وقد لا يبطلها، كما لو نوى مع الوضوء أو الغسل التبرد، الأصح الصحة لأن التبرد حاصل، قصده أم لا، فلم يجعل قصده تشريكاً للعبادة مع غيرها وتركاً للإخلاص، بل هو قصد للعبادة على حسب وقوعها لأن من ضرورتها حصول التبرد.
الثاني - أن ينوي مع العبادة المفروضة عبادة أخرى مندوبة، وفيه صور:
منها - ما لا يقتضي البطلان وتحصلان معاً: كأن أحرم بصلاة، ونوى بها الفرض والتحية معاً، صحت، وحصلا معاً. وكأن ينوي بغسله غسل الجنابة والجمعة معاً، حصلا جميعاً على الصحيح. ولو نوى بسلامه الخروج من الصلاة والسلام على الحاضرين حصلا. ولو حج الفرض وقرنه بعمرة التطوع، أو عكسه، حصلا. ولو نوى في صوم يوم عرفة غيره من قضاء أو نذر أو كفارة، صح وحصلا معاً.
ومنها - ما يحصل الفرض فقط: كأن نوى بحجه الفرض والتطوع، وقع فرضاً؛ لأنه لو نوى التطوع، انصرف إلى الفرض. ولو صلى الفريضة الفائتة في ليالي رمضان، ونوى معها التراويح، حصلت الفائتة دون التراويح.
ومنها - ما يحصل النفل فقط: كأن أخرج خمسة دراهم، ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع، لم تقع زكاة، ووقع التطوع. ولو خطب بقصد الجمعة والكسوف، لم يصح للجمعة؛ لأنه تشريك بين فرض ونفل.
ومنها - ما يقتضي البطلان في الكل: كأن كبَّر المسبوق، والإمام راكع تكبيرة واحدة، ونوى بها التحرُّم والهويّ إلى الركوع، لم تنعقد الصلاة أصلاً، للتشريك. ولو نوى بصلاته الفرض والراتبة، لم تنعقد أصلاً.
стр. 177
الثالث - أن ينوي مع المفروضة فرضاً آخر، ويجري ذلك في الحج والعمرة، والغسل والوضوء معاً، فإنهما يحصلان على الأصح.
الرابع - أن ينوي مع النفل نفلاً آخر: فلا يحصلان، لأن السَّنتين إذا لم تدخل إحداهما في الأخرى، لا تنعقدان عند التشريك بينهما كسنة الضحى وقضاء سنة الفجر، فإن دخلت إحداهما في الأخرى كتحية المسجد وسنة الظهر مثلاً، صح؛ لأن التحية تحصل ضمناً. ويستثنى من ذلك: ما لو نوى الغسل للجمعة والعيد، فإنهما يحصلان، وما لو خطب خطبتين بقصد العيد والكسوف جميعاً، فإنه يصح. وما لو نوى صوم يوم عرفة والاثنين مثلاً، فيصح.
الخامس - أن ينوي مع غير العبادة شيئاً آخر، وهما مختلفان في الحكم، كأن يقول لزوجته: «أنت علي حرام» وينوي الطلاق والظهار فالأصح يخير بينهما، فما اختاره ثبت.
والخلاصة: أن النية لها مقومات: هي القصد، والفرضية في الفرائض الخمس والغسل والزكاة بلفظ الصدقة، والتعيين فيما يلتبس مع غيره، والإخلاص، فلا يصح التوكيل في النية إلا فيما يقبل النيابة مما يقترن بفعل، والأصل: ألا يصح التشريك في العبادة، إلا ما استثني.
ثامناً - شروط النية: للنية شروط عامة في العبادات، وشروط خاصة بكل عبادة. أما الشروط العامة فهي ما يأتي (١):
стр. 178
١ - الإسلام: لا تصح النية المرتبة للثواب وصحة الفعل إلا من المسلم، فلا تصح العبادات من كافر، فلغا تيمم كافر وكذا وضوؤه عند الجمهور، ويصح وضوؤه وغسله عند الحنفية؛ لأن النية من شروط التيمم دون الوضوء عندهم، فإذا أسلم بعدهما صلى بوضوئه وغسله. ولم تصح عندهم الكفارة من كافر، فلا تنعقد يمينه، لقوله تعالى: ﴿إنهم لا أيمان لهم﴾ [التوبة:١٢/ ٩]، وقوله تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم﴾ [التوبة:١٢/ ٩]، أي عهودهم الظاهرية. وتصح الكفارة عند الشافعية بغير العبادة (الصوم) من عتق رقبة وإطعام مساكين، ويشترط منه نيتها، لأن المغلب فيها جانب الغرامات، والنية فيها للتمييز لا للقربة، وهي بالديون أشبه. ويصح غسل الكتابية زوجة المسلم عن الحيض، ليحل وطؤها بلا خلاف للضرورة، ويشترط نيتها عند الشافعية.
أما المرتد فلا يصح منه غسل ولا غيره، لكن إذا أخرج المرتد الزكاة في حال ردته تصح وتجزئه.
٢ - التمييز: فلا تصح بالاتفاق عبادة صبي غير مميز، ولا مجنون. لكن يصح عند الشافعية للولي أن يوضئ الطفل للطواف حيث يحرم عنه، وللزوج أن يغسل المجنونة عن الحيض، وينوي على الأصح.
ويتفرع عن هذا الشرط أن (عمد الصبي والمجنون خطأ) سواء أكان الصبي مميزاً أم لا عند الحنفية. ورأى الشافعية أن عمد المجنون والصبي غير المميز خطأ قطعاً، أما المميز منهما فعمده عمد في الأصح.
وينتقض وضوء السكران وتبطل صلاته بالسكر، لعدم تمييزه. لكن الشافعية قالوا: لا يقضى عليه بالحدث ولا تبطل صلاته وسائر أفعاله، حتى يستغرق في سكره، بعد أوان النشوة.
стр. 179
٣ - العلم بالمنوي: فمن جهل فرضية الصلاة، لم تصح منه، وكذا لو علم أن بعض الصلاة فرض، ولم يعلم الفرضية التي شرع فيها. ولا يشترط هذا الشرط في الحج، فهو يفارق الصلاة بأنه لا يشترط فيه تعيين المنوي، بل ينعقد الإحرام مطلقاً، ثم يعينه؛ لأن علياً ﵁ أحرم بما أحرم به النبي ﷺ وصححه، فإن عين حجاً أو عمرة صح إن كان قبل الشروع في الأفعال، وإن شرع تعينت عمرة.
وفرع السيوطي على هذا الشرط: ما لو نطق بكلمة الطلاق بلغة لا يعرفها، وقال: قصدت بها معناها بالعربية، فإنه لا يقع الطلاق في الأصح.
٤ - ألا يأتي بمنافٍ بين النية والمنوي بأن يستصحبها حكماً: فتبطل العبادات من صلاة وصوم وحج وتيمم بالارتداد - والعياذ بالله تعالى - في أثنائها، وتبطل صحبة النبي ﷺ بالردة إذا مات عليها، فإن أسلم بعدها: فإن كان في حياته ﵊، فلا مانع من عودها، وإلا ففي عودها نظر. وذكر السيوطي: أن الوضوء أو الغسل لم يبطل بالردة؛ لأن أفعالهما غير مرتبطة ببعضها، ولكن لا يحسب المغسول في زمن الردة.
والردة تحبط العمل والأجر والإيمان السابق، سواء عاد إلى الإسلام أم لا.
ومن المنافي للنية: نية القطع، فإذا نوى قطع الإيمان، صار مرتداً للحال، ولو نوى قطع الصلاة بعد الفراغ منها لم تبطل بالإجماع. وكذا سائر العبادات. أما لو نوى قطع الصلاة في أثنائها بطلت بلا خلاف؛ لأنها شبيهة بالإيمان، إلا أن ابن نجيم المصري قال: لا تبطل إلا إذا كبر في الصلاة، وينوي الدخول في أخرى، فالتكبير هو القاطع للأولى، لا مجرد النية.
стр. 180
ولو نوى قطع الطهارة في أثنائها، لم يبطل ما مضى في الأصح، لكن يجب تجديد النية لما بقي. ولو نوى قطع الصوم أو الاعتكاف، لم يبطل في الأصح؛ لأن الصلاة مخصوصة من بين سائر وجوه العبادات بوجوه من الربط ومناجاة العبد ربه. ولو شرع في الصوم الفرض بعد الفجر، ثم نوى قطعه والانتقال إلى صوم نفل، فإنه لا يبطل؛ لأن الفرض والنفل في الصوم وكذا في الزكاة جنس واحد. أما لو افتتح الصلاة بنية الفرض، ثم غيَّر نيته في الصلاة، وجعلها تطوعاً، فتصير تطوعاً. ولو نوى فعلَ منافٍ للصلاة لم تبطل. ولو نوى الأكل أو الجماع في الصوم، لم يضره. ولو نوى الصوم من الليل، ثم قطع النية قبل الفجر، سقط حكمها؛ لأن ترك النية ضد النية.
ولو نوى قطع السفر بالإقامة، صار مقيماً، وبطل سفره بخمس شرائط في رأي الحنفية: ترك السير، حتى لو نوى الإقامة سائراً لم تصح، وصلاحية الموضع للإقامة، فلو نواها في بحر أو جزيرة لم تصح، والاستقلال بالرأي، فلا تصح نية التابع، والمدة أي إن نوى إقامة نصف شهر، فيقصر إن نوى الإقامة في أقل من نصف شهر، واتحاد الموضع، فلو نوى إقامة نصف شهر في موضعين مستقلين، كمكة ومنى، لم يصر مقيماً، وأصبح كمن نوى الإقامة في غيرموضعها (١)
ويقرب من نية القطع: نية القلب (التحويل): وهي نية نقل الصلاة إلى أخرى، وذلك لا يكون عند الحنفية إلا بالشروع بالتحريمة لا بمجرد النية، ولا بد أن تكون الثانية غير الأولى، كأن يشرع في العصر بعد افتتاح الظهر، فيفسد الظهر، وبشرط ألا يتلفظ بالنية، فإن تلفظ بها بطلت الأولى مطلقاً. وقال الماوردي: تبطل الصلاة بنقل من فرض إلى فرض، أو من نفل راتب إلى نفل راتب، كوتر إلى سنة
стр. 181
الفجر، أو من نفل إلى فرض، أو من فرض إلى نفل إلا إذا كان لعذر، كأن أحرم بفرض منفرداً، ثم أقيمت جماعة، فسلَّم من ركعتين ليدركها، صحت نفلاً في الأصح.
ومن المنافي: التردد وعدم الجزم في أصل النية، فلو نوى يوم الشك (ليلة الثلاثين من شعبان): إنه إن كان من شعبان فليس بصائم، وإن كان من رمضان كان صائماً، لم تصح نيته، بخلاف لو وقع ذلك ليلة الثلاثين من رمضان، لاستصحاب الأصل. ولو ترد د هل يقطع الصلاة أو لا، أو علق إبطالها على شيء بطلت. ولو تردد في أنه نوى القصر أو لا أو هل يتم أو لا، لم يقصر.
ومن فروعه: تعقيب النية بالمشيئة: قال السيوطي: إن نوى التعليق بطلت، أو التبرك فلا تبطل، أو أطلق تبطل؛ لأن اللفظ موضوع للتعليق، فلو قال: أصوم غداً إن شاء الله، لم يصح. وقال ابن نجيم: إن كان مما يتعلق بالنيات كالصوم والصلاة لم تبطل، وإن كان مما يتعلق بالأقوال كالطلاق والعتاق بطل.
وهناك صور تصح فيها النية مع التردد أو التعليق أوردها السيوطي، فمن صور التردد: لو اشتبه عليه ماء، وماء ورد، لا يجتهد، بل يتوضأ بكل مرة، ويغتفر التردد في النية للضرورة.
ومنها: من كان عليه صوم واجب، لا يدري هل هو من رمضان أو من نذر أو كفارة، فنوى صوماً واجباً أجزأه، كمن نسي صلاة من الخمس، وصلى الخمس، أجزأه، ويعذر في عدم جزم النية للضرورة.
ومن صور التعليق:
في الصلاة: إن شك في قصر إمامه، فقال: إن قصر قصرت، وإلا أتممت،
стр. 182
فبان قاصراً، قصر. وفي الحج: بأن يقول مريد الإحرام: إن كان زيد محرماً فقد أحرمت، فإن كان زيد محرماً انعقد إحرامه، وإلا فلا. ولو علقه بمستقبل كقوله: إذا أحرم زيد أو جاء رأس الشهر، فقد أحرمت فلا يصح.
ومنها: عليه فائتة وشك في أدائها، فقال: أصلي عنها إن كانت وإلا فنافلة، فبانت، أجزأه.
ومنها في الصوم: لو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد إن كان من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن فتطوع، صح وأجزأه.
ومنها في الزكاة: نوى زكاة ماله الغائب إن كان باقياً، وإلا فعن الحاضر، فبان باقياً أجزأه عنه، أو تالفاً أجزأه عن الحاضر.
ومنها في الجمعة: أحرم بالصلاة في آخر وقتها، فقال: إن كان الوقت باقياً فجمعة، وإلا فظهر، فبان بقاؤه، صحت الجمعة في وجه، وقيل: لا تصح.
ومن المنافي: عدم القدرة على المنوي إما عقلاً أو شرعاً أو عادة.
مثال الأول - نوى بوضوئه أن يصلي صلاة وألا يصليها لم تصح لتناقضه.
مثال الثاني - نوى بوضوئه الصلاة في مكان نجس، لا تصح.
ومثال الثالث - نوى بوضوئه صلاة العيد، وهو في أول السنة، أو الطواف وهو بالشام، الأصح الصحة، وقيل: لا تصح.
هذه هي الشروط العامة في العبادات، شرطها الفقهاء في الطهارة، فقالوا: يشترط في نية الوضوء: إسلام الناوي، وتمييزه، وعلمه بالمنوي وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكماً، فلا ينصرف عن الوضوء مثلاً لغيره، وألا تكون
стр. 183
معلَّقة، فلو قال: إن شاء الله تعالى: فإن قصد التعليق أو أطلق، لم تصح، وإن قصد التبرك صحت.
واشترط غير الحنفية دخول وقت الصلاة لدائم الحدث كسلس بول ومستحاضة؛ لأن طهارته طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم (١). وشرطها الفقهاء أيضاً في الصلاة، وأضافوا إليها مقارنة النية لتكبيرة الإحرام، فاشترط الحنفية اتصال النية بالصلاة بلا فاصل أجنبي بين النية والتكبير، واشترط الشافعية اقتران النية بفعل الصلاة، وكذلك اشترط المالكية والحنابلة المقارنة، لكنهم أجازوا تقدم النية على التكبير بزمن يسير. واتفق الفقهاء على اشتراط تعيين نوع الفرض الذي يصليه المصلي كالظهر أو العصر؛ لأن الفروض كثيرة، ولا يتأدى واحد منها بنية فرض آخر.
ولا تجب نية الخروج من الصلاة بالسلام، وإنما تستحب عند المالكية والشافعية.
واشترط الفقهاء تلك الشروط في الصيام، وأضافوا إليها: تبييت النية أي إيقاعها ليلاً في رأي الجمهور غير الحنفية، وهو الأفضل عند الحنفية، لقوله ﵊: «من لم يبيِّت الصيام قبل طلوع الفجر، فلا صيام له» (٢). واشترط الجمهور أيضاً تعيين النية في فرض الصيام، ولم يشترطه الحنفية، والتعيين: أن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته أو نذره.
واشترط الجمهور كذلك الجزم بالنية، فلو نوى ليلة الشك: إن كان من رمضان، فأنا صائم فرضاً، وإلا فهو نفل، لم يجزئه عن واحد منهما، لعدم جزمه
стр. 184
بالنية لأحدهما؛ إذ لم يعين الصوم من رمضان جزماً. وليس الجزم بالنية في الصوم المقيد بزمن معين شرطاً عند الحنفية، فيصح صومه بالنية المذكورة. وليست نية فرضية الصيام شرطاً باتفاق الفقهاء، بخلاف المقرر في الصلاة؛ لأن صوم رمضان من البالغ لا يقع إلا فرضاً، بخلاف الصلاة، فإن المعادة نفل. وكذلك لا يشترط بالاتفاق تعيين السنة، ولا الأداء، ولا الإضافة إلى الله تعالى؛ لأن المقصود متحقق بنية الصوم، والتعيين يجزئ عن ذلك.
واشترط الجمهور تعدد النية بتعدد الأيام، فينوي لكل يوم من رمضان على حدة، لعدم تعلق عبادة يوم باليوم الآخر. وقال المالكية: تجزئ نية واحدة لرمضان في أوله، فيجوز صوم جميع الشهر بنية واحدة.
وفي الزكاة: تشترط الشروط العامة للنية، واختلفوا في أحوال مقارنتها للأداء، فقال الحنفية: لا يجوز أداء الزكاة إلا بنية مقارنة للأداء إلى الفقير، ولو حكماً، كما لو دفع بلا نية ثم نوى، والمال في يد الفقير، أو نوى عند الدفع إلى الوكيل، ثم دفع الوكيل بلا نية، أو مقارنة لعزل مقدار الواجب.
وقال المالكية: تشترط النية لأداء الزكاة عند الدفع، ويكفي عند عزلها، وتجزئ من دفعها كرهاً عنه كالصبي والمجنون، وتجزئ نية الإمام أو من يقوم مقامه عن نية المزكي.
وأجاز الشافعية كالحنفية والمالكية تقديم النية على الدفع للفقير، بشرط أن تقارن عزل الزكاة، أو إعطاءها للوكيل أو بعده، وقبل التفرقة، كما تجزئ بعد العزل وقبل التفرقة، وإن لم تقارن أحدهما، ويجوز تفويضها للوكيل إن كان من أهلها، بأن يكون مسلماً مكلفاً. ويجوز توكيل الصبي والكافر في أدائها للمستحقين، بشرط أن يعين له المدفوع له. وتجب نية الولي في زكاة الصبي
стр. 185
والمجنون والسفيه، وإلا ضمنها لتقصيره. ولو دفعها المزكي للإمام بلا نية لم تجزئه نية الإمام في الأظهر. وإذا أخذت قهراً من المزكي نوى عند الأخذ منه، وإلا وجب على الآخذ النية.
وأجاز الحنابلة أيضاً تقديم النية على الأداء بالزمن اليسير، كسائر العبادات. وإن دفع الزكاة إلى وكيله ونوى هو دون الوكيل، جاز، إذا لم تتقدم نيته الدفع بزمن طويل. فإن تقدمت النية بزمن طويل لم يجز إلا إذا نوى حال الدفع إلى الوكيل، ونوى الوكيل عند الدفع إلى المستحق. لكن إن أخذ ها الإمام قهراً، أجزأت من غير نية؛ لأن تعذر النية في حقه، أسقط وجوبها عنه كالصغير والمجنون.
ولو تصدق الإنسان بجميع ماله تطوعاً، لم يجزئه عند الجمهور غير الحنفية؛ لأنه لم ينو به الفرض، كما لو تصدق ببعضه، وكما لو صلى مئة ركعة، ولم ينو الفرض بها. ورأى الحنفية أنه يسقط الفرض عنه استحساناً، بشرط ألا ينوي بها واجباً آخر من نذر أو غيره؛ لأن الواجب جزء منه، فكان متعيناً فيه، فلا حاجة إلى التعيين، وعلى هذا: لو كان للمزكي دين على فقير، فأبرأه عنه، سقط زكاة المبلغ المبرأ عنه، سواء نوى به عن الزكاة أو لم ينو؛ لأنه كالهلاك.
وفي الحج والعمرة: تشترط الشروط العامة أيضاً، ولكن يشترط في الحج أن يكون الإحرام في وقت معين، وهي الأشهر الثلاثة: شوال وذو القعدة وذو الحجة، أما العمرة فتصح على مدار العام، ويشترط أن ينضم للإحرام في رأي الحنفية قول أو فعل من خصائصه، كالتلبية أو التجرد من المخيط، ولم يشترط الجمهور ذلك، وإنما ينعقد الإحرام عندهم بمجرد النية، لكن يلزمه عند المالكية دم في ترك التلبية والتجرد من المخيط ونحوه حين النية. ويشترط للإحرام تجرد
стр. 186
الرجال من المخيط، والامتناع عن الطيب ونحو ذلك من محظورات الإحرام، وإحرام المرأة بكشف وجهها. ويشترط للإحرام أيضاً كونه من الميقات، ولكل جهة ميقات معين معروف عند الفقهاء والناس.
وأجاز جمهور الفقهاء إدخال الحج على العمرة وبالعكس، بشرط أن يكون الإدخال قبل الشروع في طواف العمرة، وبشرط كونه عند الحنفية قبل أداء أربعة أشواط من طواف العمرة، ولا يجوز إدخال العمرة على الحج في مذهب الحنفية.
وأجاز الحنابلة خلافاً للجمهور فسخ الحج إلى العمرة، أي تحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة.
وفي الأضحية: اشترط الشافعية والحنابلة أن تكون النية عن ذبح الأضحية لأن الذبح قربة في نفسه، ويكفيه أن ينوي بقلبه، ولا يشترط أن يتلفظ بالنية بلسانه؛ لأن النية عمل القلب، والذكر باللسان دليل عليها. وقال الكاساني في البدائع: لا تتعين الأضحية إلا بالنية وتكفي النية في مذهب الحنفية عند الشراء، كما سأوضح.
تاسعاً - النية في العبادات: هل هي شرط أو ركن؟ تكلمنا فيما سبق في هذا البحث عن شروط النية ومحلها وكيفيتها وزمنها وغير ذلك، ولم يبق في بحث النية في العبادات إلا الكلام عن شرطيتها وركنيتها، فهل النية في العبادات شرط أو ركن؟ علماً بأن كلاً من الشرط والركن فرض، لكن الشرط يكون خارجاً عن المشروط، كالطهارة شرط للصلاة خارجة عن الصلاة، والركن في اصطلاح الحنفية: هو ما يتوقف عليه وجود الماهية أو الشيء، ويكون جزءاً داخلاً فيها أو فيه. وهو عند الجمهور: ما به قوام الشيء الذي يتوقف وجوده عليه، سواء أكان جزءاً داخلاً فيه أم أمراً أساسياً فيه. فالركوع والسجود
стр. 187
ركنان للصلاة داخلان فيها؛ لأنهما جزءان من أجزائها. والإيجاب والقبول ركن العقد في اصطلاح الحنفية، ويضاف إلى الصيغة (الإيجاب والقبول) العاقدان والمعقود عليه، والثمن أو العوض في المعاوضات، تعد أركاناً في العقد في اصطلاح الجمهور.
ويحسن إيراد عبارتين لكل من ابن نجيم والسيوطي قبل تفصيل حكم النية في العبادات؛ لأنهما يمثلان اتجاهين متعارضين في شرطية النية وركنيتها.
قال ابن نجيم (١): النية شرط عندنا في كل العبادات باتفاق الأصحاب (أي الحنفية)، لا ركن، وإنما الاختلاف بينهم وقع في تكبيرة الإحرام، والمعتمد أنها شرط كالنية وقيل: بركنيتها. وكذلك قال الحنابلة والمالكية: النية شرط في العبادة لاركن ولو داخلها (٢).
وقال السيوطي (٣): اختلف الأصحاب (أصحاب الشافعي) هل النية ركن في العبادات أو شرط؟ فاختار الأكثرون أنها ركن؛ لأنها داخل العبادات، وذلك شأن الأركان، والشرط ما يتقدم عليها، ويجب استمراره فيها.
وأتتبع هنا حكم النية في كل عبادة على حدة (٤).
١ - الطهارة: اختلف الفقهاء في اشتراط النية للوضوء على رأيين فقال الحنفية (٥): يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب، ووقتها قبل الاستنجاء
стр. 188
ليكون جميع فعله قربة، وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو ينوي الوضوء، أو امتثال الأمر ومحلها: القلب، فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان، فهو مستحب عند المشايخ.
ويترتب على قولهم بعدم فرضية النية: صحة وضوء المتبرد، والمنغمس في الماء للسباحة أو للنظافة أو لإنقاذ غريق، ونحو ذلك.
واستدلوا على رأيهم بما يأتي:
أـ عدم النص عليها في القرآن: إن آية الوضوء لم تأمر إلا بغسل الأعضاء الثلاثة والمسح بالرأس، والقول باشتراط النية بحديث آحاد زيادة على نص القرآن، والزيادة على الكتاب عندهم نسخ، لا يصح بالآحاد.
ب - عدم النص عليها في السنة: لم يعلِّمْها النبي ﷺ للأعرابي مع جهله. وفرضت النية في التيمم؛ لأنه بالتراب، وليس هو مزيلاً للحدث بالأصالة، وإنما هو بدل عن الماء.
جـ - القياس على سائر أنواع الطهارة وغيرها: إن الوضوء طهارة بماء، فلا تشترط لها النية كإزالة النجاسة، كما لا تجب النية في شروط الصلاة الأخرى كستر العورة، ولا تجب أيضاً بغسل الذمية من حيضها لتحل لزوجها المسلم.
د - إن الوضوء وسيلة للصلاة، وليس مقصوداً لذاته، والنية شرط مطلوب في المقاصد، لا في الوسائل.
وقال الجمهور غير الحنفية (١): النية فرض في الوضوء، لتحقيق العبادة أو
стр. 189
قصد القربة لله ، فلا تصح الصلاة بالوضوء لغير العبادة كالأكل والشرب والنوم ونحو ذلك، واستدلوا بما يأتي:
أـ السنة: قوله ﷺ فيما رواه الجماعة عن عمر ﵁ «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى» أي إن الأعمال المعتدّ بها شرعاً تكون بالنية، والوضوء عمل، فلا يوجد شرعاً إلا بنية.
ب - تحقيق الإخلاص في العبادة، لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ [البينة:٥/ ٩٨]، والوضوء عبادة مأمور بها، لا يتحقق إلا بإخلاص النية فيه لله تعالى؛ لأن الإخلاص عمل القلب وهو النية.
جـ - القياس: تشترط النية في الوضوء، كما تشترط في الصلاة، وكما تشترط في التيمم لاستباحة الصلاة.
د - الوضوء وسيلة للمقصود، فله حكم ذلك المقصود، لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة:٦/ ٥]، فهذا يدل على أن الوضوء مأمور به عند القيام للصلاة، ومن أجل هذه العبادة، فالمطلوب غسل الأعضاء لأجل الصلاة، وهو معنى النية.
