وتوضع يداه بجنبيه، ولا يجوز وضعهما على صدره؛ لأنه من عمل الكفار، وتكره عند الحنفية قراءة القرآن عنده حتى يغسل. وجاز تقبيل الميت تبركاً ومودة واحتراماً؛ لأن رسول الله ﷺ قبَّل عثمان بن مظعون، وقبل أبو بكر النبي بعد موته (٢) وإن أحب أهل الميت أن يروه لم يمنعوا، لقول جابر: لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي.
هـ - النعي: قال الجمهور غير الحنابلة (٣): لا بأس بإعلام الناس بموت إنسان للصلاة وغيرها، لما روى الشيخان: أنه ﷺ نعى لأصحابه النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وأنه نعى جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة. واستحسن بعض متأخري الحنفية وهو الأصح النداء في الأسواق لجنازة الشخص إن كان عالماً أوزاهداً، أو ممن يتبرك به.
стр. 1439
وهذا هو الأولى لا سيما في عصرنا لتعلق حقوق معينة بالميت، والتزامه بالواجبات.
ويكره نعي الجاهلية: وهو النداء بذكر مفاخر الميت ومآثره، للنهي عنه، كما صححه الترمذي. وهو أمر يخالف مجرد الإعلام بالموت.
وقال الحنابلة (١): يكره النعي: وهو أن يبعث منادياً ينادي في الناس: أن فلاناً قد مات، ليشهدوا جنازته، لما روى حذيفة قال: سمعت النبي ﷺ ينهى عن النعي (٢)، وقال حذيفة: إذا مت فلا تؤذنوا بي أحداً، فإني أخاف أن يكون نعياً، وقال ابن عمر: «الإيذان بالميت نعي الجاهلية». وقد قرر صاحب المهذب عند الشافعية كراهة نعي الميت، إلا أن المعتمد هو ما ذكره النووي أولاً.
وـ الإسراع بالتجهيز: إذا تيقنا من الموت يستحب الإسراع في أمور ثلاثة: التجهيز، وقضاء الديون، وتفريق وصيته.
أما التجهيز: فيستحب المسارعة فيه، خوفاً من تغير الميت، قال الإمام أحمد: «كرامة الميت تعجيله» لما روي أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال: «إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجِّلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن يُحبَس بين ظهري أهله» (٣). وتؤيده أحاديث الإسراع بالجنازة، مثل حديث علي: «ثلاث يا علي لا يؤخرن: الصلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤاً» (٤).
стр. 1440
ولا بأس أن ينتظر بالجنازة مقدار ما يجتمع لها جماعة، للدعاء له في الصلاة عليه، ما لم يخف عليه، أو يشق على الناس.
وأما الإسراع بقضاء الدين: فلتخفيف المسؤولية عن الميت، قال ﷺ : «نفس المؤمن معلّقة بدينه، حتى يقضى عنه» (١) هذا إذا كان له مال يقضى منه دينه. وأما من لا مال له، ومات عازماً على القضاء، فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه، مثل حديث أبي أمامة: «من دان بدين، في نفسه وفاؤه، ومات، تجاوز الله عنه، وأرضى غريمه بما شاء، ومن دان بدين وليس في نفسه وفاؤه، ومات، اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة» (٢) وحديث ابن عمر: «الدين دينان، فمن مات وهو ينوي قضاءه، فأنا وليه، ومن مات ولا ينوي قضاءه، فذلك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذ دينار ولا درهم» (٣).
وأما المسارعة إلى تفريق وصيته: فذلك ليعجل له ثوابها، بانتفاع الموصى له بها، علماً بأن الوصية بعد الدين، وقبل حقوق الورثة.
المطلب الثاني - حقوق الميت:
للميت على ذويه وإخوانه حقوق أربعة، هي فروض كفائية بالإضافة إلى حق أو واجب التجهيز السابق ذكره: وهي الغسل والتكفين والصلاة عليه، ودفنه وحمل جنازته واتباعه، لإجماع العلماء، وللأمر به في الأخبار الصحيحة في غير الدفن، إلا أن اتباعه سنة كما سيأتي، فلو دفن قبل غسله أو تكفينه لزم نبشه، ثم يتدارك ما حدث: