ودليلهم على إيجاب التكبير ومدته: قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ [البقرة:٢٠٣/ ٢] وحديث جابر: «كان رسول الله ﷺ يكبر في صلاة الفجر يوم عرفة، إلى صلاة العصر، من آخر أيام التشريق، حين يسلِّم من المكتوبات» وفي لفظ: «كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح من غداة عرفة، أقبل على أصحابه، فيقول: على مكانكم، ويقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر، من آخر أيام التشريق» (١).
و قال المالكية (٢):
يندب للجماعة والفرد التكبير إثر كل صلاة من الصلوات المكتوبات من خمس عشرة فريضة وقتية، من ظهر يوم النحر إلى صبح اليوم الرابع، لقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج:٢٨/ ٢٢] وهذا الخطاب وإن كان مقصوداً به أهل الحج، فإن الجمهور رأوا أنه يعم الحجاج وغيرهم، وتلقى الناس ذلك بالعمل، والناس تبع للحجيج وهم يكبرون من الظهر.
ولا يكبر بعد نافلة، ولا مقضية من الفرائض، وإن نسي التكبير كبَّر إذا تذكر إن قرب الزمن، لا إن خرج من المسجد أو طال عرفاً. وكبّر مؤتم ندباً ترك إمامه التكبير، وندب تنبيه الناسي ولو بالكلام.
стр. 1367
و قال الشافعية في الأظهر (١):
يكبّر الحاج عقب الصلوات من ظهر النحر، لأنها أول صلاته بمنى ووقت انتهاء التلبية ويختم بصبح آخر التشريق لأنها آخر صلاة يصليها بمنى، كما قال المالكية؛ وغير الحاج كالحاج في الأظهر والمشهور في المذهب؛ لأن الناس تبع للحجيج، ولإطلاق حديث مسلم: «أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى» وقيل: من صبح عرفة إلى عصر آخر التشريق، والعمل على هذا في الأمصار، وصح من فعل عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس ﵃، واختاره النووي، وقال: إنه الأصح. ولا يكبر الحاج ليلةالأضحى، بل يلبي؛ لأن التلبية شعاره، والمعتمر يلبي إلى أن يشرع في الطواف.
والأظهر أنه يُكَّبر في هذه الأيام للفائتةوالراتبة والمنذورة والنافلة المطلقة أو المقيدة، وذات السبب كتحية المسجد؛ لأنه شعار الوقت.
والتكبير سنة في العيدين في المنازل والطرق والمساجد والأسواق برفع الصوت، لما روى نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله بن عباس، وعلي وجعفر، والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن، رافعاً صوته بالتهليل والتكبير، ويأخذ طريق الحدادين حتى يأتي المصلَّى (٢).
ويكبر لرؤية الأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) في الأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة، لقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ [الحج:٢٨/ ٢٢].
стр. 1368
و قال الحنابلة (١):
يسن التكبير مطلقاً في العيدين، ويسن إظهاره في المساجد والمنازل والطرق، حضراً وسفراً، في كل موضع يجوز فيه ذكر الله، ويسن الجهر به لغير أنثى، من كل من كان من أهل الصلاة من مميز وبالغ، حر أوعبد، ذكر أو أنثى، من أهل القرى والأمصار، عقب كل فريضة ولو مقضية، تصلى في جماعة في المشهور، في ثلاث وعشرين فريضة من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، لحديث جابر السابق أن النبي ﷺ صلى الصبح يوم عرفة، وأقبل علينا، فقال: «الله أكبر، الله أكبر» ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق (٢)، وفي بعضها «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، ولله الحمد». والمسافر كالمقيم، والحاج المحرم كغير الحاج في مدة التكبير؛ لأنه قبل ذلك مشغول بالتلبية، ويبدأ بالتكبير ثم يلبي. لأن التكبير من جنس الصلاة.
ولا يكبر من صلى وحده، لقول ابن مسعود: «إنما التكبير على من صلى جماعة» (٣)، ولأنه ذكر مختص بوقت العيد، فأشبه الخطبة.
ويكبر مأموم نسي إمامه التكبير ليحوز الفضيلة، كقول: آمين.
ويأتي بالتكبير الإمام مستقبل الناس، لحديث جابر السابق أن النبي ﷺ «كان يقبل بوجهه على أصحابه، ويقول: على مكانكم، ثم يكبر» ويكبر غير الإمام مستقبل القبلة؛ لأنه ذكر مختص بالصلاة، أشبه الأذان والإقامة. ويجزئ التكبير مرة واحدة، وإن زاد على مرة فلا بأس، وإن كرره ثلاثاً فحسن. والأولى أن يُكبَّر
стр. 1369
عقب صلاة العيد؛ لأنها صلاة مفروضة في جماعة، فأشبهت صلاة الفجر، ولأن هذه الصلاة أخص بالعيد، فكانت أحق بتكبيره.
ويستحب التكبير أيضاً في أيام العشر من ذي الحجة وهي الأيام المعلومات، لقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج:٢٨/ ٢٢].
ثامناً - سنن العيد أو مستحباته أو وظائفه: يستحب في مقدمات عيد الأضحى الاجتهاد في عمل الخير، أيام عشر ذي الحجة، من ذِكْر الله تعالى والصيام والصدقة وسائر أعمال البر؛ لأنها أفضل الأيام، لحديث «مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع بشيء من ذلك» (١).
ويندب الامتناع عن تقليم الأظفار وحلق الرأس في عشر ذي الحجة، لما ورد في صحيح مسلم، قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل العشر، وأراد بعضكم أن يضحي، فلا يأخذن شعراً، ولا يقلمن ظفراً».
ويندب في العيد عدا التكبير ما يأتي (٢):
١ - إحياء ليلتي العيد بطاعة الله تعالى أي بالعبادة من ذكر وصلاة وتلاوة
стр. 1370
قرآن، وتكبير وتسبيح واستغفار، ويحصل ذلك بالثلث الأخير من الليل، والأولى إحياء الليل كله، لقوله ﷺ :
«من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى محتسباً، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب» (١).
ويقوم مقام ذلك: صلاة العشاء والصبح في جماعة.
والدعاء في ليلتي العيد مستجاب، فيستحب كما يستحب في ليلة الجمعة وليلتي أول رجب ونصف شعبان.
٢ - الغسل والتطيب والاستياك ولبس الرجال أحسن الثياب، قياساً على الجمعة، وإظهاراً لنعمة الله وشكره. ويدخل وقت الغسل عند الشافعية بنصف الليل، وعند المالكية: بالسدس الأخير من الليل، ويندب كونه بعد صلاة الصبح، وعند الحنفية والحنابلة بعد الصبح قبل الذهاب إلى المصلى، وهو غسل عند الحنفية للصلاة؛ لأنه ﷺ كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر (٢)، وكان علي وعمر ﵄ يغتسلان يوم العيد.
وكان ﵇ يتطيب يوم العيد، ولو من طيب أهله. وكان للنبي ﷺ بردة حمراء يلبسها يوم العيد (٣). وتخرج النساء كما بينا ببذلة بلا طيب خشية الافتتان بها.
ويتنظف ويتزين بإزالة الظفر والريح الكريهة كالجمعة، والإمام بذلك آكد؛ لأنه منظور إليه من بين سائر الناس.
стр. 1371
٣ - تبكير المأموم ماشياً إن لم يكن عذر إلى الصلاة بعد صلاة الصبح ولو قبل الشمس بسكينة ووقار: ليحصل له الدنو من الإمام من غير تخط للرقاب، وانتظار الصلاة فيكثر ثوابه، لقول علي: «من السنة أن يخرج إلى العيد ماشياً» (١)، ولأن النبي ﷺ ما ركب في عيد ولا جنازة.
وأما الإمام فيسن له التأخر إلى وقت الصلاة، لحديث أبي سعيد عند مسلم: «كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به: الصلاة».
ولا بأس بالركوب في العود، لقول علي: «ثم تركب إذا رجعت»؛ لأنه غير قاصد إلى قربة. وقال الحنفية: لا بأس بالركوب في الجمعة والعيدين، والمشي أفضل في حق من يقدر عليه.
وعبر الحنفية عن هذا بمندوبين: التبكر: وهو سرعة الانتباه أول الوقت أو قبله لأداء العبادة بنشاط، والابتكار: وهو المسارعة إلى المصلى لينال فضيلته والصف الأول.
ويذهب الإمام وغيره ندباً إلى المصلى كمافي صلاة الجمعة من طريق، ويرجع من أخرى، اتباعاً للسنة، كما روى البخاري (٢) لتشهد له الطريقان، أو لزيادة الأجر، ويخص الذهاب بأطولهما تكثيراً للأجر، ويرجع في أقصرهما.
ويندب للإمام الإسراع في الخروج إلى صلاة الأضحى والتأخر قليلاً في الخروج إلى صلاة الفطر، لما ورد مرسلاً من أمره ﷺ بذلك، وليتسع الوقت للتضحية ولإخراج الفطرة، كما سبق.
стр. 1372
٤ - أن يأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، وأن يكون المأكول تمرات وتراً، ويؤخر الأكل في الأضحى حتى يرجع من الصلاة، والأكل في الفطر آكد من الإمساك في الأضحى، لحديث أنس: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات» (١) وزاد في رواية منقطعة «ويأكلهن وتراً» وحديث بريدة: «أن رسول الله ﷺ كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل، وكان لا يأكل يوم النحر، حتى يصلي» (٢) ليأكل من الأضحية إن ضحى، والأولى من كبدها؛ لأنه أسرع هضماً وتناولاً. فإن لم يضح خير عند الحنابلة بين الأكل قبل الصلاة وبعدها.
ويندب تأخير الأكل في الأضحى مطلقاً، ضحى أم لا.
٥ - أن يؤدي صدقة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة، ولا بأس بأدائها قبل العيد بأيام، تمكيناً للفقير من الانتفاع بها في العيد، قال ابن عباس: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرَّفَث، وطعْمه للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (٣).
٦ - التوسعة على الأهل، وكثرة الصدقة النافلة بحسب الطاقة زيادة عن عادته، ليغنيهم عن السؤال.
٧ - إظهار البشاشة والفرح في وجه من يلقاه من المؤمنين، وزيارة الأحياء من الأرحامـ والأصحاب، إظهاراً للفرح والسرور، وتوثيقاً لرابطة الأخوة والمحبة.
٨ - قال الحنفية: يندب صلاة الصبح في مسجد الحي، لقضاء حقه، ثم
стр. 1373
يذهب إلى المصلى. ورأى جمهور الفقهاء أنه يندب إيقاع الصلاة في المصلى في الصحراء لا في المسجد، والسنة عند الشافعية أيضاً أن تصلى صلاة العيد في المصلى إذا كان المسجد ضيقاً، وإلا فالمسجد أفضل، كما بينا في موضع صلاة العيد.
تاسعاً - التنفل قبل العيد وبعده: للفقهاء رأيان: رأي الجمهور: لا يصلى قبل صلاة العيد ولا بعدها، وهو الأصح لدي، ورأي الشافعية: يصلى قبلها بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام، وبعدها أيضاً. وتفصيل الآراء ما يأتي:
رأي الحنفية (١):
يكره التنفل قبل صلاة العيد مطلقاً في المصلى والبيت وبعدها في المصلى فقط، ويجوز في البيت، لحديث ابن عباس ﵄: «خرج النبي ﷺ يوم عيد، فصلى ركعتين، لم يصل قبلهما ولا بعدهما» (٢) وحديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه كان لا يُصلِّي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين» (٣).
стр. 1374
المالكية في المشهور (١):
يكره التنفل قبل صلاة العيد وبعدها في المصلى لحديث ابن عباس وابن عمر لا في المسجد، ففي المسجد لا يكره قبلها ولا بعدها، أما عدم كراهته قبلها فلأن السنة الخروج بعد الشمس، والتحية حينئذ مطلوبة اتفاقاً، وأما عدم كراهته بعد صلاتها، فلندور حضور أهل البدع لصلاة الجماعة في المسجد.
الحنابلة (٢):
يكره التنفل قبل صلاة العيد وبعدها للإمام والمأموم في موضع الصلاة، سواء أكان في المصلى أم المسجد، لحديث ابن عباس السابق، ونحوه عن ابن عمر، ولنهي الصحابة عنه وعملهم به، ولأنه وقت نهي عن التنفل فيه كسائر أوقات النهي.
ويكره أيضاً قضاء فائتة في مصلى العيد قبل مفارقته، إماماً كان أو مأموماً، في صحراء أو في مسجد، لئلا يقتدي به.
ولا بأس بالتنفل إذا خرج من المصلى في منزل أو غيره، لما روى حرب عن ابن مسعود «أنه كان يصلي يوم العيد إذا رجع إلى منزله أربع ركعات أو ركعتين». فهذا كالحنفية تماماً.
ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد: تقبل الله منا ومنك.
الشافعية (٣):
لا يكره النفل قبل صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس لغير الإمام، لانتفاء
стр. 1375
الأسباب المقتضية للكراهة، فهو ليس بوقت منهي عن الصلاة فيه، ولما روي عن أبي بردة وأنس والحسن وجابر بن زيد أنهم كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام.
أما قبل ارتفاع الشمس: فإنه وقت كراهة. وأما الإمام فيكره له النفل قبلها وبعدها لاشتغاله بغير الأهم، ولمخالفته فعل النبي ﷺ . وأما غير الإمام بعد صلاة العيد فإن كان يسمع الخطبة فيكره له، وإلا فلا.
ومن دخل والخطيب يخطب، فإن كان في مسجد بدأ بالتحية، لقوله ﷺ : «إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين»، كما بينا في النوافل، ثم بعد فراغ الخطبة يصلي في المسجد صلاة العيد، فلو صلى فيه بدل تحية العيد، وهو أولى، حصل له ثواب التحية والعيد. ولو دخل وعليه مكتوبة يفعلها ويحصل بها التحية.
وإن كانت الصلاة في صحراء: سن له الجلوس ليستمع الخطبة؛ إذ لا تحية، وأخر صلاة العيد إلا إن خشي الداخل فواتها، فيقدمها على الاستماع. وإذا أخرها فهو مخير بين أن يصليها في المصلى، وبين أن يصليها بغيره إلا إن خشي الفوات بالتأخير.