وبمقارنة أدلة الفريقين يتبين لي أن الحق هو القول بفرضية النية؛ لأن أحاديث الآحاد كثيراً ما أثبتت أحكاماً ليست في القرآن، بل إن حديث عمر في النية، وإن كان غريباً بالنسبة إلى أوله، فهو مشهور بالنسبة إلى آخره، فإنه اشتهر، فرواه عن عمر أكثر من مئتي إنسان، أكثرهم أئمة، ومن أعيانهم الإمام مالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك والليث بن سعد وحماد بن زيد وشعبة وابن عيينة وغيرهم، ولأن عموم الماء للأعضاء بدون قصد أصلاً، أو بقصد التبرد، ليس غسلاً للوضوء، حتى يؤدي مهمته الشرعية، ويحقق المأمور به كما أمر به، والأمور بمقاصدها باتفاق الأئمة.
стр. 190
٢ - التيمم: اتفق العلماء على وجوب النية في التيمم، وهي فرض عند المالكية والشافعية، والمعتمد أنها شرط في رأي الحنفية والحنابلة (١)، ودليلهم على اشتراط النية في التيمم: الحديث السابق: (إنما الأعمال بالنيات) واستدل الحنفية: بأن التراب ملوِّث، فلا يكون مطهراً إلا بالنية، أي أن التراب ليس بطهارة حقيقية، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية، بخلاف الوضوء؛ لأنه طهارة حقيقية. فلا يشترط له الحاجة ليصير طهارة، فلا يشترط له النية.
٣ - الغسل: الخلاف فيه كالخلاف في الوضوء على قولين، فقد أوجب الجمهور غير الحنفية النية للغسل كالوضوء، للحديث المتقدم: «إنما الأعمال بالنيات». ورأى الحنفية أن الابتداء بالنية سنة، ليكون فعله تقرباً إلى الله تعالى يثاب عليه، كالوضوء (٢). وفي غسل الميت اشترط الحنابلة في الغاسل النية: نية غسل الميت، للحديث السابق: «إنما الأعمال بالنيات».
٤ - الصلاة: النية واجبة في الصلاة باتفاق العلماء، لتتميز العبادة عن العادة، وليتحقق في الصلاة الإخلاص لله تعالى؛ لأن الصلاة عبادة والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وماأمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، حنفاء﴾ [البينة:٥/ ٩٨]، قال الماوردي: والإخلاص في كلامهم: النية. ودل الحديث المتقدم: «إنما الأعمال بالنيات» على إيجابها، فلا تصح الصلاة بدون النية بحال.
стр. 191
والنية شرط من شروط الصلاة عند الحنفية والحنابلة، وكذا عند المالكية على الراجح، وهي من أركان الصلاة عند الشافعية وبعض المالكية؛ لأنها واجبة في بعض الصلاة، وهو أولها، لا في جميعها، فكانت ركناً كالتكبير والركوع (١).
وهل يجب على الإمام أن ينوي الإمامة أو لا؟ ذهب قوم إلى أنه ليس ذلك بواجب عليه، لحديث ابن عباس أنه قام إلى جنب رسول الله ﷺ بعد دخوله في الصلاة.
ورأى قوم أن هذا محتمل، وأنه لابد من ذلك؛ لأن الإمام يحمل بعض أفعال الصلاة عن المأمومين (٢).
أما الجمهور فيرون عدم اشتراط نية الإمام الإمامة، بل تستحب ليحوز فضيلة الجماعة، فإن لم ينو لم تحصل؛ لأنه ليس للمرء من عمله إلا ما نوى. واستثنى الشافعية والمالكية الصلاة التي تتوقف صحتها على الجماعة كالجمعة والمجموعة للمطر، والمعادة، وصلاة الخوف، والاستخلاف فلا بد فيها من نية الإمام الإمامة.
واستثنى الحنفية اقتداء النساء بالرجل، فإنه يشترط نية الإمامة، لصحة اقتداء النساء به.
وقال الحنابلة: تشترط نية الإمامة مطلقاً، فينوي الإمام أنه إمام، والمأموم أنه مأموم، وإلا فسدت الصلاة، لكن لو أحرم الشخص منفرداً، ثم جاء آخر، فصلى
стр. 192
معه، فنوى إمامة صح في النفل، عملاً بحديث ابن عباس، وهو أنه قال: «بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي ﷺ متطوعاً من الليل، فقام إلى القربة، فتوضأ، فقام، فصلى، فقمت لما رأيته صنع ذلك، فتوضأت من القربة، ثم قمت إلى شقه الأيسر، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشق الأيمن» (١).
أما في الفريضة: فإن كان المصلي ينتظر أحداً، كإمام المسجد، فإنه يُحرم وحده، وينتظر من يأتي، فيصلي معه، فيجوز ذلك أيضاً عند الحنابلة؛ لأن النبي ﷺ أحرم وحده، ثم جاء جابر وجبارة، فأحرما معه، فصلى بهما، ولم ينكر فعلهما. والظاهر أنها كانت صلاة مفروضة؛ لأنهم كانوا مسافرين. أما في غير هذه الحالة، فلا يصح الاقتداء لمن لم ينو الإمامة.
وأما نية المؤتم الاقتداء: فهي شرط باتفاق المذاهب، فلا يصح اقتداء بإمام إلا بنية، أي أن ينوي المأموم مع تكبيرة الإحرام الاقتداء أو الجماعة أو المأمومية، فلو ترك هذه النية أو مع الشك فيها، وتابعه في الأفعال، بطلت صلاة المقتدي، ولايجب تعيين الإمام باسمه، فإن عينه وأخطأ، بطلت صلاته عند الشافعية. لكن لا بد من تعيين إمام معين بصفة الإمامة، فلو نوى الائتمام بأحد رجلين يصليان، لابعينه، لم يصح، حتى يعين الإمام بوصفه؛ لأن تعيينه شرط. ولا يجوز الائتمام بأكثر من واحد، فلو نوى الائتمام بإمامين لم يجز؛ لأنه لا يمكن اتباعهما معاً.
وشرط النية في القدوة أن تكون مقارنة للتحريمة عند الشافعية. وأجاز الحنفية أن تكون متقدمة على التحريمة، بشرط ألا يفصل بينها وبين التحريمة فاصل أجنبي. والأفضل عندهم وعند الحنابلة: أن تكون النية مقارنة، خروجاً من الخلاف. والخروج من الخلاف مستحب.
واشترط المالكية المقارنة للتحريمة أو قبلها بزمن يسير، كاشتراط النية في الصلاة، كما بينا.
стр. 193
وأما الأذان: فالمشهور أنه لا يحتاج إلا نية. وقيل: إنه يحتاج.
وفي خطبة الجمعة: اشترط الحنفية والحنابلة النية أو قصد الخطبة، لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» فلو خطب الخطيب بغير النية، لم يعتد بها عندهم.
ولم يشترط المالكية النية، كما لم يشترطها الشافعية، وإنما اشترطوا عدم الصارف، فلو حمد الله للعطاس، لم يكف للخطبة (١).
واشترط الشافعية لكل من سجدتي التلاوة والشكر النية مع تكبيرة الإحرام، لكن المصلي ينوي بقلبه لا بلسانه سجدة التلاوة، كما ينوي سجود السهو.
وفي صلاة المسافر: اشترط الشافعية والحنابلة لصحة جمع التقديم نية الجمع عند الإحرام بالصلاة الأولى، لحديث «إنما الأعمال بالنيات» وتجوز نية الجمع عند الشافعية في الأظهر في أثناء الصلاة الأولى، ولو مع السلام منها. وكذلك اشترط هذان المذهبان لجمع التأخير نية الجمع أو التأخير قبل خروج وقت الصلاة الأولى، ولو بقدر ركعة، أي بزمن لو ابتدئت فيه كانت أداء، عند الشافعية، وما لم يضق وقتها عن فعلها عند الحنابلة، فإن ضاق وقت الأولى عن فعلها، لم يصح الجمع؛ لأن تأخيرها إلى القدر الذي يضيق عن فعلها حرام، ويأثم بالتأخير (٢).
٥ - الصوم: ذهب الجمهور (غير الشافعية): إلى أن نية الصوم شرط؛ لأن صوم رمضان وغيره عبادة، والعبادة: اسم لفعل يأتيه العبد باختياره خالصاً لله تعالى بأمره، والاختيار والإخلاص لا يتحققان بدون النية، فلا يصح أداء الصوم إلا بالنية، تمييزاً للعبادات عن العادات.
стр. 194
وذهب الشافعية: إلى أن نية الصيام ركن كالإمساك عن المفطرات، لحديث: «إنما الأعمال بالنيات» (١). أما نية الأداء والقضاء: فالأصح عند الشافعية أنهما لا يشترطان في الصلاة والحج والزكاة والكفارة وصلاة الجنازة. وأما الجمعة التي لاتقبل القضاء فلا حاجة فيها إلى نية الأداء لتمييزها. وأما الصوم فالراجح عندهم أن نية القضاء لا بد منها فيه، وهذا متفق عليه بين المذاهب.
