المبحث الثالث - مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية.
المبحث الرابع - أعمال الحج والعمرة وصفة حجة النبي ﷺ وعمرته.
المبحث الخامس - أركان الحج والعمرة.
المبحث السادس - واجبات الحج.
المبحث السابع - سنن الحج والعمرة.
المبحث الثامن - كيفية أداء الحج والعمرة.
المبحث التاسع - كيفية التحلل من الحج.
المبحث العاشر - محظورات الإحرام ومباحاته.
المبحث الحادي عشر - جزاء الجنايات في الحج أو العمرة.
المبحث الثاني عشر - الإحصار والفوات.
المبحث الثالث عشر - الهدي.
وأبدأ ببيانها على الترتيب المذكور.
المبحث الأول - تعريف الحج والعمرة ومكانتهما في الإسلام وحكمتهما وحكمهما:
أولاً - تعريف الحج والعمرة: الحج لغة: القصد مطلقاً، وعن الخليل قال: الحج: كثرة القصد إلى من تعظمه.
وشرعاً: قصد الكعبة لأداء أفعال مخصوصة، أو هو زيارة مكان مخصوص
стр. 1997
في زمن مخصوص بفعل مخصوص. والزيارة: هي الذهاب. والمكان المخصوص: الكعبة وعرفة. والزمن المخصوص: هو أشهر الحج: وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، ولكل فعل زمن خاص، فالطواف مثلاً عند الجمهور: من فجر النحر إلى آخر العمر، والوقوف بعرفة: من زوال الشمس يوم عرفة لطلوع فجر يوم النحر. والفعل المخصوص: أن يأتي مُُحْرماً بنية الحج إلى أماكن معينة (١).
و تاريخ مشروعيته على الصحيح: أن الحج فرض في أواخر سنة تسع من الهجرة، وأن آية فرضه هي قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران:٩٧/ ٣] نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع وهو رأي أكثر العلماء، وأنه ﷺ لم يؤخر الحج بعد فرضه عاماً واحداً، وإنما أخره ﵇ للسنة العاشرة لعذر، وهو نزول الآية بعد فوات الوقت (٢)، فكان حجه بعد الهجرة حجة واحدة سنة عشر، كما روى أحمد ومسلم.
والعمرة لغة: الزيارة، وقيل: القصد إلى مكان عامر، وسميت بذلك؛ لأنها تفعل في العمر كله. وشرعاً: قصد الكعبة للنسك وهو الطواف والسعي (٣). ولايغني عنها الحج وإن اشتمل عليها.
ثانياً - مكانة الحج والعمرة في الإسلام وحكمتهما: الحج: هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فرضه الله تعالى على المستطيع، والعمرة مثله، فهما أصلان عند الشافعية والحنابلة، لقوله تعالى:
стр. 1998
﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢] وهي سنة عند المالكية والحنفية، كما سأبين، وقد اعتمر النبي ﷺ أربع عُمَر، كلهن في ذي القعْدة إلا التي مع حَجَّته (١): الأولى من الحديبية سنة ست من الهجرة، والثانية سنة سبع وهي عمرة القضاء، والثالثة سنة ثمان عام الفتح، والرابعة مع حجته سنة عشر، وكان إحرامها في ذي القعدة وأعمالها في ذي الحجة.
قال القاضي حسين من الشافعية: الحج أفضل العبادات لاشتماله على المال والبدن، وقال الحليمي: الحج يجمع معاني العبادات كلها، فمن حج فكأنما صام وصلى واعتكف وزكى ورابط في سبيل الله وغزا، ولأنا دعينا إليه، ونحن في أصلاب الآباء كالإيمان الذي هو أفضل العبادات.
والراجح عند الشافعية والحنابلة أن الصلاة أفضل منه (٢)؛ لأن الصلاة عماد الدين.
و هل الحج أفضل من الجهاد؟ اختلفت الأحاديث المشتملة على بيان فاضل الأعمال من مفضولها، فتارة تجعل الأفضل الجهاد، وتارة الإيمان، وتارة الصلاة، وتارة غير ذلك، من هذه الأحاديث: حديث الشيخين عن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله ﷺ ، أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله وبرسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور»، ومنها حديث الجماعة إلا أبا داود عن أبي هريرة أيضاً: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» والمبرور: المقبول، ورجح النووي أنه الذي لا يخالطه شيء من الإثم.
стр. 1999
قال الشوكاني (١): وأحق ما قيل في الجمع بين الأحاديث: أن بيان الفضيلة يختلف باختلاف المخاطب، فإذا كان المخاطب ممن له تأثير في القتال، وقوة مقارعة الأبطال، قيل له: أفضل الأعمال: الجهاد، وإذا كان كثير المال، قيل له: أفضل الأعمال: الصدقة، ثم كذلك يكون الاختلاف على حسب اختلاف المخاطبين.
وقال المالكية (٢): الحج ولو تطوّعاً أفضل من الجهاد، إلا في حالة الخوف من العدو، فيفضل الجهاد على حج التطوع.
حكمة المشروعية: يتحقق بالحج والعمرة فرض الكفاية وهو إحياء الكعبة كل سنة بالعبادة، وتمتاز العمرة عن الحج بإمكانها في كل أيام العام أو العمر، فهي أيسر من الحج الذي يتقيد بأيام معلومات.
وللحج فوائد شخصية وجماعية، أما أهم فوائده الشخصية فهي ما يأتي: يكفِّر الحج الذنوب الصغائر ويطهر النفس من شوائب المعاصي، وقال بعض العلماء كبعض الحنفية: والكبائر أيضاً، بدليل الحديث السابق: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» فلا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بد أن يدخل الجنة، ولقوله ﷺ أيضاً: «من حج، فلم يرفُث، ولم يفسُق، رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمُّه» (٣) أي بغير ذنب.
стр. 2000
وقال ﵇: «الحجاج والعُمَّار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم» (١) وقال أيضاً: «يُغْفَر للحاج، ولمن استغفر له الحاج» (٢).
قال القاضي عياض: أجمع أهل السنة أن الكبائر لا يكفرها إلا التوبة، ولا قائل بسقوط الدين، ولو حقاً لله تعالى، كدين الصلاة والزكاة.
فالحج يغفر الذنوب، ويزيل الخطايا إلا حقوق الآدميين، فإنها تتعلق بالذمة، حتى يجمع الله أصحاب الحقوق، ليأخذ كل حقه، ومن الجائز أن الله تعالى يتكرم، فيرضي صاحب الحق بما أعد له من النعيم وحسن الجزاء، فيسامح المدين تفضلاً وتكرماً، فلا بد من أداء حقوق الآدميين، أما حقوق الله فمبنية على تسامح الكريم الغفور الرحيم.
والحج يطهر النفس، ويعيدها إلى الصفاء والإخلاص، مما يؤدي إلى تجديد الحياة، ورفع معنويات الإنسان، وتقوية الأمل وحسن الظن بالله تعالى.
ويقوي الحج الإيمان، ويعين على تجديد العهد مع الله، ويساعد على التوبة الخالصة الصدوق، ويهذب النفس، ويرقق المشاعر ويهيج العواطف نحو بيت الله العتيق.
ويذكر الحج المؤمن بماضي الإسلام التليد، وبجهاد النبي ﷺ والسلف الصالح الذين أناروا الدنيا بالعمل الصالح.
والحج كغيره من الأسفار يعوِّد الإنسان على الصبر وتحمل المتاعب، ويعلم
стр. 2001
الانضباط والتزام الأوامر، فيستعذب الألم في سبيل الله تعالى، ويدفع إلى التضحية والإيثار.
وبالحج يؤدي العبد لربه شكر النعمة: نعمة المال، ونعمة العافية، ويغرس في النفس روح العبودية الكاملة، والخضوع الصادق الأكيد لشرع الله ودينه، قال الكاساني (١): في الحج إظهار العبودية وشكر النعمة، أما إظهار العبودية فهو إظهار التذلل للمعبود، وفي الحج ذلك؛ لأن الحاج في حال إحرامه يظهر الشعث ويرفض أسباب التزين والارتفاق، ويظهر بصورة عبد سخط عليه مولاه، فيتعرض بسوء حاله لعطف مولاه. وأما شكر النعمة: فلأن العبادات بعضها بدنية وبعضها مالية، والحج عبادة لا تقوم إلا بالبدن والمال، ولهذا لا يجب إلا عند وجود المال وصحة البدن، فكان فيه شكر النعمتين، وشكر النعمة ليس إلا استعمالها في طاعة المنعم، وشكر النعمة واجب عقلاً وشرعاً.
وأما أهم فوائد الحج الجماعية: فهو أنه يؤدي بلا شك إلى تعارف أبناء الأمة على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم، وإمكان تبادل المنافع الاقتصادية الحرة فيما بينهم، والمذاكرة في شؤون المسلمين العامة، وتعاونهم صفاً واحداً أمام أعدائهم، وغير ذلك مما يدخل في معنى قوله تعالى: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾ [الحج:٢٨/ ٢٢].
ويُشعر الحج بقوة الرابطة الأخوية مع المؤمنين في جميع أنحاء الأرض المعبر عنها في قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات:١٠/ ٤٩] ويحس الناس أنهم حقاً متساوون، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.
стр. 2002
ويساعد الحج على نشر الدعوة الإسلامية ودعم نشاط الدعاة في أنحاء المعمورة، على النحو الذي بدأ به النبي نشر دعوته بلقاء وفود الحجيج كل عام.
وأما الاعتماد على موسم الحج ليكون مؤتمراً شعبياً عاماً لمخاطبة المؤمنين، فهو غير مطلوب شرعاً؛ لأن المعول في السياسة الإسلامية على رأي أهل الخبرة والاختصاص والمشورة، فهم المرجع والمقصد، ولأن كثرة المسلمين الهائلة تمنع تحقيق الفائدة المرجوة، ولأن تخطيط السياسة ووضع المنهج الإسلامي منوط برأي الحكام المسلمين، ولم يعد بيد أحد من الأفراد العاديين شيء من النفوذ أو السلطة لتحقيق شيء يذكر.
ثالثاً - حكم الحج والعمرة: اتفق العلماء على فرضية الحج مرة في العمر، بدليل الكتاب والسنة.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ [آل عمران:٩٧/ ٣] روي عن ابن عباس: «ومن كفر باعتقاده أنه غير واجب» وقال تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢] وقال سبحانه: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً، وعلى كل ضامر، يأتين من كل فج عميق، ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج:٢٧/ ٢٢ - ٢٨].
وأما السنة: فقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (١).
стр. 2003
كون فريضة الحج مرة: الدليل على فرضية الحج مرة واحدة في العمر بأصل الشرع: هو حديث أبي هريرة، قال: «خطبنا رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجُّوا، فقال رجل: أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال النبي ﷺ : لو قلت: نعم، لوجَبَت ولما استطعتم» (١) وحديث ابن عباس بمعناه، وفيه تعيين الرجل وهو الأقرع بن حابس، وفيه أيضاً «من زاد فهو تطوع» (٢)، ويؤكده أن الأمر لا يقتضي التكرار، فلا يكون الأمر القرآني مفيداً تكرار الحج.
وأما حديث البيهقي وابن حبان الآمر بالحج في كل خمسة أعوام فمحمول على الندب، ونصه عن الخدري: «أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله : إن عبداً صحّحت له جسمه، ووسَّعت عليه في المعيشة، تمضي عليه خمسة أعوام، لا يَفِد إلي لمحروم» أي من جمع له الصحة والقوة واليسار مندوب له الحج كل خمس سنين، وإلا كان محروماً من الأجر ومطروداً من رضوان الله تعالى.
وأجمع العلماء على أن الحج لا يجب إلا مرة (٣)، والزائد عن ذلك تطوع، قال ﷺ : «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خَبَث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة» (٤).
وقد يجب الحج أكثر من مرة لعارض: كنذر بأن يقول: لله علي حجة؛ لأن النذر من أسباب الوجوب في العبادات والقرب المقصودة، وكذلك يجب في حالة القضاء عند إفساد التطوع.
стр. 2004
وقد يحرم الحج كالحج بمال حرام، وقد يكره كالحج بلا إذن ممن يجب استئذانه (١)، كأحد أبويه المحتاج إلى خدمته، والأجداد والجدات كالأبوين عند فقدهما، وكالدائن الغريم لمدين لا مال له يقضي به، وكالكفيل لصالح الدائن، فيكره خروجه بلا إذنهم أي الأب والدائن. والكراهة عند الحنفية تحريمية.
وذكر المالكية والشافعية والحنفية أنه مع عصيان الحاج بمال حرام، فإنه يصح الحج فرضاً أو نفلاً بالمال الحرام كالصلاة في الأرض المغصوبة، ويسقط عنه الفرض والنفل، إذ لا منافاة بين الصحة والعصيان. وخالف الحنابلة فلم يجيزوا الحج بالمال الحرام، إذ لا تصح عندهم الصلاة في الأرض المغصوبة.
نوع الفرضية: النُسُك إما فرض عين، وهو على من لم يحج بالشروط الآتية، وإما فرض كفاية: وهو إحياء الكعبة كل سنة بالحج والعمرة، وإما تطوع محض، ولا يتصور إلا في الأرقاء والصبيان، وإما مندوب كل خمس سنوات.
تكرار العمرة: لا بأس عند الشافعية والحنابلة والحنفية أن يعتمر في السنة مراراً (٢)؛ لأن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي ﷺ عمرة مع قرانها، وعمرة بعد حجها، ولأن النبي ﷺ قال فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما».
وكره المالكية تكرار العمرة في السنة، وقال النخعي: ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة، ولأن النبي ﷺ لم يفعله.
стр. 2005
هل وجوب الحج على الفور أو على التراخي؟ للعلماء في ذلك اتجاهان:
قال أبو حنيفة وأبو يوسف والمالكية في أرجح القولين والحنابلة (١): يجب الحج بعد توافر الاستطاعة وبقية الشروط الآتية على الفور في العام الأول، أي في أول أوقات الإمكان، فيفسق وترد شهادته بتأخيره سنيناً؛ لأن تأخيره معصية صغيرة، وبارتكابه مرة لا يفسق إلا بالإصرار، لأن الفورية ظنية، بسبب كون دليلها ظنياً كما قال الحنفية، ويدل عليه أنه لو تراخى كان أداء، وإن أثم بموته قبله، وقالوا: لو لم يحج حتى أتلف ماله، وسعه أن يستقرض ويحج، ولو غير قادر على وفائه، ويرجى ألا يؤاخذه الله بذلك إذا كان ناوياً الوفاء لو قدر. وذكر الحنابلة أن من فرط فيه حتى توفي أخرج عنه من جميع ماله حجة وعمرة. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران:٩٧/ ٣] وقوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢] والأمر على الفور عندهم.
واستدلوا أيضاً بأحاديث منها: «حجوا قبل أن لا تحجوا» (٢) وحديث «تعجَّلوا إلى الحج يعني الفريضة، فإن أحدكم لا يدري ما يعرِض له» (٣) وحديث «من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر، فلم يحج، فليمت
стр. 2006
إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً» (١) ورواية الترمذي: «من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (٢) [آل عمران:٩٧/ ٣] وهي مع غيرها تدل على وجوب الحج على الفور، فإنه ألحق الوعيد بمن أخر الحج عن أول أوقات الإمكان؛ لأنه قال: «من ملك .. فلم يحج» والفاء للتعقيب بلا فصل، أي لم يحج عقب ملك الزاد والراحلة، بلا فاصل.
وقال الشافعية (٣) ومحمد من الحنفية: وجوب الحج على التراخي، وليس معناه تعين التأخير، بل بمعنى عدم لزوم الفور، ويسن لمن وجب عليه الحج أوالعمرة بنفسه أو بغيره ألا يؤخر ذلك عن سنة الإمكان، مبادرة إلى براءة ذمته، ومسارعة إلى الطاعات، لقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ [البقرة:١٤٨/ ٢] ولأنه إذا أخره عرّضه للفوات ولحوادث الزمان. ويجوز أن يؤخره من سنة إلى سنة؛ لأن فريضة الحج نزلت على المشهور عندهم سنة ست، فأخر النبي ﷺ إلى سنة عشر من غير عذر، فلو لم يجز التأخير لما أخره.
وهذا الرأي أولى ليسره على الناس وعدم الحكم بالتأثيم، ولأن الأحاديث التي احتج بها الجمهور كلها ضعيفة، والحج فرض سنة ست عند نزول سورة آل عمران، كما حقق الشافعية، ومن قال: إنه فرض سنة عشر فقد أخطأ؛ لأن السورة نزلت قبلها قطعاً، لكن تعجيل الحج ضروري للاحتياط.
стр. 2007
حكم العمرة: قال الحنفية على المذهب والمالكية على أرجح القولين (١): العمرة سنة (مؤكدة) مرة واحدة في العمر؛ لأن الأحاديث المشهورة الثابتة الواردة في تعداد فرائض الإسلام لم يذكر منها العمرة، مثل حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس» فإنه ذكر الحج مفرداً، وروى جابر أن أعرابياً جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «يا رسول الله، أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك» (٢) وفي رواية «أولى لك».
وروى أبو هريرة: «الحج جهاد والعمرة تطوع» (٣).
وقال الشافعية في الأظهر، والحنابلة (٤): العمرة فرض كالحج، لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢] أي ائتوا بهما تامين ومقتضى الأمر الوجوب، ولخبر عائشة ﵂ قالت: «قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة» (٥).
ويظهر لي أن الرأي الثاني أصح، لدلالة هذه الآية، ولضعف أحاديث الفريق الأول.
стр. 2008
وذكر الحنابلة عن أحمد: أنه ليس على أهل مكة عمرة، بدليل أن ابن عباس كان يرى العمرة واجبة، ويقول: يا أهل مكة، ليس عليكم عمرة، إنما عمرتكم طوافكم بالبيت. وروي أيضاً عن عطاء، لأن ركن العمرة ومعظمها بالطواف بالبيت، وهم يفعلونه، فأجزأ عنهم.
المبحث الثاني - شروط الحج والعمرة وموانعهما:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول - شروط الحج والعمرة:
الشروط: إما عامة للرجال والنساء، أو خاصة بالنساء، وهي إن توفرت وجب الحج وأداؤه، وإلا فلا.
أما الشروط العامة: فمنها ما هو شرط وجوب وصحة أو أداء: وهو الإسلام والعقل، ومنها ما هو شرط للوجوب والإجزاء وليس بشرط للصحة: وهو البلوغ والحرية، ومنها ما هو شرط للوجوب فقط: وهو الاستطاعة.
وهذه الشروط هي ما يأتي (١):
١ - الإسلام: فلا يجب الحج على الكافر وجوب مطالبة به في الدنيا حال كفره، ولا يصح منه، لعدم أهليته لأداء العبادة، فلو حج الكافر، ثم أسلم يجب
стр. 2009
عليه حجة الإسلام، ولا يعتد بما حج في حال الكفر. وكذا لا يجب عند الحنفية على الكافر في حق أحكام الآخرة، فلا يؤاخذ بالترك، لعدم خطاب الكافر بفروع الشريعة، ويؤاخذ عند الجمهور، لأنه مخاطب بالفروع.
ويرى المالكية أن الإسلام شرط صحة لا وجوب، فيجب الحج على الكافر ولا يصح منه إلا بالإسلام. والشافعية أوجبوا الحج على المرتد ولا يصح منه إلا إذا أسلم، أما الكافر الأصلي فلا يجب عليه.
٢ - التكليف أي البلوغ والعقل: فلا يجب على الصغير والمجنون؛ لأنهما غير مطالبين بالأحكام الشرعية، فلا يلزمهما الحج، ولا يصح الحج أو العمرة أيضاً من المجنون؛ لأنه ليس أهلاً للعبادة، ولو حجّا ثم بلغ الصغير، وأفاق المجنون، فعليهما حجة الإسلام، وما فعله الصبي قبل البلوغ يكون تطوعاً. قال النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل» (١)، وقال أيضاً: «أيُّما صبي حج به أهله، فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما رجل مملوك حج به أهله، فمات، أجزأت عنه، فإن أُعتق فعليه الحج» (٢).
ولا يبطل الإحرام بالجنون والإغماء والموت والسكر والنوم كالصوم.
ولو حج الصبي، صح حجه، ولم يجزئه عن حجة الإسلام.
ولو حج المجنون والصبي الذي لا يعقل (غير المميز) لم يصح أداؤه منهما، لأن أداءه يتوقف على العقل.
стр. 2010
إحجاج الصغير والمجنون:
أـ قال الشافعية والمالكية والحنابلة (١): للولي من أب أو جد مثلاً حلالاً كان أو محرماً، حج عن نفسه أم لا، أن يحرم عن الصغير المميز أو عن غير المميز، أو عن المجنون، فينوي الولي بقلبه جعل كل منهما محرماً، أو يقول: أحرمت عنه، ولا يشترط حضورهما ولا مواجهتهما بالإحرام، ولا يصير الولي بذلك محرماً. ولا يجوز الإحرام عن المغمى عليه والمريض.
والدليل على جواز الإحرام عن الصغير والمجنون: «أن النبي ﷺ لقي رَكْباً بالرَّوْحاء، فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ فقال: رسول الله، فرَفَعت إليه امرأة صبياً، فسألت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولكِ أجر» (٢).
إذن الولي: لا يجوز للصبي المميز أن يحرم إلا بإذن وليه وهو الأب، أو الجد عند عدم الأب، والوصي والقيم كالأب على الصحيح عند الشافعية، ولا يتولاه الأخ والعم والأم على الأصح عندهم إذا لم يكن له إيصاء ولا ولاية من الحاكم.
وللولي أن يأذن لمن يحرم عن الصبي.
وحيث صار الصبي غير المميز أو المجنون محرماً فعل الولي ما لا يتأتى منه، ولا يكفي فيه فعل الولي فقط، بل لابد من استصحابه معه، فيطوف به ويسعى،
стр. 2011
ولكن يركع عنه ركعتي الإحرام والطواف، وإن أركبه الولي في الطواف والسعي، فليكن سائقاً أو قائداً للدابة، فإن لم يفعل لم يصح طوافه.
ويجب على الصغير طهارة الخبث وستر العورة في الطواف، ولا يشترط طهارة الحدث (الوضوء).
ويحضر الولي الصغير والمجنون المواقف، وجوباً في الواجبة، وندباً في المندوبة، فإن قدر الصغير ونحوه على الرمي رمى وجوباً، وإن عجز عن تناول الأحجار، ناولها له وليه. وإن عجز عن الرمي، استحب للولي أن يضع الحجر في يده، ثم يرمي به بعد رميه عن نفسه، فإن لم يكن رمى عن نفسه، وقع الرمي عن نفسه، وإن نوى به الصبي.
والخلاصة: إن كل ما أمكن الصبي فعله بنفسه، لزمه فعله، ولا ينوب غيره عنه، كالوقوف والمبيت بمزدلفة ونحوهما، وما عجز عنه، عمله الولي عنه.
ولو فرَّط المميز في شيء من أعمال الحج، كان وجوب الدم في مال الولي، ويجب عليه منعه من محظورات الإحرام. أما غير المميز فلا فدية في ارتكابه محظوراً على أحد.
والنفقة الزائدة بسبب السفر في مال الولي في الأصح؛ لأنه المورط له في ذلك.
وإذا جامع الصبي في حجه، فسد وقضى ولو في حال الصبا، كالبالغ المتطوع بجامع صحة إحرام كل منهما، فيعتبر فيه لفساد حجه ما يعتبر في البالغ، من كونه عامداً عالماً بالتحريم، مختاراً مجامعاً قبل التحللين.
ويكتب للصبي ثواب ما عمل من الطاعات، ولا يكتب عليه معصية بالإجماع.
стр. 2012
ب - وقال أبو حنيفة في المشهور عنه: لا يصح حج الصبي، للحديث السابق: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ .. » الخ وقياساً على النذر، فإنه لا يصح منه، ولأنه لا يجب عليه، ولا يصح منه، ولأنه لو صح منه لوجب عليه قضاؤه إذا أفسده، ولأنه عبادة بدنية، فلا يصح عقدها من الولي للصبي كالصلاة.
٣ - الحرية: فلا يجب الحج على العبد؛ لأنه عبادة تطول مدتها، وتتعلق بقطع مسافة، وتشترط لها الاستطاعة بالزاد والراحلة، ويضيع حقوق سيده المتعلقة به، فلم يجب عليه كالجهاد.
حكم الحج حال الصبا والرق: وبناء على هذا الشرط وما قبله (١): من حج وهو غير بالغ، فبلغ، أو كان عبداً فعتق، بعد انتهاء وقت عرفة، فعليه الحج كما تقدم، للحديث السابق: «أيما صبي حج به أهله … فإن أدرك فعليه الحج، وأيما مملوك حج به أهله … فإن أعتق فعليه الحج».
وإن بلغ الصبي، أو عتق العبد قبل الوقوف بعرفة، فأحرما ووقفا بعرفة، وأتما المناسك، أجزأهما عن حجة الإسلام، بلا خلاف؛ لأنه لم يفتهما شيء من أركان الحج، ولا فعلا شيئاً منها قبل وجوبه.
وإن حدث البلوغ قبل الوقوف بعرفات أو في حال الوقوف، وهما محرمان، أجزأهما الحج عند الشافعية والحنابلة أيضاً عن حجة الإسلام؛ لأن الواحد منهما أدرك الوقوف حراً بالغاً، فأجزأه، كما لو أحرم تلك الساعة.
ولم يجزئهما عند المالكية والحنفية؛ لأنه يشترط لأداء الحج أن يكون المحرم
стр. 2013
وقت الإحرام حراً مكلفاً (أي بالغاً عاقلاً)، وإحرامهما انعقد لأداء النفل، فلا ينقلب لأداء الفرض.
لكن قال الحنفية: لو جدد الصبي الإحرام قبل الوقوف بأن لبى أو نوى حجة الإسلام وأتم أعمال الحج من وقوف وطواف زيارة وسعي وغيرها، جاز، أما العبد لو فعل ذلك فلم يجز؛ لأن إحرام الصبي وقع صحيحاً غير لازم، لعدم الأهلية، فكان محتملاً للانتقاض، فإذا جدد الإحرام بحجة الإسلام، انتقض. وأما إحرام العبد فإنه وقع لازماً، لكونه أهلاً للخطاب، فانعقد إحرامه تطوعاً، فلا يصح إحرامه الثاني إلا بفسخ الأول، وإنه لايحتمل الانفساخ. وبه يختلف إحرامهما عن الكافر والمجنون، فإنه لا ينعقد إحرامهما أصلاً لعدم الأهلية.
الإذن للصبي وللعبد وللزوجة: ليس للصبي المميز الإحرام بالحج إلا بإذن وليه ولا يصح إحرامه بغير إذنه؛ لأنه يؤدي إلى لزوم ما لم يلزم، فلم ينعقد عند غير الحنفية بنفسه كالبيع.
وليس للعبد أن يحرم بغير إذن سيده بلا خلاف، لأنه يفوت به حقوق سيده الواجبة عليه بالتزام ما ليس بواجب، فإن فعل انعقد إحرامه صحيحاً؛ لأنها عبادة بدنية، فصح من العبد الدخول فيها بغير إذن سيده، كالصلاة والصوم، ولسيده تحليله في الأصح عند الشافعية والحنابلة (١)؛ لأن في بقائه عليه تفويتاً لحقه من منافعه بغير إذنه، فلم يلزم ذلك سيده كالصوم المضر ببدنه، ويكون حينئذ كالمحصر.
وليس للزوجة الإحرام نفلاً (تطوعاً) إلا بإذن زوج، لتفويت حقه، وللزوج
стр. 2014
إن أحرمت زوجته بغير إذنه تحليلها منه؛ لأن حقه لازم، فملك إخراجها من الإحرام كالاعتكاف، وتكون كالمحصر؛ لأنها في معناه.
وليس للوالدين منع ولدهما من حج الفرض والنذر، ولا تحليله منه، ولا يجوز للولد طاعتهما فيه، أي في ترك الحج الواجب أو التحليل، وكذا في كل ما وجب، كصلاة الجماعة، والجُمَع، والسفر للعلم الواجب؛ لأنها فرض، فلم يعتبر إذن الأبوين فيها، كالصلاة.
٤ - الاستطاعة البدنية والمالية والأمنية الموجبة للحج: وهي القدرة على الوصول إلى مكة، لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران:٩٧/ ٣]، لكن للفقهاء بعض الاختلافات في حدود ووجوه الاستطاعة.
قال الحنفية (١): الاستطاعة أنواع ثلاثة: بدنية ومالية وأمنية، أما الاستطاعة البدنية: فهي صحة البدن، فلا حج على المريض والزَّمِن والمُقْعَد والمفلوج والأعمى وإن وجد قائداً، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه، والمحبوس، والممنوع من قبل السلطان الجائر عن الخروج إلى الحج؛ لأن الله تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج، والمراد منها استطاعة التكليف: وهي سلامة الأسباب ووسائل الوصول. ومن جملة الأسباب: سلامة البدن عن الآفات المانعة من القيام بما لا بد منه في سفر الحج، فسر ابن عباس ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران:٩٧/ ٣] أن السبيل أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زاد وراحلة، من غير أن يحجب.
стр. 2015
وأما الاستطاعة المالية: فهي ملك الزاد والراحلة، بأن يقدر على الزاد ذهاباً وإياباً، وعلى الراحلة - وسيلة الركوب، زائداً ذلك عن حاجة مسكنه وما لا بد منه كالثياب وأثاث المنزل والخادم ونحو ذلك؛ لأنها مشغولة بالحاجة الأصلية، وزائداً أيضاً عن نفقة عياله الذين تلزمه نفقاتهم إلى حين عودته.
ويشترط في القدرة على الراحلة شروط:
أـ أن تكون مختصة به، فلا يكفي القدرة على راحلة مشتركة يركبها مع غيره على التعاقب. والقدرة اليوم بالاشتراك في السيارات أو البواخر أو الطائرات.
ب - أن تكون بحسب أحوال الناس: فمن لا يستطيع الركوب على القتَب (وهو الرَّحْل أو الإكاف الصغير حول سنام البعير) ولم يجد شيئاً آخر كالهودج أو المحمل، لايجب عليه الحج.
جـ - أن تطلب بالنسبة للآفاقي: وهو من كان بعيداً عن مكة بثلاثة أيام فأكثر. أما المكي أو القريب من مكة (وهو من كان بينه وبين مكة أقل من ثلاثة أيام)، فيجب عليه الحج متى قدر على المشي.
وأما الاستطاعة الأمنية: فهي أن يكون الطريق آمناً بغلبة السلامة ولو بالرشوة؛ لأن استطاعة الحج لا تثبت بدونه، وهو شرط وجوب، في المروي عن أبي حنيفة. وقال بعضهم: إنه شرط أداء.
وأمن المرأة: أن يكون معها أيضاً مَحْرم بالغ عاقل أو مراهق مأمون غير فاسق، برحم أو صِهْريّة، أو زوج، يحج بها على نفقتها، ويكره تحريماً أن تحج المرأة بغير المحرم أو الزوج، إذا كان بينها وبين مكة مدة سفر: وهي مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فصاعداً، فلو حجت بلا محرم جاز مع الكراهة، والأصح أنه لا يجب
стр. 2016
عليها التزوج عند فقد المحرم، ووجود المحرم شرط وجوب، وقيل: شرط أداء. لكن لاتسافر المرأة مع أخيها رضاعاً في زماننا لغلبة الفساد، لكراهة الخلوة بها كالصهرة (الحماية) الشابة.
والذي اختاره الكمال بن الهمام في الفتح أن وجود المحرم مع توافر الصحة وأمن الطريق شروط وجوب الأداء، فيجب الإيصاء إن منع المرض أو خوف الطريق، أو لم يوجد زوج ولا محرم.
ثم إن شرط وجوب الحج من الزاد والراحلة وغير ذلك يعتبر وجودها وقت خروج أهل بلده، فإن جاء وقت الخروج والمال في يده، فليس له أن يصرفه في غيره.
و قال المالكية (١): الاستطاعة: هي إمكان الوصول إلى مكة بحسب العادة، إما ماشياً أو راكباً، أي الاستطاعة ذهاباً فقط، ولا تعتبر الاستطاعة في الإياب إلا إذا لم يمكنه الإقامة بمكة أو في أقرب بلد يمكنه أن يعيش فيه، ولا يلزم رجوعه لخصوص بلده.
وتكون الاستطاعة بثلاثة أشياء، وهي:
أـ قوة البدن: أي إمكان الوصول لمكة إمكاناً عادياً بمشي أو ركوب، ببرّ أو بحر، بلا مشقة فادحة، أي عظيمة خارجة عن العادة، أما المشقة المعتادة فلا بد منها، إذ السفر قطعة من العذاب. والاستطاعة بالقدرة على المشي مما تفرد به المالكية. حتى إن الأعمى القادر على المشي يجب عليه الحج إذا وجد قائداً يقوده. ويكره للمرأة الحج بمشي بعيد.