عاشراً - كيفية صلاته ﷺ صلاة عيد الفطر والأضحى وكيفية خطبته: يحسن ختم هذا المبحث ببيان هذه الكيفية، كما رواها الثقات. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال نبي الله ﷺ : «التكبير في الفطر - أي صلاته - سبع في الأولى، وخمس في الأخرى، والقراءة - الحمد وسورة - بعدهما كلتيهما» (١).
стр. 1376
وعن أبي سعيد قال: «كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس، والناس على صفوفهم، فيعظهم ويأمرهم» (١).
وعن جابر ﵁ قال: «شهدت مع النبي ﷺ يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على الطاعة، ووعظ الناس وذكرَّهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن» (٢).
وعن سعد المؤذن ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يكبر بين أضعاف الخطبة، يكثر التكبير في خطبة العيدين» (٣).
وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ﵁ قال: «السنة أن يخطب الإمام في العيدين خطبتين، يفصل بينهما بجلوس» (٤).
حادي عشر - صلاة الجمعة في يوم العيد:
إن صادف وجود العيد في يوم جمعة، سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد إلا الإمام، فإنها لا تسقط عنه إلا أن لا يجتمع له من يصلي به الجمعة. وهذا مذهب الحنابلة، لما رواه أبو داود والإمام أحمد عن إياس بن أبي رملة الشامي (٥) قال:
стр. 1377
«شهدت معاوية يسأل زيد بن أرقم، هل شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة» فقال: «من شاء أن يصلي فليصل» أو «من شاء أن يجمّع فليجمِّع» وروى ابن ماجه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمّعون». ولأنه تحقق المقصود بسماع خطبة العيد، فأجزأ ذلك عن سماعها ثانياً، ولأن وقتها واحد في رأيهم وهو الساعة السادسة، فسقطت إحداهما بالأخرى، كالجمعة مع الظهر.
وقال الجمهور (بقية المذاهب): تجب الجمعة، لعموم الآية الآمرة بها، والأخبار الدالة على وجوبها؛ ولأنهما صلاتان واجبتان، فلم تسقط إحداهما بالأخرى، كالظهر مع العيد (١).
стр. 1378
المبحث الخامس - صلاة الكسوف والخسوف
معنى الكسوف والخسوف، مشروعية صلاة الكسوفين ونحوها، صفتها (كيفيتها، الجهر والإسرار بالقراءة فيها، وقتها، هل من شرطها الخطبة؟، الجماعة فيها وموضعها. هل خسوف القمر مثل كسوف الشمس؟) متى يدركها المسبوق؟، هل تقدم صلاة الكسوف على غيرها عند اجتماعها معها؟.
أولاً - معنى الكسوف والخسوف:
الكسوف والخسوف: شيء واحد، ويقال لهما كسوفان وخسوفان، والأشهر في تعبير الفقهاء: تخصيص الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر.
والكسوف: هو ذهاب ضوء الشمس أو بعضه في النهار لحيلولة ظلمة القمر بين الشمس والأرض.
والخسوف: هو ذهاب ضوء القمر أو بعضه ليلاً لحيلولة ظل الأرض بين الشمس والقمر. ولا يحدث عادة كسوف الشمس إلا في الاستسرار آخر الشهر إذا اجتمع النيِّران، كما لا يحدث خسوف القمر إلا في الإبدار، إذا تقابل النيِّران.
стр. 1379
ثانياً - مشروعية صلاة الكسوفين ونحوها وحكمها الفقهي: صلاة الكسوف والخسوف سنة (١) ثابتة مؤكدة باتفاق الفقهاء (٢)، بدليل قوله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن﴾ [فصلت:٣٧/ ٤١] أي أنه يصلى عند كسوفهما. وقوله ﷺ يوم مات ابنه إبراهيم: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فصلوا وادعوا، حتى ينكشف ما بكم» (٣).
وهي مشروعة حضراً وسفراً للرجال والنساء، أي في حق كل من هو مخاطب بالمكتوبات الخمس؛ لأنه ﷺ فعلها لكسوف الشمس، كما رواه الشيخان، ولخسوف القمر، كما رواه ابن حبان في كتابه الثقات، وللصبيان والعجائز حضورها كالجمعة والعيدين. ويؤمر بها من تجب عليه الجمعة اتفاقاً.
وإنما لم تجب لخبر الصحيحين المتقدم: «هل علي غيرها؟ - أي الخمس - قال: لا، إلا أن تطَّوّع».
وتشرع بلا أذان ولا إقامة وتسن فيها الجماعة، ويندب أن ينادى لها: «الصلاة جامعة»؛ لأن النبي ﷺ «بعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة» (٤).
стр. 1380
وتصلى جماعة أو فرادى، سراً أو جهراً، بخطبة أو بلا خطبة، على التفصيل الآتي بين المذاهب، لكن فعلها في مسجد الجمعة والجماعة أفضل؛ لأن النبي ﷺ صلى في المسجد (١).
ولا يشترط لها إذن الإمام، كصلاة الاستسقاء؛ لأن كلاً منهما نافلة، وليس إذنه شرطاً في نافلة.
ويسن الغسل لها (٢)، كما تقدم بيانه في بحث الأغسال المسنونة؛ لأنها صلاة يشرع لها الاجتماع، والخطبة عند الشافعية، والوعظ ندباً عند المالكية، فيسن لها الغسل، كصلاة الجمعة والعيدين.
الصلاة عند الفزع:
قال المالكية (٣): لا يؤمر المرء بالصلاة عند الزلازل والمخاوف والآيات التي هي عبرة؛ لأن النبي ﷺ لم يصل لغير الكسوفين، وقد كان في عصره بعض هذه الآيات، وكذلك خلفاؤه من بعده، لم يصلوا.
وقال الجمهور (٤): يصلى للزلزلة فرادى لا جماعة، لفعل ابن عباس (٥)، ولا يصلى عند الحنابلة لغيرها من سائر الآيات، كالصواعق والريح الشديدة والظلمة بالنهار، والضياء بالليل، لعدم نقل ذلك عنه ﷺ وأصحابه، مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر، وهبوب الرياح والصواعق.
стр. 1381
وأضاف الحنفية والشافعية: أنه يندب أن يصلي الناس فرادى ركعتين مثل كيفية الصلوات، لا على هيئة الخسوف لنحو الزلازل، كالصواعق والظلمة الهائلة نهاراً، والريح الشديدة مطلقاً ليلاً أو نهاراً، والفزع بانتشار الكواكب والضوء الهائل ليلاً، والثلج والأمطار الدائمة، وعموم الأمراض، والخوف الغالب من العدو ونحو ذلك من الأفزاع والأهوال؛ لأنها آيات مخوفة للعباد، ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى طاعة الله تعالى التي بها فوزهم وصلاحهم، قياساً على صلاة الكسوف (١)، وصلاة الكسوف التجاء إلى الله تعالى لكشف الغمة، وهكذا شأن المؤمن يلجأ إلى الله سبحانه كلما ألم به مكروه، واشتد به الضر، وأحدق به الخطر، لذا يسن لكل أحد أن يتضرع بالدعاء عند الزلازل والرياح الشديدة والصواعق والخسف، لئلا يكون غافلاً؛ لأنه ﷺ كان إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به.