٦ - الاعتكاف: (وهو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية، بتعريف الشافعية): ويشترط لصحته بالاتفاق النية واجباً كان أو سنة أو نفلاً، فلا يصح الاعتكاف إلا بنية، للحديث السابق: «إنما الأعمال بالنيات» ولأنه عبادة محضة، فلم تصح من غير نية، كالصوم والصلاة وسائر العبادات. وأضاف الشافعية: إن كان الاعتكاف فرضاً كالمنذور، لزمه تعيين النية للفرض، لتميزه عن الطاعة (٢).
٧ - الزكاة: اتفق الفقهاء على أن النية شرط في أداء الزكاة، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» وأداؤها عمل، ولأنها عبادة كالصلاة، فتحتاج إلى نية لتمييز الفرض عن النفل (٣).
٨ - الحج والعمرة: يرى الحنفية: أن الإحرام بالحج (نيته) شرط صحته، فرضاً كان أو نفلاً، والعمرة كذلك، ولا تكون عندهم إلا سنة، والمنذور عمرة
стр. 195
فرض. ولو نذر حجة الإسلام لا يلزمه إلا حجة الإسلام، كما لو نذر الأضحية. والقضاء في الكل كالأداء من جهة أصل النية.
ويرى جمهور الفقهاء: أن الإحرام بأن ينوي الدخول في النسك ركن في الحج والعمرة، فلا ينعقدان بدون النية، ولا يصح الإحرام إلا بالنية، لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» ولأن الحج أو العمرة عبادة محضة، فلم تصح من غير نية، كالصوم والصلاة (١). ومحل النية كما عرفنا: القلب، والإحرام: النية بالقلب، والأفضل عند أكثر العلماء أن ينطق بما نواه، لما رواه مسلم عن أنس ﵁، قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: لبيك بحج وعمرة».
وينعقد الإحرام بالنية وحدها عند الجمهور، كما أوضحت، ولا ينعقد بمجردها عند الحنفية، وإنما لا بد من قرنه بقول أو فعل من خصائص الإحرام، كالتلبية أو التجرد من المخيط.
٩ - اليمين: لا يتوقف اليمين بالله على النية، فينعقد إذا حلف عامداً أو ساهياً أو مخطئاً أومكرهاً، وكذا إذا فعل المحلوف عليه (٢). أما في حال التحليف فقد اتفق الفقهاء على أن اليمين في الدعاوى تكون بحسب نية المستحلف، لا الحالف، واختلفوا في الأيمان على الوعود ونحوها، فقال قوم: بحسب نية الحالف، وقال آخرون: بحسب نية المستحلف (٣).
стр. 196
أما المالكية فقالوا: اليمين على نية المستحلف، ولا تقبل نية الحالف؛ لأن الخصم كأنه قبل هذه اليمين عوضاً عن حقه، ولأنه ثبت أن رسول الله ﷺ قال: «اليمين على نية المستحلف» وفي رواية: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» (١).
والمعول عند الحنفية: أن اليمين على نية المستحلف، إلا إذا كانت اليمين بالطلاق أو العتاق ونحوهما، فتعتبر نيةالحالف إذا لم ينو خلاف الظاهر، ظالماً كان الحالف أو مظلوماً. وكذلك إذا كانت اليمين بالله تعالى، وكان الحالف مظلوماً، فإنه تعتبر نية الحالف أيضاً. والظالم: من يريد بيمينه إبطال حق الغير.
وذهب الحنابلة وفي رواية عن أبي حنيفة: إلى أن من حلف، فتأول في يمينه، أي قصد بكلامه محتملاً يخالف ظاهره، فله تأويله إن كان مظلوماً، ولم ينفعه تأويله إن كان ظالماً. قال ابن نجيم: والفتوى في مذهب الحنفية على اعتبار نية الحالف إن كان مظلوماً، لا إن كان ظالماً، لكن بشرط كون اليمين بالله تعالى، فإن كان بطلاق أو عتاق لا اعتبار بنية الحالف مطلقاً كما بينا.
والمقرر لدى الشافعية: أن العبرة في اليمين بنية الحالف؛ لأن المقصود من الأيمان هو المعنى القائم بالنفس، لا ظاهر اللفظ.
واختلف الفقهاء أيضاً في تفسير المقصود بالمحلوف عليه في اليمين، فهل تبنى الأيمان على النية أو العرف أو صيغة اللفظ (٢)؟
فذهب الحنفية: إلى أن الأيمان مبنية على العرف والعادة، لا على المقاصد
стр. 197
والنيات؛ لأن غرض الحالف هو المعهود المتعارف عنده، فيتقيد بغرضه. هذا هو الغالب عندهم. وقد تبنى الأيمان عندهم على الألفاظ، لا على الأغراض. فلو اغتاظ من إنسان، فحلف أنه لا يشتري له شيئاً بفلس، فاشترى له شيئاً بمئة درهم، لم يحنث. ولو حلف لا يبيعه بعشرة فباعه بأحد عشر أو بتسعة، لم يحنث، مع أن غرضه الزيادة.
وقال الإمام مالك في المشهور من مذهبه: المعتبر في الأيمان التي لا يقضى على حالفها بموجبها (١)، وكذلك النذور: هو النية، أي نية الحالف في غير الدعاوى، ففيها تعتبر نية المستحلف، فإن عدمت فقرينة الحال، فإن عدمت فعرف اللفظ، أي ما قصد الناس من عرف أيمانهم، فإن عدم فدلالة اللغة.
وأما الأيمان التي يقضى بها على صاحبها: ففي مجال الاستفتاء تراعى هذه الضوابط على هذا الترتيب. وإن كان مما يقضى بها عليه، لم يراع فيها إلا اللفظ، إلا أن يؤيد ما ادعاه من النية قرينة الحال أو العرف.
وقال الشافعية: الأيمان مبنية على الحقيقة اللغوية، أي بحسب صيغة اللفظ؛ لأن الحقيقة أحق بالإرادة والقصد، إلا أن ينوي شيئاً فيعمل بنيته. فمن حلف ألا يأكل رؤوساً، فأكل رؤوس حيتان (مفرده حوت) فمن راعى العرف كالحنفية قال: لا يحنث، ومن راعى دلالة اللغة كالشافعية قال: يحنث. وكذلك يحنث عندهم من حلف لا يأكل لحماً، فأكل شحماً، مراعاة لدلالة اللفظ. وقال غيرهم: لايحنث.
стр. 198
ورأى الحنابلة: أنه يرجع في الأيمان إلى النية، أي نية الحالف، فإن نوى ما يحتمله اللفظ انصرفت يمينه إليه، سواء أكان ما نواه موافقاً لظاهر اللفظ أم مخالفاً له، لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فإن لم ينو شيئاً رجع إلى سبب اليمين وما هيَّجها أو أثارها لدلالته على النية. فإن حلف لا يأوي مع امرأته في هذه الدار، فإن كان سبب يمينه غيظاً من جهة الدار لضرر لحقه منها أو منَّة عليه بها، اختصت يمينه بها. وإن كان لغيظ لحقه من المرأة يقضي جفاءها، ولا أثر للدار فيها، تعلق ذلك بإيوائه معها في كل دار.
اليمين أمام القضاء: بينت سابقاً أن العبرة في الحلف أمام القضاء بنية القاضي المستحلف للخصم، لقوله ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي هريرة -: «اليمين على نية المستحلف» وقد حمل هذا الحديث على الحاكم؛ لأنه الذي له ولاية الاستحلاف، فلو أخذ بنية الحالف، لبطلت فائدة الأيمان وضاعت الحقوق؛ إذ كل أحد يحلف على ما يقصد. فلو ورَّى الحالف في يمينه، بأن قصد خلاف ظاهر اللفظ عند تحليف القاضي، أو تأول، أي اعتقد خلاف نية القاضي، أو استثنى الحالف، كقوله عقب يمينه: (إن شاء الله) أو وصل باللفظ شرطاً، مثل: إن دخلت الدار، بحيث لا يسمع القاضي كلامه، لم يدفع ما ذكر إثم اليمين الفاجرة، فإن لم نحكم بالتأثيم ضاع المقصود من اليمين، وهو حصول الهيبة من الإقدام عليها.
واشترط الشافعية والحنابلة (١) شرطين في كون اليمين على نية المستحلف.
١ - ألا يحلفه القاضي بالطلاق أو العتاق.
٢ - ألا يكون القاضي ظالماً أو جائراً في طلب اليمين.
стр. 199
التورية في اليمين: يجوز للحالف في اليمين غير القضائية التي يحلفها باختياره أو يطلبها شخص منه دون أن يكون له عليه حق اليمين: التورية في يمينه، بأن يقصد فيها غير المعنى المتبادر من اللفظ، أو ينوي فيها خلاف الظاهر، للحديث السابق: «إنما الأعمال بالنيات» وقد حكى القاضي عياض الإجماع على أن الحالف من غير استحلاف، ومن غير تعلق حق بيمينه، له نيته ويقبل قوله.