стр. 2017
ب - ووجود الزاد المبلِّغ بحسب أحوال الناس وبحسب عوائدهم، ويقوم مقام الزاد الصنعة إذا كانت لا تزري بصاحبها وتكفي حاجته.
ويدل ذلك على أن المالكية لم يشترطوا وجود الزاد والراحلة بالذات، فالمشي يغني عن الراحلة لمن قدر عليه، والصنعة التي تدر ربحاً كافياً تغني عن اصطحاب الزاد أو النفقة عليه.
وتتحقق الاستطاعة بالقدرة على الوصول إلى مكة، ولو بثمن شيء يباع على المفلس من ماشية وعقار وكتب علم وآلة صانع ونحوها، أو حتى ولو صار فقيراً بعد حجه، أو ولو ترك أولاده ومن تلزمه نفقته للصدقة عليهم من الناس إن لم يخش عليهم هلاكاً أو أذىً شديداً، بأن كان الشأن عدم الصدقة عليهم أو عدم من يحفظهم.
ولا يجب الحج بالاستدانة ولو من ولده إذا لم يرج وفاء، وبالعطية من هبة أو صدقة بغير سؤال، ولا بالسؤال مطلقاً أي سواء أكانت عادته السؤال أم لا، لكن الراجح أن من عادته السؤال بالحضر، وعلم أو ظن الإعطاء في السفر ما يكفيه، يجب عليه الحج، أي أن معتاد السؤال في بلده يجب عليه الحج بشرط ظن الإعطاء، وإلا فلا يجب عليه.
جـ - توافر السبيل: وهي الطريق المسلوكة بالبر أو بالبحر متى كانت السلامة فيه غالبة، فإن لم تغلب فلا يجب الحج إذا تعين البحر طريقاً. ويكره للمرأة الحج في ركوب بحر إلا أن تختص بمكان في السفينة.
وهذا يتطلب كون الطريق آمناً على النفس والمال من غاصب وسارق وقاطع طريق: إذا كان المال ذا شأن بالنسبة للمأخوذ منه، فقد يكون الدينار ذا بال بالنسبة لشخص، ولا شأن له بالنسبة لآخر.
стр. 2018
ويزاد في حق المرأة: أن يكون معها زوج أو محرم بنسب أو رضاع أو صهرية (١) من محارمها، أو رفقة مأمونة عند عدم الزوج أو المحرم في حج الفرض ومنه النذر والحنث، سواء أكانت الرفقة نساء فقط، أم مجموعاً من الرجال والنساء. وإذا كانت المرأة معتدة من طلاق أو وفاة وجب عليها البقاء في بيت العدة، فلو فعلت صح حجها مع الإثم.
و قال الشافعية (٢): للاستطاعة المباشرة بالنفس بحج أو عمرة لمن كان بعيداً عن مكة مسافة القصر (٨٩ كم) شروط سبعة تشمل أنواع الاستطاعة الثلاثة السابقة:
الأول - القدرة البدنية: بأن يكون صحيح الجسد، قادراً أن يثبت على الراحلة بلا ضرر شديد أو مشقة شديدة، وإلا فهو ليس بمستطع بنفسه. وعلى الأعمى الحج والعمرة إن وجد قائداً يقوده ويهديه عند نزوله، ويركبه عند ركوبه. والمحجور عليه بسفه يجب عليه الحج كغيره، لكن لا يدفع المال إليه لئلا يبذره، بل يخرج معه الولي بنفسه إن شاء لينفق عليه في الطريق بالمعروف، أو يرسل معه شخصاً ثقة ينوب عن الولي، ولو بأجرة مثله، إن لم يجد متبرعاً كافياً، لينفق عليه بالمعروف.
الثاني - القدرة المالية: بوجود الزاد وأوعيته، ومؤنة (كلفة) ذهابه لمكة وإيابه (أي رجوعه منها إلى بلده، وإن لم يكن له فيها أهل وعشيرة).
فإن كان يكتسب كل يوم ما يفي بزاده، وسفره طويل (مرحلتان فأكثر أي ٩٨ كم)، لم يكلف الحج، حتى ولو كسب في يوم كفاية أيام؛ لأنه قد ينقطع عن
стр. 2019
الكسب لعارض، وإذا قدر عدم الانقطاع، فالجمع بين تعب السفر والكسب، فيه مشقة عظيمة. وذلك خلافاً لمذهب المالكية السابق في الاكتفاء بالصنعة أثناء السفر. أما إن كان السفر قصيراً، كأن كان بمكة، أو على دون مرحلتين منها، وهو يكتسب في يوم كفايةأيام، كُلِّف الحج، لقلة المشقة حينئذ.
الثالث - وجود الراحلة (وسيلة الركوب) الصالحة لمثله بشراء بثمن المثل، أو استئجار بأجرة المثل، لمن كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر، قدر على المشي أم لا، خلافاً للمالكية، ولكن يستحب للقادر على المشي الحج خروجاً من خلاف من أوجبه. وهذا الشرط من القدرة المالية أيضاً.
ومن كان بينه ومن مكة دون مرحلتين، وهو قوي على المشي، يلزمه الحج، فإن ضعف عن المشي، بأن عجز أو لحقه ضرر ظاهر، فهو كالبعيد، فيشترط في حقه وجود الراحلة.
ويشترط كون الزاد والراحلة فاضلين عن دينه الحال أو المؤجل، لآدمي أم لله تعالى كنذر وكفارة، وعن مؤنة (١) أي نفقة من تلزمه نفقته مدة ذهابه وإيابه، لئلا يضيعوا، وقد قال ﷺ : «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» (٢).
والأصح كون الزاد والراحلة فاضلين أيضاً عن مسكنه اللائق به وعن خادمه المحتاج إليه لمنصب أو عجز، لاحتياجه لهما في الحال.
والأصح أنه يلزم المرء صرف مال تجارته إلى الزاد والراحلة وتوابعهما. ويلزم من له مستغلات (أماكن أو دور للاستثمار) يحصل منها نفقته أن يبيعها ويصرفها لما ذكرفي الأصح، كما يلزمه صرفها لوفاء دينه.
стр. 2020
الرابع - وجود الماء والزاد وعلف الدابة في المواضع المعتاد حمله منها، بثمن المثل: وهو القدر المناسب به في ذلك الزمان والمكان، وإن غلت الأسعار. فإن لم يوجدوا، أو وجد أحدهم، أو وجد بأكثر من ثمن المثل، لم يلزمه النسك (الحج والعمرة). وهذا شرط أيضاً في القدرة المالية.
الخامس - الاستطاعة الأمنية: أمن الطريق ولو ظناً على نفسه وماله في كل مكان بحسب ما يليق به، والمراد هو الأمن العام، فلو خاف على نفسه أو زوجه أو ماله سبعاً أو عدواً أو رَصديّاً (وهو من يرصد أي يرقب من يمر ليأخذ منه شيئاً)، ولا طريق له سواه، لم يجب الحج عليه، لحصول الضر.
وإذا تحقق الأمن بالخفارة أو الحراسة في غالب الظن، وجب استئجار الحارس على الأصح، إن كان قادراً على أجر المثل.
السادس - أن يكون مع المرأة زوج، أو مَحْرم بنسب أو غيره، أو نسوة ثقات؛ لأن سفرها وحدها حرام، وإن كانت في قافلة أو مع جماعة، لخوف استمالتها وخديعتها، ولخبر الصحيحين: «لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم» ولا يشترط كون الزوجة والمحرم ثقة؛ لأن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي.
وأما النسوة فيشترط فيهن الثقة لعدم الأمن، والبلوغ، لخطر السفر، ويكتفى بالمراهقات في رأي المتأخرين، وأن يكنَّ ثلاثاً غير المرأة؛ لأنه أقل الجمع، ولا يجب الخروج مع امرأة واحدة. وهذا كله شرط للوجوب. أما الجواز فيجوز للمرأة أن تخرج لأداء حجة الإسلام (الفرض) مع المرأة الثقة على الصحيح. والأصح أنه لا يشترط وجود محرم لإحداهن، والأصح أنه يلزم المرأة أجرة المحرم إذا لم يخرج إلا بها.