ثالثاً - صفة صلاة الكسوف: اختلف الفقهاء في أمور ستة تتعلق بصفة صلاة الكسوف وهي ما يلي:
١ - كيفيتها: للفقهاء في كيفية صلاة الكسوف رأيان:
رأي الحنفية (٢):
صلاة الكسوف ركعتان كهيئة الصلوات الأخرى من صلاة العيد والجمعة
стр. 1382
والنافلة، بلا خطبة ولا أذان ولا إقامة، ولا تكرار ركوع في كل ركعة، بل ركوع واحد، وسجدتان، لما رواه أبو داود في سننه: «أنه ﵊ صلى ركعتين، فأطال فيهما القيام، ثم انصرف، وانجلت الشمس، فقال: إنما هذه الآيات يخوف الله تعالى بها عباده، فإذا رأيتموها فصلوا، كأحدث صلاة صليتموهامن المكتوب» (١) قال الكمال بن الهمام: وهي الصبح، فإن كسوف الشمس كان عند ارتفاعها قيد رمحين.
رأي الجمهور (٢):
صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة قيامان، وقراءتان وركوعان، وسجودان. والسنة أو الأكمل أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة سورة البقرة أو نحوها في الطول، وفي القيام الثاني بعد الفاتحة دون ذلك أي بقدر مئتي آية مثل آل عمران، وفي القيام الثالث بعد الفاتحة دون ذلك، أي بقدر مئة وخمسين آية، مثل النساء، وفي القيام الرابع بعد الفاتحة دون ذلك بقدر مئة تقريباً مثل المائدة.
فيقرأ أولاً المقدار الأول، ثم يركع، ثم يرفع، ويقرأ المقدار الثاني، ثم يركع ثم يرفع، ثم يسجد كما يسجد في غيرها، ويطيل الركوع، والسجود في الصحيح عند الشافعية، ويكرر ذلك في الركعة الثانية.
стр. 1383
ويسبح في الركوع الأول قدر مئة من البقرة، وفي الثاني ثمانين، والثالثة سبعين، والرابع خمسين تقريباً.
وأخيراً ذكر الحنابلة أنه يجوز فعل صلاة الكسوف على كل صفة وردت عن الشارع، إن شاء أتى في كل ركعة بركوعين وهو الأفضل؛ لأنه أكثر في الرواية، وإن شاء صلاها بثلاثة ركوعات في كل ركعة. لما روى مسلم عن جابر: أن النبي ﷺ «صلى ست ركعات بأربع سجدات» أو أربعة ركوعات في كل ركعة، لما روى ابن عباس أن النبي ﷺ : «صلى في كسوف: قرأ، ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، والأخرى مثلها» (١).
أوخمسة ركوعات في كل ركعة، لما روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: «انكسفت الشمس على عهد النبي ﷺ وأنه صلى بهم، فقرأ سورة من الطوال، ثم ركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم قام إلى الثانية، فقرأ سورة من الطوال، وركع خمس ركعات، وسجد سجدتين، ثم جلس كما هو مستقبل القبلة يدعو حتى انجلى كسوفها» (٢)، ولا يزيد على خمسة ركوعات في كل ركعة؛ لأنه لم يرد به نص، والقياس لا يقتضيه.
وإن شاء فعل صلاة الكسوف كنافلة بركوع واحد؛ لأن ما زاد عليه سنة.
ومهما قرأ به جاز، سواء أكانت القراءة طويلة أم قصيرة، وقد روي عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أر بع ركعات وأربع سجدات، وقرأ في الأولى بالعنكبوت والروم، وفي الثانية بيس» (٣).
стр. 1384
ودليل الجمهور على تعدد الركوع اثنين: حديث عبد الله بن عمرو، قال: «لما كُسفت الشمس على عهد النبي ﷺ نودي أن «الصلاة جامعة»، فركع النبي ﷺ ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين في سجدة، ثم جُلِي عن الشمس، قالت عائشة: ما ركعت ركوعاً قط، ولا سجدت سجوداً قط، كان أطول منه» (١).
وحديث عائشة ﵂ قالت: «خَسَفَت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فبعث منادياً: الصلاة جامعةً، فقام فصلى أربع رَكَعات في ركعتين، وأربع سَجَدات» (٢).
وهذان الحديثان ونحوهما ثابتة في الصحيحين، فهي أشهر وأصح، فقدمت على بقية الروايات. قال ابن عبد البر: هذان الحديثان من أصح ما روي في هذا الباب.
ودليلهم على إطالة القراءة والركوع والقيام: حديث ابن عباس ﵄، قال: «خَسَفت الشمس، فصلى رسول الله ﷺ ، فقام قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف، وقد تجلَّت الشمس … الخ» (٣).
стр. 1385
ودليلهم على تطويل السجود: حديث ثبت في الصحيحين في صلاته ﷺ لكسوف الشمس من حديث أبي موسى.
٢ - الجهر والإسرار بالقراءة في صلاة الكسوفين: للفقهاء آراء ثلاثة في الجهر بالقراءة أو الإخفات والإسرار في صلاتي الكسوف والخسوف.
فقال أبو حنيفة (١): يخفي الإمام القراءة في صلاة الكسوف، لحديث ابن عباس وسمرة ﵄، أما حديث الأول فقال: «صليت مع النبي ﷺ الكسوف فلم أسمع منه حرفاً من القراءة» (٢)، وأما حديث سمرة فقال: «صلى بنا رسول الله ﷺ في كسوف، لا يسمع له صوتاً» (٣)، والأصل في صلاة النهار الإخفاء.
وأما صلاة الخسوف فتصلى فرادى سراً.
وقال الصاحبان: يجهر الإمام في صلاة الكسوف، لحديث عائشة: أنه ﷺ جهر فيها (٤).
стр. 1386
وقال المالكية والشافعية (١): يسر الإمام في صلاة الكسوف، لحديثي ابن عباس وسمرة المتقدمين، ولأنها صلاة نهارية، كما قال الحنفية، ويجهر في صلاة خسوف القمر؛ لأنها صلاة ليل أو ملحقة بها، وقد جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته، في حديث عائشة المذكور.
وقال الحنابلة (٢): يجهر في صلاتي الكسوف والخسوف، لقول عائشة: «إن النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات» (٣) وفي لفظ: «صلى صلاة الكسوف فجهر بالقراءة فيها» (٤).
والخلاصة: الإسرار في صلاة الكسوف مذهب الجمهور، ولكني أرجح مذهب الحنابلة والصاحبين في الجهر بصلاة الكسوف والخسوف، قال الشوكاني: الجهر أولى من الإسرار، لأنه زيادة.
٣ - وقت صلاة الكسوف والخسوف: تصلى هذه الصلاة وقت حدوث الكسوف والخسوف. وهل تصلى في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؟ الجمهور: لا تصلى فيها؛ لأن تلك الأوقات تختص بجميع أجناس الصلاة، والشافعية: تصلى فيها؛ لأن تلك الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في أوقات خمسة تختص بالنوافل، وصلاة الكسوف سنة، فتجوز في أي وقت.