وبناء عليه ذكر السيوطي (١) ثلاث قواعد وهي:
الأولى - (مقاصد اللفظ على نيةاللافظ إلا في موضع واحد وهو اليمين عند القاضي) فإنها على نية القاضي دون الحالف.
الثانية - (تجري النية مجرى الشروط) في مسألة وهي: ما لو شك بعد الصلاة في تركها أو ترك الطهارة، فإنه تجب الإعادة، بخلاف ما لو شك في ترك ركن؛ لأن الشك في الأركان يكثر بخلاف الشروط. أما لو شك الصائم في النية بعد الغروب (نهاية اليوم) فلا أثر له.
الثالثة - (النية في اليمين تخصص اللفظ العام، ولا تعمم الخاص) مثال الأول أن يقول: (والله، لا أكلم أحداً) وينوي زيداً. ومثال الثاني: أن يمن عليه رجل بماء، فيقول: والله لا أشرب منه ماء من عطش، فإن اليمين تنعقد على الماء من عطش خاصة، ولا يحنث بطعامه وشرابه؛ لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ ما نوى بجهة يجوز لها.
وقال ابن نجيم (٢) عن هذه القاعدة: (تخصيص العام بالنية مقبول ديانة لا
стр. 200
قضاء) وعند الخصاف: تصح قضاء أيضاً، فلو قال: (كل امرأة أتزوجها فهي طالق) ثم قال: (نويت من بلدة كذا) لم تصح في ظاهر المذهب، خلافاً للخصاف. ولا بأس أن يؤخذ بقول الخصاف إذا وقع الشخص في يد الظلمة، فإذا حلفه الظالم له أن يخصص العام. وأما تعميم الخاص بالنية فلم أره الآن.
١٠ - الأضحية: لا تجزئ الأضحية بدون النية؛ لأن الذبح قد يكون للحم، وقد يكون للقربة، والفعل لا يكون قربة بدون النية، لقوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» قال الكاساني: والمراد منه عمل هو قربة، فلا تتعين الأضحية إلا بالنية.
وتتعين الأضحية بالذبح اتفاقاً، وبالنذر إن عينها له اتفاقاً، وتتعين عند أبي حنيفة بالشراء بنية الأضحية.
واشترط الشافعية والحنابلة: أن تكون النية عند ذبح الأضحية؛ لأن الذبح قربة في نفسه. ويكفيه أن ينوي بقلبه، ولا يشترط أن يتلفظ بالنية بلسانه؛ لأن النية عمل القلب، والذكر باللسان دليل عليها (١). وتتعين الأضحية عند المالكية إما بالذبح أو بالنية قبله، على خلاف في المذهب. والمعتمد المشهور في المذهب المالكي: أن الأضحية لا تجب إلا بالذبح فقط، ولا تجب بالنذر (٢).
١١ - الاصطياد:
الصيد: هو وضع اليد على شيء مباح غير مملوك لأحد. ويتم إما بالاستيلاء الفعلي على المصيد، أو بالاستيلاء الحكمي: وهو اتخاذ فعل يعجز الطير أو الحيوان أو السمك عن الفرار، كاتخاذ الحياض لصيد الأسماك، أو الشباك، أو الحيونات المدربة على الصيد كالكلاب والفهود والجوارح المعلَّمة.
стр. 201
ويشترط في الاستيلاء الحكمي لا الاستيلاء الحقيقي: قصد التملك، عملاً بقاعدة «الأمور بمقاصدها». فمن نصب شبكة، فتعلق بها صيد، فإن كان قد نصبها للجفاف، فالصيد لمن سبقت يده إليه؛ لأن نيته لم تتجه إليه. وإن كان قد نصبها للصيد، ملكه صاحبها، وإن أخذه غيره كان متعدياً غاصباً. ولو أفرخ طائر في أرض إنسان، كان لمن سبقت إليه يد إلا إذا كان صاحب الأرض هيأها لذلك.
وإذا دخل طائر في دار، فأغلق صاحبها الباب لأخذه، ملكه، وإن أغلقه صدفة لم يملكه. وهكذا لو وقع الصيد في حفرة أو ساقية، المعوَّل في تملكه على نية صيده، وإلا فلمن سبقت إليه يده (١).
١٣ - قراءة القرآن: إن القرآن يخرج عن كونه قرآناً بالقصد، فجاز للجنب والحائض قراءة ما فيه من الأذكار بقصد الذكر، والأدعية بقصد الدعاء (٢).
عاشراً - النية في العقود أو المعاملات (مدى تأثير النية غير المشروعة أو الباعث على العقود):
للفقهاء اتجاهان من نظرية السبب بالمعنى الحديث: اتجاه يغلِّب النظرة الموضوعية أو الإرادة الظاهرة، واتجاه آخر يلاحظ فيه النوايا والبواعث الذاتية أو الإرادة الباطنة (٣).
أما الاتجاه الأول: فهو مذهب الحنفية والشافعية (٤) الذين يأخذون بالإرادة الظاهرة في العقود، لا بالإرادة الباطنة، أي أنهم حفاظاً على مبدأ استقرار
стр. 202
المعاملات لا يأخذون بنظرية السبب أو الباعث لأن فقههم ذو نزعة موضوعية بارزة كالفقه الجرماني، والسبب أو الباعث الذي يختلف باختلاف الأشخاص عنصر ذاتي داخلي قلق يهدد المعاملات.
ولا تأثير للسبب أو للباعث على العقد إلا إذا كان مصرحاً به في صيغة التعاقد، أي تضمنته الإرادة الظاهرة، كالاستئجار على الغناء والنوح والملاهي وغيرها من المعاصي. فإذا لم يصرح به في صيغة العقد، بأن كانت الإرادة الظاهرة لا تتضمن باعثاً غير مشروع، فالعقد صحيح لا شتماله على أركانه الأساسية من إيجاب وقبول وأهلية المحل لحكم العقد، ولأنه قد لا تحصل المعصية بعد العقد، ولا عبرة للسبب أو الباعث في إبطال العقد، أي أن العقد صحيح في الظاهر، دون بحث في النية أو القصد غير المشروع، لكنه مكروه حرام، بسبب النية غير المشروعة، نظراً لاستكمال العقد أركانه وشروطه المطلوبة شرعاً في الظاهر.
وبناء عليه قال الحنفية والشافعية بصحة العقود التالية في الظاهر، مع الكراهة التحريمية أو الحرمة عند الشافعية، للنهي عنها في السنة النبوية، وهي:
١ - بيع العينة (أي البيع الصوري المتخذ وسيلة للربا): كبيع سلعة بثمن مؤجل إلى مدة بمئة درهم، ثم شراؤها من المشتري في الحال بمئة وعشرة، فيكون الفرق ربا. لكن أبا حنيفة ﵀ استثناء من مبدئه في عدم النظر إلى النية غير المشروعة، اعتبر هذا العقد فاسداً، إن خلا من توسط شخص ثالث بين المالك المقرض والمشتري المقترض، لأساس آخر: وهو عدم تمام البيع الأول بسبب عدم قبض الثمن، ولأن البيع الثاني بيع شيء منقول قبل القبض وبيع الشيء قبل القبض فاسد شرعاً.
٢ - بيع العنب لعاصر الخمر: أي لمن يعلم البائع أنه سيتخذه خمراً أو يظنه ظناً غالباً، فإن شك في اتخاذه خمراً أوتوهمه، فالبيع مكروه.
стр. 203
٣ - بيع السلاح في الفتنة الداخلية، أو لمن يقاتل به المسلمين أو لقطاع الطريق المحاربين، ومثله بيع أدوات القمار، وإيجاد دار للدعارة أو للقمار، وبيع الخشب لمن يتخذ منه آلات الملاهي، والإجارة على حمل الخمر لمن يشربها، ونحو ذلك.
٤ - زواج المحلِّل: وهو الذي يعقد زواجه على امرأة مطلقة طلاقاً بائناً، أي البائن بينونة كبرى، بقصد تحليلها لزوجها الأول بالدخول بها في ليلة واحدة مثلاً، ثم يطلقها ليصح لزوجها الأول العقد عليها من جديد، هو عقد صحيح في الظاهرعملاً بظاهر الآية القرآنية: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد، حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة:٢٣٠/ ٢]، أي أنه لا يصرح في عقد التحليل بالغرض المقصود، وإنما يتم الاتفاق سراً وبنحو مستتر في غير حالة إبرام العقد.
والخلاصة: أن هذا الاتجاه لا يأخذ بالسبب أو الباعث إلا إذا كان داخلاً في صيغة العقد، وتضمنه التعبير عن الإرادة ولو ضمناً، ولا يعتد به إذا لم تتضمنه صيغة العقد.