стр. 2021
أما حج التطوع وغيره من الأسفار التي لا تجب، فليس للمرأة أن تخرج إليه مع امرأة، بل ولا مع النسوة الخلص، لكن لو تطوعت بحج، ومعها محرم، فمات، فلها إتمامه، ولها الهجرة من بلاد الكفر وحدها.
السابع - إمكان المسير: وهو أن يبقى من وقت الحج بعد القدرة بأنواعها ما يكفي لأدائه. وتعتبر الاستطاعة عند دخول وقته وهو شوال إلى عشر ذي الحجة، فلا يجب الحج إذا عجز في ذلك الوقت.
و قال الحنابلة (١): الاستطاعة المشترطة: هي القدرة على الزاد والراحلة؛ لأن النبي ﷺ فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، فوجب الرجوع إلى تفسيره: «سئل النبي ﷺ ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة» (٢) روى ابن عمر: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، مايوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة» (٣).
واتفق الشافعية في الأصح والحنابلة على أنه لا يلزم الحج إذا بذل المال ولد أو أجنبي، ولا يجب قبوله، لما في قبول المال من المنة.
ورأى الحنابلة كالشافعية أن من تكلف الحج ممن لا يلزمه، وأمكنه ذلك من غير ضرر يلحق بغيره، مثل أن يمشي ويكتسب بصناعة ونحوها، ولايسأل الناس، استحب له الحج، لقوله تعالى: ﴿يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر﴾ [الحج:٢٧/ ٢٢] فقدم الرجال أي المشاة، ولأن في ذلك مبالغة في طاعة الله ، وخروجاً من الخلاف. ويكره الحج لمن حرفته السؤال.
والزاد المشروطة عند الحنابلة كالشافعية: وهو ما يحتاج إليه في ذهابه
стр. 2022
ورجوعه، من مأكول ومشروب وكسوة، ويلزمه شراؤه بثمن المثل، أو بزيادة يسيرة لا تجحف بماله.
ويلزمه حمل الزاد والماء وعلف البهائم إن لم يجده في طريقه، فإن وجده في المنازل المعتادة، لم يلزمه حمله؛ لأن هذا يشق عليه ولم تجر العادة به.
ويشترط أيضاً القدرة على وعاء الزاد والماء؛ لأنه لا بد منه.
ويعتبر الزاد مع قرب المسافة وبعدها إن احتاج إليه؛ لأنه لا بد منه، فإن لم يحتج إليه لم يعتبر.
وأما الراحلة أو المركوب: فيشترط أن تكون صالحة لمثله، إما بشراء أو بكراء لذهابه ورجوعه، وأن يجد ما يحتاج إليه من آلتها التي تصلح لمثله. ويطلب وجود الراحلة مع بعد المسافة فقط عن مكة، ولو قدر على المشي، لأن الاستطاعة هي الزاد والراحلة، وبعد المسافة: ما تقصر فيه الصلاة، أي مسيرة يومين معتدلين، ولا تعتبر الراحلة فيما دون مسافة القصر، من مكي وغيره بينه وبين مكة دون المسافة، ويلزمه المشي للقدرة على المشي فيها غالباً، ولأن مشقتها يسيرة، ولا يخشى فيها المشي للقدرة على المشي فيها غالباً، ولا يخشى فيها عطب إذا حدث انقطاع بها، إلا مع عجز لكبر ونحوه كمرض، فتعتبر الراحلة، حتى فيما دون المسافة للحاجة إليها إذن. ولا يلزمه السير حبواً وإن أمكنه لمزيد مشقته.
ويشترط أن يكون الزاد والراحلة فاضلاً عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مؤونتهم في مضيه ورجوعه، دون ما بعد رجوعه؛ لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين، وهم أحوج، وحقهم آكد، وقد قال ﷺ : «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» (١).
стр. 2023
وأن يكون ذلك فاضلاً عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن وخادم وما لابد منه، وأن يكون فاضلاً عن قضاء دينه؛ لأن قضاء الدين من حوائجه الأصلية، ويتعلق به حقوق الآدميين، فهو آكد.
وإن احتاج إلى الزواج وخاف على نفسه العنت (الإثم والأمر الشاق) قدم التزويج، لأنه واجب عليه ولا غنى به عنه، فهو كنفقته، وإن لم يخف قدم الحج؛ لأن الزواج تطوع، فلا يقدم على الحج الواجب.
ومن له عقار يحتاج إليه لسكناه، أو سكنى عياله، أو يحتاج إلى أجرته، لنفقة نفسه أو عياله، أو بضاعة متى نقصها اختل ربحها، لم يكفهم، أو سائمة يحتاجون إليها، لم يلزمه الحج، فإن كان له من ذلك شيء فاضل عن حاجته، لزمه بيعه في الحج. وإن كان له كتب يحتاج إليها، لم يلزمه بيعها في الحج، وإن كانت مما لا يحتاج إليها، باع منها ما يكفيه للحج.
وإن كان له دين على مليء باذل له يكفيه للحج، لزمه الحج؛ لأنه قادر، وإن كان على معسر أو تعذر استيفاؤه عليه، لم يلزمه.
ويشترط أيضاً أمن الطريق بحيث لا يوجد مانع من عدو ونحوه. ووجود زوج أو محرم للمرأة، فلا يجب عليها الحج ما لم يكن معها أحدهما. وإمكان المسير وهو أن تكمل فيه هذه الشرائط والوقت متسع يمكنه الخروج إلى الحج (١). وهذا موافق لمذهبي الحنفية والشافعية أيضاً، لكن عند الحنابلة روايتان في هذين الشرطين: رواية أنهما من شرائط الوجوب كالحنفية والشافعية، فلا يجب الحج بدونهما، ورواية أنهما من شرائط لزوم السعي إلى الحج، فمن مات يجب الحج
стр. 2024
عنه بعد موته لثبوته في ذمته، أما على الرواية الأولى فلم يجب عليه شيء، وهذا هو المذهب.
وليس للرجل منع امرأته من حجة الإسلام عند أكثر العلماء، وهو قول للشافعي؛ لأنه فرض، فلم يكن له منعها منه، كصوم رمضان والصلوات الخمس. ويستحب أن تستأذنه في ذلك، فإن أذن وإلا خرجت بغير إذنه. فأما حج التطوع فله منعها منه.
وقال الشافعية: للزوج منع الزوجة من الحج الفرض والمسنون؛ لأن حقه على الفور، والنسك على التراخي، وليس له منعها من الصوم والصلاة، والفرق: طول مدة الحج، بخلافهما.
الشروط الخاصة بالنساء: أما الشروط الخاصة بالنساء فهي اثنان تفهم مما سبق بيانه في المذاهب وهما:
أحدهما - أن يكون معها زوجها أو مَحْرم لها، فإن لم يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج. وهذا متفق عليه للحديث السابق: «لا تسافر المرأة ثلاثة إلا ومعها ذو محرم» (١) ولحديث: «لا تحجن امرأة إلا ومعها زوج» (٢)، وأوجب الشافعية على المرأة الحج مع نسوة ثقات، لا مع واحدة فقط، وأوجب المالكية عليها الحج مع رفقة مأمونة من النساء فقط أو الرجال فقط، أو المجموع من الجنسين. ودليل الشافعية والمالكية عموم آية: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران:٩٧/ ٣] فإذا أمنت المرأة الفساد على نفسها لزمها الحج.
стр. 2025
وضابط المحرم عند العلماء: من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها أي بنسب أو رضاع أو مصاهرة. فخرج بالتأبيد: زوج الأخت وزوج العمة، وخرج بالمباح: أم الموطوءة بشبهة وبنتها، وخرج بحرمتها: الزوجة الملاعنة (١) هذا ويلاحظ أن الخلاف بين الشافعية والمالكية وبين باقي الفقهاء محصور في سفر الفريضة ومنه سفر الحج، فلا يقاس عليه سفر الاختيار بالإجماع، خطب النبي ﷺ فقال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل، فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: انطلق، فحج مع امرأتك» (٢).
والثاني - ألا تكون معتدة عن طلاق أو وفاة؛ لأن الله تعالى نهى المعتدات عن الخروج بقوله : ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن﴾ [الطلاق:١/ ٦٥] ولأن الحج يمكن أداؤه في وقت آخر، فأما العدة فإنها تجب في وقت مخصوص وهو ما بعد الطلاق أو الوفاء مباشرة، فكان الجمع بين الأمرين أولى.