стр. 1387
و تفصيل آراء المذاهب كما يأتي، قال الحنفية (١): وقت صلاة الكسوف هو الوقت الذي يستحب فيه أداء سائر الصلوات دون الأوقات المكروهة؛ لأن أداء النوافل أو الواجبات في هذه الأوقات مكروهة، كسجدة التلاوة وغيرها.
و قال المالكية (٢): لا يصلى لكسوف الشمس إلا في الوقت الذي تجوز فيه النافلة، فوقتها كالعيد والاستسقاء من حلّ النافلة إلى الزوال، وهذه رواية المدونة عن مالك، فإذا كسفت بعد الزوال لم تُصلَّ. وعلى رواية غير المدونة: يصلى لها حالاً، ويصلى لها بعد العصر.
وأما صلاة الخسوف: فيندب تكرارها حتى ينجلي القمر، أو يغيب في الأفق، أو يطلع الفجر، فإن حصل واحد من هذه الثلاثة فلا صلاة.
و قال الشافعية (٣): تصلى صلاة الكسوفين في جميع الأوقات؛ لأنها ذات سبب، وتفوت صلاة كسوف الشمس، بالانجلاء لجميع المنكسف، وبغروب الشمس كاسفة، دليل الأول خبر: «إذا رأيتم ذلك - أي الكسوف - فادعوا الله وصلوا حتى ينكشف مابكم» (٤) فدل على عدم الصلاة بعد ذلك.
ودليل الثاني: أن الانتفاع بالصلاة يبطل بغروبها نيرة أو مكسوفة لزوال سلطانها.
وتفوت صلاة خسوف القمر: بالانجلاء لحصول المقصود، وبطلوع الشمس
стр. 1388
وهو - أي القمرـ منخسف لعدم الانتفاع حينئذ بضوئه. ولا تفوت في الجديد بطلوع الفجر لبقاء ظلمة الليل والانتفاع به، كما لاتفوت بغروب القمر خاسفاً، لبقاء محل سلطنته وهو الليل، فغروبه كغيبوبته تحت السحاب خاسفاً.
و قال الحنابلة (١): وقتها: من حين الكسوف إلى حين التجلي، لحديث المغيرة السابق وغيره، وإن تجلى الكسوف وهو فيها أتمها خفيفة على صفتها، لقوله ﷺ في حديث أبي مسعود: «فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم» (٢)، ولأن المقصود التجلي وقد حصل. ولا يقطع الصلاة، لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد:٣٣/ ٤٧] ولكن شرع تخفيفها حينئذ لزوال السبب.
وإن شك في التجلي لنحو غيم أتمها من غير تخفيف؛ لأن الأصل عدمه، فيعمل بالأصل في حال بقاء الكسوف، ويعمل بالأصل في وجود الكسوف إذا شك فيه، فلا يصلي؛ لأن الأصل عدمه.
وتفوت صلاة الكسوفين بالتجلي قبل الصلاة، أو بغيبوبة الشمس كاسفة،
أو بطلوع الشمس والقمر خاسف، أو بطلوع الفجر والقمر خاسف؛ لأنه ذهب وقت الانتفاع بهما (٣).
وإن وقع الكسوف في وقت نهي عن الصلاة، دعا الله وذكره بلا صلاة، لعموم أحاديث النهي. ويؤيده ما روى قتادة قال: «انكسفت الشمس بعد العصر، ونحن بمكة، فقاموا يدعون قياماً، فسألت عن ذلك فقال: هكذا كانوا يصنعون» (٤).
стр. 1389
٤ - هل لصلاة الكسوف خطبة؟ ثبت أن النبي ﷺ لما انصرف من صلاة الكسوف وقد تجلت الشمس، حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته … » الحديث (١).
فقال جماعة: إنه خطب؛ لأن من سنة هذه الصلاة الخطبة، كالحال في صلاة العيدين والاستسقاء.
وقال آخرون: إن خطبة النبي ﷺ إنما كانت يومئذ؛ لأن الناس زعموا أن الشمس إنما كسفت لموت إبراهيم ابنه ﵇.
وتفصيل آراء المذاهب هو مايأتي (٢):
قال الحنفية والحنابلة: لا خطبة لصلاة الكسوف؛ لأن النبي ﷺ «أمر بالصلاة دون الخطبة» وإنما خطب بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به، وليس في الخبر ما يدل على أنه خطب كخطبتي الجمعة.
وكذلك قال المالكية: لا يشترط لهذه الصلاة خطبة، وإنما يندب وعظ بعدها مشتمل على الثناء على الله، والصلاة والسلام على نبيه، لفعله ﵊ ذلك.
стр. 1390
وقال الشافعية: السنة أن يخطب الإمام لصلاة الكسوفين خطبتين بعد الصلاة، كخطبة العيد والجمعة بأركانهما، اتباعاً للسنة، قالت عائشة: «إن النبي ﷺ لما فرغ من صلاته، قام، فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: إن الشمس والقمر … » (١) ويحث فيهما السامعين على التوبة من الذنوب، وعلى فعل الخير كصدقة ودعاء واستغفار، للأمر بذلك في البخاري وغيره، ويحذرهم الاغترار والغفلة، ويذكر في كل وقت من الحث والزجر ما يناسبه.
لكن لا يخطب الإمام ببلد فيها وال إلا بأمر الوالي، وإلا فيكره.
ذكر الله تعالى والدعاء: اتفق الفقهاء على أنه يستحب ذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار والصدقة والتقرب إلى الله تعالى بما استطاع من القرب، لقوله ﷺ : «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا» وفي لفظ: «إذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره» (٢) ولأنه تخويف من الله تعالى، فينبغي أن يبادر إلى طاعة الله تعالى ليكشفه عن عباده.
والدعاء يكون بعد الصلاة، يدعو الإمام جالساً مستقبل القبلة إن شاء، أو قائماً مستقبل الناس.
٥ - الجماعة في صلاة الكسوف وموضعها: اتفق الفقهاء (٣) على أن صلاة الكسوف تسن جماعةً في المسجد، وينادى لها (الصلاة جامعة)، اتباعاً للسنة كما في الصحيحين، قالت عائشة: «خرج النبي
стр. 1391
ﷺ إلى المسجد، فقام وكبر، وصف الناس وراءه» (١). ويصلي بالناس الإمام الذي يصلِّي بهم الجمعة.
وأجاز الحنابلة والشافعية: صلاتها فرادى؛ لأنها نافلة، ليس من شرطها الاستيطان، فلم تشترط لها الجماعة كالنوافل. وقال الحنفية: إن لم يحضر إمام الجمعة صلاها الناس فرادى ركعتين أو أربعاً، في منازلهم.
وأما صلاة خسوف القمر، ففيها رأيان: قال الحنفية والمالكية: إنها تصلى فرادى (أفذاذاً) كسائر النوافل؛ لأن الصلاة بجماعة في خسوف القمر لم تنقل عن النبي ﷺ ، مع أن خسوفه كان أكثر من كسوف الشمس، ولأن الأصل أن غير المكتوبة لا تؤدى بجماعة، قال النبي ﷺ : «صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة» إلا إذا ثبت بالدليل كما في العيدين وقيام رمضان وكسوف الشمس، ولأن الاجتماع بالليل متعذر، أو سبب الوقوع في الفتنة.