وأما الاتجاه الثاني: فهو مذهب المالكية والحنابلة والظاهرية والشيعة (١) الذين ينظرون إلى القصد والنية أو الباعث، فيبطلون التصرف المشتمل على باعث غير مشروع، بشرط أن يعلم الطرف الآخر بالسبب غير المشروع، أو كان بإمكانه أن يعلم بذلك بالظروف والقرائن التي تدل على القصد الخبيث، كإهداء العدو هدية
стр. 204
لقائد الجيش، والإهداء للحكام والموظفين، فذلك مقصود به الرشوة. فتكون للدولة. وهبة المرأة مهرها لزوجها، يقصد به استدامة الزواج، فإن طلقها بعدئذ، كان لها الرجوع فيما وهبت (١).
هذا الاتجاه يأخذ تقريباً بنظرية السبب أو بمذهب الإرادة الباطنة في الفقه اللاتيني، مراعاة للعوامل الأدبية والخلقية والدينية، فإن كان الباعث مشروعاً، فالعقد صحيح، وإن كان غير مشروع فالعقد باطل حرام، لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان.
وبناء عليه، قال المالكية والحنابلة وموافقوهم ببطلان العقود السابقة وأضاف إليها المالكية: أنهم لا يجيزون بيع أرض بقصد بناء كنيسة أو بيع خشب بقصد صنع صليب، أو شراء عبد بقصد أن يكون مغنياً، أو استئجار كراريس فيها عبارات النوح، وبيع ثياب حرير ممن يلبسها (٢).
أما عدم صحة بيع العنب للخمار، وبيع السلاح للأعداء ونحوهما، فلأنه إعانة على الحرام، أو عقد على شيء لمعصية الله به، فلا يصح. وأما فساد زواج المحلل، فلأنه يتنافى مع أغراض الزواج السامية: وهو أنه عقد مؤبد، قصد به تكوين أسرة دائمة، لإنجاب ذرية تنعم بجو هادئ مطمئن، وهذا الزواج اتخذ لتحليل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول في وضع مؤقت قلق، فهو حيلة لرفع تحريم مؤبد، وهو قصد غير مشروع.
وأما فساد بيع العينة أو بيوع الآجال، فلأنه اتخذ البيع حيلة لتحليل التعامل بالربا، ولم يكن الغرض الحق هو البيع والشراء، فهو وسيلة لعقد محرم غير مشروع، فيمنع سداً للذرائع المؤدية إلى الحرام.
стр. 205
والخلاصة: أن هذا الاتجاه يعتد بالمقاصد والنيات، ولو لم تذكر في العقود، بشرط أن يكون ذلك معلوماً للطرف الآخر، أو كانت الظروف تحتم علمه؛ لأن النية روح العمل ولبّه. ويكون هذا الاتجاه آخذاً بنظرية السبب التي تتطلب أن يكون السبب مشروعاً، فإن لم يكن سبب العقد مشروعاً، فلا يصح العقد.
أما في الأحوال غير المصحوبة بنية غير مشروعة أو بباعث سيء، فهل يصح العقد بنية تحول صفة العقد؟.
يرى المالكية والحنفية: أن للنية تأثيراً في صيغة العقود، فقالوا: يصح عقد الزواج بكل لفظ يدل على تمليك العين في الحال، كالتزويج والنكاح والتمليك، والجعل، والهبة والعطية والصدقة، بشرط توافر النية أو القرينة الدالة على أن المراد باللفظ هو الزواج، وبشرط فهم الشهود للمقصود،؛ لأن عقد الزواج كغيره من العقود التي تنشأ بتراضي العاقدين، فيصح بكل لفظ يدل على تراضيهما وإرادتهما (١).
أما البيع والإقالة والإجارة والهبة فلا تتوقف على النية، فلو وهب مازحاً صحت. لكن قال الحنفية (٢): إن عُقِد البيع بمضارع لم يصدَّر بسوف أو السين توقف على النية، فإن نوى به الإيجاب للحال، كان بيعاً، وإلا لا، بخلاف صيغة الماضي، فإن البيع لايتوقف على النية. وأما المضارع المتمحض للاستقبال فهو كالأمر، لا يصح البيع به ولا بالنية، ولا يصح البيع مع الهزل، لعدم الرضا بحكمه معه.
стр. 206
وأما القصاص فمتوقف على قصد القاتل القتل، لكن قال الحنفية: لما كان القصد أمراً باطنياً، أقيمت الآلة مقامه، فإن قتله بما يفرق الأجزاء عادة، كان عمداً ووجب القصاص، وإن قتله بما لا يفرق الأجزاء عادة، لكن يقتل غالباً، فهو شبه عمد لا قصاص فيه عند أبي حنيفة.
الحادي عشر - النية في الفسوخ:
الإقالة (وهي فسخ العقد) والطلاق (حل الرابطة الزوجية) إن كان صريحاً لا يتوقفان على النية (١) فلو طلق الرجل زوجته غافلاً أو ساهياً أو مخطئاً وقع، حتى قال الحنفية: إن الطلاق يقع بالألفاظ المصحفة قضاء، ولكن لا بد من أن يقصدها باللفظ.
وأما الطلاق بالكناية: (وهو كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره، ولم يتعارفه الناس، مثل قول الرجل لزوجته: الحقي بأهلك، اذهبي، اخرجي، أنت بائن، أنت بتَّة، أنت بتلة، أنت خلية، برية، اعتدي، استبرئي رحمك، أمرك بيدك) فلا يقع قضاء في رأي الحنفية والحنابلة إلا بالنية أو دلالة الحال على إرادة الطلاق، كأن يكون الطلاق في حالة الغضب، أو في حال المذاكرة بالطلاق.
ولا يقع في رأي المالكية والشافعية إلا بالنية، ولا عبرة بدلالة الحال، فلا يلزمه الطلاق إلا إن نواه، فإن قال: إنه لم ينو الطلاق، لم يقع، وإن امتنع عن اليمين، حكم عليه بالطلاق.
стр. 207
واشترط الشافعية في نية الكناية اقترانها بكل اللفظ، فلو قارنت أوله، وغابت عنه قبل آخره، لم يقع طلاق.
ولو قال الزوج: أنت طلاق أو أنت الطلاق (بالمصدر) أو أنت طالق طلاقاً، فيقع بها عند الحنفية والمالكية والحنابلة طلقة واحدة رجعية إن لم ينو شيئاً. فإن نوى ثلاثاً فهي ثلاث، فهي عندهم من الألفاظ الصريحة؛ لأنه صرح بالمصدر، والمصدر يقع على القليل والكثير، وإنه نوى بلفظه ما يحتمله. وأضاف الحنفية: ولا تصح نية الثنتين في المصدر: (أنت الطلاق) إلا أن تكون المرأة أَمَة (رقيقة). وأما تفويض الطلاق والخلع والإيلاء والظهار، فما كان منه صريحاً فلا تشترط له النية، وما كان كناية، اشترطت له. وأما الرجعة فهي كعقد الزواج؛ لأنها استدامته، لكن ما كان منها صريحاً لا يحتاج إلى نية، وكنايتها تحتاج إليها.
ورأي الشافعية في الأصح: ليس قوله: (أنت طلاق أو الطلاق) من الألفاظ الصريحة، بل هما كنايتان؛ لأن المصادر إنما تستعمل في الأعيان توسعاً (١).
ويلاحظ أن الشافعية قرروا أن التعريض بالقذف يوجب الحد إن نوى به القاذف القذف، فهو بمنزلة كنايات الطلاق، والكناية مع النية توجب الحد كالصريح.
الثاني عشر - النية في التروك:
التروك كترك الرياء وغيره من المنهي عنه. إن المقرر شرعاً: أن ترك المنهي عنه لا يحتاج إلى نية للخروج عن عهدة النهي، وإنما لحصول الثواب بأن كان كفّاً:
стр. 208
وهو أن تدعوه النفس إليه، قادراً على فعله، فيكف نفسه عنه خوفاً من ربه، فهو مثاب، وإلا فلا ثواب على تركه، فلا يثاب على ترك الزنا وهو يصلي، ولا يثاب العنِّين (العاجز عن الجماع) على ترك الزنا، ولا الأعمى على ترك النظر المحرم.
وهناك أعمال في حكم التروك، لترددها بين أصلين: الأفعال من حيث إنها فعل، والتروك من حيث إنها قريبة منها، رجح الأكثرون عدم النية فيها، لمشابهة التروك، وذلك مثل إزالة النجاسة، ورد المغصوب والعواري، وإيصال الهدية وغير ذلك، فلا تتوقف صحتها على النية المصححة، لكن يتوقف الثواب فيها على نية التقرب.
وأما غسل الميت: فالأصح فيه عند الأكثرين خلافاً للحنابلة كما بينا عدم اشتراط النية فيه، كالأعمال الملحقة بالتروك؛ لأن القصد منه التنظيف كإزالة النجاسة. ومثله أيضاً نيةالخروج من الصلاة: الأصح فيها عدم الاشتراط؛ لأن النية تليق بالإقدام، لا بالترك.