ويلاحظ أن هذين الشرطين مع شروط سلامة البدن من الآفات المانعة من السفر كالمرض والعمى، وزوال المانع الحسي كالحبس، وأمن الطريق هي شروط وجوب الأداء عند الحنفية وهي خمسة، أما شروط الوجوب أو الفرضية فهي ثمانية عندهم: وهي الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والوقت والقدرة على الزاد ولو بمكة، والقدرة على الراحلة والقوة بلا مشقة.
ولو تكلف واحد ممن له عذر فحج عن نفسه، أجزأه عن حجة الإسلام إذا
стр. 2026
كان عند الحنفية بالغاً عاقلاً حراً؛ لأنه من أهل الفرض، إلا أنه لم يجب عليه، دفعاً للحرج عنه، فإذا تحمل الحرج وقع الحج موقعه.
ومنع الحنابلة خروج المرأة إلى الحج في عدة الوفاة، وأجازوا لها الخروج في عدة الطلاق المبتوت؛ لأن لزوم المنزل والمبيت فيه واجب في عدة الوفاة، والطلاق المبتوت لا يجب فيه ذلك. وأما عدة الرجعية إن خرجت للحج فتوفي زوجها، رجعت لتعتد في منزلها إن كانت قريبة، ومضت في سفرها إن كانت بعيدة.
النيابة في الحج والحج عن الغير (١):
بحث هذا الموضوع يقتضي ما يأتي:
أولاً - ما يقبل النيابة من العبادات وما لا يقبلها: العبادات أنواع ثلاثة (٢):
أـ عبادة مالية محضة كالزكاة والكفارة وتوزيع الأضاحي: يجوز النيابة فيها بالاتفاق في حالتي الاختيار والضرورة؛ لأن المقصود انتفاع أهلها بها، وذلك حاصل بأي شخص، أصيل أو نائب.
стр. 2027
ب - عبادة بدنية محضة كالصلاة والصوم: لا تجوز النيابة فيها؛ لأن المقصود وهو إتعاب النفس لا يحصل بالإنابة.
جـ - عبادة مركبة - بدنية ومالية معاً - كالحج: يجوز فيها عند الجمهور (غير المالكية) النيابة عند العجز أو الضرورة؛ لأن المشقة المقصودة تحصل بفعل النفس، وتحصل أيضاً بفعل الغير إذا كان بماله، فهذه العبادة تختلف عن الصلاة باشتمالها على القربة المالية غالباً بالإنفاق في الأسفار.
وقال المالكية على الصحيح: لا تجوز النيابة عن الحي في حج الفرض أو النفل، بأجرة أو لا، والإجارة فيه فاسدة، لأنه عمل بدني لا يقبل النيابة، كالصلاة والصوم، إذ المقصود منه تأديب النفس بمفارقة الأوطان وتهذيبها بالخروج عن المعتاد، من لبس المخيط وغيره لتذكر المعاد والآخرة والقبر، وتعظيم شعائر الله في تلك البقاع، وإظهار الانقياد من الإنسان لما لم يعلم حقيقته، كرمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة وغيرهما، وهذه مصالح ومقاصد لا تتحقق إلا لمن باشرها بنفسه.
أما الميت إذا أوصى بالحج فيصح عنه مع الكراهة، ويكره التطوع عنه بالحج.
ثانياً - إهداء ثواب الأعمال للميت: اتفق العلماء على وصول ثواب الدعاء والصدقة والهدي للميت، للحديث السابق: «إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، وولد صالح يدعو له» (١).
стр. 2028
وقال جمهور أهل السنة والجماعة (١): للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو تلاوة قرآن، بأن يقول: اللهم اجعل ثواب ما أفعل لفلان، لما روي أن النبي ﷺ «ضحى بكبشين أملحين، أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته، ممن أقر بوحدانية الله تعالى، وشهد له بالبلاغ» (٢) فإنه جعل تضحية إحدى الشاتين لأمته. ولما روي أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: «كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؛ فقال له ﵊: إن من البر بعد البر: أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك» (٣).
وأما قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم:٣٩/ ٥٣] فيراد به: إلا إذا وهبه له، كما حققه الكمال بن الهمام، أو أنه ليس له من طريق العدل، وله من طريق الفضل، ويؤكده مضمون آية أخرى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذ ريتَهم﴾ [الطور:٢١/ ٥٢].
وأما حديث «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث» فلا يدل على انقطاع عمل غيره. وأما حديث: «لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد» فهو في حق الخروج عن العهدة، لا في حق الثواب.
وليس في ذلك شيء مما يستبعد عقلاً، إذ ليس فيه إلا جعل ما له من الأجر
стр. 2029
لغيره، والله تعالى هو الموصل إليه، وهو قادر عليه، ولا يختص ذلك بعمل دون عمل.
وقال المعتزلة: ليس للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره، ولا يصل إليه، ولاينفعه، لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى﴾ [النجم:٣٩/ ٥٣ - ٤٠] ولأن الثواب هو الجنة، وليس في قدرة العبد أن يجعلها لنفسه فضلاً عن غيره.
وقال مالك والشافعي: يجوز جعل ثواب العمل للغير في الصدقة والعبادة المالية وفي الحج، ولا يجوز في غيره من الطاعات كالصلاة والصوم وقراءة القرآن وغيره.
ثالثاً - مشروعية النيابة في الحج وأقوال الفقهاء فيما يجوز منها: يجوز الحج عن الغير الذي مات ولم يحج، أو عن المريض الحي الذي عجز عن الحج لعذر وله مال، وآراء الفقهاء هي ما يأتي (١):
قال الحنفية: من لم يجب عليه الحج بنفسه لعذر كالمريض ونحوه، وله مال، يلزمه أن يُحج رجلاً عنه، ويجزئه عن حجة الإسلام، أي أنه تجوز النيابة في الحج عند العجز فقط لا عند القدرة، بشرط دوام العجز إلى الموت. وأما المقصر الذي مات فتصح منه بل تجب الوصية بالإحجاج عنه ويكون من بلده، إن لم يعين مكاناً آخر، فهما حالتان: العجز وبعد الموت بالوصية.
стр. 2030
والمعتمد عند المالكية: أن النيابة عن الحي لا تجوز، ولا تصح مطلقاً إلا عن ميت أوصى بالحج، فتصح مع الكراهة وتنفذ من ثلث ماله. ولا حج على المعضوب إلا أن يستطيع بنفسه، للآية ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران:٩٧/ ٣] وهذا غير مستطيع.
وأجاز الشافعية الحج عن الغير في حالتين:
أـ حالة المعضوب: وهو العاجز عن الحج بنفسه لكبر أو زمانة أو غير ذلك، الذي لا يثبت على الراحلة. بل يلزمه الحج إن وجد من يحج عنه بأجرة المثل بشرط كونها فاضلة عن حاجاته المذكورة فيمن حج بنفسه، لكن لا يشترط نفقة العيال ذهاباً وإياباً؛ لأنه مستطيع بغيره؛ لأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل المال وطاعة الرجال، فيجب على من عجز عن الحج بنفسه لهرم أو مرض لا يرجى برؤه الاستنابة إن قدر عليها بماله أو بمن يطيعه بأن كان متبرعاً موثوقاً به.
ب - وحالة من يأتيه الموت ولم يحج، فيجب على ورثته الإحجاج عنه من تركته، كما يقضى منها دينه، ويلزمهم أن يخرجوا من ماله بما يحج به عنه، بالنفقة الكافية ذهاباً وإياباً.
والخلاصة: إن الاستطاعة للحج نوعان عند الشافعية: استطاعة مباشرة بنفسه، واستطاعة تحصيله بغيره، أما الأولى فيشترط لها الأمور السابقة: الراحلة لمن كان بينه وبين مكة مسافة القصر (مرحلتان) فصاعداً، والزاد، وأمن الطريق، وصحة البدن، وإمكان المسير: وهو أن يبقى من الزمان بعد وجود الزاد والراحلة ما يمكن فيه السير المعهود إلى الحج.
وأما الثانية: فهي أن يعجز عن الحج بنفسه بموت أو كبر، أو زمانة أو مرض
стр. 2031
لايرجى زواله أو هرم بحيث لا يستطيع الثبوت على الراحلة إلا بمشقة شديدة. وهذا العاجز الحي يسمى معضوباً.