وتصلى عند الشافعية والحنابلة صلاة الخسوف جماعة كالكسوف، لما روي عن ابن عباس أنه صلى بالناس في خسوف القمر، وقال: صليت كما رأيت رسول الله ﷺ (٢)، ولحديث محمود بن لبيد: «فإذا رأيتموها كذلك فافزعوا إلى المساجد» (٣).
وهذا الرأي أولى؛ إذ لا فرق بين الخسوف والكسوف، وتسقط عمن له عذر في التخلف عن أداء الجماعة.
أما سبب الاختلاف بين الرأيين: فهو اختلافهم في مفهوم قوله ﷺ : «إن
стр. 1392
الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتموها، فادعوا الله، وصلوا، حتى يكشف مابكم، وتصدقوا» (١) فالفريق الثاني الذي فهم من الأمر بالصلاة فيهما معنى واحداً: وهي الصفة التي فعلها في كسوف الشمس، رأى أن الصلاة فيها جماعة.
والفريق الأول الذي فهم من ذلك معنى مختلفاً؛ لأنه لم يرو عنه ﵊ أنه صلى في خسوف القمر مع كثرة دورانه، قال: المفهوم من ذلك أقل ما ينطلق عليه اسم صلاة في الشرع، وهي النافلة فذاً.
ولا تقضى صلاة الخسوف والكسوف؛ لأنها مقرونة بسببها، فإذا زال السبب، فات موجبها، وهو انجلاء الشمس وغياب القمر أو الشمس كاسفاً.
٦ - هل صلاة خسوف القمر مثل صلاة الكسوف؟ قال الحنفية (٢): تصلى صلاة الخسوف ركعتين أو أربعاً فرادى، كالنافلة، في المنازل.
وقال المالكية (٣): يندب لخسوف القمر ركعتان جهراً كالنوافل بقيام وركوع فقط على العادة.
وقال الشافعية والحنابلة (٤): صلاة الخسوف كالكسوف، بجماعة، بركوعين وقيامين وقراءتين وسجدتين في كل ركعة، لكنها تؤدى جهراً لا سراً عند
стр. 1393
الشافعية، كما هو المقرر فيهما عند الحنابلة، لقول عائشة:
«إن النبي ﷺ جهر في صلاة الخسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات» (١).
رابعاً - متى يدركها المسبوق؟ عرفنا أن لهذه الصلاة هيئة مخصوصة تتميز عند غير الحنفية بركوعين في كل ركعة، فهل يدركها المسبوق بالركوع الأول أو بالثاني؟
قال المالكية (٢): تدرك الركعة من ركعتي الكسوف مع الإمام بالركوع الثاني، فيكون هو الفرض، وأما الأول فهو سنة، والراجح أن الفاتحة فرض مطلقاً.
وقال الشافعية (٣): من أدرك الإمام في ركوع أول، أدرك الركعة، كما في سائر الصلوات، أما من أدركه في ركوع ثان أو قيام ثان، فلا يدرك الركعة في الأظهر؛ لأن الأصل هو الركوع الأول وقيامه، والركوع الثاني وقيامه في حكم التابع.
وهذا هو الراجح لدي، لأنه المتبادر للذهن، والثاني استثناء.
وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٤): إذا أدرك المأموم الإمام في الركوع الثاني، احتمل أن تفوته الركعة؛ لأنه قد فاته من الركعة ركوع، كما لو فاته الركوع من غير هذه الصلاة. ويحتمل أن صلاته تصح؛ لأنه يجوز أن يصلي هذه الصلاة بركوع واحد، فاجتزئ به في حق المسبوق.
стр. 1394
خامساً - هل تقدم صلاة الكسوف على غيرها عند اجتماعها معها؟ إذا اجتمع صلاتان كالكسوف مع غيره من الجمعة أو فرض آخر أو العيد، أو الجنازة أو الوتر فأيهما يقدم؟
قال الشافعية والحنابلة (١): يقدم الفرض إن خيف فوته، لضيق وقته، وإلا بأن لم يخف فوت الفرض، يقدم الكسوف، ثم يخطب للجمعة متعرضاً للكسوف، ثم تصلى الجمعة، وتكفي عند الشافعية خطبة الجمعة عن خطبة الكسوف.
ولو اجتمع عيد أوكسوف مع صلاة جنازة، قدمت الجنازة على الكسوف والعيد إكراماً للميت، ولأنه ربما يتغير بالانتظار، كما تقدم الجنازة على صلاة الجمعة إن لم يخف فوتها.
وتقدم صلاة الكسوف على صلاة العيد والمكتوبة إن أمن الفوت.
ويقدم الخسوف على الوتر باتفاق الشافعية والحنابلة، كما يقدم عند الشافعية على التراويح، وإن خيف فوت الوتر أو التراويح؛ لأنه آكد، ولأن الوتر يمكن تداركه بالقضاء. وتقدم التراويح على الخسوف عند الحنابلة إذا تعذر فعلهما؛ لأنها تختص برمضان وتفوت بفواته.
стр. 1395
المبحث السادس - صلاة الاستسقاء تعريف الاستسقاء وسببه، مشروعية صلاة الاستسقاء، صفة الصلاة، ووقتها والمكلف بها، والجهر بالقراءة فيها، خطبتها والدعاء فيها وبعدها، ما يستحب في الاستسقاء قبل الصلاة وبعدها (وظائف الاستسقاء)، الدعاء عند المطر وغيره من الأحداث، التنفل في المصلى.
أولاً - تعريف الاستسقاء وسببه: الاستسقاء: لغة: طلب السقيا، وشرعاً: طلب السقي من الله تعالى بمطر عند حاجة العباد إليه على صفة مخصوصة (١) أي بصلاة وخطبة واستغفار وحمد وثناء.
وسببه: قلة الأمطار: وشح المياه، والشعور بالحاجة لسقي الزرع وشرب الحيوان، ويحدث الجفاف عادة ابتلاء من الله تعالى، بسبب غفلة الناس عن ربهم، وتفشي المعاصي بينهم (٢)، فيحتاج الأمر للتوبة والاستغفار والتضرع إلى الله
стр. 1396
تعالى، فإذا فعل العباد ذلك، تفضل عليهم خالقهم وأنعم عليهم بإنزال المطر، كما قص علينا القرآن الكريم من دعاء الأنبياء نوح وموسى وهود ﵈ لإغاثة أقوامهم، قال تعالى عن نوح: ﴿فقلت: استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهاراً﴾ [نوح:٧١/ ١٠ - ١١ - ١٢] وقال عن موسى: ﴿وإذ استسقى موسى لقومه، فقلنا: اضرب بعصاك الحجر .. ﴾ [البقرة:٦٠/ ٢] وقال عن موسى: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم، ثم توبوا إليه، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ [هود:٥٢/ ١١].