ومن الملحق بالتروك: إطعام الشخص دابته: إن قصد بإطعامها امتثال أمر الله تعالى، فإنه يثاب، وإن قصد بإطعامها حفظ المالية، فلا ثواب، كما ذكر القرافي. لكن يستثنى من ذلك: فرس المجاهد: إذا ربطها في سبيل الله، فإنها إذا شربت وهو لا يريد سقيها، أثيب على ذلك. وكذلك الزوجة، وكذلك إغلاق الباب وإطفاء المصباح عند النوم: إذا قصد به امتثال أمر الله أثيب، وإن قصد به أمر آخر، فلا (١).
стр. 209
الثالث عشر - النية في المباحات والعادات:
تختلف صفة المباحات والعادات التي تصدر عن الإنسان في اليوم والليلة باعتبار ما قصدت لأجله، فإذا قصد بها التقوّي على الطاعات أو التوصل إليها كانت عبادة، وإن لم يقصد بها العبادة لا ثواب عليها. وبناء عليه إن المباحات كالأكل والشرب والنوم واكتساب المال والجماع أو الوطء كالتروك مثل ترك الزنا والخمر، ليست مفتقرة إلى نية، ولا تكون عبادة إلا إذا نوى بها العبادة كالأكل والشرب بقصد التقوي بهما على الطاعة، والجماع بقصد إعفاف نفسه وزوجه وحصول نسل يعبد الله، وترك الزنا والخمر مثلاً بقصد امتثال نهي الشارع.
وهكذا كل فعل يصح أن يكون عبادة بالقصد، لا بد فيه من القصد ليكون عبادة يترتب عليها الثواب، وإليه يشير حديث (إنما الأعمال بالنيات).
فينبغي - كما قال الرملي - استحضار النية عند المباحات والعاديات ليثاب عليها ثواب العبادات، ولا مشقة عليه في القيام بها، بل هي مألوفة لنفسه، مستلذة، فسبحان الله ماأعظم منته، وما أوسع رحمته، أباح لعبده الطيبات التي يشتهيها، ثم هو مع ذلك يثيبه عليها بحسن نيته، كما يثيبه على عبادته التي طلبها منه، فله الحمد والمنة، لا ربَّ غيره، ولا خير إلا خيره.
ويسن لكل إنسان أن يقول في الصباح والمساء، ليحظى بالثواب والأجر على المباحات والتروك: (اللهم ما أعمله في هذا النهار - أو في هذه الليلة - من خير، فهو امتثال لأمرك، وما أتركه من معصية فهو امتثال لنهيك).
الرابع عشر - النية في أمور أخرى:
هناك غير ما ذكرناه أمور أخرى، أشير إلى النية فيها بإجمال (١):
стр. 210
١ - الجهاد: هو من أعظم العبادات، فلا بد له من خلوص النية، ليكون في سبيل الله.
٢ - الوصية كالعتق: إن قصد به التقرب إلى الله فله الثواب، وإلا فهي صحيحة فقط.
٣ - الوقف: ليس عبادة وضعاً، بدليل صحته من الكافر، فإن نوى القربة، فله الثواب، وإلا فلا.
٤ - الزواج: أقرب إلى العبادات، حتى إن الاشتغال به أفضل من التخلي لمحض العبادة، وهو عند الاعتدال سنة مؤكدة على الصحيح في مذهب الحنفية، فيحتاج إلى النية لتحصيل الثواب: وهو أن يقصد إعفاف نفسه وتحصين زوجته وحصول الولد. والرجعة كالزواج لأنها استدامة، فما كان منها صريحاً لا يحتاج إلى نية، وما كان منها كناية يحتاج إلى نية.
٥ - القضاء: من العبادات، والثواب عليه متوقف عليه متوقف على النية.
٦ - الحدود والتعازير وكل ما يتعاطاه الحكام والولاة، وتحمل الشهادات وأداؤها: الثواب في كل ذلك متوقف على النية.
٧ - الضمان أو التعويض عن الضرر: لا يتوقف على النية أو القصد، ويجب الضمان عن الضرر كالتلف، سواء حدث عمداً أم خطأ. وهل يترتب الضمان في شيء بمجرد النية من غير فعل؟ قال الحنفية في المُحْرِم إذا لبس ثوباً، ثم نزعه، ومن قصده أن يعود إليه، لا يتعدد الجزاء. فإن قصد ألا يعود إليه، تعدد الجزاء بلبسه. وقالوا أيضاً في الوديع إذا لبس ثوب الوديعة ثم نزعه، ومن نيته أن يعود إلى لبسه، لم يبرأ من الضمان.
стр. 211
٨ - الكفارات: النية شرط صحتها، عتقاً، أو صياماً، أو إطعاماً.
٩ - الضحايا: لابد فيها من النية كما بينا، لكن في رأي الحنفية: عند الشراء لا عند الذبح. وتفرع عليه: أنه لو اشتراها بنية الأضحية، فذبحها غيره بلا إذن، فإن ذبحها عن مالكها، فلا ضمان عليه، وإن ذبحها عن نفسه: فإن أخذها مذبوحة ولم يضمنه مالكها قيمتها، أجزأته. وإن ضمنه لا يجزئه.
وهل تتعين الأضحية بالنية؟ قال الحنفية: إن كان فقيراً، وقد اشتراها بنية الأضحية، تعينت، فليس له بيعها. وإن كان غنياً لم تتعين، وصحح ابن نجيم في الأشباه أنها تتعين مطلقاً، والصحيح لدى غيره أنها لا تتعين مطلقاً، ولو في غير أيام الذبح، ويتصدق بها.
وتتعين الأضحية في مذهب الشافعية وفي قول عند المالكية بقول مشتريها: هذه أضحية، أو جعلتها أضحية، فيتعين عليه ذبحها، لزوال ملكه عنها بذلك القول. وتتعين الأضحية عند المالكية إما بالذبح أو بالنية قبله، على خلاف في المذهب، كما بينا، والمعتمد المشهور في المذهب: أن الأضحية لا تجب إلا بالذبح فقط، ولا تجب بالنذر.
وفي خاتمة المطاف أقول:
هذه هي النية وأهميتها وأحكامها، فهي رادار القلب المسلم توجهه إما إلى الخير وإما إلى الشر.
وهي مدار عمل المسلم ومعيار ضبط الأعمال الشرعية من عبادات ومعاملات فإما أن تصحح العمل الشرعي، وإما أن تبطله وتلغي آثاره.
стр. 212
وهي سبب الثواب الأخروي على العمل، فإما أن تكون سبباً للثواب والظفر بجنان الخلد، كنية الجهاد وحب المؤمنين وصفاء القلب، وإما أن تكون سبباً للعقاب كالحقد والحسد والبغضاء، أو الرياء والشهرة والسمعة.
فمن حسنت نيته، وصلحت سريرته، حاز الفضل والفوز والخير في الدنيا والاخرة ومن ساءت نيته، وفسدت سريرته، بالخسران والسوء، والخذلان في الدنيا والاخرة.
تمهيد تقوم أمور الدين على الاعتقادات والآداب والعبادات والمعاملات والعقوبات، وذلك هو الفقه الأكبر، وبما أن بحثنا في فقه الأحكام الشرعية العملية، فلا نتعرض لبحث أمور العقيدة والأخلاق.
والعبادات خمسة: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد. وبحث الجهاد في خطتنا ليس مع العبادات، وإنما هو في فقه الأحكام ذات الصلة بالدولة.
والمعاملات خمسة: المعاوضات المالية، والمناكحات، والمخاصمات، والأمانات، والتركات.
والعقوبات خمسة: القصاص، وحد السرقة، والزنا، والقذف، والردة (١).
والعبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة (٢). ودين الله: عبادته وطاعته والخضوع له.
فالصلاة والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والبهائم، والدعاء والذكر والتلاوة، وأمثال ذلك: من العبادة.
стр. 215
وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك، هي من العبادة.
وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له، التي خلق الخلق لها، قال الله تعالى: ﴿وما خلقتُ الجنَّ والإنْسَ إلا ليَعْبُدون﴾ [الذاريات:٥٦/ ٥١]، وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: ﴿اعبدوا الله َ مالكم من إله غيرُه﴾ [الأعراف:٥٩/ ٧]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لأقوامهم.
وبما أن المخلوقين كلهم عباد الله، الأبرار منهم والفجار، والمؤمنون والكفار، وأهل الجنة وأهل النار، فإن عبوديتهم الحقة تستلزم عبادة الله الواحد القهار، قال تعالى: ﴿إن هذه أمَّتُكم أمةً واحدة، وأنا ربكم فاعبدون﴾ [الأنبياء:٩٢/ ٢١]، وقال سبحانه: ﴿يا أيها الناسُ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم، لعلكم تتقون﴾ [البقرة:٢١/ ٢]، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات:٥٦/ ٥١].
لذا اعتاد الفقهاء تقديم العبادات على غيرها اهتماماً بشأنها؛ لأن العباد لم يخلقوا إلا لها، كما قدموا الصلاة على غيرها لأنها أحب الأعمال إلى الله بعد الإيمان، ولأنها عماد الدين (١).