وتجب الاستنابة عن الميت إذا كان قد استطاع في حياته، ولم يحج، إذا كان له تركة، وإلا فلا يجب على الوارث. ويجوز للوارث والأجنبي الحج عنه سواء أوصى به أم لا.
وأما المعضوب فلا يصح عنه الحج بغير إذنه، وتلزمه الاستنابة إن وجد مالاً يستأجر به من يحج عنه فاضلاً عن حاجته يوم الاستئجار خاصة، سواء وجد أجرة راكب أو ماش، بشرط أن يرضى بأجر المثل. وإن لم يجد مالاً ووجد من يتبرع عنه بالحج من أولاده الذكور أو الإناث، لزمه استنابته.
وتجوز الاستنابة في حج التطوع للميت والمعضوب على الأصح.
ولو استناب المعضوب من يحج عنه، ثم زال العضب وشفي، لم يجزه على الأصح، بل عليه أن يحج (١).
وعلى هذا: من وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات ينظر:
إن مات قبل أن يتمكن من الأداء سقط فرضه، ولم يجب القضاء.
وإن مات بعد التمكن من الأداء، لم يسقط الفرض، ويجب قضاؤه من تركته، ويجب قضاؤه عنه من الميقات؛ لأن الحج يجب من الميقات، ويجب من رأس المال؛ لأنه دين واجب، فكان من رأس المال كدين الآدمي. وإن اجتمع الحج ودين الآدمي، والتركة لا تتسع لهما، الأصح أنه يقدم الحج (٢).
стр. 2032
وأجاز الحنابلة كالشافعية الحج عن الغير في حالتين أيضاً:
١ - المعضوب: وهو من عجز عن السعي إلى الحج والعمرة لكبر أو زمانة، أو مرض لا يرجى برؤه، أو ثقل لا يقدر معه الركوب على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة، أو أيست المرأة من محرم.
يلزم كل من هؤلاء الحج إن وجد من ينوب عنه حراً، ومالاً يستنيبه به، فيحج عنه ويعتمر على الفور من بلده، أو من الموضع الذي أيسر منه إن كان غير بلده.
ويجوز أن يكون النائب رجلاً عن امرأة وبالعكس: امرأة عن رجل، بلا خلاف بين العلماء، لكن يكره عند الحنفية إحجاج المرأة لاشتمال حجها عادة على نوع من النقصان، فإنها لا ترمل في الطواف وفي السعي بين الصفا والمروة، ولاتحلق.
وإن لم يجد مالاً يستنيب به، فلا حج عليه بغير خلاف؛ لأن الصحيح (غير المريض) لو لم يجد ما يحج به، لم يجب، فالمريض أولى. وإن وجد مالاً ولم يجد من ينوب عنه، فعلى الروايتين السابقتين في إمكان المسير: هل هو من شرائط الوجوب وهو المذهب، فلا يجب عليه شيء بعد الموت. أم من شرائط لزوم السعي للحج، فيجب الحج عنه بعد موته.
ومن يرجى زوال مرضه وفك حبسه، ليس له أن يستنيب، فإن فعل لم يجزئه؛ لأنه يرجو القدرة على الحج بنفسه، فلم يكن له الاستنابة، ولا تجزئه إن فعل كالفقير.
وإن عوفي المعضوب قبل إحرام النائب لم يجزئه حج النائب عنه اتفاقاً للقدرة على المبدل قبل الشروع في البدل، كالمتيمم يجد الماء.
стр. 2033
ومتى أحج المعضوب عن نفسه، ثم عوفي، لم يجب عليه حج آخر؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج عن العهدة، كما لو لم يبرأ. وقال الشافعية والحنفية: يلزمه حج آخر؛ لأن هذا بدل إياس، فإذا برأ تبينا أنه لم يكن مأيوساً منه، فلزمه الأصل، كالآيسة إذا اعتدت بالشهور، ثم حاضت، لا تجزئها تلك العدة.
ولا يجوز الحج والعمرة عن حي إلا بإذنه فرضاً كان أو تطوعاً؛ لأنها عبادة تدخلها النيابة، فلم تجز عن البالغ العاقل إلا بإذنه كالزكاة.
٢ - الميت الذي وجب عليه الحج: من وجب عليه الحج، لاستكمال الشرائط السابقة المطلوبة، ثم توفي قبله، فرّط في الحج بأن أخره لغير عذر، أو لم يفرط كالتأخير لمرض يرجى برؤه أو لحبس أو أسر أو نحوه، أخرج عنه من جميع ما له حجة وعمرة، ولو لم يوص به. ويكون الإحجاج عنه من حيث وجب عليه، لا من حيث مكان موته؛ لأن القضاء يكون بصفة الأداء، بل يجب ألا يكون النائب من خارج بلده التي تبعد فوق مسافة القصر، ويجوز من نائب من بلد آخر دون مسافة القصر؛ لأن ما دونها في حكم الحاضر. وإن مات من وجب عليه الحج في الطريق أو مات نائبه في الطريق، حج عنه من حيث مات هو أو نائبه، فيما بقي مسافة وقولاً وفعلاً.
ويسقط الحج عن الميت بحج أجنبي عنه، ولو بلا إذن وليه؛ لأنه ﷺ شبَّهه بالدين، أي إن الحج عن الميت يجوز عنه بغير إذنه واجباً كان أو تطوعاً، بخلاف الحي؛ لأنه ﷺ أمر بالحج عن الميت، مع العلم أنه لا إذن له، وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة.
وإن وصى المسلم بحج نفل ولم يعين محل الاستنابة، جاز أن يحج عنه من الميقات أي ميقات بلد الموصي، ما لم تمنع منه قرينة بأن يوصي أن يحج بقدر يكفي
стр. 2034
للنفقة من بلده، فيتعين منها، فإن ضاق ماله عن الحج من بلده بأن لم يخلف مالاً يفي به، أو كان عليه دين، أخذ للحج بحصته، وحج به من حيث يبلغ، لشبهه بالدين.
والخلاصة: إن المالكية والحنفية يجيزون الحج عن الميت إذا أوصى وتنفذ الوصية من ثلث المال، وأجاز الجمهور غير المالكية عن الحي العاجز لمرض ونحوه. وحج النائب يكون عند الحنفية والحنابلة من بلد المنوب عنه، وعند الشافعية من الميقات.
وتنفذ الوصية عند الشافعية والحنابلة من رأس المال، لا من الثلث فقط.
وحج النائب عن الميت يكون على الفور عند الجمهور، لقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ [البقرة:١٩٦/ ٢] ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران:٩٧/ ٣] والأمر على الفور، وعند الشافعي: على التراخي، وللنائب تأخيره؛ لأن النبي ﷺ أمّر أبا بكر على الحج وتخلف بالمدينة، لا محارباً ولا مشغولاً بشيء وتخلف أكثر الناس قادرين على الحج، فدل على أن وجوبه على التراخي.
أدلة المشروعية: استدل الفقهاء على مشروعية النيابة في الحج بحديث ابن عباس وغيره: «أن امرأة من خَثْعَم، قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً، لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره؟ قال: فحُجِّي عنه» (١) فدل على جواز الحج عن الوالد غير القادر على الحج، علماً بأن ذلك كان في حجة الوداع.
стр. 2035
وعن ابن عباس أيضاً: «أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج، حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم، حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمِّك دين أكنت قاضيتَه؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» (١).
ورواه الدارقطني بلفظ: «أتى النبي ﷺ رجل، فقال: إن أبي مات، وعليه حجة الإسلام، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو أن أباك ترك ديناً عليه، أقضيتَه عنه؟ قال: نعم، قال: فاحجُجْ عن أبيك». دل على إجزاء الحج عن الميت من الولد، وشبَّهه بالدين، ودلت روايات أخرى على صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره، إذ فيها «إن أختي نذرت أن تحج» ولم يستفصله أوارث هو أم لا؟
ودلت السنة أيضاً على اشتراط كون النائب قد حج عن نفسه، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: لبّيك عن شُبْرمة، قال: من شُبْرمة؟ قال: أخ لي، أوقريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حجَّ عن نفسك، ثم حج عن شبرمة» (٢).
رابعاً - الاستئجار على الحج: لم يجز متقدمو الحنفية (٣) الاستئجار على الحج والأذان وتعليم القرآن والفقه ونحوه من القربات الدينية لاختصاص فاعلها بها، فلو قال رجل لآخر: «استأجرتك على أن تحج عني بكذا» لم يجز حجه، والمذهب وقوع الحج عن