ثانياً - مشروعية صلاة الاستسقاء: قال أبو حنيفة ﵀ (١): ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإذا صلى الناس فرادى أو وُحداناً، جاز من غير كراهة؛ لأنها نفل مطلق، وإنما الاستسقاء: دعاء واستغفار؛ لأنه السبب لإرسال الأمطار، بلا جماعة مسنونة، وبلا خطبة، وبلا قلب رداء، وبلا حضور ذمي، لقوله تعالى: ﴿فقلت: استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ [نوح:٧١/ ١٠]، ورسول الله ﷺ استسقى، ولم يرو عنه الصلاة.
ورد الحافظ الزيلعي فقال (٢): أما استسقاؤه ﵇، فصحيح ثابت، وأما إنه لم يرو عنه الصلاة، فهذا غير صحيح، بل صح أنه صلى فيه، كما سيأتي، وليس في الحديث أنه استسقى، ولم يصل، بل غاية ما يوجد ذكر الاستسقاء، دون ذكر الصلاة، ولا يلزم من عدم ذكر الشيء عدم وقوعه.
стр. 1397
وقال جمهور الفقهاء منهم الصاحبان (١): صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة حضراً وسفراً، عند الحاجة، ثابتة بسنة رسول الله ﷺ وخلفائه، ﵃. وتكرر في أيام ثانياً وثالثاً وأكثر، إن تأخر السقي، حتى يسقيهم الله تعالى، فإن الله يحب الملحين في الدعاء (٢).
ودليل سنيتها أحاديث متعددة، منها حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ صلى في الاستسقاء ركعتين، كصلاة العيد (٣).
وحديث عائشة أن النبي ﷺ خطب في الاستسقاء «ثم نزل فصلى ركعتين … » (٤) وحديث أبي هريرة وعبد الله بن زيد وعباد بن تميم عن عمه (٥).
وإن تأهب الناس لصلاة الاستسقاء، فسقوا وأمطروا قبلها، صلوها عند المالكية لطلب سعة، واجتمعوا عند الشافعية (٦) للشكر والدعاء، ويصلون صلاة الاستسقاء المعروفة شكراً أيضاً، على الصحيح، كما يجتمعون للدعاء ونحوه، والأصح أنه يخطب بهم الإمام أيضاً، ولو سقوا في أثنائها أتموها، جزماً.
وعند الحنابلة (٧): لا يخرج الناس حينئذ للصلاة، وشكروا الله على نعمته،
стр. 1398
وسألوه المزيد من فضله. أما إن خرجوا فأمطروا قبل أن يصلوا، صلوا شكراً لله تعالى، وحمدوه ودعوه.
ثالثاً - صفة صلاة الاستسقاء ووقتها والمكلف بها والقراءة فيها: اتفق الجمهور غير أبي حنيفة (١) على أن صلاة الاستسقاء ركعتان بجماعة في المصلى بالصحراء خارج البلد، بلا أذان ولا إقامة، وإنما ينادى لها (الصلاة جامعة)؛ لأنه ﷺ لم يقمها إلا في الصحراء، وهي أوسع من غيرها في المصلى، ويجهر فيهما بالقراءة، كصلاة العيد، بعدد تكبيراته عند الشافعية والحنابلة بعد الافتتاح قبل التعوذ، سبعاً في الركعة الأولى، وخمساً في الثانية برفع يديه ووقوفه بين كل تكبيرتين كآية معتدلة، قال ابن عباس: «سنة الاستسقاء سنة العيدين» فتسن في الصحراء، مع تكبير العيد، بلا أذان ولا إقامة لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة.
ويجعل عند المالكية والشافعية، والصاحبين من الحنفية في المشهور الاستغفار بدل التكبير، فليس في الاستسقاء تكبير، بل فيه الاستغفار بدل التكبير.
ويقرأ في الصلاة ما شاء جهراً، كما في صلاة العيدين، والأفضل أن يقرأ فيهما عند المالكية بسبح، والشمس وضحاها، وعند الحنابلة والصاحبين مثلما يقرأ في صلاة العيد بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، كما في حديث ابن عباس المتقدم وحديث أنس عند ابن قتيبة في غريب الحديث، وإن شاء قرأ في الركعة الأولى بـ ﴿إنا أرسلنا نوحاً﴾ [نوح:٧١/ ١] لمناسبتها الحال، وفي الركعة الثانية سورة أخرى من غير تعيين.
стр. 1399
وعند الشافعية: يقرأ في الأولى جهراً بسورة ﴿ق﴾ [ق:٥٠/ ١] وفي الثانية: ﴿اقتربت﴾ [القمر:٥٤/ ١] في الأصح، أو بسبح والغاشية، قياساً لا نصاً. ودليل الجهر بالقراءة حديث عبد الله بن زيد وغيره: «ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (١)، وكما تفعل جماعة - وهو الأفضل - تفعل فرادى.
والمستحب الخروج إلى الصحراء، إلا في مكة والمدينة وبيت المقدس ففي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فيخرج الناس ثلاثة أيام مشاة في ثياب خَلِقة غَسِيلة، متذللين متواضعين، خاشعين لله تعالى، ناكسين رؤوسهم، مقدمين الصدقة كل يوم قبل خروجهم، ويجددون التوبة، ويستسقون بالضَّعَفة والشيوخ والعجائز والأطفال.
ولا يشترط إذن الإمام لصلاة الاستسقاء عند أبي حنيفة؛ لأن المقصود هو الدعاء فلا يشترط له إذن الإمام، ويشترط ذلك عند الشافعية، وعن الإمام أحمد روايتان (٢).
وأما وقتها: فليس لها وقت معين، ولا تختص بوقت العيد، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي عن الصلاة، بغير خلاف؛ لأن وقتها متسع، فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي. ويسن فعلها أول النهار، وقت صلاة العيد، لحديث عائشة: «أنه ﷺ خرج حين بدا حاجب الشمس» (٣)، ولأنها تشبه صلاة العيد في الموضع والصفة، فكذلك في الوقت؛ لأن وقتها لا يفوت بزوال الشمس؛ لأنها ليس لها يوم معين، فلا يكون لها وقت معين.
стр. 1400
ولا تتقيد بزوال الشمس ظهراً، فيجوز فعلها بعده، كسائر النوافل (١). وإن استسقى الناس عقب صلواتهم أو في خطبة الجمعة، أصابوا السنة، فيجوز الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة لحديث عمر ﵁ أنه خرج يستسقي، فصعد المنبر فقال: «استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهاراً، استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، ثم نزل، فقيل: يا أمير المؤمنين، لو استسقيت؟ فقال: لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر» (٢).
والمكلف بها (٣): الرجال القادرون على المشي، ولا يؤمر بها النساء والصبيان غير المميزين على المشهور عند المالكية، وقال الشافعية والحنفية: يندب خروج الأطفال والشيوخ والعجائز، ومن لا هيئة لها من النساء، والخنثى القبيح المنظر؛ لأن دعاءهم أقرب إلى الإجابة، إذ الكبير أرق قلباً، والصغير لا ذنب عليه، ولقوله ﷺ : «وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم» (٤). ويكره خروج الشابات والنساء ذوات الهيئة، خوف الفتنة.
стр. 1401
إخراج الدواب: ولا يستحب عند المالكية والحنابلة إخراج البهائم والمجانين؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله.
ويستحب إخراجها مع أولادها عند الحنفية، والشافعية في الأصح، ويباح ذلك عند الحنابلة؛ لأن الرزق مشترك بين الكل (١)، وليحصل التحنّن، ويظهر الضجيج بالحاجات، روى البزار مرفوعاً بسند ضعيف: «لولا أطفال رُضَّع، وعباد رُكَّع، وبهائم رُتَّع، لصب عليكم العذاب صباً». وروي أن سليمان ﵇ «خرج يستسقي، فرأى نملة مستلقية، وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم» (٢).
التوسل بذوي الصلاح:
ويستحب إخراج أهل الدين والصلاح، لأنه أسرع لإجابتهم، وقد استسقى عمر بالعباس، ومعاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى، فلابأس بالتوسل بالصالحين، قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا عمُّ نبيك ﷺ نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله . وقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يايزيد، ارفع يديك، فرفع يديه، ودعا الله تعالى، فثارت في الغرب سحابة مثل الترس، وهب لها ريح، فسقوا، حتى كادوا لايبلغون منازلهم (٣).
стр. 1402
وهيئة الخارج للاستسقاء كما بينا: أن يكون متضرعاً لله تعالى، متبذلاً أي في ثياب البذلة، لافي ثياب الزينة، ولا يتطيب؛ لأنه من كمال الزينة، ويكون متخشعاً في مشيه، وجلوسه في خضوع، متضرعاً إلى الله تعالى، متذللاً له، راغباً إليه. قال ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متبذلاً متخشعاً متضرعاً (١).
وهل يخرج أهل الذمة؟ قال الحنفية: لا يحضر أهل الذمةلاستسقاء؛ لأن الخروج للدعاء، وقد قال تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ [الرعد:١٤/ ١٣]، ولأنه لاستنزال الرحمة، وإنما تنزل عليهم اللعنة، وإن كان الراجح أن دعاء الكافر قد يستجاب استدراجاً. وأما الآية السابقة ﴿وما دعاء﴾ [الرعد:١٤/ ١٣] ففي الآخرة.
وقال الجمهور: لا يمنع أهل الذمة من الخروج مع المسلمين، وأمروا أن يكونوا منفردين لا يختلطون بنا في مصلانا، ولا عند الخروج، ويكره اختلاطهم بنا، كما يكره خروجهم عند الشافعي، ولا يؤمن على دعائهم؛ لأن دعاء الكافر غير مقبول. وكونهم لا يمنعون الحضور؛ لأنهم يسترزقون ويطلبون أرزاقهم من ربهم، وفضل الله واسع، وقد يجيبهم الله تعالى استدراجاً، وطعمة في الدنيا، قال تعالى: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ [الأعراف:١٨٢/ ٧] والله ضمن أرزاقهم في الدنيا كما ضمن أرزاق المؤمنين.
وانفرادهم عن المسلمين؛ لأنه لا يؤمن أن يصيبهم عذاب، فيعم من حضرهم، فإن قوم عاد استسقوا، فأرسل الله عليهم ريحاً صرصراً فأهلكتهم.
стр. 1403
رابعاً - خطبة الاستسقاء: قال أبو حنيفة (١) لاخطبة للاستسقاء؛ لأنها تبع للجماعة، ولا جماعة لها عنده، وإنما دعاء واستغفار يستقبل فيهما الإمام القبلة. قال ابن عباس حينما سئل عن صلاة الاستسقاء: خرج رسول الله ﷺ متواضعاً متبذلاً (٢)، متخشعاً، متضرعاً، فصلى ركعتين، كما يُصلَّى في العيد، لم يخطب خطبتكم هذه (٣).
وقال الصاحبان: يصلي الإمام بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، ثم يخطب، ويستقبل القبلة بالدعاء. ويخطب خطبتين بينهما جلسة كالعيد عند محمد، وخطبة واحدة عند أبي يوسف، ويكون معظم الخطبة الاستغفار.
وقال الجمهور (٤): يخطب الإمام للاستسقاء بعد الصلاة على الصحيح خطبتين كصلاة العيد عند المالكية والشافعية، لقول ابن عباس: صنع رسول الله ﷺ في الاستسقاء كما صنع في العيدين، وخطبة واحدة عند الحنابلة؛ لأنه لم ينقل أنهصلّى الله عليه وسلم خطب بأكثر منها.
ودليلهم على طلب الخطبة وكونها بعد الصلاة: حديث أبي هريرة: «خرج نبي الله ﷺ يوماً يستسقي، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا، ودعا الله ، وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه، ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن» (٥).
стр. 1404
وتجوز عند الشافعية الخطبة قبل الصلاة، لحديث عبد الله بن زيد: «رأيت النبي ﷺ يوم خرج يستسقي، فحوَّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (١).
وتختلف عن خطبة العيد في رأي المالكية والشافعية أن الإمام يستغفر الله تعالى بدل التكبير، فيقول: (أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه) ويكثر فيها بالاتفاق الاستغفار؛ لأنه سبب لنزول الغيث، روى سعيد: «أن عمر خرج يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، فقالوا: ما رأيناك استسقيت فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء الذي يُستنزَل به المطر، ثم قرأ: استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً» (٢).
ولا حد للاستغفار عند المالكية في أول الخطبة الأولى والثانية.
ويستغفر الخطيب في الخطبة الأولى عند الشافعية تسعاً، وفي الثانية سبعاً، ويستحب أن يكثر من الاستغفار، لقوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم، إنه كان غفاراً، يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ [نوح:٧١/ ١٠ - ١١]. ويفتتح الإمام عند الحنابلة الخطبة بالتكبير تسعاً نسَقاً كخطبة العيد، ويكثر فيها عندهم الصلاة على النبي ﷺ ؛ لأنها معونة على الإجابة، قال عمر: «الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك» (٣)، ويقرأ كثيراً: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفاراً﴾ [نوح:٧١/ ١٠] وسائر الآيات التي فيها الأمر به، فإن الله تعالى وعدهم بإرسال الغيث إذا استغفروه.
стр. 1405
الدعاء بالخطبة: ويدعو الإمام في الخطبة الأولى: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً مَريعاً، غَدَقاً، مجلِّلاً، سَحَّاً، طَبَقاً دائماً، لحديث ابن عباس (١).
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين (أي الآيسين بتأخير المطر)، اللهم إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء (شدة الجوع)، والجَهد (قلة الخير وسوء الحال)، والضنك (أي الضيق)، ما لا نشكو إلا إليك.
اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض. اللهم ارفع عنا الجهد والعُرْي والجوع، واكشف عنا من البلاء، ما لا يكشفه غيرك.
اللهم إنا نستغفرك، إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً أي دراً، والمراد مطراً كثيراً. وكل ذلك ثابت بحديث واحد عن عبد الله بن عمر.
ويبالغ في الدعاء سراً وجهراً لقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية﴾ [الأعراف:٥٥/ ٧] ويؤمن القوم على دعائه، فيقول: اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا، فاستجب لنا كما وعدتنا، إنك لا تخلف الميعاد (٢). وكان من دعائه ﷺ : «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين» (٣).